المصدر اسم دال بالأصالة على معنى قائم بفاعل، أو صادر عنه حقيقة أو مجازًا، أواقع على مفعول. وقد يسمى فعلًا وحدثًا وحدثانا. وهو أصل الفعل لا فرعه، خلافًا للكوفيين. وكذا الصفة، خلافًا لبعض أصحابنا.]-
ش: إنما سمي مفعولًا مطلقًا لأنه لم يقيد بشيء؛ ألا ترى أن المفعول به والمفعول فيه والمفعول من أجله والمفعول معه كل واحد منها مقيد؛ بخلاف المصدر، وهو المفعول حقيقة لأنه هو الذي يحدثه الفاعل؛ لأن المفعول به هو محل للفعل خاصة، والزمان وقت يقع فيه الفعل، والمكان محل للفاعل والمفعول، ويستلزم أن يكون محلًا للفعل، والمفعول من أجله علة لوجود الفعل، والمفعول معه مصاحب للفاعل أو المفعول. وكون المفعول على هذه الأضرب من مفعول مطلق ومفعول به ومفعول فيه ومفعول معه ومفعول له هو مذهب البصريين. وأما الكوفيون فزعموا ان الفعل إنما له مفعول واحد، وهو المفعول به، وباقيها عندهم ليس شيء منها مفعولًا، /إنما هو مشبه بالمفعول، وزعموا أنه يأتي بعد الفعل لأنه يؤكده، أو يدل على قلة الفعل أو كثرته ونقصانه وزيادته، ولذلك لا يكنى عن المصدر، وهو آلة للفعل لتبين المعاني المذكورة؛ لأنه لا يعطي تلك المعاني إلا وهو ظاهر غير مستور لا مكني عنه. والصحيح أنه يكنى عنه، ويراد به التأكيد، قال الشاعر:
من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيه
وقال آخر:
[ ٧ / ١٣٠ ]
هذا سراقة للقرآن، يدرسه والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
أي: قد نلت النيل، ويدرس الدرس، فأضمر المصدر، ولو صرح به لكان تأكيدًا.
وتسمية ما انتصب مصدرًا مفعولًا مطلقًا هو قول النحويين فيما أعلم؛ إلا ما ذكره صاحب «البسيط» من تقسيمه المصدر المنتصب إلى مفعول مطلق، وإلى مؤكد، إلى متسع فيه. والمفعول المطلق عنده ما كان من الأفعال العامة، نحو فعلت وصنعت وعملت وأوقعت، فإذا قلت فعلت فعلًا فالواقع ذات الفعل؛ لأن الذوات الواقعه هنا هي هذا، ولا تقع هنا الجواهر والأعراض الخارجة عنا، فلا تكون مطلقة في حقنا، بل في حق الله تعالى، كقولك: خلق الله زيدًا، فإنه مفعول مطلق، فلذلك كان المفعول المطلق أعم من المصدر المطلق.
وحد المصدر المنتصب على الإطلاق بأنه المصدر، وما في تأويله، الواقع بعد فعل بمعناه، أو ما عمل عمله، بيانًا للمعنى الصادر من الفاعل على جهة أنه فعله الفاعل. قال: وخصصنا هذا بقولنا «على جهة أنه فعله» احترازًا من المؤكد والممتنع، فإنه يصدق عليهما البيان. قيل: ويلزم أن يكون هذا المنصوب على الإطلاق غير حقيقي، يعني في المصدرية؛ لأنه ذهب به ذهاب الإنشاء؛ ألا تراه يصح جمعه وتثنيته، فهو إذا للواحد. وقيل: لا يلزم ذلك إلا بحسب القصد. وهذا النوع إن كان بعد فعل ليس من لفظه نحو فعلت ضربًا فبين أنه مفعول به، أو من لفظه نحو ضربت ضربًا، فقيل: أول في الفعل معنى عام، وهو فعلت، فكأنك قلت: فعلت ضربًا. وقيل: لا يؤول إما بأن تقدر فعلًا عامًا بعده، وإما بألا تقدر، بل تجعله بيانًا، وذلك اشترط بعضهم في انتصابه بعد فعل من لفظه أن يكون مقيدًا لتقع به الفائدة لفظًا، كقوله: ﴿وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾، فوصفه،
[ ٧ / ١٣١ ]
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾، فحدده، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾. أو معنى، نحو: ضربت ضربًا، تريد نوعًا منه، كقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾، أي: ظنًا ضعيفًا. وإن لم يكن مقيدًا ينبغي أن يكون على التأكيد.
والعامل في هذا النوع مما لا يتعدى قيل: العامل الأول بما فيه من العموم؛ لأن كل فعل ففيه معنى فعلت، وإذا كانوا يشيبون الأفعال معنى أفعال خارجة، فتعمل عملها، كقوله: سمعت إلى حديثه، أي: أصغيت إليه، فأجري فيما هو معناه العام.
وأما من يقول إنه محذوف العامل، أي: ضربت ففعلت ضربًا- فلا يكون لوجهين: أحدهما: أنه لا يكون له نسبة الإطلاق إلى ذلك الفعل. والثاني: أنه منصوب بما لا يظهر ولا نائب عنه.
وإذا قصد بالفعل الإطلاق فقيل: يجب أن يغير الفعل المتعدي إلى القصور؛ لأنه يلزم أن يكون بمعنى فعل، وهو لا يتعدى إلا إلى نفس الفعل، فتحذف المفعول به، فتقول: ضربت ضربًا، بمعنى: فعلت ضربًا، وهذا لا يعمل في المفعول به الأول، وهذا على رأي من يتأول افعل عامًا، ومن لا يتأول لا يلزمه القصور، كما لا يكن في الظرف.
وقوله وما يجري مجراه يعني كاسم المصدر، نحو العطاء في معنى الإعطاء، وكبعض الصفات، وبعض الأعيان، نحو: عائذًا بك، وتربًا، وجندلًا، ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.
[ ٧ / ١٣٢ ]
وقوله اسم دال بالأصالة على معنى قائم بفاعل مثاله: حسن حسنًا، وفهم فهما. واحترز بقوله «دال بالأصالة» من اسم يساوي المصدر في الدلالة، ويخالفه بعملية، كجماد وحماد، أو بتجرده دون عوض من زيادة في فعله، كاغتسل غسلًا، وتوضأ وضوءًا. فهذه وأمثالها إذا عبر عنها بمصادر فإنما ذلك مجاز، والحقيقة أن يعبر عنها بأسماء المصادر.
وقوله أو صادرٍ عن فاعلٍ حقيقة مثاله خط خطًا، وخاط خياطة.
وقوله أو مجازًا مثاله: مات موتًا.
وقوله أو واقعٍ على مفعول مثاله: ضرب زيد ضربًا. والمراد هنا بالفاعل والمفعول المصطلح عليه بذلك في النحو.
وقوله وقد يسمى فعلًا وحدثًا وحدثانًا اما تسميته فعلًا فذلك باعتبار اللغة؛ لأن المصادر أفعال صدرت من فاعليها إما حقيقة وإما مجازًا، أو باعتبار تسميته بما هو جزء مدلول، وهو الفعل الصناعي. وأما تسميته حدثًا وحدثانًا فباعتبار اللغة وباعتبار اصطلاح س على تسميته بذلك، قال س: «وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء»، يعني المصادر، وهو جمع حدث. وقال أيضًا س: «واعلم أن الفعل الذي لا يتعدى الفاعل يتعدى إلى اسم الحدثان الذي /أخذ منه؛ لأنه إنما يُذكر ليدل على الحدث».
وقوله وهو أصل للفعل لا فرعه، خلافًا للكوفيين قال المصنف في الشرح: «واتفق البصريون والكوفيون على أن الفعل والمصدر مشتق أحدهما من الآخر» انتهى. ويعني اتفاق الأكثرين، وإلا فالمذاهب في الاشتقاق ثلاثة:
[ ٧ / ١٣٣ ]
أحدها: مذهب الجمهور من الكوفيين والبصريين على أن الكلمات منها ما هو مشتق، ومنها ما ليس بمشتق.
والثاني: أن كل لفظ مشتق، وعزله جماعة إلى الزجاج، وبعضهم إلى س.
والثالث: أن كل لفظ ليس مشتقًا من شيء، بل كل أصل، لم يوجد شيء منه من شيء.
وأما مسألتنا ففيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب جمهور البصريين أن المصدر أصل والفعل فرع عنه.
والثاني: مذهب الكوفيين، وهو العكس.
والثالث: مذهب ابن طلحة، وهو أنه ليس أحدهما مشتقًا من الآخر، بل كل واحد أصل بنفسه.
وهذا الخلاف لا يجدي كبير منفعة؛ إذ ليس خلافًا راجعًا إلى نطق، ولا إلى اختلاف معنى نسبي.
وذكر المصنف الاستدلال لمذهب البصريين من وجوه:
أحدها: أن المصدر يكثر كونه واحدًا، والأفعال ثلاثة، ولو اشتق المصدر من الفعل فإما من الثلاثة، وهو محال، أو من واحد منها، ويستلزم ترجيحًا دون مرجح. انتهى ملخصًا.
وهو معارض بأنا قد وجدنا الفعل له مصادر كثيرة، كمصادر شت وقدر، فإنها تزيد على عشرة مصادر، فإما أن يشتق الفعل من أحدها، وهو ترجيح من غير مرجح، وإما من جميعها، وهو محال.
[ ٧ / ١٣٤ ]
قال: «الثاني: أن المصدر معناه مفرد، ومعنى الفعل مركب من حدث وزمان، والمفرد سابق للمركب، فالدال عليه أولى بالأصالة من الدال على المركب» انتهى.
ولقائل أن يمنع دعوى تركيب الفعل؛ لأن المفرد الموضوع للدلالة على خصوصية شيء لا يسمى مركبًا.
قال: «الثالث: أن مفهوم المصدر عام، ومفهوم الفعل خاص، والدال على عام أولى بالأصالة من الدال على خاص» انتهى.
ومثل هاتين الدلالتين لا يسمى عامًا وخاصًا، إنما يسمى إطلاقًا وتقييدًا.
قال: «الرابع: أن كل ما سوى الفعل والمصدر من شيئين أحدهما أصل والآخر فرع فإن في الفرع منهما معنى الأصل وزيادة، كالتثنية والجمع بالنسبة إلى الواحد، والعدد المعدول بالنسبة إلى المعدول عنه والفعل فيه معنى المصدر وزيادة تعيين الزمان، فكان فرعًا، والمصدر أصل.
الخامس: أن من المصادر ما لا فعل له لفظًا ولا تقديرًا، وذلك ويح وويل وويس /وويب، فلو كان الفعل أصلًا لكانت هذه المصادر فروعًا لا أصول لها، وذلك محال. وإنما قلنا إن هذه المصادر لا أفعال لها تقديرًا لأنها لو صيغ من بعضها فعل لاستحق فاؤه في المضارع من الحذف ما استحق فاء يعد، ولأستحق عينه من السكون ما استحق عين يبيع، فيتوالى إعلال الفاء والعين، وذلك مرفوض في كلامهم، فوجب إهمال ما يؤدي إليه» انتهى.
وما ذكره من الملازمة في قوله «وإنما قلنا إن هذه المصادر لا أفعال لها تقديرًا إلى آخره» لا يلزم؛ لأن التقدير لا جود لاه، فيقول لها أفعال في التقدير، ولا يلزم ما ذكر؛ لأنها لم يلفظ بها، إنما كان يلزم ما ذكره لو كانت أفعالًا موضوعة، أما من حيث التقدير فلا يلزم، فكم أص أهمل وفرع استعمل. قال: «وليس في
[ ٧ / ١٣٥ ]
الأفعال ما لا مصدر له مستعمل إلا وتقديره ممكن، كتبارك، وفعل التعجب؛ إذ لا مانع في اللفظ، ويقابل تلك الأفعال مصادر كثيرة، تزيد على الأفعال، كالأبوة والنبوة والخؤولة والعمومة والعبودية واللصوصية، وقعدك الله، وبله زيد وبهله، فبطلت المعارضة بتبارك ونحوه، وخلص الاستدلال بويح وأخواته» انتهى كلامه.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: «استدل أهل البصرة بأن الفعل خاص الزمان والمصدر مبهم الزمان، والمبهم قبل الخاص، فالمصدر قبل الفعل، والبعدي مأخوذ من القبلي، والفعل مأخوذ من المصدر. وبأن المصدر منتشر الأبنية كثيرها، فلو كان مشتقًا من الفعل لكان يجري على أوزان محصورة لا يتعداها، كاسم الفاعل واسم المفعول المبنيين من الفعل، فلما كثرت أبنية وانتشرت دل ذلك على أنه أصل، وأن الفعل هو الذي اشتق منه. وبان المصدر من جنس الأسماء والأسماء قبل الأفعال، فالمصدر قبل الفعل، والبعدي مأخوذ من القبلي.
والصحيح أن هذه الأدلة الثلاثة غير كافية في إثبات أن الفعل مشتق من المصدر؛ إذ لا تثبت أكثر من أن المصدر قبل الفعل، وأنه أصل بنفسه، وإذا كان أصلًا في نفسه أو كان قبل الفعل لم يلزم أن يكون الفعل مشتقًا منه؛ ألا ترى أن الحرف بعد الاسم، وليس مأخوذًا منه» انتهى.
ولا نقول إن الحرف بعد الاسم؛ لأن الواضع وضع الحرف كما وضع الاسم، فلا نقول إنه وضع الأسماء، ثم بعد ذلك وضع الحروف، ولا يلزم من كون الحرف تتوقف مفهوميته على متعلق أن يكون وضع بعد الاسم. [٣: ١٢٨/ ب]
ثم قال الأستاذ أبو الحسن: «لكن الدليل القاطع أن يقال: استقريت المشتقات، /فوجدت تدل على ما اشتقت منه وزيادة، وتلك الزيادة معنى فائدة
[ ٧ / ١٣٦ ]
الاشتقاق، نحو أحمر مشتق من الحمرة، ويزيد على ذلك بالشخص، وكذلك ضارب ومضروب يدلان على الضرب مع زيادة الشخص، والأفعال تدل على المصدر مع زيادة الزمان، فدل على أنها مشتقة منه» انتهى.
واستدل الكوفيون بأن الفعل عامل في المصدر؛ لأنه به انتصب، والعامل قبل المعمول، والبعدي مأخوذ من القبلي. وبأن المصدر مؤكد للفعل، والفعل مؤكد، والمؤكد قبل المؤكد. وبان المصدر يعتل باعتلال الفعل، ويصح بصحته، نحو قيام، اعتل، فقبلت واوه ياء، كما اعتل قام، وصح اجتوار لصحة اجتور، والفروع أبدًا هي المحمولة على الأصول. وبأنه وجدت أفعال لا مصادر لها، فلو كان الفعل مشتقًا من المصدر لوجب ألا يوجد فعل إلا وله مصدر.
ورد الأول بأن العامل إنما هو قبل عمله لا قبل معموله، وعمله إنما هو النصب، وإذا كان الفعل قبل النصب الذي في المصدر لم يلزم أن يكون قبل المصدر. وأيضًا فالعمل إنما حصل في المصدر بعد التركيب، ونحن إنما ندعي ان الفعل مأخوذ من المصدر قبل التركيب. وقال المصنف في الشرح: «الحرف يعمل في الاسم والفعل، ولا حظ له في الأصالة».
ورد الثاني بان التأكيد إنما طرأ بعد التركيب، وهذه الأفعال إنما اشتقت من المصدر قبل ذلك. وأيضًا فالمصادر لا يلزمها أن تكن مؤكدة، إنما يكون ذلك فيها إذا انتصبت بعد أفعالها. وقال المصنف في الشرح: «الشيء قد يؤكد بنفسه، نحو: زيد زيد قام، فلو دل التوكيد على فرعية المؤكد لزم كون الشيء فرع نفسه، وذلك محال».
ورد الثالث بأن الأصل قد يُحمل على الفرع فيما هو أصل في الفرع وفرع في الأصل؛ ألا ترى أن الأسماء تحمل على الحروف، فتبنى وإن كانت الأسماء قبلها؛
[ ٧ / ١٣٧ ]
لأن البناء أصل في الحروف، فكذلك المصادر حُملت على الأفعال وإن كان المصدر قبلها؛ لأن الاعتلال أصل في الفعل. انتهى. ويمنع أن الأسماء قبل الحروف، وأن الاعتلال أصل في الفعل؛ إذ لا دليل على ذلك. وقال المصنف في الشرح: «قد يُحمل أحدهما على الآخر وليس أحدهما أصلًا للآخر، كيرضيان، حُمل على رضيا، وأعطيا على يعطيان، حُمل ذو الفتحة على ذي الكسرة ليجريا على سنن واحد».
ورد الرابع بأن العرب قد ترفض الأصول، وتستعمل الفروع، نحو: كاد زيد يقوم، فيقوم في موضع قائم، ولا يستعمل قائم إلا ضرورة. ومثل ذلك/ كثير. ويعارضون أيضًا بوجود مصادر لا أفعال لها. [٣: ١٢٩/أ]
وقال السهيلي: «في إجماع الكوفيين والبصريين على تسمية الحدث مصدرًا دليل على أن الفعل صدر عنه، وهو فرع له، ولو كان الفعل الأصل لكان أولى أن يسمى مصدرًا.
فإن قيل: المصدر هو الصادر، وقيل مصدر كما يقال للزائر رزو، ورجل صوم وعدل، أي: صائم وعادل، والحدث صادر عن الفاعل، فسمي المصدر من قولك صدر صدورًا ومصدرًا.
