قال المُشرِّحُ: الحروفُ جمعُ حرفٍ، كالظروفِ جمعِ ظرفٍ، والسيوف جمع سيف، ويراد بالحرف شيئان:
أحدهما: بعض الكلمة، كالجيم من جعفر والضاد من ضرب والفاء من "في".
والثاني: أن يُراد به النَّوع الثاني من [الكَلِمِ] (^١) وذلك نحو: "من" و"في" و"قد" و"سوف".
والمراد بالحرف ها هنا هذا من الأول، لأن هذا الثاني لما لا يتصور معنى إلا بغيره فكذلك الأول لا يُفيد معنى إلا بغيره، وأصله من حرفِ السّيف وهو حَدُّه؛ لأن حرفَ السيفِ طرفٌ من أطرافه، كما أن حرفَ الكلمةِ طرفٌ من أطرافها.
قال جارُ اللهِ: "الحرفُ ما دلَّ على معنى في غيره، ومن ثمَّ لم ينفكّ عن اسمٍ أو فعلٍ يَصحبه".
قالَ المشرِّحُ: الحرفُ ما دلَّ على معنى في غيره، والمَعنى بذلك (^٢):
_________________
(١) في (أ) "من الكلمة".
(٢) نقله الأندلسي فى شرحه (٣/ ١٥٣)، قال: "قال شارح المفصل صدر الأفاضل: المعنى من قولهم: "يدل على معنى في غيره" أنه لا يتصور معناه إلا في تصور معنيين آخرين … " ثم =
[ ٤ / ٥ ]
أنه دل على معنى لا يُتصور إلا في تَصور معنيين آخرين [أي: في ضمنِ تصورهما وهذا لأنَّ الحروفَ نَسَبٌ وروابطُ، إلا أن جهة النِّسبة مما يتفاوت في كل حرف والنّسبة لا يُتصور معناها إلا بتصور معنيين آخرين] (^١) وهما: المَنسوب والمنسوب إليه.
فإن سألتَ: هذا الحدُّ ينتقض بلفظِ النّسبة والإِلصاق فإنه يدلُّ على معنى لا يُتَصَوَّرُ إلا بتصورِ معنيين آخرين، وهما المَنسوب والمَنسوب إليه والملصق والملصق به، وَ"بإذا" فإنَّه يدلُّ على المجازاة، وهي لا تُتَصوَّر إلا بتصور معنيين آخرين وهُما الشَّرطُ والجزاءُ وشيءٌ من ذلك ليس بحرفٍ (^٢)؟
أجبتُ: أمَّا النَّسبةُ والإِلصاقُ فيريد بذَينك المعنيين يمتنع تجريد الدَّال على ذلك المعنى إذا وقع في التَّركيب جاز [تجريده] (^٣) عن اقتران [أحدهما به، ومثل النّسبة الإِلصاق إذا وقع في التركيب جازَ تجريده عن اقتران أحد ذينك المَعنيين] (^٤). ألا تَرى أنَّك إذا [قلت] (^٥): ثَبَتَتْ النّسبة أو وُجد الإِلصاق فقد وُجد كلّ واحدٍ منهما في التركيب، ولم يقترن به أحد ذينك المعنيين.
وأما "إذا" فالمعنى بقولنا: "دل على معنى" اقتصار دلالته على ما تقدم من المعنى.
فإنْ [سألتَ: فـ] (^٦) "إذا" ليس كذلك؛ لأنَّه كما دلَّ على المُجازاة في
_________________
(١) = قال الأندلسي معقبًا على كلام الخوارزمي: "وهذا أيضا مأخوذ من معنى ما قاله السيرافي غير أنه يغير عبارة النحاة، ثم اعترض على ما يقوله النحاة فقال: ما ذكروه ينتقض بلفظ النسبة والمجازاة … وأورد أغلب كلام الخوارزمي.
(٢) تأخرت هذه العبارة في (ب) وكتبت بعد قوله: "فإن سألت … ".
(٣) ساقط من (أ).
(٤) ساقط من (أ).
(٥) ساقط من (ب).
(٦) ساقط من (أ).
(٧) ساقط من (أ).
[ ٤ / ٦ ]
"إذا" فهو بعينه معنى الوَقت، ألا تَرى أنك إذا قُلتَ: آتيتك إذا احمَرَّ البُسر فالمعنى أتيتك وقتَ احمرار البُسر؟
أجبتُ: معنى "إذا" لو اقتصر على معنى الوقت لما غير الماضي بدخوله عليه إلى الاستقبال، ولما جاز دخول الفاء في بعض الممواضع في جزائه، وذلك نحو: إذا دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ، بل جرى مجرى الوقت حينئذٍ، ومن أجل ما ذكرناه حكموا على "إذا" بالاسمية، وعلى ["إن"] (^١) بالحرفية لأنه لم يتمخض دلالة "إذا" على ذلك وتمخض دلالة "إن" عليه. ومما ينتبهك على الفرق بينهما قول أصحابنا [﵏] (^٢) في مَنْ قال لامرأته: أنتِ طالقٌ إن لم أطلقك: بأنّها لا تطلق حتى يموتَ الزَّوج (^٣)، لأن كلمةَ "إن" للشرطِ، وقد جَعل شرطُ الطلاقِ عدمُ التَّطليق، ولا يُتحقق عدمُ التَّطليقِ إلا باليَأْسِ عن الحياة وذلك ينتهي إلى آخرِ جزءٍ من أجزاءِ حياتِهِ. ولو قال: أنتِ طالقٌ إذا لم أطلقك فكلما سَكَتَ وقع الطَّلاق عِند أبي يُوسف ومحمّد، لأن "إذا" للوقت وعند أبي حنيفة [﵀] (٢)، وإن كانت لا تَطلق في الحال، لكن لا، لأنه لم (٣) تمخض "إذا" لمعنى الشرط، بل لكونه أحيانا بمعناه، وحينئذ يكون حرفًا بمنزلة "إن"، قال (^٤):
* وَإِذَا تُصِبْكَ خَصاصَةٌ فَتَحَمَّلِ *
فإذا أُريد به الوقَتُ فكما فَرَغَ من ذلك الكلام وقع الطلاق، وإن أريد به الشرط لم يقعُ للحال، فلا يقعُ بالشك والاحتمال.
_________________
(١) في (أ): "إذا".
(٢) في (أ).
(٣) ساقط من (ب) موجودة في نص الأندلسي المنقول من هنا.
(٤) ينسب هذا البيت إلى حارثة بن بَدْرٍ الغُداني شعره (ص ٣٥٨) (شعراء أمويون) وإلى عبد قيسِ بن خِفاف وهو في المُفضليات (ص ٣٨٥) والأصمعيات (ص ٢٣٠)، وشرح المفضليات (ص ٧٥٢). وينظر: معاني القرآن (٣/ ١٥٨).
[ ٤ / ٧ ]
فإن سألتَ: من الناس من يفسر من ذكرت من حد الحرف في صدر الباب بأنه الذي لا يفيد معنًى إلا إذا اقترن به الأسماء والأفعال؟
أجبتُ: لو كان الأمر كذلك لما فهم للحروف وقت إطلاقها معنًى، بل عقب ذلك حتى تلحقها الأسماء والأفعال وتبين بطلان ذلك.
قَال جارُ اللهِ: "إلا في مواضع مخصوصة حُذِفَ فيها الفعل واقتُصر على الحرفِ فجرى مجرى الثَّابت نحو قولك: نَعم، وبَلى (^١)، وأي، وإنه، ويا زيد و"قد" في قوله:
* وكَأَنْ قَدِ *
قال المُشرِّحُ: إذا (^٢) قيل: هل خرج زيدٌ؟ فقلتَ: نَعَمْ، فمعناه: نَعَمْ خَرَجَ زَيْدٌ (^٣)، وكذلك إذا قيل: ألم يخرج زيدٌ؟ فقلتَ: بلى، فمعناه: بلى خرج، وإذا قيل: هل كان كذا؟ فقلت: إيْ واللهِ، فمعناه: أيْ واللهِ كانَ كذا، و"إنَّهْ" بمعنى (جَيْرِ) في قوله (^٤):
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلَا … كَ وَقَدْ كَبِرْتُ فقُلْتُ إِنَّهْ
مذهبُ النَّحويين أنَّ حرفَ النِّداء أصله أن يُقال: يا أَعني زيدًا، قال سيبويه في تَمْثيله: يا إيَّاك أعني. و"قد" في قوله: "وكأنْ قَدِ" معناه: وكأن زَالت وهذا من قوله (^٥):
أَفِدَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكَابَنَا .. لَمَّا تَزَلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ
_________________
(١) كررت في (أ).
(٢) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ٣٥٥) شرح هذه الفقرة بتمامها.
(٣) ساقط من (ب).
(٤) سيأتي ذكره بعد صفحات.
(٥) البيت للنابغة الذبياني في ديوانه (ص ٨٩).
[ ٤ / ٨ ]
قالَ جارُ اللهُ: "ومن أصناف الحُروف حروفُ الإِضافة: سميت بذلك لأنَّ وضعها على أن تُفضي بمعاني الأَفعال إلى الأسماءِ، وهي فَوْضَى في ذلك وإن اختَلَفَ [بها] (^١) وجوهُ الإِفضاءِ".
قال المُشرِّحُ: قومٌ فَوضى في ذلك: متساوون لا رئيسَ لهم، قال الأَفْوَهُ الأَوْدِيُّ (^٢):
لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَرَاةَ لَهُمْ … وَلَا سَرَاةَ إذا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
ويقال: أموالهم فَوضى بينهم، أي: هُم فيها شركاءُ، أنشدَ الشَّيْخُ -﵀ (^٣) -:
* طَعَامُهُمُ فَوْضَى فَضًا في رِحَالِهَمْ *
والمَعْنَى: أنَّها مشتركةٌ في نفس الإِفضاء، وإن كانت جهةُ إفضائها مختلفةً.
قال جارُ اللهِ: "وهي على ثلاثةُ أضرب، ضربٌ لازمٌ للحرفية، وضرب كائنٌ اسمًا وحرفًا، وضربٌ كائن فعلًا وحرفًا. فالأولى تسعةُ أحرفٍ، من، وإلى وحتى، وفي، والباء، واللام، ورب، وواو القسم، وتاؤه.
والثاني خمسةُ أحرف: على، وعن والكاف، ومذ، ومنذ.
والثالث ثلاثة أحرف: حاشا وعدا، وخلا.
فصل: "مِنْ" معناها: ابتداءُ الغاية، كقولك: سرتُ من البصرة وكونُها
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) ديوان الأفوه (ص ٢).
(٣) أنشده الزَّمخشري -﵀- في أساس البَلاغة (ص ٣٥٠)، وعجزه: * وَلَا يُحْسِنُونَ السِّرَّ إلَّا تَنَادِيَا * أورده الأندلسي في شرحه (٣/ ١٥٧) عن الحواشي للزَّمخشري، ولم يرد نسختي من (الحواشي).
[ ٤ / ٩ ]
مُبَعِّضةٌ في نحو أخذت من الدراهم، ومُبَيِّنَةٌ في نحو: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (^١) ومزيدةٌ في نحو: ما جاءَني من أحدٍ. راجع إلى هذا".
قال المُشرِّحُ: إذا قلت (^٢): سرتُ من البصرةِ فكأنك قلت: ابتداء سيري من البَصرة، وكونها مبعضةً راجعٌ إلى معنى الابتداء. قال أبو العبَّاس: لأنَّ قوله: إنما أخذتُ من ماله، إنما تَجعل من ماله إبتداء غايةٍ ما أُخِذَ فدلَّ على التَّبعيض من حيث صار ما بقي انتهاءً له، وكذلك كونها مبينة راجعٌ إلى معنى ابتداء الغاية، لأنَّ الرجسَ جامعٌ للأوثان وغيرها، قال ابنُ السَرَّاجِ: فإذا قلت ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ فإنما معناه: الذي ابتداؤه من هذا الصّنف، وكذلك كونها مزيدة راجعٌ إلى معنى الابتداء أيضًا في قولك: هل من رجل؟ وما جاءني من رجل لاستغراق الجنس، لأنَّها دخلت لابتداء الجنس إلى انتهائه، بتقدير هل من رجل إلى ما فوقه (^٣) في الدار إلا أنه [اكتفى بذكر "من"] (^٤) عن [ذكر "إلى" لدلالة] (^٥) إحدي الغايتين على الأخرى، ونحوه قوله: رأيتُ الهلالَ من خَلَلِ السَّحاب، أي: من مكاني إلى خَلَلِ السَّحاب.
قال جارُ اللهِ: "ولا تُزاد عند سيبويه (^٦) إلا في النفي. والأخفش يُجوِّزُ الزيادة في الواجب (^٧) ويستشهد بقوله ﷿ (^٨): ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾.
قال المُشرِّحُ: معناه: يغفر لكم ذُنوبكم.
_________________
(١) سورة الحج: آية ٣٠.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٥٨) شرح بعض هذه الفقرة.
(٣) في (ب): "إلى ما في قوله … ".
(٤) في (أ): "بذكره عن".
(٥) في (ب): "عن ذكر الدلالة".
(٦) الكتاب.
(٧) رأى الأخفش في معاني القرآن له (ص ٢٤٧)، وينظر الجنى الداني (ص ٣١٨).
(٨) سورة إبراهيم: آية ١٠.
[ ٤ / ١٠ ]
فأن سألتَ: "يغفرْ لكم" مجزومٌ على المجازاة، فلعلّها من تعليل غير الواجب؟
أجبتُ: الكلامُ على المجازاة يبقى موجبًا، قال الشَّيخُ لأن "لو" بمنزلة "إن"، فالكلامُ معه موجبٌ، وقد مضى.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) و"إلى" معارضةٌ لـ "من" دالةٌ على انتهاء الغاية كقولك: سرتُ من البَصرة إلى بغداد، وكونها بمعنى المصاحبة في قوله ﷿ (^١): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ راجعٌ إلى معنى الانتهاء".
قال المُشرِّحُ: ضُمن (^٢) معنى فعل يتعدى بـ "إلى"، وهو لا تضموا ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم كبيتِ الكتاب (^٣):
إذَا تَغَنَّى الحَمَامُ الوُرْقُ هيَّجَنِيْ … وَلَوْ تَعَزَّيْتُ عَنْهَا أمَّ عَمَّارِ
فَضَمَّنَ معنى (هيَّجني) معنى (ذَكَّرني). ذكره الشيخ -﵀ (^٤) -.
قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) و"حتَّى" في معناها إلّا أنها تفارقها في أن مجرورها يجب أن يكون آخر جزء من الشيء، أو ما يلاقي آخر منه لأن الفعل المتعدي به الغرض فيه أن يتقصى ما تعلق به شيئًا فشيئًا حتى يأتي عليه وذلك قولك: أكلتُ السمكةَ حتَّى رأسِها، ونمتُ البارحةَ حتى الصباحِ، ولا تقول: حتى نِصفها أو ثُلثها، كما تقول: إلى نصفِها وإلى ثُلثِها".
قال المُشرِّحُ: "حتى" لانتهاءِ الغايةِ بمنزلة "إلى" وهُما يشتركان ويَفترقان، فمن اشتراكهما ما قالَه الأخفش، يقول لك: إئتني فتقول: أما
_________________
(١) سورة النساء: آية ٢.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٦١).
(٣) الكتاب (١/ ١٤٤)، وشرح أبياته لابن خلف. والبيت للنابغة الذبياني في ديوانه (ص ٢٠٣)، والخصائص (٢/ ٤٢٥، ٤٢٨).
(٤) حواشي المفصل (ص ١٣٤).
[ ٤ / ١١ ]
حتَّى الليلِ فلا، وأما حتَّى الظهرِ فلا، وأما إلى الليلِ فلا، أو لا يحسُن فيهما إلا الجزاء.
وأما افتراقهما (^١) فتقول: كتبت إلى زيد ولا تقولُ حتّى زيدٍ، وتقول: أنا إليك أي: أنت غايَتي، ولا تكون "حتَّى" ها هنا، ولأن معنى "إلى" إنتهاء له ابتداء فيما يدل عليه على نقيضِ "مِنْ" كقولك: خرجت من بغداد إلى الكوفة وليس كذلك "حتى"؛ لأنها لا تجيء على مقابلة "إلى"، لا يجوز خرجت من بغداد حتَّى الكوفة، لضعفها عن معنى الغاية، وذلك لخروجها إلى غيرها من المعاني، ولأنَّ "حتى" تصلح للمُفرد والجُملة، نحو ضربتَ القومَ حتّى زيدٍ وسرحت القَومَ حتّى زيدٍ مسرح، ولا تقع "إلى" هذا الموقع، لأنَّها للمُفرد كما أن "من" للمُفرد. قال عليُّ بن عِيْسى: واعلم أن "حتى" تأتي على وجهين:
أحدهُما: أن تكونَ غايةً لما انتهى الأمر به.
والآخر: أن تكون غايةً لما انتهى الأمر عنده. وإذا جررت بها احتُمل الوجهين، وإذا عطفت بها لم يكن إلا لما انتهى الأمر إليه، كقولك: ضربتُ القومَ حتَّى زيدٍ بالخفض، والثاني: ضربتُ القَوْمَ حتى زيدًا، وجاءني القومُ حتى زيدٌ.
قال جارُ اللَّهِ: "ومن حقها أن يدخل ما بعدها فيما قبلها ففي مسألة السمكةِ والبارحةِ قد أُكل الرأسُ ونِيْمَ الصَّباحُ".
قال المُشَرِّحُ: هذا الكلام منظور فيه (^٢) لأن مسألة البارحة لم ينم الصباح، ألا تَرى أن ما بعد "حتى" بمنزلة التفصيل لما قبل حتى فإذا لم يدخل في الإِجمال لم يَدخل في التَّفصيل.
_________________
(١) في (أ) تفرقهما.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٦٢) شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ١٢ ]
قال جارُ اللَّهِ (^١): "ولا تدخل على مضمر فتقول: حتاه، كما تقول: إليه".
قال المُشَرِّحُ (^٢): ["حتى"] (^٣) لا تدخل على مضمر حتى لا يؤدي إلى اختلاط الضمائر، وذلك أن ما بعد "حتى" كما يتفق منصوبًا يتفق أيضًا مجرورًا ولذلك لا يتصل المنصوب من الضمائر بالاسمِ كما لا يتَّصل المجرور منها بالفِعل، فإن كان الضميرُ منفصلًا جارُ أن تدخل عليه و"حتَّى" حينئذٍ تكون هي العاطفة؛ وهذا لأن دخولَها على الضميرِ المُنفصِل مما لا يُؤدي إلى اختلاطِ الضَّمائر، ولأنَّ المنفصل بمنزلةِ المُظهر، دل عليه مسألة الاخبار بالذي عن دِرْهَمٍ في قولك: أعطى عبدُ اللَّهِ: زيدًا درهمًا، كما (^٤) تقول: الذي أعطى عبد اللَّه زيدًا درهمٌ تريد: أعطاه، فحذفت الهاء، ويجوز إثباتها، ولك أن تقولَ: الذي أعطى عبدُ اللَّهِ زيدًا إياه درهمٌ، وهو القياس، لأنَّك جعلت ضمير الدّرهم في موضعه. قالَ ابنُ السَرَّاج (^٥): ومن قال أياه لم يجز حذفه، لأنه كالظاهر.
فإن سألت ما الدَّليلُ على أنه لم يجز حذفه، والدَّليل عليه أنه يجوز ما ذكرته الذي أعطى عبد اللَّه زيدًا درهمٌ، وبعد حذف الضَّمير المنفصل يعودُ الكلامُ إلى هذه الصُّورة فيجوز؟
أجبتُ: بلا يجوز، لكن إذا نويت بالمحذوف الضميرُ المتصل، أما إذا نويتَ به المنفصل فلا.
_________________
(١) في (ب): "قال جار اللَّهِ (فصل) … " وهو غير موجود في المفصّل (خ).
(٢) نقل الأندلسي في (شرحه) (٣/ ١٦٢) شرح هذه الفقرة بتمامه.
(٣) ساقط من (أ).
(٤) ساقط من (ب)، وفي نص الأندلسي: "فتقول".
(٥) الأصول (٢/ ٣٣٧).
[ ٤ / ١٣ ]
قالَ جارُ اللَّهِ: "وتكون عاطفةً ومبتدأ ما بعدها في نحو قول امرئ القيس:
وحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ" *
قال المُشَرِّحُ: أمَّا العطفُ فكقولك: جاءَني القومُ حتَّى زيدٌ، وضربتُ القومَ حتَّى زيدًا. وأما الابتداء، فأن يقع بعدها (^١) الجملة الابتدائية، وذلك في نحو قول جرير (^٢):
وما زَالَت القَتْلَى تمجُّ دماءها … بِدجْلَةَ حتَّى ماءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ
وقالَ الفَرَزْدَقُ (^٣):
*فَوَاعَجَبًا حتَّى كليبٌ تَسُبُّنِيْ *
يعني: أتعجب بسبة النَّاس إياي حتَّى كليبٌ تسبني. صدر البيت (^٤).
مَطَوْتُ بِهِمْ حتَّى تَكِلُّ غُزِيُّهم … وحتَّى الجِيَادُ البيت
_________________
(١) في (ب): "بعد هذه".
(٢) ديوان جرير (ص ٤٥٧)، والشاهد في شرح المفصل لابن يعيش (١٨/ ٨)، شرح المفصل للأندلسي (٣/ ١٦٤) كلاهما عن المؤلف. وينظر: الأزهية (ص ٢٥٥)، المرتجل (ص ٣٩٢)، أسرار العربية (ص ٢٦٧)، خزانة الأدب (٤/ ١٤٢).
(٣) ديوان الفرزدق (ص ٥١٨)، وعجزه: * كأم أباها نهشل أو مجاشع * وينظر: الكتاب (١/ ٤١٣)، المقتضب (٢/ ٤١)، الأصول (١/ ٤٢٥)، الجمل (ص ٧٨)، شرح أبياته (الحلل)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٨، ٦٢)، خزانة الأدب (٤/ ١٤١).
(٤) ديوان امرئ القيس (ص ٩٣). توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المُحَصَّل (ص ١٦٢)، المُنَخّل: شرح المفصل لابن يعيش (ص/١٥، ١٩)، شرح الأندلسي (٣/ ١٦٣). وينظر: الكتاب لسيبويه (١/ ٤١٧)، (٢/ ٢٠٣)، شرح أبياته لابن السيرافي (٢/ ٦٠)، المقتضب (٢/ ٤٠)، الجمل للزجاجي (ص ٧٨)، شرح أبياته (الحلل): (ص ٨٦)، الإِيضاح للفارسي (ص ٢٥٧)، شرح شواهده للقيسي (ص ٣٢١، ٣٥٢)، أسرار العربية (ص ٢٦٧).
[ ٤ / ١٤ ]
مَطَوتُ بهم: أي: مَدَدْتُ بهم في السَّير، ويروى: (سَرَيْتُ). الغُزِيُّ: جَمْعُ غازٍ، ونحوه الحَجيج: جمع حاجٍّ، وقطني: جمع قاطنٍ. الشَّيخ (^١) -﵀- وضعَ "ما يقدن بأرسان" موضع الكلال، كقول أبي العلاء:
* ولو في عُيُون النَّازِيَاتِ بأَكْرُعِ *
وضع "النَّازِيَات بأَكْرُعِ" موضع الجَرَادِ. وما قبله (^٢):
ومجر كغُلَان الأُنَيْعِمِ بالغٍ … ديّارَ العَدُوِّ ذي زُهَاءٍ وأَرْكَانِ
الغُلَّان: جمعُ غالٍّ، وهو نبتٌّ، شبَّههم بالنَّبْتِ لما عليهم من خُضرة الأسلحة. الأُنَيْعِمُ: في عِرَاقِيَّات الأبيوردي (^٣):
فَيَا الرَّيَّان جَبَلَ أَيْن مَوَارِدٌ … تَرَكْتُ لَهَا مَاءَ الأُنَيْعِمِ صَادِيَا
بالغٌ ديارَ العَدُوٍّ يعني: أنه لا يمكن رده على الموضع الذي فيه يسير لكبرته ومناعته، وأنه لا يقاومن جيش ذي زهاء أي: ذي عدد، وحزر يحزر ويعد فلا يمكن ضبطه. الأركان: هي النواحي.
قال جارُ اللَّهِ: "ويجوز في مسألة "السَّمكة" الوجوه الثلاثة".
قالَ المُشَرِّحُ: أمَّا الجَرُّ فعلى ما ذكرنا أنَّ الرَّأسَ يكونُ منتهي له ويُحتملُ أن يكون منتهي عندَه.
وأمَّا النَّصبُ فالرأس منتهي به.
_________________
(١) حواشي المفصل (ص ١٣٤)، وعن حواشي المفصل في شرح المفصل للأندلسي (٣/ ١٦٣، ١٦٤)، وصدر البيت في شروح سقط الزند (٤/ ١٥٣٤): * تَرَى آلها في عَيْنِ كلِّ مُقَابلٍ *
(٢) ديوان امرئ القيس (ص ٩٣).
(٣) ديوان الأبيوردي (١/ ١١٠)، والأُنيعم في معجم البلدان (١/ ٢٧٣). والرَّيانُ: جبلٌ مشهورٌ في بلاد بني عامر في نَجْد يتغنى به الشُّعراء ينظر: معجم البلدان (٣/ ١١٠).
[ ٤ / ١٥ ]
وأمَّا الرَّفعُ فمُحتمل، أَلا ترى كيف انتهى "المَطو" في بيتِ امرئ القَيس عندما بعد "حتَّى". وفي قولهم: أكلتُ السمكةَ حتى رأسها انتهى الأَكلُ بما بعدَ "حتى".
قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) و"في" معناها الظَّرفية، كقولك: زيد في أرضه، والرَّكضُ في المَيدان ومنه نظرت في الكتاب، وسعي في الحاجة".
قال المُشَرِّحُ: الكتابُ (^١) كأنه احتوى وأحاط به. وأمَّا سعي في حاجته فمعناه: استولى عليه الحِرْص على تخليصها والسّعي (^٢) لكفايتها حتى منعه التّقديم والتَّأخير للقيام بسائرِ أشغاله ومهماته، فكانه منها في ظرفٍ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وقولهم: في قولِه ﷿ (^٣): ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ إنّها بمعنى "على" عمل على (^٤) الظاهر. والحقيقةُ أنها على أصلها لتمكن المصلوب في الجذع تمكن الكائن في الظَّرف فيه".
قال المُشَرِّحُ: لم (^٥) يَزَلِ النَّاسُ يقولون بأن "في" في الآية بمعنى "على"، وليس كذلك، وهذا لأنَّ "في" تفيد من التَّمكن ما لا تفيده "على" بدليل أن الكائن في الظَّرف وإن تحرك لا يكادُ يخرج عن الظَّرف بخلاف المستعلي.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) والباء معناها الإِلصاق كقوله: به داءٌ، أي: التَصَقَ به وخامره".
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٦٥) شرح هذه الفقرة.
(٢) في (أ): "السعة" وهذه الجملة أسقطها الخوارزمي من نصه المنقول من هذا الموضع.
(٣) سورة طه: آية ٧١.
(٤) في (ب): "عمل بمعنى الظاهر".
(٥) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٦٥) شرح هذه الفقرة ثم عقب عليه بقوله: "أقول: الصحيح أن هذا الموضع صالح لهما على حسب ما يقصده المتكلم من معنى الظرفية أو الاستعلاء غير أن الظرفية تترجح وفاقا للظاهر اللفظي … " ونصه طويلٌ مفيدٌ.
[ ٤ / ١٦ ]
قالَ المُشَرِّحُ: الباء (^١) ليست للاستعانة ها هنا، إنما هي بمعنى تعليق أحد المعنيين بالآخر.
قالَ جارُ اللَّهِ: "ومررتُ به وارد على الاتساع والمعنى: التصق مروري بموضع يقرب منه".
قال المُشَرِّحُ: الباء ها هنا ليست للاستعانة أيضًا.
قالَ جارُ اللَّهِ: "ويدخلها معنى الاستعانة في نحو كتبتُ بالقلمِ وفي نحرتُ بالقدومِ وبتوفيق اللَّهِ حججتُ، وبفلان أصبتُ الغرض".
قال المُشَرِّحُ: يريدُ كتبتُ مستعينًا بالقلمِ، ونحرتُ مستعينًا بالقدوم فكأنَّك ألصقتَ استعانتك بالقلمِ والقَدوم، والاستعانة في بعض هذه الفصول دون البعض، والإِلصاق شامل للفصول كلها.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وبمعنى المُصاحبة في نحو خرج بعشيرته، ودخل عليه بثيابِ السَّفر، واشترى الفَرس بسرجِهِ ولجامِهِ".
قال المُشَرِّحُ: معناه: خرج ملتبسًا بعشيرته ودخل عليه ملتبسًا بثياب السَّفر وهذه الباء تُسمى بـ[ـاء] المُلابسة (^٢).
قال جارُ اللَّهِ: "وتكون مزيدةً من المَنْصُوبِ كقوله (^٣): ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله (^٤): ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ وقوله:
* سُوْدُ المَحَاجِرِ لا يَقْرأْنَ بِاْلسُّوَدِ *"
قال المُشَرِّحُ: الشيخُ (^٥) -﵀- أصلُهُ: فستبصر ويبصرون أيَّكم
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه (١/ ١٦٦) شرح هذه الفقرة.
(٢) في (أ): "بالملابسة".
(٣) سورة البقرة: آية ١٩٥.
(٤) سورة القلم. آية ٦.
(٥) حواشي المفصل (ص ١٣٤)، ونص الخوارزمي بتمامه نقله الأندلسي في شرحه (٣/ ١٦٧).
[ ٤ / ١٧ ]
هو المَفتون، بنصب "أيّ"، على أنّها هي الموصولة، كأنه قال فستبصرون ويبصرون الذي هو المفتون منكم، ثم إنّه حذف الشَّطر الأول الذي هو ["هو"] (^١) من صلتها فَصَارَ أَيَّكُمْ المَفْتُوْنُ كَقَوْلِهِ (^٢): ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ في قراءَة من قرأَ بالنَّصب (^٣) ثم أُدخِلت الباء مزيدةً، فقيل: "بأيِّكُمْ المَفْتُون" فدخولها على المَنْصُوْبِ كما ترى، ولا يُقال: إن أصله: ويبصرون أيكم المفتون على أن أيًّا: المُبتدأ، والمفتون: خبرة، وأن أيًا هي المتضمنة لمعنى الاستفهام التي من شأنها التَّعليق، فإن "أُبصر" ليس من الأفعال التي تعلق. كما أن ﴿نَنْزَعُ﴾ في الأخرى كذلك، ولأنك تقول: علمت بأيهم في الدَّارِ معلقًا. ويزعُم الكُوفِيُّون أن المَفتون مصدرٌ، والباء متعلقة به وكأنه قيل بايكم (الفتنة) (^٤) أول البيت (^٥):
تِلْكَ الحَرَائِرُ لا رَبَّات أخْمِرَةٍ … سَوْدُ المَحَاجِرِ البيت
يصف بذاذتهن وسماحتهن.
قال جارُ اللَّهِ: "وفي المرفوع كقوله (^٦): ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وبحسبك زيد، وقوله امرئ القيس (^٧):
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) سورة مريم: آية ٦٩.
(٣) هي قراءة الأعرج والأعمش وهارون … وغيرهم. ينظر: إعراب القرآن للنّحاس (٢/ ٣٢٢)، البحر المحيط (٦/ ٢٠٩).
(٤) في (أ): "المفتن"، وفي (ب) "الفتون"، وما أثبته عن شرح الأندلسي منقول من كلام الخوارزمي.
(٥) البيت للرَّاعي النُّميري في ديوانه (ص ١٢٢)، ويروى للقَتَّال الكِلَابِيِّ ديوانه (ص ٥٣)، توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل: ١٦٣ والمُنخل (ص ١٦٨)، وشرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٢٣)، وشرحه للأندلسي (٣/ ١٦٧)، وينظر: مجاز القرآن (١/ ٤)، المعاني الكبير (ص ١١٣٨)، مجالس ثعلب (ص ٣٦٥)، المرتجل (ص ٣٧٠)، خزانة الأدب (٣/ ٦٦٧).
(٦) سورة النساء: آية ١٦٦. وغيرها. ولفظ الآية: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ …﴾
(٧) ديوان امرئ القَيس (ص ٨٦) السَّنْدُوْبِيّ) ولم يَرد في طبعة الأستاذ أَبي الفَضْل ﵀. توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل (ص ١٦٣)، المنخل (ص ١٦٨) شرح =
[ ٤ / ١٨ ]
أَلَا هَلْ أَتَاهَا والحَوَادِثُ جَمَّةٌ … بأنَّ امرأ القَيْسِ بنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَا"
قالَ المُشَرِّحُ: المعنى: كفى باللَّهِ شهيدًا وحسبك زيدًا، وهل أتاها أنَّ امرأ القيس. زيادة الباءِ في المَنصوب واسعةٌ كثيرةٌ، وأمَّا في المرفوع فقليلةٌ، تَمْلِكَ: أمُّ امرئِ القَيْسِ. بَيْقَرَ الرَّجُلُ: أقامَ بالحَضرِ وتركَ قومَهُ بالبادية، وفي "شَرْحِ تصريف المازني لابن جني" (^١) بيقرَ الرَّجُلُ: إذا خرج من الشَّام إلى العراق. ويقال بيقر: إذا خَرَجَ من أرضٍ أو مات (^٢).
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) واللَّام للاختصاص كقولك: المال لزيد، والسرج للدابة، وجاءَني أخٌ له وابنٌ له وقد تقع مزيدة، قال اللَّه (^٣): ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ".
قالَ المُشَرِّحُ: (رَدِفَ لَكُمْ) أي: ردفكم، ونحو قوله (^٤): ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وهو أقربُ مأخذًا من الأول.
_________________
(١) = المفصل لابن يعيش (٨/ ٩٣)، شرح الأندلسي (٣/ ١٦٦). وينظر الزاهر لابن الأنباري: الخصائص (١/ ٣٣٥)، المُنصف (١/ ٨٤)، الإِنصاف (ص ١٨١)، وإيضاح شواهد الإِيضاح (ص ٢٧٩)، ضرائر الشَّعر (ص ٦٣)، الخزانة (٤/ ١٦١).
(٢) في (ب) "وفي تصنيف المازني … " وينظر: المنصف (١/ ٨٤)، وزادَ ابو الفَتْح ﵀: "وبيقر أيضًا: إذا عَدَا مُنَكِّسًا رأسَهُ".
(٣) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٦٧) شرح ألفاظ البيت عن الخوارزمي مصرحا بذكره، ونقل ابن المستوفي في إثبات المحصل (ص ١٦٤) ما نقله الأندلسي عن الخوارزمي ثم قال: "والذي نقله الأندلسي كلام الخوارزمي قال: … فغير عبارته وأتى بما لم يأتِ به … ". ولم أجد في نسختي في شرح المفصل للأندلسي أيّ زيادة أو نقصٍ وتَغْييْرٍ عن ما في كلام الخوارزمي. فلعل الأندلسي أصلح من نسخته بعدما وقَف على كلام ابن المستوفي، لأنه فرغ من كتابه سنة ٦١٩ هـ وألف ابن المستوفي كتابه إثبات المحصل سنة ٦٢٣ هـ وتوفي ابن المستوفي سنة ٦٣٩ هـ. وبقي الأندلسي بعده دهرًا .. حتى سنة ٦٦١ هـ. وذُكِرَ أنَّه كان يزيدُ في كتابه وينقص فلعل هذه من إصلاحاته فيه، واللَّه أعلم.
(٤) سورة النمل: آية ٧٢.
(٥) سورة يوسف: آية ٤٣.
[ ٤ / ١٩ ]
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) و"رُبَّ" للتقليل، ومن خصائصها أن لا تدخل إلا على نكرةٍ ظاهرةٍ أو مضمرة".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما تدخُلُ علىٍ النَّكرة لما ذكره أبو العباس (^١) في "رُبَّ" فلذلك لا تقع إلا على تكرة؛ لأنَّ ما بعدها يخرج مخرج التَّمييز. ابن السَرّاج (^٢): والنَّحويون كالمجمعين على أن (رُبَّ جوابُ لما (^٣)، تقول: ربَّ رجلٍ عالم لمن (^٤) قال لك: ما رأيت رجلًا عالمًا، أو قدرت أنه يقوله ربّ رجلٍ عالمٍ تُريدُ [رُب] (^٥) رجلٍ عالمٍ قد رَأيْتُ، وضارعت أيضًا حرفَ النَّفي إذا كان حرفُ النَّفي يليه الواحد المنكور وهو يُرادُ الجماعة.
قالَ جارُ اللَّهِ: "والظَّاهِرَةُ يلزمها أن تكونَ مَوْصُوفةً بمُفردٍ أو جُملةٍ كقولك: ربَّ رجلٍ جوادٍ، وربَّ رجلٍ جاءَني، وربَّ رجلٍ أَبوه كريم".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما لزمته الصفة لأنه أبلغ في إثبات التَّقليل ألا تَرى أن رجلًا قائمًا أقل من رجلٍ بانفراد.
قال جارُ اللَّهِ: "والمضمرة حقها أن تفسر بمنصوب، كقولك: ربَّهُ رَجُلًا".
قالَ المُشَرِّحُ: اِعلم أن" رُبَّ" تستعمل على ثلاثِ جهاتٍ.
الأولى: أن تَدخلَ على نكرةٍ ظاهرةٍ موصوفةٍ.
الثَّانيةُ: أن تدخل على مُضمرٍ مُفسرٍ بمنصوبٍ كما في: نِعْمَ رجلًا زيدٌ وإنما لزم التفسير المضمر؛ لأنَّه بمنزلة الصفة فيكون أبلغَ في التقليل، وعند المضمر الهاء على لفظ واحد، وإن وليها المؤنث والاثنان والجمع وحكى
_________________
(١) هو المبرد، ينظر المقتضب (٤/ ١٣٩، ١٤٠).
(٢) الأصول في النحو (١/ ٤١٧).
(٣) في (ب): "لما فعلت" وكلمة "فعلت" غير موجودة أيضًا في نص الأصول.
(٤) في (أ): "فيمن" وكذلك هي في الأصول.
(٥) ساقط من (أ) وهي موجودة في الأصول.
[ ٤ / ٢٠ ]
الكوفيون (^١): ربَّه رجلًا رأيت، وربهما رجلين، وربهم رجالا، وربهن نساء فمن وحد قال: إنه كناية عن مجهول، ومن لم يُوحد قال: إنه ردُّ كلامٍ كأنّه قيل له: ما لك جوار؟ فقال: ربَّهن جوار قد ملكتُ. والثالثة: أن تصلها بـ "ما" على ما يساق إليك.
قال جارُ اللهِ: "ومنها الفعل الذي تُسلطه على الاسم يجب تأخره عنها".
قالَ المُشَرِّحُ: كان من (^٢) حق "رُبَّ" أن تكون بعد الفعل موصلًا له كأخواته إلى المجرور، إذا قلت ما مررت برجل، وذهبت إلى غلام، ولكن لما كان معناه التقليل وكان لا يعمل إلا في نكرة صار مقابلًا لـ "كم" إذا كانت خبرًا، فجعل له صدر الكلام كما جعل لـ "كم"، ولأن معناها التَّقليل كالنفي والنفي كالاستفهام له صدرُ الكلام، وهذا لأن الاستفهام ينقل الجملة الخبرية عن الخبر إلى الاستفهام، فكذلك النَّفي ينقل الجملة الإِبتدائية عن الإِثبات إلى النَّفي، ويشهد لكون التقليل بمنزلة النفي قولهم: كل ما يقول ذلك إلا زيد، والمعنى: لا يقول ذلك إلا زيد.
قال جارُ اللهِ: "وأنه يجيء محذوفًا في الأكثر كما حذف مع الباء في اسم اللهِ، وقال الأعشى (^٣):
رُبَّ رِفدٍ هَرَقْتُهُ ذلِكَ اليَوْ … مَ وأَسْرَى مِنْ مَعْشَرٍ أَقْيَالِ
_________________
(١) المسألة في أصول ابن السَّراج (١/ ٤٢٢)، والتَّسهيل (ص ٥٢)، ارتشاف الضرب (٢/ ٤٦٣)، وهي من المسائل التي استدركها ابنُ إيَاز البَغْدَادِيُّ على الإِنصاف لابن الأنباري.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٧٠) شرح هذه الفقرة.
(٣) ديوان الأعشى (ص ١٣) ونسبه العيني في شرح الشواهد (٣/ ٢٥١) إلى أعشى هَمْدان. توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل (ص ١٦٤)، المنخل (ص ١٦٨) شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٢٨)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٧٠). وينظر: مجاز القرآن (١/ ٢٩٩)، الإِيضاح (ص ٢٥٢)، إيضاح شواهد الإِيضاح (ص ٢٨٤)، شرح الشواهد للعيني (٣/ ٢٥١)، الخزانة (٤/ ١٧٦). ويروى: "أقتال".
[ ٤ / ٢١ ]
فـ "هرقته" و"من معشر" صفتان لـ "رفد" و"أسرى" والفعل محذوف".
قال المُشرِّحُ: اِعلم أن الفعل العامل في "رُبّ" أكثر ما تستعمله العرب محذوفًا، وربما جيء به توكيدًا، أو زيادةً في البيانِ تقول: ربّ رجلٍ عالم أَتيت. أقيال: جمع قَيْلٍ وهو الملك من مُلوك حمير، وأصله: قيِّلٌ بالتّشديد، ونحوه مَيْتٌ في مَيْتٌ، وهو الذي له قول. كأنَّه قال: رُبَّ رفدٍ مهراق في ذلك اليَوم ضممته إلى أسرى.
قال جارُ اللهِ: "ومنها أن فعلها يجب أن يكون [ماضيًا] (^١) تقول: رب رجلٍ كريمٍ قد لقيت، ولا يجوز سألقى أو لألقين".
قال المُشَرِّحُ: إنما شرطُ أن يكون المُسلط على "رب" ماضيًا لأن "رب" مع ما في صلتها -على ما ذكرناها- في جوابِ ما فعلتَ. قال أبو العباس (^٢) في "رب": تُنبئ عن ما وقعت عليه أنه كان وليس بالكثير.
تخمير: موضع "رُبَّ" وما عملت فيه نصب قال ابنُ السَّراج (^٣): يدلُّ على ذلك أن كم تبنى عليها "ورُبّ" لايجوز فيها، وذلك قولهم: كم رجل أفضل منه فجعلوه خبرًا لـ "كم"، كذا رواه سيبويه عن يونس [عن] (^٤) أبي عمرو بن العلاء، وأن العرب تقوله (^٥)؟ ولا يجوز ربَّ رجلٍ أفضل فتجعله خبرًا لرُب، كما جعلته خبرًا لـ "كم".
فإن سألت: ما بالك تركت في هذه مذهبك، بدليل أنك قد قلت "رُبَّ" وما عملت فيه نصب ومن مذهبك أن المفعول هو المجرور دون حرف
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) المقتضب (٤/ ١٣٩، ١٤٠).
(٣) الأصول (١/ ٤١٧).
(٤) في النسختين: "وأبي عمرو" والتصحيح عن الأصول.
(٥) الكتاب (١/ ٢٩٣).
[ ٤ / ٢٢ ]
الجر، لأن حرف الجر عندك بمنزلة جزءٍ من الفعلِ و"رُبَّ" حرف جر، ألا ترى أنك لا تقول: بربَّ رجلٍ مررتُ، كما تقول بكم رجل مررت؟.
أجبت: مقابلتها لـ "كَمْ" هي التي أجرتها مجرى الأسماء من وجه، ومن ثَمَّ قال الشَّيخُ -﵀-: وقد تستعملها العربُ في معنى نقيضتها وهي "كم" التي للتكثير، وأنشدوا في ذلك بيت الحماسة (^١):
فإن تُمْسِ مَهْجُورَ الفَنَاءِ فَرُبَّمَا … أقَامَ بِهَا بَعْدَ الوُفُودِ وُفُوْدُ
ونظيرتها في ذلك "قد" فإنها للتقليل إذا دخلت على المضارع ثم انقلبت إلى معنى التكثير في نحو قول زهير (^٢):
أَخُو ثِقَةٍ لا تُهْلِكُ الخَمْرُ مالَهُ … وَلكنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نائِلُهْ
بخلاف سائر الحروف الجارة. وإذا قيل لك: ما أحسنت؟ فقل: رب إحسانٍ تقدم منّي إليك. فقد قال ابنُ السّراجِ (^٣): كأنَّك قلت: قد فعلت من إحسان إليك من تقدم.
قال جارُ اللهِ: "وتُكَفُّ بـ "ما" فتدخل حينئذٍ على الاسم والفعل كقوله: ربما قام زيد، وربما زيد في الدار قال أبو دُؤادٍ:
رُبَّمَا الجَامِلُ المُؤَبِّلُ فِيْهُمُ … وعَنَاجِيْجُ بَيْنَهُنَّ المَهَارُ"
قال المُشَرِّحُ: [ابنُ السَرَّاجِ] (^٤): ولما كانت "رُبَّ" تأتي لما مضى فكذلك رُبّما لما وقع بعدها الفعل كان حقه أن يكون ماضيًا فإذا رأيتَ الفعلَ
_________________
(١) البيت في الحماسة (ص ٢٢٦) برواية الجواليقي لأبي العطاء السندي وينظر: شرح الحماسة للمرزوقي (ص ٨٠٠)، أمالي القالي (١/ ٢٧٧)، خزانة الأدب (٤/ ١٦٧).
(٢) شرح ديوان زهير (ص ١٤١).
(٣) الأصول (١/ ٤١٧).
(٤) ساقط من (أ) ونص ابن السراج في الأصول (١/ ٤١٩).
[ ٤ / ٢٣ ]
المضارعَ بعدها فثم إضمار "كان". عَنَى الشيخ (^١) -﵀- بالإِسم والفعل الجُملة الإِسمية والجُملة الفعلية.
الجاملُ: مرفوعٌ. في (ديوان الفارابي) (^٢) أبَّلَ الرَّجُلُ أي: اتّخذ إبلًا. ويكون للنّتاج والنّماء ولا يكون للاعتِمال. الحراجيج في النُّوق والعناجيج في الخَيل. قال أبو عُبَيْدٍ: العَنَاجِيْجُ: جيادُ الخَيْلِ، واحدها عُنْجُوْجٌ. وقبله:
أقفرت من سروب قومي تعار … فأروم فشابه فالستار
بعد ما كان سرب قومي حينًا … لهم النخل كلها والبحار
فإلى الدرر "فالمرواتُ" منهم … فحفير فناعم فالديار
فقد أمست ديارهم بطن فلج … فمصير لصيفهم تِعْشَارُ (^٣)
سروبُ القومِ: ما يسر حوله من إبلٍ وخيلٍ وغنمٍ، أَروم بفتح الهمزة والسِّتار بكسر السين (فالمروات) بالرفع، تِعْشَارُ: مكان وهو بكسر التاء المثناة والشين المعجمة كذا رأيت هذه الأسامي في نسخة مُصْلَحَةٍ من (ديوان شعره) (^٤).
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٧٢) شرح هذه الفقرة بتمامها.
(٢) ديوان الأدب (٤/ ٢٢٨).
(٣) الأبيات في ديوانه (ص ٣١٦). توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل (ص ١٦٦)، المنخل (ص ١٦٩)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٢٩، ٣٠)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٧٢)، الشاهد في الأزهية (ص ٢٨٥)، أمالي ابن الشّجري (٢/ ٢٤٣)، شرح الشواهد للعيني (٣/ ٣٢٨)، الخزانة (٤/ ١٨٨، ١٨٩).
(٤) لا أعرف -الآن- لأبي دؤاد ديوان شعرٍ غير ما جمعه غوستاف فون غرنباوم ونشر ضمن (دراسات في الأدب العربي) نقله إلى العربية الدكتور إحسان عباس وزملاؤه. ونشر في بيروت ونيويورك سنة ١٩٥٩ م. وكان ديوانه لدى المؤلف كما ترى، وهو أيضًا عند ابن المُستوفي كما جاء في إثبات المحصل، وعند اللبلي الأندلسي كما جاء في كتابه وَشْي الحُلل … وغيرهم. علق الإِمام بهاء الدين ابن النحاس -﵀- على نُسخته من (المفصّل) في هذا الموضع بقوله: " (حاشية) "دُوَادٌ" غير مهموزٍ، ولا يَجُوز همزه بوَجْهٍ".
[ ٤ / ٢٤ ]
قال جارُ اللهِ: "وفيها لغاتٌ: "رُبُ": الرّاء مضمومة، والباء مخففةٌ مفتوحةٌ أو مضمومةٌ أو مُسْكَنَةٌ. "و"رَبّ": الراء مفتوحةٌ والباءُ مشددةٌ أو مخففةٌ، و"ربَّت" بالتاء والباء مشددةٌ أو مخففةٌ".
قال المُشَرِّحُ: قوله: "أو مسْكَنَةٌ" بسكون السِّين كَذَا السَّماعُ.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وواو القَسَمِ مبدلة عن الباء [الالصاقية في أقسمت بالله، أبدلت عنها عند حذف الفعل، ثم التَّاء مبدلة عن الواو] (^١) في تاللهِ خاصةً".
قال المُشَرِّحُ: تحقيق (^٢) الكلام في هذا الفَصل أن تقول (^٣): الأصل في القسم حلف بالله، ثم والله، [ثم تَاللَّه] (^٤)، وهذا لأنه لما كثر العطف على موضع باء القسم بالواو، غلب الواو على القسم، نظيره: ما زلت وزيدًا حتى فعل، بمنزلة ما زلت بزيد، وكذلك في قولك: جئتُ والشمسُ طالعةٌ، والمعنى: جئت [غلسًا بوقت] (^٥) طلوع الشمس، ولأن الواو كالباء مخرجها من الشفتين إلا أنه أخفَّ من الباء لتجافي الشفتين عنه وانضمامهما على الباء، والتاء أبدلت عن الواو لمقاربتها لها باتساع المخرج، وأنَّها من أقرب مخارج حروف [الفم إلى الواو، وأنها] (^٦) من حروف الزيادة، ولأنها قد أبدلت منها في تُراث وتُجَاهٍ وتُخَمَةٍ.
فإن سألتَ: فما بالهم خَصُّوا التاء باسم الله؟.
أَجبتُ: لأنَّهم لمبالغتهم في التَّيَمُّنِ باسم الله استحبُّوا الابتداء وفي
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٧٣) أغلب شرح هذه الفقرة.
(٣) في (ب): "أن تكون" وفي شرح الأندلسي: "أن يقال".
(٤) ساقط من (أ).
(٥) في (أ): "طلسا لوقت".
(٦) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٢٥ ]
الباء وإن وقع به الابتداء ظاهرًا لم يقع به تقديرًا (^١)، لاقتضاء الباء فعلًا سابقًا، فلا يكون اسم الله مبتدأ به تقديرًا، وكذلك الواو لإِبهامه العَطْفَ.
قال جارُ الله: "وقد رَوَى الأَخْفَشُ (^٢) تربِّ الكَعْبَةِ".
قال المُشَرِّحُ: إنما قيل ذلك، لأنَّه بمنزلةِ اسمِ (^٣) اللهِ تَعَالَى في الظُّهور وكثرةِ الاستعمال.