قلنا: زيادة الميم تمنع من هذا القياس؛ ألا ترى أنك تقول رجل زور، ولا تقول: رجل مزار، وما أنت إلا سير، ولا تقول مسير. وقول النحاة: المصدر يكون بالميم، كقولك قتلت مقتلًا، وذهبت مذهبًا- تسامح؛ لأن الميم دخلت لمعنى زائد على معنى الحدث، ولذلك تقول: ضربه وقتله، ولا تقول مضربة ولا مقتلة إلا في المكان، ولو كان المقتل بمعنى القتل على الإطلاق لم يمتنع هذا، ولم يمتنع رجل مزار،
[ ٧ / ١٣٨ ]
وقد بينا سر الميم وما دخلت له، فمصدر ليس بمعنى صادر بوجه، ولا يعطيه سماع ولا قياس» انتهى كلامه.
واستدل لابن طلحة بوجود مصادر لا أفعال لها، وبوجود أفعال لا مصادر لها، فلو كان أحدهما أصلًا للآخر لتوقف وجود الفرع على وجود الأصل، وقد وجد أحدهما دون الآخر، فبطل بذلك قول البصريين والكوفيين.
وقوله وكذا الصفة، خلافًا لبعض أصحابنا قال المصنف في الشرح: «بعض ما استدللنا على فرعية الفعل بالنسبة إلى المصدر نستدل على فرعية الصفة بالنسبة إليه؛ لأن كل صفة تضمنت حروف الفعل فيها ما في المصدر من الدلالة على الحدث، وتزيد بالدلالة على ما هل له، كما زاد الفعل بالدلالة على الزمن المعين، فيجب كون الصفة مشتقة من المصدر لا من الفعل؛ إذ ليس فيها ما في الفعل من الدلالة على زمن معين، فبطل اشتقاقها من الفعل، وتعين اشتقاقها من المصدر».
-[ص: وينصب بمثله، أو فرعه، أو بقائم مقام أحدهما. فإن ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد، ويسمى مبهمًا، ولا يثنى ولا يجمع. وإن زاد عليه فهو لبيان النوع أو العدد، ويسمى مختصًا ومؤقتًا، ويثنى ويجمع. ويقوم مقام المؤكد مصدر مرادف واسم مصدر غير علم، ومقام المبين نوع أو وصف أو هيئة أو آلة أو كل أو بعض أو ضمير أو اسم إشارة أو وقت أو ما الاستفهامية أو الشرطية.]-
ش: نصبه بمصدر مثله قوله تعالى ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾، وعجبت من ضرب /زيد عمرًا ضربًا، فهذا المصدر العامل يعمل في المصدر مؤكدًا كان أو غير مؤكد. [٣: ١٢٩/ب]
[ ٧ / ١٣٩ ]
وفي البسيط: «الظاهر أنه يعمل في المطلق والمتوسع فيه المفعول؛ لأنه بتقدير الفعل الأعم، فإذا قلت عجبت من ضرب زيد عمرًا ضربًا فمعناه: من فعل زيد بعمرو ضربًا، وأما التأكيد فلا يكون لوجهين: أحدهما أنه إن عمل فيه عمل المؤكد في المؤكد، وإن لم يعمل فيه فإما مصدر أو فعل، فالأول يتسلسل، والثاني يؤدي إلى تأكيد المصدر بالفعل» انتهى.
ونصبه بفرع المصدر فباسم الفاعل، قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾، وقول ميمون الأعشى:
فأصبحت لا أقرب الغانيا ت مزدجرًا عن هواها ازدجارا
وباسم المفعول: أنت مطلوب طلبًا. وبالفعل ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. وبالقائم مقام المصدر: عجبت من إيمانك تصديقًا، ومقام فرعه: أنا مؤمن تصديقًا، هذا شرح المصنف لكلامه إلا التمثيل القرآني.
ونقول: والعامل في المصدر إما أن يكون من لفظه أو من غير لفظه:
إن كان من لفظه فإما أن يكون جاريًا أو غير جارٍ، فإن كان جاريًا انتصب به، لا خلاف في ذلك، سواء أكان مبهمًا أو مختصًا، هكذا قال بعضهم.
وفي البسيط أنه إذا كان توكيدًا وهو من لفظ الفعل فقيل: العامل فيه فعل لا يظهر وهو المؤكد، والمصدر معمول له على غير التوكيد لئلا يتسلسل، ثم حذف، ووضع موضعه، وهو رأس س؛ لأنه قال: «ومما يجيء توكيدًا وينصب قولك: سير عليه سيرًا».
[ ٧ / ١٤٠ ]
ثم قال: «وينصب على وجهين: أحدهما أنه حال»، يريد مؤكدة، ولم يذكر فيها إضمار فعل.
ثم قال «وإن شئت نصبت على إضمار فعل، كأنه قال: يسيرون سيرًا»، فيظهر أن المؤكد غير الحال، وأن نصبه بإضمار فعل. وقيل: إنما كان العامل فعلًا مقدرًا لأن المؤكد لا يعمل في المؤكد؛ لأن التابع لا يعمل فيه المتبوع.
قال: «ولا يبعد عندي أن يكون مصدرًا مؤكدًا للفعل كما تؤكد الحال، ويكون العامل فيه الفعل نفسه، ولا يلزم ما ذكروه من عمل المؤكد في المؤكد، كما لا يلزم في الحال المؤكدة على ما ذكره س» انتهى.
وقال أيضًا: «إذا كان جاريًا على الفعل، نحو: ضربت ضربًا، أو ما اشتق للمصدر كالمفعل من فعل- فلا خلاف في هذا لا يقدر له عامل غير الأول إلا ما قيل في التأكيد انتهى.
وفي الإفصاح: لا خلاف في قعد قعودًا وبابه أنه منصوب بالفعل، إلا ما قاله ابن الطراوة من أنه مفعول به، وأن قولهم قعد قعودًا /بمعنى: قعد فعل قعودًا، هو منصوب عنده بفعل مضمر، لا يجوز إظهاره على هذا الوجه؛ لأن المؤكد عنده لا يعمل في تأكيده.
وقال السهيلي كذلك، إلا أنه قال: أنصبه بقعد أخرى، لا يجوز إظهارها. وهذا كله تكلف بارد، وخروج عن الظاهر وقول الأئمة بلا دليل.
[ ٧ / ١٤١ ]
وإن كان غير جار كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾، وقول القطامي:
وخير الأمر ما استقبلت منه وليس بأن تتبعه اتباعا
فثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه منصوب بذلك الفعل الظاهر، وهو مذهب المازني.
والثاني: أنه منصوب بفعل ذلك المصدر الجاري عليه مضمرًا، والفعل الظاهر دليل على ذلك الفعل المضمر. وإلى هذا ذهب المبرد، وابن خروف، وزعم أنه مذهب س. قال ابن هشام: ونص س على أن أنبت نباتًا بإضمار فعل تقديره نبت. وأجاز أبو الحسن الوجهين.
والثالث: التفصيل بين ما يكون معناه مغايرًا لمعنى ذلك الفعل الظاهر، فننصبه بفعل مضمر يدل عليه الظاهر، فتقدر فنبتم نباتًا، وساغ إضماره لدلالة أنبت عليه؛ لأنه إذا أنبت فقد نبت. وإنما لم ينتصب عنده بالأول لأن الغرض به تأكيد الفعل الذي نصبه أو تبين معناه، والنبات ليس بمعناه، فكيف يؤكده أو يبينه. أو غير، مغاير فتنصبه بذلك الفعل الظاهر، نحو قوله:
يلوح بجانب الجبلين منه رباب تحفر الترب احتفارا
وقول الآخر:
[ ٧ / ١٤٢ ]
وقد تطويت انطواء الحضب
إذ الاحتفار والحفر بمعنى واحد، وكذلك التطوي والانطواء.
اختار الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنه إن كان معناه مغايرًا فنصبه بإضمار فعل، أو غير مغاير فيجوز نصبه بالفعل السابق، ويجوز نصبه بإضمار فعل، قال: وهو الذي يعطيه كلام س، فترجح نصبه بالسابق إذ ليس فيه تكلف إضمار، وترجح نصبه بالمضمر إذ يكون ذلك المصدر جاريًا عليه.
وإن كان المصدر من غير لفظ الفعل فثلاثة مذاهب:
ذهب الجمهور إلى أن منصوب بفعل مضمر من لفظه. وحجته أن الأكثر مجيء المصدر من لفظ الفعل، والقليل ما جاء من غير لفظه، فحمل القليل على الكثير في كونه ينتصب بفعل من لفظه، ومن السماع قول الشاعر: [٣: ١٣٠/ب]
السالك الثغرة اليقظان كالئها مشي الهلوك، عليها الخيعل الفضل
فـ «مشي» منصوب بمضمر دل عليه السالك؛ لأن السلوك والمشي بمعنى واحد، فلا جائز أن ينتصب بالسالك لأنه قد وصف باليقظان، فيلزم من عمله فيه وصف الموصول قبل استيفاء صلته، وذلك لا يجوز.
وذهب المازني إلى أنه منصوب بالفعل الظاهر وإن لم يكن من لفظه وحجته أنه لما كان في معناه تعدى إليه كما يتعدى إلى ما هو من لفظه.
وذهب أبو الفتح إلى التفصيل: فإن كان يراد به التأكيد عمل فيه الفعل المضمر الذي هو من لفظه، نحو: قعدت جلوسًا، وقمت وقوفًا. إن كان يراد
[ ٧ / ١٤٣ ]
به بيان النوع عمل فيه الفعل الظاهر. وإنما عمل فيه لما كان بمعناه، فعمل فيه كما يعمل فيما هو من لفظه، ولم يجز أن يعمل فيه إذا كان للتأكيد لأن تأكيد الفعل بالمصدر هو من قبيل التأكيد اللفظي؛ ألا ترى أن معنى قمت قيامًا: قمت قمت، والاختلاف الذي بين المصدر والفعل في اللفظ غير مانع من أن يكون من قبيل التأكيد اللفظي؛ بدليل قوله تعالى ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾، فأمهل تأكيد لفظي لمهل، وليس لفظهما على صيغة واحدة، لكنهما اشتركا في كون الحروف الأصول واحدة، فلما كان تأكيد الفعل بالمصدر من قبيل التأكيد اللفظي لم يجز أن يكون منصوبًا بالفعل الظاهر؛ بل بفعل مضمر من لفظه. وظاهر كلام الفارسي مثل مذهب أبي الفتح.
وقد نوزع أبو الفتح في دعواه أن المصدر المؤكد من قبيل التأكيد اللفظي، قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: «ليس التوكيد هنا بمزلة إعادة الفعل؛ لأنه ليس من التأكيد اللفظي، وإنما التوكيد هنا يعني به البيان؛ لأنه يرفع المجاز، ويثبت الحقيقة، وكذلك التوكيد في المجاز، وعلى قوله تعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، أي: حقيقة من غير واسطة» انتهى.
وقال ابن عصفور: الصحيح أنه إذا كان للتأكيد عمل فيه مضمر من لفظه للدليل الذي تقدم؛ وغن لم يكن للتأكيد فإما أن يكون وضع له فعل من لفظه، أو لم يوضع له فعل:
فإن كان وضع فيجوز الوجهان، كقوله:
[ ٧ / ١٤٤ ]
، وآلت حلفة لم تحلل
يجوز ان ينتصب بآلت، ويجوز أن ينتصب بحلفت مضمرة، فترجح الأول لعدم تكلف الإضمار، وترجح الثاني لجريان المصدر على الأكثر في كونه ينتصب بفعل من لفظه.
وإن لم يوضع له فعل انتصب بالفعل الظاهر. قال: «ولا يمكن أن ينتصب بفعل من لفظه لأنه لم يوضع» انتهى. وهذا مذهب طائفة من /الكوفيين، يقدرون العامل في رجع القهقري: رجع يقهقر القهقرى، وفي يمشي الخطرى: يمشي يخطر الخطرى، ويسوغ ذلك فيما سمع له فعل.
قال ابن عصفور: «ولا يمكن أن يكون التقدير في مثل قعد القرفصاء، واشتمل الصماء: قعد القعدة القرفصاء، ولا اشتمل الاشتمالة الصماء؛ لأن لا يحفظ من كلامهم استعمال القرفصاء والصماء صفتين» انتهى معنى كلامه.
ومن النحويين من ذهب إلى أن ذلك على حذف الموصوف كما ذكر، قال: إلا أن الموصوف لم يستعمل مع هذه الأشياء لأنه يدل عليه دليلان: دليل الفعل، ودليل الصفة؛ إذ لا صفة إلا لموصوف، ولا فعل متصرف إلا ويدل على حدثه، وهو مذهب المبرد. وهذا ليس بجيد لأنه يلزم منه حذف الموصوف وجوبًا، ولا يوجد في لسان العرب موصوف يجب حذفه.
والظاهر من كلام المصنف أن المصدر الجاري وغير الجاري، والذي من لفظ الفعل ومن غير لفظه- ينتصب بنفس الفعل الظاهر؛ لقوله أو «بقائم مقام أحدهما»،
[ ٧ / ١٤٥ ]
وتمثيله في الشرح بقوله: «عجبت من إيمانك تصديقًا، وأنا مؤمن تصديقًا، ولقاء الله مؤمن به تصديقًا»، ولقوله: «وإن زاد معناه على معنى عامله فهو لبيان النوع، نحو: سرت خببًا وعدوًا، ورجعت القهقري، وقعد القرفصاء»، بل قد نص على ذلك في الشرح.
والصحيح في المصدر الموافق معنى لا لفظًا كونه معمولًا لموافقه معنى، فحلفة منصوبة بآلت لا بحلفت مضمرة؛ لقولهم: حلفت يمينًا، و﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، و﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾، ولا يمكن أن يقدر لها عامل من لفظها، فتعين أن يكون ما قبلها. ووجب اطراد هذا الحكم فيما له فعل من لفظه ليجري الباب على سنن واحد.
وهذا الذي اخترته اختيار المبرد والسيرافي ومذهب المازني، ومن شواهد ذلك قراءة محمد بن السميفع ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾، ذكرها ابن جني في المحتسب. انتهى. ولا شاهد في ذلك؛ إذ المخالف يقول: انتصب ضحكًا بإضمار فعل من لفظه، أي: ضحك ضحكًا.
وقوله فإن ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد، ويسمى مبهمًا، ولا يثنى ولا يجمع قال المصنف في الشرح: «لأنه بمنزلة تكرير الفعل، فعومل معاملته في عدم التثنية والجمع؛ إذ هو صالح للقليل والكثير» انتهى. وقد تقدم من
[ ٧ / ١٤٦ ]
قول شيخنا أبي الحسن الأبذي أنه ليس التوكيد بمنزلة إعادة الفعل، وأنه يراد به البيان ورفع المجاز، قال: «فإن قيل: قال الشاعر: [٣: ١٣١/ب]
/بكى الخز من روح، وأنكر جلده وعجت عجيجًا من جذام المطارف
والمطارف لا تعج حقيقة، فنراه قد أكد المجاز.
فالجواب: أن هذا نادر لا يقاس عليه، لكنه أجرى المجاز مجرى الحقيقة مبالغة فيه» انتهى.
وقسم أصحابنا التوكيد إلى لفظي ومعنوي، فاللفظي يفيد تثبيت المعنى في النفس، والمعنوي إما لإزالة الشك عن الحديث- وهو التأكيد بالمصدر- أو عن المحدث عنه، وهو بالنفس والعين.
وفي البسيط: يكون من لفظ الفعل أو ما في معناه من اسم فاعل، نحو: ضربت ضربًا، كأنك قلت: ضربت ضربت ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾، وكأنه قال: والذاريات الذاريات. ومن غير لفظه كقوله:
[ ٧ / ١٤٧ ]
نظارة حين تعلو الشمس راكبها طرحًا بعيني لياحٍ، فيه تحديد
أكد نظارة بـ «طرحًا» لأنها إذا نظرت علم أنها تطرح بصرها. ومنه: قعدت جلوسًا. وحكى س: «هو يدعه تركًا»، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. وقيل: منه قول الشاعر:
يعجبه السخون والبرود والتمر حبًّا، ما له مزيد
أكد بـ «حبًّا» يعجبه لأنه في معنى يحبه.
وقوله وإن زاد عليه فهو لبيان النوع أو العدد، ويسمى مختصًا ومؤقتًا هذا التقسيم في المصدر إلى المبهم والمختص هو الصحيح، وتقسيمه إلى مبهم وعدد ومختص كما قسمه أبو موسى الجزولي من تبعه تقسيم غير صحيح؛ لأنه متداخل؛ إذ المعدود قسم من المختص، فلا يكون قسيمًا له، إنه يدل على عدد المرات، هذا اختصاص.
فالذي هو مختص يكن مختصًا بأل، وبالإضافة، وبالصفة، تقول في المختص بأل: ضربت الضرب، تريد ضربًا معهودًا بينك وبين المخاطب، كأنك قلت: الضرب الذي تعلم، قال الشاعر:
لعمري لقد أحييتك الحب كله وزدتك حبًا لم يكن قط يعرف
[ ٧ / ١٤٨ ]
وقال بشر بن أبي خازم:
فدع عنك ليلى، عن ليلى وشأنها وإن وعدتك الوعد لا يتيسر
وقال مضري بن قرط المزني:
فلو تعلمين العلم أيقنت أنني ورب الهدايا المشعرات- صدوق
فقد اختص المصدر بالتعريف، والفعل لا يدل إلا على مصدر مبهم، والمختص لا يؤكد به المبهم لأنه ليس في معناه، ولا يتصور أن تكون أل في الأبيات جنسية؛ /لأن الجنس لا يمكن وقوعه، وإنما أريد بالحب أصناف الحب المعهودة من الناس، وبالوعد الوعد الذي كان يرجوه منا، وبالعلم العلم الذي يتوصل به إلى صدقه. ولكون المصدر المخصص المعرف لا يجوز أن يقع تأكيدًا للفعل منه النحاة: ضربته أن أضربه، وزعموا أن قول الناس: لعنه الله أن يلعنه، لحن. [٣: ١٣٢/أ]
قال أبو إسحاق: امتنع في مثل هذا أن يؤكد به الفعل لأن أن تخلص الفعل لاستقبال، والتأكيد إنما يكون بالمصدر المبهم، وقد حُكي عن الأخفش إجازة ذلك، والذي ذكره في الكتاب الكبير إنما منعه.
وقال بعض أصحابنا: الذي منع من وقوع أن والفعل مصدرًا للفعل إنما هو كون أن يفعل يعطي محاوله الفعل، ومحاوله المصدر ليست بالمصدر، فلذلك لم يسغ لها أن تقع مع صلتها موقع المصدر.
[ ٧ / ١٤٩ ]
وتقول في المختص بالإضافة: قمت قيام زيد، أصله: قيامًا مثل قيام زيد، حُذف المصدر، ثم حذفت صفته، وقام مقامها المصدر، فأعرب بإعرابه.
فإن قلت: يلزم أن يكون انتصاب قيام زيد على الحال لا على المصدر؛ لأنه قائم مقام مثل، ومثل المحذوفة حال من جهة أن المصدر إذا حُذف أُبقيت صفته انتصب على الحال لا على المصدر.
فالجواب: أنه لا ينتصب على الحال إلا إذا لم يكن [صفة] خاصة بجنس الموصوف، نحو: ساروا شديدًا؛ إذ شديد يكون صفة للسير وغيره، وليس كذلك: مثل قيام زيد؛ لأنه صفة خاصة بجنس الموصوف المحذوف، وهو قيام؛ ألا ترى أن مثل قيام زيد لا يكون إلا قيامًا، فجاز أن يُقام مقام المصدر، وأن يعرب بإعرابه.
وتقول في المختص بالوصف: قمت قيامًا طويلًا، فبالصفة خرج من الإلهام كما خرج بالإضافة وبالألف واللام.
قوله ويثنى ويجمع يعني المختص، فأما ما كان معدودًا فإنه يثنى ويجمع، فتقول: ضربت ضربتين، وضربات، لا خلاف في ذلك.
وقال السهيلي: المحدود بالتاء يثنى ويجمع؛ لأنك إذا أردت المرة الواحدة لم تدل على القليل والكثير كما دل الضرب والقتل، لكن هنا تنبيه على أمر مغفول عنه، وهو أن المصادر لا يدخلها التحديد على الإطلاق في جميع أنواعها، وإنما يطرد إدخال هذه التاء إذا أردت المرة الواحدة في المصادر الظاهرة الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس، نحو قومة وضربة وقعدة، وإذا كان من الأفعال الباطنة والخصال النفسية الثابتة كالظرف والحسن والجبن والعلم والجهل فلا يقال في شيء
[ ٧ / ١٥٠ ]
من ذلك فعلة، /لا تقول علمت علمة، ولا فهمت فهمة، ولا صبرت صبرة، وكذلك الظن، لا يقال فيه ظنة، كما لا يقال من اليقين فعلة، وما أجازه بعض النحويين من قوله زيد ظننتها منطلق فغير مسموع من العرب، ولكنه قياس يبطله الأصل الذي قدمناه، فقياس الظن على العلم أولى من قياسه على الضرب والقتل.
وأما غير المعدود من المختص فاختلفوا في تثنيته وجمعه عند اختلاف أنواعه، فمنهم من أجاز ذلك قياسًا على ما سمع منه. ومنهم من قال: لا يثنى ولا يجمع لاختلاف أنواعه، كما لا يثنى ولا يجمع لاختلاف آحاده؛ لأنه كما يقع على الآحاد كذلك يقع على الأنواع، وكذلك أسماء الأجناس وإن لم تكن مصادر، فلو جاء العقول لم يقس عليه. وإلى هذا كان الأستاذ أبو علي يذهب، وهو ظاهر كلام س، قال س: «واعلم أنه ليس كل جمع يجمع، كما أنه ليس كل مصدر يجمع، كالأشغال والعقول والألباب والحلوم؛ ألا ترى أنك لا تجمع الفكر والنظر والعلم».
قال أبو محمد بن الخشاب: نص س على المنع من قياس جمع الجمع، ولم يعتد في الاستعمال بالأفكار والعلوم حتى نفى أن يكونا جمعين لفكر وعلم؛ إذ كان الاعتداد عنده باستعمال العرب لا استعمال المولد من الكلام.
وقال أبو زيد السهيلي: أما اختلاف أنواعه فإنه لا يختلف على الحقيقة؛ لأن الأفعال حركات الفاعلين، والحركات متماثلة لذواتها، لكن الاختلاف راجع إلى ما تعلقت به الأفعال المتعدية إلى أنفس المصادر، فإذا قلت العلوم والأشغال والحلوم فإنما هن المعلومات والأمور المشتغل بها والمرئيات في النوم، فأما الأمراض فعلل، فلذلك جمعت، وأما الحب من قول الشاعر:
[ ٧ / ١٥١ ]
ثلاثة أحباب: فحب علاقة وحب تملاق، وحب هو القتل فإنما جمع لأن الحب شغل القلب، ولذلك جاء على وزنه حتى تركوا القياس بالمصدر، فلم يقولوا: أحبته إحبابا، ولكن حبا، قال تعالى ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾، ولذلك عداه بعن، وجمع أهواء مرادا بها المذاهب.
وقال صاحب البديع: «المصدر لا يثنى ولا يجمع لأنه جنس، والجنس لا حصر له، إلا إذا اختلفت أنواعه جاز تثنيته وجمعه مبهما ومؤقتا:
أما المؤقت - وهو المختص - فتقول فيه: ضربت ضربتين، وضربات، إلا أن الجمع أنقص توقيتا من المفرد والمثنى؛ لأن ضربات يصلح لعقود الفلة كلها، ولكنه لا يخرج عن حد التوقيت من حيث دلالته على عدد، بخلاف قولك: ضربت ضربا، فإنه / لا يدل على عدد، فإن قلت: ضربت ثلاث ضربات، كان مثل ضربة وضربتين في كمال التوقيت، إلا أن الفعل فيه واقع على ما هو مصدر من جهة المعنى؛ لأن العدد عبارة عن المعدود، وليس باسم له.
وأما المبهم فلا يجوز جمعه، فلا تقول: قتلت قتولا، وضربت ضروبا، إلا على إرادة تفريق الجنس، واختلاف أنواعه، كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وكقوله: ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾، وكقول الشاعر:
هل من حلوم لأقوام، فتنذرهم ما جرب الدهر من عضي وتضريسي
[ ٧ / ١٥٢ ]
وكقولك: فلان ينظر في علوم كثيرة. وهذا النوع لم يطرد، فلم يقولوا السلوب والنهوب، وإنما يكون ذلك غالبا فيما ينجذب إلى الاسمية، نحو العلم والحلم والظن وأشباه ذلك.
فإن قصدك بالمبهم الحدث فالأكثر الأعرف أن يقال: ضروبا من القتل، وضروبا من العلم.
وأما التثنية فأصلح قليلا من الجمع، تقول: قمت قيامين، وقعدت قعودين، والأحسن فيهما أن يقال: قمت نوعين من القيام، وقعدت نوعين من القعود».
وقوله ويقوم مقام المؤكد مصدر مرادف مثاله: جلست قعوداَ، نحو قوله:
ويوما على ظهرالكثيب تعذرت على، وآلت حلفة لم تحلل
وقول رؤبة:
لوحها من بعد بدن وسنق تضميرك السابق، يطوى للسبق
وقوله واسم مصدر غير علم مثاله: اغتسلت غسلا، وتوضأت وضوءا.
واحترز بقوله «غير علم» من اسم المصدر العلم، نحو حماد، فلا يستعمل مؤكدا ولا مبيَنَا، لا تقول: حمدت حماد، ونحو ذلك؛ لأن العلم زائد معناه على معنى العامل، فلا ينزل منزلة تكرار الفعل، ولأنه كاسم الفعل، فلا يجمع بينه وبين الفعل، قاله المصنف.
[ ٧ / ١٥٣ ]
وقوله ومقام المبين نوع مثاله القهقرى والقرفصاء، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَات غَرْقًا﴾، وقول الشاعر:
على كل موار أفانين سيرة شؤو لأبواع الجمال الرواتك
وقوله أو وصف قال المصنف «نحو: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وقول ليلى الأخيلية:
نظرت- ودونى من عماية منكب وبطن الركاء - أى نظرة ناظر
ومثله (٦):
وضابع إن جرى أيا أردت به لا الشد شد، ولا التقريب تقريب»
/انتهى.
ومذهب س أن انتصاب هذا الوصف هو على الحال؛ لأنه صفة غير خاصة بالموصوف، وإذا حذف الموصوف خرج الوصف عن أن يكون وصفَا لعدم التبعية، فكان على الحال؛ إذ شأنها عدم الإتباع، فإذَا لم يقم مقام الموصوف على هذا المذهب.
[ ٧ / ١٥٤ ]
وقوله أو هيئة قال المصنف: «نحو: يموت الكافرون ميتة سوء، ويعيش المؤمنون عيشة مرضية». وهذا يعمل فيه الفعل المذكور.
وقوله أو آلة مثاله: ضربته سوطا، ورشقته سهما، الأصل: ضربة سوطا، ورشقة سهم، حذف المضاف، وأقيمت الآلة مقامه، فأعرب بإعرابه. ويطرد في جميع أسماء آلات الفعل، فلو قلت: ضربته خشبة، ورميته آجرة - لم يجز؛ لأن الآجرة ليست آلة للرمي، ولا الخشبة آلة للضرب.
وقوله أو كل مثاله:: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾.
أو بعض مثاله: ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئً﴾.
أوضمير مثاله: ﴿لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾.
أو اسم إشارة مثاله: لأجدن ذلك الجد. والعامل هو المذكور أولا؛ لأن كلا وما ذكر محض اسم لا يشتق منه. قال المصنف: «ولا بد من جعل المصدر تابعا لاسم الإشارة المقصود به المصدر، ولذلك خطئ من حمل قول المتنبى:
هذي برزت لنا، فهجت رسيسا
على أنه أراد: هذه البرزة؛ لأن مثل ذلك لا تستعمله العرب» انتهى.
وهذا خطأ، فمن كلام العرب: ظننت ذاك، يشيرون به إلى المصدر، ولذلك اقتصروا عليه؛ إذ ليس مفعولأ أول، ولم يذكروا بعده المصدر تابعا له، وعلى هذا خرجه س.
[ ٧ / ١٥٥ ]
وقوله أو وقت مثاله ما أنشده المصنف:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
أراد: اغتماض ليلة أرمد. قال: «حذف المصدر، وأقام الزمان مقامه، كما عكس من قال: كان ذلك طلوع الشمس، إلا أن ذلك قليل، وهذا كثير».
وقوله أو ما الاستفهامية مثاله ما أنشده المصنف:
ماذا يغير ابنتى ربع عويلهما لاترقدان، ولا بؤسى لمن رقدا
قال الجوهري: «غاره يغوره ويغيره، أي: نفعه»، بغين معجمة، يقول: لا يغير بكاؤهما علي أبيهما من طلب ثأره. ومثله: ما تضرب زيدَا؟ كأنك قلت: أي ضرب تضرب زيدَا؟
وقوله أو الشرطية مثاله ما أنشده المصنف في الشرح لجرير:
نعب الغراب، فقلت: بين عاجل ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب
ومثله: ماشئت فقم، كأنك قلت: أي قيام شئت فقم
[ ٧ / ١٥٦ ]
وكان ينبغي للمصنف أن ينص على أنه يقوم مقام المصدر اسم العدد، فإنه واقع موقع المبين، وليس شيئاَ مما ذكر، تقول: ضربت ثلاثين ضربة، فتعرب ثلاثين مصدرا، وليس بمصدر لكونه عددا لما هو مصدر.
وقد جاء إقامة أعيان وليست بآلات مقام المصدر، وهي على حذف مضاف، وذلك نحو قول الشاعر:
حتى إذا اصطفوا لنا جدارا
وقول الآخر:
ولم يضع ما بيننا لحم وضم
الأصل: اصطفاف جدار، وإضاعة لحم وضم، فحذف المصدر، وأقيم الاسم الذي كان مضافا إليه مقامه، فأعرب بإعرابه.
وقال بعض أصحابنا: وغير التأكيدي ما أفاد معنى لا يستفاد من الفعل، وهو على سبعة وجوه:
المحدود، نحو: ضربته ضربة، وضربتين، وضربات.
والذي في معناه: ضربته سوطا، وسوطين، وثلاثة أسواط. والنوعي: قعد القرفصاء.
والمصدر المعرف، وهو المعرف تعريف الجنس: زيد يجلس الجلوس، تريد الجنس، ويعنى به التكثير، ويجلس لا يفهم منه الكثرة، إذ يكون للقليل والكثير، وتعريف العهد: جلست الجلوس الذي تعلم. ويكون علما، نحو بره برة، وفجر به فجار، وهو معلق على الجنس.
[ ٧ / ١٥٧ ]
والخامس الموصوف: قعد قعودا حسنا.
والجاري مجراه: ضربت أي ضرب، تريد: شديدا، ويسير ضرب، وبعض ضرب، وكل ضرب، وهو السادس.
والسابع: التشبيهي: ضربت ضرب الأمير اللص، وقد يرجع إلى معنى الموصوف، /كقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ المعنى: أخذا شديدًا، وقوله ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا وَهُوَ مُؤْمِن﴾، وقوله:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر لها نفذ، لولا الشعاع أضاءها
وهو الثائر نفسه، فالمعنى: وسعى لها سعيا يصلح للآخرة، وطعنت طعنة صالحة لأخذ الثأر، وقد يريد: مثل ما يطعن الثائر غيري.
وإذا قلت: ضربت ضربًا مثل ضرب الأمير فضرب مصدر لضربت، لا خلاف في ذلك إلا خلافا لا يعبًا به، فإذا قلت ضربت مثل ضرب الأمير فمذهب س أنه حال. وينبغي في القياس ألا يحذف مثل؛ لأنك إذا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه أعرب إعرابه، والمعرفة لا تكون حالا، والصفة في هذا المعنى لا ينصبها س إلا على الحال، والعامل عندي فيه الفعل، وقد رأيته لجماعة.
وقال قوم: العامل فيه فعل أخر، أي: أوقع حسنا. وسار زيد شديدًا، تقديره عندهم: سار السير أوقعه شديدًا. وهو عندي تكلف.
[ ٧ / ١٥٨ ]
فإن قلنا في ضربته شديدًا: نعت لمصدر محذوف، صح في ضربته مثل ضرب الأمير ذلك. وتحقيق «نعت لمصدر محذوف» أنه مصدر، كما تقول: رأيت النجار، فيكون مفعولا لأنه في الأصل نعت لمفعول. والنحويون يقولون: حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، يعنون: يليه عامله، ويعرب بإعرابه، ف «مثل» مصدر، وإذا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه كان ذلك أيضًا، فيكون ضرب الأمير مصدرًا، والمصدر يكون معرفة ونكرة، فاستقامت المسألة. وأما س فلا يجعل ضرب الأمير حالا، ولذلك نجده يذكر هذا النوع في أمثلة المصادر، وقد قال في باب ما ينتصب به المصدر المشبه [به [: «فإذا قلت: مررت به فإذا هو يصوت صوت الحمار، فعلى الفعل غير الحال». وقال في قوله:
إذا رأتني سقطت أبصارها دأب بكار، شايحت بكارها
: يكون حالآ وغير حال. وقال في قول رؤبة:
لوحها من بعد بدن وسنق تضميرك السابق، يطوى للسبق
: يكون على الفعل. نفى عن تضميرك أن يكون حالا لتعريفه.
فإن قلت: على ما قدمت يجب أن يكون حالا، فكيف هذا التناقض؟
[ ٧ / ١٥٩ ]
قلت: المخلص منه أن يكون التقدير: ضمرها تضميًرا مثل تضميرك، فحذف «تضميرا مثل» حذفا /واحدًا لا بتدريج، ويقوم تضميرك مقامهما، فينتصب انتصاب تضمير، فيكون مصدرا لا حالا، كما كان تضميًرا، فلا يحذف أولا «ضربا» لما تقدم، ولا تحذف أيضا «مثل» وحدها؛ لأنه يصير التقدير: ضربًا ضرب الأمير، على حذف مثل، وقد كان مثل صفة، فيكون المضاف قائما مقامه، فصار صفة، كما أن ﴿وسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾، القرية: مفعول؛ لأنك أقمتها مقام أهل، وكان مفعولا، فتصف النكرة بالمعرفة، وهذا أصعب، وهذا يتوجه على قول الخليل إذ أجاز: «له صوت صوت الحمار»، على أن يكون صفة لصوت؛ لأنه على تقدير مثل، ومثل نكرة لا تتعرف بالاضافة، وقد خطأه س في هذا. انتهى، وفيه بعض تلخيص.
-[ص: وبحذف عامل المصدر جوازا لقرينة لفظية أو معنوية، ووجوبًا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل، /أو لكونه بدلآ من للفظ بفعل مستعمل في طلب، أو خبر إنشائي، أو غير إنشائى، أو في توبيخ مع استفهام، ودونه للنفس أو لمخاطب، أو غائب في حكم حاضر، أو لكونه تفصيل عاقبة طلب أو خبر، أونائبا عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر، أو مؤكد جملة ناصة على معناه، وهو مؤكد نفسه، أو صائر به نصًا، وهو مؤكد غيره، والأصح منع تقديمها.]-
ش: مثال ما حذف لقرينة لفظية قولك: حثيثا، لمن قال: أي سير سرت؟
وبلى، قياما طويلا، لمن قال: ما قمت. ولقرينة معنوية قولك: ئأهبا مأمونًا، لمن
[ ٧ / ١٦٠ ]
رأيته تأهب لسفر، وحجا مبرورا، لمن قدم من حج، وسعيًا مشكورًا، لمن سعى في مثوبة.