قال جارُ الله: "فالباء لأصالتها تدخل على المُظهر والمُضمر فتقول: بالله وبك لأفعلنَّ، والواو لا تدخل إلا على المظهر لنقصانها عن الباء. [والتاء لا تدخل من المظهر] (^٤) إلا على واحدٍ لنقصانها عن الواو".
قالَ المُشَرِّحُ: الباء أعمُّ مخرجًا من الواو والتاء ولذلك يقالُ: بالله إلَّا فعلتَ، ولَمَا فعلت، ولا يقالُ ذلك بالواو والتاء.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وعلى للاستِعْلَاءِ تقولُ: عليه دينٌ، وفلان علينا أميرٌ، وقالَ الله تعالى (^٥): ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الفُلْكِ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: يقال: عليه دينٌ، لأن الدّين يستعلي من يلزمه، ولذلك يقولون: رَكِبَهُ دينٌ، وكذلك الأميرُ كأن له علوًا، ولذلك يخاطب صاحب الحرمة بالمجلس الرّفيع والمجلس العالي.
قالَ جارُ الله: "وتقول على الاتساع مررت عليه إذا جُزْتَهُ".
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) رأى الأخفش في شرح المفصل لابن يعيش (٩/ ٢٨)، شرح الكافية للرضى (٢/ ٤٠١)، الجنى الداني (ص ٥٧).
(٣) ساقط من (ب).
(٤) ساقط من (أ).
(٥) سورة "المؤمنون": آية ١٨.
[ ٤ / ٢٦ ]
قالَ المُشَرِّحُ: كما يقال: مررت به (^١) يقال مررت عليه. في "الحماسة" (^٢):
مَرَرْتُ عَلَى دَارِ امْرئِ السُّوءِ حَوْلَهُ … لَبُوْنٌ كَعِيْدَانٍ بِحَائِطِ بُسْتَانِ
قالَ جارُ الله: "وهو اسمٌ في نحو قوله:
* غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بعدَ ما تَمَّ ضِمْؤُهَا *
أَيْ: من فَوْقه".
قال المُشَرِّحُ: إنما يستعمل اسمًا إذا دخلت عليه "من" خاصة، إذ لا فرق بينها حرفًا وبينها اسمًا.
فإن سألت: "على" كما تكون اسمًا وحرفًا فكذلك تكون فعلًا، تقول: علا زيدًا ثوبٌ، كما تقول على زيدٍ ثوبٌ فهو أحد الأشياء، فكيف أورده في ما هو أحد الشَّيئين؟.
أجبتُ: صورته إذا كان فعلًا غير صورته إذا كان حرفًا واسمًا تمامه (^٣):
* تَصِلُّ وعَنْ قَيْضٍ بِبَيْدَاءَ مَجْهَلِ *
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) البيت للعُريان بن سهلة النَّبْهَانِيِّ الطَّائِيِّ، في الحَماسة قطعة رقم (٧١٨) وسَهْلة أمه (من نُسب إلى أمه من الشعراء ص ٧٨، الخزانة: ٢/ ٥٢٢).
(٣) البيت لمُزاحم العُقيلي في ديوانه (ص ١٢٠) (مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٦٧)، المنخل (ص ١٦٩)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٣٩)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٧٥). وينظر: الكتاب (٢/ ٣١٠)، المقتضب (٣/ ٥٣)، الإِيضاح (ص ٢٥٩)، شرح أبياته (إيضاح أبيات الإِيضاح) (ص ٣٢٣)، الأزهية (ص ٢٠٣)، الجنى الداني (ص ٤٧٠)، الخزانة (٤/ ٢٥٣)، شرح أبيات المغني (٣/ ٢٦٥). يصف قطاة، وقبل البيت: أَذَلِكَ أَمْ كُدْرِيَّة ظَلَّ فَرْخُهَا … لقَّى بشَرَوْرَى كاليَتِيْمِ المُعَيَّلِ
[ ٤ / ٢٧ ]
"تصل" بالصاد المهملة، يقال: جاءَت الخَيْلُ تَصِلُّ عَطَشًا، وذلك إذا سَمِعْتَ لأجوافها صليلًا أي: صوتًا. القَيْضُ: ما يُغْلَقُ من قشور البيض الأعلى، يصفُ قطاةً.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وعن للبعد والمُجاوزة، كقولك: رمى عن القَوس، لأنَّه يقذِفُ عنها بالسَّهم ويبعده وأَطعمه عن الجُوع وكساه عن العَرى لأنَّه يجعل الجُوع والعرى مُتَبَاعدين عنه، وجَلَسَ عن يمينه أي: مُتَرَاخِيًا عن بَدَنه في المكان الذي بحيال يمينه".
قال المُشَرِّحُ: بدنه في قوله: "عن بدنه" بالنُّون.
[قال جارُ اللهِ: "وقال الله تَعالى (^١): ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾.
قالَ المُشَرِّحُ: كأنه ضمَّن المخالفة معنى التَّباعد] (^٢).
قال جارُ الله: "وهو اسم في نحو قولهم: جلست من عن يمينه، أي: من جانبها".
قال المُشَرِّحُ: الدَّلِيْلُ عليه قولُ ذِي الرُّمة (^٣):
فَقُلْتُ اجْعَلِيْ ضَوْءَ الفَرَاقِدِ كلِّها … يَمِيْنًا ومَهْوَى النَّجْمِ مِنْ عَنْ شَمَالَكِ
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والكاف للتَّشبيه كقولك: الذي كزيدٍ أخوك".
قال المُشَرِّحُ: التَّشبيه: عقدُ القَلْب على أن أَحَدَ الشَّيئين يسد مَسَدّ الآخر في معنى من المعاني.
_________________
(١) سورة النور: آية ٦٣.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) ديوان ذي الرمة (٣/ ١٧٤٣) برواية: "وقلت". وينظر: شروح سقط الزند (ص ٥٣٩).
[ ٤ / ٢٨ ]
فإن سألت: لم لا يجوزُ أن تكون التَّشبيه اسمًا، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد كالأسد فمعناه مثل الأسد؟.
أجبتُ: لأنه لو كان اسمًا فيما ضربناه من المِثال لما استقل به الصّلة ألا ترى أنك لو قلت: مررت بالذىِ مثلَ زيدٍ لكان خُلْفًا من القول فعلمنا ذلك سيبويه وهو الصَّوابُ الذي لا (^١) محِيْصَ عنه.
[قال جارُ الله: "وهو اسمٌ في نحو قوله (^٢):
* يَضْحَكْنَ عَنْ كَالْبَرَدِ المُنْهَمِّ] (^٣) *"
قال المُشَرِّحُ: المُنْهَمُّ. المُذَابُ، يقالُ: همَّ الشَّحْمُ فانْهَمّ. قال (^٤):
* يهم فيه القَوْم همَّ الشَّحْمِ *
قالَ جارُ اللهِ: "ولا تدخل على الضمير استغناء عنها بمثل، وقد سد نحو قوله:
*وأُمِّ أَوْعَالٍ كَهَا أوْ أَقْرَبَا *"
قال المُشَرِّحُ: المُبرِّدُ يجيزُ دخولَ كافِ التَّشبيه على الضَّمير (^٥)، كما يُجيز دخولَ "حتى" عليه أيضًا، وعند سيبويه (^٦) لا يجوزُ؛ لأن من شأنِ
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) البيتُ للعَجَّاج، ديوانه (٢/ ٣٢٨). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المُحَصَّل (ص ١٦٨)، المُنَخَّل (ص ١٧٠)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٤٢)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٧٦). وينظر: المغني (ص ١٩٦)، شرح شواهده (ص ٥٠٣)، الجنى الدَّاني (ص ٧٨)، الخزانة (٤/ ٢٦٢).
(٣) أدمج النّاسخ هذه الفقرة بالفَقرة التي قبلها.
(٤) الصحاح: (همم) برواية (الخم).
(٥) المقتضب (١/ ٢٥٥).
(٦) إلا في ضرورة الشعر: الكتاب (١/ ٢٩٢).
[ ٤ / ٢٩ ]
المَجرور بالكاف أن تُطَّرح عنه الكاف فيكون تَشبيهًا على سبيل المُبالغة، ولذلك دخل على المَرفوع في قولهم: ما أَنا كأنتَ، وذلك لا يَتَأَتَّى فيما إذا دخل على المُضمر. قالَ العَجَّاجُ (^١):
نحى الذنابات شمالًا كَثَبَا … وأُمَّ أوعالٍ كَهَا أوْ أَقْرَبَا
ذَاتَ اليَمِيْنِ غَيرَ أن تَنَكَّبَا
الذَّنَابَاتِ (^٢): موضعٌ بعينه. وأمَّ أوعالٍ: هَضْبَةٌ، والكَثِب: هو القريب تنكب: تجوّز، وفي نحّى: ضميرٌ يعود إلى حمارٍ وحشيٍّ، ومعنى: "نحى الذنابات" أنه مضى في عدوه ناحية من الذَّنابات، فكأنه تجاهل عن طريقه، وأم أوعال من عن شماله بالقرب من الموضع الذي عدا فيه. كها: أي كالذنابات أو أقرب إليه منها، يقول: والهضبة التي هي أم أوعال عن يمينه مثل الذنابات عن شماله. "غير أن تنكبا" يريد: هما عن يمينه وشماله ومقدار ما بين كل من الموضعين وبين طريقه واحد إلا أن يجود في عدوه فتصير الذنابات إن مال إليها في العدو أقرب من أم أوعال، وأن مال في العدو إلى أم أوعال صارت أقرب إليه من الذنابات. وأم أوعال رفع بالابتداء وكها خبرها. ومحفُوظي وأمَّ أَوْعَالٍ بالنَّصب.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ومذ ومنذ لابتداء الغاية في الزمان كقولك: ما أريت مذ يوم الجمعة يوم السبت، وكونهما اسمين ذكر في الأسماء المبنية".
_________________
(١) ديوان العجاج. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل، المنخل (ص ١٧٠)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٦، ٤٤)، شرحه للأندلسي. وينظر: الكتاب (١/ ٣٩٢)، شرح أبياته لابن السيرافي (٢/ ٩٦)، الأصول (٢/ ١٠٢)، ضرائر الشعر (ص ٣٠٨)، شرح شواهد الشافية (٤/ ٣٤٥)، الخزانة (٤/ ٢٧٧).
(٢) الشرح كله بألفاظه عن شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي (٢/ ٩٦)، ولم يزد عليه إلا قوله: "ومحفوظي … ".
[ ٤ / ٣٠ ]
قال المُشَرِّحُ: الشيخُ -﵀- كما ذكر هذا الفصل في قسم الأسماء فقد شرحته أنا أيضًا هناك.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) و"حاشى" معناها التَّبرئة، قال الشاعر (^١):
حَاشَى أَبِيْ ثَوْبَانَ أنَّ بِهِ … صِنًّا عن المَلْحَاةِ والشَّتْمِ"
قال المُشَرِّحُ: "أبو ثَوْبان" كنيةُ رجلٍ. يقال: ظن (^٢) عليه بكذا، وظن عنه، كما يقال: بخل عليه بكذا، وفي درعيات السقط (^٣):
بدونها ظنَّ عن أقاربه … كاملُ عَبْسٍ إذا الضّراب فَأَى
وقال الله تعالى (^٤): ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾، وقال الإِمام عبد القاهر الجرجاني: قد تقدم قبل هذا البيت ذم لقوم واستثنى أبا ثوبان منهم.
قالَ جارُ الله: "وهو عندَ المُبرِّدِ (^٥) يكون فعلًا في نحو قولك: هجم القوم حاشا زيدًا بمعنى جانب بعضهم زيدًا فاعل من الحشا وهو الجانب".
قال المُشَرِّحُ: لو قلت في تفسير حاشا هنا جانب كلهم زيدًا لكان أوجه.
_________________
(١) تقدم ذكره في الجزء الأول.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) شروح سقط الزند (ص ٢٠١١)، كامل عبس: هو قيس بن زهير وإنما لقبه: كامل عبس، لأنه يسمى هو وإخوته الكملة من بني عبس، وأمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي التي تقول: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، والله أنهم لكالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها، وقد أوضح الشيخ أبو العلاء المقصود بقوله في البيت الذي يليه: وابن زهير لو حاز مشبهها … لباء منها بسؤله وبأى
(٤) سورة محمد: آية: ٣٨.
(٥) المقتضب (٤/ ٣٩١).
[ ٤ / ٣١ ]
قال جارُ اللهِ: "وحكى أبو عمرو الشيباني (^١) عن بعض العرب: اللهم اغفر لي ولِمَنْ يَسْمَع حاشا الشَّيطان وابنَ الأصبغ".
قال المُشَرِّحُ: "ابنَ الأَصبغ" بالنَّصب، بالصَّادِ المُهملة والغين المُعجمة، العطف ها هُنا كالعطفِ في قوله (^٢):
* وباتَ على النَّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ *
وقوله:
* إلا ابن عبدِ الله والمَطَرُ *
وقول الفرزدق (^٣):
تَنَظَّرتُ نَصْرًا والسِّماكين أَيْهُما … عليَّ من الغَيْثِ استَهَلَّتْ مَوَاطِرُهْ
تنظرتُ: أي انتظرتُ، السِّماكين: أي: نَوْءُ السِّماكين، أيْهُما: بتخفيف أَيِّهما.
_________________
(١) الجنى الداني (ص ٥٦٢) وغيره.
(٢) صدره، وما قبله: لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرةٌ … إلى ضوءِ نارٍ في يَفَاعَ تُحَرِّقُ تشب لمقرورين يصطليانها … وبات على النار الندى والمحلق وهو للأعشى في ديوانه (ص ١٥٠)، وهو من شواهد المغني. وينظر: شرح أبياته (٢/ ٢٧٧)، (٣/ ٢٣١، ٢٧٢).
(٣) ديوان الفرزدق (١/ ٢٨١) (دار صادر). والشاهد في مجالس الزجاجي (ص ٢٧٩)، المحتسب (١/ ٤١، ١٠٨)، الجنى الداني (ص ٢٣٤)، المغني (ص ٨١)، شرح أبياته (١/ ١٤٦). وروايةُ الزَّجَّاجِيِّ: * تَنَظَّرْتُ بِشْرًا * والصَّحيح أنه "نصرًا"، لأن الشاعر يمدَح نصر بن سيار أميرِ خراسان وبعد الشاهد: إذَا مَا أَتَى نَصْرٌ أَتى النَّاس كلُّهم … وقد عزَّ من نَصْرٍ لَدَى الخوفِ ناصِرُهْ هُوَ المَلِكُ المَهْدِيّ والسَّابِقُ الذي … له أوّلُ المَجْدِ التَّلِيْدِ وآخِرُهْ وَلوْ أن مَجْدًا في السَّماء وعندها … إذَنْ لَسَمَا نَصْرٌ إليه يُسَاوِرُهُ ونصرُ بن سيَّارٍ مترجم في الخزانة (١/ ٣٣٦) وغيره.
[ ٤ / ٣٢ ]
قالَ جارُ اللهِ: "وقوله تعالى (^١): ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ بمعنى براءَةَ اللهِ من السُّوءِ".
قال المُشَرِّحُ: أبو علي الفارِسِيّ: جانب يوسف الفاحشة لأجل الله.
فإنْ سألتَ: فلمَ حُذِفَ الألف فيه؟.
أجبتُ: لأن الأَفعال قد حُذفت منها في قولك: لم يك، ولم أدر، ولم أُبَلْ، وقد حَذَفُوا الألفَ من الفِعل في قَوْلهم: أصابَ النَّاسَ جَهْدٌ فلو تَرَ أهلَ مكةَ، إنما هو تَرَى. قالَ الشَّيخُ: أبو عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ (^٢): فحذفت الألف اللينة (^٣) المنقلبة عن اللَّام كما حذفت عن "حاشا" واللَّام الجارة عوض من (^٤) المحذوف من آخره. وحاشَى لا يُستثنى به في كلِّ موضع -اللهم- إلا من مُوجب لا تَقول: عندي درهمٌ حاشا قيراطٍ، ولا أقوم حاشَا أن تقوم.
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وعَدا وخَلا مرَّ الكلامُ فيهما في الاستثناء".
قال المُشَرِّحُ: كما مر فيهما مَتْنًا فقد مرَّ شرحًا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) و"كي" في قولهم: كيمه من حروف الجرّ بمعنى لِمَهْ".
قالَ المُشَرِّحُ: عليُّ بن عِيْسَى: معنى "كي" كمعنى "لكذا" (^٥) نحو: صلَّيْتُ لكي أدخلَ الجَنّة والأصلُ أن تقول: لأَدْخُلَ الجَنَّة وكيْمَه: هي كي دخلت عليها "ما" الاستفهامية، وسيجيء هذا القسم إن شاء الله.
_________________
(١) سورة يوسف: آية ٥١.
(٢) المسائل البصريات (ص ٢٥١)، المسائل المنثورة (ص ٦٧)، المسائل الحلبيات (ص ٢٤٤). ونصه من الحجة في القراءات.
(٣) في (ب).
(٤) في (ب): "عن".
(٥) في (ب): "كذا".
[ ٤ / ٣٣ ]
قال جارُ اللهِ: "وتُحذف حروف الجرّ فيتعدى الفعل بنفسه كقوله تَعالى (^١): ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ وقولِهِ:
* مِنَّا الَّذِي اختِيْرَ الرِّجَالُ سَمَاحَةً *
وقولِهِ:
* أمَرْتُكَ الخَيْرَ فَاْفْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ *"
قال المُشَرِّحُ: تَمَامُ البَيْتِ الأولِ (^٢):
… وجُوْدًا إذا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ
البيت للفرزدق وبعده:
وَمِنَّا الّذي قادَ الجِيَادَ على الحَفَا … بِنَجْرَانَ حتَّى صبَّحَتْهَا التَّرايِعُ
الزَّعازِعُ: جمعُ زَعْزَعٍ وهي الرِّيحُ الشَّدِيْدَةُ، أراد الشِّتاء، وفيه تقلُّ الأَلبان، وتُعدم الأَزْوَادُ، ويَضِنُّ الجَوَادُ، فيقول: هو جَوادٌ في مثل هذا الوقت وعنى بهذا الجواد؛ غالبُ بن صَعْصَعَةَ، وكان جوادًا، وهو الذي عاقَر سُحَيُمَ ابنَ وُثَيْلٍ الرِّيَاحِيَّ فَعَقَرَهُ.
عنى بالذي قادَ الجِيَادَ على الحَفَا: -فيما يقال- عَمْرو بن جَدِيْرٍ من بني نَهْشَلٍ، ويُقال: بَلْ الأَضْبَط بن قُريعٍ من بني سَعْدٍ، ويُقال: بل الأَقرع بن حابس، وهذا أشبَه بالشِّعر، يُريد أنه أبعد الغُزاة حتى حَفِيَتْ خيلُه
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ١٥٥.
(٢) البيت للفرزدق في ديوانه (ص ٥١٦). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٧٠)، المنخل (ص ١٧٢)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٥٠). وينظر: الكتاب (١/ ١٨)، المقتضب (٤/ ٣٣٠)، الأصول (١/ ١٨٠)، أمالي الزجاجي (ص ١٩٣)، أمالي ابن الشجري (١/ ١٨٦، ٣٦٤)، الخزانة (٣/ ٦٧٢).
[ ٤ / ٣٤ ]
إلى أن أَتى نَجران وغَنِمَ التَّرايع وهي: الخَيلُ الكِرَامُ، وقيلَ: هي انتزعت من أيدي الأعداء، وقيل: هي التي تترع إلى أوطانها. تَمامُ البيت الثاني (^١):
* فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَاْلٍ وذَاْ نَشَبِ *
قال جارُ اللهِ: "وتقول: استغفر الله ذنبي".
قال المُشَرِّحُ: هذا الكلام منظورٌ فيه، واستغفر الله ذنبي على الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه، وهذا لأن من أسباب التَّعدية نقل الفعل الثلاثي إلى استفعل فإذا كان غَفَرَ متعديًا إلى مفعول أكسبه النقل إلى الاستفعال مفعولًا ثانيًا، كقولهم: نَسَخْتُ الكتاب، واستَنْسَخْتُ زيدًا الكتابَ وخَزن اللآلئ واستخزنه اللآلئ. ومما يُسْتَأنَسُ به في هذا الباب بيتُ الأُستاذ أبي اسماعيل الكاتب:
* كأنَّ القِطَار استخزَنَتْها لآلِيَا *
_________________
(١) البيتُ مختلفٌ في نسبته فنسب إلى رُزْعَةَ بن السَّائب وخِفَات بن ندبة في ديوانه (ص ١٢٦)، وإلى العبَّاس بن مِرْدَاس في ديوانه (ص ٣١)، وإلى عمرو بن معدي كرب الزَّبيدي في ديوانه (ص ٣٥)، ونسبه الأسود الغندجاني أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب (ص ٦٢) إلى أعشى طَرُوْد (الصبح المنير ص ٢٨٤). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المُحصل (ص ١٧٠)، المُنخل (ص ١٧٢)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٥٠)، شرحه للأندلسي. وينظر: الكتاب (١/ ٣٧)، شرح أبياته لابن السيرافي (١/ ٢٥٠)، المقتضب (٢/ ٣٥، ٨٣، ٣٢٠)، الأصول لابن السراج (١/ ١٧٨)، الجمل (ص ٤٠)، شرح أبياته (الحلل) (ص ٣٤)، اللامات للزجاجي (ص ١٥١)، المحتسب (١/ ١٥، ٢٧٢)، أمالي ابن الشجري (١/ ٣٦٥)، (٢/ ٢٤٠)، المغني (ص ٤١٥، ٧٣٦) شرح أبياته (٥/ ٢٩٩)، الخزانة (١/ ١٦٤). قال الإِمامُ الأديبُ المبارك بن أحمد ابن المستوفى الأربلي في إثبات المحصل (ص ١٧٠): "والذي ذكره النحاة أن بيت الاستشهاد هو لعمرو بن معدي كرب، وتصفَّحتُ ديوانه -وهو لطيف- فلم أجده، وهو معدَّ عندي في نسخة فرغ منها في يوم الخميس مستهل المحرم سنة سبع وسبعين وثلاثمائة بمدينة السَّلام كتَبَهُ لنفسه علي بن ابراهيم بن محمد بن إسحاق الكاتب".
[ ٤ / ٣٥ ]
ولعل استغفر الله من ذنبي محمولٌ على أَتوبُ إليه من ذنبي.
قالَ جارُ اللهِ: "ومنه دَخَلْتُ الدَّارَ".
قال المُشَرِّحُ: هذا جيِّدٌ؛ لأن الأَصل دخلتُ في الدَّارِ.
قال جارُ اللهِ: "وتُحذف مع "أنَّ" و"أَنْ" مُستمرا".
قال المُشَرِّحُ: يحسن حذف الجار مع "أن" المفتوحة لثلاثة أشياء:
أحدها: كثرةُ ورودها في الكلام.
وثانيها: طولُها بالصِّلة؛ لأنها مع ما بعدها بمنزلة اسمٍ.
وثالثها: طلبُها العامل اللَّفظي؛ لأنها لا تأتي إلا معتمدةً على شيء قبلها يعمل فيها، إما ظاهرًا أو مقدّرًا.
قال جارُ اللهِ: (فصلٌ) وتضمر قليلًا، ومما جاءَ من ذلك "رُبَّ" والباء في القَسَم، وفي قول رُؤبة: "خيرٍ" إذ قيلَ له: كيفَ أَصْبَحْتَ؟ واللام في لاه أبوك".
قال المُشَرِّحُ: في هذا الفصل وما قبله يعرف الفرق بين الحذف والإِضمار.
[ ٤ / ٣٦ ]
[بابُ إنّ وأخواتها]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحروف.
(الحروف المشبهة بالفعل) وهي: "إنَّ" و"أنَّ" و"لكن" و"كأن" و"ليت" و"لعل" وتلحقها "ما" الكافة فتعزلها عن العمل، وتبدأ بعدها الكلام، قال الله ﷿ (^١): ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقال (^٢): ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ وقالَ ابنُ كُرَاعٍ.
تَحَلَّلْ وعَالِجْ ذاتَ نَفْسِكَ وانْظُرَنْ … أَبَا جُعَلٍ لَعَلّمَا أَنْتَ حَالِمُ
وقال:
أَعِدْ نَظَرًا يا عَبْدَ قَيْسٍ لَعَلَّمَا … أَضاءَتْ لَكَ النَّارُ الحِمَارَ المُقَيَّدَا"
قال المُشَرِّحُ: يقول ناس (^٣) من النحويين في قوله (^٤): ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ المعنى: ما حرَّمَ ربي إلا الفواحشَ والدَّليل على صحةِ ذلك قَوْلُ الفَرَزْدَقِ (^٥):
_________________
(١) سورة الكهف: آية ١١٠.
(٢) سورة الممتحنة: آية ٩.
(٣) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٨٣) أكثر شرح هذه الفقرة.
(٤) سورة الأعراف: آية ٣٣.
(٥) تقدم ذكره في الجزء الأول.
[ ٤ / ٣٧ ]
أَنا الذَّائِدُ الحَامِيْ الذِّمارَ وإنّما … يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِيْ
ألا تَرى أنَّه في تقديرِ: ما يُدافع إلا أنا، ولو بقيَ معه الكلامُ موجبًا لما كان ذلك.
ثم اِعلم أنَّ في النَّحويين من يقول بأن "ما" في نحو قولك: إنما زيدٌ قائمٌ اسمٌ، وموضعه نصبٌ، والجملةُ التي بعدها في موضعِ الخَبَرِ ويشبه ذلك بالهاء التي تلحق هذه الحروف أعني ضمير الشأن والقصة، وأنا لاندر الموضع، وأنا لا أستبعد هذا القول.
ثم اعلم (^١) أنَّ موضعَ "إنما" على أن يَجيءُ بخبرٍ لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحَّته كقولك: إنما هو أخوك، إنما هو صاحِبُك، وقوله [تعالى] (^٢): ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، ومن ثَمَّ قال بَعْضُهُمْ: "إنما" إذا رَفَعْتَ ما بعدها يصير فيها معنى التقليل تقول: إنما أنا بشرٌ، إذا أردت التواضع وقال سيبويه: تقول (^٣): إنما سرتُ حتى أدخلها: إذا كنت محتقرًا لمسيرك وأمَّا قوله (^٤):
إنَّما مصعبٌ شهابٌ من اللـ … ـــــهِ تَجَلَّت عَنْ وَجْهِهِ الظَّلْمَاءُ
فَمُنَزَّلٌ هذه المَنْزِلَةَ.
وشيءٌ آخرُ: وهو أنَّك إذا قُلتَ: إنَّما جاءَني زيدٌ عُقل منه أنك أردت أن تنفي أن يكون الجائِي غيره، فمعنى الكلام معها تشبيه بالمعنى في قولك: جاءَني زيدٌ لا عمروٌ.
_________________
(١) نقل ابن المستوفي في إثبات المحصل (ص ١٧٢) شرح هذه الفقرة بتمامها ثم قال: "وفيه نظرٌ".
(٢) ساقط من (أ)، وهى من سورة الكهف: آية ١١٠.
(٣) الكتاب (١/ ٥١٤).
(٤) البيتُ لعُبَيْدِ اللهِ بن قَيْسِ الرُّقيات في ديوانه (ص ٩١). وينظر: دلائل الإِعجاز (ص ٣٣١)، العمدة (١/ ٥)، الخزانة (٣/ ٢٥٩).
[ ٤ / ٣٨ ]
وابنُ كُرَاعَ (^١): بفَتْحِ العَيْنِ، وهو غيرُ مُتَصَرِّفٍ، لما فيه من تركيبِ التَّأنيث المُستحكم بالعَلَمِيَّةِ، لأنَّ كُراع اسمُ أمِّه. تَحَلَّلَ في يَمِيْنِه: إذا استثنى فكأنه تكلف الحِلَّ، وذلك أن يَقول إن شاءَ الله. و"ذات" زائدة وهذا تَدْرِيْسٌ. يقولُ: قد اضطَرَبَ عقلك فبادر نفسك بالعلاج وقبله (^٢):
أَتَتْكَ يَمِيْنٌ من أُناس لتركبن … على ودوني هَضْبُ غَوْل فَقَادِمُ
لتركبن على: بمعنى لتركبن على قَصدٍ (مكروهي) (^٣) وفي ["يركبن"] (^٤) ضمير يعود إلى أُناس، غول: موضع (^٥).
_________________
(١) هو سُوَيْدُ بن كُراعَ، أحدُ بني عُكْل، واسم عُكل عَوْفُ بن وائِل بن قَيْس، وكُراع: هيَ أمُّه عن محمّد بن حَبِيْبٍ في كتاب "من نُسب إلى أمه من الشعراء"، والخزانة: قال ابنُ المُسْتَوْفِي فِي إثبات المُحَصَّل: (ص ١٧١): "ونسبه سيبويه لِدَجَاْجَةَ بنِ عبدِ القَيْس التَّيْمِيِّ" الكتاب: (١/ ٢٨٣)، وشرح أبياته لابن السيرافي: (١/ ٥٧٠).
(٢) توجيه إعراب الببت وشرحه في إثبات المحصل: (ص ١٧١)، المنخل: (ص ١٧٣) شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٥٤)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٨٣). وينظر: الأصول (١/ ١٣٣)، ابن الشجري (٢/ ٢٤١)، قال ابن المُستوفي -﵀-" وقبله: أتتني يَمِيْنٌ من أُنَاسٍ ليركبن … عليّ ودُوني غولُ هَضْبٍ فقَادِمُ رَأيتُ امرءأَ لا يَقْبَلِ الصُلحَ طائِعًا … ولَكنْ مَتى تَظْأر فإنك لائِمُ تحرِّصُ أبْنَاءَ المُلُوْكِ سَفَاهَةً … وثأرك مطلوب وليلك نائِمُ وقد جمع شعر سُوَيْدٍ صديقنا الدُّكتور حاتِم بن صالح الضَّامن، ونشره في مجلة المَوْرد العراقية (١/ ٨/ ١٤٩ - ١٦٢) سنة ١٣٩٩ هـ وأورد البيت المُستشهد به منفردًا عن المصادر التي ذكرتها وجاء البيت الثاني فقط من الأبيات التي أنشدها ابن المستوفي في القصيدة رقم (١٣) التي أثبتها الدكتور حاتم عن الأغاني … وغيره.
(٣) في (ب): "قصدك وهي" والتَّصحيح عن ابن السِّيرافي في شرح أبيات الكتاب وهو مصدر المؤلف.
(٤) في (أ): "ركب" والتَّصحيح من (ب) يوافقه نص ابن السيرافي.
(٥) ماءٌ للضّباب. معجم ما استعجم (ص ٧٠٢). قال أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب (ص ١٢٤): " … هَضْبْ غولِ فقادم وهما واديان للضباب".
[ ٤ / ٣٩ ]
يهجوه (^١) بأنهم يقيدون الأُتُن ليَأْتُوها. قالَهُ أبو عَلِيٍّ الدَّقَاقُ (^٢).
قالَ جارُ اللهِ: و"منهم من يَجعل "ما" مزيدة ويعملها الا أن الأعمال في كأنَّما وليتَما ولعلّما أكثر منه في إنّما، وأنَّما، ولكنَّما، وروي بيت النَّابغةِ:
* قالَتْ أَلَا لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامُ لَنَا *
على الوجهين".
قال المُشَرِّحُ: حكى (^٣) إعمالها مع "ما" عن الكِسائي. قال ابنُ السَّرَّاجِ: وجدتُ ذلك في (مختصر) بخطِّه كَذَا نقله عنه بعضِ الأُدباء، إنما كان إعمال هذه أكثر من تلك، لأن لها معاني فعملها قائم بعمانيها. وأما "إن"، و"لكن" فمعناهما غير زائد على معنى الابتداء شيئا سوى التأكيد والايجاب لما بعدهما، فإذا قلتَ: إنما زيدٌ قائمٌ، فكأنَّك قلت: عمروٌ قائمٌ لا زيدٌ، وأمَّا كأنَّما بكرٌ ذاهبٌ، وليتما زيدٌ قائمٌ، ولعلما عمروٌ منطلقٌ فليس كذلك.
تَمَامُهُ (^٤):
_________________
(١) هذا البيت: (أعد نظر …) لم يَنْسِبه المؤلّف ولا الشّارح، هو للفرزدق في ديوانه: (ص ٢١٣). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٧٢)، المنخَّل (ص ١٧٣)، شرح المُفصل لابن يعيش (٨/ ٥٤، ٥٧)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٨٣). وينظر: الإيضاح (ص ١٣٧)، شرح أبياته (إيضاح شواهد الإِيضاح) (ص ١٤٦)، الأزهية (ص ٨٧)، المقتصد (١/ ٤٦٨)، أمالي ابن الشجري (٢/ ٢٤١)، المُرتجل (ص ٢١٢)، المغني (ص ٢٨٧، ٢٨٨)، شرح أبياته (٥/ ١٦٩).
(٢) هذا النّص نقله ابن المُستوفي في إثبات المُحَصِّل (ص ١٧٢). وأبو عليٍّ الدَّقاقُ هو الحَسن بن علي بن محمّد. قال الأسنوي: "لسانُ وقته وإمام عصره تبحَّر في النَّحوِ واللغة وتفقَّه بمرو … " وهو فقيه شافعي مُتصوف. أخباره في طبقات الشَّافعية للسُّبكي (٣/ ٣٢٩)، طبقات الشافعية للأسنوي (١/ ٥٢٣)، النجوم الزاهرة (٤/ ٢٥٦)، شذرات الذهب (٢/ ١٨٠).
(٣) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ٨٤) شرح هذه الفقرة دون إشارة.
(٤) ديوان النابغة (ص ٢٤). =
[ ٤ / ٤٠ ]
* إِلَى حَمَامَتِنَا ونِصْفُهُ فَقَدِ *
ومثلُهُ قوله (^١):
لَيْتَ الحَمَامُ لِيَهْ
إِلَى حَمَامَتِيَهْ
وَنِصْفُهُ قَدِيَهْ
تَمَّ الحَمَامُ مِيَهْ
قال جارُ اللهِ: "و"إنَّ" و"أن" هما يؤكدان مضمون الجُملة ويُحققانه إلا أن المكسورة الجُملة معها على استقلالها بفائدتها، والمفتوحة تقلبها إلى حكم المفرد، تقول: إنَّ زيدًا منطلقٌ وتسكت كما تَسكت على "زيدٌ منطلقٌ"، وتقول: بلغني أن زيدًا منطلق، وحق أن زيدًا منطلق فلا تجد بُدًّا من هذا الضَّميم كما لا تَجده مع الانطلاق ونحوه".
قال المُشَرِّحُ: الذي أَوجب الكسرة في همزة "إن" التي بها يبتدأ أنه الأَصل لما ابتدأته وبعدها ساكنٌ كما فعلت بقولك: إضرب ونحوه (^٢) إلا أن يعوض عنه، لأن التقاء الساكنين أوجب تحريك أحدهما، وذلك في: من
_________________
(١) = توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المُحصل (ص ١٧٢)، المُنَخَّل (ص ١٧٤)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٥٨)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٨٤). وينظر: الكتاب (١/ ٢٨٢)، شرح أبياته لابن السيرافي (١/ ٣٣)، الخصائص (٢/ ٤٦٠)، أمالي ابن الشَّجريّ (٢/ ١٢٤)، الإِنصاف (ص ٤٧٩)، المغني (ص ٦٣، ٢٨٦، ٣٠٨)، الخزانة (٤/ ٦٧).
(٢) تُنسبُ إلى زرقاء اليَمامة، وهي المَعْنِيّة بقوله: واحكُمْ كحكمِ فَتَاةِ الحَيِّ إذ نَظَرَتْ … إلي حَمَامٍ شِرَاعٍ وارِدِ الثَّمَدِ يَحُفّه جانبًا نيقًا ويَتْبَعُهُ … مثلُ الزُّجاجةِ لم تُكَحِل من الرَّمَد قَالَتْ ألا لَيْتَمَا هذا الحَمَامُ لَنَا … إلى حَمَامَتِنَا ونِصْفُهُ فَقَدِ وينظر شرح ديوان النابغة لابن السكيت (ص ١٥)، ونسبهما إلى ابنة الخس برواية مغايرة. وهما أيضًا في شرح أبيات الكتاب لابن السيرافي (١/ ٣٤) … وغيره.
(٣) في (أ).
[ ٤ / ٤١ ]
ابنك؟ ومن الرجل؟ فكذلك هذا من أجل أنه لا يبتدأ بساكن كما لا يجمع بين ساكنين، يجب أن يحرك بالكسر، لأن الحاجة إلى تحريكه من جهة أنه لا يمكن النطق به كما لا يمكن بذلك. إن مع ما في خبرها جملة وأن مع ما في خبرها بمنزلة مفرد.
الضّميم: فعيل بمعنى مفعول من الضَمّ.
قال جارُ اللهِ: "وتعاملها معاملة المَصدر حيث توقعها فاعله ومفعوله ومضافًا (^١) إليها في قولك: بلغني أن زيدًا منطلق، وسمعت أن زيدًا خارج، وعجبت من أن بكرًا واقفٌ".
قال المُشَرِّحُ: معناه بلغني إنطلاقُ زيدٍ، وسمعت خروجَ عمروٍ، وعجبت من وقوفِ بكرٍ.
قال جارُ اللهِ: "ولا تُصدر بها الجملة كما لا تُصدر بأختها، بل إذا وَقَعت في موضع المبتدأ التزم تقديم الخبر عليها، فلا يقال: إنَّ زيدًا قائمٌ حقٌّ".
قال المُشَرِّحُ: إنما (^٢) كان كذلك لئَلَّا تتهيأ لدخول "إنَّ" المكسورة عليها.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والذي يُميز بين مواقعها أنَّ ما كان مظنةً للجُملة وقعت فيه المَكسورة كقولك مفتتحًا: إن زيدًا منطلقٌ، وبعد "قال" لأن الجُمل تحكى بعده. وبعدَ الموصول لأنَّ الصلة لا تكون إلا جُملةً".
قال المُشَرِّحُ: تقول مفتتحًا إن زيدًا منطلقٌ، كما تقول: زيذٌ منطلقٌ وكذلك بعد "قال" لأن الجُمل تحكى بعده، وهذا إذا لم يكن "قال" بمعنى فَاهَ، أو بمعنى ظَنَنْتُ، كما هو مذهب بني سُلَيْم، وكذلك قولك: قال فلانٌ:
_________________
(١) في (ب): "ومضيفًا إليها".
(٢) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٨٥) شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ٤٢ ]
إن زيدًا منطلقٌ، [وكذلك] (^١) بعدَ الموصول كقوله تعالى (^٢): ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال جارُ اللهِ: "وما كان مِظَنَّةً للمُفْرَدِ وقعت فيه المفتوحة نحو مكان الفاعل والمجرور وما بعد "لولا"، لأن المفرد فيه ملتزم في الاستعمال".
قال المُشَرِّحُ: أما مكان الفاعل والمجرور فقد مضيا آنفا، وما بعد "لولا" تقع فيه المفتوحة، لأنَّ المُفرد (^٣) لازم وقوعه فيه استعمالًا وإن لم يكن لازمًا تقديرًا، تقول: لولَا عليٌّ لهلكَ عَمْروٌ، ولا تقول: لولَا عليُّ موجودٌ.
فإن سألتَ: لو كان "أن" المفتوحة في مظنّة المفرد لما عطفت عليها الجملة الابتدائية في قوله تعالى (^٤): ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ …﴾ برفعِ العينِ والأنفِ وهي قراءةُ الكِسَائِي (^٥)؟
أجبتُ: الجملةُ الابتدائيةُ وقَعْت موقعَ المُفرد ها هنا، كأنه قال: وكتبنا عليهم ذلك الحكمَ هذا محصولُ الكلامِ.
قال جارُ اللهِ: "وما بعد "لو" لأن تقدير: "لو أنَّك مُنْطَلِقٌ لانْطَلَقْتُ" لو وَقَعَ أنَّك مُنْطَلِقٌ، أي: لو وَقَعَ انْطِلَاقُكَ".
قال المُشَرِّحُ: هذا الكلامُ منظورٌ فيه، والصَّوابُ: لو أنك انطلقت لأنّ خبر "أن" الواقع بعد "لو" يجب أن يكون فعلًا، ولذلك ذكر الشيخ -﵀- في حرفي الشَّرط لو قلت: لو أن زيدًا حاضري لأكرمته لم يجز.
_________________
(١) في (أ): "وهذا".
(٢) سورة القصص: آية ٧٦.
(٣) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٨٧) شرح هذه الفقرة.
(٤) سورة المائدة: آية ٤٥.
(٥) قراءة الكسائي في السبعة لابن مجاهد (ص ٢٤٤)، التيسير (ص ٩٩)، إعراب القرآن للنحاس (١/ ٤٩٩)، البحر المحيط (٣/ ٤٩٤).
[ ٤ / ٤٣ ]
قال جارُ اللهِ: "وكذلك ظننتُ أنّك ذاهبٌ على حذف المفعولين والأصل: ظننت ذهابَك حاصلًا".
قال المُشَرِّحُ: أنّك ذاهبٌ ينزل منزلة ذَهَابِكَ، وهو المَفعول الأول فيُحتاج فيه إلى المفعول [الثاني] (^١).
قال جارُ اللهِ: (فصلٌ) ومن المواضع ما يُحتمل المفرد والجملة فيجوز فيه ارتفاع أيِّهما شِئْتَ نحو قولِكَ: أول ما أَقولُ: إني أحمدُ الله إن جعلتها خبرًا للمبتدأ فتَحْتَ، كأنَّك قلتَ: أول مَقُولي حمدُ اللهِ وإن قدرت الخبرَ محذوفًا كسرتَ حاكِيًا، ومنه قوله (^٢):
وكُنْتُ أُرَى زَيْدًا -كَمَا قِيْلَ- سيِّدًا … إذَا أنَّه عبدُ القَفَا واللَّهَازِمِ
تَكسر لتوفر ما بَعد "إذا" ما تقتضيه من الجملة، وتفتح على تأويل حذفِ الخبرِ، أي: فإذا العُبوديةُ وحاصلةٌ، وحاصِلةٌ محذوفةٌ".
قال المُشَرِّحُ: "ما" ها هُنا مصدرية، فإن فتحت فالمصدر ها هنا بمعنى اسمِ المَفعول، وإن كسرتَ فهو هو. هذا البيت قد مضى في الظروفِ شرحه.
قال جار اللهِ: " (فصل) وتكسرها بعد "حتى" التي يبتدأ بها الكلام فتقول: قد قال القوم ذلك حتى أن زيدًا يقوله، وإن كانت العاطفة فتحت فقلت: قد عرفت أمورك حتى أنك صالح".
قال المُشَرِّحُ: تكسر كما تقول: حتى زيدٍ يقوله، وتفتح كما تقول: حتى صلاحَكَ.
تخمير: "أن" تقع بعد إلا على وجهين:
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) تقدم ذكره.
[ ٤ / ٤٤ ]
أحدهما: أن يكونَ على تقديرِ الخُلُوِّ من عاملٍ لفظيٍّ، فتكسرها على الابتداء، وتكون هي وما بعدها جملةً كافيةً كقولك: ما قَدِمَ علينا أميرٌ إلا إنه مكرمٌ، قال اللهُ تَعالى (^١): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾.
والآخر: أن تكون مضمّنة عاملًا لفظيًا فتفتحها كذلك، وتكون هي وما بعدها في تقديرِ اسمِ مفردٍ نحوَ ما رَضِيْتُ عنك إلا أنَّك سخيٌّ، [أي] (^٢): لسخائك قال (تعالى) (^٣): ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [أي: كفرهم] (^٤) وهو في موضع رفع؛ لأنَّه فاعلُ مَنَعَهُمْ.
تَخْمِيْرٌ: تقولُ: أمَّا أنه ذاهبٌ، وأما إنه منطلق فتفتح وتكسر قال سيبويه (^٥): فسألت الخَيل عن ذلك فقال: إذا فَتح فإنه يجعله قولك: حقًّا أنّه منطلقٌ، وإن كسر فكأنه قالَ: ألا إنّه ذاهبٌ.
تَخْمِيْرٌ (^٦) مواقع المكسورة جَزْمًا سبعة:
الأول: الافتتاح.
الثاني: ما بعد الموصول.
الثالث: جوابُ القسم.
الرابع: ما بعدَ واوِ الحال.
الخامس: ما بعد حرفِ التّصديق.
السادس: ما بعد حرف التَّنبيه.
السابع: إذا أدخلت اللّام في خبرها.
_________________
(١) سورة الفرقان: آية ٢٠.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) سورة التوبة: آية ٥٤.
(٤) ساقط من (أ).
(٥) الكتاب (١/ ٤٦٢).
(٦) بياض في (ب).
[ ٤ / ٤٥ ]
وغير جَزْمٍ خمسة: ما بعد "ألا"، ما بعد القَول، ما بعد "إذا"، ما بعد "حتى" (^١) ما بعد حرف التنبيه وهو "أما".
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولكون المكسورة للابتداء لم تجامع لامُهُ إلا إياها وقوله (^٢):
* ولَكِنَّنِي مِنْ حُبِّها لَعَمِيْدُ *
على أن الأَصْلَ ولكنْ إنَّني، كما أنَّ الأَصلَ في قوله تَعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ لكن أَنَا".
قال المُشَرِّحُ: "أنا" (^٣) ضمير المتكلم، والاسم الهَمْزَةُ والنُّون، فأما الألف فإنما تلحقها (^٤) في الوقف كما تلحق الهاء (^٥) في مسلمونَهْ، وكما أن الهاء التي تلحق للوقف إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيءٍ سقطت، كذلك هذه الألف. ونظيرُ هذه الألف في أنَّها للوقف فإذا اتصلت الكلمة بشيء بعدها سقطت، الألف (^٦) في (حَيَّهَلَا)، والألفُ والهاء في هذا الطّرف كهمزة الوصل في الطرف الآخر، ورووا إثبات هذه الألف في الوصل إذا
_________________
(١) في (ب): "حقًا".
(٢) لم يذكر الشارح شرحه ولا قائله، وصدره فى شرح ابن عقيل (١/ ١٤١): * يَلُوْمُوْنَنِيْ في حُبِّ لَيْلَى عَوَاذِلِيْ * توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المُحَصَّل (ص ١٧٦)، المُنَخَّل (ص ١٧٦) شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٦٤، ٧٩)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٩٢). وينظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٤٦٥)، اللَّامات للزَّجاجي (ص ١٧٧)، التَّبيين عن مذاهب النحويين (ص ٣٥٤)، شرح الكافية للرضي (٢/ ٣٣٢)، الجَنى الدَّاني (ص ١٣٣، ٦١٥)، الخزانة (٤/ ٣٤٣).
(٣) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ١٩٢) شرح هذه الفقرة بتمامها.
(٤) في شرح الأندلسي: "يلحقه".
(٥) في (أ) "الهاء له"، وفي (ب) "التاء لها"، والتصحيح من شرح الأندلسي.
(٦) في (ب): "سقطت الألف كما في حيهلا" واختصر الأندلسي النص فذهبت في اختصاره.
[ ٤ / ٤٦ ]
لقيها همزة في كلّ القرآن مثل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (^١)، و﴿أَنَا أَخُوكَ﴾ (^٢) ولم يختلفوا في حذفها إذا لم تلقها همزة، إلا في قوله (^٣): ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾، ويُشبه أن يكونَ عدم الحذفِ لئلا تُشبه الكلمة بـ "لكنّ" المشدَّدة على أنّه قد جاءَت ألفٌ مثبتةٌ في الوَصْلِ في الشّعر، من ذلك قول الأعشى (^٤):
فَكَيْفَ أَنَا وانْتِحَالُ القَوَا … فِي بعدَ المَشِيْبِ كَفَى ذَاكَ عَارَا
وقولُ الآخر (^٥):
أَنَا سَيْفُ العَشِيْرَةِ فاعرِفُونِي … حُمَيْدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّنَامَا
وفي (حاشِيَةِ المُفَصَّلِ) (^٦) لما كان الضَّمير في "ربي" راجعًا إلى "أنا" الذي هو مبتدأ جازَ هذا التَّقدير تقول: أنا هو صاحبي، ولا تقول: أنا هو الضَّارب. لأنّ لامَ الابتداء لا تدخل إلا على خبر "إن" المكسورة، وأما ما أَنشده قطرب (^٧):
ألم تَكنْ حَلَفْتَ باللهِ العَلِيِّ
أنَّ مَطَايَاكَ لَمِنْ خَيْرِ المطيِّ
فقد قال ابن جِنّي: الوجه الصَّحيح -ها هنا- كسر "إن" لتزول الضَّرورة
_________________
(١) سورة البقرة: آية ٢٥٨.
(٢) سورة يوسف: آية ٦٩.
(٣) سورة الكهف: آية ٣٨.
(٤) ديوان الأعشى (ص ٤١). وينظر: الأصول (٣/ ٤٥٤، ٤٥٥)، تكملة الإِيضاح (ص ٢٨)، إيضاح: شواهد الإِيضاح (ص ٣٨٥)، المقرب (٢/ ٣٥)، ضرائر الشعر (ص ٤٩).
(٥) تقدم ذكره.
(٦) حاشية المفصل (ص ١٣٥).
(٧) جاء في سرّ صناعة الإِعراب (ص ٣٧٩) والخَصائص (١/ ٣١٥): "أخبرنا علي بن محمد يرفعه بإسناده إلى قُطْربٍ … ".
[ ٤ / ٤٧ ]
وأمَّا قولك: قد علمت إن زيدًا ليقوم إذ هي لامُ الابتداء، وأما قراءة سَعِيْدِ بن جُبَيْرٍ (^١): ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ (^٢) فقد قال أبو عُثمان (^٣) فتح "إن" وجعلَ اللَّام زائدةً كما في قوله (^٤):
* أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَ بَهْ *
ومما عسى أن يكون من هذا الباب -أعني باب زيادة اللام- ما قاله ابن جني (^٥) أخبرني أبو عَلِيٍّ أن أبا الحَسَنِ حكى أنَّ زيدًا وجهه لحسنٌ.
قالَ جارُ الله: "ولها إذا جامعتها ثلاثةٌ مداخلٍ، تدخل على الاسم إن فصل بينها وبين "إن" كقولك: إنَّ في الدَّارِ لَزَيْدًا، وقوله تَعَالَى (^٦): ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ وعلى الخبر كقولك: إنّ زيدًا لقائم وقوله تعالى (^٧): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وعلى ما يتعلق بالخبر إذا تقدمه كقولك إن زيدًا لطعامك آكل، وإن عمرًا لفى الدار جالس، وقوله تعالى (^٨): ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقول الشاعر:
إنَّ امرءًا خَصَّني عَمْدًا مَوَدَّتَهُ … عَلَى التَّنائي لَعِنْديْ غيرَ مَكْفُوْرِ
ولو أخرت فقلت: آكك لطعامك، أو غير مكفور لعندي لم يجز؛ لأن اللَّام لا تَتَأَخَّر عن الإِسم والخبر".