وقوله ووجوبا أي: ويحذف العامل على طريقة الوجوب؛ لكونه - أي:
لكون المصدر - بدلًا من اللفظ بفعل مهمل، أي: ليس بموضوع في لسان العرب، بل أتت بالمصدر، ولم تستعمل منه وتشتق فعلا. وقسمه المصنف إلى مفرد، وإلى مضاف، وإلى ما يستعمل مفردًا ومضافًا، فذكر من المفرد أفة له وتفة، ودفرا بمعنى نتنا، وبهرًا بمعنى تبا، كقول الشاعر:
تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي بحارية، بهرًا لهم بعدها بهرا
وبمعني: عجبا، قال عمر بن أبي ربيعة
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا عدد الرمل والحصي والتراب
فأما أفة وتفة ودفرا فلم يستعمل منها فعل كما ذكر. والتفة في الأصل: ريح الأذن، والتفة: وسخ الأظفار (٠) وأما بهرا بمعنى تبا فهكذا فسره س في البيت، بهرًا لهم بهرًا، أي: تبا لهم، فجعله لفظًا غريبًا؛ لأن بهرة في معنى خيبة غير معروف، فيحتمل أن تكون كلمة نادرة بمعنى التب، لا فعل لها على ما فسر.
وقال أبو بكر بن طاهر في البيت: يعني بهرًا: قهرا، أي: غلبوا غلبًا،
كقولك: بهرني الشيء: غلبني، ومنه القمر الباهر: إذا تم ضوءه وغلب (٠)
وقال غيره بهرت فلانًا: غلبته، وبهرها بكذا: قذفها.
وقال ابن الأعرابي: يقال للقوم إذا دعوت عليهم: بهرهم الله، والمبهور: المكروب، وأنشد بيت عمر بن أبي ربيعة:
[ ٧ / ١٦١ ]
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرًا ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
انتهى.
فعلى ما حكاه هؤلاء الأئمة لا يكون بهرًا منصوبا بفعل مهمل، بل بفعل مستعمل، ويكون بهرًا في بيت عمر ليس معناه عجبًا كما زعم المصنف، بل معناه: غلبة، أ
ي: بهرني حبها بهرًا
وقال ابن عصفور: «هوبمعنى غلب، يستعمل في الخبر لا في الدعاء، فلذلك كان الأحسن /أن ينتصب بهرا بفعل من المعنى، تقديره: ألزمه الله» انتهى.
وليس بصحيح بدليل ما حكيناه عن ابن الأعرابي أنه يقال للقوم إذا دعي عليهم: بهرهم الله.
وذكر المصنف من المضاف بله، وأنشد:
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بلة الأكف، كأنها لم تخلق
أي: تترك الأكف تركا، ويقال بهل مقلوبا. وقد ذكر المصنف أنها تنصب،
فتكون اسم فعل بمعنى دع، وقد تكلمنا عليها في باب أسماء الأفعال والأصوات.
وذكر أيضًا قولهم في القسم الاسعطافي قعدك الله إلا ما ذكرت كذا، أي:
تثبيتك الله، ومثله: عمرك الله، في لزوم الإضافة والاستعطاف، قال: «إلا أن هذا مختصر من التعمير مصدر عمرتك الله، بممعنى: نشدتك الله، ومنه قول الشاعر
[ ٧ / ١٦٢ ]
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا هل كنت جارتنا أيام ذي سلم
وأصله من العمر، وهو البقاء، والمتكلم به متوسل باعتقاد البقاء لله»
انتهى، وسيأتي الكلام على قعدك وعمرك في باب القسم، إن شاء الله.
وإذا كان عمرك الله على ما ذكر المصنف مختصراَ من التعمير مصدر عمرتك الله فلا يكون منصوباَ بفعل مهمل؛ إذ عمرتك الله فعل مستعمل، فكان ينبغي للمصنف ألا يعده فيما ينتصب بفعل مهمل.
وذكر المصنف مما يستعمل مفردا ويستعمل مضافا، قال: «قولهم للمصاب المرحوم: ويحه، وويح فلان، وويح له، وفي الحديث: (ويح عمار، تقتله الفئة الباغية). وللمتعجب منه: ويبا له، وويبك، وويب غيرك، قال الشاعر:
فلا تجبهيه، ويب غيرك، إنه فتى عن دنيات الخلائق نازح
وكذا يقال: ويح غيرك، وويسه مثله أوقريب منه» انتهى.
قال الجزولي: «ومنه مضافا ويحك - أي: ألزمك الله - وويسك كذلك، وهو استصغار واحتقار».
وقال ابن طاهر: وبح كلمة تقال رحمة، وويس كلمة تقال في معنى رأفة، وهي مضافة إلى المفعول، يدل على ذلك تفسيرها، وعليه كلام س وتفسيره، ومتى أضفتها ألزمتها النصب، ولا يجوز فيها الرفع؛ لأنه مبتدأ لا خبر له، فإذا فصلته من
[ ٧ / ١٦٣ ]
الإضافة جاز فيه الرفع والنصب، تقول: ويح له وويحا له، وويل له، وويلا له، ولايقوى النصب فى هذا قوته فى غيره؛ لأن هذا مصدر لا فعل له، وإنما يقوى النصب فى المصدر الذى له فعل، نحو حمدا وشكرا، فالرفع فى ويح وويل قوى وقد استعمل منه لفظ /الفعل، أنشد ابن جنى:
فما وال، ولا واس ولا واح أبو هند
وتقول: ويح له وتب، وتبا له وويحا، فهذا ونحوه من الدعاء، إذا جمعوا بينهما غلبوا المتقدم، فالغالب على تب النصب، وعلى ويح الرفع إذا أفردوا، وس يختار أن يحمل كل واحد منهما على وجهه إذا أفرد، فاذا قالوا تبا له وويحا فلم يأتوا بخبر الآخر وافقهم س على النصب لعدم الخبر؛ لأن العرب لا تقول ويح ولا ويل إلا مع خبريهما.
وقال أبو الحسين بن أبي الربيع ما ملخصه: «تبا لك التزم نصبه، وويح لك التزم رفعه، وويل لك الوجهان، ولو قسنا لساوياه، لكن لا يتعدى السماع، فإن عطفت ويحا على تب نصبته للعطف، ولا يجوز رفعه لأنه لا خبر له، وإن عطفت تبا على ويح فكحاله قبل العطف، ويكون [عطف جملة] فعلية على اسمية لتساويهما في المعنى. وقول تبا له وويح له، فلا يكون في ويح إلا الرفع كحاله قبل العطف» انتهى.
[ ٧ / ١٦٤ ]
وقد رد المازني هذه الأمثلة، وقال: «كيف يتصور أن يكون يدعو له وعليه في حين واحد؛ ألا ترى أن معنى تبا له: خسران له، ومعنى ويح له: رحمة له، فلا يصح هذا الكلام» انتهى.
وخرج هذا الكلام على وجهين:
أحدهما: أن يكون ويح له لا يراد به الدعاء له، بل أخرج مخرج الدعاء، وليس معناه الدعاء، كما كان قوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، فالمعنى: خسران له، وهو لكونه ذا خسران ممن يجب أن يقال فيه: رحمة له.
والوجه الثاني: أن يكون تبا له دعاء له على حد: قاتله الله ما أشعره! فلا يكون فيه تناقض، وهذا إذا فرض أن المثال من كلام العرب، ولعله مثال من أمثلة النحويين.
وحكي عن أبي عمر منع هذا الباب جملة؛ لأنه يؤدي إلى أن يرفع ما شأنه النصب، وينصب ما شأنه الرفع؛ لأن ويح مناجاة فرفع، والثاني دعاء فنصب، كذا نقل عنه.
وإذا قلت ويح له وتبا فالواو جامعة لأن الكلام جملتان، وويح وتب له الواو عاطفة لأنه كلام واحد. وقال س: «وقولك: ويح لك وتب، وتبا له وويحا، جعل النحويون التب بمنزلة ويح، وجعلوا الويح بمنزلة التب، فوضعوا كل واحد منهما على غير الموضع الذي وضعته العرب. ولا بد لويح مع قبحها من أن تجعل على تب، فإذا قلت ويح له ثم ألحقتها التب فالنصب فيه أحسن، وإذا
[ ٧ / ١٦٥ ]
قلت تبًا له وويح له فالرفع ليس فيه كلام، ولا يختلف النحويون في نصب التب إذا قلت ويح له وتب له». وتقول: ويل له ويل كثير، برفع الويلين وبنصبهما، وبرفع أحدهما ونصب الآخر.
وذكر المصنف المصاب المغضوب عليه، قال: / «ويله وويل له، وويل له ويل طويل، وويل له ويلاَ طويلاَ، وويل له ويلا كيلا، وويل له وعول، وويلك وعولك، ولا يفرد عول، ويفرد ويل منصوبا، قال (٤):
كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها فويلا لتيم من سرابيلها الخضر
وهذه الأسماء إذا أضيفت لزمها النصب، وإذا أفردت جاز رفعها ونصبها»
انتهى. والويل: الفضيحة والحسرة، وويب في معناها. ويقال: ويبا لك، أي: عجبا لك.
وذهب بعض البغداديين إلى أن ويحه وويله وويسه منصوبة بأفعال من لفظها؛ وتقديره: واح ويحهه، ووال ويله، وواس ويسه، وأنشد البيت المتقدم، وهذا البيت مصنوع، ولا يعلم له قائل.
وقال ابن عصفور: ويله وأخواته تستعمل مضافة فصيحا، وبابها اللزوم، ومضافها للتبيين، ك «لك» في: سقيا لك. وناصبها من غير لفظها، أو منه ملتزما إضماره. ويجب نصبها ما دامت مضافة.
وفي البسيط: «وأما المضاف فما كان منه أضيف إلى ما وقع عليه الدعاء فلا يجوز رفعه، قال المبرد: لأنه لا خبر له. وهذا على من يجعل الخبر في المجرور، فإن
[ ٧ / ١٦٦ ]
كان محذوفًا فلا مانع منه إلا أن يكون في الكلام ما يدل عليه. وما كان منه أضيف إلى غير ذلك مع بقاء المجرور الذي يكون خبرا، كقولك: رحمة الله عليه ورضوانه وسلامه، ولعنة الله على الظالمين - فلا يكون فيه النصب على قول س،
وأجازه المبرد» انتهى.
قال ابن عصفور: فإن فصل - يعني ويلا- وأخواته فالرفع، والمجرور خبر، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، وقد نصبوا ويلا، قال:
فويلا لتيم من سرابيلها الخضر
وأما ويح له فترفعه، إلا إن عطفته على ما له النصب فتنصب، نحو: تبا له وويحا، إتباعا، ولا ترفعه مبتدأ لأنه لا خبر له، ولا تقدره: ويح له، وتحذف «له» لدلالة «له» عليه في: تبا له؛ لأنها ليست في معناها فتدل عليه؛ لأن الأولى للتبيين والثانية في موضع الخبر، ولو قدمت ويحا لأتبعت تبا فرفعته، نحو: ويح له وتب. ومعنى ويحه وويبه: رحمة له، ومعنى ويسه وويله: حسرة له. وأماعولة فإتباع لويلة، ولا يستعمل بغير ويلة، فكأنه مشتق من العويل، وهو صوت الباكي.
وفي البسيط: «وتقول ويل له ويل طويل، على البدل أو صفة موطئة، وويل له ويلا طويلا، على الحال الموطئة، كأنه قال: ويل له دائما، أي: ثبت له الويل، وإنما هو حال من الويل وإن كان نكرة لأنه صار في حكم المعرفة، ولذلك ابتدئ به. وأجاز بعضهم في ويل له ويلا طويلا أن يكون جملتين، كأنك قلت: ويل له ألزمه الله ويلا طويلا، فيكون جملتي دعاء» انتهى.
وقال في البسيط: وكذلك إذا قال القائل: يا ويلاه! / فقال له السامع: نعم ويلا كيلا فويلا كيلا على الحال؛ لأن نعم جواب وتصديق لقوله، فتضمن كلاما،
[ ٧ / ١٦٧ ]
فكأنه أضمر الجملة، فقال: ويل لك ويلا كيلا. وكذلك لو لم يذكر نعم، أي: لك ما دعوت به ويلا كيلا، أي: كثيرًا. قال س: «وإن شاء حمله على قوله: جدعًا وعقرًا»، يريد فتنصب بالنيابة عن الفعل.
وإذا اختلط ما يجب فيه الرفع مع ما يجب فيه النصب، وذكرت لكل ما يتم به - بقي كل منهما على قياسه، وكان عطف جملة على جملة، نحو: ويل له وتبا له، وبالعكس. ومع ذكر ما يتم به أحدهما دون الآخر فبدأت بما ينصب أتبعته الآخر، فقلت: تبا له وويلا، أو بما يرفع قلت: ويل له وتبً، على رأي النحوبين. ورأي س نصب تبا هنا، وهو أولى من الرفع؛ لأنه لا ضرورة تجعله مشار كا للأول؛ لأن المنصوب قد يستغني عن لك، وهذا قياس من النحويين لم يسمع من العرب شيء منه.
وكذلك لو قيل: تبا وويح لك، لا يلزم رفعه ولا نصب الويح، وينتصب الويح على قول النحوين. ولو قلت: ويح وتبا لك، رفعت بناء على مذهب الجميع.
وأما المعرف بأل فالرفع فيه أحسن من النصب للتعريف، قال س: «وإنما استحبوا الرفع فيه لأنه صار معرفة، وهو خبر، فقوي في الابتداء، بمنزلة عبد الله والرجل». وهو في رفعه بمنزلة رفع النكرة من معنى الفعل، وما بعده خبره، وهو قياس فيما يعرب، تقول: الويل لك، والخيبة لك، لكن إدخال أل ليس مطردًا في جميعها، وإنما هو سماع. قال س: «ليس كل حرف تدخل فيه أل من هذا الباب، لو قلت: السقي لك، والرعي لك - لم يجز».
[ ٧ / ١٦٨ ]
وقال الفراء والجرمي بجواز رفعهما وأخواتهما، وكأنهما رأياه قياسًا في هذه (٠).
وفيه نظر؛ لأن الموضع للفعل، فإخراجه عنه ليس أصلًا، فلا يكون قياسًا. وقد قاسه بعضهم على: الحمد لله، وليس بشيء؛ لأنه ليس من مواضع الفعل؛ لأنه خبر، بخلاف الدعاء.
وقال المصنف في الشرح: «ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة: سبحان الله، أي: براءة له من السوء، ولبس بمصدر لسبح، بل سبح مشتق منه كاشتقاق حاشيت من حاشى إذا نطق بلفظها، وكاشتقاق لوليت وصهصيت وأففت وسوفت وبأبأت ولبيت من لولا وصة وأف وسوف وبأبي ولبيك. وقالوا أيضا سبحل: إذا قال سبحان الله. وقد تفرد في الشعر سبحان منونة إن لم تنو الإضافة، كقول الشاعر:
سبحانة، ثم سبحانا، نعوذ بة وقبلنا سبح جودي والجمد / وغير منونة إن نويت الإضافة، كقول الآخر:
وأقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر
أراد: سبحان الله، فحذف المضاف إليه، وترك المضاف بهيئته التي كان عليها قبل الحذف، كما قال الراجز:
خالط من سلمي خياشيم وفا
يريد: وفاها. وهذا التوجيه أولى من جعل سبحان علما.
[ ٧ / ١٦٩ ]
ومثل سبحانك في المعنى وإهمال الفعل «سلامك» في قول الشاعر:
سلامك ربنا في كل فجر بريئا ما تغنثك الذموم
أي: براءتك ربنا من كل سوء، وبريئا: حال مؤكدة، وثغنتك أي: ما
تعلق بك الذموم: جمع ذم» انتهى.
ولا يقال سبح مخففا، فيكون سبحان مصدرا له، ولا راح ريحانا بمعنى استرزق استرزاقا، بل سبحان الله، وريحان الله بمعنى استرزاق الله: مصدران وضعا موضع الفعل في الخبر، ولا يتصرفان، فإن أردت ب «ريحان الله»، رزقه تصرف، وخرج عن أن تنتصب بفعل مضمر وجوبا، قال الشاعر
سلام الإله، وريحانه ورحمته، وسماء درر
وقال تعال: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾
وما ذكره المصنف من أن سبحانا المنون لم تنو فيه الاضافة، فصرف لجعله نكرة - مذهب لبعضهم وقيل: تنوينه ضرورة.
وما ذهب إليه المصنف من أنه إذا لم ينون كقوله «سبحان من علقمه» هو مضاف، ترك بهبئته - هو قول بعض النحويين
[ ٧ / ١٧٠ ]
وذهب بعضهم إلى آنه إذا نون كان مقطوعا عن الإضافة، فلما قطع عنها عاد إليه التنوين، ومن لم ينونه جعله بمنزلة قبل وبعد.
ورد هذا المذهب بأن الأسماء المقطوعة عن الإضافة لا يترك تنوينها إلا إن كانت ظروفًا مبنية لقطعها عن الإضافة، نحو قبل وبعد، فإن كانت غير ظروف لم يكن بد من تنوينها، نحو كل وبعض.