_________________
(١) قراءة سعيد في شرح الكافية للرضي (٢/ ٣٥٦)، البحر المحيط (٦/ ٤٩٠)، المغني (١/ ١٩٢)
(٢) سورة الفرقان: آية ٢٠.
(٣) الخصائص (١/ ٣١٥).
(٤) تقدم في الجزء الثالث. وهو في سرِّ الصِّناعة (ص ٣٧٨).
(٥) سرّ صناعة الإِعراب (ص ٣٧٨).
(٦) سورة النّازعات: آية ٢٦.
(٧) سورة النحل: آية ١٨.
(٨) سورة الحجر: آية ٧٢.
[ ٤ / ٤٨ ]
قال المُشَرِّحُ: الأصل: لإِنَّ في الدَّارِ زَيْدًا، ولإِنَّ في ذلك عبرةً، وكذلك بقية الأَمثلة كهذا (^١)، لأن لام الابتداء كما تَدخل على الفعل في نحو قول امرئ القَيْس (^٢):
* لَنَامُوا فَمَا إنْ مِنْ حَدِيْثَ وَلَا صَالِ *
تدخل على الحَرف أيضًا في نحو قوله (^٣): ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾، و"إنَّ" في الحقيقة حرفٌ، فبعد ذلك لا تخلو من أن تغلبه الفعلية أو لا تغلبه، فإن غلبته وَجَبَ أن تَدخل عليه اللَّام كما في الفعل، وإن لم تَغلبه وَجَبَ أن تدخل عليه أيضًا، لأنه حرف [كما دخلت على الحروف] (^٤).
فإن سألتَ: فلمَ فُرقَ بين إن ولام الابتداء؟.
أجبتُ: لأنَّ معناهما واحدٌ بدليل أنَّهما للتوكيد، ويقعان أيضًا جوابًا للقسم، فأخَّروا اللام.
فإن سألتَ: فلم لَمْ يُؤَخِّروا "إنّ"؟.
أجبتُ: لأنّ "إنَّ" عاملةٌ واللام غيرُ عاملةٍ والعامل أَقوى، فَوَجَبَ تأخير الأضعفِ هذا البيت لأبي زُبَيْدٍ الطَّائِي (^٥)، وبعده:
_________________
(١) في (ب): "وهذا".
(٢) ديوانه (ص ٣٢)، وصدره: * حلفت لها بالله حلفة فاجر * والشاهد في التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٢٨١)، شرح المفصل (٩/ ٢٠، ٢١، ٩٧)، خزانة الأدب (٤/ ٢٢١).
(٣) سورة الضحى: آية ٥.
(٤) ساقط من (ب).
(٥) قال ابن المستوفي: أنشده ابن جني في (سر الصناعة) لأبي زبيد الطائي يقولها لما عَزَلَ عثمانُ. ﵁ خالدَ بن الوليد وأمَّر سعيد بن العاص ﵃ وما ذكره الخُوارزمي هو ما رواه ابن السيرافي في شرح أبيات الكتاب (١/ ٤٣٢)، وهو أقربُ إلى الصَّواب لقوله في القصيدة: =
[ ٤ / ٤٩ ]
أَرْعَى وَأَرْوَى وَأَدْنَانِي وَأَظْهَرَنِيْ … عَلَى العَدْوِّ بِنَصْرٍ غَيْرِ تَعْذِيْرِ
يمدح بهذا الشّعر الوَليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْطٍ، وكانت بني تغلب أخذت إبلًا لأَبي زُبَيْدٍ فأخذ له الوليد بحقّه من بَني تغلب وارتجع إبله. يقول: خَصَّني بمودته، وأَخذ لي بحقّي، ولم يكن بينَنَا ما يُوجب ذلك أَرْعَى: أي جَعَلَ لإِبلي ما تَرْعَاهُ، وأَرْوَى أي أَرْوَاهَا من المَاءِ، وأَظْهَرَنِي أي جَعَلَنِي ظاهرًا عليهم قاهرًا لهم. التقدير: أن يفعل الشيء فلا يبالغ فيه، يقول: إنه نَصَرَنِي نصرًا بالغَ فيه ولم يُقَصِّر.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتقول: عَلِمْتُ أنّ زيدًا قائمٌ، فإذا جئتَ باللَّام كسرتَ وعَلَّقْتَ الفعل قال الله تَعالى (^١): ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: فرق بين: علمت إن زيدًا قائمٌ، وعلمت إن زيدًا لقائمٌ وذلك أن علمت أن زيدًا قائمٌ معناه: علمت قيام زيد، وأمَّا علمت إنَّ زيدًا لقائمٌ فمعناه: علمتُ زيدٌ قائمٌ، وبين المعنيين فرقٌ.
قال جارُ الله: "ومما يحكى عن جُرأَةِ الحَجَّاجِ على الله أن لسانه سَبَقَ بقَطْعِ العاديات إلى فتحة "إنَّ" فأسقط اللَّام".
_________________
(١) = إنَّ الوَلِيْدَ له عِنْدِي وحُقَّ لَهُ … ودُّ الخَلِيْل وَوِدٌّ غير مَدْحُورِ ديوانه (ص ٧٩)، وقد أورد ابن المُستوفي أبياتًا من القصيدة لَم ترد في ديوانه الذي جمعه وحققه الدكتور نُوري حمُّودي القيسي وفَّقه الله ونشر في المجمع العلمي العراقي سنة ١٩٦٧ م. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المُحَصَّل (ص ١٧٦)، المُنخل (ص ١٧٦) شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٦٥)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٩٣). وينظر: الكتاب (١/ ٢٨١)، الأصول (١/ ٢٤٥)، الإِنصاف (ص ١٦٠)، المغني (٢/ ٧٢٥).
(٢) سورة المنافقون: آية ١.
[ ٤ / ٥٠ ]
قال المُشَرِّحُ: يقول جَرَى على لسانِه فتحة "إن" فأسقط اللَّام من ﴿لَخَبِيرٌ﴾ (^١).
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولأن محل المكسورة وما عملت فيه الرَّفعُ جازَ في قولِكَ: إنَّ زيدًا ظَرِيفٌ وعَمرًا، وإن بِشْرًا رَاكِبُ لا سَعِيْدًا، أو بَلْ سَعِيْدًا أن ترفع المعطوف حملًا على المحلّ، قالَ جرير (^٢):
إنَّ الخِلَافَةَ والنُّبُوَّةَ فِيْهِمُ … وَالمَكْرُمَاتُ وَسَادَةٌ أَطْهَارُ"
قال المُشَرِّحُ: إذا قُلنا: إن زيدًا ظريفٌ فمحصوله زيدٌ ظريفٌ، فلذلك جازَ في معنى المعطوف الرَّفع.
قال جارُ الله: "وفيه وجهٌ آخرُ ضعيفٌ، وهو عطفه على ما في الخبر من الضمير".
قال المُشَرِّحُ: وفيه وجه آخرُ ليس بذلك، وتقول تعطف على ما في
_________________
(١) سورة العاديات: آية ١١. قال الأندلسي في شرحه (٣/ ١٩٥): "قلتُ كانَ الحَجَّاجُ يَتَحَفَّظُ من اللَّحْنِ حتَّى قيل: ثلاثةُ ما سُمع منهم لحنٌ قطُّ الحجاجُ أحدهم والآخر الشعبي و[الثالث]، الحسنُ البَصْريُّ فلما سبق لسانه إلى فتح "إن" من قوله تَعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ أسقط اللام من ﴿لَخَبِير﴾ فقال: خَبِيْرٌ لئلا يجمع بين اللَّام وفتح "إن" وذلك لحنٌ. أمَّا ما يُروى يفتح على زيادة اللَّام فبعيدٌ عنَ القياس والاستعمال فلذلك لم يَرْتكبه، وأقدم على إسقاط حرفٍ من التِّلاوة. ومن أجاز قراءَة القُرآن بالمعنى لم يرَ بهذا بأسًا، ومن منعَ من ذلك لم يُرخص في مثل هذا، ولهذا أخرجه مخرج الشَّناعة عليه والتَّنديد به، والعجب إنه كان حَنَفِيًّا، وهو يعتقد جواز قراءة القرآن بالمعنى فيكف يُشنِّعُ على مذهبه"؟. وعقب عليه ابن المُستوفي في إثبات المُحَصَّل (ص ١٧٧) بقوله: "قلتُ أيضًا: إسقاط شيءٍ من القُرآن غير القراءة بالمعنى".
(٢) لم أجده في ديوان جرير، ولم يشرحه ابن المستوفي في إثبات المُحَصَّل وهو في المنخل (ص ١٧٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٦٦)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٩٥). وينظر: الكتاب (١/ ٢٨٦)، شرح الشواهد للعيني (٢/ ٢٦٣).
[ ٤ / ٥١ ]
الخبر من الضمير المرفوع الراجع إلى اسم ["إن" لكنَّ] (^١) العطف على هذا الضَّمير لا يَحسن إلا بعد التَّأكيد.
قال جارُ الله: "و"لكن" تُشَايِعُ "إنَّ" في ذلك دون سائر أخواتها".
قال المُشَرِّحُ: معنى الابتداء مع هذه الحروف قد زال إلا مع "إن" و"لكن"، أما مع "إن" فظاهر وأما مع "لكن" فظاهر أيضًا، لأن معناه لكن إن بخلاف "أن" فإن معناه على ما قد مضى معنى المفرد، وبخلاف سائر الحروف؛ لأن الغالب عليهما الفعلية فلا يبقى معها معنى الابتداء، ألا ترى أنك إذا قلت: ليت زيدًا قائم فليس معناه معنى زيدٌ قائمٌ، بل أتمنى أن يكونَ زيدٌ قائمًا، بخلاف إنَّ زيدًا قائمٌ، ولكن زيدًا قائمٌ، فإن معناهما معنى زيد قائم، ولكن زيد قائم.
قال جارُ الله: "وقد أَجرى الزَّجاجُ الصّفة مُجرى المعطوف، وحمل عليه قوله تعالى (^٢): ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وأباه غيره وإنما يصح الحَمْل على المَحَلّ بعد مُضِىّ الجُملة".
قال المُشَرِّحُ: الزجاج (^٣) يقول: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ مرفوع بأنَّه صِفَة ﴿رَبِّي﴾ والنَّحويون يقولون بأنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ.
واحتج الزَّجاج بقولهم: يا زيدُ الظَّريفَ، يجوز نصب الظريف حملًا على المحل كذلك ها هنا، رفع ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ حملًا على مَحَلّ "ربّي".
حجّة النَّحويين: إنما يُحمل على ﴿رَبِّي﴾ إذا استَقَرّ عليه معنى الابتداء، ولم يَستقر عليه إلا بعد مُضي الخبر.
فإن سألتَ فقد مضى الخبر ها هنا؟.
_________________
(١) في (ب): "ذلك والعطف".
(٢) سورة سبأ: آية ٤٨.
(٣) إعراب القرآن ٤/ ٢٥٧.
[ ٤ / ٥٢ ]
أجبتُ: إنه مُضِيُّ كلا مضيٍّ، وهذا لأن من شأنِ الصفة أن تَعقب المَوصوف ونظير هذه المسألة: أين بيتك أزرك؟ وهل تأتينا فتحدثنا؟.
قالَ جارُ اللهِ: "فإن لم يمض لزمك أن تقولَ: إن زيدًا وعَمْرًا قائمان بنصب عَمْرْوٍ لا غيرُ".
قال المُشَرِّحُ: تقول: إنَّ زيدًا، وعمرًا قائمان، ولا تقول وعمرٌو، كما لا يَجُوز هل من رجلٍ وحمارٌ موجودان برفع حمارٍ، فإن نصببت عمرًا جازَكما إذا جررت حمارًا فقلت: هل من رجلٍ وحمارٍ موجودان، والفَرَّاء (^١) يجيز إن هذا وزيدٌ قائمان، وإن الذي عندك وزيدٌ قائمان إذا كان اسمُ "إنَّ" لا يتبين فيه الإِعراب، هذا إذا كان الخبرُ متعددًا وأما إذا كان غير متعدد فإنه يجوز كقوله (^٢):
فمَنْ يَكُ أَمْسَى بالمَدِيْنَةِ رَحْلُهُ … فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيْبُ
وذلك أن هذا عطفُ جملةٍ على جملةٍ، ولا يجوز أن يكون عطف مُفْرَدٍ على مفرد.
قال جارُ الله: "وزَعَمَ سيبويه أن ناسًا من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمَعون ذاهِبُون وإنَّك وزيدٌ ذاهبان، وذلك أن معناه معنى الابتداء فيرى أنه قال: هم كما قال (^٣):
_________________
(١) معاني القران (١/ ٣١١).
(٢) البيت لضابئ بن الحارث البرجمي. في الكتاب (١/ ٣٨)، شرح أبياته (١/ ٣٦٩)، شرحها لابن خلف (١/ ٤٢)، الأصمعيات (ص ١٨٤)، معاني القرآن للفراء (١/ ٣١١)، الأصول لابن السراج (١/ ٢٥٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٦٨)، خزانة الأدب (٤/ ٣٢٣).
(٣) البيت لزهير في شرح ديوانه (ص ٢٨٧) وصدره: * بَدَا لِيَ أَنَّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَاْ مَضَى * وينسب إلى صِرْمَةَ الأنصاري. وينظر: الكتاب (١/ ٨٣، ١٥٤، ٤٢٩، ٤٥٢)، (٢/ ٢٧٨)، المقتضب (٢/ ٣٣٩)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٦٩).
[ ٤ / ٥٣ ]
* وَلَا سَابِقٍ شَيْئًا إذَا كَاْنَ جَاْئِيَا *"
قال المُشَرِّحُ: عند الفراء (^١) يجوز إنهم أجمعون قومه، وإنه نفسه يقوم، وعلى ذلك ما ذكرنا في ما لا يتبين فيه الإعراب من المؤكد. قوله: فيُرى: هو بالياء المثناة التّحتانية مبنيًا للفاعل أي فيرى القائل ويُحتمل أن يكون مبنيًا للمفعول، وتَتِمَّةُ كلام سيبويه (^٢): فتوهم الباء.
قال جارُ اللَّهِ: "وأمَّا قولُهُ: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ فعلى التَّقديمِ والتَّأخيرِ، كأنّه ابتدأ والصَّابِئُون بعد ما مضى الخبرُ وأنشدَ:
وإلَّا فَاعْلَمُوْا أَنَّا وَأَنْتُمْ … بُغَاةٌ مَا بَقِيْنَا فِي شِقَاقِ"
قال المُشَرِّحُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ (^٣)، هذا اسم "إنّ"، وخبره الجملة الابتدائية وهي: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مرفوعٌ والخبرُ محذوفٌ تقديره: والصَّابِئُون كذلك، فهي عطفُ جملةٍ على جملةٍ، وكذلك معنى البيت، وإلا فاعلموا أنَّا بغاةٌ وأنتم كذلك. هذا البيتُ لبشر بن أَبي خَازِمٍ بالخاء المُعْجَمَةِ وقبله (^٤):
إذا جُزَّتْ نَوَاصي آل بَدْرٍ … فأَدُّوها وأَسْرَى في الوِثَاقِ
وإلّا فَاعْلَمُوا … البيت
_________________
(١) معاني القرآن (١/ ٣١١).
(٢) الكتاب (١/ ٢٩٠)، وينظر الأصول (١/ ٢٥٧).
(٣) سورة المائدة: آية ٦٩.
(٤) ديوان بشر (ص ١٦٥) وفيه: "ما حيينا" من قصيدة يهجو بها أوس بن حارثة. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المُحَصّل (ص ١٧٨)، المُنَخَّل (ص ١٧٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٦٩، ٧٠)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٩٨). وينظر: الكتاب (١/ ٢٩٠)، شرح أبياته لابن السيرافي (٢/ ٣١)، الإِنصاف (ص ١٩٠)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٣٤٥)، خزانة الأدب (٤/ ٣١٥).
[ ٤ / ٥٤ ]
الشِّقاق: هي العداوة وأصله من [شقِّ]، (^١) الوادي. سبب هذا الشعر أن قومًا من آل بَدْرٍ من الفَزَارِيِّين جاورُوا بني لام من طيء فعمد بنو لام إلى الفزاريين فجَزُّوا نواصيهم، وقالوا: مننا عليكم ولم نقتلكم، فغضب بنو فَزَازَةَ من أجلِ ما صَنَعَ بنو لامٍ بالفزاريين، فيقول بشر قد جزرتم نواصيهم فاحملوها إلينا وأَطلقوا من أسرتُم منهم وإن لم تفعلوا فإنا نطلبكم فإن أصبنا منكم أحدًا طلبتمونا، فصارَ كلّ منا ظلم يطلب صاحبه والمعنى بقينا متعادين أبدًا.
تخمير:
ها هنا أربع من المسائل.
إن زيدًا وعَمْرًا منطلق لا تجوز.
إن زيدًا وعَمْرٌو منطلق جائز.
إن زيدًا وعمرًا منطلقان جائز.
إن زيدًا وعَمْرٌو منطلقان لا تجوز.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا يجوز إدخال "إن" على "أن"فيقال: إنّ أن زيدًا في الدارِ، إلا إذا فُصل بينهما كقولك: إن عندنا أنّ زيدًا في الدَّارِ".
قال المُشَرِّحُ: إنما لا يجوز إن أن (^٢) زيدًا في الدار، لأنهما حرفان مُتجانسان لفظًا اجتمعا لمعنىً.
فإن سألتَ: فكيفَ جاز تكرار "أن" في قولك: إن أن زيدًا منطلق وقوله:
* [مُرَّ يا مُرَّ مُرَّة بنَ تُلَيْدٍ] (^٣) *
_________________
(١) مكانها بياض في (أ) وفي (ب) شاق، وينظر شرح المفصل في أول الكتاب.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) في (أ) "مرمر يا مر … "، وقد تقدم في الجزء الثاني.
[ ٤ / ٥٥ ]
أجبتُ: بين هذه الصُّورة وتلك الصُّورة فرقٌ، وذلك أن إحدى الكلمتين هناك كالزيادة، وأمَّا ها هُنا فبخلافه، بدليل إنّ كلَّ واحدٍ من الحرفين لا بد له من اسم وخبر، ونظيره قولهم -على مانقله سيبويه-: إن زيدًا لما لينطلقن، ومما يجانس هذه المسألة بعينه بعض الحلو من الأغذية بين الحامضين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتخففان فيبطل عملهما، ومن العرب من يعملهما، والمكسورة أكثر إعمالًا، ويقعُ بعدهما الفعل".
قال المُشَرِّحُ: أعلم أن التَّخفيف والكف بـ "ما" في هذا الباب بمنزلة التعليق في أفعال القلوب، وهذا لأن الاسمين أصلهما الابتداء، فبأدنى شيء يعودان إلى أصلهما وإن كانت إنَّ المكسورة أكثرُ إعمالًا لقوتها واستقلالها بفائدتها ولذلك بقيت معها الجُملة على حالها بخلاف المفتوحة و["إن" مستضعفة] (^١) ولذلك انقلب معها الاسم إلى تأويل المفرد.
قال جارُ الله: "والفعل الواقع بعد المكسورة يجب أن يكون من الأَفعال الدَّاخلة على المُبتدأ والخبر، وجوز الكوفيون غيره".
قال المُشَرِّحُ: هذه الحروف حقها أن لا تدخل إلا على اسمين هما مبتدأ وخبر، فإن دخلت على الفعل فلا بد أن تدخل على فعل داخل على المبتدأ والخبر، حتى لا يفوت على هذه الحروف دخولها على المبتدأ والخبر رأسًا.
وأما حُجَّة الكوفيين فعما قليل تساق إليك.
قال جارُ اللهِ: "ويَلْزَمُ المَكْسُوْرَةِ اللَّام في خبرها، والمفتوحة تُعوض عمَّا ذهب منها أحدُ الأحرف الأربعة: حرف النفي وقد وسوف والسين تقول:
_________________
(١) في (ب): "فاستضعف لذلك … ".
[ ٤ / ٥٦ ]
إن زيدٌ لمنطلقٌ ﴿وَإِنْ كُلٌّ (^١) لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (^٢) وقُرِئَ (^٣) ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ على الإِعمال وأنشدوا:
فَلَوْ أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخَاءِ سَأَلْتِنِي … طَلَاقَكِ لَمْ أَبْخَلْ وأَنْتِ صَدِيْقُ
وقال تعالى (^٤): ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (^٥) وقال (^٦): ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ " (^٧).
قال المُشَرِّحُ: اِعلم أن بين البصريين والكوفيين في نحو قوله (^٨): ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ خلافًا فالكوفيون يقولون: "إن" ها هنا بمعنى النافية، واللام بمعنى "إلا" الاستثنائية، وكان الكسائي يوافق الكوفيين إذا كان بعد إن فعل إذ النفي يطلب الفعل، ويوافق البصريين إذا كان بعدها اسمٌ. قال أبو سَعيْدٍ السِّيرافي ولو جاز أن تكون اللام بمعنى "إلا" لجاز أن نقول: جاءَني القوم لزيدًا بمعنى إلا زيدًا. والبصريون يقولون بأن إن ها هنا هي المخففة، واللام هي الفارقة بين "إنْ" المخففة و"إنَّ" النافية، وهذا لأن "إنَّ"
_________________
(١) في (أ): ﴿وَإِنَّ كُلًّا …﴾ من سهو الناسخ.
(٢) سورة يس: آية ٣٢.
(٣) سورة هود: آية ١١١. قرأ ابن كثير ونافع ﴿وَإِنَّ﴾ مخففة ﴿كُلًّا لَمَّا﴾ مخففة. وقرأ عاصم في روايةِ أبي بكر ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ خفيفة ﴿لَمَّا﴾ مشددة وقرأ حمزة والكسائي: ﴿وَإِنَّ﴾ مشدّدة النون واختلفا في الميم في ﴿لَمَّا﴾ فشددها حمزة وخففها الكسائي. وقرأ أبو عمرو مثل قراءة الكسائي وقرأ ابن عامر مثل قراءة حمزة. وقرأ حفص ﴿وَإِنَّ﴾ مشددة النون ﴿لَمَّا﴾ مشددة أيضًا، أي: مثل حمزة وابن عامر. السبعة لابن مجاهد (ص ٣٣٩)، والكشف لمكي (١/ ٥٣٦، ٥٣٧)، مشكل إعراب القرآن له (١/ ٤١٥، ٤١٦).
(٤) سورة يوسف: آية ٣.
(٥) سورة الشعراء: آية ١٨٦.
(٦) سورة الأعراف: آية ١٠٢.
(٧) في (أ): "لفاسقون".
(٨) سورة الأنعام: آية ١٥٦.
[ ٤ / ٥٧ ]
و"أنَّ" إذا خُففا فربما اشتبهتا بـ "إن" النافية و"أن" المصدرية. وأمَّا [المكسورةُ] فيلزم خبرها اللام للفرق، وهي في الأصل لام الابتداء. وأمَّا المفتوحة فلا تخلو من أن تدخل على جملة إسمية أو فعلية، فإن دخلت على جملة إسمية فلا حاجة إلى الفرق، ضرورة أن "إنْ" المصدرية لا تدخل على الاسم وإن دخلت على جملة فعلية فلا (^١) تخلو من أن تدخل على فعل ماض أو غيره، فإن دخلت على ماضٍ لا تخلو من أن يكون مُثبتًا أو منفيًا، فلئن (^٢) كان منفيًا فلا بُدَّ من أن يكون معه حرف النّفي، وإن كان مثبتًا فلا بد معه من "قَدْ" ضرورة أن "قد" لتقريب الماضي من الحال (^٣)، وتقريبُ الماضِي من الحالِ ليس من معنى المَصدر في شيءٍ، والمَصدرية متى اقترنت بالفعل لم تفد غير نفس المَصدر، ولذلك انسلخ معها الفعل عن الاستقبال في نحو قوله:
إِذَا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوْا … أنْ لَا تُفَارِقَهُم فالرَّاحِلُونَ هُمُ
وإن دَخَلَتْ على غَيْرِ ماضٍ فلا بدّ من أن يكون مضارعًا، بعد ذلك لا يخلو من أن يكون للحالِ أو الاستقبالِ، فإن كان للحال لا يخلو من أن يكون مثبتًا أو منفيًا، فإن كان مثبتًا فلا بدَّ معه من "قد"، وإن كان منفيًا فلا بد معه من السِّين أو سوف، وإن كان منفيًا فلا بد معه من "لا" النافية.
فإن سألتَ: فيمَ تقع التفرقة (حِيْنَئِذٍ) (^٤) بين "إنْ" المصدرية وبين "إنْ" المخففة، وهذا لأن "لا" النافية كما تقترن بالمخففة تقترن بالمصدرية وذلك إذا قلت: علمتُ أن لا تخرج وأن لا تخرج؟.
_________________
(١) في (ب): "لا يخلو".
(٢) في (ب): "فإن".
(٣) في الأصل: "من الحال والمضي ".
(٤) في (ب).
[ ٤ / ٥٨ ]
أجبتُ: التفرقة بينهما تقع من حيث المعنى، وذلك أنه إن عنى بالفعل الاستقبال فهي المُخففة، وإن عنى به نَفْس [المصدر فهي] (^١) المصدرية كقولك: عجبت من أن لا يُعطى زيدٌ يومَ يُعطى الناس، فإن كان يوم يعطى النّاس مترقبًا فهي المُخففة، وإلّا [فَـ]ـهي (^٢) المصدرية.
فإن سألتَ: كيفَ تحقيق معنى "إنْ" على المذهب البصري في قوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾.
أجبتُ: معناه إنَّك لمن الكاذبين في ظَنّنا، وإنَّ أكثرهم لفاسقين في وِجْدَاننا﴾.
كنت (^٣) قد سمعتُ: "أنك" و"سألتني" و"فراقكَ" بفتح الكاف والتاء ثم أَخَبَرَنِيْ مُسْمِعِي بعدَ كَذَا وعشرين سنةً أنها بالكَسْرِ، كَذَا نَقَلَهُ ابن الأنباري عن الفَرَّاء في (الزَّاهر) (^٤) [قال وأنشده في باب (تذكير المؤنث) يصف بالسخاء نفسه] (^٥).
قال جارُ اللهِ: "وأَنْشَدَ الكُوفِيُّونَ:
بِاللَّهِ رَبِّكَ إن قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا … وَجَبَتْ عَلَيْكَ عُقُوْبَةُ المُتَعَمِّدِ"
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) في (أ): "هي".
(٣) هذا النص نقله الأندلسي وابن المستوفي والمراغي في شروحهم عن الخوارزمي والبيت لم ينسب إلى قائل معين وأنشد بعده الفراء في المعاني: ٢/ ٩: فما رُدَّ تزويجٌ عَلَيْهِ شَهَادَةً … وَلَا رُدَّ مِنْ بَعْدِ الحَرَارِ عَتِيْقُ توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المُحَصّل (ص ١٧٩)، المُنَخَّل (ص ١٧٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٧١)، شرحه للأندلسي. وينظر: معاني القرآن (٢/ ٩٠)، المنصف (٣/ ١٢٨)، الإِنصاف (ص ٢٠٥)، التبيين (ص ٣٤٩)، الجنى الداني (ص ٢١٧)، المغني (ص ٢٩)، شرح شواهده (ص ١٠٥)، شرح أبياته (١/ ١٤٧)، خزانة الأدب (٢/ ٤٦٥)، (٤/ ٤٥٢).
(٤) الزاهر (١/ ٣١٦).
(٥) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٥٩ ]
قال المُشَرِّحُ: الرِّوَايَةُ: "بِاللَّهِ رَبِّكَ" بالباء المُوحدة، وأنشده ابن جِنّي في (سرّ الصِّناعة) (^١) (شَلَّتْ يَمِيْنُكَ) كأنه قال: إنّك قتلت مسلمًا فلذلك وَجَبَتْ عليك عُقُوبة المُتعمد.
قال جارُ اللهِ: "ورووا" إِن تَزِيْنُكَ لَنَفْسُكَ، وإنْ تَشِيْنُكَ لَهِيَهْ" … ".
قال المُشَرِّحُ: تفسير الكُوفيين ها هنا أسوغُ مذاقًا.
فإن سألتَ: فكيف تطبيق الكلام على مذهب البصريين على أن الشيخ أبو علي الفارسي قد قال (^٢) فالمكسورة إذا خُففت لا يكون ما بعدها إلا على إضمار القصة والحديث؟.
أجبتُ: لعل معناه: إنك لَنَفسك تَزينك، وكذلك تأويل "إن" في
_________________
(١) سر صناعة الإِعراب (ص ٥٤٥). قال ابنُ المُستوفي: وأنشده أبو علي (هَبَلَتْكَ أُمُّكَ). وإنشاد الفارِسِيّ له في المَسَائل البغداديات (ص ١٧٨). وهو من أبيات لعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثي الزُّبير ﵁، وأول الأبيات كما رواها ابن المستوفي: غَدَرَ ابنُ جرموز بفارس بهمة … يوم اللقاء وكان غيرَ مُعَرِّدِ يا عَمْرُو لو نبهته لوجدته … لا طائشًا رعشَ اللِّسان ولا اليَدِ شَلَّتْ يَميْنُكَ إن قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا … حَلَّت عَلَيْكَ عُقُوبَةُ المُتَعَمِّدِ إنَّ الزُّبَيْرَ لذُو بلاءٍ صَادِقٍ … سَمْحٌ سَجِيْتُهُ كريمُ المَشْهَدِ كم غمرةٍ قد خاضَها لم يُثْنِهِ … عنها طِرَادُك يا بن بيع القرددِ فاذهل فما طَفَرَتْ يَدَاكَ بِمِثْلِهِ … فيمَا مَضى مِمّا يَرُوح ويَعْتَدِيَ ونقلها ابن المستوفي عن أبي عُثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب "مغازيه" … وأورد القصة بتمامها. وهي في الأغاني … وعاتكة زوج الزُّبير من الصحابيات أخبارها في الإِصابة (٨/ ١١). والشاهد في إثبات المحصل (ص ٧٩)، المنخل (ص ١٧٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٩/ ٢٧)، شرحه لابن يعيش (٣/ ٢٠٢). وينظر: المنصف (٣/ ١٢٧)، اللامات (ص ١٢١)، الأزهية (ص ٣٧)، الإِنصاف (ص ٣٣٦)، الجنى الداني (ص ٢٠٨)، المغني (ص ٢١)، شرح شواهده (ص ٧١)، شرح أبياته (١/ ٨٩)، الخزانة (٤/ ٣٤٨).
(٢) لأبي علي كلام على "إن" المخففة خصَّهُ بمسألةٍ في المسائل البَغداديات رقم (١٩) (ص ١٧٥ - ١٨٥).
[ ٤ / ٦٠ ]
البيت إنك لمسلمًا قاتلٌ واجبٌ عليك عقوبة المُتعمد، وهذا بمنزلة قولهم: إن زيدًا لطعامك آكل.
قال جارُ الله: "وتقول: علمت إنْ زيدٌ منطلقٌ والتقدير: إنه زيد منطلق وقال الله تعالى (^١): ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وقال:
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا … أَنْ هَالِكٌ كلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ
وعلمتُ أن لا يخرجَ زيدٌ، وأن قد خَرَجَ وأن سوفَ يخرجَ وأن سيخرجَ قال الله تعالى (^٢): ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ وقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: الشَّيخُ أبو عليٍّ الفارسي في "إنَّ" المفتوحة المشدّدة لا تخفف؛ أنَّ هذه إلا، وإضمار القصة والحديث يُراد معها. أن المفتوحة في البيت لما دخلت على الجملة الاسمية لم تحتج معها إلى التعويض.
فإن سألتَ: فاين التَّعويض في قوله (^٣): ﴿وَأَنْ لَوْ اسْتَقَامُوا﴾ وفي قراءةِ نَافِعٍ (^٤) ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَ﴾؟.
أجبتُ: ما في "لو" من معنى النَّفي، ولذلك لو قلتَ: جاءني رجلٌ إلا زيدٌ لجاز أن يكون "إلا زيد" على الوَصف وأن تكون على الاستثناء قالوا لأن "لو" يشوبها معنى النفي، ولهذا أجاز المبرد أن تكون "إلا" في قولك لو كان معي رجل إلا زيدٌ استثناء وقد علمت أنّ البدلَ في الاستثناء لا يكون إلا في
_________________
(١) سورة يونس: آية ١٠.
(٢) سورة البلد: آية ٧.
(٣) سورة الجن: آية ١٦.
(٤) سورة النور: آية ٩. وقراءة نافع في السبعة لابن مجاهد (ص ٤٥٣)، التيسير (ص ١٦١)، البحر المحيط (٦/ ٤٣٤).
[ ٤ / ٦١ ]
غيرِ المُوجب من الكلام ولذلك جاز في الشَّعر أن تفعلين تشبيهًا للجزاء بالذي.
فإن سألتَ: هذا معارض لما نقلته عن الشيخ -﵀- في قسم الأسماء من أن "لو" بمنزلة "إن" في أن الكلام معه موجب؟.
أجبتُ: إذا وقع تعارض بين معنى نص الشَّيخِ والمُبرد وفَّقنا بينهما فقلنا: ذلك قبل تمام المجازاة عند ذكر الشرط والجزاء، أما بعد تمام المجازاة فلا، وذلك أنها بمجموعها تجعل عبارة عن النفي ومنه قوله تعالى (^١): ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾.
أمَّا قراءةُ نافع فكون الفعلِ دعاءً يعرف أنها ليست بالمصدرية وهذا لأنَّ كونَ الفعل دعاءً ليس من معنى المَصْدَرِ في شيءٍ. وأمَّا قوله تعالى (^٢): ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ فحرف الشَّرطِ هنا قد سدَّ مسدَّ السين وسوف، ومن قال بأن "أن" ها هنا هي المصدرية فقد وَهِمَ، لأن ما نزل في الكتاب سماعهم، ولأن "إذا" يمتنع أن تكون هي المصدرية ومثلها قوله (^٣):
هَلْ في القَضِيَّةِ أنْ إِذَا اسْتَغْنَيْتُمُ … وأَمِنْتُمُ فأنَا البَعِيْدُ الأَجْنَبُ
من التَّبيين في الدّلالة على وجوبِ ذلك التقدير، أعني: تقدير إِضمار الشأن والقصة ببيت الأعشى (^٤) ها هُنا، ومن أجلِ ذلك جاز تقديم "هالك"
_________________
(١) سورة الأنفال: آية ٤٣.
(٢) سورة النساء: آية ١٤٠.
(٣) تقدم ذكره مع أبيات في الجزء الأول مع الشاهد: * لا أمَّ لي إن كان ذاكَ ولا أبُ *
(٤) ديوان الأعشى (ص ٤٥). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٧٩)، المُنخل (ص ١٧٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٧٤)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٠٣). =
[ ٤ / ٦٢ ]
ولو كانت الجملة بعدها إذا خففت باقيةً على حكمها قبل التخفيف لوجب أن لا يجوز "هالك". قال الإِمامُ عبدُ القاهرِ الجُرْجَانِيُّ: كما لا يجوز أن يقول أن هالكٌ كل من يحفى وينتعل. "من يحفى" بالحاء المهملة هو الفقير ومن ينتعل هو الغني. يقول: في فتية كالسيوف في مضائهم في الأمور وقد علموا أنه لا ينجو من الموت أحد، فهم لا يبالون بالموت، ونحوه في المعنى ما أَنشدنِيْه بعضُ كبارِ الأَئِمَّةِ ببُخارى:
عَلَيْها رِجَالٌ من خُرَاسَانَ أَيْقَنُوا … بأنَّ الفَتَى مِنْ مَوْتِهِ غَيْرُ سَالِمِ
ويحتمل أن يكون المعنى أنَّهم صِبَاحٌ وجوههم كالسيوف ضياؤها، وقد علموا أن الهلاك يشتمل على الناس كلهم فهم يسعون لنيل الملاذ قبل أن يحال بينها وبينهم.
البيتُ للأعشى، وقبله (^١):
وقَدْ غَدَوْتُ إِلى الحانُوتِ يَتْبَعُني … شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُوْلٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ
الشَّاوي: هو الشّواء، والمِشَلُّ: هو الذي يشلُّ في السَّفود اللحم من شللت الثَّوب: إذا خطتُهُ خياطةً خفيفةً. والشُّلُوْلُ بمعنى المِشَلِّ، وقيل: الشلول: هو الذي عادته ذلك. رجلٌ شُلْشُلٌ -بالضم- أي: خَفِيْفٌ عن الجوهري (^٢). يقول: أغدو إلى بيت الخمار ومعي غلامُ شوَّاءٌ طبَّاخٌ.
_________________
(١) = وينظر: الكتاب (١/ ٢٨٢، ٤٤٠، ٤٨٠)، (٢/ ١٢٣)، شرح أبياته لابن السيرافي (٢/ ٧٦)، شرح الكتاب للسيرافي (٤/ ٤٩)، المقتضب (٣/ ٩)، المحتسب (١/ ٣٠٨)، المنصف (٣/ ١٢٩)، الخصائص (٢/ ٤٤١)، الأصول (١/ ٢٣٩)، المقتصد (١/ ٤٨٣)، أمالي ابن الشجري (٢/ ٢)، الإنصاف (ص ١١٣)، خزانة الأدب (٣/ ٥٤٧)، (٤/ ٣٥٦) عجزه في الديوان: * أن لَيْسَ يَنْفَعُ عن ذي الحِيْلَة الحِيَلُ *
(٢) ديوان الأعشى (ص ٤٥).
(٣) الصحاح (ص ١٧٣٨) (شلل).
[ ٤ / ٦٣ ]
قال جارُ الله: " (فصْلٌ) والفعلُ الذي تَدْخُلُ عليه المَفْتُوحَةُ مشدَّدة أو مُخَفَّفَةٌ يجب أن يُشاكلها في التَّحقيق كقوله تعالى (^١): ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ وقولُه تعالى (^٢): ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ فإن لم يكن كذلك نحو أرجو وأطمع وأخاف فلتدخل على "إنْ" الناصبة للفعل كقوله تعالى (^٣): ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ وكقولك: أرجو أن يحسنَ إليّ، وأخاف أن تسيءَ إليّ، وما فيه وجهان كظننت وحسبت وخلت فهو داخل عليهما جميعًا، تقول: ظننتُ أن تَخرج وأنك تَخرج وأن ستخرج وقرئ قوله (^٤): ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ بالرَّفع والنَّصب".
قال المُشَرِّحُ: يعني بالوجهين في قوله: "وما فيه وجهان" الشَكُّ واليَقين لأنَّ هذه الأفعال تُستعمل مرةً للشك (وأُخرى) (^٥) لليَقِيْن.
اِعلم أن الأفعالَ على ثلاثةِ أضرُبٍ:
فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره.
وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار.
وفعلٌ كَرَبَ إلى هذا مرةً، وإلى ذاك أخرى، فالأول: نحو العلم اليقين والثَّاني: نحو الخوف والطَّمع، والثَّالثُ: نحو حسبت وزعمت وظننت، فبعد الأول تقع المشدَّدة وبعد الثاني المخففة، وبعد الثالث تقع تلك مرة وهذه أخرى، فأمَّا استعمالهم إياه استعمال العلم فقوله تعالى (^٦): ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ وكذلك قوله (^٧): ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ
_________________
(١) سورة النور: آية ٢٥.
(٢) سورة طه: آية ٨٩.
(٣) سورة الشعراء: آية ٨٢.
(٤) سورة المائدة: آية ٧١، والقراءة في شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٧٧).
(٥) في (ب).
(٦) سورة القيامة: آية ٣.
(٧) سورة الجن: آية ٥.
[ ٤ / ٦٤ ]
الْإِنْسُ والْجِنُّ [عَلَى اللَّهِ كَذِبًا] (^١)﴾ إنْ ها هُنا هي المخففة من الشَّدِيْدة لأن "إنْ" الناصبة لا تقعُ بعدها "لن" حتى لا يجتمع في الدِّلالة على معنى الاستقبال حرفان، كما لا يَجتمع "إن" الناصبة بالسين، وكذلك قوله تَعالى) (^٢): ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ أما استعمالهم إياه (^٣) كاستعمال الحرف فقوله تَعالى (^٤): ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾.
تخمير: لو قلت: علمت إن تقول لم يَحسن حتى يأتي بما يكون عوضًا نحو "قد" و"لا" و"سوف" و"السين".
فإن سألتَ: فما تقول في قولِهِ تعالى (^٥): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فإنه لم يَدخل بين "إن" و"ليس" شيءٌ؟.
أجبتُ: قال الشيخُ أبو علي الفارسي فإنما جاءَ هذا لأن "لَيس" ليس بفعل (^٦).
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتخرج "إنّ" المكسورة إلى معنى "أَجَلْ" قال:
وَيَقُلْنَ شيْبٌ قَدْ عَلَاكَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهْ
وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ: "إنَّ وَرَاكِبَهَا".
قال المُشَرِّحُ: هذا كما لو قِيلَ: أعطاك زيدٌ فقلت إنه أي: أجل، لا أنه أُلحق به في الوَقف الهاء لبيان فَتحة النُّون كراهية أن تسكن فتسقط، لأنَّهم لم يقفوا على مُتحرك، وإنما جاز ذلك في أن، لأنها لما كانت تحقق معنى
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) سورة (المؤمنون): آية ٥٥.
(٣) في (ب).
(٤) سورة القيامة: آية ٢٥.
(٥) سورة النجم: آية ٣٩.
(٦) كلام الفارسي في حرفية (ليس) في المسائل الحلبييات (ص ٢١٠) فما بعدها.
[ ٤ / ٦٥ ]
الكلام الذي تكلم به المتكلم نحو إنَّ زيدًا راكبٌ خرجت إلى تحقيق معنى الكلام الذي تكلم به السَّائل. قال الأعرابي لعبد الله بن الزُّبير (^١): "لَعَنَ اللهُ ناقةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ"، فقالَ لَهُ: "إِنَّ وَرَاكِبَهَا" ما قَبْلَ البيت (^٢):
بَكَرَ العَوَاذِلُ في الصَّبُوحِ يَلُمْنَنِي وَأَلُوْمُهُنَّهْ
وَيَقُلْنَ البيت
قال جارُ اللهِ: "وتخرج "إن" المفتوحة إلى معنى "لعلَّ" (في) قولهم: إِيتِ السُّوق إنَّك تَشْتَرِيْ لَحْمًا".
قال المُشَرِّحُ: أصلها ائت السُّوق لانَّكِ تَشْتَرِي لَحْمًا، و"إنَّ" مع اللام تجري مجرى "لعل" في مواضع كثيرة، تقول: أطع ربَّك لأنك تُفلح ولعلك تفلح بمعنى وقال حُطَائِطُ بن يَعْفُر (^٣):
أَرِيْني جَوَادًا ماتَ هُزلًا لَعَلَّنِي … أَرى مَا تَرَيْنَ [أو بَخِيْلًا] (^٤) مُخَلَّدَا
ويروى: (لأنّني أرى) قال المَرْزُوْقِي (^٥): هو بمعنى: لَعَلّني، وبيتُ أَبي النَّجم (^٦):
_________________
(١) الأعرابي هو فضالة بن الشرك الوالبي، الأغاني (١/ ١٥)، وينظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٢٧١).
(٢) البيت لعبيد اللُه بن قيس الرقيات، ديوانه (ص ٦٦). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٨٠)، المُنخل (ص ١٧٩)، شرح المفصل (٨/ ٦)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٠٥). وينظر: الكتاب (١/ ٤٧٥)، شرح أبياته لابن السيرافي (٢/ ٣٧٥)، الأزهية (ص ٢٦٧)، الجنى الداني (ص ٣٩٩)، المغني (ص ٣٧)، شرح شواهده (ص ١٣٦)، شرح أبياته، خزانة الأدب (٤/ ٤٨٥).
(٣) الحماسة (ص ٥٧١) (رواية الجواليقي). وهو أخو الأسود بن يعفر النّهشلي التَّميمي المشهور.
(٤) ساقط من (أ).
(٥) شرح الحماسة (٤/ ١٧٣٤).
(٦) ديوان أبي النجم (ص ١٦٤)، وقبله: =
[ ٤ / ٦٦ ]
* واغد لعنَّا في الرِّهان نُرسله *
وبعضهم يُنشد "لأنَّا" أي: لَعَلّنَّا، ثم يحذف اللَّام لكثرةِ دورها في الكلام، وعليه قوله تعالى (^١): ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال جار اللهِ: "وتُبدِلُ قَيْسًا وتَمِيْمًا همزتها عينًا فتقول: أشهد عَنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ".
قال المُشَرِّحُ: هذا كإِيْرَادِهِمْ بيتَ ذِيْ الرُّمة (^٢):
* أَأَنْ تَرَسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً *
"أَعَنْ تَرَسَّمْتَ"، وهي عَنْعَنَةُ تميمٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "لكنَّ" وهي (^٣) للاستدراك، توسطها بين كلامين متغايرين نفيًا وإيجابًا، وتستدرك بها النّفي بالإِيجاب، والإِيجاب بالنفي، وذلك قولك. ما جاءَني زيدٌ لكنَّ عمرًا جاءَني، وجاءَني زيدٌ لكنَّ عمرًا لم يجئ".
قال المُشرِّحُ: "لكن" لها شريطتان:
أحدهما: أن تَتَوسط بين كلامين متغايرين نفيًا وإيجابًا.
_________________
(١) = ثمَّ سَمِعْنَا برهانٍ نَأْمِلَهْ قِيدَ له مِن كلِّ أفقٍ جَحْفَلَهْ فَقُلْتُ للسائِس قِدْهُ واعْجلَهْ وَاغْدُ لَعَنَّا فِيَ الرِّهَانِ نُرْسلهْ
(٢) سورة الأنعام: آية ١٠٩.
(٣) ديوان ذي الرمة (ص ٥٦٧) وتمامه: * مَاءُ الصَّبَابَةِ من عَيْنَيْكَ مَسْجُوْمُ * وينظر: مجالس ثعلب (ص ١٠١)، الخصائص (٢/ ١١)، سر صناعة الإِعراب (ص ٢٢٩، ٧٢٢)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٧٩)، الجنى الداني (ص ٢٥٠)، الخزانة (٤/ ٣١٤، ٤٩٥).
(٤) في (ب): "وهو".
[ ٤ / ٦٧ ]
الثاني: أن يتناسب المتغايران لو قلت: جاءَني زيد لكنَّ عمرًا لم يضرب لم يجز.
فإن سألت: ما معنى الاستدراك؟
أجبتُ: رفع وهم تولّد عن كلام متقدم رافعًا شبيهًا بالاستثناء، ومن ثم قالُوا الاستثناء في ["لكن" بمعنى الاستدراك] (^١)، فإن كان ما قبلها نفيًا كان ما بعدها موحبًا مستدركًا له ما نُفي عَمّا قبلها كما وصفنا، وكذلك معنى الاستثناء إذا قلت: ما جاءَني القوم إلا زيدًا، ألا ترى أنَّك نفيت المجيء عن القومِ وأثبته لزيدٍ وكذلك إذا قلتَ: جاءَني القوم إلا زيدًا فقد أوجبت المجيء للقوم ونفيته عن زيد. قال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ (^٢): وقد أجرت "إلا" مجرى لكنْ إذا قلت: ما في الدَّار إنسانٌ إلا حمارًا أي: لكن حمارًا وإذا قلت: إن لفلانٍ مالًا إلا أنه شقيٌّ، والمعنى لكنّه يترك الانتفاع به وكذلك إذا قلت: إن لزيدٍ مالًا لكن عَمْرًا شَقِيٌّ وإلا أن عَمْرًا شقيٌّ جاز (^٣) لتقارب معنييهما.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والتغاير في المعنى بمنزلته في اللَّفظ كقولك: فارقني زيدٌ لكن عَمْرًا حاضِرٌ، وجاءَني زيدٌ لكن عمرًا غائبٌ، وقولِهِ ﷿ (^٤) ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ على معنى النَّفي وتضمن ما آراكهم كثيرًا".
قال المُشَرِّحُ: قوله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: عَصَمَ وأَنْعَمَ بالسَّلامة من الفشل والتنازع في الاختلاف.
قال جارُ اللهِ: " (فصل): وتخفف فيبطل عملها كما يبطل عمل "إنَّ" و"أنَّ" وتقع في حروف العطف على ما سيجيء بيانه".
_________________
(١) في (أ): "كل يعني الايهام".
(٢) شرح الكتاب (٣/ ١١٠).
(٣) ساقط من (ب).
(٤) سورة الأنفال: آية ٤٣.
[ ٤ / ٦٨ ]
قال المُشَرِّحُ: "لكنَّ" و"لكنْ" متقاربتا المعنى إلا أنَّ المشددةَ من الحروف المُشبهة والمخففة من حروف العَطف. قال أبو حاتِمٍ: إذا كانت "لكن" بغير واو في أولها فالتَّخفيف فيها الوجه، نحو ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ﴾ (^١) ونَحوه، لأنَّها بمنزلة "بل" من جهة أنَّها لا تدخلُ عليها الواو، ولأنها من حروفِ العطف. وإذا كانت بالواو في أولها فالتَّشديدُ فيها هو الوجه وإن كان الوجهان جائزان.
قال جارُ اللهِ: ""كأنَّ" هي للتَّشبيه ركبت الكاف مع "أن" كما ركبت مع "ذا" و"أي" في كذا وكأي وأصل قولك: كأنَّ زيدًا الأسد، أنَّ زيدًا كالأسد، فلما قدمت الكاف فتحت لها الهمزة لفظًا و[المعنى على الكسر] (^٢) ".
قال المُشَرِّحُ: كَذَا، وكأيْ قد مضيا في قسم الأسماء.
قال جارُ اللهِ: [(فصلٌ) والفرق] (^٣) بينه وبين الأصل أنك (^٤) ها هنا بانٍ كلامك على التَّشبيه من أول الأمر، ومن ثمَّ بعد مضي صدره عن الإِثبات".
قال المُشَرِّحُ: إنما فَتَحُوا الكاف (^٥) مع "إن" لأنها (^٦) لا تدخل على المفرد وراعوا حقها لفظًا، وإن كان المعنى على الكسرِ، لكونها جملةً، وهذا كقولك: الضارب زيدٌ، [فإنَّ ضارب في قولك: الضارب فعل، بدليل أنك قلتَ: جاءَني] (^٧) فمعناه: الذي ضربَ زيدًا جاءَني لكنه أخرج في معرض الاسم مراعاة للام نظير كأنَّ زيدًا الأسدُ، اضرب إمَّا زيدًا وإمَّا عمرًا ونظير زيدٌ كالأسد اضرب زيدًا أو عمرًا.
_________________
(١) سورة النساء: آية ١٦٢.
(٢) في (ب).
(٣) في (أ): "والفصل بينه … ".
(٤) ساقط من (أ).
(٥) ساقط من (ب).
(٦) ساقط من (ب).
(٧) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٦٩ ]
قال جارُ اللهِ: " (فصل) وتخفف فيبطل عملها، قال (^١):
ونَحْرٍ مُشْرِقِ اللَّوْنِ … كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ
ومنهم من يُعملها قال:
* كَأَنْ وَرِيْدَيْهِ رشاءُ خُلْبِ *
قال المُشَرِّحُ: الخُلْبُ: هو اللِّيف. الرِّوايةُ المشهورة (^٢) (كأنْ وَرِيْدَاهُ).
قال جارُ اللهِ: "وفي قوله:
* كَأَنْ ظَبْيَةٌ تَعْطُوْ إِلَى نَاضِرِ السَّلَمْ *
ثلاثةُ أوجهٍ الرَّفعُ والنَّصبُ، والجَرُّ على زيادة "أن"".
قال المُشَرِّحُ: أمَّا الرَّفعُ فعلى إبطال عملها. وأمَّا النَّصبُ فعلى إعمالها. وأمَّا الجَرُّ فكما ذكره الشيخ -﵀- على زيادة "أن".
هذا البيت لِعلْبَاءَ بن أَرْقَمٍ اليَشْكُرِيِّ، وأول البيت (^٣):
_________________
(١) هذا البيت لم ينسب إلى قائله. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المُحصل (ص ١٨١)، المُنخل (ص ١٨١)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٨٣)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٠٧). وينظر: الكتاب (١/ ٨١)، شرحه للسيرافي (١/ ٢٤٦)، الأصول لابن السراج (١/ ٢٤٦)، المحتسب (١/ ٣٠٨)، المنصف (٣/ ١٢٨)، أمالي ابن الشجري (١/ ٢٣٧)، الإِنصاف (ص ١١٣)، التَّبيين (ص ٣٤٩)، الجنى الداني (ص ٥٧٥)، الخزانة (٤/ ٣٦٥).
(٢) ينسب هذا الرجز إلى رؤبة بن العجاج ملحقات ديوانه (ص ١٦٩). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٨١)، المنخل (ص ١٨٠)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٨٣)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٠٨). وينظر: الكتاب (١/ ٤٨٠)، شرح أبياته لابن السيرافي (٢/ ٧٥) المقتضب (١/ ٥٠)، الانصاف (ص ١١٣)، التبيين (ص ٣٤٩)، المقرب (١/ ١١٠)، التصريح (٢/ ٢٣٤)، الخزانة (٤/ ٤٥٦).
(٣) جاء في الأصول لابن السراج (١/ ٢٤٥) لابن صريم اليشكري. والبيت ضمن قصيدة في الأصمعيات (ص ١٥٧) لعِلْبَاء بن أرقم. قال ابن المستوفي: "البيت لابن أصرم اليشكري، ووجدته لعلباء بن أرقم اليشكري". =
[ ٤ / ٧٠ ]
فيومًا تُوَافِيْنَا بِوَجْهٍ مُقَسَّمٍ … كأن البيت
وبعده:
ويَوْمًا تُرِيدُ مالَنَا مَعَ مَالِهَا … فإنْ لَمْ نُنِلْهَا لَمْ تُنِمْنَا وَلَمْ تَنَمْ
حذف اسم "كأن" واسمها ضميرٌ يعود (^١) إلى المرأة التي تقدم ذكرها يريد: كأنها ظبيةُ. الوجه المقسم: هو الحسن، وأصله القسمة كأن كل موضع منه أُعطي حقَّه وقسمته من المناسبة. تعطو: تمدُّ يدها (^٢) إلى أغصان الشجر فتميلها وتأكل منها، وقوله (*): "ويومًا توافينا بوجه مقسم" ننلها من الإِنالة، يريد: فإن منعناها المَطلوب آذتنا (^٣) وكلمتنا بكلام يمنعنا النوم (^٤).
قال جار اللهِ: "ليتَ" هي للتمني كقوله تعالى (^٥): ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾، ويجوز عند الفَراء أن تجرى مجرى أَتمنى (^٦) فيقال: ليتَ زيدًا قائمًا، كما يُقال: أَتَمَنَّى زَيْدًا قائِمًا، والكِسَائِيُّ يجيز ذلك على إضمار كان والذي غَرُّهُما منها قول الشاعر:
_________________
(١) = توجيه إعرايه وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٨٢)، المنخل (ص ١٨٠)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٨٣)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٠٩). وينظر: الكتاب (١/ ٢٨١)، شرح أبياته لابن السيرافي (١/ ٥٢٥)، شرح الكتاب للسيرافي (٤/ ٥٠)، الأصول لابن السراج (١/ ٢٤٥)، المنصف (٣/ ١٢٨)، سر صناعة الإِعراب (ص ٦٨٢)، أمالي ابن الشجري (١/ ٢٣٧)، الجنى الداني (ص ٢٢٢، ٥٢٢)، المغني (ص ٣٢)، شرح شواهده (ص ١١١)، شرح أبياته (١/ ١٥٨)، الخزانة (٤/ ٣٦٤، ٤٨٩).
(٢) في (أ): "واسمها ضمير كان".
(٣) في (ب): كتب في الهامش: "جيدها" قراءة نسخة أخرى. (*) أورد المؤلف هذه العبارة ولم يشرحها. وهو إنما نقل شرح البيت عن أبي محمد بن السّيرافي وجاء في شرح أبيات الكتاب: "فيومًا توافينا بوجهٍ مقسّم" يريد أن يستمتع بحسنها يومًا، ونشغله يومًا آخر بطلب ماله … ".
(٤) في (أ): "اذاتنا".
(٥) في (ب): "من النوم".
(٦) سورة الأنعام: آية: ٢٧.
(٧) في (أ): "التمني".
[ ٤ / ٧١ ]
* يا لَيْتَ أيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا *
وقد ذكرت ما هو عليه عند البصريين".
قال المُشَرِّحُ: وقد مضى الكلام في هذه المسألة في قسم الأسماء متنًا وشرحًا، وتقديره عند الكسائي (^١): يا ليتَ أيامَ الصِّبا كائنةً رواجعًا.
قال جارُ اللهِ: "وتقول: ليتَ أنَّ زيدًا خارجٌ وتسكت كما تسكت على ظننتُ أن زيدًا خارجٌ".
قال المُشَرِّحُ: ابنُ السَّرَّاجِ: تقولُ: ليت أن زيدًا منطلقٌ، فأصل هذا الابتداء والخبر فينوب عن خبر "ليت"، ولا يجوز ليتَ أن يقوم زيد حتى يأتي بخبر.
قال جارُ اللهِ: "لعلَّ" هي لتوقُّعٍ مرجوٍ أو مخوفٍ، وقوله تعالى (^٢) ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٣) ترجٍّ للعِبَادِ، وكذلك قوله (^٤) ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ معناه اذهبا أنتما على رجائكما ذلك من فرعون".
قال المُشَرِّحُ: سيبويه (^٥) معنى "لعل" و"عسى" طمع وإشفاق، وقد تخرج إلى معنى "كي" فيكون معناها الإِيجاب والتحقيق، وعلى ذلك تفسير أكثر المفسرين قوله (^٦): ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: تتقون الشركَ والفواحشَ، وقوله (^٧): ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
_________________
(١) الأصول لابن السراج (١/ ٢٤٨).
(٢) سورة الأحزاب: آية ٣٣.
(٣) سورة البقرة: آية ١٨٩.
(٤) سورة طه: آية ٤٤.
(٥) الكتاب (٢/ ٣١١)، والنص بتمامه نقله ابن المستوفي في إثبات المحصل (ص ١٨٣).
(٦) سورة البقرة: آية ٢١.
(٧) سورة البقرة: آية ١٨٩.
[ ٤ / ٧٢ ]
تُفْلِحُونَ﴾ أي: تفلحون بالبقاء في دار نعيم مقيم، وقوله (^١): ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: ولتشكروا، وهذا تدريس، وتحقيقه ما ذكره الشيخ -﵀-.
[قالَ جارُ اللهِ: "وقد لَمح فيها معنى التَّمني من قرأ (^٢) ﴿فَاطَّلَعَ﴾ بالنَّصب، وهي في حرفِ عاصمٍ".
قال المُشَرِّحُ: ذلك لأن من يَطمع في الشيء يتمناه] (^٣).
قال جارُ اللهِ " (فصلٌ) وقد أجازَ الأَخفش لعلَّ أن زيدًا قائمٌ قاسها على "ليتَ" وقد جاءَ في الشّعر (^٤):
لعلَّك يومًا أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ … عَلَيْكَ مِن اللَّائِيْ يَدَعْنَكَ أَجْدَعَا
قياسًا على"عسى"".
قال المُشَرِّحُ: أجراه مَجرى عساك أن تُلم ملمةٌ، كما أجرى "عسى" مجرى "لعل في قوله (^٥):
* عَسَاكَ تُعْذَرُ إن قَصَّرْتَ في مَدْحِي *
_________________
(١) سورة القصص: آية ٧٣.
(٢) سورة غافر (المؤمن): آية ٣٧. والقراءة في السبعة (ص ٥٧٠)، التيسير (ص ١٩١)، إعراب القرآن للنحاس (٣/ ١١)، البحر المحيط (٧/ ٤٦٥).
(٣) ساقط من (أ).
(٤) البيت لمتمم بن نويرة اليربوعي في ديوانه (ص ١١٩) من قصيدته التي يرثي فيها أخاه مالكًا. توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل (ص ١٨٣)، المنخل (ص ١٨٠) شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٨٦)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٠٩). وينظر: المقتضب (٣/ ٧٤)، المغني (ص ٢٨٨)، شرح شواهده (ص ٢٣٧)، شرح أبياته (٥/ ١٧٥)، الخزانة (٢/ ٤٣٣).
(٥) شرح المفصل للأندلسي (٣/ ٢٠٩).
[ ٤ / ٧٣ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ: وفيها لغات لَعَلَّ وَعَّل (^١) وأنَّ ولأنَّ ولَغَنَّ ولَعَنَّ وعند أبي العباس أَصْلُها "عل" زيدت عليها لامُ الابتداء".
قال المُشَرِّحُ: الشاهد بصحة قول أبي العباس وجهان:
أحدهما: قولهم علَّ بمعنى لعل.
وثانيهما: أنَّك لو سميت بـ "لعل" حكيت كما لو سميت بكأن، ولو كان مفردًا لما وجبت فيه الحكاية.
فإن سألت: لو كانت لام الابتداء لجاز (^٢) في قولك: لعلَّ زيدًا منطلق وعمرو بالرَّفْعِ كما جازَ إن زيدًا منطلقٌ وعمروٌ؟
أجبت: لام الابتداء كما تدخل على المبتدأ تدخل على ما كان مبتدأ تقول: إن كان زيدًا لهو الظَّريفُ، وقوله ﷿: ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ﴾
_________________
(١) تأخرت في (ب) عن موضعها إلى الآخر.
(٢) في (ب): "لما جاز".
[ ٤ / ٧٤ ]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحروف:
" حروف العطف"
قال المُشَرِّحُ: العطفُ في الكلمةِ المُختلفة نظيرُ التَّثنية في الأسماء المُتَّفِقَةِ.
قال جارُ اللهِ: "العطف على ضَرْبَينِ عطفُ مفردٍ [وعطف جملةٍ على جملةٍ".
قال المُشَرِّحُ: إذا] (^١) عطفت مفردًا على مفردٍ فهو بمنزلة كلامٍ واحدٍ وكذلك إذا قلتَ: زيدٌ ضربتُ عمرًا وأخاه، وزيدٌ ضربتُ عمرًا ثم أخاه، وزيدٌ ضربت عمرًا أو أخاه، جاز، ولو قلت: زيدٌ ضربتُ عمرًا وضربت أخاه لم يجز لأنَّ الثاني وإن صار فيه الثاني ملتبسًا بالأول لكن في كلامٍ آخر فلم يُغن غناء الأول.
قال جارُ اللهِ: "وله عشرةُ أحرفٍ: فالواو والفاء وثم وحتى أربعتها على جمع المعطوف للمعطوف عليه في حكمٍ، تقول: جاءني زيد وعمرو، وزيد
_________________
(١) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٧٥ ]
يقوم ويقعد، وبكر قاعد وأخوه قائم، وأقَامَ بشرٌ وسافرَ خالدٌ، فتمع بين الرجلين في المجيء، وبين الفعلين في إسنادهما إلى زيدٍ، وبين مضموني الجملة في الحصول".
قال المُشَرِّحُ: ليس في حروف العطف ما يوجب المشاركة بين الثاني والأول سوى هذه الثلاثة أعني: الواو والفاء وثم، وأنها كالأصول و"سوى" "حتى" وسائرها توقع الشّركة بينهما في اللَّفظ دون المعنى، ثم الذي هو أصل لهذه [الأصول] (^١) هو الواو، والدَّليل على ذلك أنها لا تُوجب إلا الاشتراك [بين الشيئين] (^٢) في حكمٍ واحدٍ، وسائر حروف العطف تُوجب زيادة حكم على هذا ألا ترى أنَّ الفاء توجب الترتيب، و"أو" للشك، و"بل" للإِضراب، فلما كانت في هذه الحروف زيادة معنى على حكم العطف صارت في المعنى كالمركبة والواو مفردةٌ، والمفردةُ قبل المركبة (^٣).
فإن سألت فما الفرق بين قولك: قام زيد قام عمرو وبين قولك قام زيد وقام عمرو؟.
أجبت: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: ما ذكره الإِمام المحقق عبدُ القاهر الجُرْجَانِي (^٤) من أن عطف الجملة على الجملة يقتضي أن يكون بينهما تناسب، بدليل أنك لو قلت زيدٌ قاعدٌ وعمرٌو شاعرٌ لم يحسن، ولذلك عابُوا على أبي تمام قوله:
لَا وَالَّذِي هُوَ عَالِمٌ أنَّ النَّوى … صَبِرٌ (^٥) وأنَّ أَبَا الحُسَيْنِ كَرِيْمُ
_________________
(١) في (ب).
(٢) في (ب).
(٣) في (ب): "والتركيب بعد المفرد".
(٤) دلائل الإِعجاز (ص ٢٢٥)، والبيت لأبي تَمَّام في ديوانه (ص ٢٩٩). وينظر: معاهد التنصيص (١/ ٩١).
(٥) في (أ): "ضر".
[ ٤ / ٧٦ ]
هذا محصولُ كلامه.
والثَّانِي: أنَّك في الأولِ تقولُ: ادّعى قيامَ زيدٍ ادَّعى قيامَ عمرٍو من غير أن تصرح بتثنية الدَّعوى.
فإن سألت: فما الفرق بين قولك: قامَ زيدٌ قامَ عَمرٌو، وبين قولك: قامَ زيدٌ وقام عمرو وبين قولك: قام زيد وعمرو؟.
أجبتُ: بين ذلك فرق، لأنَّك بالثالث كما لا تصرح بتثنية الدَّعوى لا تثني أيضًا الدَّعوى، وفي الأول إن كنتَ لا تصرّح بتثنية الدَّعوى لكنك تثني الدعوى، وفي الثاني تصرح.
قال جارُ اللَّهِ: "وكذلك ضربتُ زيدًا فعمرًا، وذهب عبدُ اللَّه ثم أخوه ورأيتُ القومَ حتَّى زيدًا، ثم أنها تفترق بعد ذلك".
قال المُشَرِّحُ: هذه الحُروف معانيها تُساق إليك عن قريب.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) فالواو للجمع المطلق من غير أن تكون المبدوء به داخلًا في الحكم قبل الآخر، ولا أن تُجمعا في وقتٍ واحدٍ، بل الأمران جائزان، وجائز عكسهما نحو قولك: جاءني زيدٌ اليوم وعمرو أمس، واختصم بكر وخالد، وسيَّان قعودك وقيامك وقال اللَّه تعالى (^١): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وقال (^٢): ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ والقِصَّةُ واحدةٌ".
قال المُشَرِّحُ: في قولك جاءني زيدٌ اليومَ وعمرٌو أمسِ جازَ الواو وإن لم يَقترن الفعلان، وفي قولك: اختصم بكر وخالد جارُ الواو مع اقتران الفعلين، وفي قولك: سيَّان قعودك وقيامك جازَ الواو مع استحالة اقترانهما، وفي
_________________
(١) سورة البقرة: آية ٥٨.
(٢) سورة الأعراف: آية ١٦١.
[ ٤ / ٧٧ ]
قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ مع اقترانهما. حِطّةٌ: أي: حِطّ عنا ذُنُوبَنَا.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وقال سيبويه (^١): ولم تجعل للرجل منزلة بتقديمك إياه يكون أولى بها من الحمار كأنك قلت مررت بهما".
قال المُشَرِّحُ: أي إذا قلت: مررت برجل وحمار.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) والفاء و"ثم" و"حتى" تقتضي الترتيب إلا أن الفاء توجب وجود الثاني بعد الأول بغيرِ مهلةٍ".
قالَ المُشَرِّحُ: الذي يدل على صحة ما قاله الشيخ -﵀- قولك: أعطيت زيدًا مالًا فاستغنى، ولذلك تدخل على جزاءِ الشّرط؛ لأن الجزاءَ لا يتأخر عن الشرط.
فإن سألتَ: فإذا كان معنى الفاء وجودَ الثاني [من غير مهلة فما معنى قوله: ما زلت أسيرُ حتَّى دخلتُ الكوفةَ فالبَصرة] (^٢) وبينهما مساوِفُ؟.
أجبتُ: معناه: إنّك لم تَقْطَع سيرك الذي به دخلتَ الكوفةَ حتى وصلته بسيرك الذي به دخلتَ البَصرةَ، ولم يحدث بينهما مُهلة.
ولو قلت: ثمَّ البصرة لكنت قد أحدثت بينهما مهلة.
قال جارُ اللَّهِ: "و"ثمَّ" توجبه بمهملةٍ ولذلك قال سيبويه (^٣): مررت برجل ثم امرأة، فالمرور ها هنا مروران".
قال المُشَرِّحُ: ولذلك لا يجوز إدخالها (^٤) على الجزاء.
_________________
(١) الكتاب (١/ ٢١٨).
(٢) ساقط من (أ).
(٣) الكتاب (١/ ٢١٨).
(٤) في (أ): "إدخال الهاء … ".
[ ٤ / ٧٨ ]
قال جارُ اللَّهِ: "ونحو قوله تَعالى (^١): ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ وقوله (^٢): ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ محمولٌ على أنه لما أهلكها حكمَ بأن البَأَس جاءَها وعلى دوام الاهتداء وثباته".
قال المُشَرِّحُ: نظير هذه المسألة الأولى: من يظهر منه الفعل المُحكم فهو عالمٌ والمعنى: يحكم عليه بأنه عالم وعاقل ونظير هذه المسألة الثانية: إذا كنت في أمرٍ فكن فيه أي: دُمْ على الكون فيه وأثبُت عليه.
قال جارُ اللَّهِ: "وحتَّى الواجبُ فيها أن يكون ما يُعطف به جزءًا من المعطوف عليه، إمَّا أفضَلُهُ كقولك: مات الناس حتَّى الأنبياءُ، وإمَّا أَدْوَنُهُ كقولك: قدمَ الحُجَّاجُ حتَّى المُشَاةُ".
قال المُشَرِّحُ: إنّما جاز ذلك لأنَّ الأنبياءَ من النَّاس، والمُشاةَ من الحُجَّاج، ولو قلت: ماتَ الناس حتى الخَيْلُ، وقدمَ الحُجَّاج حتى الإِبلُ لما جاز.
قالَ جارُ اللَّهِ: "و"أو" و"أم" و"أمّا" ثلاثتها لتعليق الحكم بأحد المذكورين، إلا أن "أو" و"أما" يقعان في الخبر والأمر والاستفهام نحو قولك: جاءني زيدٌ أو عمرٌو، وجاءني إما زيد، وإما عمرٌو واضرب رأسه أو ظهره، واضرب إما رأسه وإما ظهره، وألفيت إما عبد الله وإما أخاه و"أم" لا تقع إلا في الاستفهام إذا كانت متصلة، والمنقطعة تقع في الخبر أيضًا تقول: أزيد عندك أم عمرو، وفي الخبر "إنها لإِبل أم شاء" (^٣).
قال المُشَرِّحُ: المتصلة هي الكائنة بمعنى أيهما، والمنقطعة هي
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ٤.
(٢) سورة طه: آية ٨٢.
(٣) انظر: الأصول: ٢/ ٢١٣، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٣٣٥، وشرح المفصل: ٨/ ٩٧.
[ ٤ / ٧٩ ]
المترجمة ببل وهمزة الاستفهام مثال المتصلة: أزيد عندك أم عمرو؟ والمعنى: أيُّهما عندك، والجواب فيها أن تقول: زيدٌ إذا كان عندك زيدٌ أو عمرٌو إذا كان عندك عمرٌو، ومثال المنقطعة في الاستفهام أزيد عندك أم عندك عمرو؟ معناه: بل أعندك (^١)، ولو كانت هي المتصلة لما احتيج فيها إلى تكرير الظَّرف كأنَّه غلب على ظنِّك أن الذي عنده (^٢) زيدٌ، فاستفهمت ليعود الظَّن نفيًا فلما أتممت الاستفهام غلب على ظنك أن الذي عنده عمرو فأعرضت عن الأول واستأنفت سؤالًا ثانيًا كنحو ما فعلته بدئيًا.
مثالُ المُنقطعة في الخَبَرِ "أنها لإِبل أم شاء"، لو كانت المتصلة لقلت أإبلٌ هي أم شاءٌ؟ كأنه رفع لك أشخاص من بعد فغلب على ظنك أنها إبل، فأخبرت عنها على مقتضى ظنك، ثم لما تم الإِخبار غلب على ظنك أنها شاء فأعرضت عن الإِخبار واستأنفت سؤالًا.
وجواب المنقطعة: "نعم" أو "لا" فإذا قلتَ: نَعَمْ، وجب أن يكون عنده الثاني لاضرابك عن الأول وسؤالك عن الثاني.
تخميرٌ: إذا أتى بعد "أم" المنقطعة حرف النفي كان معناها ومعنى "أو" سواءٌ كقولك أعندك زيدٌ أم لا؟، لأنَّك حيث قلتَ: أعندك زيد؟ قد ظننت أنه عنده، ثم [أدركك ظن مماثلٌ] (^٣) للأوَّل أنه ليس عنده فقلت أم لا، وجوابه بنعم أو لا، فإذا قلت هل عندك بكرٌ؟ فالسؤال عن كون بكرٍ عندك وعدم كونه عندك فإذا قلت أَمْ زَيْدٌ لم تتصل. قال أبو سعيدٍ السِّيرافي: وقد شبه النحويون "أم" المنقطعة بـ "بل" ولم يُرِيْدُوا أن ما بعد "أم" تحقيق كما بعد "بل"، وإنما أرادوا أن ما بعد "أم" استفهام مستأنف (^٤) بعد كلام يتقدمها،
_________________
(١) في (أ): "بل عندك".
(٢) في (ب): "عندك".
(٣) في (ب): "ثم أدركت ظنًا مماثلًا".
(٤) في (ب): "مستفهم".
[ ٤ / ٨٠ ]
كما أن ما بعد "بل" تحقيق مستأنف بعد كلام يتقدمها. قال أيضًا: والدليل على أنها ليست بمنزلة "بل" مجردة قوله ﷿ (^١): ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ أَلَا تَرى أنه لا يجوز بل اتخذ مما يخلق بنات ها هنا (^٢) لما ذكرته من المعنى، ومعناه: اتّخذ مما يخلق بنات؟ بألف الاستفهام، ومعنى ذلك للإِنكار عليهم [فيما] (^٣) ادَّعوه.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) بين "أو" و"أم" في قولك: أزيدٌ عندك أو عمرٌو وأزيدٌ عندك أم عمرٌو أنَّك في الأول لا يَجهل كون أحدهما عنده فأنت تسأل عنه، وفي الثاني تعلم أن أحدهما عنده فتطالبه بالتعيين".
قال المُشَرِّحُ: إذا قال أزيدٌ عندك أو عمرٌو فمعناه: هل أحدهما عندك؟ وجوابُهُ: لا، أو نعم. وإذا قال: أزيد عندك أم عمرو فمعناه: أيهما عندك؟ وجوابه -على ما ذكرنا-: زيد إن كان عنده، وعمرو إن كان عنده وتقول: الحسن والحسين أفضل أم ابن الحنفية؟ فيكون الجواب أحدهما بهذا اللَّفظ. قال الشيح أبو علي الفارسي (^٤): ولا يجوز أن تقول الحسن ولا الحسين لأنَّ المعنى أَأَحدُهما أفضل أم ابن الحنفية؟، فالجواب يكون على ما يتضمنه السؤال.
تخميرٌ: وتأخير الاسم في باب "أو" أحسن نحو أعندك زيد أو عمرو؟ وتقديمه في باب "أم" أحسن، لأن المسألة مع "أم" واقعٌ عن الاسم ومع "أو" عن الفعل.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) ويقال: في "أو" و"إمَّا" في الخبر أنهما للشَكِّ وفي الأَمرِ أنهما للتخيير والإِباحة، والتَّخيير كقولك: اضرب زيدًا أو عمرًا
_________________
(١) سورة الزخرف: آية ١٦.
(٢) في (ب): "هي".
(٣) في (ب).
(٤) الإيضاح (ص ٢٩١)، وينظر: المُقتصد شرح الإِيضاح (٢/ ٩٥١).
[ ٤ / ٨١ ]
وخُذ إمَّا هذا وإما ذاك، والإِباحة كقولك: جالِس الحَسَن أو ابن سِيْرِيْن، وتَعَلّم إما الفِقْهَ وإمّا النحوَ".
قال المُشَرِّحُ: "أو" في أصلها لتسَاوي شيئين فصاعدًا في الشَّك، ثم اتسع فيها فاستعيرت من الشَكِّ. وذلك قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين تريد: أنَّهما سِيَّان في استصواب أَن يُجالسا.
تَخْمِيْرٌ: اعلم أن "إمّا" العاظفة أصلها "إن" (ما) فأُدغمت النون في الميم، والدَّليل على ذلك قوله (^١):
لَقَدْ كَذَبَتْكَ نَفْسَكَ فَاكْذِبَنْها … فإِنْ جَزَعًا وإن إجمالَ صَبْرِ
وأراد: "إمّا" والدليل عليه أنك لم تأت لإِنْ بجوابٍ، بعد البيت ولا قبله، أمَّا بعده فظاهرٌ، وأمَّا قبله فلأن الفاء متى دخلت على حرف الشرط لم يجز أن يكون ما قبلها جوابًا لها كقولك: أنا أجيئُك فإن أتيتني وإن أسقطت الفاء فحينئذ (يجوزُ).
فإنْ سألتَ: فلمَ خُصَّت "إنْ" الجزائية بذلك؟.
أجبتُ: لأن الشَّرطَ يجوزُ أن يكونَ، ويجوزُ أن لا يكونَ، ومعنى "إمَّا" في العَطف إيجاد أحد الشيئين، فلمَّا تضارعا من هذا الوجه أُدخلت "إن" الجَزائية في باب (^٢) العطف مع "ما"، فأعرفه بحثًا نقلته إليك بلفظ السَّلَفِ.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وبين "أو" و"إما" من الفصل أنك مع "أو"
_________________
(١) البيت لدُريد بن الصِّمة في ديوانه (ص ٦٨) يرثي معاوية بن الشريد السُّلمي أخا الخنساء. والشاهد في الكتاب (١/ ١٣٤، ٤٧١)، (٢/ ٦٧)، المقتضب (٣/ ٢٨)، شرح المفصل (٨/ ١٠١)، الجنى الداني (ص ٢١٢، ٥٣٤)، الخزانة (٤/ ٤٤٢).
(٢) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٨٢ ]
تمضي أول كلامك على اليَقين ثم تَعْرضه للشَكّ، ومع "إما" كلامك من أوله مبني على الشك".
قال المُشَرِّحُ: نظيرُ هذه المسألة كافُ التَّشبيهِ في "كَأَنَّ"، ولأنهم أدخلوا "إما" في أول الكلام ليعادلوا بين الاسمين.
قال جارُ اللَّهِ: "ولم يعد الشيخ أَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيُّ "إما" في حروفِ العطف (^١) لدخول العاطف عليها، ووقوعها قبل المعطوف عليه".
قال المُشَرِّحُ: عُذْرُ المتقدمين إشراك الثاني الأول في الإِعراب.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) و"لا"، و"بل"، و"لكن" أخواتٌ في أن المعطوف بها مخالف للمعطوف عليه فلا تُبقي ما وجب للأول كقولك: جاءَني زيدٌ لا عمرو، و"بل" للإِضراب عن الأول منفيًا أو موجبًا كقولك جاءَني زيدٌ بل عَمْروٌ وما جاءَني بكرٌ بل خالدٌ، و"لكن" إذا عطف بها مفرد على مثله كانت للاستدراك بعد النَّفي خاصةً كقولك: ما رأيت زيدًا لكن عمرًا، وأمَّا عطف الجملتين فنظيره "بل"، تقول: جاءني زيد لكن عمرو لم يجئ، وما جاءني زيد لكن عمرو جاء".
قال المُشَرِّحُ: "لا" للنفي بعد الإِيجاب تقول: جاءَني زيدٌ لا عمرٌو ولو قلتَ: ما جاءني زيدٌ لا عمرٌو لم يجز. عن بعض الأدباء: "بل" مثل البَدَل "لكن" مثل عطف البيان، اللام مع اللام والنون مع النُّون، وأنا ممن يَدور في خلده ذلك (^٢) وتدعوه النَّفس إلى أن يخلع ربقة التقليد (^٣)، ويقول بأن "بل"
_________________
(١) الإِيضاح (ص ٢٨٥). قال الإِمام عبد القاهر في المقتصد (٢/ ٩٤٥): "وقد استمر النحويون على جعل "إما" من حروف العطف، ولم يعرف تحقيقه غير الشيخ أبي علي، ولهذا قال في أول الباب: إن حروف العطف تسعة، وهم يقولون إنها عشرة لعدهم "إما" من جملتها، وذلك سهو ظاهر".
(٢) في (ب).
(٣) في (ب): "الإِعراب".
[ ٤ / ٨٣ ]
ليست من حُروف العطف، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برَجُلٍ حِمَارٍ فانجرار حمارٍ بأنه بدل الغَلَط، لكن لَيس في الكلام دلالةٌ لفظية على أنه بدل الغلط، فإذا قلت: مررت برجل بل حمار فهو هو (١) إلا أن فيه دلالة لفظية على كونه بدل الغلط، وهذا يقتضي أن لا تكون "بل" من حروف العطف، لأن العطف هو الذي لولاه لما حظي العطوف بإعراب المعطوف عليه وها هنا يحظى بدونه. ونظير هذه المسألة "أيْ" في قولك مررت بالليث أي: الأسد، [فإن لم يكن أي] (^١) من حروف العطف لقولهم: مررت باللَّيث الأسد فإن لم يكن "أي" من حروف العطف فـ "بل" لا تكون [منها، ثم إذا جاءت "بل" بعد كلام منفي كقولك: ما رأيت زيدًا بل عمرًا فمعناه على وجهين:
أحدهما: الإِضراب] (^٢) عن الأول والاعتماد في الجحد على الثاني بتقدير: بل ما رأيت عمرًا.
والآخر: أن تكون بمعنى "لكنْ " بتقدير: لكن عمرًا أي: بل رأيت عمرًا، وهذا عند المُبَرِّدُ أجودُ؛ لأنّه من رأيت أقرب. لا يجوز جاءني زيد لكن بشر.
فإن سألت: فلمَ لا يجوزُعلى معنى النَّفي لكنْ بشر لم يجئ كما كان ما جاءني زيدٌ لكن عمرو بمعنى عمرو جاءني؟.
أجبتُ: النفي لا يكون ألا بحرفِ النفي، وليس كذلك الإِيجاب؛ لأنه لا علامة له بحرف قوله: "وأما في عطف الجملتين فنظيره "بل" يريد: أنَّهما كما تَجِيْءُ بعد النَّفي حينئذ كذلك (^٣) تجيء بعد الإِثبات، كما تَقولُ: ما جاءني زيدٌ لكنْ عمروٌ جاء، فكذلك تقول: جاءَني زيدٌ لكن عَمرٌو لم
_________________
(١) في (ب): "فإنه ليس".
(٢) ساقط من (أ).
(٣) في (أ).
[ ٤ / ٨٤ ]
يجئ، وكان يُونس يُخرجه عن حروف العَطفِ ويقول: هو تخفيف "لكنَّ" لدخول الواو، فإذا قلت: ما جاءَني زيدٌ لكنْ عمرٌو كان التقدير لكن جاءَني عمرٌو، وإذا قلت: ما رأيت زيدًا لكن عمرًا كان المعنى لكن رأيت عمرًا، وكذلك يضمر حرف الجر فإذا قلت: ما مررت بزيدٍ لكن عمرٍو، فإنه يقول في عمرو: إنه مجرورٌ بباء مُضْمَرَةٍ. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهرِ الخرْجَانِيُّ -﵀- هذا مذهبٌ قَوِيٌّ.
قال جارُ اللَّهِ: "ومن أصناف الحروف:
حروف النفي
وهي "ما"و"لا" و"لما" و"لن" و"أن".
فـ "ما" لنفي الحال في قولك: ما تفعل، وما زيد منطلق ومنطلقًا على اللغتين، ولنفي الماضي المقرب من الحال في قولك: ما فعل، قال سيبويه: أما "ما" (^١) فهي نفي لقول القائل هو يفعل إذا كان في فعل حال وإذا قال: لقد فعل، فإن نفيه ما فعل فكأنه قيل: واللَّه ما فعل".
قال المُشَرِّحُ: - الشيخ -﵀- في "ما فعل" معنى القسم.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصل) ولا لنفي المستقبل في قولك: لا تفعل، قال سيبويه (^٢)، أما "لا" فيكون نفيًا لقول القائل: هو يفعل ولم يقع الفعل".
قال المُشَرِّحُ: قوله: "هو يفعل ولم يقع الفعل" بمعنى إذا أريد به الاستقبال.
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) الكتاب (٢/ ٣٠٦).
[ ٤ / ٨٥ ]
قالَ جارُ اللهِ: وقد نفى بها الماضي في قوله تعالى (^١): ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ وقولُهُ:
* وَأَيُّ أَمْرٍ سَيّءٍ لَا فَعَلَهْ *"
قال المُشَرَّحُ: "لا" إذا أدخل على الماضي فلا يَكادُ يفرد، وأمَّا قولُهُ تعالى (^٢): ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فلأنَّه فيما كان في آخره فعناه فاكتفى بواحدة من الأخرى، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بثلاثة أشياء فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ … ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فكأنه قيل: فلا فعل ذا ولا ذا، وأمَّا قوله:
* وأيُّ أمرٍ سَيِّءٍ لَا فَعَلَهْ (^٣) *
فهو مكرر من حيث المعنى.
قال جارُ اللَّهِ: "وتنفي بها نفيًا عامًا في قولك: لا رجل في الدار وغير
_________________
(١) سورة القيامة: آية ٣٠.
(٢) سورة البلد: آية ١١.
(٣) قال ابن المستوفي في إثبات المحصل (ص ١٨٤): "وهو من أبيات أنشدها ابن السِّيرافي لابن العَيِّف أخي بني سليمة يهجو بها الحارثَ بن جبلة الغَسَّانِيَّ وحمله على هجوه المنذر بن ماء السّماء. وقال أبو محمد الأَعرابي: وذكر قصة ذلك وأن المنذر أمر من يهجو الحارث بن جبلة فانبرى شهاب بن العَيِّف أخو بني سليمة من عبد القيس فقال: لاهم إنَّ الحارثَ بن جَبَلَهْ زَنَّا أباه ظالمًا فَقَتَلَهْ وركبَ الشَّادخة المُحَجِّلَهْ وكان في جارَاتِهِ لا عَهْدَ لَهْ وأيّ فعلٍ سيّءٍ لا فَعَلَهْ توجيه إعراب البيت وشرحه في المُنخل (ص ١٨١)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٠٨)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٢٦). وينظر: إصلاح المنطق: ١٥٣، أمالي ابن الشجري (٢/ ٩٤، ٢٢٨) والإِنصاف: ٧٧ الخزانة (٤/ ٢٢٩). وابن السيرافي ذكر ذلك في شرح أبيات إصلاح المنطق، والرّد لابن الإِعرابي في "ضالة الأديب له".
[ ٤ / ٨٦ ]
عام في قولك لا رجل في الدار ولا امرأة، ولا زيد في الدار ولا عمرو".
قال المُشَرَّحُ: النفي العام وغير العام قد ذكرناه في قسم الأسماء الفرق بين النفي بلا وبين النفي بـ "ما" أن "ما" تنفي ما أوجبه موجب يقال: زيد في الدار فتقول: ما زيد في الدار، ومن ثم كان لها صدر الكلام، لأن ما أوجبه موجب يجب أن يؤدي الصيغة ثم يدخل عليه حرف النفي، وأما "لا" فإنه لا يجب فيها مثل هذا، لأنها تأتي في حشو الكلام نحو جئت بلا شيء، وتأتي مبتدأة في لا رجل في الدار.
قال جارُ اللهِ: " (فصل) و"لم" و"لما" لقلب معنى المضارع ونفيه إلا أن بينهما فرقًا وهو أن لم يفعل نفي فعل، ولما يفعل نفي قد فعل".
قال المُشَرَّحُ: إنَّما جعل سيبويه (^١) لم يفعل نفي فعل، ليبين حكمه ومعناه بنقيضه، لأن حق النقيضين أن يشتركا في مواقعهما وأحكامهما إلا من جهة معناهما، ومثلهما ضربت زيدًا، وما ضربت زيدًا.
قال جارُ اللهِ: "وهي "لم" ضمت إليها "ما" فازدادت في معناها أن تضمنت معنى التوقع والاقتصار واستطال زمان فعلها ألا ترى أنك تقول ندم ولم ينفعه الندم أي: عقيب ندمه، وإذا قلته بلما كان على أن لم ينفعه إلى وقته".
قال المُشَرَّحُ: أما أن "لم" ليس فيه توقع فلقوله تعالى (^٢): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ وأما أن في "لما" توقعًا فلقوله تعالى (^٣) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾. أصل "لَمَّا" هنا "لَمْ" ضمت إليها "ما" ليصلح الوقت عليها وتزيد على معنى "لم" بطول زمانها.
_________________
(١) الكتاب (١/ ٤٤٨)، (٢/ ٣٠٥).
(٢) سورة الإِسراء: آية ١١١.
(٣) سورة البقرة: آية ٢١٤.
[ ٤ / ٨٧ ]
قال جارُ اللهِ: "وتسكت عليها دون أختها في قولك: خرجت ولمَّا أي: ولمَّا تخرج كما تَسكت على "قد" في:
وَكَأَنْ قَدِ (^١) ".
قال المُشَرَّحُ: الفرق بينهما أن الحرف لا يتنزل منزلة الفعل إلا إذا تضمن معناه من جهتين، لأنه ما من حرف إلا وهو متضمن معنى الفعل ألا ترى أن الباء للإِلصاق والإِلصاق معنى فعل، والهمزة للاستفهام والاستفهام معنى فعل، فلو نزل الحرف بتضمنه معنى الفعل منزلته لكانت جميع الحروف منزلة منزلة الفعل، وذلك بمعزل عن الصواب، وقولك: لما متضمن معنى الفعل من جهتين بخلاف "لم" ألا ترى أنك إذا قلت: خرجت ولمَّا، فمعناه: خرجت و[انتفى] (^٢) انتفاءً ممتدًا [إلى أن آن] (^٣) خُروجك فمن حيث أنه يفسر ما [تنفي فقد تضمن من جهة، ومن حيث أنه يفسر] (^٤) به وهو معدى إلى المصدر فقد تضمن معنى الفعل من جهة أخرى، وإذا تنزل منزلة الفعل جاز أن ينزل ما عمل فيه، لأنه بمنزلة إضمار الفاعل، ونظير هذه المسألة حروف النداء، فإنه لما نزل منزلة الفعل من جهتين، من جهة أنك إذا قلت: يا زيد اسقني، فمعناه: أدعوك للسقي، فقد تعدى كما ترى إلى المفعول الصحيح وغير الصحيح. قال أبو سعيد السيرافي: الفرق بين "لم" و"لمَّا" كالفرق بين فعل وقد فعل، وكقولك: جاء زيد وتقول: المراد لم يجئ زيد، وتقول: جاء زيد وقد تعمم فتقول: جاء زيد ولما يتعمم، و"قد" و"لما جميعًا في موضع الحال من زيد، وقال أيضًا: ومن أجل طول زمان "قد" و"لما" جاز حذف الفعل منهما كقولك اعتذر زيد وقد نفعه الاعتذار واعتذر غيره ولما وارف الشخوص.
_________________
(١) تقدم ذكره في هذا الجزء ص: ٨.
(٢) في (ب).
(٣) في (ب): "إلى الآن خروجك".
(٤) ساقط من (ب).
[ ٤ / ٨٨ ]
"وكأن قد" أي: ولما ينفعه الاعتذار، وكأن قد شخص.
قال جارُ اللهِ: " (فصل) و"لن" لتأكيد ما تعطيه "لا" من نفي المستقبل تقول: لا أبرح اليوم مكاني فإذا وكدت وشددت قلت: لن أبرح اليوم مكاني، قال الله تعالى (^١): ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ وقال (^٢): ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ ".
قال المُشَرَّحُ: تقول: لن يذهب زيد أبدًا لمن قال: يذهب زيد غدًا.
قال جارُ اللهِ: "وقال الخليل: أصلها لا أن، فخفف بالحذف، وقال الفراء نونها مبدلة من الألف في "لا" وهي عند سيبويه حرف برأسه وهو الصحيح".
قال المُشَرَّحُ: "لن" نفي سيفعل، تقول: سيقوم عمرو فيقول: لن يقوم عمرو (^٣).
وزعم الخَلِيْلُ أن أصل "لن": "لا" "أن" ولذلك نصبت الفعل، إلا أنها خففت لكثرة ورودها كما حققت ويلمَّه، وأيشٍ تريد ونحو ذلك، ونظيره حذفا بعد تخفيف قراءة من قرأ (^٤): ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بفتح اللام وسكون الثاء. فردّ عليه سيبويه بأنَّ قال: لو كان أصلها "لا" "أن" لما جاز زيدًا لن أضرب كما لا يجوز زيدًا لا أن أضرب، لأن أضرب ويضرب صلة "أن"، وما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله.
_________________
(١) سورة الكهف: آية ٦١.
(٢) سورة يوسف: آية ٨٠.
(٣) جاء في هامش نسخة (ب): " (ح) ابن الدَّهان: أبو الحَسَن عن الخليل في كتاب "الأدوات" أن "لن" كلمة تؤكد الجحد في المستقبل فإذا قلت: لن أفعل فقد أكدت على نفسك أنك لا تفعله أبدًا، وقال في تفسير "لن" إنه يخلِّص الفعل للمستقبل وينفيه، وذلك في قولك: لن يذهب زيد أبدًا إذا قال قائل: سيذهب زيدٌ غدًّا". رأي الخليل في الكتاب (١/ ٤٠٧)، تهذيب اللغة (١٥/ ٣٣٢)، الصاحبي (ص ١٦٥).
(٤) سورة البقرة: آية ٢٠٣، وهي قراءة سالم بن عبد الله. البحر المحيط (٢/ ١١١).
[ ٤ / ٨٩ ]
وَزَعَمَ الفَرَّاء (^١) أن أصل "لن" لا [أبدلت من ألفها النون ومذهب سيبويه هو رأي الشيخ -وهو الصَّوابُ- أن] (^٢) لا يحكم عليها بخلاف ظاهرها لأن الأدوات لا تصرف لها، وهو قول أكثر النحويين.
فإن سألتَ: ما بالكم قد حكمتم على "إمَّا" بأن أصلها "ان" ضمت إليها "ما" وإِمَّا من قبيل الأدوات؟
أجبت: بأنَّ "إما" تنزل منزلة الفعل على ما ذكرناه فجاز أن يتصرف بخلاف "لن".
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) "إنْ" بمنزلة "ما" في نفي الحال، وتدخل على الجملتين الفعلية والاسمية كقولك: إن يقوم زيد وإن زيد قام، قال الله تعالى (^٣): ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ وقالَ (^٤): ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.
قال المُشَرَّحُ: "إن" أصلها المجازاه إلا أن الجزاء المعلق بالشرط لما كان عدمًا قبل وجود الشرط خرجت "ان" إلى معنى النفي.
قال جارُ اللهِ: "ولا يجوز إعمالها عمل "ليس" عند سيبويه (^٥) وأجازه المُبرد.
قال المُشَرَّحُ: زعم المُبرد (^٦) أنه يجوز إن زيدٌ قائمًا، لأنه لا فرق بينهما في المعنى، وهو مذهب الكوفيين، وحجة سيبويه ما ذكرته في قسم الأسماء.
تخميرٌ: وحروف النفي ستة يشترك اثنان في نفي الحال وهما "ما"
_________________
(١) رأي الفراء في: اللسان (١٣/ ٣٩٢)، البحر المحيط (١/ ١٠٢).
(٢) ساقط من (ب).
(٣) سورة الأنعام: آية ١٤٨.
(٤) سورة الأنعام: آية ٥٧.
(٥) الكتاب (١/ ٤٧٥).
(٦) المقتضب (٢/ ٣٦٢).
[ ٤ / ٩٠ ]
و"إن" واثنان في نفي المستقبل، وهما "لا" و"لن"، واثنان في نفي الماضي وهما "لم" و"لما".
قال جارُ اللهِ: ومن أصناف الحروف:
حُرُوف التَّنبيه
وهي "ها" و"ألا" و"أما" تقول: ها إنّ زيدًا منطلقٌ، وها أفعل كذا، وألا إن عمرًا بالباب، وأما إنك خارج، وألا لا تفعل، وأما واللهِ لأفعلن".
قال المُشَرَّحُ: "ألا" و"أما" على وجهين:
أحدهما: التقرير والتخصيص، وذلك: ألا تقومُ، أما تجلسُ، ألا ماء أشربه، قال الله تعالى (^١): ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٢).
والثاني: التَّنبيه المَحضُ والتَّحقيق، وهما مركبتان في هذا الوجه مغيرتان عما كانتا عليه من المعنى قبل، وهو المراد ها هنا والفرق بين "ألا" "وأما" في هذا الوجه، وبينهما في الوجه الأول: أن حرف الاستفهام لم يركب في هذا الوجه بحرف الجحد تركيبًا، والدليل على ذلك أنك لو أخرجتهما عن الكلام الذي دخلنا عليه لتغير معناه، وليستا كذلك في الوجه الثاني، كأنهما فيه كالزيادتين، ولذلك جاز أن تليهما "لا" (^٣) مرة أخرى كقوله (^٤):
* أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا *
ويليهما -فيما نحن فيه- الاسم، والفعل بأنواعه، والحرف، وذلك في
_________________
(١) سورة الشعراء: آية ١٠٦.
(٢) سورة النور: آية ٢٢.
(٣) في (أ): "ألا".
(٤) البيت لعمرو بن كلثوم في معلقته (شرح المعلقات لابن النحاس ص ٨٣٤) وتمامه: * فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَا *
[ ٤ / ٩١ ]
قولك: ألا زيد في المسجد ألا أنه خارج، ألا قام زيدٌ ألا لا يَقُوْمَنّ، وكذلك أمّا زيدٌ في الدّار، أما إنه منطلق. قال الزجاج (^١): ألا استفتاح وتنبيه. ويجوز فتح أن بعد "أما" خاصة لما ذكرته في الحروف المشبهة بالفعل، والفرق بين "ألا" و"أما" أن "أما" للحال و"ألا" للاستقبال.
قال جارُ اللَّهِ: "وقال النابغة (^٢):
ها إنَّ تَا عُذْرَةٌ إنْ لَمْ تَكُنْ قُبِلَتْ … فإِنَّ صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ فِي البَلَدِ
وقال:
ونَحْنُ اقْتَسَمْنَا المَالَ نِصْفَيْنِ بَيْنَنَا … فقُلتَ لَهُمْ هَذَا لَهَاها وذَالِيَا
وقال:
* أَلَا يَا أصبِحَانِي قَبْلَ غَارَةَ سِنْجَالِ *
وقال:
أَمَا وَالَّذِيْ أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِيْ … أَمَاتَ وأَحْيَى والَّذِي أَمْرُهُ الأَمْرُ"
قال المُشَرَّحُ: قال: يا لها عذرة أي: عذر، قال (^٣):
تقبل عذرتي وحبا بدهم … يصم حنينها سمع المنادي
ويروي: (إن لم تكن نفعت). يريد: وهذا ليا (^٤)، وإنما جاز تقديمها
_________________
(١) معاني القرآن له: ٣/ ٣٨.
(٢) ديوان النابغة (ص ٢٨)، وروايته: "مشارك النكد". توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٨٦)، المنخل (ص ١٨٢)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١١٣)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٣١). وينظر: شرح الشافعية (ص ٨٠)، الهمع (٢/ ٧٠، ٢٠٢)، الخزانة (٢/ ٤٧٨).
(٣) شرح ابن يعيش (٨/ ١١٤).
(٤) البيت للبيد بن ربيعة، في شرح ديوانه (ص ٣٦٠) (ملحقاته). قال ابن المستوفي: كذا ذكره المغربي، ولم أره في ديوانه. أقول كذا نسبه إليه ابن يعيش في شرحه (٨/ ١١٤). =
[ ٤ / ٩٢ ]
على الواو لأن "ها" تنبيه، والتنبيه قد يدخل على الواو إذا عطفت جملة على أخرى كقولك ألا وإن عمرًا مقيم. سنجال: -بكسر السين المهملة- من قرى أذربيجان (^١) عن الخارزنجي والغوري تمامه:
* وقَبْل مَنَايَا غادِيَاتٍ وآجَالِ *
البيت الأخير من أبيات الحماسة (^٢).
قال جارُ اللهِ: " (فصل) وأكثر ما تدخل "ها" على اسم الإِشارة والضمائر كقولك: هذا وهذه وها أنذا، وها هوذا، وها أنت ذا، وها هي ذه وما أشبه ذلك".
قال المُشَرَّحُ: أما (^٣) "ها" فمعناها تنبيه المخاطب إذا أردت أن تنبه على ما بعدها من الأسماء المبهمة عنده بمنزلة الأسماء المظهرة كزيد وشبهه فيكون أفهم، ولذلك لا تدخل إلا على الأسماء المبهمة وما أتى بعدها من الأسماء المضمرة المنفصلة في أكثر الكلام، ولو أدخلت على المضمرة
_________________
(١) = وينظر: الكتاب (١/ ٣٧٩)، المقتضب (٢/ ٣٢٣)، الهمع (١/ ٧٦)، الخزانة (٢/ ٤٧٩)، (٤/ ٤٧٨).
(٢) معجم البلدان (٣/ ٢٦٣)، قال: "بكسر أوله وسكون ثانيه ثم جيم وآخره لام … قريةٌ بأرمينية، وقيل: بأذربيجان ذكرها الشماخ وذكر البيت. وأذربيجان: معروفة في بلاد فارس. والبيتُ للشَّمَّاخ في ديوانه (ص ٤٥٦) وقد أَحسن المُحقق تخريجه فليُراجع هنالك والخَارَزَنْجيُّ والغُوْرِيُّ عالمان لغويان تقدم التَّعريف بهما.