وفي البسيط: وأما ما لا يتصرف منها فضربان: مفردة، ومثناة، فالمفرد نحو:
سبحان الله، ومعاذ الله وريحانه، وسلاما، وحجرا، فسبحان ليس بمصدر، بل اسم وضع موضعه، فجرى مجراه ومعناه التنزيه، وهو قول الليث والزجاج وغيرهما، مأخوذ من التسبيح، وهو التنزيه، وهو تبعيد الله - تعالى - في الاعتقاد عن الصفات غير اللائقة، وكأنه مغير من التسبيح بحذف زوائده، ثم زيدت عليه ألف ونون، ووضع بدل التسبيح، /فصار بمنزلة مصدر سبح الكائن على غير صدره، بمنزلة تكلم كلامًا، وليس مثله، قال س: «لأنه لو كان مصدرًا يتصرف تصرفه كالسلام والكلام لعدم فعله وهو رأي س والجماعة، وجاء على فعلان كالطغيان ونحوه من المصادر.
[ ٧ / ١٧١ ]
واختلف فيه: فقيل: وضع نكرة جاريا مجرى المصادر يعرف بأل، كقوله:
سبحانك
_________________
(١) اللهم ذا السبحان وبالإضافة، نحو: سبحان الله، وبقي نكرة، كقوله: .. ثم سبحانا، نعوذ به وقد يتأول فيه التعريف، فيمنع من الصرف للزيادة والتعريف، إما معدولا عن أل أو الإضافة، كأجمع، وباب سحر، كقوله: سبحان من علقمة الفاخر وقال س: أصله الإضافة إلى اسم الله، واستعمل مقطوعا عنها، إما منونا في الشعر، وإما غير منون على تقدير التعريف والزيادة. وقيل: هو اسم للتسبيح يعنون علما فلم ينصرف للزيادة والتعريف وهو رأي المازني والمبرد وتنوينه في الشعر ضرورة، وإضافته على تأويل التنكير، كما تقول: زيدكم. وكذا دخول اللام عليه، وهو قليل، وهو موضوع موضع المصدر. وعلى المذهبين هو منصوب بسبح ونائب عنه، ولم يستعمل معه مظهرا. ويحتمل أن يقال: هو مصدر على غير الصدر. وقال يونس: «معناه: براءة الله من السوء»، والبراءة والتنزيه بمعنى واحد، وهر التبعيد، ولفظ السبح فيه هذا المعنى، يقال سبح في الأرض سبحا: أبعد فيها،
[ ٧ / ١٧٢ ]
ومنه: ﴿والسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾، يعني النجوم، تذهب في الفلك كما يذهب السابح
في الماء.
وإذا كان بمعنى البراءة فأما على معنى التنزيه فينتصب في المعنى بسبح، وإن
كان بمعنى البراءة في نفسه، أي: برئ براءة من السوء
_________________
(١) فيكون سبح على هذا ليس عاملآ؛ لأنه في المعنى من وصف الله بالبراءة والنزاهة، فيكون سبح أي: قال سبحان الله فهو بمنزلة حوقل وهلل. وقد نبه س على أن سبح ولبي وأفف لمن قال ذلك. وإنما نزله منزلة تسبيحا في النصب خاصة، والعامل حينئذ فعل مما يصلح له، أي: أعتقد براءة الله وأومن بها، أو من معناه، أي: برئ براءة، كما يقول: ألت حلفة أي: برئ سبحانا وقد يستعمل في قصد التعجب، كما تقول: سبحان الله أهذا يكون! وأما «سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ» فقيل: مضاف إلى «ما»، و«ما» لمن يعقل. وقيل: سبحان مقطوعة، وما مصدرية ظرفية، أي: مدة تسخير كن. وقد يوضع موضع فعل الأمر، قال الفراء في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ الله حِينَ تُمْسُونَ﴾ «أى: فصلوا»، فكأنه قال: فسبحوا سبحانا عبر بها عن الصلاة.
[ ٧ / ١٧٣ ]
وأما «معاذ الله» فهو مفعل للمصدر مرادف للعياذ، كأنهم قالوا: عياذا بالله،
لكنه استعمل بدل فعله. وفيه /أمران: أحدهما: أنه لا يتصرف. والثاني: أنه مضاف بغير حرف الجر، والأصل: معاذا بالله.
وأما «ريحانه» فقيل: ريحانه معناه الاسترزاق. وقيل: الطيب. والريحان
في كلام العرب على هذين الوجهين، ومنه: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ﴾، وقوله:
سلام الاله وريحانه
لأن السلام كثيرا يكون بالطيب والعبق. وإذا كان بهذا المعنى تصرف وارتفع
ودخلت أل. وبمعنى الاسترزاق لا يتصرف، ولم يخرج عن النصب والبدل من
الفعل، ولا يكون إلا مضافا، ومعناه استرزاقا، ولم ينطق له بفعل من لفظه، فكأنه
ناب عن فعل، إما من معناه: نحو: أسترزقه، وإما بتقدير فعل يصح به المعنى، أي: وأسأله استرزاقه.
قيل: ولا يستعمل مفردا، بل مقترنا مع سبحان الله. وقيل: يستعمل وحده؛
لأن س لم يذكره مقترنا مع سبحان، ولا نبه على ذلك. ويحتمل أن يكون خبيرا،
وهو الإقرار بالنعمة، كشكرا لك. ويحتمل ما احتمل سبحان من كونه مصدرا لا
فعل له، أو اسما منزلآ منزلة المصدر علما أو غير علم، لكن للزوم بالإضافة لم يظهر
فيه ما يوجب العلمية على رأي المبرد.
وأصله فيعلان؛ لأنه من الروح، فحكمه حكم سيد من القلب والإدغام والتخفيف، وصار لازما للتخفيف بسبب الزيادة، بخلاف سيد، وحكى
[ ٧ / ١٧٤ ]
الأزهري الإجماع على ذلك. وذكر ابن خروف أن أصله روحان على فعلان،
وقلبت ياؤه على غير قياس.
وأما «سلامًا» نقال أبو الخطاب: موضوع موضع تسلما، أي: براءة
منكم، لا خير بيننا ولا شر. فإما أن يكون كسبحان الله اسما، وإما أن يكون بمنزلة الكلام والتكلم، وفعله تسلمنا تسلما. وقال: إذا لقيت فلانا فقل سلاما، فسره
له [أبو [ربيعة بالبراءة منه.
و«السَّلامُ» بمعنى التحية يصرف، ومعنى:
سلامك- ربنا- في كل فجر
سلامتك، أي: براءتك من كل سوء، كما تقول: سلم سلامة من هذا الأمر، أي: لم يتشبث منه بشيء، فيكون على هذا مصدرا لكنه لا يتصرف؛ لأنه حذفت منه الهاء، فلزم النصب.
وقال س: «إن من العرب من يرفع سلاما، وهر يريد معنى المبارأة،
كما رفعوا حنان، على تقدير الخبر، سمع من العرب من يقول: لا يكونن مني إلا
[ ٧ / ١٧٥ ]
سلام فسلام
_________________
(١) وهو استثناء منقطع أي: إلا أن تكون متاركة ومبارأة»، كأنه قال: إنما أمرنا سلام فسلام، أي: مبارأة فأخرى، يريد: مني ومنك، وكأنه قال: لا تكونن مني إلا مجانبا ومسالما، و«كان» هنا تامة؛ لأن النهي لا يكون في الناقصة كما لا يكون الأمر. وقد حمل على الناقصة، وهو للمبرد، فيكون «مني» متعلقا بمحذوف، هو الخبر لها، على معنى: لا تكن منسوبا إلي إلا بالمجانبة./ وقد يقال: إنها تامة، وهو في موضع الحال، كأنه قال: لا تكونن إلا وأنت مجانب لي. وأما «حِجْرًا» فكانه من الحجر، وهو المنع، فاستعمل مكسورا كاستعمال العمر في القسم مفتوحا، وهو من العمر. وقيل: هو الاسم، وأوقع موقع المصدر، فيكون على فعل من لفظه، كأنه قال: أحجر حجرا، أي: أمنعه عن نفسي وأبعده وأبرأ منه، ويقول الرجل للرجل: أتفعل هذا؟ فيقول: حجرا، أي: منعا. وقال س: «أي سترا وبراءة من هذا»، والحجر يراد به الستر، ومنه ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾، أي: حراما، أي: الحرام ممنوع منه، ومحجور تأكيد، يريد به حجرا حجرا، لكنه أتى بصيغة المفعول، وهذا لا يتصرف إذا كان بمعنى المبارأة والتعوذ. فإن كان على أصله من المنع أو الستر من غير أن يشاب هذا المعنى تصرف، كقوله ﴿لِّذِي حِجْرٍ﴾، يريد: لصاحب مانع يمنعه عن الباطل، أي: صاحب عقل، ولذلك فسر هنا بالعقل. فاما ﴿بَرْزَخًا وحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ فمعناه سترا، فلم يجعله موضع الفعل على ذلك المعنى. وقيل: هو هنا على الأصل المذكور نائبا عن فعل، كأنه لما جعل بينها
[ ٧ / ١٧٦ ]
البرزخ وقدر ذلك بينهما تنافرا، فصار كل واحد منهما كأنه يكون للاخر
حجرا محجورا متعوذا مبالغة في الحجر والانقياد، وكان المعنى على ما ذكرنا من الحذف.
وذهب المبرد إلى أن حجرا يتصرف بما ذكرناه، والفرق ما أثبتناه.
ومذهب س أن سبحان علم ممنوع من الصرف. وقيل: هو مبني،
وكونه لا يتصرف ولا ينتقل عن هذا الموضع فأشبه الحرف.
قال المصنف في الشرح: «ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة قولهم في
إجابة الداعي: لبيك وسعديك، ومعناه: لزوما لطاعتك بعد لزوم. قال س: «أراد
بقوله لبيك وسعديك: إجابة بعد إجابة، كأنه قال: كلما أجبتك في أمر فأنا في
الآخر مجيب») انتهى.
وهذان اللفظان من ألفاظ ذكرها النحاة مثناة، وأوردوها إيرادا واحدا، إلا
أن المصنف ذكر منها لبيك وسعديك؛ إذ هما عنده مصدران، ينتصبان على إضمار
الفعل المهمل، وباقيها ينتصب على إضمار الفعل المستعمل. ونحن نتكلم على
جميعها كما تكلم النحاة، فنقول:
هذه الألفاظ هي: حنانيك، لبيك وسعديك، ودواليك، هذاديك،
وحجازيك، حذاريك وهي مصادر لا تتصرف، بمنزلة سبحان الله وأخواته في
كونها لا تتصرف، وهي ملتزم فيها الاضافة والتثنية، فإن افرد منها شئ كان
متصرفا، نحو قوله:
[ ٧ / ١٧٧ ]
/فقالت: حنان، ما أتى بك هاهنا أذو نسب أم أنت للحي عارف
وزعم ابن الطراوة أن ارفع في حنان أقيس، وأن قولك: الواجب علينا-
آنس من: حننا عليك؛ لأن هذا علاج.
ورد بأنه يمكن أن يكون حننا عليك واقعا، وليس بعلاج، فيكون على حد:
الواجب علينا حنان، فهذا الباب لما كان مناجاة لا يستقل أحد فيه بالإخبار
قوي فيه النصب؛ لأن الجامع بينه وبين الدعاء أن فعله ليس ماضيا، وهو مناجاة.
واختلفوا في «لبيك» أهو مفرد أم مثنى:
فذهب الخليل وس والجمهور إلى أنه تثنية لب، كما أن حنانيك تثنية
حنان.
وذهب يونس إلى أنه اسم مفرد، وأصله قبل الإضافة لبي مقصورا،
وقلبت ألفه ياء لإضافته إلى المضمر، كما قلبوا في عليك ولديك.
ورد مذهب يونس بأنه لو كان انقلاب الألف لأجل الضمير ما انقلبت
مع الظاهر في قول الشاعر:
دعوت لما نابني مسورا فلبي فلبي يدي مسور
وزعم الفارسي أنه لا حجة في هذا البيت؛ لأنه يجوز في نحو هذه الألف
التي تطرفت أن تقلب ياء في الوقف، فتقول: هذه أفعي، ومنهم من يجري الوصل
[ ٧ / ١٧٨ ]
مجرى الوقف، فيمكن أن يكون «لبي يدي مسور» من ذلك، ومثل ذلك قول
زهير:
قفرا بمندفع النحائت من ضفوي أولات الضال والسدر
قال الأصمعي: هو على لغة من يقول في أفعى أفعي. وزعم غيره أنها تثنية
ضفا، وهو بمعنى الجانب، وهو مضاف. لما بعد.
وهذا الذي ذهب إليه أبو علي كان يمكن لو سمع من كلامهم لبي زيد.
واستدل أيضا على أن لبيك تثنية بأنه قد سمع في المفرد لب، ولم يسمع لبي،
قال الشاعر:
دعوني، فيا لبي إذا هدرت لهم؛ شقائق أقوام، فأسكتها هدري
فقال: لبي، ولو كان أصله لبي لقال على الأكثر لباي، وعلى لغة هذيل لبي.
وقال س بعد ما حكى عن بعض لب علي أنه مفرد لبيك غير أنه مبني كأمس لقلة تمكنه: «وليس يحتاج إلى أن يفرد؛ لأنك إذا أظهرت الاسم تبين أنه ليس بمنزلة عليك ولديك؛ لأنك [لا] تقول: لبي زيد وسعدى زيد»
[ ٧ / ١٧٩ ]
وفي كلام س هذا رد علي المصنف إذ زعم في الشرح أن إضافة لبي إلي الظاهر شاذة كإضافتها إلي المضمر الغائب، نحو قوله:
إنك لو دعوتني، ودوني زوراء ذات منزع بيون
لقلت: لبيه لمن يدعوني
ألا ترى إلى سياقه س ذلك مساق المنقاس المطرد في قوله «لأنك [لا] تقول
لبي زيد وسعدى زيد».
والناصب لهذه المصادر أفعال من لفظها، وفي بعضها من معناها، وهي واجبة
الإضمار، فكان التقدير: تحنن حنانيك، أي: تحننا بعد تحنن، وقد /نطق بفعله،
قال:
تحنن علي - هداك المليك - فإن لكل مقام مقالا وقد أفرد في قوله تعالى: ﴿وحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾، وقال الشاعر:
ويمنحها بنو شمجي بن جرم معيزهم، حنانك، ذا الحنان
أي: رحمتك يا ذا الرحمة.
وقوله:
[ ٧ / ١٨٠ ]
ضربا هذاذيك وطعنا وخضا
أي: يهذ هذاذيك. وقوله:
إذا شق برد شق بالبرد مثله دواليك، حتى كلنا غير لابس
أي: تداولنا دواليك، ودل علي تداولنا قوله «إذا شق برد شق بالبرد مثله»، وهذا من فعل الجاهلية، إذا أراد الرجل أن يعقد (مودة) مع امرأة شق كل احد منهما ثوب الأخر ليؤكد المودة. ودواليك مأخوذ من المداولة.
وسعديك أي: سعد إسعادا لآمرك بعد إسعاد، أي: كلما أمرتني أطعتك وساعدتك، ولا يستعمل سعديك وحده بل تابعا للبيك، كعولة بعد ويلة.
ولبيك يجوز أن يستعمل وحده.
وحجازيك أي: تحجز حجازيك، أي: تمنع. وحذاريك أي: تحذر. ولبيك أي: ألزم إجابيتك، وكأنه من ألب بالمكان: إذا أقام به، فهذا منصوب بفعل من معناه، بخلاف ما قبله، فإنه منصوب بفعل من لفظه.
وقد شرح س معاني هذه المصادر، فقال: «وإذا قال المجيب لبيك وسعديك فقد قال: قربا منك ومتابعة لك». ثم [بره] س، ففسر القرب من الله تعالى
[ ٧ / ١٨١ ]
بقوله «لا أنأى عنك في شيء تأمرني به». وزعم أيضا أن معنى لبيك:
«إجابة بعد إجابة»، وتقدم ذلك. وقال س في خذاريك: «أي: ليكن منك
حذر بعن حذر»، أي: احذر ابدا.
واختلفوا في هذه المصادر أهي تثنية يشفع بها الواحد أم تثنية يراد ما التكثير:
فذهب السيرافي وجماعة إلى أنها يراد بها التكثير ومداومة الفعل، كقوله
تعالى ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، أي: كرات؛ لأن البصر لا ينقلب خاسئا وهو حسير
من كرتين ثنتين، وكنى بالتثنية عن الكثير، كما كني عن الكثير بالثتين /في
قولهم: إياك ثم إياك، قال السيرافي: «وأصل التثنية العطف، وقد وجدناهم
يريدون بعطف التثنية التكثر، كقولهم: جاؤوا رجلا رجلا، وادخلوا الأول فالأول،
وأولآ فأولآ، ومرادهم في ذلك تكرير الشيء أبدا حتى يفنى بالغا ما بلغ، فكذلك أرادوا تثنية هذه المصادر».
[ ٧ / ١٨٢ ]
وذهب بعض النحويين إلى ألها تثنية حقيقية يشفع بها الواحد، فالمراد: حنان موصول بآخر، ومساعدة موصولة بأخرى، ولزوم طاعة موصول بآخر. وأما دواليك وهذاذيك فثنيا لأن المدوالة المشبهة بداوليك من اثنين. وكذلك الهذ المشبه بهذاذيك في البيت من اثنين، أي: هذا منا وهذا منهم، ومداولة منا مثل مداولتك، فجاء المصدران لذلك مثنيين حتى يكون المشبه وفق المشبه به. وإلى نحو من هذا ذهب السهيلي، زعم في حنانيك أن المراد رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة، وفي لبيك إجابة في امتثال الأوامر وإجابة في الازدجار عن المناهي.
وهذا الذي ذهب إليه لا يطرد له، بل يستعمل /العرب ذلك في المخلوق
الذي ليس له أخرى يرحم فيها، ويتكلم بذلك من لا يعتقد أخرى؛ ألا ترى إلى طرفة بن العبد - وهو جاهلي - يخاطب عمرو بن هند، وهو جاهلي أيضا:
حنانيك، بعض الشر أهون من بعض
فليس المعنى على أنه يطلب منه رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة.