(٣) الحماسة (ص ٣٦٩) (رواية الجواليقي) وشرحها للمرزوقي (ص ٧٣٠). والبيت لأبي صخر الهُذلي، واسمه عبد الله بن سهم، في شرح أشعار الهذليين للسُّكري (٢/ ٩٥٧). وجمع شعره الدكتور نوري حمُّودي القيسي، ونشره في مجموع (شعراء أمويون) (ص ٩٤)، وهذا الجزء من مجموع (شعراء أمويون) لم يأخُذ رقمًا (ط) عالم الكتب (١٤٠٥ هـ). تَوجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المُحصل (ص ١٨٧)، المنخل (ص ٨٣)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١١٤)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٣١). وينظر: المغني (ص ٥٤، ٦٨)، شرح شواهده (ص ٦٢، ٨٥)، شرح أبياته (٦/ ١٦٩)، الهمع (٢/ ٧٠).
(٤) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ٢٣٢) شرح هذه الفقرة بتمامها.
[ ٤ / ٩٣ ]
وحدها لم يمتنع أيضا تقول: ها هو قاعد لشبهها بها من جهة وقوعها على كل شيء من الحيوان وغيره، من غير أن تفصل شيئًا من شيء مع حاجتها في البيان عن معناها إلى غيرها كحاجة المبهمة (^١)، ومن ثم قال المُبَرِّدُ: علامات الإِضمار كلها مبهمة، وقال عَلِيُّ بن عِيْسَى: المبهم من الأسماء ما يصلح بعد حاضر، ويفتقر في البيان عن معناه إلى غيره. أما قولهم: "ها إن ذا" ونحوه فها عند سيبويه داخلةٌ على الأسماء المضمرة وهي عندَ الخليل مع الأسماء المُبهمة في التقدير على أنهم أرادوا أن يقولوا ها أنا فجعلوا أنا بين ها وذا فمن قدرها مع "ذا" فإنه يحتجُّ بقول زُهَيْرٍ (^٢):
* تَعَلَمَا هَا لَعَمْر اللهِ ذَا قَسَمًا *
ويحتج أيضا بقول لبيد (^٣):
* فَقُلْتُ لَهُمْ هَذَا لَهَا هَا وذَالِيَا *
وبقولهم: ها الله ذا: ومعناه والله هذا، لأن اسم الله ظاهر لا يدخل عليه التنبيه، وربما حكاه أبو الخطاب (^٤) من أن العرب تقول: هذا أنت وأنت هذا.
ومن قدر إن ها مع أنا ونحوه دون ذا في التنبيه فإنه يحتج بقوله
_________________
(١) في (ب): "المتضمنة".
(٢) شرح ديوانه (ص ١٨٢)، وعجزه: * فاقْصُدْ بِذَرْعِكَ وانْظُر أينَ تَنْسَلِكُ * قال شارح الديوان أبو العباس ثعلب: "وأراد: تعلما أي: اعلما لعمر اللهِ ذا قسمًا. و"ها" تنبيه كقولك: أي: اسمع، وفيه قول آخر: اعلما هذا قسما، ثم فرق بين "ها" و"ذا".
(٣) شرح ديوانه (ص ٣٦٠) (الملحق)، وقد تقدم ذكره.
(٤) الكتاب (١/ ٣٧٩) ونصه: "وزعم أبو الخطاب أن العرب الموثوق بهم يقولون: أنا هذا وهذا أنا".
[ ٤ / ٩٤ ]
تعالى (^١): ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ﴾ لأن "ها" الأولى لو كانت منويًا بها التأخير لم تعد في أولاء وهذه حجَّةُ سيبويه، لأنه قال (^٢): وقد تكون "ها" غير مقدمة على ذا أي: هي في موضعها. قال أبو سَعِيدٍ السِّيْرَافِيُّ: ها في هذه الحروف للتنبيه، والأسماء بعدها مبتدآت، والخبر أسماء الإِشارة "ذا" ونحوه، وإن شئت جعلت أنت ونحوه الخبر والإِشارة هي الاسم وقال أيضًا: إنما يقول القائل ها أنا ذا طلب رجل لم يدر أحاضرٌ هو أم غائبٌ فيقول المطلوب ها أَنا ذَا.
ابنُ الأَنْبَارِي (^٣): إنما جَعَلُوا المكني بين "ها" و"ذا"، إذا أرادُوا القريبَ في الأخبار بمعنى ها أنا ذا ألقى فلانا، قد قرب لقائي إياه، وذكر أيضا (^٤) أن قول العامة هو ذا لقي فلانًا خطأ عند جميع العلماء، لأن العرب إذا أرادت هذا المعنى قالوا: ها هو يلقى فلانا، وها أنا ذا ألقى فلانا وأنشد قول أمية (^٥):
لَبَّيْكُما لبَيْكُمَا ها أَنَا ذا لَدَيْكُما
قال عليُّ بن عِيْسى: إنَّما كثُر التنبيه في "ذا" ونحوه ولم يكثر في "أنت" ونحوه، لأن "ذا" مبهمة من حيث تصلح لكل حاضر، والمعنى على واحد بعينه فقوي بالتنبيه لتحريك النفي على طلبه بعينه إذا لم يكن علامة تعريف في لفظه، وليس كذلك "أنت"، لأنه للخاطب خاصة، وقال أيضا:
_________________
(١) سورة آل عمران: آية ٦٦.
(٢) الكتاب (١/ ٣٧٩).
(٣) الزاهر (٢/ ٢٧٩) وعبارته: " … إذا قرَّبوا الخبر فتأويل قول القائل: "ها أنا ذا ألقى فلانا" قد قرب لقائي إياه".
(٤) عبارة ابن الأنباري في الزاهر: "قال أبو بكر: قال السجستاني بعضُ أهلِ الحِجاز يقولون: هوَ ذَا بفتح الواو. وهذا خطأ منه لأن العلماء الموثوق بعلمهم اتفقوا على أن هذا من تحريف العامة وخطئها، والعَربُ إذا أرادت معنى (هوذا) قالوا: ما أنا ذا ألقى فلانًا".
(٥) ديوانه (ص ٢٦٥) (شعر أمية).
[ ٤ / ٩٥ ]
ومع التنبيه في "ها أنا" مع أن الانسان لا ينبه على نفسه إنما ينبه على ما أغفله، من حالة أن التنبيه، وإن كان على ما أغفله من حاله، فإنه ينبه بذكر ما لم يعلم، فلذلك خرج التنبيه على النفس والمعنى على حال النفس ولو جاء على الأصل لكان لا بدَّ من ذكر النفس ففيه مع ذلك إيجاز.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) ويحذفون الألف عن "أما" فيقولون: أم واللهِ: وفي كلام هجرس بن كليب أم وسيفي وزريه، ورمحي وفصليه، وقوسي وأذنيه لا يَدَع الرَّجُل قاتل أبيه وهو ينظر إليه".
قال المُشَرِّحُ: إنهم (^١) يخففون "أما" بحذف ألفها اعتمادًا على القسم بعدها، لأنه يعرفها وذلك أن "أما" من مقدمات اليمين وطلائعه، زرّ السيف حذُه كذا رأيته في (حاشية المفصل) (^٢). رماحُ العرب كانت ذات شعبتين.
قال جارُ اللهِ: "وبعضهم يبدل همزتها هاء فيقول هما والله، وهم والله، وبعضهم عينًا فيقول عما واللُّه وعم والله".
قال المُشَرِّحُ: كأنهم ينفرون من الهمزة لأنها أدخل الحروف في الحلق إذ هي من أقصى الحلق فتبدل هاء مرة وعينًا أخرى.
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ٢٣٣) شرح هذه الفقرة ولم يزد عليه شيئًا يذكر.
(٢) لم يرد هذا النص في نسختي من حاشية المفصل.
[ ٤ / ٩٦ ]
قال جارُ الله: "ومن أَصناف الحروف:
(حروفُ النداء)
وهي "يا" و"أيا" و"هَيا" و"أي" والهمزة و"وا"، فالثلاثة الأول لنداء البعيد ومن هو بمنزلته من نائمٍ أو ساهٍ".
قالَ المُشَرِّحُ: معاني هذه الحُروف التَّنبيه ودعاءُ المنادي بوصل اسمه الظاهر بحرف من هذه الحروف تنبيهًا له وتَصويتًا به ليقبل على المُنادي، وهي لا تدخلُ إلا على الأسماء فإن كانت المَسافة بين المنادِي والمنادَى أطول كان الحرف الذي ينادى به أطول.
قال جارُ الله: "وإذا نُودي بها مَنْ عَدَاهُم فلحِرص المُنَادِي على إقبال المَدْعِوِّ إليه ومفاطنته لما يدعوه له".
قالَ المُشَرِّحُ: الضميرُ في مفاطنته يرجع إلى المَدْعِوِّ.
قال جارُ الله: "وأيْ والهمزة للقَريب و"وا" للنُّدبة خاصة".
قال المُشَرِّحُ: النُّدبة: وجعٌ وغمُّ يَلْحَقُ الباكي على الميت فيدعوه وإن كان يعلمُ أنه لا يجيبه إلى إزالة ما لحقه من الأمر الفظيع.
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وقولُ الدَّاعي يا ربِّ، ويا الله، استقصار منه
[ ٤ / ٩٧ ]
لنفسه وهضمٌ لها، واستبعادٌ عن مظانّ القبول والاستماع، وإظهار الرغبة في الاستجابة بالجُؤَار".
قال المُشَرِّحُ: استقصار أي: نسبة منه نفسَهُ إلى التقصير، وفي أبيات السقط (^١):
يَسْتَقْصِرُ (^٢) العِيْسَ عَلَى بُعْدِ المَدَى … وهُنَّ أَمْثالُ الظِّباءِ النُّفَّزِ
_________________
(١) شروح سقط الزند (ص ٤٢٢).
(٢) في (ب): "ستقصر" وفيه: "النفس".
[ ٤ / ٩٨ ]
قال جارُ الله: "ومن أصناف الحروف:
(حروف التصديق والإِيجاب)
وهي: "بلى"، و"نعم" و"أجل" و"جير" و"أي" و"إنَّ".
فأما "نعم" فمصدقة لما سبقها من كلام منفي ومثبت تقول: إذا قال لك قائلٌ قامَ أو لَمْ يَقُم: نَعَم، تصديقًا لقوله، وكذلك إذا وقع الكلامان بعد حرف الاستفهام، وذلك إذا قال: أقام زيدٌ أو لم يقم فقلت: نعم فقد حققت ما بعد الهمزة، و"بلى" إيجابٌ بعد النَّفي، تقول لمن قال: ألم يقم زَيْدٌ؟ بلى، أي: قد قامَ، قالَ الله تعالى (^١): ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ أي: نَجْمَعَهَا".
قال المُشَرِّحُ: "نعم" حرف، أَلا ترى أن نقيضتها، وهي "لا" حرف، ولذلك بنيت على السكون وهي تحقيق وتصديق لما تقدمها من الكلام نفيًا كان أو إثباتًا، كقول القائل: قامَ زيدٌ، فإذا قلتَ: نَعَمْ فقد صدقته على أنه قام، وإذا قال: لم يقم زيد فقلتَ: نعم فقد صدقته على أنه لم يقم، وكذلك إذا كان في الكلامِ حرفُ استفهامٍ ثم قلت: نعم، فهو تصديق للكلام المتقدم باطّراح حرف الاستفهام، كقول القائل: هل قامَ زيدٌ؟ فإذا قلت: نعم فكأنك قلت: لَم يَقم زيدٌ، قال سيبويه (^٢): أمَّا "بلى" فتوجب بعد النفي قال
_________________
(١) سورة القيامة: آية ٤.
(٢) الكتاب (٢/ ٣١٢).
[ ٤ / ٩٩ ]
الله تعَالى (^١): ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ أي: هو قادِرٌ على ذلك وقال (^٢): ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ (^٣) أيْ: قَدْ آمنتُ، ولو قيلَ لإِنسانٍ: هل قام زَيْدٌ؟ فقال: بَلَى، كان غيرَ جائزٍ، لأنه من مواضع "نعَمْ"، وليس من مواضعِ "بَلَى" إنما جاز "بلى" في قولِهِ [تَعَالى] (^٤): ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ (^٥) وليس في الكلام الذي تقدمها لفظُ النَفي، لأن معنى قوله (^٦): ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ يؤول إلى معنى ما هُدِيْتُ. فقيل له: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ أي قد هُديت. الفَرَّاء: إنما اختاروا "بَلَى" للرجوع عن النفي والإِقرار (^٧) بما بعده، لأن أصلها كان رجوعًا محضًا على الجحد، إذا قالوا ما قام زيد بل عمرو فكانت "بل" كلمة عطف ورجوع لا يصلح الوقوف عليها، فزادوا ألفًا ليصلح الوقوف عليها، ونظيرها "لم" و"لما".
قال جارُ الله: و"أجل" لا يُصدّق بها إلى في الخَبر خاصةً يَقُول القائل قد أتَاك زيد فيقول: أجل ولا تستعمل في إلا في جواب (^٨) الاستفهام".
قال المُشَرِّحُ: أَصل "أجَلْ" من الخبر لأنّه انقيادٌ إلى ما الخبر إليه وهو يُستعمل في جواب الخبر، يقال: قد أتاك زيد أو يأتيك فتقول: أجل وتصدقه، ولا يصلح أن يقال هل خَرَجَ أو يخرجُ فتقول: أجَلْ.
قال جارُ الله: "و"جير" نحوها بكسر الرَّاءِ. قال الشاعر (^٩):
_________________
(١) سورة يس: آية ٨١.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) سورة البقرة: آية ٢٦٠.
(٤) ساقط من (أ).
(٥) سورة الزمر: آية ٥٩.
(٦) سورة الزمر: آية ٥٧.
(٧) في (ب): "والأقران".
(٨) ساقط من (ب).
(٩) يُنسب هذا البيت إلى مُضَرِّس بن رِبْعِيٍّ الأَسَدِيِّ، كما ينسب إلى طُفَيْلٍ الغَنَوِيِّ ديوانه (ص ١٠). =
[ ٤ / ١٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المُحصل (ص ١٨٧)، المُنخَّل (ص ١٨٣) شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٢٢، ١٢٤)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٣٧). وينظر: مجالس العلماء للزَّجاجي (ص ٢٢)، المغني (ص ١٢٠)، شرح شواهده (ص ١٢٥)، الخزانة (٤/ ٢٣٥). قال ابن المُسْتَوْفِي: أنشد هذا البيت أبو محمد بن الخشاب للأَسَدِيِّ وقبله: تَحَمَّلَ عن ذَاتِ التَّنَانِيْرِ أَهلُهَا … وقَلَّصَ عن نِهْي الدَّفِيْنَةِ حَاضِرُهْ ثم قال: هذان البَيتان الرَّائيان وجدتُهما في قصيدةٍ طويلةٍ من اختيارات الأصمعي لأميرِ المُؤمنين أبي جَعفر هارون الرشيد -﵁- وأولها: تَحَمَّلَ من وَادِيْ أُشَيْقِرَ حَاضرُهْ … وأَلْوَى بِرِيْعَانِ الخِيَام أَعَاصِرُهُ فَلَمْ يَنْفُضِ الوَسْمِيّ حتَّى تَغَيَّرَتْ … مَعَالِمُهُ وَأعتَمَّ بِالنَّبْتِ حاجِرُهْ وهما غير ما أنشدهما النحويون، ضمن أبيات غير متجاورين وقبلهما: وما الوَحْشُ أبْكَتْنِي ولكنْ ضَعَائِنٌ … دَعَاهُنَّ رُوَّاد المَلَا ومَصَايِرُهْ دَعَاهُنَّ تَنُّومٌ وسِدْرٌ شَجٍ بِهِ … حلوقُ الشِعَاب ناعِمُ النَّبْتِ نَاضِرُهْ تَحَمَّل من ذات الجراميز أهلُهَا … وقلّصَ من نَوّ القَرِيْنَةِ ظَاهِرُهْ تَرَبَّعْنَ رَوْضَ الحَزْنِ حَتَّى تعاورت … سِهَامِ السَّفا مُريانه وظواهرُهْ فلمَّا رأينَ الحَزْنَ قلت لطافُة … وهافَتْ لأيَّام الحَرُوْرِ أَبَاعِرُهْ تَحَاثَثْنَ واسْتَعْجَلْنَ كلَّ مُقَلَّصٍ … من العَيْش يَلوِيْ بالسَّدُول تَحَاسِرُهْ فلَمّا تَعَالَتْ بالمَعَالِيْقِ جِلَّةً … لَهَا سائِقٌ لا يخفِضُ الصَّوت شاهِرُهْ تَلافَيْنَ من ذاتِ التَّنانِيْرِ شَرْبَةً … على ظَهْرِ عاديٍّ كثيرٍ سَوَافِرُهْ تَبَيَّنْتُ أَعْنَاقَ المَطِيِّ وصُحْبَتِيْ … يَقوْلُونَ مَوْقُوْفُ السَّفِيْن وعَايِرُهْ ثم ذكر أبياتًا آخر فقال: فَلَمَّا لحقنَاهُم قرأنا عَلَيْهمُ … تَحِيَّةَ مُوسى ربَّه إذ يُحَاوِرُهْ فأمَّا الأصيل الحلم منا فَزَاجِرٌ … خُفافًا جُلالًا أو مُشِيْرٌ فُذَاعِرُهْ إلى السَلَفِ المَاضِي وآخِر قاصِرٍ … على الرَّبْرَب الحُوْرِ الحِسَانِ مَحَاجِرُهْ وقُلْنَ أَلَا الفِرْدَوْسُ أوَّلُ مَحْضَرٍ … مِنَ الحَيّ إنْ كانَتْ أُبيْرَتْ دَعَاثِرُهْ فأَلْقَتْ عَصَا التِّسْيَارِ عنها وصَنَّمت … بأرجاءِ عَذْبِ المَاءِ بيضٍ حَفَائِرُهْ ثم قال: هكذا ترتيبها في القَصيدة سوى ما حُذف منها بين ذلك أنشدها لمضرس". (إثبات المحصل الورقتان: ١٨٧، ١٨٨). وقد نقل الإِمام عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب عن ابن المستوفي وقال: "وأورد منها ابن المستوفي ستة عشر بيتًا". ولم يذكرها في الخزانة. قال الأستاذ المرحوم عبد السَّلام محمد هارون في هامش الخزانة تعليقًا على ذلك: هذا نصٌّ نادرٌ يثبت نقص الأصمعيات المطبوعة، وانظر ما أثبتناه في مقدمة المفضليات (ص ٢٢). يقول العبد الفقير إلى اللَّه تَعالى عبدُ الرَّحمن بن سُليمان العُثَيْمِيْن ولندرة هذا النص أثبته =
[ ٤ / ١٠١ ]
وقُلْنَ عَلَى الفِرْدَوْسِ أوّلُ مَشْرَبٍ … أَجَلْ جَيْرِ إن كانَتْ أُبِيْحَتْ دَعَاثِرُهْ
وقال: جَيْرِ لافْعَلَنّ بمعنى حقًّا، و"إن" كذلك قال:
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلَاكَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهُ"
قالَ المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: ويجوز أن يكون جيرِ إنما يكسر لأنّه يُحلف به، فيقال: جيرِ لأفعلنَّ تقع موقع الاسمِ المحلوفِ به وهو مفتوحٌ نحو يَمين اللَّه لأَفعلن فيُبنى على الكسرِ دلالةً أنه مبني معرف كما بني قبلُ وبعدُ على الضَمّ لذلك.
الدَّعاثِرُ: جمع دُعْثُوْرٍ وهو الحَوْضُ المُتَهَدِّمُ، من الدَّعْثَرَةِ وهي الهَدْمُ وفي الحديث (^١): " (لا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم سِرًّا إنَّه [ليُدرك] الفارس فيدعثره) " أي: فيهدِمُهُ ويُطَحْطِحُهُ بعد ما صارَ رجلًا. إنما وقعَ إنّ موقعَ القسم، لأن "إنّ" للتحقيق والتأكيد والقَسم كذلك، ولذلك انتصب قَسَمًا على أنه مصدر مؤكد لنفسه وذلك في البيت الماضي في قِسم الأسماء.
قال جارُ اللَّهِ: "و"أيْ" لا تستعمل إلا في القَسَم إذا قال لك المستجير هل لك كَذَا؟ قلتَ أيْ واللَّه وأيْ لعمري، وإيْ ها اللَّه ذا".
_________________
(١) = كاملًا من "إثبات المحصل" وذلك لأنني قد لا أتمكن الآن من نشر إثبات المُحَصَّل، ونسخته الأصلية في خطر كما أن مصورتي عنها في حالةٍ غيرِ جيِّدةٍ وحاوَلْتُ إنقاذَ هذه النُّسخة فنسختها بخطّي، إلا أن خَطّي لا يُغني عن الأصل شيئًا. بقي أن أذكر أن الذي جعل هذا البيت يُنسب إلى طُفيلٍ تداخل الرِّواية مع بيتٍ لطفيلٍ، هو: وقلنَ ألا البردى أول مشرب … أجَل جَيْرِ إن كانت رِوَاءً أسافله وما أورده ابن المستوفي عن الأصمعيات ليس فيه: "أجل جير" وهي موضع الشاهد موجودة في بيت طفيل فليتأمل.
(٢) النهاية (٢/ ١١٨). ونصُّ المؤلف من الصحاح: ٢/ ٦٥٨ (دعثر) والتصحيح عنهما، وفي النسختين: "إنه ليدعثر الفارس … ". وينظر اللسان (دعثر) عن الصحاح.
[ ٤ / ١٠٢ ]
قال المُشَرِّحُ: "إيْ" إيجاب وتصديق ونظيره (^١): ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ إلا أنَّ معنى "بَلَى" إثباتُ ما نُفِيَ فقط. يجوز إيْ واللَّهِ بالنَّصب، وها اللَّهِ لا يجوزُ إلا بالخَفْضِ، لأن "إي" ليست بعوض عن حرف القَسم إنما هو جوابٌ لمن سأَلَكَ عن الخَبرِ فقلت: أيْ واللَّه لقد كانَ كذَا بخلافِ ها، فإنه عوضٌ عن الواو. وقالَ ابنُ جِنيّ: ألا ترى أنها لا تجتمع معها، وهآللَّه بمد الألف وحذف ألف الوصل بمنزلة آلله، ويجوز قصرها مع حذف ألف الوصل على ما يجيء في المشترك إن شاء اللَّه -تعالى-.
قال عليٌّ بنُ عِيْسَى (^٢): وإنما جارُ دخولها في القسم لأن "هاء" حرف تنبيهٌ يُحتاج إليها في المواضع التي يُحال في بيانها على غيرها كما احتيج إليه في المبهم لما ذكرنا قبل، والقسم من تلك المواضع، لأنه يحال في بيانه على غيره من الفعل المحذوف منه وهو أحلف ونحوه، فاحتيج فيه إلى هاء كذلك، وقدّمها على اسم اللَّه كما قدم قومٌ هاهوذا قال زهير (^٣):
* تَعَلَّمْ هَا لَعَمْرُ اللَّه ذَا قَسَمًا *
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وكنانةُ تكسر العين في نَعِمْ في قراءةِ عُمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ (^٤)، وحكى أن عمر
_________________
(١) سورة التغابن: آية ٧.
(٢) شرح الكتاب للرُّماني (٢/ ٣٨٧) (نسخة داماد إبراهيم).
(٣) شرح ديوانه (ص ١٨٢) وعجزه: * فاقْصِدْ بِذَرْعِكَ وانْظُر أينَ تَنْسَلِكُ * وقد تقدم ص: ٩٤.
(٤) سورة الأعراف: آية ٤٤. وقراءة عمر وابن مسعود ﵄ قرأ بها الكسائي وابن وثاب والأعمش والشنبوذي. ينظر: السبعة: ١٨١، والكشف: ١/ ٤٦٢، وحجة أبي زرعة: ٢٨٢. والبحر المحيط: ٤/ ٣٠٠ والنشر: ٢/ ٢٦٩. وقول عمر ﵁ في النّهاية لابن الأثير: ٥/ ٨٤: "قال أبو عثمان النَّهديّ: "أمرنا أمير المؤمنين عُمَرُ بأمرٍ فقلنا: نعم … ".
[ ٤ / ١٠٣ ]
﵁ سأل قومًا عن شيء فقالوا: نَعَمْ، فقال عمر: إنما النَّعَم الإِبل، فقُولُوا: نَعِمْ".
قال المُشَرِّحُ: في نَعِمْ لغتان: فتح العين وكسرها، فالفتح لغة أكثرِ العَرب، والكسرُ لغةُ كنانة.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وفي "أي" اللَّه ثلاثةُ أوجهٍ، فتح الياء وتسكينها والجَمع بين ساكنين هي ولام التعريف المدغمة وحذفها".
قال المُشَرِّحُ: أي من أي الله ثلاثة أوجه:
أي اللَّه بفتح الياء ساكنة.
ومدها للمدغم الذي بعدها مع حذف الوصل من الله كما قلت: ها الله إذا مددت.
الثالث: إلّه بحذف الياء لالتقاء الساكنين فتبقي من اللفظ همزة مكسورة بعدها لام مشدَّدةٌ.
[ ٤ / ١٠٤ ]
قال جارُ اللَّه: "ومن أصناف الحرف:
(حروف الاستثناء)
وهي "إلا". و"حاشا" و"عدا" و"خلا" في بعض اللغات".
قال المُشَرِّحُ: هذه الحروف قد مضى شرحها في قسم الأسماء.
[ ٤ / ١٠٥ ]
قال جارُ الله: "ومن أصنافِ الحرف:
(حرفا الخطاب)
وهما الكاف والتاء اللاحقتان علامة للخطاب في "ذاك" و"ذلك" و"أولئك" و"هناك" و"هاك" (^١) و"حيهلك" "النجاك" و"رويدك" و"أرأيتك" و"إياك" وفي "أنت" و"أنت"".
قال المُشَرِّحُ: الكافُ في هذه المواضع لا حظَّ له من الإِعراب، استدل النحويون بثلاثة أشياء:
أحدها: دخول اللَّام في النجاك.
الثاني: ثُبوت النُّون في ذانك.
الثالث: عدمُ جوازِ الإِبدال من الكافِ ذاك نفسك زيد، ولكن ذاك نفسك زيد، على توكيد ذواتها وقد مضى جميع ذلك في قسم الأسماء.
[أرأيتك] (^٢): بفتح التاء بمعنى: أخبرني، والدليل على أنه ليس باسم قولهم: أريتك زيدًا ما صنع، وقوله تَعالى (^٣): ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) ساقط من (أ).
(٣) سورة الإِسراء: آية ٦٢.
[ ٤ / ١٠٧ ]
عَلَيّ﴾ لو كان الكاف فيها اسمًا ولم يكن للخِطَاب لَوَجَبَ أن يكون الاسمُ الذي بعدَ [الكافِ هو] (^١) الكافُ في المعنى، ألا تَرى أن أرأيت يتعدى إلى مفعولين، يكون الأول منهما هو الثاني، وفي كون المفعول الذي بعده ليس الكاف وإنَّما هو غيره دلالة على أنه لَيس باسم.
تَخمير: إعلم أنَّ هذه الكاف لمُخاطبة الواحدِ، وقد يُخاطب بها الجَمْعُ كما في قوله (^٢): ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ وقال (^٣): ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾.
قالَ جارُ الله: " (فَصْلٌ) (وتلحقُهُما) التَّثنية والجَمع والتَّذكير والتأنيث كما تلحق الضمائر قال الله تَعالى (^٤): ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وقال (^٥): ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقال (^٦): ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ وقال (^٧): ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ وقال (^٨): ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ﴾ وقال (^٩): ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: أما ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ فلأن المخاطب صاحبا يوسف، والمشار إليه ما ذكره لهما. أمَّا ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فلأن المشار اليه يوسف والمخاطب النّسوة. [وأمَّا] (^١٠) ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ فلأن المشار إليه الجنة،
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) سورة النساء: آية ٣.
(٣) سورة البقرة: آية ٢٣٢.
(٤) سورة يوسف: آية ٣٧.
(٥) سورة التوبة: آية ٤١.
(٦) سورة يوسف: آية ٣٢.
(٧) سورة الأعراف: آية ٤٣.
(٨) سورة النساء: آية ٩١.
(٩) سورة مريم: آية ٩.
(١٠) ساقط من (أ).
[ ٤ / ١٠٨ ]
والمخاطب جماعة، وأمَّا ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ فلأن المشار إليه مفردٌ مذكرٌ، والمخاطب مفردٌ مؤنثٌ.
قالَ جارُ الله: "وتقول: أنتما وأنتم وأنتن".
قال المُشَرِّحُ: أما [التَّاء] (^١) التي تلحق آخر الكلمة فهي أيضًا للخطاب، لا حظّ لها من الإِعراب، فأنت ضمير، والخطاب فيه للمفرد، و"أنتما" ضمير، والخطاب فيهما فيه لاثنين، و"أنتم" ضمير، والخطاب فيه للجمع المذكر، و["أنتن ضمير، والخطاب فيه للجمع المؤنث] (^٢).
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ونظير الكاف والهاء والياء وثنيتهما وجمعهما في إياه وإياي على مذهب أبي الحسن".
قال المُشَرِّحُ: اختلف النَّحويون في "إيا" مع الكاف أختيها، فقال الخليل -ولم يذكره سيبويه خلافًا- أنَّ "إيا" اسم مضاف إلى ما بعده وأن ما بعده في موضع خفض واستدل على ذلك بما حكاه "فإياه وإيّا الشَّواب" (^٣) وخالفه جماعة منهم بأنه لا يجوز أن يكون "أيا" مضافًا إلى ما بعده، لأنه ضمير، والضمير لا يضاف.
وقالَ بعضُهُم: "إيَّاك" بكاملها اسمٌ في موضع نصب.
وقال بعضهم (^٤): الياء والكاف والهاء بعد "إيا" هي الأسماء و"إيا"
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) ساقط من (أ).
(٣) رأي الخليل في الكتاب (١/ ١٤١)، وجعلها ابن الأنباري من مسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين. ينظر: الإِنصاف (ص ٦٩٥)، وائتلاف النصرة (ص ١٠٤).
(٤) هم الكوفيون عند ابن الأنباري. ينظر الإِنصاف (ص ٦٩٥). قال أبو البركات: "وذهب أبو العباس محمد بن يزيد المبرد إلى أنه اسم مبهم أضيف للتخصيص، ولم يعلم اسم مبهم أضيف غيره وذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أنه اسم مظهر =
[ ٤ / ١٠٩ ]
عمادٌ لها، لأنَّها لا تقومُ بأنفسها في الإِبانة عن معانيها وحدها، فزعم قائل هذا القول أن "إيا" ليس في موضع نصب، لأنه بمنزلة حرف زائد لا يحول بين العامل والمعمول فيه، أو تكون "إيا" مع الكاف وأختيها في موضع نصب، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر.
وقالَ بعضهم: "أيا" اسمٌ مبهمٌ يكنى به عن المنصوب، وجعلت (^١) الكاف وأختاها (^٢) بيانًا عن المقصود، ليعلم المخاطب من الغائب، ولا موضع للكاف من الإِعراب كما لا موضع لها في "ذلك" و"أولئك". قال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: والصحيحُ من هذه الأقوال قولُ الخليل لأنّي رأيت ما يقع بعد "إيا" من المضمر هو الضمير الذي كان يقعل للمنصوب لو كان متصلًا، بالفعل، لأنك تقول: ضربتك فيكون هذا هو الأصل، ثم تقول: إياك ضربت وكان حق هذا [أن] (^٣) يتصل بالفعل، فلما قدموه لما يستحقه المفعول من التقديم والتأخير أتوا بـ "أيا" فتوصلوا بها إلى الضمير المتصل ليتصل بـ "أيا" و"إيا" هو اسمٌ مظهرٌ، واتصال الأسماء بالأسماء يوجب للثاني منهما (^٤) الخفض، وجعلوا "إيا" هو الذي يقع عليه الفعل.
_________________
(١) = خص بالإضافة إلى سائر المضمرات وإنها في موضع جر بالإضافة. وينظر: المقتضب (٤/ ٢٧٩).
(٢) في (أ): "وفعلت".
(٣) في (أ): "وأختيها".
(٤) ساقط من (أ).
(٥) في (أ): "منهم".
[ ٤ / ١١٠ ]
[بابُ الحُروف الزَّائِدَةَ]
قال جارُ اللهِ: "ومن أَصْنَافِ الحُروف:
(حروف الصلة)
وهي "إن" و"أن" و"ما" و"لا" و"من" و"الباء" في نحو قولك: ما إن رأيتُ زيدًا، الأصل: ما رأيت، ودخول "إن" صلة أكدت معنى النفي، قال دريد في الخَنْسَاء:
ما إنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِ … كاليَوْمِ هانِئَ أَيْنُقٍ جُرْبِ"
قال المُشَرِّحُ: محصول (^١) ومذاهب الناس في هذه الحروف على قولين:
أحدهما: أنّها زيدت للتوصل إلى الفصاحة، فربما لم يتمكن اللفظ المفرد في الوزن أو في شيء من الأمور اللفظية، فإذا دعم بشيء من هذه الزّوائد صلح.
الثاني: أنها زيدت توكيدًا للمعنى.
فإن سألتَ: فكان يجب أن تورد "إنّ" و"أنَّ" مشددتين في هذا الباب؟
أجبتُ: زيادة حروف الصفة تبين زيادتها بالإِضافة إلى مالها من
_________________
(١) ساقط من (ب).
[ ٤ / ١١١ ]
المعنى، وبالإِضافة إلى أصل الكلام بخلاف "إنَّ" و"أنَّ" فإنه لم يتبين زيادتها بالإِضافة إلى مالها من المَعنى، أما معنى "إن" الزيادة فتوكيد المعنى فقط وهي أن تأتي [ملغاة، وكافة] (^١)، فالملغاة كقولك: ما إن رأيت زيدًا. والكافة: نحو قوله (^٢):
فَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ … مَنَايَانَا ودَوْلَةُ آخَرِيْنَا
كفت "إن" "ما" عن العمل في الخبر في لُغة أهلِ الحجازِ.
ما بعد البيت (^٣):
مُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُ … يَضَعَ الهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) هو فَروة بن مسيك المرادي، الحماسة الصغرى (الوحشيات) (ص ٢٧). وقيل: هو لذي الأصبع العدواني. ديوانه (ص ٨٣). والشاهد في الكتاب (١/ ٤٧٥)، (٢/ ٣٠٥)، شرح أبياته لابن السيرافي (٢/ ١١٤)، المقتضب (١/ ٥٠)، الأصول (١/ ٢٨٦)، الخصائص (٣/ ١٠٨)، المنصف (٣/ ١٢٧)، المحتسب (١/ ٩٢)، الأزهية (ص ٤٠)، التبيين (ص ٣٩٣)، شرح الرضى (١/ ٢٤٦)، الخزانة (٢/ ١٢١)، (٤/ ٤٨٧).
(٣) قال ابن المستوفي: هذا البيت هو لدريد بن الصمة القشيري من أبيات يقولها للخنساء، وهي تُماضر امرأة (كذا) عمرو بن الحارث بن الشريد … قال منها: حَيُّوا تُمَاضِرَ واربَعُوا صَحْبي … وقِفُوا فإنّ وُقوْفَكُم حَسْبي أخُنَاسُ قد هامَ الفُؤادُ بكُمْ … وأَصَابَهُ تَبْلٌ مِنَ الحُبِّ ما إنْ رَأَيْتُ ولا سَمِعْت بِهِ … -كاليَوْمِ- طالِيءَ أنْيُق جُرْبِ مُتَبَذّلًا تَبدو مَحَاسِنَهُ … يَضَعَ الهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ" أقول: في هذا الكلام خطأ في موضعين: الأول: أنه نسبه إلى قشير، وهو جشمي وأين قشير من جشم؟ فهذه نجدية والأخرى حجازية. والذي سبق قلمه إليه: هو الصفة بن عبد الله القشيري أما دريد بن الصمة فجشمي كما هو معروف. والمَوْضِعُ الثاني: في قَوله "امرأة عَمْرو" وإنما هي ابنة عمرو فليتأمَل. والأبيات في ديوان دريد (ص ٣٤). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٨٩)، المُنَخّل (ص ١٨٤)، شرح المفصل لابن يعيش: ٨/ ١٢٩، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٤٢).
[ ٤ / ١١٢ ]
ما أن البيت
التَّبَذُّلُ: تركُ التَّضارف. النُّقبُ: جمع نُقبة: بالضَّم، وهي أول ما يَبدو من الجَرَبِ قِطَعًا متفرقةً وهذا مثلٌ للعالم ينتفع بعلمه وعمله.
قال جارُ اللهِ: "وعند الفَرَّاءِ أنَّهما حرفًا نفيٍ ترادفا كترادف حرفي التوكيد في إنَّ زيدًا لقائمٌ وقد يقال: انتظرني ما إن جلس القاضي بمعنى مدة جلوسه".
قال المُشَرِّحُ: وقد تَدخل "إن" المكسورة على "ما" إذا استعملت اسمًا بمعنى الحين كقولك انتظرني ما إن جلس القاضي: أي وقت جلوسه وأما قولهم: ما إن جزاك الله خيرًا [فـ]ـــقد (^١) حمله سيبويه على إضمار القصة في إنَّ المكسور. قال الشيخ أبو علي الفارسي: ولم تضمر القصة مع المكسورة إلا في هذا الموضع.
تَخْمِيْرٌ: أمَّا قولهم: انتظرني ما إن جلس القاضي فـ "إن" ها هنا هي الشرَّطية، ومعناه ما جلس القاضي إن جلس، ونظيره: تلوت تلو النبي (^٢) ومعناه: تلوت النبي (٢) تلوه، أي: اتبعت النبي (٢) الاتباع الذي يليق به. وقولهم: ما إن جزاك الله خيرًا فهي المخففة من المشددة، وما ها هنا وإن التنبيه، والأصل لأن يصرف الكلام إلى الاستفهام بمعنى الإِنكار.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) ويقولون في زيادة "أن": لما أن جاء أكرمتُه، وأما والله أن لو قمت لقمت".
قالَ المُشَرَّحُ: أما معنى "أَنْ" الزيادة فتوكيد معنى الكلام فقط قال (^٣):
_________________
(١) في (أ): "قد حمله … ".
(٢) في (أ): "الشيء".
(٣) سورة العنكبوت: آية ٣٣.
[ ٤ / ١١٣ ]
﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ ودليل ذلك جواز حذفها كما ذكرنا (^١) قال سيبوبه: وأما "أنْ" فتكون بمنزلة لام القسم في قولهم: أما والله أن لو فعلتَ لفعلتُ، قال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: يعني: أن تكون جوابًا إذا أقسم على شيءٍ في أوله "لو"، ولا يكون جوابُه في غير ذلك، إنما جاز ذلك في هذه المواضع خاصةً كراهية للتَّضعيف بإدخال اللَّامِ على اللام وعن الأنباري (^٢): في قوله ﷿ (^٣): ﴿وَأَنْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ من ابتداء بأن أضمر يَمِيْنًا، تأويلها: واللهِ أن لَو استقاموا، ومن لم يبتدأ بها جعلها عطفًا على قوله (^٤): ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ بمعنى أُوحي إلى أن لو استقاموا. [وعلى قوله (^٥): ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ بتقدير: وآمنا به وآمنا أن لو استقاموا] (^٦).
فإن سألتَ: لم زيدت المفتوحة بعد "لما" والمكسورة بعد "ما"؟
أجبتُ: أمَّا المفتوحة فلأن "لما" فيها معنى الشَّرط، كقولك: لما جاءني زيدٌ جئت، و"إن" هي أصل الجزاء فاستقبحوا أن يزيدوا عليها إنْ التي هي أصل الجزاء ولئلا يكون الأصل تابعًا للفرع.
وأمَّا المكسورةُ فإن "ما" لما زيدت على المكسورة وجب أن تزاد على ما يشاكل لفظ المكسورة و(^٧) في ذلك أيضًا تحقيق النفي وتأكيده، لأن كلًا منهما في الأصل للنفي.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتقول في زيادة "ما" غضبت من غير ما جرم وجئت لأمر ما، وإنما زيدٌ منطلق، وأينَما تجلس أجلس، وبعينٍ مَّا أَرَيَنَّك
_________________
(١) في (أ): "قلنا".
(٢) النص في كتابه إيضاح الوقف والابتداء (٢/ ٩٥١، ٩٥٢).
(٣) سورة الجن: آية ١٦.
(٤) سورة الجن: آية ١.
(٥) سورة الجن آية ٢.
(٦) ساقط من (ب).
(٧) في (ب).
[ ٤ / ١١٤ ]
وقالَ الله تَعالى (^١): ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ وقال (^٢): ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وقال (^٣): ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ وقال (^٤): ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ وقال (^٥) ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ وقال (^٦): ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ".
قالَ المُشَرِّحُ: عضبت من غيرِ ما جُرْمٍ البَتَّة وجئت لأمرٍ مَّا، أي: ما جثت إلا لأمرٍ، وإنَّما زَيْدٌ (^٧) منطلقٌ أي: إنَّ زيدًا منطلق. ما في قولهم: أينما تجلس أجلس هي المسلطة كقولك: حيثما تكن أكن، وإذا ما تفعل أفعل وإذا ما تأتني أكرمك، هذه الأسامي (^٨) كانت تضاف إلى الجُمل غير عاملة فصارت (^٩) ما من حروف المجازاة، كذلك "أين" كانت ظرفًا تعمل فيها العوامل فيما هي التي سلطته على المجازاة فصارت تعمل الجزم. بعين ما أَرَيَنَّكَ: هذا مثل يضرب في استعجال الرسول قال الغوري: أي: أعجل وكن كأني أنظر إليك. وعن ابن كيسان "ما" لا موضع له من الإِعراب، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم و﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: فبرحمة من الله، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ أيَ: أي الأجلين و﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي وإذا أنزلت سورة، وقد تدخل "ما" لغوًا مع حرف التشبيه في مثل قوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ليدل على أن وجود أحد الشيئين مشبه لوجود الآخر فقط، وهذا المعنى ذكره أبو سعيد السيرافي، ونحوه إنه لحق مثل ما أنك ترى الشمس.
_________________
(١) سورة النساء: آية ١٥٥.
(٢) سورة آل عمران: آية ١٥٩.
(٣) سورة (المؤمنون): آية ٤٠.
(٤) سورة القصص: آية ٢٨.
(٥) سورة التوبة: آية ١٢٤.
(٦) سورة الذاريات: آية ٢٣.
(٧) في (أ): "زيدا".
(٨) في (أ) "الأسمآئي".
(٩) ساقط من (ب).
[ ٤ / ١١٥ ]
قال جارُ اللهِ: " [(فصل) وفي زيادة "لا"] (^١) قال الله تعالى (^٢) ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: ليعلم وقال (^٣): ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وقال العَجَّاجُ:
* في بئرٍ لا حُوْرٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ *
ومنه: ما جاءني زيدٌ ولا عمرو، قالَ الله تعالى (^٤): ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ وقال (^٥): ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ ".
قالَ المُشَرِّحُ: وأمَّا معنى "لا" التي هي صِلةٌ، فتوكيد معنى الكلام الموجب فقط على أن دخولها فيه وخروجها منه بمنزلة واحدة إلا من جهة التوكيد، كما أن "ما" التي هي صلة بهذه المنزلة وذلك نحو قول الله ﷿ ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: ليعلم، وقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ أي: فأقسم، ودليله ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ عقيبه. وقوله (^٦) ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد، ومثله كثير. في النحويين من يقول: إنما جاز أن تؤكد الإِيجاب بحرف النّفي، لإِظهارِ أن هذا المعنى ليس مما يشك فيه أنه على الإِيجاب قالَ عليُّ بن عِيْسى: وإنما جاز أن يكون حرف النّفي صلة على طريق التَّوكيد، لأنه بمنزلة نفي النَّقيض في مثل قولك: ما جاء إلا زيدٌ، فهو إثبات قد نفي فيه النقيض وحقق المجيء إلى زيدٍ فكأنه قيل في قوله (^٧): ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أقسم بيوم القيامة، ولا يجوز الامتناع من القسم بيوم القيامة، فيكفي من هذا دخول "لا" صلة،
_________________
(١) ساقط من الأصل.
(٢) سورة الحديد: آية ٢٩.
(٣) سورة الواقعة: آية ٧٥.
(٤) سورة النساء: آية ١٣٧.
(٥) سورة فصلت: آية ٣٤.
(٦) سورة الأعراف: آية ١٢.
(٧) سورة القيامة: آية ١.
[ ٤ / ١١٦ ]
وكذلك "ما" في قوله (^١): ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ كأنه قيل: فبرحمة من الله لنت لهم، ولا يجوز أن يقال خلاف ذلك، من أنك لنت لا برحمة من اللهِ وكذلك قوله (^٢):
* فِي بِئْرِ لا حُوْدٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ *
أي: ما سرى في بئر حور. "لا" في قولك: ما جاءني زيد ولا عمرو هي المحققة للنفي. قال عليُّ بن عِيْسى: ولو قلت: ما جاءني زيد وعمرو لاحتمل أن يكون إنما نفيت أن يكونا اجتمعا في المجيء. والفرق بين المُحَقِّقَةُ والصلة، أن الصلة لا تحتاج إلى تقديم نفي، ولا إلى شيئين، إنما تأتي مؤكدة فقط، وتقع أولًا حشوًا عندنا خلافًا للفراء فإنه لا يجوز عنده أن تكون "لا" صلة إلا أن يتقدمها نفيٌ أو معنى نفي وأمَّا المُحقِّقَةُ فالنفي يكون في الشيئين وكذلك "لا" في قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ هي المحققة. وأمَّا قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فـ"لا" هي الصلة، المعنى لا تستوي الحسنة والسيئة] (^٣) لأن استوى من الأفعال التي تطلب اسمين فصاعدًا كاختلف واختصم. وقيل: دخلت "لا" في السّيئة لتحقيق أنه لا يتساوى ذا ذا، ولا ذاك ذا، وفي (حاشية
_________________
(١) سورة آل عمران: آية ١٥٩.
(٢) البيت للعجاج ديوانه (١/ ٢٠) من أرجوزة طويلة يمدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر، أولها: قد جبر الدين الإِله فجبر وعور الرحمن من ولي العور توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٨٩)، المنخل (ص ١٨٤)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٣٦)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٤٣، ٢٤٤). وينظر: معاني القرآن للفراء (١١/ ٨)، الخصائص (٢/ ٩٥)، خزانة الأدب (٢/ ٩٥)، (٤/ ٤٩٠). كتب في هامش نسخة (ب) على هذا البيت: "في بئر حور، أي: هلاك ولا زائدة، وأنكر الفراء أن تكون "لا" في هذا البيت صفة فقال: هي جحدٍ محض كأنه قال: في بئر ما لا يجير عليه شيئًا، أي: لا يرد عليه شيئًا، والعرب تقول: طحت الطاحية فما أحارت شيئًا أي: لم يبق لها أي عمل" وينظر معاني القرآن للفراء (١/ ٨).
(٣) ساقط من (أ).
[ ٤ / ١١٧ ]
المفصل) (^١) حور: جمع حائر من حار إذا هَلَكَ ونظيره على ما حكاه الغُوري قُتل: جمع قاتلٍ، قال الأعشى (^٢):
* أنا لأثقالكم يا قومنا قُتُل *
وبُزل جمع بازلٍ، وقُرح جمع قارحٍ وهذه الكلمة الأخيرة مما رأيتُه في (حاشية الجامع) (^٣) للغوري.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتُزاد "من" عند سيبويه (^٤) في النفي خاصة لتأكيده وعمومه وذلك نحو قوله تعالى (^٥): ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ والاستفهام كالنفي، قال الله تعالى (^٦): ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ وقال (^٧): ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، وعن الأَخفش زيادتها في الإِيجاب".
قال المُشَرِّحُ: وأمَّا معنى "من" فدلالتها على تأكيد النفي على العموم كقولك: ما أتاني من أحدٍ [قال سيبويه ولو قلت: ما أتاني أحد] (^٨) كان عمومًا وكلامًا مستقيمًا ولكنك أكدت بمن وقال أيضا: ومنزلته في هذا بمنزلة الباء في قولك: ما زيدٌ بقائم. وقال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ إنما تُزاد "من" في هذا الباب لأن فيها (^٩) تأول البعض إذ قد نفى كل بعض الجنس الذي نفاه مفردًا، كأنه قال: ما جاءني زيدٌ ولا عمرو ولا غير ذلك من أبعاض هذا الجنس ﴿مَا
_________________
(١) لم يرد في نسختي من الحاشية.
(٢) ديوان الأعشى (ص ٤٧) (الصبح المنير) وروايته هناك كاملًا هكذا: كلا زعمتم بأنا لا نقاتلكم … أنا لأمثالكم يا قومنا قتل
(٣) تقدم التعريف بهذا الكتاب في الجزء الأول.
(٤) الكتاب (١/ ٣٦٢).
(٥) سورة المائدة: آية ١٩.
(٦) سورة ق: آية ٣٠.
(٧) سورة فاطر: آية ٣.
(٨) ساقط من (أ).
(٩) في (أ): "فيه".
[ ٤ / ١١٨ ]
جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ بدل مفرد أي: (^١) ما جاءنا بشيرٌ. الاستفهام في زيادة "من" كالنفي، ومن ثم كان الكلام معه غير موجب كما مع النفي، ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: ما في مزيد وقيل: معناه: هل من زيادة للأعداء على أنه طلب للزيادة ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أي: هل خالق غير الله. عند الأخفش تزاد "من" في الإِيجاب (^٢) كقوله تعالى (^٣): ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ وقد مضى.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وزيادة الباء لتأكيد النفي والإِثبات في نحو: ما زيد بقائم، وبحسبك زيد، و﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ (^٤) ".
قال المُشَرِّحُ: زيدت الباء في ما زيد بقائم لتراخي الخبر عن حرف النفي لثقله به، وأما قولك: بحسبك زيد، وكفى بالله فدخلت الباء فيه لتحقيق إضافة الفعل إلى الفاعل على سبيل المبالغة لأن المعنى بحسبك زيد، ويكفيك الله ما في هذا الكلام [نوع نظر] (^٥)، وذلك أنه يقتضي أن تكون الباء في بحسبك زيد، وكفى باللهِ مزيدة لتأكيد النفي، وأنها ليست كذلك، نظيره رباط الخيل لغُزَاة الرُّوم بنواحي (^٦) خلاط ورساتيق (٧) أرمينية فإن قوله: ورساتيق أرمنية يقتضي أن يكون رباط الخيل برساتيق (^٧) أرمينية فإن
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) تقدم رأي الأخفش.
(٣) سورة إبراهيم: آية ١٠. ولم يذكر الأخفش في المعاني هذه الآية في موضعها فلعله ذكرها في موضع آخر.
(٤) سورة النساء: آية ٦.
(٥) في (ب) يسوع بظن.
(٦) في (ب): "رساتيق".
(٧) في (ب): "نواحي". ولم أتمكن من تصحيح أي من العبارتين في الفروق الثلاثة والأندلسي نقل النص إلى كتابه ولكنه تجاوز هذه العبارات ولم ينقلها. وخلاط بلد في الثغور معروفة. معجم البلدان (٢/ ٣٨١). =
[ ٤ / ١١٩ ]
قوله: ونواحي أرمينية لغُزاة الرُّوم، وكذلك ها هنا.
فإن سألت: فما بالهم قد حكموا على أن الباء في قولك: ما زيد بقائم مزيدة، مع أنها لتأكيد النفي، واللام في قولك: ان زيدًا لقائم غير مزيدة مع أنها لتأكيد معنى الابتداء؟
أجبتُ فيه حرفان: الحرفُ الأول: أن الباء أبدًا تقع في الطي فلا يلتفت إليها لتمام المعنى بدونها بخلاف اللام فإنها تقع في الصدر وكذلك لزيد منطلق، و﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ وأما إنَّ زيدًا لقائم فلدخول إنّ.
الحرف الثاني: -وعليه الاعتماد- أن خبر ما لا يكون على أصله [وهو النصب، حتى تكون الباء زيادة بخلاف اللام فإن خبر المبتدأ على أصله] (^١) وإن لم تكن اللام زيادة.
تخمير: هذه الحروف لها اشتراكات، فمن والباء جارّتان، ولا وأن للاستقبال وإن وما لنَفي الحال.
_________________
(١) = والرستاق: المنطقة الواسعة تضم مدن وقرى فارس. المعروف للجواليقي (ص ١٥٨).
(٢) ساقط من (أ).
[ ٤ / ١٢٠ ]
قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف:
(حرفا التفسير)
وهما "أيْ" و"أنْ"، تقول نحو قوله ﷿ (^١): ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومه، فكأنك قلت: تفسيره: من قومه، أو معناه: من قومه، قال الشَّاعر (^٢):
وتَرْمِيْنَنِي بالطَّرْفِ أَيْ أنْتَ مُذْنِبٌ … وتَقْلِيْنَنِي لكنَّ إِيَّاكِ لا أَقْلِي"
قال المُشرِّحُ: إنما (^٣) صلحت "أي" للتَّفسير؛ لأنَّه حرف تنبيهٍ، وتفسيرُ الشَّيءِ تنبيهٌ على معناه، كأنه قالَ: تفسير رَميته بالطَّرف أي: أنت مذنب، لكن إياك: أي لكنّني، ونظيره قول أبي الطيب (^٤):
_________________
(١) سورة الأعراف: آية ١٥٥.
(٢) لم ينسب إلى قائل معين. توجيه إعرابه وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٩٠)، المنخل (ص ١٨٥)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٤٠). وينظر: المغني (ص ٧٦، ٤٠، ٤١٣)، شرح شواهده (ص ٨٣)، شرح أبياته الهمع (٢/ ٨٧)، الخزانة (٤/ ٤٩٠).
(٣) نقل ابن المستوفي في إثبات المحصل (ص ١٩٠) شرح هذه الفقرة كاملًا.
(٤) شرح ديوان المتنبي المنسوب إلى العكبري (١/ ٣٧٧).
[ ٤ / ١٢١ ]
تَوَالَتْ بلا وَعْدٍ ولَكِنَّ قَبْلَهَا … شَمَائِلَهُ مِنْ غَيْرِ وَعْدٍ بها وَعْدُ
أي على رواية من روى "شَمَائِلُهُ" بالرَّفع (^١) وقال (^٢):
فَلَوْ كُنْتُ ضَيِّبًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي … ولكنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيْمُ المَشَافِرِ
ومنه ما أنشده الإِمامُ عبدُ القَاهِرِ الجُرْجَانِيُّ في فصل (^٣) بيان المفتوحة والمكسورة من كتابه الموسوم بـ (مفتاح الإِعراب) (^٤).
* فَلَوْ أنَّ حُقَّ اليَوْمَ مِنْكُمْ إِقَامَةٌ (^٥) *
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وأمّا أنْ المفسرة فلا تأتي إلا بعد فعل في معنى القول كقولك: ناديته أنْ قُمْ، وأمرته أَنْ اقعُد، وكتبت إليه أن ارجع".
قال المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ (^٦): و"أن" التي بمعنى "أي" تحتاج إلى ثلاثة أشياء (^٧).
أولها: أن يكون الفعلُ الذي تفسره فيه معنى القَول، وليس بقول.
والثَّاني: أن لا يَتَّصل بها شيءٌ من صلة الفعل الذي تفسره، لأنه إِذا اتصل به شيء صار من جملته، ولم يكن تفسيرًا له، وذلك قولك: أوعزت
_________________
(١) قال ابن المستوفي: "قلت: الرّواية في بيت المتنبي بالنصب كما قرأته في كثير من النسخ".
(٢) جاء في إثبات المحصل وشرح الأندلسي: "قال الخوارزمي حذف هنا الاسم كما في قول لآخر: * ولكن زنجي عظيم المشافر *
(٣) في (أ): "في تصديق" وما أثبته من (ب). يؤيده ما نقله ابن المستوفي في إثبات المحصل عن الخوارزمي.
(٤) لم أقف عليه. وهو غير (المفتاح) المنسوب إليه في الصرف؟!.
(٥) البيت للرَّاعي النميري في ديوانه (ص ١٦٧) وخرجه صديقنا (راينهوت) تخريجًا حسنًا. وتمامه: * وإِنْ كَانَ سَرْحٌ قَدْ مَضَى فَتَسَرَّعَا *
(٦) شرح الكتاب (٤/ ٥١).
(٧) في شرح السيرافي: "شرائط".
[ ٤ / ١٢٢ ]
إليه بأن (^١) افعل (^٢) لأن الباء تصل الثاني بالأول وصل الناقص بما يتممه وتفسير الكلام لا يكون إلا بعد تمامه.
والثَّالثُ: أن يكون ما قبلها كلامًا تامًا، لأنها وما بعدها جملة تفسر جملة قبلها ومن أجلَ ذلك قَوْلُه (^٣): ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ونحوه بمعنى "إنه" ولم يصلح أن يكون بمعنى "أي"، لأن ما قبلها غيرُ تامٍّ، وهو مُبتدأ لا خبرَ معه فافهم ذلك. ومعنى قول أبي سَعِيْدٍ: وليس يقول احترازًا عما لو قُلتُ له: أن قم لم يجز، لأن القول يحكي ما بعده ويؤتي باللَّفظ الذي يَصلح في ابتداء وقوعه.
قال جارُ الله: "وبذلك فُسّر قولُهُ ﷿ (^٤): ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ وقوله (^٥): ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: الخليلُ (^٦): "أن" في هذه المنزلة بمنزلة "أي"، لأنك إذا قُلت: انطلق بَنُو فلانٍ أن امشوا فأنت لا تريد أن تخبر أنهم انطلقوا بالمشي، ولكن تريدُ انطلقوا، فقال بعضهم لبعض: امشوا. وقيل: انطلقوا بمعنى تكلموا، كما يقال: انطلق فلان في الحديث، ويقال: امشوا أي: أكثروا، والمشاء: هو النَّماء ومنه سُمّيت الماشِيَةُ، وأهل الكوفة يجعلون "أن" في موضع نصب بإسقاط الجار، كأنه قال: انطلقوا بالمشي أي: بأن قال بعضهم لبعض: امشوا، كأنّه قيل: انطلقوا بهذه الحال، وهذا تنبيه على أن "أن" هي المصدرية تسمي "أن" المُفسرة "أن" التي للعبارة.
_________________
(١) في (أ): "أن" وما في (ب) يؤيده شرح السيرافي.
(٢) بعد كلمة "افعل" في (أ) "كذا" وليست هذه الكلمة في شرح السيرافي.
(٣) سورة يونس: آية ١٠.
(٤) سورة ص: آية ٦.
(٥) سورة الصافات: آية ١٠٤.
(٦) الكتاب: ١/ ٤٧٩، شرحه للسيرافي (٤/ ٥٠).
[ ٤ / ١٢٣ ]
قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف:
(الحرفان المصدريان)
وهما "ما" و"أن" في قولك: يعجبني ما صنعت، وما تصنع أي: صنعك قال الله تعالى (^١): ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: برحبها".
قال المُشَرِّحُ: أما معنى "ما" التي هي مع الفعل بمنزلة المصدر فدلالتها مع الماضي على معنى المضي ومع المضارع على معنى الحاضر أو المستقبل من ذلك الفعل، وذلك: سرني ما صنعت أمس، و"ما نفعني مال ما نفعِني مال أبي بكر"، وشمرني ما تصنعه الآن أو غدًا، أي: ما تريد صنعه غدًا.
قال جارُ اللهِ: "وقَدْ فُسِّرَ به قَوْلُهُ ﷿ (^٢): ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ قال الشَّاعر (^٣):
_________________
(١) سورة التوبة: آية ١١٨.
(٢) سورة الشمس: آية ٥.
(٣) قال ابنُ المُسْتَوْفي في إِثبات المُحَصّل (ص ١٩٠): نصفه الأول في شِعر الرَّبيع بن أبي الحُقيق، وروى لقيس بن الخَطيم، ويروي: =
[ ٤ / ١٢٥ ]
يُسَرُّ المَرءُ ما ذَهَبَ اللَّيَالِي … وَكَانَ ذَهَابُهنَّ له ذَهَابَا"
قالَ المُشَرِّحُ: الرِّوايةُ: "يُسَرُّ" مَبْنِيًّا للفاعِل، و"المَرْءُ" منصوبٌ و"ما" في محلّ الرَّفْعِ بأنه فاعلُ "ذهب". ولو رُويَ "يُسَرُّ" مبنيًا للمفعول و"المرءُ" مرفوعٌ بأنه فاعلُ "يسرُّ"، و"ما" للمُدَّة لكانَ وجهًا وأنشد الشَّيخُ (^١):
أَعدّ سِنِيْنِي فَارِحًا بمُرُوْرِهَا … ومَأْتَى المَنَايَا مِنْ سِنِيٍّ وأَشْهُرُ
علي بن عيسى: إنما أعملت "أن" في الفعل المضارع ولم تعمل "ما" لأن "أن" نقلته نقلين إلى معنى المصدر والاستقبال، و"ما" لم تنقله إلَّا نقلًا واحدًا، إلى معنى المصدر فقط، وكلُّ ما كان أقوى على تغيير معنى الشيء كان أقوى على تغيير لفظه.
قال جارُ الله: "وتقول: بَلَغَني أن جاء عمرَّو، وأريد أن تفعلَ وإِنَّه أهلٌ أن يفعلَ وقال اللَّه تَعالى (^٢): ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ ".
قالَ المُشَرِّحُ: أما معنى "أن" المفتوحة التي هي مع الفعل بمنزلة المصدر فدلالتها مع المُضي على معنى الاستقبال لأنَّها يدخل عليها، ولا تقع الحال، ولا تعمل إلا في باب المستقبل ويُدل على إيجابها المستقبل أنَّك إذا
_________________
(١) = يَوَد المَرْءُ ما نَفِدَ اللَّيالي … وكان فناؤهُنَّ له فَنَاءُ يحب المَرءُ ما تفد اللَّيالي … كأن نَفَادُهُنَّ له بَقَاءُ وبعضُ القول ليس له عِيَاجٌ … كمحض الزّبْد له اتّقَاءُ يحبّ المرءُ أَن يَلقى نَعِيْمًا … ويَأْبَى الله إلا ما يَشَاءُ ثم قال: "نقلته من خط محمد بن علي بن عبد العزيز بن إبراهيم بن حاطب النعمان". توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٩٠)، المُنخل (ص ١٨٥)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ٤٢)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٤٩). وينظر: التصريح (١/ ٢٦٨)، الهمع (١/ ٨١). والأبيات في مواضع متفرقة من ديوان قيس.
(٢) حاشية المفصل (ص ١٣٩) ونسبه إلى البحتري. ولم أجده في ديوانه.
(٣) سورة النمل: آية ٥٦.
[ ٤ / ١٢٦ ]
قلت: أن تَأتني خيرٌ لك لم تقصد إلا إتيانًا يقع في زمان. ذكره الإِمام عبد القاهر الجُرجاني في (شرح المائة) (^١). قوله: وإنه أهلٌ أن يفعلَ -بالتَّنوين- أي أهلٌ لذلك، وإن شئت أصفتَ بمعنى أهل ذلك ونحوه أتيته مخافةً أو مخافةَ أن يفعل، والأول هو المَرْوِيُّ عن الشيخ -﵀-.
تخمير: الفرقُ (^٢) بين ذكر "أَنْ" مع الفعل بمعنى المصدر وبين الإِفصاح بذكر المصدر من وجهين:
أحدُهما: -فيما ذَكَرَهُ عليُّ بن عِيْسَى- أنَّ ذكرَ المصدر بمنزلة المُجمل، لأنه يحتمل الفعل (^٣) الذي نُسب إلى فاعله، والمفعول (^٤) الذي فعل به والفاعل (^٥) الذي فعله، وإذا ذكرت "أن" مع الفعل فقد أفصحت بالمعنى الذي أردت من ذلك مثال ذلك: أعجبني ضربُ زيدٍ وأن ضُرِبَ زيدٌ، وأن يُضربَ زيدٌ.
والآخر: أن ذكر المصدر لا يدلُّ على زمانٍ بعينه وذكر "أن" مع الفعل تدل على أن الفعل وقع مع فاعله فيما مَضى. أو يقع فيما يأتي نحو ما ذكرنا.
وفرقٌ ثالثٌ: وهو أن "أن" وصلتها له شبه بالمُضمر في أنه لا يوصف كما [لا] (^٦) يوصف المُضمر ولذلك اختار أبو عُمَر الجَرْمِيّ في ﴿الْبِرَّ﴾ من قوله تعالى (^٧): ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ النَّصب (^٨) لأنه إذا اجتمع
_________________
(١) لم أعثر عليه.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ٢٥٠) هذا النص إلى شرحه وقرنه بسابقه وحذف كلمة (تخمير).
(٣) في (ب).
(٤) في (أ): الفاعل.
(٥) ساقط من (ب) موجود في نص الأندلسي.
(٦) في (ب).
(٧) سورة البقرة: آية ١٧٧.
(٨) هي رواية حفص عن عاصم وكثير من القراء.
[ ٤ / ١٢٧ ]
مظهرٌ ومضمرٌ فالوجهُ أن يكونَ المضمرُ الاسمُ من حيث أنه أذهب في الاختصاص من المُظهر.
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وبعضُ العَربِ يرفعُ الفعلَ بعد "أن" تشبيهًا بـ "ما" قال:
أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا … مِنِّي السَّلامَ وأن لا تُشْعِرَا أَحَدَا"
قالَ المُشَرِّحُ: ما قبل البَيْتِ (^١):
يا صَاحِبَيَّ فَدَتْ نَفْسِي نُفُوْسَكُمَا … وحيثُما كُنْتُمَا لَاقَيْتُمَا رَشَدَا
أَنْ تَحْمِلَا حاجَةً قَدْ خَفَّ مَحْمَلُهَا … وَتَصْنَعَا نِعْمَةً عِنْدِيْ بِهَا وَيَدَا
"أن تَحْمِلَا حاجةً" في موضعِ النَّصْبِ بفعلٍ مُضمرٍ دَلَّ عليه ما مَضَى من النِّداء والدُّعاء، تقديره أسألكما.
قال جارُ الله: "وعن مُجَاهِدٍ (^٢): ﴿أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ (^٣)﴾ بالرَّفْعِ".
قال المُشَرِّحُ: ﴿يُتِمَّ﴾ بضم التاء والرَّضاعةَ بالنصب.
_________________
(١) الأبيات الثلاثة لم تُنسب إلى قائلٍ معين. توجيه إعراب الشاهد وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٩١)، المنخل (ص ١٨٦)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٤٣)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٥٠). وينظر: مجالس ثعلب (ص ٣٩٠)، شرح الكتاب لأبي سعيد (١/ ٨٠)، المنصف (١/ ٢٧٨)، الإِنصاف (ص ٥٦٣)، الجنى الداني (ص ٢٢٠)، المغني (ص ٢٨)، شرح شواهده (ص ١٠٠)، شرح أبياته (١/ ١٣٥)، الخزانة (٣/ ٥٥٩).
(٢) قراءة مجاهد في البحر المحيط (٢/ ٢١٣).
(٣) سورة البقرة: آية ٢٣٣.
[ ٤ / ١٢٨ ]
قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف:
(حُروف التَّحضِيْض)
وهي: "لَوْلَا"، و"لَمَّا"، و"هَلَّا"، و"أَلَا" تقول: لولا فعلتَ كَذَا، ولو ما ضَرَبْتَ زيدًا وهلَّا مررتَ به، وأَلَا قُمْتَ: تريدُ استبطاءَه وحثَّه على الفِعْلِ ولا تَدْخُلُ إلا على فعلٍ ماضٍ أو مستقبلٍ قالَ الله تَعالى (^١): ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ (^٢) وقال (^٣): ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ وقالَ (^٤): ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: سيبويه (^٥) "لولا" و"لوما" و"هلا" و"ألا" معناها واحدٌ وهو التَّحضِيْضُ، وقال الفَرَّاءُ: معناها لَوْمٌ على ما كان، وحثٌّ على ما يكون، وقالَ غيرهما: معنى "لولا" و"لو ما" للتحضيض أو التأنيب وذلك: قولك في التحضيض: لولا تزورني، وفي التَّأنيث: لولا زرتني أي: لم تزرني، قال
_________________
(١) سورة (المنافقون): آية ١٠.
(٢) هذه الآية مؤخرة عن ما بعدها حسب ورودها في (المفصل).
(٣) سورة الحجر: آية ٧.
(٤) سورة الواقعة: آية ٨٦.
(٥) الكتاب (٢/ ٣١٦).
[ ٤ / ١٢٩ ]
الله تعالى (^١): ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ وقال: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾.
قال جارُ الله: "فإن وقع بعدها اسمٌ منصوبٌ أو مرفوعٌ كان بإضمار رافعٍ أو ناصبٍ، كقولك: لِمَنْ ضَرَبَ قَوْمًا: لَولا زَيْدًا، أي: لَولا ضَرَبْتُهُ، قال سيبويه: وتقول: لولا خيرًا من ذلك وهلَّا خيرًا من ذلك أي: هلا تفعل خيرًا من ذلك قال: ويجوز رفعه على معنى هلا كان منك خير من ذلك قال جرير:
تَعُدُّوْنَ عَقْرَ النِّيْبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُمْ … بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلَا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا"
قالَ المُشَرِّحُ: حكم هذه الحُروف أن يليها الفِعل لا غير، لأنَّ الحَضّ على الشيءِ معناه: تَوكيد الأمرِ بفعله. ومتى وليها اسمٌ كقولك: لولا زيدٌ أضمرت (^٢) بعدها الفعل ويجوز فيه النَّصب نحو لولا زيدًا أي: لولا ضربت زيدًا، وإنما حُسن إضمار الفِعل فيها وتأخيره دون غيرها من الحروف التي يليها الفعل نحو "قد" و"لم" وشبههما؛ لأنَّ هذه الحروف لما جُعل فيها معنى التخصص واستدعاء الفعل صارت كأنها أفعال فجاز إيلاءُ [الاسم] (^٣) إياها تَشْبِيْهًا لها بالفعل، وحذف الفعل معها لذلك.
فإن سألتَ: هذه الحروف كما جُعل فيها معنى التَّحضيض فكذلك قد (^٤) جُعل فيها معنى التَّقريب، ولم يُجعل فيها معنى النَّفي وكما أن التخصيص فعل فكذلك التَّقريب والنَّفي.
أجبتُ: التَّحضيضُ من حيثُ أنه [حضٌّ] (^٥) يستدعي الفعل بخلاف
_________________
(١) سورة النور: آية ١٣.
(٢) في (ب): "أضمر".
(٣) في (أ): "الفعل".
(٤) في (ب).
(٥) في (أ): "تحضيض".
[ ٤ / ١٣٠ ]
التقريب والنفي فإنهما من حيث أنهما تقريب ونفي لا يستدعيانه، إنما خرجت "لو" عن معناها بدخول "لا" و"ما" عليها إلى معنى التَّحضيض لما فيها من معنى الطَّلب للفِعل المُتمنى والمَحضُوض عليه. الضَيْطَرُ: هو الرَّجُلُ الضَّخمُ الذي لا غَناءَ عنده، وكذلك الضَّوْطَرَى. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهرِ الجُرْجَانِيُّ (^١): لولا تعدون الكَمِيّ أو لولَا تَعْقِرُوْنَ. وفي (حاشية المفصل) (^٢): يُحكى أنَّ [أبا] الفَرَزْدَق (^٣) وهو غالبٌ [من بني مالك] (^٤) عاقر على ما مضى سُحيمَ بن وُثَيْلٍ اليَرْبُوْعِيَّ فعقره غالب، وغالب (^٥) فيما حكاه الإِمام عبد القاهر الجرجاني هو الذي أتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (^٦) فقال له: من أنت قال: غالب، فقال أميرُ المؤمنين -﵁-: صاحبُ الإِبل الكثيرة قال: نعم، قال: ما فعلت إبلك؟ قال دعدعتها النَّوائب وفرقتها الحقوق فقال: ذلك خيرُ سبلها (^٧).
_________________
(١) المقتصد (١/ ٢٢١).
(٢) النص غير موجود في نسختي من الحاشية. وهو في المقتصد.
(٣) القصة مشهورة في كتب الأدب والأخبار ينظر مثلًا النقائض (ص ٤١٧)، الأمالي لأبي علي (٣/ ٥٣) وغيرها. وسحيم بن وُثَيْلٍ شاعر من بني رياح من تميم أخباره في الشعر والشعراء (ص ٢٦٤٣)، الاشتقاق (ص ٢٢٤)، غالب بن صعصعة جد الفرزدق من سادات بني تميم. النقائض (ص ٤١٤)، جمهرة أنساب العرب (ص ٢٢٧).
(٤) في النّسختين "جدُّ الفرزدق" وإنما هو أبوه لا جده، وما بين القوسين كذا وردت في النسختين أيضًا، وأبو الفرزدق ليس من بني مالك ولا أبوه يُسمى مالكًا؟!.
(٥) ساقط من (ب).
(٦) في (ب): "كرم الله وجهه".
(٧) الشاهد لجرير في ديوانه (ص ٩٠٧). وتوجيه إعراب وشرحه في: إثبات المحصل: ١٩١، المنخل: ١٨٦ شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٤٤)، شرحه للأندلسي: ٣/ ٢٨٣. وينظر: مجاز القرآن (١/ ٥٢، ١٩١، ٣٤٦)، الجمل (ص ٢٤٥)، شرح أبياته (الحلل) (ص ١٢٨)، الإِيضاح (ص ٢٩)، شرح أبياته (إيضاح أبيات الإِيضاح) (١/ ٦٧)، المقتصد (١/ ٢٢١)، الخصائص (٢/ ٤٥)، أمالي ابن الشجري (١/ ٢٧٩، ٣٣٤)، (٢/ ٢١٠)، الجنى الداني (ص ٦٠٦)، الخزانة (١/ ٤٦١)، شرح أبيات المغني (٥/ ١٢٣).
[ ٤ / ١٣١ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ): ولـ "لولا" و"لوما" معنى آخر وهو امتناع الشيء لوجود غيره، وهما في هذا الوجه داخلتان على اسم مبتدأ كقولك: لولا علي لهلك عمر".
قال المُشَرِّحُ: "لولا" و"لوما" في هذا الوجه يدخلان على جملتين ابتدائية وفعلية، لربط الثانية بالأولى، والجملة التي تليها هي الابتدائية، والتي هي جوابها الفعلية، وذلك قولك: لولا زيد بالبصرة لخرج بكر. قال أبو سعيد السيرافي: والأصل فيه: زيد بالبصرة خرج بكر فلا تتعلق إحدى الجملتين بالأخرى، فإذا دخلت لولا علقت إحداهما بالأخرى فصارت الأولى شرطًا والثانية جَزَاءً، ويكثر فيهما حذف الخبر من الشرط كقولك: لولا زيدٌ لجاءني بكرٌ، أي: لولا زيدٌ عندي. قال سِيْبَوَيه (^١): "لولا" و"لوما" لابتداء وجواب فالأول: سبب ما وقع، وما لم يقع يعني أنك تقول: لولا زيدٌ لزرتك، فزيد سببُ أنه لم يزره، ولولا زيد لم أزرك، فزيد سبب أنه زاره.
_________________
(١) الكتاب (٢/ ٣١٢).
[ ٤ / ١٣٢ ]
قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف:
(حرف التَّقريب)
وهو "قَدْ" يقرب الماضي من الحال، إذا قلتَ: قد فعل، ومنه قول المؤذن: "قد قامت الصلاة" ولا بدّ فيه من معنى التَّوَقُّعُ. قال سيبويه: وأما "قد" فجوابُ هل فَعَلَ؟ وقال أيضًا: فجوابُ لِمَّا يَفْعَلُ، وقال الخَلِيْلُ: هذا الكلامُ لقومٍ ينتظرون الخَبَرَ".
قال المُشَرِّحُ: و"قد" تدخل على الأفعال خاصة، ومعناها على ثلاثة أوجه:
الأول: وهو فيها الأصل: تقريب الماضي من الخال في الإِخبار كقولك: رأيت زيدًا قد عزم على الخروج أي: عازمًا عليه، وكذلك: كنت أتمنى لقاءَ زيدٍ وقد لقيته أي: فيما قرُب من الحال.
الثاني: الإِخبار عن فعل مُتوقع في الحال، ومسئول عنه كقولك: قد ركب الأميرُ، وقد جاءَ زيدٌ لمن يقدَّر أنه يتوقع ذلك، وهذا يرجع إلى معنى التَّقريب، لما فيه من تقريب الفعل من الحال في الإِخبار، لأنه إنما يتوقع ما قرب من الحال. قال سيبويه (^١): وأمَّا قد فعل فجوابُ هل فَعَلَ؟ وقالَ أيضًا:
_________________
(١) الكتاب (٢/ ٣٠٧).
[ ٤ / ١٣٣ ]
فجواب لَمَّا يَفْعَلُ، وقال الخليلُ: هذا الكلامُ لقوم ينتظرون الخبر. أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ (^١): يعني أن الإِنسان إذا سُئِلَ عن فعلِ [فاعل] (^٢) أو علم أنه يتوقع أن يخبر به قيل له: قد فَعَلَ، فإن كان المخبرُ مبتدئًا قال: فعل فلانٌ كَذا وكَذا. ونظير ذلك إذا أردت أن تنفي والمحدث يتوقع إخبارك قلتَ: لمَّا يفعل، وهو نقيض قد فَعَلَ، وإذا ابتدأت قلتَ: لم يفعل إذا قيل لما يفعل فإنك ترد عليه بقد فعل، وإذا قيل: قد فعل فإنك ترد عليه بلمَّا يفعل.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتكون للتَّقليل بمنزلة "ربما" إذا دخل على المضارع كقولهم: إنَّ الكذوب قد يَصدقُ".
قالَ المُشَرِّحُ: الثالثُ: تَقْلِيْلُ الفعل في الإِخبار بمعنى تقريبه من الحال كقولك: قد يَصدق الكاذِبُ، وقد يَعْثُرُ الجوادُ، وذلك لما بين التقريب والتقليل من المقاربة، ألا تَرى أنَّ التقريبَ في الحقيقةِ تقليلُ المَسَافَةِ.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) ويجوزالفصلُ بينه وبين الفعل بالقسم كقولك: قَدْ -واللهِ- أحْسَنْتَ وقد -لَعَمْرِي- بُثُّ ساهِرًا، ويجوز طرح الفعل بعدها إذا فُهم كقوله (^٣):
أَفِدَ التَّرَحُّلُ غيرَ أنَّ رِكَابَنَا … لَمَّا نَزَلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ"
قال المُشَرِّحُ: إنما حَسُنَ الفَصْلُ بين "قَدْ" ولم يحسن في الألف واللام وسوف والسين، لأنَّهم إذا تَوَسَّعُوا في "قَدْ" بإفرادها وطرح ما بعدها لدلالة ما تقدَّمها عليه فلأن يَتَوَسَّعُوا فيه بالفصل أولى.
الرِّوايةُ: "أحسنتَ" بفتح التاء، التاء في "بتُّ" مضمومة "ساهرًا" بالرَّاء لا بالدَّال. "ركابنا" بإضافة ركاب إلى الضمير، لأن ركابَنا جمعُ ركوبةٍ.
_________________
(١) شرح السيرافي (٥/ ١٨٩).
(٢) عن شرح أبي سعيد.
(٣) تقدم ذكره ص: ٨، ٨٨.
[ ٤ / ١٣٤ ]
قال جارُ الله: ومن أَصناف الحرف:
(حروفُ الاستقبالِ)
وهي سوف والسّين و"أن"، و"لا"، و"لن"، قال الخليل: أن سَيَفْعَل، جوابُ لن يَفعل، كما أن ليفعلن جوابُ لا يفعل لما في لا يفعل من اقتضاء القسم".
قالَ المُشَرِّحُ: السين، و"سوف" و"لن" تختص بالمستقبل، وأما "لا" و"أن" فقد يدخلان على الماضي، أن سيفعل جواب لن يفعل، لأنها للاستقبال، إلا أنها في النفي الذي يدل على أن [في] (^١) يفعل اقتضاء قسم أنه يقع في جواب القسم وكذلك قوله: والله لا يفعل.
قالَ جارُ اللهِ: "وفي سوف دِلالةٌ على زيادة تنفيس، ومنه سوفته كما قيل: من آمين أَمَّن، ويُقال: سَفْ أَفْعَلَ".
قال المُشَرِّحُ: ابنُ السَرَّاج: ولما فيها من زيادة معنى السين جاءت أتمّ مما عليه السين.
قال جارُ الله: "وأن" تدخل على الماضي والمضارع (^٢) فتكون معه في تأويل المصدر، وإذا دخل على المضارع لم (^٣) يكن إلا مُستقبلًا كقولك: أريد أن تخرج".
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) ساقط من (ب) وفي المفصل: "على المضارع والماضي".
(٣) في (أ): "لا يكون".
[ ٤ / ١٣٥ ]
قال المُشَرِّحُ: هذا المعنى قد مضى.
قال جارُ اللَّه: "ومن ثم لم يكن منه بدُّ في خبر "عسى" ولما انحرف الشاعر في قوله (^١):
عَسَى طَيِّءٌ من طيءٍ بَعْدَ هَذِهِ … ستُطْفِيءُ غَلَّاتِ الكُلَى والجَوَانِحِ
عما عليه الاستعمال جاء بالسين التي هي نظيرة "أن".
قال المُشَرِّحُ: هذا المعنى أيضًا قد مضى ذكره في الأفعال الناقصة.
فإن سألتَ: أي علّة في الكُلى حتى أُضيف إليها.
أجبت: لأن (^٢) المزاجَ عند ورود الهُمومِ والأحزانِ عليه مما ينفعل فيسخن وإذا سخن المزاج حَمِيَ البَوْلُ واحتدَّ والبولُ ممرُّه على الكُلى فكأنه قال: سيطفئ الغلل التي يظهر في البول أثرها.
قال جارُ اللهِ: "وهي مع فعلها ماضيًا أو مضارعًا بمنزلة "أنَّ" مع ما في خبرها".
_________________
(١) لم ينسبه المؤلف ولا الشارح ها هُنا إلى قائله، ونسبه ابن المستوفي إلى قسامة بن رواحة السنبسي. معجم الشعراء (ص ٣٤٠)، المؤتلف والمختلف (ص ١٨٥). وهو مع أبيات في الحماسة (رواية الجواليقي) وشرحها للمرزوقي (ص ٩٥٨). قال ابن المستوفي: وقبل هذا البيت: دَعَا الطَّيرَ حتَّى أَقْبَلَتْ مِنْ ضَرِيَّةٍ … دَوَاعِي دَمٍ مِهْرَاقَةٍ غيرُ بارحِ ومنها: لبئسَ نَصِيْبُ القَوْمِ مِنْ أَخَويْهِمُ … طِرَادُ الحَوَاشِي استِرَاقُ النَّواضِحِ وَمَا زَالَ من قَتْلَى رِزَاحٍ بِعَالِجٍ … دَمٌ ناقعٌ أو حاسِدٌ غيرُ ماصِحِ توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٩٣)، المنخل (ص ١٨٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٤٨)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٥٧). وينظر: الجنى الداني (ص ٤٦٠)، المغني (ص ٥٣)، شرح شواهده (ص ٩٢)، شرح أبياته (٣/ ٣٤٤)، الهمع (١/ ١٣٠)، الخزانة (٤/ ٨٧).
(٢) قل هذه العبارة ابن المستوفي والأندلسي في شرحيهما، والبغدادي في الخزانة (٤/ ٨٧).
[ ٤ / ١٣٦ ]
قال المُشَرِّحُ: يقول الجملة كما تُنقل (^١) بعد أنّ المشددة مفردًا فكذلك بعد أنْ المُخففة.
فإن سألتَ: فكيفَ جازَ الابتداء (^٢) "بأن" المفتوحة النَّاصبة للفعل ولم يجز "بأنْ" المفتوحة الناصبة للإِسم؟.
أجبتُ: لأن "أنَّ" المشددة لو ابتدئ بها لاستهدفت لدخول "أنَّ" عليها واجتماعهما قبيح.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتميمٌ وأسدٌ يحوِّلُون هَمْزَتَهَا عينًا فينشدون بيتَ ذي الرمة:
* أَأَنْ تَرسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً *
"أَعَنْ تَرَسَّمْتَ" وهي عَنْعَنَةُ بني تَمِيْمٍ. وقد مرَّ الكلام في "لا" و"لن"".
قالَ المُشَرِّحُ: ترسَّمتُ الديارَ: تأمَّلتُ رسومها. الخَرْقَاءَ صاحبة ذِي الرُّمة: وهي من عامرِ بن رَبيعة بن عامر بن صَعصعة منقولة من الخَرْقاء وهي ضد الرَّفيقة، وتَمامُ البيت (^٣):
* ماءُ الصَّبَابَةِ من عَيْنَيْكَ مَسْجُوْمُ *
_________________
(١) في (ب): "تفعل" وفوقها: "تقع" مصححة من نسخة أخرى وما في الأصل يؤيده ما ورد في النص الذي نقله الأندلسي في شرحه (٣/ ٢٥٧) عن الخوارزمي.
(٢) ساقط من الأصل موجود في نص الأندلسي.
(٣) ديوان ذي الرمة (ص ٣٧١). توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل (ص ١٩٣)، المنخل (ص ١٨٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٤٩)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٥٧). وينظر: مجالس ثعلب (ص ١٠١)، الخصائص (٢/ ١١)، سر الصناعة (ص ٢٢٩، ٧٢٢)، شرح شواهد الشافية (ص ٤٢٧)، خزانة الأدب (٤/ ٣١٤، ٤٩٥).
[ ٤ / ١٣٧ ]
قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف:
(حرفا الاستفهام)
وهما: الهمزة و"هل" في نحو قولك: أزيد قائمٌ، وأقامَ زيدٌ، وهل عمرٌو خارجٌ، وهل خرجَ عمرٌو".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة لنقل الجُملة من معنى الخبرِ إلى معنى الاستخبار، وهي نظيرة الميم في أنهما ظرفان. الميم من أول مخارج الحروف، والهمزة من آخرها، وهل لها معنيان: أحدهما الاستفهام.
قال جارُ الله: "والهمزة أعمُّ تصرفًا في بابها من أختها، تقول أزيدٌ عندَكَ أم عمرٌو؟ وأَزيدًا ضربتُ؟ وأتضرب زيدًا وهو أخوك؟.
قال المُشَرِّحُ: والفرق (^١) بين "هل" في الاستفهام وبين الهمزة أن الهمزة تقعُ مواقعَ الاستفهامِ كلِّها، ولا تقع كذلك "هل"، تقول: أزيد عندك أم عمرو بمعنى: أيهما عندك، ولا يجوز أن تقع "هل" في هذا المعنى لأن الاستفهام "بهل" يدور على وجود الفعل وعدمه كقولك: هل تضرب (^٢) زيدًا
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ٢٥٨) شرح هذه الفقرة.
(٢) في (ب): "أبصرت … أم لم تبصره" والتصحيح وما أثبته من (أ) يؤيده ما ورد في نص الأندلسي المنقول عن الخوارزمي.
[ ٤ / ١٣٩ ]
فمعناه: أم لم تضربه (^١)، وكذلك إذا قلت: هل عندك زيدٌ فمعناه: أم ليس عندك، وفرق بين أن تقول: أي الشيئين وجد، وبين أن تقول: هل وجد هذا الشيء أم لم يوجد؟ وتقول: أزيدًا ضربت، ولا تقول: هل زيدًا ضربت لأن قولنا: أزيدًا ضربت معناه: أَم عمرًا، وقد ذكرت أن هل لا تقع هذا الموقع. وتقول: أتضربُ زيدًا، وهو أخوك، لأنَّك في الأول تَدَّعِي أن الضَّرْبَ واقعٌ به لتوبيخه، ولا كذلك في الثاني، لأن موضع "هل" لاستقبال الاستفهام فلا يجاوزه.
تَخْمِيْرٌ: وتكون الهَمزة للتَّقرِيرِ (^٢) ومعنى التَّقرِيْرُ ها هنا أن تلجئ المخاطب إلى الإِقرارِ بأمرٍ قد كان، فإذا قلتَ أضربتَ زيدًا لم يكن غَرَضُكَ أن يُعلمك أمرًا لم تعلمه.
قال الإِمامُ عبدُ القاهر الجُرْجَانِيُّ (^٣): ولكن (^٤) أن تقرره أي: تحمله على الإِقرار بفعل قد فعله.
قالَ جارُ الله: "وتقول لمن قال لك: مررت بزيد، وتوقعها قبل الواو والفاء وثم، قال الله تعالى (^٥): ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ وقال (^٦): ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ وقال (^٧): ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ ولا تقع هل في هذه المواقع".
قال المُشَرِّحُ: أمَّا قولُه: أَبزيدٍ فلأن الهمزة أجلَدُ وأكثرُ تصرفًا فتدخل في بعض الكلام كما تدخل في كله، ولا كذلك "هل" فإنها لا تقتَطِعُ بها (^٨)
_________________
(١) في (أ): "التقريب".
(٢) ساقط من (ب).
(٣) دلائل الإِعجاز (ص ١١٣).
(٤) في شرح الأندلسي: "ولك".
(٥) سورة البقرة: آية ١٠٠.
(٦) سورة هود: آية ١٧.
(٧) سورة يونس: آية ٥١.
(٨) ساقط من (ب).
[ ٤ / ١٤٠ ]
بعضَ الكلامِ دونَ تمامِهِ، وأمَّا المسائل الثلاث فلأن الواو والفاء و"ثم" لما كانت من جملة عطف عليها بهن، صار ما فيه واحدة منهن بعض تلك الجملة وجاز اقتطاعها بالهمزة (^١) من تلك الجُملة ولم يجز بـ "هل" لما ذكرنا وهذا معنى قول سيبويه.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وعند سيبويه (^٢) أن هل بمعنى "قد" إلا أنَّهم تَرَكُوا الألفَ قبلها، لأنَّها لا تقعُ الا في الاستفهام، وقد جاءَ دخولها عليها في قوله (^٣):
سائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوْعٍ بِشِدَّتِنَا … أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفْحِ القَاعِ ذِيْ الأَكَمِ"
قالَ المُشرِّحُ: لما كانت "هل" لا تقع إلا بعد همزةِ الاستفهامِ، جرت مجرى حرف الاستفهام، فحذفت الهمزة. الرواية في (بشَدَّتِنَا) فتح الشين.
قالَ جارُ الله: " (فصلُ) وتحذف الهمزة إذا دلَّ عليها الدَّليل قال:
لَعَمْرُكَ ما أَدْرِي وإن كنتُ دارِيًا … بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ"
قالَ المُشَرِّحُ: أم بثمان دليل على حذفِ همزة الاستفهامِ. البيتُ لعمر بن أبي ربيعة (^٤)، وقبله:
_________________
(١) في (أ): "بهمزة".
(٢) الكتاب (١/ ٤٩٢).
(٣) البيت لزيد الخيل في ديوانه (ص ١٠٠). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٩٤)، المنخل (ص ١٨٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٥٢)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٥٩). وينظر: المقتضب (١/ ٤٤)، (٣/ ٢٩١)، الخصائص (٢/ ٤٦٣)، أمالي ابن الشجري (١/ ١٠٨)، (٢/ ٣٣٤)، أسرار العربية (ص ٣٨٥)، الجنى الداني (ص ٣٤٤)، المغني (ص ٣٥٢)، شرح شواهده (ص ٢٦٢).
(٤) ديوان عمر (ص ٢٥٨). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٩٤)، المنخل (ص ١٨٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٥٤)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٦٠). =
[ ٤ / ١٤١ ]
بَدَا لِيَ مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ … وَكَفُّ خَضِيْبُ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ
فَلَمَّا الْتَقَيْنَا بالثَّنِيَّةِ سَلَّمَتْ … وَنَازَعَنِي البَغْلُ اللَّعِيْنُ عِنَانِي
فَوَاللهِ مَا أدْرِي …
جَمَّرَتْ: أي رَمَتِ الجِمَارَ، الثَّنية: عند جمرة العَقَبَة.
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وللاستفهام صدرُ الكلامِ لا يجوز تقديم شيءٍ مما في حيزِه عليه لا تقول ضربتُ أزيدًا وما أَشبه ذلك".
قال المُشَرِّحُ: كلُّ حرفٍ للاستفهامِ لا يقعُ إلا في صدرِ الكلامِ؛ لأنَّه ينقل الجُملة عن الخبر إلى الاستخبار فيكون له صدرُ الكلامِ، ألا تَرى أَن "ما" لما كانت لنقلِ الجملةِ عن الإِثبات إلى النَّفي كان لها صَدرُ الكلامِ. كذلك هذا.
_________________
(١) = وينظر: الكتاب (١/ ٤٨٥)، شرح أبياته لابن السيرافي (٢/ ١٥١، ١٥٢)، المقتضب (٣/ ٢٩٤)، المحتسب (١/ ٥٠)، أمالي ابن الشجري (١/ ٢٦٦)، (٢/ ٣٣٥) الهمع (٢/ ١٣٢)، الخزانة (٤/ ٤٤٧).
[ ٤ / ١٤٢ ]
قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف:
(حرفا الشرط)
وهما "إنْ"، و"لو" يدخلان على جملتين فيجعلان الأولى شرطًا والثانية جزاءً كقولك: إِن تضربني أضربك، ولو جئتني لأكرمتك خلا أنَّ "إن" تجعل الفعل للاستقبال -وإن كان ماضيًا- ولو تجعله للمضي -وإن كان مستقبلًا- كقوله تعالى (^١): ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ ".
قالَ المُشَرِّحُ: "إن" الجَزائية إِذا دخلت على جُملتين (^٢) أخرجت كل واحدةٍ منهما عن كونها كلامًا كما أن "أن" المصدرية إذا دخلت على جملةٍ جعلتها مفردًا فأخرجتها عن كونها كلامًا تقول: يأتيني زيدٌ فيكون كلامًا فإِذا أدخلت عليه "أن" فقلت: أَنْ يَأتِيْني زَيْدٌ [صارَ في معني إتيانِ زيدٍ] (^٣) فلا يكون له فائدةٌ حتى تأتيَ باسمٍ فتقول: إن يأتني زيد خيرٌ له فعلى، وتقول (^٤): يسرني أن يأتني زيدٌ. أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: أصلُ جوابِ الشَّرطِ أن يكونَ فعلًا
_________________
(١) سورة الحجرات: آية ٧.
(٢) في (أ): "جهتين".
(٣) ساقط من (ب).
(٤) في (ب) فيقول.
[ ٤ / ١٤٣ ]
مستقبلًا وأن يكونَ محذوفًا مُلْتَبِسًا بالشَّرطِ. ونظير هذه المَسألة أن الأصلَ في عَدَدِ القلَّةِ أن يُضاف إلى جمع القِلَّة فإن وَلِيَهُ فعلٌ ماضٍ نحو إن قمت أحال معناه إلى الاستقبال.
فإن سألتَ (^١): فَمَا بَالُ "إن" لم تحمل نحو قوله:
إن كنتَ [جئتك] (^٢) في المَوَدَّةِ ساعةً … فَذَمَمْتُ سيفَ الدَّوْلَةِ المَحْمُوْدَا
فإنَّ المرادَ به الماضِي، ومن ثَمَّ قالَ أبو العبَّاس: ومِمَّا يُسأل عنه في هذا الباب قولك: إن كنت زُرْتَنِي أَمْسِ أكرمتك اليومَ فقد صارَ ما بعدَ "أن" يقع في معنى الماضي (^٣)؟.
أجبتُ: لأن "إن" و"أن" اقتضى تغيير الشرط إلى الاستقبال [لكن وقوع الماضي في مقام الخبر يقتضي أن لا يتغير إلى الاستقبال] (^٤) وهو آخرهما (^٥) وجودًا فتكون الغلبة له.
قال جارُ الله -﵀-: "وزعمَ الفَرَّاء أن "لو" تستعمل في الاستقال كـ "إن".
قال المُشَرِّحُ: مثال ذلك قولك: لو استقبلت أمرك بالتوبة لكان خيرًا لك، والمعنى إن استقبلت.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا يخلو الفعلان في باب "إن" من أن يكونا مضارعين أو ماضيين، أو أحدهما مضارعًا والآخر ماضيًا، فإن كانا مضارعين فليس فيهما إلا الجزم، وكذلك في أحدهما إذا وقع شرطًا، فإذا وقع جزاءً
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ٢٦٣) شرح هذه الفقرة.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) ساقط من (ب) موجود في نص الأندلسي.
(٤) ساقط من (ب) موجود في نص الأندلسي.
(٥) في (ب): "فهو".
[ ٤ / ١٤٤ ]
ففيه الجزمُ والرَّفعُ قال زُهير (^١):
وإن أَتَاهُ خَلِيْلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ … يَقُوْلُ لا غَائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ"
قال المُشَرِّحُ: الشَّرط (^٢) إذا كان ماضيًا والجزاءُ مضارعًا جاز في الجزاء وجهان رفعه وجزمه، أمَّا الجزمُ فقياسٌ وعليه قوله تعالى (^٣): ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾. أمَّا الرَّفْعُ فاستحسانٌ، وذلك أن الجزاءَ حيث ينجزم [ينجزم] (^٤) تبعًا للشرط فإذا لم ينجزم المَتبوع وهو الشَّرط لم ينجزم أيضًا التبع وهو الجزاء.
تخميرٌ: اعلم أنَّ الأحسنَ في باب المُجازاة أن يكونَا مضارعين لأن حقيقةَ الشرطِ للاستقبال (^٥)، فوجبَ أن يكون اللَّفظ على ذلك. ويجوز أن يكونا ماضيين لأنّ الماضي أخفُّ من المضارع. في باب الأعداد فاستعملوه لخفته ومنهم (^٦) إذ كان حروف الشرط يدل على الاستقبال وقد يجوز أن يكون الأول ماضيًا والثاني مضارعًا وهو أحسن من أن تنعكس هذه القضية وليس في الحسن بمنزلة الأوليين لمخالفتك فيه بين الشرط والجزاء وهما مستويان في الحكم، بخلاف ما إذا جعلت الشرط مضارعًا والجزاءَ ماضيًا فإنه قبيحٌ، والفصل بينهما: أن الجزاء في هذا الفصل كما خالف الشرط فقد
_________________
(١) شرح ديوانه (ص ١٥٣). توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٩٥)، المنخل (ص ١٨٩)، شرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٥٧)، شرحه للأندلسي (٣/ ١٨٩). وينظر: الكتاب (١/ ٤٣٦)، شرح أبياته لابن السيرافي (٢/ ٨٥)، المقتضب (٢/ ٧٠)، الأصول (٢/ ١٩٢)، المحتسب (٢/ ٦٥)، المقتصد (ص ١١٠٤)، الإِنصاف (ص ٦٢٥)، المغني (ص ٤٢٢)، شرح شواهده (ص ٢٨٣)، شرح أبياته.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ٢٦٤) شرح هذه الفقرة.
(٣) سورة هود: آية ١٥.
(٤) ساقطة من (أ).
(٥) في (ب): "ما للاستقبال" وما أثبته من (أ) يؤيده ما ورد في نص الأندلسي.
(٦) كذا في النسختين وقد تجاوزها الأندلسي فلم ينقلها في نصه المتقدم.
[ ٤ / ١٤٥ ]
خالف قضية المُجازاة [بخلاف الفصل المتقدم فإنه وإن خالف الجواب لم يخالف قضية المُجازاة] (^١) لانجزامه.
تخميرٌ: اعلم (^٢) أن الجواب إذا تقدم حرف الشرط فإنه لا يعمل فيه وإن كان مضارعًا، وهذا لأن الحروف ضعيفةٌ لا تعمل فيما قبلها، والأحسن إذا قدمت الجَواب أن يكون ما بعدَ "إن" فعلًا ماضيًا ليتجاوب الجواب والشرط في إبائهما (^٣) على حرف الشرط وامتناعهما عن الأفعال المتوجهة إليهما من (^٤) حرف (^٥) الشرط. حَرَمَهُ الشيءَ يَحْرِمُهُ حَرْمًا، مثل سَرَقَهُ يَسْرِقُهُ سَرْقًا أي: مَنَعَهُ، والمراد به في البيت الممنوع، وهذا من باب التسمية بالمصدر. البيت لزُهير يمدحُ هَرِمَ بن سنانٍ.
قال جارُ الله: " (فصلٌ" وإن كان الجزاء أمرًا أو نهيًا، أو ماضيًا صحيحًا أو مبتدأ، أو خبرًا فلا بدَّ من الفاء كقولك: إنْ أتاك زيدٌ فأكرمْه وإنْ ضربك فلا تضربْه، وإنْ أكرمتني اليوم فقد أَكرمتك أمسِ وإنْ جئتني فأنتَ مكرمٌ".
قال المُشرِّحُ: اعلم (^٦) أن المجازاة إذا كانت حقيقيةً فالجزاء لا يدخل عليه الفاء، لأنه بدونه، وذلك مثل قولك: إن كان كذا كان هذا وإن لم يكن كذا لم (^٧) يكن هذا، أمَّا إذا لم تكن حقيقةً فلا بد فيها من الجزاءِ شرطًا (^٨) وذلك إن أتاك زيدٌ فأكرمه وإنْ ضربَكَ فلا تَضْرِبْه؛ لأنَّ الأمرَ والنَّهيَ ليسا من
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) ما زال النص منقولًا في شرح الأندلسي. قال: "واعلم أن الجواب … ".
(٣) في شرح الأندلسي: "في تأبيهما".
(٤) في (ب): "عن" والذي اخترته يؤيده نص الأندلسي.
(٥) في الأصل: "حروف" والذي اخترته يؤيده نص الأندلسي.
(٦) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ٢٦٣) شرح هذه الفقرة.
(٧) ساقط من (أ).
(٨) في (ب): "بشرط".
[ ٤ / ١٤٦ ]
المُجازاةِ في شَيْءٍ، وإن أَكرمتني اليومَ فقد أَكرمتك أمسِ؛ لأن الفعل الماضي لا يكونُ جزاءً حقيقيًا.
فإن سألتَ فلمَ وَقَعَ الجَزَاءُ ها هنا ماضيًا؟.
أجبتُ: لأن "إن" وإن اقتضى استقباله فقد تقضي مضيّه وهو آخرهما وجودًا فكانت الغلبة له، وإن جئتني فأنت مكرم ليس بجزاء حقيقي، والنكتة فيه ما قاله الشَّيخُ الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرْجَانِيُّ (^١) وهو أن يقال: كل ما لو أردت أن تجعله شرطًا لم يصح فإذا أردت أن تجعله جزاء وجب أن يكون بالفاء.