والكاف في لبيك وسعديك وحنانيك الواقع موقع الفعل الذي هو خبر في موضع المفعول؛ لأن المعنى: لزوما وانقيادا لطاعتك، ومساعدة وانقيادا لما تحبه.
ومعنى قول العرب سبحان الله وحنانيه: أسبح الله وأسترحمه.
والكاف في هذاذيك ودواليك وحنانيك إذا وقعت موقع الطلب في موضع الفاعل، كأنه قال: هذك ومداولتك وفي قول طرفة «حنانيك» كأنه قال: تحننك.
[ ٧ / ١٨٣ ]
وزعم أبو الحجاج الأعلم أن الكاف حرف خطاب، فلا موضع لها من الإعراب، كهي في أبصرك والنجاءك وألستك وذلك، وحذفت النون لشبه الإضافة، ولأن الكاف تطلب الاتصال بالاسم كاتصالها باسم الإشارة، والنون تمنعها من ذلك، فحذفت النون لذلك.
واستدل على ذلك أن الكاف إذا جعلت اسما فسد المعنى؛ وذلك أن المصدر إذا أضيف إلى غير فاعل الفعل الناصب له كان مصدرا تشبيهيا، نحو: ضربت ضربك، فالمعنى في البيت: تداولنا مداولتك، أي: مثل مداولتك، وفي سعديك: أجبتك إجابتك، أي: مثل إجابتك وفي لبيك أي: ألزم طاعتك لزومك طاعة غيرك، أي: مثل لزومه، والمعني ليس على المصدر التشبيهي. فإذا كانت الكاف حرف خطاب استقام المعنى.
وردوا على الأعلم بأن جعل الكاف حرف خطاب لا ينقاس، وبأن النون لا تحذف لكاف الخطاب؛ ألا ترى إلى قولهم ذانك وتانك. وآما ما ذكره من أنه يلزم أن يكون المصدر تشبيها فقد التزمه بعضهم، وقالوا: يسوغ أن يكون المعنى في سعديك: أجبتك إجابتك لغيرك إذا أجبته، وفي لبيك: ألزم طاعتك لزومك طاعة غيرك إذا لزمها، وفي دواليك: تداولنا مثل مداولتك إذا داولت، ويكون مثل قولهم: دققته دقك بالمنحاز حب الفلفل، المعنى: مثل دقك إذا دققت. والذي يقطع ببطلان مذهب الأعلم مجيء الأسماء الظاهرة وضمير الغيبة مكان الكاف، ولا يمكن أن يقال إن الاسم الظاهر وضمير الغيبة للخطاب، وذلك قولهم:
[ ٧ / ١٨٤ ]
فلبي يدي مسور
وسبحان الله وحنانيه. وأيضا لم تجئ هذه الكاف حرفا متصلة باسم متمكن.
فأما النجاءك/ فاسم فعل غير متمكن. وأما الإضافة فليست على معنى
التشبيه، ووجهها أن المصدر لما ناب مناب فعله أضيف إلى ما يتصل بالفعل من فاعل أو مفعول، فحنانيك مضاف إلى الفاعل الراحم إذا قدرته تحنن وارحم، وإذا قدرته استرحامك فإلى المسترحم. وكذلك لبيك وسعديك إلى المجاب المتابع، كقوله: (وعَدَ اللَّهُ) لما ناب مناب وعد الله وعدا أضيف إلي الفاعل، ولو أظهر الفعل لقال: وعد الله وعده؛ إذ يصح إضافة المصدر إلى الفاعل؛ لأنه معلوم أنه لا يضرب زيد أو غيره إلا ضربه، وكذلك هذه المصادر.
وانتصاب هذه المصادر المثتاة على المصدر بفعل من لفظها إن استعمل، وإلا فمن معناها كما تقدم.
وذهب س إلى أنه يجوز في هذاذيك ودواليك في البيتين المتقدمين الحال، ونصبهما بفعل من غير لفظهما، كأنه قال: نفعله دواليك، أي: مداولة، وتوقعه هذاذيك، أي: هذا. ولا حاجة إلى تكلف كونهما حالين؛ إذ الظاهر أنهما مصدران في البيتين.
وزعم ابن خروف وابن عصفور أنه إنما أجاز س ذلك لأنها مصادر تشبيهية،
والمعنى: مثل دواليك، ومثل هذاذيك، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والمعنى على إرادته، فكما أن مثلا وإن كان مضافا إلى معرفة نكرة فكذلك ما أقيم
[ ٧ / ١٨٥ ]
مقامه، إلا أن القائم مقام مثل لا يجري مجرى مثل عند س إلا في الشعر، فلذلك أجاز ذلك في الشعر س، ومثل ذلك قول الشاعر:
تأتي المقيم وما سعى حاجاته عدد الحصي، ويخيب سعي الطالب نصب عدد الحصى علي الحال- وهو مضاف إلي الحصى، وهو معرفة - إجراء له مجرى مثل؛ لأن المعنى: مثل عدد الحصي. وقد منع س ذلك في مسالة:
«له صوت صوت الحمار»، وهو أن يكون صوت الحمار صفة ل «صوت» على تقدير مثل. ورد على الخليل إجازته، ولذلك قال س ثم: «وهو قبيح لا يجوز إلا
في موضع الاضطرار».
وهذا الذي اعتذر به ابن خروف وابن عصفور عن س ليس بشيء؛ لأن التشبيه لا يكون في المصدر إلا إن انتصب نصب المصدر، أما إذا انتصب نصب الحال فلا يكون تشبيهيا؛ لأن الحال لا تكون تشبيهية، لا يقال: جاء زيد ضاحك بني فلان، تريد: جاء زيد ضاحكا مثل ضاحك بني فلان، هذا لا يجوز، وكذلك لا يجوز: جاء زيد مشي بني فلان، وأنت تريد: جاء زيد ماشيا مثل مشي بني فلان.
وزعم الأعلم أن س إنما أجاز الحال في دواليك وهذاذيك لكونهما نكرتين؛
إذ الكاف حرف خطاب، وليست باسم قد أضيف /إليه المصدر، وبنى ذلك على
مذهبه في أن الكاف حرف خطاب، وقد تقدم ذكر مذهبه والرد عليه.
وقد وجه بعض أصحابنا تخريج س ذلك على الحال بأن قال: «العرب قد نطقت بدواليك وهذاذيك في البيتين، ويحتمل تخريجها الوجهين، وكلا الوجهين
[ ٧ / ١٨٦ ]
لا ينقاس، أعني جل المصدر المعرفة حالا، ووضع المصدر موضع فعله، فلما اجتمعا في أن كل واحد منهما لا ينقاس وتقاربا عنده أجازهما» انتهى كلامه.
وليس الوجهان سواء وإن اشتركا في عدم القياس؛ لأن المصدر ترجح بحمله على نظائره من المصادر المثناة، وهي لبيك وسعديك، وحذاريك، وحجازيك.
وذكر صاحب البسيط في هذه الأسماء المثناة حواليك، فقال: «وأما حواليك فبمعنى الإقامة والقرب،
فكأنه أراد الإحاطة من كل جهة؛ لأنه يقال: أحواله. ويحتمل أنه يريد إطافة بك بعد إطافة، وليس له فعل من لفظه. ويجوز نصبه على الظرف لأنه بمعناه، وعلى الحال أيضا» انتهى. وقال أيضا: «وقد جاء منه في الأمر، تقول حذاريك، أي: ليكن منك حذر بعد حذر، كما قلت ذاك في الخبر والدعاء» انتهى.
قال المصنف في الشرح: «وقد يغني عن لبيك لب مفردا مكسورا، جعلوه اسم فعل بمعنى أجيت» انتهى. وليس باسم فعل كما زعم المصنف، وإنما هو مصدر مبني على الكسر، وقد تقدم من قول س إنه مفرد لبيك، فانتصابه على المصدر كما أن انتصاب لبيك على المصدر، ويكون في معنى إجابة لا في معنى أجبت. ويقطع بكونه ليس باسم فعل إضافته، قال الشاعر:
دعوني، فيا لبي إذا هدرت لهم
البيت. وإنما غر المصنف في ذلك - والله أعلم - أنه لما رأى النحويين قدروه أجبت اعتقد أنه اسم فعل؛ وإنما فسروا العامل في هذا المصدر لا المصدر، كما
[ ٧ / ١٨٧ ]
فسروا عامل حنانيك بتحنن. قوي ذلك عنده أن اسم الفعل لا عامل له، ولا تتسلط عليه العوامل لقيامه مقام ما لا يحتاج إلى عامل.
ومذهب س وغيره أن اسم الفعل في موضع نصب بعامل مضمر، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في شرح «باب أسماء الأفعال والأصوات» من هذا الكتاب.
وقوله او لكونه بدلا من اللفظ بفعل مستعمل في طلب قال المصنف في الشرح: «منه مضاف، نحو: غفرانك، و﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. ومنه مفرد، وهو اكثر من /المضاف، وليس مقيسا عند س مع كثرته، وعند الفراء والأخفش مقيس بشرط إفراده وتنكيره، نحو: سقيا له ورعيا، وجدعا لعدوك، وتعسا، ومنه قول الشاعر:
سقيا لقوم لدينا هم وإن بعدوا وخيبة للألي وجدانهم عدم
ومثله في الأمر:
فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع
ومثله في النهي:
قد زاد حزنك لما قيل: لا حربا حتي كأن الذي ينهاك يغريكا»
انتهى كلامه.
وذكر اصحابنا هذه المصادر الموضوعة موضع فعل الدعاء، ولم يفصلوها فيذكروا منها ما العامل فيه فعل من معناه لكونه لم يستعمل منه فعل في مكان، وما
[ ٧ / ١٨٨ ]
العامل فيه فعل من لفظه لكونه استعمل منه فعل في مكان، كما فعله المصنف؛ بل أوردوا ذلك إيرادا واحدا، فقالوا ما لخصته من كلامهم: «المصادر المستعملة في الدعاء للإنسان أو عليه تنتصب بفعل من لفظ المصدر إن كان له فعل من لفظه، وإلا فمن معناه». قالوا: «وهي سقيا ورعيا، وخيبة، وجدعا وعقرا، وسحقا، وبعدا، وأفة وتفة ودفرا ونعسا وبؤسا ونتنا وبهرا». قالوا: «وقد يجوز أن يكون مالا يستعمل منه فعل منصوبا بفعل من لفظه إلا أنه لم يستعمل إظهاره».
وباب هذه المصادر أن تكون متعدية، وقد تجيء لازمة، فإن لم يجئ بعدها مجرور فالنصب، أو جاء نحو سقيا لك فكذلك، وقد جاء بعضها في الشعر مرفوعا، قال:
أقام، أقوي ذات يوم، وخيبة لأول من يلقي، وشر ميسر
فإن رفعت فالمجرور خبر لها، وإن نصبت فهو خبر ابتداء مضمر، أي: هذا الدعاء له، ولا يجوز أن يكون معمولا للمصدر؛ لأنه يلزم أن تقول: سقيا إياك، لا لك، كما تقول: سقاك الله، لا: سقى لك.
ولا تستعمل هذه المصادر مضافة إلا في قبيح من كلام، بل إذا اضيفت فالنصب حتم، ومما جاء منها مضافا بعدك، وسحقك، أنشد الكسائي:
إذا ما المهاري بلغتنا بلادنا فبعد المهارى من حسير ومتعب
وفي البسيط: مما له فعل من لفظه: متعد، نحو: سقيا ورعيا، أي: سقاك الله سقيا، إذا دعوت له. وجدعا وعقرا، أي: جدعه الله، وهو القطع في الأنف، إذا
[ ٧ / ١٨٩ ]
دعوت عليه. ولازم: بعدا، وسحقا، وتعسا، ونكسا، وبؤسا. والتعس:/ ألا ينتعش من عثرته، والنكس: الرجوع في المرض وكذاك: خيبة، وجوعا ونوعا، وتبا، أي: خسرانا، كأنك قلت: بعد، وجاع، وتعس، ونكس، وخاب، وتب. وما ليس له فعل من لفظه: دفرا، أي: نتنا، وأفة وتفة كذلك، أو قذرا؛ لأن الأفة وسخ الأذن، والتفة وسخ الأظفار. وبهرا، أ: تبا في قول س، ولم ينطق له بفعل في هذا المعني، وأنشد:
تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي بحارية، بهرا لهم بعدها بهرا
وقيل: كون بمعني التعجب، نحو قوله:
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا عدد الرمل والحصي والتراب
وقيل: معناه جهرا لا أكاتم، من قوله بهرني الشئ: غلبني، والقمر الباهر
أي: الغالب ضوءه. ويحتمل أن يكون هنا بمعني التب، كأنه قال: تبا لهم، لما انكروا عليه حبها، لأن قولهم «تحبها» على الانكار.
ومنه قولهم: مرحبا وأهلا وسهلا، أي: رحبت بلادك، وأهلت أهلا وسهلت سهلا. ويحتمل إضمار المصادفة.
ومذهب الأخفش والمبرد أنه قياسي في الدعاء، فتقول: ضربا له، أي: ضربه الله، وحذف، وقتلا، ونحوه؛ لأن هذا قد كثر فيها، وفهم المعني.
قال شيخنا: ويظهر من قول س أنه ليس بقياس؛ لأنه منع القياس في الأسماء المنصوبة علي الدعاء، نحو: تربا وجندلا، وكذلك هذه لأنهما مفعولات بمنزلتها،
[ ٧ / ١٩٠ ]
ويعضده القياس؛ لأن جعل الاسم في موضع الفعل ليس بقياس، وهذه قد جعلت بمعنى الفعل، فلا يكون قياسا.
قلت: والفرق ظاهر؛ لأن المصدر له دلالة بلفظه على فعله، فكأن الفعل مذكور، وليس كذلك الأسماء، ولأن س قد جعل أسماء الأمر من الثلاثي قياسا، وهو أبعد من هذا، وينبغي أن يفصل فيقال: ما كان منها لها أفعال من لفظها فلا يبعد فيها القياس، وأما ما لم يكن لها فلا قياس فيها. ويدل عليه كون ارفع فيها، نحو: ويح، وويل، ولا يكون النصب أو يقل. قالوا منه: سلام عليك، فرفعوا ليس إلا، ولعنة الله عليه، وهو على فعل من لفظه. وبهذا استدل س على أن استعمالها سماع. انتهى ملخصا.
وقد أدخل المصنف فيما هو منصوب بفعل مستعمل وهو بدل من اللفظ بالفعل غفرانك، واتبع في ذلك أبا القاسم الزجاجي. ورد علي الزجاجي ذلك. وقيل: هي من قبيل ما ينتصب بإضمار فعل، ويجوز إظهاره.
واضطرب/في غفرانك كلام الأستاذ أبي الحسن بن عصفور، فمرة قال: هي منصوبة بفعل لا يجوز إظهاره، وعدها مع سبحان. ومرة قال: إنما منصوبة
بفعل يجوز إظهاره.
واختلفوا في الفعل الناصب لها، أهو بمعنى الطلب أم هو بمعنى الخبر:
[ ٧ / ١٩١ ]
فذهب الزجاج- ونسبه السجاوندي إلى س- إلى أن التقدير: اغفر غفرانك.
وقال الزمخشري: «غفرانك منصوب بإضمار فعل، يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك».
فعلى التقدير الأول الجملة طلبية، وعلى التقدير الثاني الجملة خبرية.
وأجاز بعض النحويين أن ينتصب على المفعول به، أي: نطلب أو نسأل غفرانك.
وجوز بعضهم فيه الرفع على الابتداء أو إضمار الخبر، أي: غفرانك بغيتنا.
وقد خلط المصنف في شرحه بين ما هو مصدر بمعنى فعل الأمر وبين ما هو مصدر يراد به الدعاء، كقوله: سقيًا لك، و:
فصبرًا في مجال الموت صبرًا
وغيره من النحويين ذكروا كل واحد منهما وحده، لكن المصنف لما رآهما قد اشتركا في الطلب خلطهما في كلامه.
وقال المصنف: «ومثله في النهي:
[ ٧ / ١٩٢ ]
قد زاد حزنك لما قيل: لا حربًا »
سمى هذا نهيًا، ويريد- والله أعلم- أن المعنى على النهي، فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب، ولا يجوز أن يكون تفسير إعراب؛ لأن «لا» التي للنهي من خصائص المضارع، فلا تدخل على الاسم، ولا يجوز أن يدعى أن فعلها محذوف وأن التقدير: لا يحرب حربًا؛ لأن فعل «لا» التي للنهي لا يجوز حذفه. والذي نختاره أن «لا» للنفي، ودخلت على حربٍ، فنفته، وهو مبني على الفتح معها، ونون ضرورة كما نونوا:
سلام الله يا مطر عليها
وهو نفي معناه النهي، كما جاء قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ نفيًا معناه النهي على أحد التأويلين.
وقوله أو خبر إنشائي أو غير إنشائي قال المصنف في الشرح: «والوارد منه في خبر إنشائي نحو: حمدًا وشكرًا لا كفرًا، وعجبًا، وقسمًا لأفعلن» انتهى.
وقد تجوز المصنف في قوله «أو خبر إنشائي» لأن الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، وكأنه يعني أن صورته صورة الخبر، والمعنى على الإنشاء.