قال جارُ الله: "وقد تَجِيءُ الفاءُ محذوفةً في الشُّذوذ كقوله:
* مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا *
قال المُشَرِّحُ: معناه: فالله يشكرها. تمامه:
* والشَرُّ بالشَرِّ عندَ اللهِ مِثْلَانِ *
البيت لكعبِ بن مالكٍ الأَنصاري (^٢) وقبله:
فإنّما هذه الدُّنيا وزِيْنَتُها … كالزَّادِ لا بدَّ يومًا إنه فانِي
قال جارُ الله: "وتقام "إذا" مقامَ الفاءِ قالَ الله تَعَالَى (^٣): ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ".
_________________
(١) المقتصد (٢/ ١١٠٠).
(٢) ساقط من (ب). وينسب أيضًا إلى عبد الرحمن بن حسَّان بن ثابت وإلى أبيه حسان ﵁. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل (ص ١٩٦)، المنخل (ص ١٩٠)، شرح المفصل لابن يعيش (٩/ ٣)، شرحه للأندلسي (٣/ ٢٦٤، ٢٦٦). وينظر: الكتاب (١/ ٤٣٥)، المقتضب (٢/ ٧٢)، مجال العلماء (ص ٤٣٢)، المسائل البغداديات (ص ٤٥٨)، الخصائص (٢/ ٢٨)، المحتسب (١/ ١٩٣)، المنصف (٣/ ١١٨)، المقتصد (ص ١١٠٣)، الخزانة (٣/ ٦٤٤، ٦٦٥)، (٤/ ٤٥٧).
(٣) سورة الروم: آية: ٣٦.
[ ٤ / ١٤٧ ]
قال المُشَرِّحُ: يمكن (^١) أن يكون ذلك تَشْبِيْهًا لها بإِذَا التي للمفاجأة نحو خرجت فإذا زيدٌ على الباب، لأن الشرط يؤدي إلى الجواب فكأنه يهجم عليه، ومما يُوضح هذا الكلام أنه لا بد للمفاجأة من عمل يتقدمه عمل كما أنَّه لا بدَّ للمجازاة من فعل يتقدمه فعل (^٢) وكذلك (^٣) الثاني في المفاجأة موقوف على الأول كما في المجازاة فـ "إذا" ها هنا ظرفُ زمان في مثل: آتيتك إذا أحمرَّ البُسر، وبينهما (^٤) ظرف مكان ويسمى ظرف المفاجأة، قال الإِمام عبد القاهر الجرجاني (^٥): هي تَجري مجرى الفاء في ربط الجملة بما قبلها، وجعلها آخرًا وقالَ أيضًا: ولا تدخل إذا إلا على الجملة من المبتدأ والخبر.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا تستعمل "إن" إلا في المعاني المحتملة المشكوك في كونها، ولذلك قَبُحَ أن احمر البُسر كان كَذَا، وإن طلعت الشمس آتكِ إلا في يومِ المُغِيْم".
قال المُشَرِّحُ: إن حق ما يجازى به أن لا يدري أيكون [أم لا] (^٦)، إذا قلت: إن أمطرت السماء جلسنا للحديث حسن لأنه (^٧) لا يدري أتمطر [فيه] (^٨) وإنْ (^٩) قُلتَ: إذا أمطرتِ السّماءُ جَلَسْنَا للحديثِ جازَ على أنَّكَ تُخبر بوقوع الجلوسِ في ذلك الوقت.
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه (٣/ ٢٦٤) شرح هذه الفقرة.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) في (ب): "فكذلك".
(٤) كذا في النسختين وفي شرح الأندلسي: "وقد تكون ظرف مكان … ".
(٥) المقتصد (٢/ ١١٠١).
(٦) ساقط من (أ).
(٧) في (ب): "ألا أنه".
(٨) ساقط من (أ).
(٩) في (أ): "وإذا".
[ ٤ / ١٤٨ ]
قال جارُ الله: "وتقولُ: إن مات فلانٌ كان كذَا، وإن كان موته لا شبهة فيه إلا أن وقتَه غيرُ معلومٍ فهو الذي حسن فيه" (^١).
قال المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: وقولك: إن ماتَ فلانٌ كان كَذا وكَذا أحسنُ من قولك: إن احمرَّ البُسر، لأن الموت وإن كان معلومًا أنه كائن فإنه لا يُعرف وقته، واحمرار البُسر معلومُ الوقتِ.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتَجيء مع زيادة "ما" في آخرها للتَّأكيد قالَ الله تَعالى (^٢): ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ وقال:
* فإمّا تَرَيْنِيْ اليَوْمَ أُزْجِيْ ظَعِيْنَتِي *"
قالَ المُشَرِّحُ: في (الكشَّاف) فأمَّا "ما" فمذهبُ سيبويه بمنزلةِ لامِ القَسم في أنَّها إذا دخلت دخَل معها النُّون المؤكدة، و"ما" ها هنا هي المُسلطة لأنها سلطت إن على دخول النون في الشرط، وأنشدَ ابنُ السَّراج (^٣): -﵀-
فإمّا تَرَيْنِيْ اليَوْمَ أُزْجِيْ مَطِيَّتِيْ … أصَعِّدُ سَيْرًا في البلَادِ وأَفْزَعُ
فإنِّي مِنْ قَوْمٍ سِوَاكُمْ وإنَّما … رِجَالِيَ فَهْمٌ بالحِجَازِ وَأَشْجَعُ
صحَّ بالشِّين المُعْجَمة.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والشَّرطُ كالاستفهامِ في أن شيئًا مما في خبره لا يتقدمه نحو قولك: أتيتك إن أتيتني، وقد سألتك لو أعطيتني، ليس ما
_________________
(١) في (ب) منه، وما أثبته في (أ) هي عبارة المفصل.
(٢) سورة طه: آية ١٢٣.
(٣) الأصول: ٢/ ١٦٠، والبيتان لعبدِ الله بن هَمَّام السَّلَوْلِيُّ، توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل: ١٩٦، والمنخل: ١٩، وشرح المفصل لابن يعيش: ٩/ ٨، وشرحه للأندلسي: ٣/ ٢٦٨، وينظر: الكتاب: ١/ ٤٣٢، والأزهية: ٩٨، وأمالي ابن الشجري: ٢/ ٢٤٥، والخزانة: ٣/ ٦٣٨.
[ ٤ / ١٤٩ ]
تقدّم فيه جزاءً مقدمًا ولكن كلامًا واردًا على سبيل الإِخبار والجزاء محذوف".
قال المُشرِّحُ: - ابنُ السَرَّاج (^١): فأمَّا قولك: أجيئك إن جئتني، وآتيك إن أتيتني فالذي عندنا أن الجوابَ محذوفٌ كفى منه الفعل المتقدم، وإنما يستعمل هذا على وجهين:
إما أن يضطر إليه شاعر.
وإما أن يكونَ المُتكلم قد ابتدأ محققًا بغير شرطٍ ولا نيَّةٍ له فيقول القائل: أجيئك فيعده بذلك على أنه جاءك؟، ثم يبدُو له أن لا يجيئه إلا بسبب؟ فيقول: إن جئتني فيُشبه الإِستثناء ويغني عن الجواب بما تقدم، وقال الإِمام عبدُ القاهِر الجُرجانِيُّ: والدَّليلُ على أنَّك إذا قلت: آتيتك إن أتيتني كان الشَّرطُ مُتَّصِلًا بآتيتك وأن الذي يجري في كلامهم من أنه لا بدَّ من إضمار الجَزاء ليس على ظاهِره، ولكن على توقَّفنا (^٢) على أن الشَّرْطَ مُتَقَدِّمٌ في النّفس على الجزاء أنا إن (^٣) عملنا على هذا الظَّاهِرِ صارَ إلى تبيين ابتداء كلامٍ ثانٍ، واعتقادِ ذلك يؤدّي إلى إبطال ما اتَّفق عليه العُقلاء في الأيمان من اقتران الحكم بين أن يصل الشّرط في نطقه، وبين أن يقف ثم يأتي بالشرط، وأنه إذا قال لعبده: أنت حرٌّ إن شاء الله فوصل لم يَعتق، وإذا قال أنتَ حرٌّ ووقف، ثم قال: إن شاء الله فإنه يعتق، هذه ألفاظه [﵀] (^٤).
قال جارُ اللَّهِ: "وحذف جواب "لو" في القرآن والشعر كثيرٌ".
_________________
(١) الأصول: ٢/ ١٩٤.
(٢) في (ب): "توقيفنا".
(٣) في (أ): "توقفنا"
(٤) في (ب).
[ ٤ / ١٥٠ ]
قال المُشرِّحُ: أمَّا (^١) في القرآن فكقوله تَعالى (^٢): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ ومعناه: لكان هذا القرآن، ويقالُ: لو كان قد وجب في قرآن أن لا نقبلَ ولا نؤمنَ به حتى تقع هذه الأمور لكان لكم أن تقترحوا ذلكم وأن تقولوا لن نؤمنَ به حتى تأتينا هذه الأمور. كذا ذكره الإِمام عبد القاهر الجرجاني وأما في الشعر فكقوله (^٣):
وجِدَّك لَوْ شَيْءٌ أَتَانَا رَسُوْلُهُ … سِوَاكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ عَنْكَ مَدْفَعَا
والمعنى: لو أَتانا رسولُ سِوَاكَ لَدَفَعْنَاهُ، وهذا لأنَّ أُختَهَا يُحذَفُ عنها الشَّرْطُ والجَزَاءُ تقول: لا أزور فلانًا لأنه ظالم، فيقال لك: زره وإن، فلئن يحذف هنا مجرد الجزاء أولى.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) ولا بُدَّ من أن يَليها الفِعل نحو قوله (^٤): ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (^٥) على إضمارِ فعلٍ يفسره الظَّاهِر، ولذلك لم يَجز ولو زيدٌ ذاهبٌ، ولو أنّ عمرًا خارجٌ. ولطلبهما الفعل وجب في أن الواقعة بعد لو أن يكون خبرها فعلًا كقولك: لو أن زيدًا جاءَني لأكرمته قالَ الله تَعالى (^٦): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ ولو قلتَ: لو أنَّ زيدًا حاضري لأكرمتُهُ لم يجز".
قال المُشرِّحُ: هذا القسم قد مضى في قسم الأسماء لخفته، وربما
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه: ٤/ ٢٧٠ شرح هذه الفقرة بتمامه دون إشارة إلى المؤلف ولم يزد عليه شيئًا.
(٢) سورة الرعد: آية ٣٠.
(٣) البيت لامرئ القيس في ديوانه: ٢٤٢. وينظر شرح الأندلسي: ٤/ ٢٧١، ومعاني القرآن للفراء: ٢/ ٧، ٦٣، ٣/ ١٩٢، وتأويل مشكل القرآن: ١٦٦.
(٤) سورة الإِسراء: آية ١٠٠.
(٥) سورة النساء: آية ١٧٦.
(٦) سورة النساء: آية ٦٦.
[ ٤ / ١٥١ ]
حسن تقديم الاسم على الفعل في هذا الموضع مع أن "لو" تطلب الفعل لما فيها من معنى المجازاة، لأنها غير عاملة في الفعل، فحسن الفَرقُ بينها وبينها في اللَّفظ، ولذلك تقدَّم الاسمُ على الفعل إذا كان الفعل ماضيًا في "إنْ" أيضًا كقوله ﷿ (^١): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ولم يَحسن إذا كان الفعلُ مستقبلًا نحو: إن زيدٌ يأتني أكرمه إِلَّا في الشَّعرِ، لأنَّ "إن" قد عَمِلَتْ في يأتني فأشبهت "لم" و"لن" في أنه لا يفرَّقُ بينها وبين الفعل.
قال جارُ اللهِ -﵀-: " (فصلٌ) وقد تَجيء "لو" في معنى التَّمني في قولك: لو تأتيني فتحدثني، كما تقول: ليتك تأتيني، ويجوز في فتحدثني النَّصب والرَّفعِ قال الله تَعالى (^٢): ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ وفي بعضِ المصاحف ﴿فيُدْهِنُوا﴾ ".
قالَ المُشَرِّحُ: وقد يدخل "لو" معنى التمني لأنها للتقرير (^٣) كما أن التمني بـ "ليت" للتقرير إلا أن التَّقرير بـ "لو" في ما ذكر عليٌّ بن عِيْسى للإِيجاب عن المعنى غيره للاستمتاع بالمقدر فيكون جوابها بالفاء، ونصب ما بعدها من الفعل المُضارع بإضمار "إن"، لأنّها إذا صرفت عن العطف أضمرت بعدها "إن" ليدل بالمخالفة بين الأول والثاني في اللفظ على أنهما مختلفان في المعنى، أن الأول سبب لوقوع الثاني، ويجوز رفعه على العَطْفِ وكذلك على الاستئناف.
_________________
(١) سورة التوبة: آية: ٦.
(٢) القلم: آية: ٩. وينظر: البحر المحيط: ٨/ ٣٠٩.
(٣) نقل الأندلسي في شرحه: ٤/ ٢٧٢ شرح هذه الفقرة وقال الأندلسي: "وكان شيخنا تاج الدين الكندي -﵀- ينكر أن تكون "لو" حرف شرط، وأن الزمخشري غلط في عدها من أدوات الشرط فحكيت ذلك لشيخنا أبي البقاء فقال: غلط تاج الدين في هذا التغليط فإن "لو" تربط بشيء كما تفعل "إن" وكأن تاج الدين نظر إلى أن حق الشرط أن يكون فيما يمكن وقوعه وعدمه والماضي قد تحقق ووجب فلا معنى للشرط فيه، وفيه نظر".
[ ٤ / ١٥٢ ]
قال جارُ الله -﵀- "و"أمَّا" فيها معنى الشرط، قال سيبويه (^١): إذا قلت أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ فكأنك قلتَ مهما يكن من شيءٍ فزيدٌ منطلقٌ، ألا تَرى أنَّ الفاء لازمة لها".
قال المُشَرِّحُ: "أما" معناها تفصيل المُجمل من الخبر كقولك: أنا أحبُّ وأبغِضُ، فأمَّا من أحبُّ فالمُؤمن، وأمَّا من أُبغض فالكافر، وكقولك: زيدٌ وبكرٌ خارجان فيقول المخاطب: أما زيدٌ فخارجٌ، وأمَّا بكر فمُقيم، فإذا قلتَ: أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ فأصلُ الكلامِ مهما يكن من شيءٍ فزيدٌ منطلقٌ، ثم أُقيم مقامه هذه الجُملة فحصل أمَّا فزيدٌ فمنطلقٌ (^٢) فكرهوا أن تكون الفاء التي من شأنها أن تكون متبعة شيئًا فشيئًا في أول الكلام فأخروها إلى الخبر فقالوا أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهرِ الجُرْجَانِيُّ: وتقول: إن ذلك لإِصلاح اللفظ، ولكراهية أن يكون على خلاف الأصول وعندي أن معناه: زيدٌ مهما يكن من شيءٍ فهو منطلق، والأصل: أمَّا زيدٌ فمهما يكن من شيءٍ فهو منطلق ثم حَذَفَ الشرط وترك "أما" دليلًا عليه بالفاء في موضعها. أبو سَعِيْدٍ السِّيرافي في قول سيبويه: أمَّا "أما" ففيها معنى الجزاء لأن "أما" في الأصل نائبةٌ عن شرطِ الجزاء، والفاء وما بعدها جوابٌ لها كما وصفنا، والشَّرط الذي نابت عنه يجوز فيه وجهان:
أن يحذف جميعه، وأن يحذف بعضُه، أمَّا ما يُحذف عنه جميعه فلا بدَّ من تقديمِ اسمٍ مما بعد الفاء أو ظرف أو شرط فيكون تقديم ذلك عوضًا مما حُذِفَ والمراد أن يكون ذلك المُقدم بعد الفاء، وذلك قولك: أما زيدًا فضربت، وأما بكر فخارج، وأما يوم الجمعة فلا تخرج فيه، وأما إن جاءك زيد فأكرمه والتَّقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيدًا، وفبكر خارجٌ، ومهما يكن من شيءٍ فيوم الجمعة لا تَخرج، ومهما يكن من شيءٍ إن جاءك زيد
_________________
(١) الكتاب: ٢/ ٣١٢.
(٢) ساقط من (أ).
[ ٤ / ١٥٣ ]
فأكرمه. وقال -أيضًا-: أمَّا ما يحذف بعضه مما قبل الفاء فكقولك: أمَّا عِلْمًا فلا علم عند زَيْدٍ، فالعلم منصوب بما دل عليه "أما"، وتقديره: مهما يذكر زيدٌ علمًا: أي من أجل علم فلا علم عنده، ولا يجوز أن يكون العامل في "علمًا" ما بعد الفاء لأنه لا يعمل فيما قبله.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) و"إذن" جواب وجزاء، يقول الرجل: أنا آتيك فتقول: إذن أُكرمك، فهذا الكلام قد أجبته به وصيرت اكرامك جزاءً على إتيانه".
قالَ المُشرِّحُ: "إذن" (^١) للنيابة عن ذكر الشَّرطِ في الجوابِ، كنيابةِ "نَعَمْ" عن ذكر المَسؤول عنه في الجَواب، أَلا تَرى أنك إذا قلت: إذن أكرمك لمن قال لك إن تكرمني أزرك ناب ذلك عن قولك: أكرمك للشَّرط الذي شَرَطْتَ كما ناب قولك: نعم في جوابِ من يقول لك أزيدٌ في المسجد عن أن تقول: زيد في المسجد مع اتصال الجواب بالشرط والسُّؤال فيها وتأكيده على الإِيجاز.
قال جارُ اللهِ: "وقال الزَّجاجُ: إن كان الأمر كما ذكرت فإني أكرمك".
قال المُشَرِّحُ: يقول القائل: زيدٌ يصيرُ إليك فتجيبه وتقول: إذن أُكرمه، وتأويله إن كان الأمرُ على ما تَصِفُ وقع إكرامه.
قال جارُ الله: "وإنما تَعمل "إِذَنْ" في فعلٍ مستقبلٍ غيرِ معتمدٍ على شيءٍ قبلها كقولك لمن يقول لك: أنا أكرمك إذَنْ أجيئك".
قال المُشرِّحُ: تفسير الاعتماد على ما ذكر الإِمام عبد القاهر الجُرْجَانِيُّ (^٢) -﵀- أن يرجع الفعل الواقع بعدها إلى شيءٍ يقتضي فيه رفعًا أو جزمًا كقولك: أنا إذن أكرمك، ووالله إذن لأفعل.
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه: ٤/ ٢٧٥ شرح هذه الفقرة.
(٢) المقتصد: ٢/ ١٠٥٥.
[ ٤ / ١٥٤ ]
قال جارُ الله: "فإن حَدَّثَ فقلت: أذن أخالك كاذبًا ألغيتها؟ لأن الفعل للحال".
قال المُشَرِّحُ: "إذن" تجيء مع الفعلِ المضارعِ على ثلاثةِ أوجُهٍ:
وجهٌ تعمل فيه لا غيرُ.
ووجهٌ يجوز أن تعملَ فيه وأن لا تَعْمَلَ.
ووجهٌ لا يجوزُ أن تعمل فيه.
أمَّا الوجهُ الذي فيه تَعْمَلُ ففيه أربعةُ شرائطٍ:
- أن تكون جوابًا.
- وأن تكون مبتدأةً.
- وأن تكون داخلةً على المستقبل.
- وأن يكون ما بعدها غيرُ معتَمِدٍ على ما قبلها.
قال عليُّ بن عِيْسَى: وإنْما عملت "إذن" إذا كانت على هذه الأوجه لقوتها فيها لأنَّ كونَها جوابًا قوةٌ لها؛ لأنَّها على أصلها وحق الجواب أن يتقدمه كلام، وكونها مبتدأة قوة لها؛ لبناءِ الكلام عليها، وكونها داخلةً على المستقبل قوة لها؛ لدخولها في جملة أشكالها لأن أخواتها "أن" و"لن" لا تعمل إلا في المستقبل، وكون ما بعدها يجيء غيرَ معتمدٍ على ما قبلها قوة لها؛ لأنَّه يخرجها عن أن تكون بمنزلة الحشو في وسط الكلام، فكلُّ واحدةٍ من هذه الأسباب يقتضي لها هذا الحُكم من العمل فلمَّا اجتمعت وَجَبَ أن تَعمل وذلك قولك: اذن أُسرَّ بك لمن قال لك أجيئُك ونحوه.
وأما الوجهُ الذي لا تَعملُ فيه فأن يكون الفِعلُ للحال على ما ذكره الشيخ -﵀-.
قال جارُ اللهِ: "- وكذلك إذا اعتمدت بها على مبتدإٍ أو شرط أو قسم فقلت: أنا إذن أكرمك، وإن تأتني إذن آتك،، ووالله إذن لا أفعل قال كُثَيِّرٌ: -
[ ٤ / ١٥٥ ]
لإِنْ عَادَ لِيْ عَبْدُ العَزِيْزِ بِمِثْلِهَا … وأَمْكَنَنِي مِنْهَا إِذَنْ لَا أُقِيْلَهَا"
قالَ المُشَرِّحُ: هذا الفصل من الوجه الذي لا تعمل فيه "إذن" (^١) أما في قولك: أنا إِذَن أُكرمك فقد وَقَعَ الفعل خبرًا للمبتدأ، وأمَّا قوله (^٢):
لا تَتْرُكَنِّي فِيْكُمُ شَطِيْرَا … إنّي إِذَنْ أهْلَكَ أَوْ أَطِيْرَا
فشيءٌ شاذٌّ. والوجهُ فيه عندي أن يرفع "أهلَكُ" كما يقتضيه الإِعراب، ويحل "أو" بمعنى "إلّا" ويضمر بعدها "إن". وأما في قولك: إن تأتني إذن آتك فقد وقع الفعل جزاءً للشَّرط، وأما في قولك: والله إذن لا أفعلُ فقد وقع جوابًا للقسم.
ما قبل البيت (^٣):
حَلَفْتُ وَرَبَّ الرَّاقِصَاتِ إِلَى مِنىً … بَغُوْلُ البِلَادَ نَصُّها وذَمِيْلُهَا
"بغول" بالغين المعجمة، ومثله بيت العراقيات:
تَهْوِيْ إِلىَ البَيْتِ العَتِيْقِ وَرَبِّهَا … إذ غَال منْ تَأَوِيْبِة البَيْدَاءُ
_________________
(١) نقل ابن المستوفي في إثبات المحصل: ١٩٨، والأندلسي في شرحه: ٤/ ٢٧٧ شرح هذه الفقرة.
(٢) البيت غير منسوب إلى قائله في معاني القرآن: ١/ ٢٧٤، ٢/ ٣٣٨، الإِنصاف: ١٠٤، والخزانة: ٣/ ٥٧٤.
(٣) البيت لكثير في ديوانه: ٣٠٥. وقصة هذا الشعر مشروحة في شروح أبيات الكتاب والجمل والمفصل ومعروفة في كتب الأدب كالأغاني والأمالي والعقد الفريد وغيرها بروايات مختلفة مفصلة في خزانة الأدب: ٣/ ٥٨٠. توجيه إعراب البيت وشرحه في إثبات المحصل: ١٩٨، والمنخل: ٩١، وشرح المفصل لابن يعيش: ٩/ ١٣، ٢٢، وشرحه للأندلسي: ٤/ ٢٧٦، ٢٧٧. وينظر: الكتاب: ١/ ٤١٤، وشرح أبياته لابن السيرافي: ٢/ ١٤٤، والمسائل البغداديات: ٢٣٦، والجمل: ٢٠٥، وشرح أبيات الحلل: ٢٦٦، والإِغفال: ١/ ٣٧١ (رسالة) والعيني: ٤/ ٣٨٢ والخزانة: ٣/ ٥٨٢، ٤/ ٥٤٠.
[ ٤ / ١٥٦ ]
شاذٌّ على روايةِ من رواه بنَصب "البَيداء" على أنه مفعول غال ويشهد له بيت أبي الطيب (^١):
وَحَكَمْتُ فِي البَلَدِ العَرَاءِ بِنَاعِجٍ … مُعتَادِهِ مُجْتَابِهِ مُغْتَالِهِ
وكذلك بيتُ مروان بن أَبي حَفْصَةَ (^٢):
أَلَا رُبَّما قَدْ غَالَ طُوْلُ نَهَارِنَا … تُنَازِعُنَا فِيْهِ الحَدِيْثَ المُكَتَّمَا
أي: بمثلِ تلك المقالة التي قالَها. كان عبدُ العزيز قد وَعَدَ كثير عِدَةً فتأخر عنه كثير فقال: إن عاد لي عبد العزيز بعدة أخرى سارعت إليها وما رددتها، ويروى: "ما أُفيلها" بالفاء، من فال يفيل: إذا ترك الجيد من الرأي وفعل ما لا ينبغي للعاقل أن يفعله، يقول: لا أفيل من تنجُّز ما وعدني.
قال جارُ الله: "وإذا وقعت بين الفاء والواو وبين الفعل ففيها الوجهان، قال الله تعالى (^٣): ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾ وقُرِئَ ﴿لَا يَلْبَثُونَ﴾، وفي قولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمْك بالنَّصب والجزم والرفع، [الجزم على أنه مجزوم معطوف على مجزوم والرَّفع على الابتداء لأن التقدير أنا إذن أكرمك، والنَّصب على الأصلِ لأنه وحده غير معتمد] (^٤) ".
قال المُشَرِّحُ: هذا الفصل هو الذي يجوز أن تعمل فيه إذن ويجوز أن لا تعمل وذلك أن تقعَ "إذن" بين الواو والفاء وبين الفعل والمستقبل، وذلك
_________________
(١) شرح الديوان المنسوب إلى العكبري: ٣/ ٥٨.
(٢) لم يرد البيت في شعره الذي جمعه الأستاذ قحطان رشيد التميمي ونشره في جامعة بغداد سنة ١٩٦٦ م. ولا في شعره الذي جمعه الدكتور حسين عطوان وطبع في دار المعارف بمصر سنة ١٩٧٣ م.
(٣) سورة الإسراء: آية: ٧٦. والقراءة المذكورة في الكشاف: ٢/ ٤٦٢، والبحر المحيط: ٦/ ٦٦.
(٤) لم يرد هذا النص في نسخ المفصل ولا في شروحه التي راجعتها.
[ ٤ / ١٥٧ ]
أنها إذا وقعت بينهما كانت بمنزلة ما هو في حشو الكلام (^١)، وكالشيء الواقع في الطَيِّ ضرورة أنه لا يبتدأ بهما. أما النَّصبُ فعلى إعمال"إذن" وتقديرهما على الابتداء وجُعل ما بعدهما مستغنيًا عما قبلهما، لأن ما بعد الواو والفاء يجوز استئنافه على أنّهما لعطف جملةٍ على جملةٍ. ومما يوضح ما ذكرته قولك: زيد يقوم إذن يكرمك إذا عطفت (^٢) إذن يكرمك على يقوم الذي هو الخَبر ورفعت يكرمك بتقدير ويكرمك إذن، وإذا عطفتها على الجملة المتقدمة بأسرها نصبته لأن إذن وقعت ها هنا مبتدأة، وقولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمك إن عطفت وإذن أكرمك على أنك جزمت أكرمك، وإن جعلتَه مستأنفًا نصبته، وإن رفعت فعلى: وأنا إذن أكرمك ونحوه ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ (^٣) قال أبو سَعِيْدٍ السِّيرافِيُّ (^٤): شبه أصحابنا إذن من الحروف الناصبة بـ "ظننت" وأخواتها في الأفعال العاملة، وذلك أن ظننت متى قدمت على مفعوليها عملت لا غير، كقولك: ظننت زيدًا قائمًا، وإذا قُدِّم عليها أحد مفعوليها جازَ إعمالها وإلغاؤها كقولك: زيدٌ ظننت قائمٌ، وزيدًا ظننت قائمًا، وإذا تقدم عليها المفعولان كان إلغاؤها أحسن كقولك: زيدٌ خارجٌ ظننت أي: في ظني فكذلك "إذن" فيما ذكرنا، لأنها تَصلح أن يستدرك بها كقولك أتاني الخبرَ إذن، كما يستدرك بظننت في قوله: زيدٌ خارجٌ ظننت ونحو ذلك، ولذلك جاز الفصل بين"إذن" وما عملت فيه دون أخواتها نحو "لن" و"كي" أيضًا بالأيمان ونحوها إذن والله أقوم.
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه: ٤/ ٢٧٨ شرح هذه الفقرة قال: "قال الخوارزمي: الغاؤها -ها هنا- لأنها بمنزلة ما هو في الحشو والشيء الواقع في الطي ضرورة … ".
(٢) نقل الأندلسي في شرحه: ٤/ ٢٧٩ شرح هذه الفقرة.
(٣) سورة الحج: آية: ٥.
(٤) شرح الكتاب: ١/ ٨٥ (المطبوع).
[ ٤ / ١٥٨ ]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصنافِ الحرف:
(حرف التَّعليل)
وهي (كي).
يقول القائل: قصدت فلانًا، فتقول له: كيمَه؟ فتقول كي يحسنَ إليَّ، وكيمَه مثل فِيْمَه، وعمَّه، ولِمَه، ودخل الجر على (ما) الاستفهامية محذوفًا ألفَها، ولحقت هاء السكت".
قال المُشَرِّحُ: "كي": معناها (^١) الغَرض الذي من أجله يقع فعل يطلب به وقوع فعلٍ آخر، والفعلُ الذي قبل "كي"، يجوز أن يكونَ أيّ نوع كان من أنواع الفعلِ، ويجوز أن لا يكون الذي بعده إلا مستقبلًا منتصبًا. قال سيبويه (^٢): وأما "كي"، فجواب قول القائل: كيمه مثل لمه فتقول كي يكون كذا وكذا. وقال عليُّ بن عِيسى: معنى "كي" كمعنى لِكَذا (^٣) نحو: صَلَّيْتُ كي أدخلَ الجَنَّةَ ويكون في جوابِ "لِمَ" كقول القائل: لِمَ فعل فتقول: كلي يكونَ كذا وكذا، والأصل أن يقول: ليكون كذا وكذا، فأتى باللَّامِ في
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٨٠ شرح هذه الفقرة.
(٢) الكتاب ٢/ ٣٠٦.
(٣) في (أ): " (كذا).
[ ٤ / ١٥٩ ]
الجَوَاب كما أَتى بها في السُّؤال، ومعناهما واحدٌ. الهاءُ في كيمَه ولِمَه وفِيْمَه مزيدةٌ في الوقف عوضًا مما حُذف.
قال جارُ الله: "واختُلف في إعرابها فهي عند البصريين مجرورةٌ، وهي عند الكوفيين منصوبةٌ بفعلٍ مضمرٍ كأنَّك قُلتُ: كي يفعل ماذا، وما أرى هذا القول بعيدًا من الصَّواب".
قال المُشَرِّحُ: "ما" هي الاستفهامية وهي في محل الجر كما هي كذلك في لِمَه وفِيْمَه عند البصريين. وقالَ الكوفيون (^١): موضع "ما" في "كَيْمَه" ونحوها نصبٌ على المَصْدَرِ بتقدير كي يَفْعَلَ ماذا، كأن قائلًا (^٢) قال أقوم كي يقومَ، فلم يَفهم المخاطبُ يقوم فقال: كَيْمَه، وليس لكي فيها عملٌ. قال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: ولو كان الأمرُ على ما قالُوا لجازَ أن تقولَ: أن من لن مه وإذ مه، وإذا لم يفهم المخاطب ما بعد هذه الحروف من الفعل.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وانتصابُ الفعلِ الذي بعد "كي" إما أن يكونَ بِها نفسها أو بإِضمارِ "أن"، فإذا أدخلت اللَّامُ فقلت: لكي يفعلَ فهي العاملةُ كأنَّك قلت لأن يفعلَ".
قال المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ (^٣): أما "كي" فالذي (^٤) ينتصب بعدها من الفعل المضارع على وجهين:
أحدُهُما: -وهو قول سيبويه (^٥) - أن تكون هي الناصبة بمنزلة "أن"
_________________
(١) الإِنصاف ٢/ ٥٧٤، شرح ديوان المُتَنَبِّي المنسوب إلى العُكْبَرِيّ ٢/ ٤٢.
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٨٠ شرح هذه الفقرة.
(٣) شرح الكتاب ١/ ٨٣ (المطبوع).
(٤) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٨٠ شرح هذه الفقرة ونسب ذلك إلى الخوارزمي مع أن الخوارزمي ينقله عن السيرافي، وعباره: "قال الخوارزمي: الذي ينصب "أن" بفعل بعده على وجهين … ".
(٥) الكتاب ١/ ٤٠٧.
[ ٤ / ١٦٠ ]
لشبهها بها من جهةِ أن ما يقعُ بعدها لا يكون إلا فعلًا مستقبلًا، وقال أيضًا: وبدخول اللَّام عليها كدخولها على "أن" كقولك: أجيئك لكي تُكرمني، كما تقول لأن تُكرمني.
والآخر: -وهو قولُ الخَلِيْلِ (^١) - أن يكونَ انتصابُهُ بعد كي بإضمار "أن" كانتصابه بعد اللَّامِ، إذا قلت: أتيتك لتكرمَني أي: لأن تُكرمني، وكذلك كي تُكرمني تقديره: كي أنَ تُكرمني. وقال أيضًا: - وروى أبو عُبَيْدَةَ عن الخَلِيْلِ أنه قال: لا ينتصب شيءٌ من الأفعال المُضارعة إلا بـ "أن" مظهرةً أو مقدرةً. وعن عليِّ بن عيسى: إنما لم يَحسن إظهار "أن" بعد "كَيْ" كما حَسُنَ بعد اللَّامِ لأن الكلام بعدَ اللام محمولٌ على التَّصريح بذكر المَصدر، وبعد "كي" محمولٌ على التَّأويلِ دونَ التَّصريحِ بذكره ألا ترى أنك تقول -في تقدير قولك: جِئْتُكَ كَيْ تُكْرِمَنِي-: جِئْتُكَ كي إكرامك، فلما كان معنى الكلام محمولًا على التأويل حمل على اللَّفظ فيها بحذف "أن" على التَّأويل ليكون اللفظ مشاكلًا للمعنى، وذلك أن اللَّام أوسعُ مجالًا في الكلام من "كي" لدخولها على الاسم والفِعْل. وحسنَ تقديمها على الفِعل الذي هو سبب لِوُقُوعها كقولك: لأكرمك جئتَ قال الله تعالى (^٢): ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي وكذلك جَعَلْنَا [ما رأيت] (^٣).
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وقد جاءَت مظهرةً بعدها "أن" في قول جميل (^٤):
_________________
(١) شرح الكتاب ١/ ٨٤.
(٢) سورة مريم: آية ٢١.
(٣) في (أ) وكذلك هو في نص الأندلسي المنقول عن الخُوارَزمي.
(٤) ديوان جَميل ص ١٢٥. توجيه إعراب البيت وشَرحه في: إثبات المُحَصَّل ص ١٩٨، المنخل ص ١٩٢، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٤، ١٦، شرحه للأندلسي ٤/ ٢٨٠. وينظر: شرح التصريح ٢/ ٣، ٢٣١، خزانة الأدب ٣/ ٢٤٤، ٥٨٤، ٤/ ٣٧٩.
[ ٤ / ١٦١ ]
فَقَاْلَتْ أَكُلَّ النَّاسِ أَصْبَحْتَ مَاْنِحًا … لِسَانَكَ كَيْمَا أَنْ تُغَرَّ وتُخْدَعَا"
قال المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ إلا أن "أن" لا تظهر بعدَ كي إلا في الشِّعر.
تخميرٌ: حكى الكُوفيون عن العَرب ذكروا أنّها بمعنى واحد وهي: أردت لأقوم، وأردت لأن أقوم، وأردت كي أقوم، وأردت لكي أن أقوم، قال سيبويه (^١): وسألته -يعني الخليلَ- عن معنى أريدُ لأن تفعلَ، فقال: المَعنى: إرادتي لهذا، كما قال (^٢): ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ (^٣) الْمُسْلِمِينَ﴾.
_________________
(١) الكتاب ١/ ٤٧٩.
(٢) سورة الزمر: آية ١٢.
(٣) في (ب) "من المسلمين" اشتبهت على الناسخ بالآية رقم: ٩١ من سورة النمل، ما أثبته من (أ) هي الموجودة في الكتاب لسيبويه مصدر المؤلف.
[ ٤ / ١٦٢ ]
[بابُ حَرفِ الرَّدْعِ]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحرف حرف الردع وهو "كلا" قال سيبويه (^١): هو ردعٌ وزجرٌ، وقال الزَّجاجُ (^٢): "كلَّا" ردعٌ وتنبيهٌ وذلك قولك: كلَّا، لمن قال شيئًا ينكره نحو فلانٌ يُبْغِضُكَ وشِبْهه أي: ارتَدعِ عن هَذا وتَنَبَّه عن الخَطَأِ فيه قالَ الله تَعَالَى بعد قَوله (^٣): ﴿رَبِّي أَهَانَنِي (١٦) كَلَّا﴾ أي: لَيْسَ الأمرُ كذلك لأنَّه قد يُوسِّع في الدُّنيا على من لا يُكرمه من الكُفَّارِ، وقد يُضَيِّقُ على الأَنبياء والصَّالحين للاستِصْلَاحِ".
قال المُشَرِّحُ: أبو حاتم: "كلا" في القرآن على وجهين:
على معنى الرد للأول وبمعنى "لا" كما وصفنا.
وعلى معنى "ألا" التي للتنبيه ويستفتح بها الكلام نحو (^٤) ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ وقالَ بعضُ المفسرين: "كلَّا" معناها حقًّا، وهو يقرب من معنى "ألا"، وعن الفَرَّاء: "كلا" حرفُ ردعٍ بمعنى "نَعَمْ" و"لا" في الاكتفاء، وتكون صلة لما بعدها كقولك: كلَّا ورَبِّ الكَعْبَة، بمنزلة: إيْ
_________________
(١) الكتاب ٢/ ٣١٢.
(٢) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٣٤٥.
(٣) سورة الفجر: آية ١٦.
(٤) سورة الأعلى: آية ٦.
[ ٤ / ١٦٣ ]
ورب الكعبة، وقالَ الله ﷿ (^١): ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ كما قال (^٢): ﴿إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾، وعن أبي بكر بن الأَنباري عن أَبي العبَّاس أحمد بن يَحيى يقول: لا يُوقف على "كلا" في جَميع القُرآن، لأنَّها جوابٌ، والفائدة فيما بَعدها، وقالَ بعضهم: يوقفَ على "كلَّا"، في جميع القُرآن؛ لأنها بمعنى انتبه، إلا في موضعٍ واحدٍ وهو قوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ ابن الدهان: والذي عليه أكثر العلماء أن "كلا" يحسن الوقف عليها إذا كانت ردًا للأوَّلِ بمعنى لَيْس الأمرُ كذلك، ويكون ما بعدها مستأنفًا، ويحسن الابتداء بها إذا كانت بمعنى "ألا" وحقًّا كقوله ﷿ (^٣): ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.
_________________
(١) سورة المدثر: آية ٣٢.
(٢) سورة يونس: آية ٥٣.
(٣) سورة المطففين: آية ١٥.
[ ٤ / ١٦٤ ]
[بابُ اللَّامَاتِ]
قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصنَافِ الحَرْفِ اللَّاماتُ: وهي: لامُ التَّعريف ولامُ جوابِ القَسَمِ، واللَّامُ المُوَطِئَةَ للقَسَمِ، ولامُ جوابِ "لَوْ" و"لَولا" [ولامُ الأمرِ] (^١)، ولامُ الابتداءِ، واللَّامُ الفارقةُ بين "إنْ" الخفيفة والنَّافية".
فأمَّا لامُ التَّعريفِ فهي اللَّامُ الساكنةُ التي تدخلُ على الاسمِ المنكورِ فتعرّفه تعريفَ جنسٍ كقولك: أهَلَك النَّاسُ الدِّينارَ والدِّرْهَمَ، والرَّجلُ خيرٌ من المَرأة أي: هذان الحجران المعروفان من بين سائر الأحجار، وهذا الجنس من الحَيوان من بين سائر أَجناسه، وتَعريف عهدٍ كقولك: ما فعل الرَّجل، وأَنْفَقْتُ الدَّرهم، لرجل ودرهم معهودين بينك وبين مُخاطبك".
قالَ المُشَرِّحُ: اعلم (^٢) أنَّ اللَّام لنفسِ الإِشارة لكن الإِشارة تقع إلى فردٍ لمخاطبك به عهد، وهذا هو المراد بتعريف العَهد، وأُخرى تقع إلى الجنس، وهذا هو المُراد بتعريف الجِنس، فمعنى اللَّام واحدٌ على كلِّ
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٨٢ شرح هذه الفقرة وعقب عليه بقوله: "أقول: والذي يقتضيه النظر أن اللام قد تكون أيضًا لتعريف الماهية أي: حقيقة الشيء مع قطع النظر إلى الجزئية أو الكلية، لأن الماهية من حيث هي هي لا جزئية ولا كلية، ومثالها قولك: اشتر اللحم أو الخبز فإنك لا تريد لحمًا بعينه، ولا تريد أيضًا جميع اللحم، والفرق بين هذه للجنس أن هذه يصح أن يقال فيها: اللحم نوع وكلي، ولو كانت للاستغراق لكان معناه: الجنس نوع أو كل واحد أو كلي وذلك باطل … ".
[ ٤ / ١٦٥ ]
حالٍ، لكن إن دخل على المعهود فهو لتعريف العهد، وإن دخل على الجنس فهو لتعريف الجنس، فاعرفه فإن غلط الناس فيه عظيم (^١)، وهي فائدة مذهبية.
قال جارُ اللَّه: "وهذه اللام وحدها هي لام حرف التعريف عند سيبويه، والهمزةُ قبلها همزة وصلٍ مجلوبةٍ للابتداء (^٢) بها كهمزة اينَ واسم، وعند الخليل أن حرف التعليل "أل" "كهل" و"بل"، وإنما استَمَرَّ بها التَّخفيف للكثرة".
قال المُشَرِّحُ: أمَّا مذهبُ سيبويه (^٣) فظاهر، وأمَّا مذهبُ الخَليلِ فقد قال ابن كَيْسان أنها في الأصل ألف قطع، ولكنها لما كثرت في الكلام استخفوا طرحها إذا كان قبلها كلام فأشبهت ألف الوَصْلِ.
قال جارُ اللَّه: "وأهل اليَمَنِ يجعلون مكانها الميم، ومنه (^٤): "ليس من امبرامصيام في امفسر" ومنه:
* يَرْمِي وَرَائِي بالسَّهْمِ وامْسَلِمَهْ *"
قال المُشَرِّحُ: الرِّوايةُ بالسَّهْمِ بتشديد (^٥) السين وامسلمهْ: بالميم الساكنة بعد الواو، والمُراد بها: السَّلِمَةُ بكسر اللَّام وهي الحِجَارة.
صدرُ البيت (^٦):
_________________
(١) في (ب): "كثير".
(٢) ساقط من (ب).
(٣) الكتاب ٢/ ٦٣، ٢٧٣.
(٤) حديث أخرجه الإِمام أحمد في مسنده ٥/ ٤٣٤ عن كعب بن أبي عاصم. وهو من رواية النمر بن تولب الشاعر الصحابي المشهور. ينظر الإِصابة ٦/ ٤٧٠.
(٥) في (ب) "بالتشديد".
(٦) البيت لبجير بن عَنَمَةَ -بالعين المُهملة- الطَّائي، أحد بني بولان بن عمرو بن الغوث بن طيء وأراد بهذا أخاه خالد بن عنمة الشاعر الجاهلي الطائي، كذا هو في المؤتلف والمختلف ص ٧٥، قال: وبجير القائل في أبيات: =
[ ٤ / ١٦٦ ]
ذاكَ خَلِيْلِيْ ذُو يُعَاتِبُنِي … يرمي البيت
قال جارُ اللَّه: " (فصلُ) ولامُ جوابِ القَسَمِ في قولك: واللَّه لأَفعلن".
قال المُشَرِّحُ: أمَّا لامُ اليَمين وجوابها فمعناها تأكيد معنى الخبر في المقسم عليه مع ربطه بحرف القسم كقولك: واللَّه ليقومنَّ زيدٌ.
قال جارُ اللَّه: "وتدخل على الفعلِ الماضي كقولكَ: واللَّه لكذبَ.
وقال امرؤُ القَيْسِ (^١):
حَلَفْتُ لَهَا باللَّهِ حَلْفَةَ فَاجرٍ … لَنَامُوا فَمَا إن من حَدِيْثَ ولا صَالِي"
قالَ المُشَرِّحُ: سيبويه (^٢): وسألتُ الخليلَ عن قولِ اللَّه (^٣) ﴿وَلَئِنْ﴾
_________________
(١) = إنَّ مولايَ ذُو يُعاتِبُني … لا إحْنَةٌ عِنْدَهُ وَلَا جَرَمَهْ ينصُرني مِنْك غيرَ معتَذرٍ … يرمِي ورَائِي بأمُسَهم وامْسَلَمَهْ توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ١٩٨، المنخل ص ١٩٢، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ١٧، وشرحه للأندلسي ٤/ ٢٨٣. وينظر: شرح الرضي ٢/ ١٣١، المُغني ١/ ٤٨، شرح شواهده ص ١٥٩، شرح أبياته ١/ ٢٨٧، الجنى الداني ص ١٤٠، شرح شواهد الشافية ص ٤٥١. قال ابن المُستوفي: "يريد" والسَّلمة، وهي لغة لحمير و"ذو" بمعنى الذي، وهي لغة لطيء، وإبدال الميم باللام لغة اليمن، فقد جاء في هذا البيت لغتان من قبيلتين مختلفتين". أقول: طيء قبيلة يمنية فلا غرابة في ذلك. وفي شرح الرضي ٢/ ١٣١ "وفي لغة حمير ونفر من طيء إبدال الميم من لام التعريف". وفي مجالس ثعلب ١/ ٥٨: "وهي لغة للأَزد مشهورةٌ". وينظر: تهذيب اللغة ١٥/ ٦٢٥.
(٢) ديوان امرئ القيس ص ٣٢. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ١٩٩. المنخل ص ١٩٢، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٢٠، شرحه للأندلسي ٤/ ٢٨٣. وينظر: الأصول ١/ ٢٤٢، الجنى الداني ص ١٣٥، المغني ص ١٨٨، ٧٠٨، شرح شواهده ص ٤٩٤، شرح أبياته ٢/ ٣٩٦، خزانة الأدب ٤/ ٢٢١.
(٣) الكتاب ١/ ٤٥٦.
(٤) سورة الروم: آية ٥١.
[ ٤ / ١٦٧ ]
أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ فقال (^١): المعنى ليظلن، وذهب بعض الكوفيين إلى أن "إن" أجيبت بجواب "لو" تشبيهًا بها (٢) من جهةِ المعنى، ولذلك زَعَمَ الفَرَّاءُ أن "لو" تستعمل في الاستقبال "كإن" (^٢).
قال جارُ اللَّه: "والأكثر أن تَدخُل عليه مع "قد" كقولك: واللَّه لقد خرج".
قال المُشَرِّحُ: لا يكاد يقول: واللَّه قام.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلُ) واللَّام الموطِئَةَ للقسم هي التي في قولك: واللَّه إن أكرمتني لأكرمنَّك".
قال المُشَرِّحُ: للنَّحويين في اللَّام الأولى والثانية في قولك: لئن زُرْتَني لأزورَنَّك ونحوه كلامٌ، فأكثر البَصريين (^٣) على أن اللَّام الأولى مؤكدةٌ، والثانية لامُ جوابِ القَسم بمعنى واللَّه إن زرتني لأزورنَّك. قال عليُّ بن عِيسى: ويصلح أن تكون الأولى جوابًا، والثانية مؤكدةً إلا أن الأُولى أحقٌ بالتأكيد، لأنه يجوز طرحها، ولا يجوزُ طرحُ الثانيةِ، وبعضهم يجعلها على تقدير قسمين بمعنى واللَّه إن زرتني، واللَّه لأزورنك. ذكر هذا أبو سَعِيْدٍ السِّيرافي عن أبي بكر مبرمان وغلَّطه أبو سعيد السِّيرافي؛ لأنَّ الشَّرطَ وحده لا يُفيد، وهذا يرجع إلى معنى التوكيد.
وقال الكُوفيون وكثيرٌ من البَصريين: اللَّامُ الأولى خلف من القسم، والثانية لامُ جواب القسمِ بتقدير: واللَّه إن زُرتني لأزورنَّك، وكان الزَّجاجُ: يُضَعِّفُ أن تكون الأُولى لامُ قسمٍ فيقول: إنك إنما تَحلف على فِعْلِكَ لا على فعلِ غَيْرِكَ. وإنما دخلت إعلامًا أن الجُملة بكاملها معقودةٌ بالقسم.
_________________
(١) في (ب): "قال".
(٢) ساقط من (ب).
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٨٥ شرح هذه الفقرة بتمامه.
[ ٤ / ١٦٨ ]
واعلم أنَّ العربَ إذا أدخلت هذه اللَّام على حرفِ الشَّرط آثروا الماضي على المُستقبل إشفاقًا على الإِتيان بمستقبلٍ [غيرِ] (^١) مجزوم لأنَّه يبطل منهاج القسم. ومن العرب من يجيء بمستقبل ويجزمه بـ "إنّ" بعدَ دُخول اللَّام عليه تغليبًا للأصل المعروف لها ولا يَلتفت إلى ما حدث من معنى اليَمين. فتقول: إن تزرني لأزورَنَّك، وإن تزرني أزرك، وعلى الأول فصحاء العرب، وبه نزل الكتاب ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ .. وَلَئِنْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ (^٢).
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) ولامُ جواب "لو" و"لولا" نحو قوله (^٣): (﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. وقوله (^٤): ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ودخولها لتأكيدِ ارتباطِ إحدى الجُملتين بالأُخرى".
قال المُشَرِّحُ: إنما دَخَلَتْ اللَّامُ في جوابِ "لَوْ" دونَ جَوَابِ "إن" لأنَّها غيرُ عاملةٍ بمنزلةِ "قَدْ" فَدَخَلَتْ توكيدًا لربطها فقط وأما "إن" فعاملة في الشّرط والجواب فدل انجزامه على ارتباطه بما قبله.
قال جارُ اللَّه: "ويجوز حذفُها كقوله تَعالى (^٥): ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ ويجوزُ حذفُ الجوابِ أصلًا كقولك: لو كان لي مالٌ وتسكت أي: لأَنفقتُ وفعلتُ [وفَعَلْتُ] (^٦)، ومنه قوله تعالى (^٧): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ وقوله (^٨): ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ ".
_________________
(١) عن شرح الأندلسي.
(٢) سورة الحشر: آية ١٢.
(٣) سورة الأنبياء: آية ٢٢.
(٤) سورة النساء: آية ٨٣.
(٥) سورة الواقعة: آية ٧٠.
(٦) ساقط من (أ).
(٧) سورة الرعد: آية ٣١.
(٨) سورة هود: آية: ٨٠.