وما ذكره المصنف من أن حمدًا وشكرًا وعجبًا إنشاء غير موافق عليه من بعض أصحابنا، قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: «حمدًا وشكرًا وعجبًا ثلاثتها
[ ٧ / ١٩٣ ]
قائمة مقام أفعالها الناصبة لها، أي: أحمدك حمدًا، وأشكرك شكرًا، وأعجب/عجبا، وتفارق ما قبلها- يعني ويله وأخواتها- في أن معناها الخبر، وما قبلها معناه الدعاء، وتفارق سبحان الله وأخواتها- وإن كان معناها الخبر- من جهة أنها تتصرف، فتستعمل مرفوعة، نحو قوله:
عجب لتلك قضية، وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب وتلك لا تتصرف». فظاهر كلام الأستاذ أبي الحسن أنها خبر لا إنشاء.
وقد سردها س مع ما هو خبر، فقال: «هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره. من ذلك قولك: حمدًا وشكرًا لا كفرًا، وعجبًا، وأفعل ذلك وكرامة ومسرة ونعمة عين، وحبا ونعام عين، ولا أفعل ذلك ولا كيدًا ولا هما، ولأفعلن ذلك ورغمًا وهوانًا، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل، كأنك قلت: أحمد الله حمدًا، وأشكر الله شكرًا، وكأنك قلت: أعجب عجبًا، وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، ولا أكاد كيدًا، ولا أهم هما، وأرغمك رغمًا».
ثم قال س: «وقد جاء بعض هذا رفعًا، يبتدأ ثم يبنى عليه». وأنشد س:
عجب لتلك قضية
البيت. قال: «وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمد الله وثناء عليه، كأنه قال: أمري وشأني حمد الله وثناء عليه» انتهى.
[ ٧ / ١٩٤ ]
فظاهر كلام س وما قرره ابن عصفور يدل على أن ما ذكره المصنف من أنه إنشائي ليس كذلك، بل هو خبر.
وقد ذهب الأستاذ أبو علي إلى أن قوله حمدًا وشكرًا لا كفرًا يراد به الإنشاء، كما ذهب إليه المصنف، فقال:
إن قلت: كيف قال إن هذا لا يظهر فعله، ولا شك أنه يجوز أن تقول: حمدت الله حمدًا، وأحمده حمدًا؟
فالجواب: إنما تكلم س في حمدًا الذي هو نفس الحمد- أعني الذي هو صيغة الإنشاء للحمد- وهذا لا يظهر معه الفعل، بل يتعاقبان، والذي أورده المعترض إنما هو محض الخبر عن الحمد لا نفس الحمد.
وقال أبو عمرو بن تقي: قوله- يعني س- حمدًا وشكرًا لا كفرًا كذا يتكلم بالثلاثة مجتمعة، وقد تفرد، وقوله عجبًا مفرد عنها.
وقال ابن عصفور: لا يستعمل كفرًا إلا مع حمدًا أو شكرًا، ولا يقال أبدًا حمدًا وحده أو شكرًا إلا أن يظهر الفعل على الجواز، ولا يلتزم الإضمار إلا مع لا كفرًا، فهذه الأمور لما جرت مجرى المثل ينبغي أن يلتزم فيها ما التزمته العرب.
وقال س: «مما ينتصب على إضمار الفعل/المتروك إظهاره، ولكنه في معنى التعجب- قولك: كرمًا وصلفًا، كأنه يقول: ألزمك الله». ثم قال: «لأنه صار بدلًا من قولك: أكرم به وأصلف».
قال المصنف في الشرح: «هذا أيضًا مما يتناوله الخبر الإنشائي» انتهى.
[ ٧ / ١٩٥ ]
وتفسير س العامل بقوله «ألزمك الله» هو تفسير من حيث المعنى؛ لأنه لا يتعجب إلا مما صار للإنسان كالسجية إذ كثر ذلك منه.
وقال بعض أصحابنا: «تنتصب بفعل من لفظها مضمر، تقديره: لكرم كرمًا ولصلف صلفًا، ولم يظهر الفعل لنيابة المصدر منابه وتحمله الضمير، ولذلك قلنا إنه انتصب بكرم لأنه من أبنية التعجب؛ لأن أبنية التعجب ليس منها ما له مصدر إلا فعل» انتهى.
وقوله أو غير إنشائي مثل المصنف في الشرح ذلك بقولك في وعد من يعز عليك: أفعل وكرامة ومسرة، وكقولك للمغضوب عليه: لا أفعل ولا كيدًا ولا هما، ولأفعلن ما يسوءك، ورغمًا وهوانًا. انتهى. وهو بعض مثل س.
ولا يكون «أفعل ذلك وكرامة» إلا جوابًا أبدًا، وكأن قائلًا قال: افعل كذا، أو: أتفعله؟ فقلت: أفعله وأكرمك بفعله كرامة وأسرك مسرة، ولا يستعمل مسرة إلا بعد كرامة. وكذا نعمى عين بعد حبا، لا يقال: مسرة وكرامة، ولا: نعمى عين وحبا.
وحذف الفعل لأنه أبلغ من ذكره؛ إذ الفعل إنما يدل على زمان مخصوص، والمصدر مبهم، فكان أبلغ، ولما يرى المخاطب من حاله الدالة على ذلك. ويمكن أن يكون ما بعد الواو إنشاء.
و«كرامة» هذا اسم موضوع موضع المصدر الذي هو الإكرام، كالعطاء مع الإعطاء. وكذلك نعمة عين، ونعام عين، وهو بفتح النون وضمها وكسرها،
[ ٧ / ١٩٦ ]
وأنكر الأستاذ أبو علي الفتح، وهما اسمان في معنى إنعام، ولما كانت بمعنى المصدر ذكرت مع المصدر.
وتفسير س العامل في «ولا كيدًا» بقوله «ولا أكاد» في تفسيره خلاف: ذهب الأعلم إلى أن أكاد هذه التي عملت في كيدًا هي الناقصة. وذهب الأستاذ أبو بكر بن طاهر إلى أنها هي التامة، والمعنى: ولا مقاربة. وقال ابن خروف: «يريد: ولا أكاد كيدًا، وهي من أفعال المقاربة. ويحتمل أن تكون ناقصة، أي: ولا أكاد أقارب الفعل، وحذف الخبر للعلم له. ويحتمل أن تكون تامة، وهما من هممت بالشيء» انتهى.
وقول س «ولأفعلن ذلك ورغمًا وهوانًا» جواب لمن قال: افعله وإن رغم أنفه رغمًا وإن هان هوانًا، وعلى النحو الذي جاء بها تستعملها، ولا تتعدى ذلك؛ إذ هي كالمثل، ويقال: أرغم الله/أنفه، ورغم الله أنفه.
وفي قول س «وقد جاء بعض هذا رفعًا» وإنشاده «عجب لتلك قضية» دليل على أنه لا يطرد، وهو مخالف لكلام ابن عصفور إنها تستعمل مرفوعة، وعجب مبتدأ، والخبر في لتلك، وجاز الابتداء به لأن فيه معنى المنصوب الذي فيه معنى الفعل، كأنه قال: أعجب لتلك، وقضية: تمييز أو حال.
وما ذهب إليه الأعلم من أن «عجب» مرفوعًا على الإهمال ليس بشيء، قال: لأنه لما دخله معنى الفعل لم يحتج إلى خبر؛ لأن الفائدة تمت بالمجرور، وهو الذي أفاد ما يفيده الخبر.
[ ٧ / ١٩٧ ]
وقال صاحب كتاب «التمهيد»: يقال: نعم عين، ونعمى عين، ونعامى عين، ونعيم عين، ونعام عين، وإنما قدر الفعل الناصب لها رباعيا بالزيادة للدلالة على المعنى، لأن نعمك لا يقال، وإنما يستعمل بحرف الخفض، قال:
نعم الله بالخيالين عينًا وبمسراك- يا أميم- إلينا
وكذلك يقدر في كرامة ومسرة وإن كانت من لفظ الثلاثي.
] وقول س «وقد جاء بعض هذا رفعًا، يبتدأ، ثم يبنى عليه»، قال في البسيط: صارت هذه بدلًا من الفعل، كما كانت في الدعاء والأمر لا يجوز إظهاره فيها لكونها بدلًا؛ كباب سقيًا، ولا يكون الإضمار هنا إلا بعد ما يجري ذكر للمبني عليه، أو المتعجب منه، أو المحبوب، أو قول يدل عليه، أو حالة تقتضي ذلك، فذلك هو المجوز للإضمار. وقد يرفع بعض هذه، وليس بقياس، إذا أردت معنى النصب كما كان في أخواته لأنه للفعل، خلافًا لبعضهم، قال:
عجب لتلك قضية
وإنما يريد: أعجب لتلك القضية عجبًا، أي: لأجلها، فلما أنبته عن الفعل صار المجرور بعد المصدر على نحو ما هو بعد سقيًا ورعيًا، ورفعه على ذلك، ولذلك كان نكرة في معنى الفعل، كما كان في الدعاء والخبر في المجرور.
[ ٧ / ١٩٨ ]
ويحتمل أن يكون خبرًا، كأنه قال: أمري عجب لتلك، ولما أهم ميز بقوله قضية. وقد رفعت على معنى: هي قضية. ونصبت على: أعني. وقيل: على التمييز. ولو قلت حمد لله لكان على الفعل، أو على: أمري حمد لله، وهو أبعد عن معنى الفعل.
وأما إذا كانت معارف فالرفع فيها الوجه- كما كان النصب في النكرة [الوجه]- لأجل التعريف، فتقول في أل: الحمد لله، والعجب لك، والكرامة لك والمسرة. ويظهر أنه قياس فيها لأنها في الأصل خبر، بخلاف باب الدعاء. والرفع فيه معنى النصب، والمجرور خبر، أو صلة، والخبر محذوف، أي: شأني وأمري. ويجوز النصب نظرًا إلى الأصل، فتقول: الحمد لله، قال س: «ينصبها عامة بني تميم وناس كثير من العرب». وكذلك العجب لك، و«لك» /بعده كما بعد النكرة، قال س: «كأنك قلت: حمدًا وعجبًا، ثم أتيت بلك لتبين من تعني».
وأما المضاف فنحو: حمد الله وثناء عليه، أي: وشأني، قاله بعض العرب جوابًا لمن قال: كيف أصبحت؟ وفيه معنى المنصوب، والرفع في هذا يفارق النصب بما ذكرناه في الدعاء].
[ ٧ / ١٩٩ ]
وقوله أو في توبيخ إلى قوله أو [غائب] في حكم حاضر مثال التوبيخ مع الاستفهام قول الشاعر:
أذلا إذا شب الغدا نار حربهم وزهوًا إذا ما يجنحون إلى السلم
ومثال التوبيخ دون الاستفهام قوله:
خمولًا وإهمالًا، وغيرك مولع بتثبيت أسباب السيادة والمجد
ومثاله للنفس قول عامر بن الطفيل يخاطب نفسه: «أغدة كغدة البعير، وموتًا في بيت سلولية».
ومثاله لمخاطب قوله:
أطربًا وأنت قنسري
ومثاله لغائب في حكم حاضر قولك وقد بلغك أن شيخًا يلعب: ألعبًا وقد علاك المشيب!
وفي البسيط: لابد من مشاهدة الحال أو تقدير مشاهدتها، ففي الاستفهام لا يكون إلا مضمرًا إنكارًا عند كونه ملتبسًا بالفعل، أو تحسرًا وتندمًا، نحو:
أطربًا وأنت قنسري
أي: شيخ. والمقدر هنا فعل حال حاصلًا أو مقدرًا.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
والمصدر ينتصب في الأصل على الإطلاق، ولكن غيره معنى التنكير لتغييره الخبر. وقد قيل: إنه على الحال المؤكدة؛ لأنه قال س فيه: «ولكنه يخبر أنه في تلك الحال في جلوس وقيام»، وإنما يريد أنه في الزمان والحال في حال الجلوس، فأدخل في على المصدر، فهو حال.
قلت: الفعل هو الحال، فعبر عنه بالمصدر والزمان، ولذلك قال: «وإنما أراد: أتطرب، أي: أنت في حال طرب؟» ففسر الفعل بالحال. وقد يجوز أن يكون حالًا. وقيل: يدل عليه أنه لا يجوز أن تقع هنا المعرفة، فلا تقول: الضرب والناس منطلقون؛ لأن الحال لا تكون معرفة، فلزوم التنكير دل على قصد الحال.
ومثال التحسر قول عامر بن الطفيل: «أغدة» إلى آخره.
ومثال الذم والتوبيخ:
أعبدًا حل في شعبى غريبًا ألؤمًا- لا أبا لك- واغترابا
أي: أتلؤم لؤمًا، وتغترب اغترابًا، أي: أتجمع بين الأمرين. قال س: «وهو كثير في كلام العرب».
وفي غير استفهام إن تكرر نحو: زيد سيرًا سيرًا، فلا يجوز الإظهار، ويكون معرفة ونكرة. وإن أفراد: فإن لم يقصد معنى التكرير/والتنبيه على الخبر كان
[ ٧ / ٢٠١ ]
الحذف على غير الوجوب لقرينة لفظية أو حالية، نحو: غضب الخيل على اللجم، كأنه قال: غضبت، إذ رآه غضبان. وإن لم يكن يقصد ذلك المعنى كان الوجوب، ومنه:
وعدت وكان الخلف منك سجية مواعيد عرقوب أخاه بيترب
ومنه: أوفرقًا خيرًا من حب: أي: أفرقك فرقًا خيرًا من حب، جوابًا لمن قال: أتحبني؟ فقطعته عليه بـ «أو» وأنشد س في الإفراد الواجب:
سماع الله والعلماء أني أعوذ بحقو خالك يا بن عمرو
يريد: أسمع إسماعًا الله، قال س: «جعل نفسه في حال من يسمع، فصار بمنزلة من جعله في حال سير».
[ ٧ / ٢٠٢ ]
ولم يتعرض س للرفع في هذا النوع، ولا يبعد جوازه على تقدير الابتداء، أي: شأنك الطرب، والتعوذ، ونحوه، كما يرفع: حنان، وسمع وطاعة، وقد رفعوا: غضب الخيل على اللجم، على تقدير: غضبك غضب الخيل.
وفي البسيط: «أما ما بين محتمل الجملة فما وقع: أنت قد ملكت فإما عدلًا وإما جورًا، ولو قلت فعدلًا أو جورًا لصح، ومنه:
وقد كذبتك نفسك، فاكذبنها فإن جزعًا، وإن إجمال صبر وما لم يقع: إما أملك فعدلًا وإحسانًا، أي: فأعدل وأحسن. وكذلك: ألم تعلم يا فلان مسيري فإتعابًا وطردًا.
ولا يبعد أن يفرد ولا يكرر، فتقول: إما أعطي فمنا، على ما جاز: زيد سيرًا، من غير تكرير، ولم أقف عليه.
وأما ما يأتي لمقتضى الجملة فهو مشبه للتأكيد، لكنه قطعه عنه، وصيره إخبارًا مستأنفًا، كقول جرير:
ألم تعلم مسرحي القوافي فلا عيا بهن ولا اجتلابا
فقد علم أن المسرح لها هو الذي يأتي بها من غير تكلف، ولا يعيا بها، ولا يجتلبها، لكنه لما قدر على ذلك أخبر بأنه لا يعيا بها عيا، ولا يجتلبها اجتلابًا، وقطعه بالفاء من الأول.
[ ٧ / ٢٠٣ ]
ويجوز الرفع في هذه، ونص س عليه؛ لأنه أجاز الرفع في «إن جزعًا وإن إجمال صبر» على: أمري ذلك» انتهى ملخصًا من البسيط.
وقوله أو لكونه تفصيل عاقبة طلب مثاله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
وقوله أو خبر مثاله/قول الشاعر:
لأجهدن فإما درء واقعة تخشى، وإما بلوغ السؤل والأمل
وقوله أو نائبًا عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر مثال التكرير قوله:
أنا جدًا جدًا، ولهوك يزد اد، إذا ما إلى اتفاق سبيل ومثال الحصر قوله:
ألا إنما المستوجبون تفضلًا بدارًا إلى نيل التقدم والفضل
قال المصنف في الشرح: «واشترط كون هذا بتكرير ليكون أحد اللفظين عوضًا من ظهور الفعل، فبينت بذلك سبب التزام إضمار الفعل، وقام الحصر مقام التكرير؛ لأنه لا يخلو من لفظ يدل عليه، وهو إنما، أو إلا بعد نفي، فجعل ذلك أيضًا عوضًا، ولأن في الحصر من تقوية المعنى ما يقوم مقام التكرير.
[ ٧ / ٢٠٤ ]
ويشترط كون المخبر عنه اسم عين لأنه لو كان اسم معنى لكان المصدر خبرًا فيرفع، كقولك: جدك جد عظيم، وإنما بدارك بدار حريص، وإذا كان اسم عين لم يصلح جعل المصدر خبرًا له إلا على سبيل المجاز، فإذا لم يصلح جعله خبرًا تعين نصبه بفعل هو الخبر، فتقدير أنا جدًّا جدًّا: أنا أجد جدًّا، وتقدير إنما المستوجبون تفضلًا بدارًا: إنما المستوجبون تفضلًا يبادرون بدارًا.
فلو عدم الحصر والتكرير لم يلزم الإضمار، بل يكون جائزًا هو والإظهار».
والمصدر إن كرر وجب إضمار الفعل، نحو: زيد سيرًا سيرًا، وإن زيدًا سيرًا سيرًا، وكان زيد سيرًا سيرًا، وكذا في أخواتهما. وفي النفي: ما أنت سيرًا سيرًا. وفي الاستفهام: أأنت سيرًا سيرًا؟ ويجوز أن يكون معرفًا، تقول: زيد السير السير.
وسواء أخبرت عن نفسك أم غيرك، ولا يكون ذلك إلا إذا رأيته على تلك الحال، أو ذكر ذلك، أو قدرت ذلك لنفسك أو غيرك، وذلك على جهة الاتصال، أي: السير متصل بعضه ببعض، أي: توقعه سيرًا متواليًا.