[ ٤ / ١٦٩ ]
قال المُشَرِّحُ: أمَّا قولُهُ: لو كان لي مال وتسكت فذلك عند فضل الصدقة. وأمَّا قولُه تعالى (^١): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ فقد مضى تقدير جوابه المحذوف.
وأمَّا الآية الثانية فمعناها: لكنت أكفّ عنكم أذاكم.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) ولامُ الأمرِ نحو قولك: لِيَفْعَلْ زيدٌ وهي مكسورة، ويجوزُ تسكينها عند واو العطف وفائِهِ (^٢) كقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: إذا (^٣) اتصلت لام الأمر بواو العطف وفائه حسن فيها التَّسكين وهو قراءَة الجُمهور في قوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ على التَّشبيه بكَبْدٍ في كَبِدٍ، لأنَّها صارت معها كبعض حروفِ الكلمة في أنَّها لا يوقف عليهما ودونها، ونحوها ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ (^٤) و﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (^٥) بإسكان الهاء.
فإن سألتَ: فلم جازَ التَّسكين في هذه اللَّام دونَ لامِ "كَيْ"؟.
أجبتُ: للإِيْذَانِ بعملها، لأنَّ عملها التَّسكين. أمَّا إذا دخل (ثم) كقوله (^٦): ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ فقد اختلفوا فيه.
حجة من حرك أنّها لما كانت على أكثرِ من حرفٍ كانت في تقدير المُنفصْل، ولذلك يوقف عليها، فلم تكن بمنزلةِ الفاء والواو.
_________________
(١) سورة البقرة: آية ١٨٦.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٢ شرح هذه الفقرة.
(٤) سورة الأنعام: آية ٣.
(٥) سورة العنكبوت: آية ٦٤.
(٦) سورة الحج: آية ٢٩.
[ ٤ / ١٧٠ ]
وحجَّة من أسكن أن المِيْم من "ثُم" أعني ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ بمنزلةِ الفاءِ والواوِ، ومن ثمَّ قالوا (^١): أَرَاكَ مُنْتَفْخًا فجعلوا منْتَفْخًا من مُنْتَفِخًا بمنزلة كَبْدٍ وقال (^٢):
* فَبَاتَ مُنْتَصْبًا وَمَا تَكَرْدَسَا *
ومن ذلك ما أَنْشَدَهُ أَبُو زَيْدٍ (^٣):
* قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيْقَا *
وقد قُرِئَ بكسرِهِمَا معًا وهو مراد الخبر وغيره. قال الزَّجاجُ (^٤): وقد
_________________
(١) الكتاب ٢/ ٢٨٥.
(٢) البيت للعجاج في ديوانه ١/ ١٩٧. وينظر: الحجة لأبي علي ١/ ٣٠٩، تكملة الإِيضاح ص ٨، إيضاح أبيات الإِيضاح ١/ ٣٥٦، الخصائص ٢/ ٢٥٤، ٣٣٨، شرح الشافية ١/ ٤٥. وفي اللّسان: رجل مُكَرْدَسٌ: جمعت يداه ورجلاه فشدت، وأنشد البيت المذكور هنا. الرِّواية هنا "مُنْتَصْبًا" وهي رواية أبي علي الفارسي وغيره ويروى: "منتصًّا" وهي رواية الدّيوان واللسان: (نصص).
(٣) نوادر أبي زيد ص ١٧٠، ونصه: "قال العُذافر، وهو من كندة: قالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيْقَا وهاتِ بُر البخس أو دَقِيقَا واعجل بشحم نتخذ خرديْقا واشتر فعجّل خادِما لَبيْقَا واصبغ ثيابي صُبُغا تحقيْقَا من جيِّد العصر لا تشريْقَا وأنشد هذا البيت أبو محمد الأعرابي الغُندجَانِيُّ المعروف بـ "الأسود" في ضالة الأديب لسكين بن نضرة عبد لبجيلة كذا نقل عنه البغدادي في شرح شواهد الشافية ص ٢٢٧، والشاهد في تكملة الإِيضاح ص ٨، وإيضاح شواهد الإِيضاح ١/ ٣٥٥، والمنصف ٢/ ٢٣٧، والخصائص ٢/ ٣٤٠، ٣/ ٩٦، وضرائر الشعر ص ٩٧ … وغيرها.
(٤) معاني القرآن وإعرابه: ٣/ ٤٢٣ قال: "قُرئت: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ بكسر اللّام وكذلك قرأ أبو عمرو، والقراءة بالتسكين مع ثم كثيرة. وينظر معاني القرآن للفراء: ٢/ ٢٢٤.
[ ٤ / ١٧١ ]
حَكَى الفَرّاء فَتْحُها عن بَعْضِهِمْ، كما حُكَى بعضُ البَصريين فتح لامِ الإِضافةِ، وهما شاذَّان جدًّا.
قال جارُ الله: "وقد جاءَ حذفها في ضرورةِ الشّعر قال (^١):
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كلُّ نَفْسٍ … إذَا ما خِفْتَ من أمْرٍ تَبَالَا
قالَ المُشَرِّحُ: التَّبَالُ والتَّبَابُ متقاربان.
قال جارُ الله: " (فَصلٌ) (^٢) ولامُ الابتداء هي اللَّام المفتوحة في قولك: لَزَيْدٌ منطلقٌ، ولا تدخل إلا على الاسم والفعل المُضارع كقوله تَعالى (^٣): ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (^٤) وفائدتها توكيدُ مضمونِ الجُملةِ".
قالَ المُشَرِّحُ: هذه اللَّام هي لامُ الابتداءِ، وأمَّا اللام في نحو قوله تَعالى (^٥): ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا﴾، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ - ولولا نحو قوله تَعالى (^٦): ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ لقلت لامُ الابتداءِ في الأصلِ لامُ جوابِ القَسَمِ.
_________________
(١) هذا البيت مختلف في نسبته، فنسب إلى حسان بن ثابت وإلى الأعشى، وإلى أبي طالب عم الرسول -ﷺ-، ولم أجده في دواوينهم المطبوعة التي رجعت إليها. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ١٩٩، المنخل ص ١٩٢، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٢٤، وشرحه للأندلسي ٤/ ٨٥. وينظر: الكتاب ١/ ٤٠٨، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٩٨، المقتضب ٢/ ١٣٢، إعراب القرآن لابن النحاس ١/ ٢٩٧، أمالي ابن الشجري ١/ ٣٧٥، الإِنصاف ص ٥٣٢، التبيين ص ١٧٨، ضرائر الشعر ص ١٤٩، الجنى الداني ص ١١٣، المغني ص ٣٩٧، شرح شواهده ٢/ ٥٩٧، شرح أبياته الخزانة ٣/ ٦٢٩.
(٢) ساقط من (ب).
(٣) سورة الحشر: آية: ١٣.
(٤) سورة النحل: آية: ١٢٤.
(٥) ساقط من (ب)، سورة يوسف: آية: ٨.
(٦) ساقط من (أ)، سورة الحجر: آية: ٧٢.
[ ٤ / ١٧٢ ]
قالَ جارُ الله: "ويجوزُ عندنا إن (^١) زيدًا لسوف يقوم ولا يجيزه الكوفيون".
قال المُشَرِّحُ: الكلامُ فيه [قد مَضَى] (^٢) في أول قسمِ الأَفعال مُشبعًا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) واللَّامُ الفارقةُ في نحوِ قوله تعالى (^٣): ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ وقوله (^٤): ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ وهي لازِمةٌ لخبرِ "إنّ" إذا خُفِّفَتْ".
قال المُشَرِّحُ: هذه اللَّام قد مضى شَرْحُها في أول هذا الكِتَاب.
_________________
(١) في (أ): "إن لزيدًا".
(٢) في (ب).
(٣) سورة الطارق: آية ٤.
(٤) سورة الأنعام: آية ١٥٦.
[ ٤ / ١٧٣ ]
[بابُ تاءِ التَّأنِيْث]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحرفِ (تاءُ التَّأنِيْثِ الساكنة).
وهي التاء (السَّاكنة) (^١) في ضربتُ، ودخولها للإِيذانِ من أَول الأمر بأن الفاعل مؤنث، وحقها السكون، ولتحركها في رمتا لم ترد الألف الساقطة لكونه عارضًا إلا في لغة رديئة يقول أهلها رماتا".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما حقها السكون، لأنها حرف، والأصل في الحروف البناء، والأصل في البناء السكون. الألف في رمت سقوطها للهرب من التقاء الساكنين، وكذلك رمتا، لأن التاء وإن تحركت إلا أن تحركها عارض لم يعتد به.
فإن سألتَ: فكيف قالوا: لم يخافا، فأعادوا الألف مع أن تحرك اللام عارض، لأن أصله السكون، بدليل قولهم: لم يخف؟.
أجبتُ: أَيْشٍ تَعْنِي بقولِكَ: تحرك اللّام في لم يخافا عارض أتعني أن الدَّلِيْلَ قد دل على سُكونه؟ أم تَعني به شيئًا آخر؟ إن عنيتَ به شيئًا آخر فلا بدّ من تِبْيَانه، وإن عنيتَ ذلك قلنا: النَّظَرُ إلى فعلِ الواحدِ اقتَضى سكون اللَّامِ، فالنَّظَرُ إلى أن نقل الجَزْمِ من فعلِ الاثنين من اللام إلى النُّون يقضي أن لا تسكن اللام فوقع التعارض بينهما فلا بدَّ من التَّرجِيْحِ من وجه آخر.
_________________
(١) المفصل (خ).
[ ٤ / ١٧٥ ]
[باب التنوين]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحَرْف (التَّنوين)، وهو على خمسة أضربٍ: الدَّالَّ على المكانة في نحو: زَيْدٍ ورجلٍ، والفاصِلُ بين النكرة والمعرفة في "صهٍ"، و"مهٍ"، و"إيهٍ"، والعوضُ من المضاف إليه في "إذٍ" و"حينئذٍ"، ومررت بكلٍّ قائمًا، ولات أوانٍ، والنائِبُ منابَ حرفِ الإِطلاقِ في إنشادِ بني تَمِيْمٍ: في نحو قولِ جريرٍ (^١):
أَقِلّي اللَّومَ عاذِلَ والعِتَابَنْ … وقُوْلِيْ إن أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَاْبَنْ
والتَّنوين الغالي في نحو قولِ رؤبة (^٢):
_________________
(١) ديوان جرير ص ٨١٣. من قصيدة يهجو بها الراعي النميري. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٠، المنخل ص ١٩٢، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٣٤، شرح الأندلسي ٤/ ٢٨٩. وينظر: الكتاب ٢/ ٢٩٨، شرح أبياته لابن السِّيرافي ٢/ ٣٤٩، المقتضب ١/ ٢٤٠، الأصول ٢/ ٣٨٦، ٣٨٨، المنصف ١/ ٢٢٤، ٢/ ٧٩، سر صناعة الإِعراب ٢/ ٤٧١، ٤٧٩، ٤٨٠ الخصائص ١/ ١٧١، ٢/ ٩٦، أمالي ابن الشجري ٢/ ٣٩، خزانة الأدب ١/ ٣٤، ٤/ ٥٥٤.
(٢) ديوان رؤبة ص ١٠٤. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٠، المنخل ص ١٩٣، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٣٤، شرحه للأندلسي ٤/ ٢٨٩. وينظر: الكتاب ٢/ ٢٠٣، شرح أبياته لابن السّيرافي ٢/ ٣٥٣، الإِيضاح لأبي علي ص ٢٥٤، شرح شواهده إيضاح شواهد الإِيضاح ص ٣١١، الخصائص ٢/ ٢٢٨، المحتسب ١/ ٨٦ سر صناعة الإِعراب ص ٤٩٣، ٦٣٦، المنصف ٢/ ٣، رصف المباني ص ٣٥٥، الخزانة ١/ ٣٨، ٤/ ٤٠١.
[ ٤ / ١٧٧ ]
* وَقَاتِمِ الأَعْنَاقِ خَاوِيْ الْمُخْتَرَقْن *
ولا تَلحق إلا القافية المُقَيَّدة".
قالَ المُشَرِّحُ: التَّنويْنُ غنّةٌ في الخَيْشُوم تلحق آخر الاسم الخفيفِ.
فإن سألتَ أَلَيْسَ إن التَّنوين في "صَهْ" و"رَجُل" للتَّنكير فلم جَعَلْتَ التَّنوين في رجلٍ قِسْمًا بِرَأْسِهِ، وفي صَهٍ قسمًا؟.
أجبتُ هب أن التَّنوين في "رجلٍ" يدلُّ على التنكير (^١)، فعلى الخِفّة أيضًا يدلُّ، وذلك لإِمكان الصّرف وامتناعه فيه بخلاف صهٍ فإنه لا يتأتى فيه ذلك، والفَرق بين صه وصهٍ أنك في الثاني لا تبتُّ الكلامَ جملةً، وإنما تُريد بذلك أن تُمسك قدرًا من الزَّمان، وقيل: صهٍ بالتنوين اِفعل سكوتًا، وبغير التنوين افعل السُّكوت الذي تعرفه. التَّنوين الذي هو عوض من المضاف إليه في "إذٍ" و"حينئذٍ"، وقد مضى هذا في قسمِ الأَسماءِ. بنو تميم ينوبون بالتنوين مناب حرف الإِطلاق. قال الإِمام عبد القاهر الجُرجاني (^٢) إنما يفعلون ذلك إذا أرادوا تركَ الترنم والغناء، لأجلِ أن التَّنوين ليسَ فيه من الامتداد ما في الألف وأختيها، وهو مع ذلك يشاكل حروف اللّين لما فيه من الغُنة.
والتَّنوين الغالي في نحو قولِ رؤبة:
* وَقَاتِمِ الأَعْنَاقِ خَاوِي المُخْتَرَقِنْ *
بفتح الرَّاء وكسرِ القاف وسكون النُّون، ولا يلحق إلا القافية المُقَيَّدةَ. العرض في إلحاق هذا التّنوين: الدِّلالة على الوَقف من أجل أن الشّعر مسكنُ الآخرِ فلا يُعلم أواصل أنت أم واقفٌ، فإذا لحقت هذه الزّيادة فصل
_________________
(١) قال الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٨٩: "قال الخوارزمي: التنوين في رجل دليل على التنكير لا غير … ".
(٢) المقتصد ١/ ٧٥.
[ ٤ / ١٧٨ ]
الوقف من الوصل، وهذه الزيادة في آخرِ البيتِ بمنزلةِ الزّيادة في أوله المسماة بالجزم.
تخميرٌ: الوَقْفُ على القوافي المُطلقة على ثلاثةِ أوجهٍ (^١):
أمَّا أهلُ الحِجَازِ فيتركون القوافي على حالِهَا في الترنم منونها وغير منونها، للفرق بين النَّظم والنثر.
وكثيرٌ من بني تميم يبدلون المدّة نونًا في ما ينون وفي ما لا ينون فهذان وجهان.
الثالث: إجراء النَّظم مجرى النّثر في قوله (^٢):
* واسأَل (^٣) بِمَصْقَلَةَ البَكْرِيِّ مَاْ فَعَلْ *
ما بعد بيت رؤبة:
* مُشْتَبِهُ الأَعْلَامِ لَمّاعُ الخَفَقْ *
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والتَّنوين ساكنٌ أبدًا إلا أن يُلاقي ساكنًا آخر
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٠ شرح هذه الفقرة بتمامها، ولم ينسبها إلى الخوارزمي، قال: "واعلم أن الوقف على القوافي على ثلاثة أوجه: أما أهل الحجاز … ".
(٢) البيت للأخطلِ في شعره ص ١٥٧، وصدره هناك: * دَعِ المُغَمَّرَ لا تَسأَلْ بِمَصْرَعِهِ * ومَصْقَلَةُ البكري: هو مصقلة بن هُبيرة الشَّيْبَانِيُّ والمغمَّر: المقصود به القعقاع بن شور الذُّهْلِيُّ: كذا في شرح ديوانه. وروايته في الدّيوان: "ما فعلا" من قصيدة مفتوحة اللام. والشاهد في الكتاب ٢/ ٢٩٩، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٣٥٧، المعاني الكبير ٣/ ٢١٤، الأصول ٢/ ٣٨٨. أخبار مصقلة في المعارف ص ٤٠٣، عيون الأخبار ٣/ ٥٠. أخبار القعقاع في عيون الأخبار ١/ ٣٠٦، جمهرة الأنساب ص ٣١٩.
(٣) في (أ): "وأفعل".
[ ٤ / ١٧٩ ]
فيكسر أو يُضم، كقوله تَعالى (^١): ﴿وَعَذَابِنِ (٤١) ارْكُضْ﴾ وقُرئ بالضَم (^٢)، وقد يُحْذَفُ كَقَوْلِهِ:
فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ … وَلَا ذَاكِرِ اللهَ إلَّا قَلِيْلَا
وقُرِئ (^٣): ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: القياس فيه الكَسر، والضَمُّ اتباع.
فإن سألتَ: لم كان القياس الكَسر؟.
أجبتُ: لأنه (^٤) لو انفتح لأوهم الإِضافة، كما تقول: أكرم جارنا زيدَنَا الظّريفَ، وغلامَنَا الفاضلَ، نصبوا الاسمين مع حذف التنوين، كما كانُوا ينصبون مع إثباته لما كان المحذوف في حكمِ الاثبات. ونظيرُهُ ما حكاه أبو الحسن من أن بعضهم قال في: ﴿الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (^٥) فأمال الفَتحة التي تلي اللَّام من ﴿القَتْلَى﴾ إلى الكسرة كما تُميلها، والألف التي في ﴿الْقَتْلَى﴾ ثابتةٌ، لأن الألفَ التي (^٦) في ﴿الْقَتْلَى﴾ حذف لالتقاء الساكنين، والمحذوف لالتقاء الساكنين في حكم الثبات، ومنه قولهم: (يعفر) غير منصرف (^٧)، لأنه في تقدير ثبات الفتحة، قُريء في الشَّواذِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ بغير تنوين استخفافًا، أو فرارًا من التقاء السَّاكِنَيْنِ.
البيت لأبي الأسود وقبله (^٨):
_________________
(١) سورة (ص): الآيتان ٤١، ٤٢.
(٢) القراءة في إتحاف البشر ص ٣٧٢.
(٣) القراءة. وهما الآيتان ١، ٢ من سورة الإخلاص.
(٤) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٠ شرح هذه الفقرة.
(٥) سورة البقرة: آية ١٧٨، القراءة في غيث النفع ص ١٤٩.
(٦) ساقط من (ب).
(٧) في (أ): "معروف".
(٨) تقدم هذا البيت في الجزء الثاني من هذا الكتاب ص ١٨٠.
[ ٤ / ١٨٠ ]
فَذكَّرتُهُ ثمَّ عاتَبْتُهُ … عِتَابًا رَفِيْقًا وقولًا جَمِيْلَا
فَأَلْفَيْتُهُ … البيت
سبب هذا الشّعر أن رجلًا يقال له: نسيب بن حميد كان يغشى أبا الأسود ويتحدث (^١) إليه ويظهر له محبة شديدة فقال يومًا لأبي الأسود: قد أصبت مستقة (^٢) أصبهانية وهي جبة [فراء طويلة الكمين فقال أبو الأسود: أرسل بها إلي حتى أنظر إليها، فأرسل بها اليه [فأعجبت أبا الأسود] (^٣) فقال لنسيب بعنيها بقيمتها فقالَ: لا بلى أكسوكها، فأبى أبا الأسود أن يقبلها إلا بشراءٍ فقال له (^٤): أرها من يبصر بها ثم هات قيمتها، فأراها أبو الأسود فقيل له (٤): هي ثمن مائتي درهم، فذكر (^٥) ذلك لنسيب، فأبى أن يبيعها، فزاد أبو الأسود حتّى بلغ بالثَّمن مائتين وخمسين درهمًا، فأبى نسيب بيعها (^٦) وقال: خُذها هبةً. فيقول: ذكره ما بيننا من المودة فوجدته غير راجعٍ عن قُبح ما يقول.
_________________
(١) وقد نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٠ قصة هذا البيت في الخوارزمي دون إشارة إليه. وما ذكره المؤلف مخالف لما ورد في ديوانه ص ١٢٢، عن الأغاني ١٢/ ٣١٠ وغيره. وأورد هذه القصة البغدادي في خزانة الأدب ٤/ ٥٥٦ قال: "وقد أورد ابن السيرافي في شرح أبيات الكتاب سببًا لهذه الأبيات لا يلائمها وتبعه ابن خلف وابن المستوفى وغيرهما، وهو مما لا يكاد يقضي منه العجب. ينظر شرح أبيات الكتاب لابن السيرافي ص ٩١، وشرحها لابن خلف، وإثبات المحصل ص ٢٠١. والخوارزمي إنما نقل هذه القصة عن ابن السيرافي على عادته في النقل عنه وعدم الإِشارة إليه كما أوضحت في المقدمة. والأمر الغريب أن أبا محمد الأعرابي (الأسود الغندجاني) لم يتعقب ابن السيرافي في ذلك في رده عليه في (فرحة الأديب)؟!.
(٢) في (ب): "ويتحبب".
(٣) كلمة فارسية معربة، ذكرها الجواليقي في المعرب ص ٣٠٨ قال: "أبو عبيد: المساتق: فراء طوال الأكمام، واحدتها مستقة وأصلها بالفارسية مسته فعرب".
(٤) ساقط من (أ).
(٥) في (أ): "فقال … ".
(٦) في (ب): "أن يبيعها".
[ ٤ / ١٨١ ]
[بابُ النُّون المُؤَكِّدةَ]
قالَ جارُ الله: "ومن أَصنافِ الحَرفِ (النُّون المؤكدة) وهي على ضَربين خفيفةٌ وثقيلةٌ (^١)، فالخفيفةُ تقعُ في جميعِ مواضعِ الثقيلة إلا في [فعل] (^٢) الاثنين، وفعل جماعة المؤنث تقول: اضرِبَنَّ، واضرِبُنَّ، واضرِبِنَّ، [واضرِبَنَّ واضرِبُنَّ واضرِبِنَّ] (^٣) وتقول اضربان واضربنَان، ولا تقول: اضربان ولا اضربنان إلا عند يُونس" (^٤).
قالَ المُشَرِّحُ: إذا أتيت بالنُّون الخفيفة فأنت مؤكِّد، قال الخليلُ: فإذا أتيت بالثَّقيلة فأنت أشدُّ توكيدًا، وإنما فتحت ما قبل هذه النون في فعل الواحد المذكر مجزومًا كان أو مرفوعًا لأنَّك أبطلتَ إعراب الفعلِ فأسكنته ثم بنيته على الفتحِ لاجتماع أمرين:
أحدهُما: اجتماعُ الساكنين؛ لأن النون الخَفيفة ساكنة والشَّديدة نونان الأولى منهما ساكنة.
والأمرُ (^٥) الآخرُ: وقوعُ الالتباسِ، إذ لو كُسر لوقع الالتباس بفعلِ
_________________
(١) في المفصل (خ): "ثقيلة وخفيفة".
(٢) ساقط من (أ).
(٣) ساقط من (أ).
(٤) الكتاب ٢/ ١٥٥.
(٥) في (أ).
[ ٤ / ١٨٣ ]
المؤَنَّث في لا تضربن زيدًا، ولو ضمَّ لالتبس بفعل جماعةِ الرِّجالِ في لا تَضربُنَّ زيدًا، لأن الأَصل لا تضربِي يا امرأة، ولا تضربُوا يا رجال فالكَسرُ والضَمُّ فيهما يدلان على الياء والواو المحذوفين.
فإن سألتَ: فكيفَ سقطت الواوُ في اضربُن وبقيت الألف في اضربَان؟.
أجبتُ: أمَّا سقوطُ الواوِ في اضربُن فللتَّخفيف مع حصول الغرض من ثبوت الواو. أمَّا بقاءُ الألف في اضربان فلئلا يلتبس (^١) عند سقوط الألف بفعل الواحد.
حَذَفُوا النُّون التي هي علامة الرفع في فعل الاثنين والجميع والمؤنَّث (^٢) من قولهم: تَفعلان وَيفعلون وتَفعلين لاجتماع أمورٌ منها بطلان الإِعراف مع دخولِ هذه النُّون (^٣)، ومنها أن ما قبلها لما انفتح في فعلِ الواحد المذكَّر كأنه صار منصوبًا (^٤) وتلك النُّون تُحذف منه في حال النصب، ومنها كراهة التضعيف باجتماع ثلاث نونات فيه.
الخَليلُ وسيبويه (^٥): كلُّ موضعٍ تدخل فيه النُّون الثقيلة فإنه تدخل فيه الخفيفة إلا في موضعين، فعل الاثنين، وفعل جماعة المؤنَّث، وذلك لأنها لا تخلو من [أحد] (^٦) ثلاثة أشياء.
إمّا أن تترك ساكنة بعد الألف فيجتمع في ألف (^٧) الوصل ساكنان، وليس ذلك من كلام العرب في الوسط إلا أن يكون الحرف الذي بعد الألف مدغمًا في مثله نحو: دابّة وشبهها.
_________________
(١) في (ب): "لالتبس".
(٢) في (ب): "والجمع المؤنث".
(٣) ساقط من (ب).
(٤) في (ب): "صار كأنه منصوب".
(٥) الكتاب
(٦) في (ب).
(٧) ساقط من (ب).
[ ٤ / ١٨٤ ]
وإمَّا أن تحذف الألف قبلها لاجتماع ساكنين (^١) فيصير فعل الاثنين كفعل الواحد فيلتبس به ويصير دخول الألف وخروجها بمنزلتِهِ في فعلِ جماعةِ المؤنَّث فتذهب فائدتها بغير ضرورة.
وإما أن تكسر لالتقاء الساكنين فتكون قد حركتا [ساكنًا] من غير اضطرار إلى ذلك، وكان يونس وجماعة من نحويي البصرة والكوفيين يجيزون ذلك ولهم في النُّطق بها وجهان:
أحدُهُما: أن يدعوها ساكنة في الوصل، لأن المدَّةَ التي قبلها بمنزلة حرف متحرك. وقد حكي عن بعضهم: "حَلْقَتَا البطان" غير محذوف الألف في الوصل.
والآخر: أن تكسروها في الوصل، لاجتماع الساكنين كما كسروا النون من قولهم الزيدان يقومان ونحوه، وقرأ ابن عامرٍ (^٢): ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ بكسر النُّون خفيفةً.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا يؤكد بها إلا الفعل المستقبل الذي فيه معنى الطلب، وذلك ما كان (^٣) قسمًا أو أمرًا أو نهيًا أو استفهامًا أو عرضًا أو تمنيًا كقولك بالله لأَفْعَلَنَّ، وأَقسمتُ عليك إلّا تَفْعَلَنَّ ولما تَفْعَلَنَّ، واضربنَّ ولا تخرجُنَّ، وهل تَذْهَبَنَّ، وألا تَنْزِلَنَّ وليْتَكَ تَخُرُجَنَّ".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما لَزِمَت النُّونُ المضارعَ في جوابِ القسمِ بعدَ اللَّامِ (^٤) ليخلص الفعل للاستقبال ويخرج عن شبه (^٥) الحال فكان النون أولى بهذه الإِفادة؛ لأنها تدخل زائدةً مؤكدةً والموضع موضع التَّأكيد، وكذلك مقام
_________________
(١) في (ب): "الساكنين".
(٢) سورة يونس: آية ٨٩، وقراءة ابن عامر في
(٣) في (أ): "أن ما كان" وهذه الزيادة غير موجودة في المفصل.
(٤) في ساقط من (ب).
(٥) في (ب): "شبهة".
[ ٤ / ١٨٥ ]
الأَمرُ والنَّهيُ، لأن الحاجة تشتد إلى توكيدهما، والاستفهام مشبهٌ بالأمر، لأنَّ معناه: أخبرني. العرض بمنزلة الأمر ألا تَرى أنَّ قولَكَ: [أَلَا تنزلن] (^١) معناه: انزل، وكذلك [يقوم مقام الأمر والنهي و] التمني، لأن ليتلك تخرجن بمنزلة اخرج.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا يؤكد بها الماضي، ولا الحال ولا ما ليس فيه معنى الطَّلب".
قال المُشَرِّحُ: إنما (^٢) لم يؤكد بها الماضي ولا الحال لاستحالة الطلب فيها.
قالَ جارُ الله: "وأما قولهم في الجزاء المؤكد حرفه بـ "بما" إما تفعلن قالَ الله تَعالى (^٣): ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ وقال (^٤): ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فلتشبيه "ما" بلام القسم في كونها مؤكدةً، وكذلك قولهم: حيثما تَكوننَّ آتك".
قالَ المُشَرِّحُ: "ما" في قولهم: إما تفعلن لتأكيد معنى المجازاة، كأنه يفيد زيادة عموم، ومزيّة تقرير اعتَبِرْهُ بـ "حيث" و"حيثما" و"أين" و"أينما" فقولك: إمّا تفعلن معناه: إن اتَّفق منك وجود الفعل بوجهٍ من الوُجوه فـ "ما" في المجازاة بمنزلة اللَّامِ في القَسَمِ، وما ها هنا هي المُسلطة، لأنَّها سلطن حرف الجزاء على استجابة نون التوكيد.
قال جارُ اللهِ: "وبجهدٍ ما تَبْلغن، وبعينٍ ما أرينَّك".
قال المُشَرِّحُ: بجهد مَّا تبلغن: كأن معناه: ليكونن بلوغك بجهد بعين
_________________
(١) في (أ): "انزلن".
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٣ شرح هذه الفقرة.
(٣) سورة مريم: آية ٢٦.
(٤) سورة الزخرف: آية ٤١.
[ ٤ / ١٨٦ ]
ما أرينّك وقد مضى في هذا القسم تفسيره.
قال جارُ الله: "فإن دخلت في الجزاء بغير ما ففي الشعر تشبيهًا للجزاء بالنَّهي".
قال المُشَرِّحُ: هذا كقولك: إن تزرني أَزُرْكَ، إنما جارُ دخول النُّون فيه تشبيهًا للجزاء بالنّهي حيث كانا مجزومين غير واجبين، لأنهما يشتركان في معنى الشَكّ.
قال جارُ الله: "ومن التَّشبيه بالنَّهي دخولها في النفي وفيما يقاربه من قولهم: رُبّما يقولَنّ ذاك، وكثر (^١) ما يقولن ذاك. قال [عمر بن هند] (^٢):
رُبَّما أَوْفَيْتُ في عَلَمٍ … يَرْفَعَنْ ثَوبي شَمَالَاتُ"
قال المُشَرِّحُ: النَّفي (^٣) يشابه النَّهي، ومن ثم يتساوى الكلام المنفي، والكلام المنهي في كونه غير موجب قلّ، قد أجري مجرى المنفي لأنَّ أقربَ شيءٍ إلى المَنفى القَليل، كما أن أَبعد شيءٍ منه الكثير. قال أبو العَبَّاس (^٤):
_________________
(١) في (أ): "وكثير".
(٢) عن المفصل (خ) وشرح ابن يعيش والأندلسي وغيرهما.
(٣) قال الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٤: "قد ألحق ابن جني النفي بهذا الضرب، قال سيبويه: ويلحقها بعد لم، لأنها لما كانت جازمة أشبهت لا الناهية، وهذا لا يجوز إلا في اضطرار، وقد أعاد ابن جني هذا الحكم في "شرح الإِيضاح" فقال: وتدخل النون في النفي كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، فجعل: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نفيًا وغيره يجعله نهيًا، لأنه بعد الأمر كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ وقال في "الخصائص" مثال دخول التنوين في النفي قولك: قلما يقولن ذلك زيد، وقالوا: أقسمت لما تفعلن، لأنها طلب كالأمر والنهي، وقال أبو علي: نون التوكيد لا تدخل على النفي ثم اعترض بقول الشاعر: قليلًا به ما يحمدنك وارث … إذا نال مما كنت تجمع مغنما فأجاب: بأن النون إنما دخلت هنا حملًا على المعنى".
(٤) في (أ) أبو سعيد، والصواب ما أثبته من نسخة (ب)، وفي نص الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٤ المنقول عن الخوارزمي "قال المبرد" والمبرد هو أبو العباس.
[ ٤ / ١٨٧ ]
إذا قلت: قَلَّ رجلٌ يقول ذاك إلا زيد فهذا نفى كثر رجلٌ يقول ذلك إلا زيدٌ، وليست هذه "قل" التي تريدها قلَّ الشيءُ، وإنما تريد ما يقول ذاك إلَّا زيدٌ. انتهت ألفاظه.
تخميرٌ: وأقلُّ رجلٍ على أَفعل التَّفضيل والإِضافة كذلك. ابنُ السَرَّاج فقالُوا: أقلُّ رجلٍ يقول ذلك إلا زيدٌ، ربما كان يقتضي تقليل الفعل الذي وقع عليه فكذلك يقتضي تقليل ما وقع عليه حالًا كقولك: ربما رَمَى، فالرّمي ها هنا قليلٌ.
البيت لجُذَيْمَةَ الأَبْرَشُ وبعده (^١):
في فُتُوٍ أنا رابِئُهُمْ … مِنْ كلالٍ عزوةٍ مَاتُوا
الفتو: جمعُ فتى. ربأتُ القومَ: إذا كنتَ لهم طليعةً فوق شرفٍ.
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وطرح هذه النُّون شائعٌ في كل موضع إلا في القسم فإنه فيه ضعيفٌ وذلك قولك: [والله] (^٢) ليقومن زيد" (^٣).
_________________
(١) توجيه البيت وإعرابه في إثبات المحصل ص ٢٠٢، المُنخل ص ١٩٣، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٤١، شرحه للأندلسي ٤/ ٢٩٥. وينظر: الكتاب ٢/ ١٥٣، شرح أبياته لابن السيرافي ٢/ ٢٨١، نوادر أبي زيد ص ٥٣٦، الإيضاح لأبي علي ص ٢٥٣ إيضاح شواهد الإِيضاح ١/ ٣٠٦، التمام لابن جني ص ٢١٠، أمالي ابن الشجري ٢/ ٢٤٣، ضرائر الشعر ص ٢٩، خزانة الأدب ٤/ ٥٦٧. وجاء في النوادر عن أبي الحسن عن أبي العباس … قال ولا أعرف لجذيمة غير هذا الشعر. وينظر: المؤتلف والمختلف ص ٣٩. قال ابن المستوفي في إثبات المحصل: في فتو أنا كالئوهم … في بلايا عورة باتُوا ويروي: في شبابٍ أنا رابئهم … هم لدى العورات صمّاتُ ثم أورد عن الجوهري كرواية المؤلف.
(٢) عن المفصل (خ).
(٣) في (ب): "ليقوم".
[ ٤ / ١٨٨ ]
قال المُشَرِّحُ: هذه النون يجوز دخولها وخروجها من جميع ما ذكرنا إلا من القسم وحده إذا كان في أول الفعل لام القسم خاصةً، وذلك لإِزالة اللبس لأن هذه اللام قد تدخل على خبر "إن" نحو ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (^١) فإذا قلتَ: إن زيدًا ليقومُ اشتبه الحال أهو لام القسم أم لام الابتداء.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإذا لقي الخفيفة ساكن بعدها حذف حذفًا، ولم تحرك كما حرك التّنوين فتقول: لا تضرب ابنك قال (^٢):
لا تُهِينَ الفَقِيْرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْر قَدْ رَفَعَهْ
أي: لا تهينَنَّ".
قال المُشَرِّحُ: النون الخفيفة إذا لقيها ساكنٌ من كلمة أخرى حذفت
_________________
(١) سورة النحل: آية ١٤٦.
(٢) قال ابن المستوفي في إثبات المحصل ص ٢٠٣: "البيت للأضبط بن قُريع السَّعدي، وأوله: لكل ضيق من الأمورِ سَعَهْ … والمَسْيُ والصُّبحُ لا فَلَاحَ مَعَهْ أكرمن الضَّعيف علك أن … تركعَ يومًا والدَّهرُ قد رَفَعَهْ وصل وصال البَعيد إن وصل … الحبل واقص القريب إن قَطَعَهْ واقبل من الدهر ما أتاك به … من قر عينا بعيشه نَفَعَهْ قد يَجمع المال غيرَ آكله … ويأكلُ المالَ غيرُ من جَمَعَهْ وقد وردت الأبيات في مصادر مختلفة مع اختلاف في روايتها وتقديم وتأخير وزيادة ونقص في أبياتها، ومن هذه المصادر البيان والتبيين، والشعر والشعراء، ومجالس ثعلب، وأمالي أبي علي القالي، والأغاني وحماستي ابن الشجري والبصري وغيرها. ويروي الشاهد: "لا تعاد الفقير" فعلى هذه الرواية ورواية ابن المستوفي لا شاهد فيه. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٣، المنخل ص ١٩٤، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٤٣، ٤٤، شرح الأندلسي ٤/ ٢٩٥. وينظر: الإِنصاف ص ٢٢١، المقرب ٢/ ١٨، رصف المباني ص ٩٦٠، المغني: ١٥٥، شرخ أبياته ٣/ ٣٧٩، خزانة الأدب: ٤/ ٥٨٨.
[ ٤ / ١٨٩ ]
لالتقاء الساكنين كما يُحذف حرف (^١) المدّ واللّين وترك ما قبلها على حركتِه ولم تُحرك (^٢) كما يحرك التنوين وذلك لضعف علامة تمكين الفعل من حيث أنك في الإِتيان بها وتركها مخيَّرٌ، وليس كذلك علامة تَمكين الاسم؛ لأن الإِتيان بها واجبٌ في الاسم المنصرف.
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٧ شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ١٩٠ ]
[باب هاء السكت]
قال جارُ اللَّه: "ومن أَصناف الحرف (هاءُ السَّكت) وهي التي في (نحو) قوله (^١): ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ وهي مختَصَّةٌ بحالِ الوَقْفِ، فإِذا أدرجت قلت: ﴿مَالِيْ هَلَكَ﴾، ﴿وسُلْطَانِيَ خُذُوهُ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: هاء السَّكتِ (^٢) تُزاد في الوَقْفِ خاصةَّ لبيان الحركةِ نحو ﴿مَالِيَهْ﴾ ﴿وسُلْطَانِيَهْ﴾ أو عوضًا مما حذف من الكلمة كقولك: [قِهْ وعِهْ] (^٣).
قال جارُ اللَّه: "وكلُّ متحرك ليس حركتُهُ حركةً إعرابيةً يجوز عليها الوقف بالهاء نحو ثمه، [وليتَمه، وكيفَه] (^٤)، وإنه وحيهله، وما أشبه ذلك".
قال المُشَرِّحُ: الأصل في هاء السكت أن تلحق الأفعال التي هي على حرفٍ واحدٍ فلذلك اختصت بالمبنيات.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وحقها أن تكون ساكنة وتحريكها لحنٌ ونحو ما في [إصلاح]، ابن السكيت (^٥) من قوله:
_________________
(١) سورة الحاقة: الآيتان ٢٨، ٢٩.
(٢) في (ب) الوقف.
(٣) في الأصل: "ده وقه".
(٤) في (أ): "كيفه وليتمه" وما أثبته من (ب) يؤيده ما في المفصل.
(٥) إصلاح المنطق ص ٩٢، ونسبه ابن يعيش في شرحه ٩/ ٤٦ إلى عروة بن حزام العذري، قال البغدادي في الخزانة ٤/ ٥٩٣: "ولم أجد هذا الرجز في ديوان عروة، ولعله ثابت فيه من رواية أخرى". =
[ ٤ / ١٩١ ]
* يا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارِ عَفْرَا *
* يا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارِ نَاجِيَهْ (^١) *
مما لا معرج عليه في القِيَاس واستعمالِ الفُصحاء، ومعذرة من قالَ ذلك أنَّه أَجرى الوصل مجرى الوقف مع تشبيهه هاء السكت بهاء الضَّمير".
قال المُشَرِّحُ: الوصلُ قد يُجرى مُجرى الوقف، وذلك نحو ثلاثهربعة على ما يَجيء في المُشترك إن شاء الله. أول البيت الأول:
إذا أتى قَرَيْتُهُ بمَاشَا
من الشَّعِيْرِ والحَشِيْشِ والمَا
رحّب بحمارها لمحبته إياها، ونحوه (^٢):
أحِبُّ لِحُبِّها السُّودَان حتَّى … أُحِبُّ لِحُبِّها سَوْدَ الكِلَابِ
قال أَبو سَعِيْدٍ: هذه الأَبيات على وجهين: المَدُّ والقَصْرُ.
_________________
(١) = توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٤، المنخل ص ١٩٤، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٤٦، شرحه للأندلسي ٤/. وينظر: المنصف ٣/ ١٤٢، ما يجوز للشاعر في الضرورة ص ٣١، الخزانة ٤/ ٥٩٣. بعد البيت: إذا دنا قَرَيْتُهُ بماشَا من الحَشِيْشِ والشَّعير والمَا قال المَرَاغِي في المنخل: "قال الحضرمي: يُروى في حركة الهاء الضم والكسر جميعًا، وهو منصوب على أنه مفعول به أو مصدر، والمنادى محذوف، أي: يا قوم مرحباه".
(٢) لم ينسب إلى قائل معين. توجيه إعراب البيت وشرحه في: إثبات المحصل ص ٢٠٤، المنخل ص ١٩٤، شرح المفصل لابن يعيش ٩/ ٤٦، ٤٧. وينظر: معاني القرآن ٢/ ٤٢٢، المنصف ٣/ ١٤٢، ضرائر الشعر ص ٥١، الخزانة ١/ ٤٠٠.
(٣) هذا البيت لم ينسب إلى قائل معين أنشده ابن قتيبة في عيون الأخبار ٤/ ٣٤، والزجاجي في الجمل ص ١٩٥، وشرح أبياته الحلل ص ٢٥٩، وأنشده ابن يعيش في شرحه ٩/ ٤٧، والأندلسي في شرحه أيضًا ٤/ ٢٩٦ عن المؤلف.
[ ٤ / ١٩٢ ]
[باب شين الوقف]
قال جارُ اللَّه: "ومن أصناف الحرف (شين الوقف) وهي الشين التي تلحقها بكاف المؤنث إذا وقف من يقول: أكرمتش ومررت بكش، وتسمى الكَشْكَشَةُ وهي في تَمِيْمٍ، والكسكسة وهي في بكر، وهي إلحاقهم بكاف المؤنث سينًا".
قال المُشَرِّحُ: كأن الشين والسين تزادان فيه [لبيان] (^١) حركة (الكاف) كقولهم: ما الذي جاء بش، ويريدون بك، و﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (^٢) والكَسْكَسَةُ: تعرض في لغة بكر كقولهم في خطاب المؤنث: أبوس وأمس يريدون: أبوك وأمك.
قال جارُ اللَّه: "وعن مُعاوية (-﵁-) (^٣) أنه قال يومًا من أفصح النَّاس؟ فقام رجل من جرمٍ -وجرمٌ من فصحاء الناس- فقال: قوم تباعدوا عن فراتية العراق، وتيامنوا عن كشكشة تميم، وتياسروا عن كسكسة بكر، ليست فيهم غَمْغَمَةُ قضاعة، ولا طمطمانية حمير، قال معاوية: فمن هم؟ قال: قَوْمي".
_________________
(١) في (أ): "لشان".
(٢) سورة مريم: آية ٢٤.
(٣) عن المفصل (خ).
[ ٤ / ١٩٣ ]
قال المُشَرِّحُ: الفُراتية (^١) لغة أهل الفرات الذي هو نهر الكوفة، ويروى: لَخْلَخَانِيَّة العراق وهي لُكنة في الكلام من لَخَّ في كلامه إذا جاء ملتبسًا مستَعْجمًا، وعن الأَصمعي: [نطق] (٢) فلان نطقا (٢) لخلخانيًا وهو [نطق] (^٢) الأعاجم. والغَمْغَمَةُ لا تبين الكلام ويقال لأصوات الأبطال و[الثّيران] (^٣) عند الذعر غماغم، ويقال الغمغمة الكلام المنكر الذي لا يفهم، والطَّمْطَمَانِيَّة أن يكون الكلام مشتبهًا بكلام العجم، ورجلٌ طَمْطَمَانِيُّ: كَذَا رأيتُهُ بخطّ الشيخ، في كتاب (^٤) "المعربات" الطَّمْطَمَانِيَّة: تعرض في لغة حمير كقولهم: طابَ أمهوي يريدون الهوى.
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٦ شرح هذه الفقرة.
(٢) في (أ): "نظر".
(٣) في (أ): "والشراب".
(٤) في (ب): "وفي كتاب المعربات" وما أثبته من (أ) يؤيده نص الأندلسي المنقول من هنا.
[ ٤ / ١٩٤ ]
[باب حروف الإِنكار]
قال جارُ اللَّه: "ومن أصناف الحَرْف (حَرْفُ الإِنكار): وهي زيادة تلحق الآخر في الاستفهام على طريقين أحدهما: أن تلحق وحدها بلا فاصل كقولك: أزيدُنِيه. والثاني: أن يفصل بينها وبين الحرف الذي قبلها "إِنْ" مزيدة كالتي في قولهم: ما إن أفعل فيُقال: أزيدُ إنّيه".
قال المُشَرِّحُ: الدَّال مضمومةٌ في كلا الموضعين، والنون في الأول مكسورة، وأمَّا الثانيةُ فساكنةٌ بعدها همزة مكسورة ثم ياء مكسورة في كلا الموضعين. حرفُ الإِنكار (^١) في الفصل الأول هو اليَاء والهاء للوقف. وأما في الفصل الثاني فقد قال الإِمام عبد القاهر الجرجاني: على أن يكون علمًا للإِنكار. والياء تَلحق لمدّ الصوت والهاء للوقف، ومنهم من يجعل التنوين في أزيدنيه للإِنكار أيضًا ويخرجه على أن يكون علم الخفة، وهذا لأنَّ هذا التَّنوين تُلحْقه بالإِنكار، ولحوق ياء الإِنكار به بمنزلة الوَقف عليه بدليل أنَّ ياءَ الإِنكار تلحقه هاء الوقف، وهاء الوَقف لا تلحق من الحُروف إلا ما كان هو معرض للوقف عليه وذلك نحو ياءَ الضَّمير في (حِسَابِيَهْ) و(كِتَابِيَهْ)، وفي الوقف لا يكون في الاسم التنوين الذي هو علم الخفة.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) ولها معنيان.
_________________
(١) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٧ شرح هذه الفقرة.
[ ٤ / ١٩٥ ]
أحدهما: أن يكون الأمر على ما ذكر المُخاطب.
والثاني: أن يكون على خلاف ما ذكره كقولك لمن قال: قدم (^١) زيدٌ أزيدنيه منكرٌ لقدومه أو لخلافِ قدومه، ويقول لمن قال: غَلَبَني الأميرُ: آلاميرُوْهُ قال الأخفش: كأنك تهزأ به وتنكر تَعَحُّبه من أن يغلِبَه الأمير".
قال المُشَرِّحُ: آالأميرُوْهُ (^٢) في أوله ألف ممدودة، وراء مضمومة، وواوه ساكنة، والهاء مضمومة.
قال جارُ الله: "قالَ سيبويه (^٣): وسمعنا رجلًا من أهل البادية قيل له: أَتخرج إن أخصبت البادية؟ فقال: أأنا إنيه منكرًا لرأيه أن يكون على خلاف أن يخرج".
قال المُشَرِّحُ: أأنا بهمزتين مفتوحتين إنِّيْه بهمزة ونون مكسورتين، وبعد النون ياء ساكنة، والهاء في آخره مكسورة.
[قال جارُ الله] (^٤) " (فصلٌ): ولا يخلو الحرف الذي يقع بعده من أن يكون [متحركًا أو ساكنًا] (^٥)، فإن كان متحركًا تبعه معه في حركته، فيكون ألفًا أو ياءً أو واوًا بعد المفتوح والمضموم والمكسور كقولك في هذا عمر: أعمروه. وفي رأيتَ عُثمانًا أعثماناه، ومررت بحذام أحذامِيْه. وان كان ساكنًا حُرِّك بالكسر ثم تبعته كقولك: أزيدنيه، وأزيدإنيه".
قال المُشَرِّحُ: ألا ترى أن النون في زيد كان ساكنًا، ثم تحرك بالكسر ثم تبعه.
_________________
(١) في (أ): "أقدم".
(٢) نقل الأندلسي في شرحه ٤/ ٢٩٧ شرح هذه الفقرة.
(٣) الكتاب ١/ ٤٠٦.
(٤) ساقط من (ب).
(٥) في المفصل (خ): "ساكنًا أو متحركًا".
[ ٤ / ١٩٦ ]
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإن أجبت من قال: لقيتُ زيدًا وعمرًا قلت أزيدًا وعمرنيه، فإذا قال: ضربت عمر قلت: أضربت عمراه، وإن قال ضربت زيدًا الطويل قلت: أزيدًا الطويلاه فتجعلها في منتهى الكلام".
قال المُشَرِّحُ: تجيء بها في آخر الكلام فتجعلها بعد المَعطوف وبعد المفعول وبعد الصِّفة ونظير هذه المسألة ما إذا استفهم الواقف بمن وذلك في ما إذا قيل له: أرأيت رجلًا وامرأة قال مَنْ ومَنه، وإذا قيل: رأيت امرأة ورجلًا قال من ومنا فتلحق العلامة في آخر الكلام.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتترك هذه الزيادة في حال الدَّرْ فيقال: أزيدًا يا فتى كما تركت العلامات في "من" حين قلت: "من يا فتى".
قالَ المُشَرِّحُ: كنت تقول -كما مضى في قسم الأسماء- منان ومنون ومنتان ومنات، إذا قال جاءني رجلان وجاءني رجال، وجاءني امرأتان وجاءني نساء، وذلك في حال الوقف أمَّا في حال الوصل فلا علامة.
[ ٤ / ١٩٧ ]
[باب حروف التذكير]
قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحرف (حرف التذكير) وهو أن يقول الرَّجُلُ في نحو قالَ ويقولُ ومن العام قالا فيمد فتحه اللام ويقولوا من العامي إذا تذكر ولم يرد أن يقطع كلامه".
قالَ المُشَرِّح: وكذلك تَمدُّ ضمة اللام، وكسرة الميم.
قال جارُ اللهِ (فصلٌ) وهذه الزِّيادة في إتباع ما قبلها إن كان متحركًا بمنزلة زيادةِ الإِنكار فإذا سَكن حرّك بالكسر كما حرك ثَمْة ثم تبعته.
قالَ المُشَرِّح: وفي هذه المَسألة ومسألة الإِنكار دليلٌ على أن الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر.
قال جار اللهِ: "قال سيبويه (^١): سمعناهم يقولون إنه قدي وأَلِي يعني: في قد فعل، وفي الألف واللام [إذا] (^٢) تذكر الحارث ونحوه، قاق: وسَمِعنا من يُوثق به يقول: هذا سيفنى يريد سيف من صفته كيت وكيت".
قال المُشَرِّح: الرّواية (^٣): يعني في قد فعل على الفعل المُضارع.
_________________
(١) الكتاب ٢/ ٢٢٦.
(٢) من المفصل.
(٣) قال الأندلسي في شرحه ٤/ ٣٠٢: "في قوله: "قد فعل" على المضارع فيما ذكر الخوارزمي، فهذا شرح ما ذكر من الحروف على طريق الإِيجاز والاختصار ولنختم هذا القسم بذكر =
[ ٤ / ١٩٩ ]