ومثله في التكرير ما كان بغير لفظه، نحو: أنت قيامًا قعودًا، إذا كان لا يريد أحدهما. وكذلك ما عطف عليه مصدر آخر بحرف عطف، نحو: زيد ضربًا وقتلًا، وزيد سيرًا وردًّا. وكذلك غير الواو، نحو: أما تقول زيد إما قيامًا وإما قعودًا.
وإن لم يكرر والمصدر مثبت بعد نفي أو ما في معناه وجب إضمار/العامل، نحو: ما أنت إلا سيرًا، وما أنت إلا السير، وإنما أنت سيرًا، وما أنت إلا ضرب الناس، وضربًا الناس، على التشبيه، أي: تضرب ضربًا مثل ضرب الناس، وما أنت إلا شرب الإبل، على التشبيه والإضافة ليس إلا، والإخبار فيه على ما تقدم من مشاهدة الحال والاتصال.
[ ٧ / ٢٠٥ ]
وإن لم يكن مثبتًا بعد نفي أو ما في معناه، وكان فيه الاستفهام، نحو: أأنت سيرًا؟ لم يجز إظهاره، قيل: لأن ما فيه من معنى الاستفهام الطالب للفعل كأنه ناب عن التكرير.
وأما ما ليس فيه ذلك، نحو: زيد سيرًا، وما زيد سيرًا، ونحوه- فقيل: لا يجب إضمار العامل، بل يجوز إظهاره، وس قد نص على أنت سيرًا أنه مما لا يجوز إظهاره؛ لأنه أدخله في الباب، فكذلك: ما أنت سيرًا؛ لأنه لا يدل على الفعل. وقد أطلق بعضهم جواز ذلك، ولم يفرق بين الاستفهام وغيره.
وهذا النوع- يعني ما نصب على الفعل الواجب إضماره- يجوز فيه الرفع على جهة المجاز والاتساع:
أما ما كان غير مكرر فيجوز فيه. ويظهر من قول س أنه قياس مطرد، وكذلك في المعطوف، قال س: «وإن شئت رفعت هذا كله». وأنشد س:
فإنما هي إقبال وإدبار ولم يذكر س نصب المعطوف، لكنه يخرج من الرفع، والرفع فيه على معنى النصب من المشاهدة أو تقديرها لأنه مرفوع من هذه الغاية. وأما إنشاء الأخبار في هذا النوع نحو زيد عدل فلا يدخل هنا، بل يكون سماعًا، ولا تجعله إياه حتى تشاهد امتزاجه به حتى كأنه هو ثم تجوزت في التشبيه. ويجوز في المتكرر بالعطف
[ ٧ / ٢٠٦ ]
أن يتسع في الأول دون الثاني إذا كان أحدهما منفصلًا في المعنى من الثاني، نحو: ما زيد ضرب وقتلًا، أي: ولا يقتل قتلًا، أنشد س:
لعمرك ما دهري بتأبين هالك ولا جزع مما أصاب، فأوجعا
أنشده على التجوز فيهما؛ لأنه يريد: وما دهري دهر جزع، قال:
«والنصب جائز».
وأما إن لم ينفصلا، نحو: زيد سيرًا وردًا؛ لأنك تريد: لا يثبت على حالة- فهذا المعنى لا يستقل به أحدهما، فلا بد من رفعهما، كقوله:
فإنما هي إقبال وإدبار
وما كان مكررًا يضعف الرفع فيه لقوة دلالة الفعل على المعالجة، لكنه جائز، ولا يكون في أحدهما دون الآخر، بخلاف الآخر. انتهى ملخصًا من البسيط.
وقوله أو مؤكد جملة ناصة إلى آخره قال المصنف في الشرح: «ومن المضمر عامله وجوبًا المصدر المؤكد مضمون جملة، فإن كان لا يتطرق إليها احتمال/يزول بالمصدر سمي مؤكدًا لنفسه؛ لأنه بمنزلة تكرير الجملة، فكأنه نفس الجملة، وهو كقوله: له علي دينار اعترفًا. وإن كان مفهوم الجملة يتطرق إليه احتمال يزول بالمصدر فتصير الجملة به نصًا سمي مؤكدًا لغيره؛ لأنه ليس بمنزلة تكرير الجملة، فهو غيرها لفظًا ومعنى، وذلك كقولك: هو ابني حقًا» انتهى.
وهذا المصدر المؤكد به في ضريبه يجوز أن يأتي نكره، ومعرفة بالألف واللام، وبالإضافة، فمما استعمل معرفة بأل ونكرة: الحق، والباطل، تقول: هذا
[ ٧ / ٢٠٧ ]
عبد الله حقًا، وهذا زيد الحق لا الباطل. وغير وقول تستعمل مضافة لمعروف، نحو: هذا القول لا قولك، وهذا القول غير ما تقول، ويجوز: هذا الأمر غير قيل باطل، وقال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾، و﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن الكلام الذي قبله صنع ووعد.
وفي البسيط: فالنكرة هذا عبد الله حقًا وقطعًا ويقينًا. وقيل: منه: هو عالم جدًا، كقوله:
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدًا
وس يقول في قولك هو حسيب جدًا: إنه على الحال؛ لأنه يجري عنده وصفًا في قولك: هو العالم جد العالم، فكان على الحال. ومنه لا إله إلا الله قولًا حقًا.
والمعرفة: هذا عبد الله الحق لا الباطل، واليقين لا الشك، ولا يبعد أن يكون غير مردود، فتقول: هذا عبد الله الحق، وجوزه المبرد. وقد التزم في بعضها التعريف، فلا يستعمل على التأكيد إلا معرفة، نحو: البتة، كقولك: لا أفعله البتة، ومعناه القطع، ولا عودة له البتة، وأنت طالق البتة، لا يستعمل دون ألف ولام، فأما قوله:
[ ٧ / ٢٠٨ ]
وإني لآتيها، وفي النفس هجرها بتاتًا لأخرى الدهر ما طلع الفجر
فهو على الحال. وقيل: من هذا الباب، وهو شاذ.
وما كان من اللفظ في الإثبات، كقولك: هذا القول قول الحق، وهذا كلامك لا كلام الناس، وهذا القول لا قولك، وهذا زيد غير ما تقول، وهذا الأمر غير قيل باطل؛ لأن الأمر بمنزلة القول، أو لأن «غير قيل باطل». بمعنى حقًا. ومثله: غير ذي شك، وأصله الوصف، كأنك قلت: قولًا غير ذي شك.
قال أبو علي: تقول: غير ذي شك زيد منطلق، فتقدم وتؤخر عن العامل فيه المعنى وإن كان متقدمًا؛ لأن «غير ذي شك» نقيضة: ظني، وظني قد أجري مجرى الظرف، والظرف يعمل فيه المعنى متقدمًا، نحو: أكل يوم لك ثوب، وكذلك هذا.
فما كان مصدرًا نصب بفعل من لفظه، كأنك قلت: أحق وأقطع وأبت. أو غيرها فبإضمار أقول، أي: أقول غير ما تقول. وأجاز/الفراء والمبرد رفع جميع ذلك، ولم ينص س إلا على الأول، يعني: ما كان توكيدًا لنفسه.
قال في البسيط: «ولا يبعد القياس عليه، وهو أولى؛ لأنه إخبار ثان بزيادة فائدة، ورفعه على ما ارتفع عليه الأول، وقرئ بالوجهين: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ رفعًا ونصبًا، والتقدير في الرفع: هذا القول قول الحق. وأجاز بعض النحويين أن يقع هنا الحق تأكيدًا. وهذا لا يكون على التوكيد» انتهى.
[ ٧ / ٢٠٩ ]
وقال المصنف في الشرح: «وأما قولهم أجدك لا تفعل فأجاز فيه أبو علي الفارسي تقديرين: أحدهما أن يكون لا تفعل في موضع الحال. والثاني أن يكون أصله: أجدك أن لا تفعل، ثم حذفت أن، وبطل عملها. وزعم أبو علي الشلوبين أن فيه معنى القسم، ولذلك قدم» انتهى.
فإن قلت: كيف أدخل س هذا في المصدر المؤكد لما قبله، وليس كذلك؛ لأنك إذا فرضته مؤكدًا فإنما يكون مؤكدًا لما بعده.
قلت: إنما هو جواب لمن قال: أنا لا أفعل كذا، وبلا شك أن المتكلم يحمل كلامه على الجد، فهو مجد فيما يقول، فإذا قلت أتجد ذلك جدًا فهو مؤكد لما قبله، لكنه لم يستعمل قط إلا مضافًا.
وقال الشاعر:
خليلي، هبا، طالما قد رقدتما أجدكما لا تقضيان كراكما
وقال آخر:
أجدك لن ترى بثعيلبات ولا بيدان ناجية ذمولا
وقال آخر:
أجدك لم تغتمض ليلة فترقدها مع رقادها
استعمل لن ولم استعمال ما لأنها للحال. وقيل: ليس كذلك لأنه استفهم في الأول عن شيء مستقبل، وفي الثاني عن شيء ماض.
[ ٧ / ٢١٠ ]
وقولهم أجدك لا تفعل كذا بمنزلة: أحقًا لا تفعل كذا، وكأنه قال: أجد جدًا، كما تقول: أحق حقا.
وقوله والأصح منع تقديمهما يعني أنه لا يجوز أن تقول: اعترافًا له علي دينار، ولا: حقا هو ابني، على الصحيح. وسبب ذلك أن العامل في هذا المصدر هو فعل يفسره مضمون الجملة المتقدمة من جهة المعنى؛ إذ تقديره: أعترف بذلك اعترافًا، وأحقه حقا، فأشبه ما العامل فيه معنى الفعل، فكما لا يجوز تقديم ما عمل فيه معنى الفعل على معنى الفعل كذلك لا يجوز تقديم هذا المصدر على الجملة المفسرة ما كان عاملًا فيه. والذي منع التقديم هو الزجاج ومن أخذ بمذهبه.
/وأجاز توسيطه، فتقول: هذا حقا عبد الله.
قيل له: كيف أجرت توسيطه ولم يتقدم شيء يدل على الفعل؟
قال: إذا تقدم جزؤه فلا بد له من جزء آخر ينضاف إليه، والجزء الأول المراد ضمه إلى غيره مبني على التحقيق، فقد تقدم ما يدل على الفعل، ويدل على التوسط قوله:
وكذاكم مصير كل أناس سوف حقا تبليهم الأيام
وقال:
إني- ورب القائم المهدي- ما زلت حقا- يا بني عدي- أخا اعتلال، وعلى أدي
أي: سفر.
ومن ذهب إلى جواز التقديم استدل بقولهم: أحقا زيد منطلق؟ وذلك أن الهمزة تتعين أن تكون داخلة على الفعل الناصب للمصدر، فالمعنى: أأحق حقا؛
[ ٧ / ٢١١ ]
لأن تقدير دخولها على ما بعد المصدر، فيكون المعنى أزيد منطلق حقا- يؤدي إلى الفصل بين همزة الاستفهام والمستفهم عنه بجملة، ولا نعلم أحدًا أجاز ذلك إلا يونس، قال في قوله:
أحار، ترى برقًا، أريك وميضه
إن الهمزة للاستفهام لا للنداء، والمعنى: أترى- يا حار- برقًا. قال: «ولا يجوز أن يكون نداء؛ لأن المعنى في ترى على الاستفهام، ولا يجوز حذف حرف الاستفهام إلا أن يكون في الكلام ما يدل عليه، نحو:
بسبع رمين الجمر أم بثمان» انتهى. وعلى تقدير صحة مذهبه يكون ذلك جائزًا في الشعر، فلا يدعى في الكلام، وتبين بذلك أنه قد تقدم مع أنه لم يتقدمه دليل.
وأول من منع ذلك على أن قولهم: أحقا زيد منطلق؟ انتصب انتصاب الظرف لا انتصاب المصدر المؤكد، والمعنى: أفي حق زيد منطلق؟ وقد نص س في أحقا أنك منطلق على أنه ظرف خبر للمبتدأ الذي هو أن المفتوحة.
وفي البسيط: قيل: يجوز أن يتوسط هذا المؤكد، فتقول: والله قسمًا لأفعلن، وله علي عرفا ألف درهم. وقيل: مثله قول الأحوص:
إني لأمنحك الصدود، وإنني قسمًا إليك مع الصدود لأميل
[ ٧ / ٢١٢ ]
وأصله: إنني لأميل قسمًا.
وعند الزجاج أن هذا النوع كله إنما يؤكد به لإزالة احتمال ما، ولو على بعد أو تقدير، وإلا لم تكن فيه الفائدة.
وهي في كلها بإضمار أفعال من لفظ المصدر، كأنه قال: أعترف اعترافًا، وصبغ الله صبغة، وصنع صنعة، وكتب كتابه، ونحوه.
ويجوز رفع ذلك كله بنص س على تقدير الابتداء، ويكون /لازم الإضمار كالفعل، كأنك قلت: ذاك صنع [الله]، وصبغته، أو: هو، ونحوه.
-[ص: ومن الملتزم إضمار ناصبه المشبه به مشعرًا بحدوث بعد جملة حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ، ولا صلاحية للعمل فيه، وإتباعه جائز، وإن وقعت صفته موقعه فإتباعها أولى من نصبها، وكذا التالي جملة خالية مما هو له.]-
ش: يعني بقوله المشبه به المصدر المشبه به، ومثال ذلك: مررت به فإذا له صوت صوت حمار، ومررت به فإذا له صراخ صراخ الثكلى، قال:
مقذوفة بدخيس النحض، بازلها له صريف صريف القعو بالمسد
وقال الجعدي:
[ ٧ / ٢١٣ ]
لها بعد إسناد الكليم وهدئه ورنة من يبكي إذا كان باكيا
هدير هدير الثور، ينفض رأسه يذب بروقيه الكلاب الضواريا
واحترز بقوله مشعرًا بحدوث مما لا يشعر بتجدد حدوث، كقولك: له ذكاء ذكاء الحكماء. قال المصنف: «ولا يجوز النصب؛ لأن نصب صوت وشبهه لم يثبت إلا لكون ما قبله بمنزلة يفعل مسندًا إلى فاعل، فقولك مررت بزيد وله صوت بمنزلة قولك: مررت به وهو يصوت، فاستقام نصب ما بعده لاستقامة تقدير الفعل في موضعه، وإذا قلت مررت بزيد وله ذكاء فلست تريد أنك مررت به وهو يفعل، بل أخبرت عنه بأنه ذو ذكاء، فنزل ذلك منزلة: مررت به وله يد يد أسد، فكما لا ينصب يد أسد لا ينصب ما هو بمنزلته، فإن عبرت بالذكاء عن عمل دال على الذكاء جاز النصب» انتهى.
وقال س: «فإنما انتصب هذا لأنك مررت به في حال تصويت، ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلًا منه، ولكنك لما قلت له صوت علم أنه قد كان ثم عمل، فصار قولك له صوت بمنزلة قولك: فإذا هو يصوت، فحملت الثاني على المعنى». ثم قال: «كأنه توهم بعد قوله له صوت: يصوت صوت الحمار، أو يبديه، أو يخرجه صوت حمار» انتهى.
فانتصابه على هذا هو على أن يكون مصدرًا مبينًا إن قدرت العامل من لفظ صوت، أو على أن يكون حالًا إن قدرت العامل من غير لفظ صوت. قال س: «فانتصب» وهو مرفوع فيه، وعلته لأنه قدره: «يصوت» تارة، و«يبديه» أخرى، فإذا كان «يبديه مثل صوت الحمار» فهذه حال وقع عليها الفعل؛ لأن الصوت
[ ٧ / ٢١٤ ]
ليس من جهة صفة الإبداء، وإذا كان «يصوت» كان حالًا وقع فيها الفعل بمعنى سقط؛ لأن الصوت الذي هو مثل صوت الحمار من صفة التصويت، وسيبويه يجعل الحال إذا كانت من صفة الفعل حالًا وقع فيها الفعل، نحو: جاء زيد مسرعًا؛ لأن السرعة من صفة المجيء، وإذا كانت من صفة الفاعل جعلها حالًا وقع عليها الفعل، نحو: جاء زيد ضاحكًا؛ لأن الضحك من صفة زيد لا من صفة المجيء.
واحترز بقوله بعد جملة من أن يكون بعد مفرد، فإنه لا يجوز فيه النصب، مثاله: صوته صوت حمار.
فإن كان المفرد يتضمن إسنادًا معنويًا فهل يجري مجرى الجملة أم يجري مجرى المفرد؟ في ذلك نظر، مثاله: زيد له صوت صوت حمار، إذا جعلت صوت/مرفوعًا بالمجرور، ويكون التقدير: زيد كائن له صوت صوت حمار.
واحترز بقوله حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ من نحو قوله: عليه نوح نوح الحمام؛ لأن الهاء في عليه ليست بفاعل، وفيها صوت صوت حمار، فـ «صوت حمار» بدل أو صفة.
قال المصنف في الشرح: «ويضعف النصب لأنه إنما استحسن في له صوت صوت حمار لأن صوت بمنزلة هو يصوت لاشتماله على صاحب الصوت والصوت، فجاز أن يجعل بدلًا من اللفظ بيصوت مسندًا إلى ضمير، بخلاف فيها صوت، فإنه لم يتضمن إلا الصوت، فلم يحسن أن يجعل بدلًا من اللفظ بيصوت. ومع ذلك فالنصب جائز على ضعف؛ لأن الكلام الذي قبله وإن لم يتضمن اسم ما هو فاعل في المعنى فكونه جملة متضمنة للصوت كاف، فإنك إذا قلت فيها صوت علم أن فيها مصوتا لاستحالة صوت بلا مصوت».
[ ٧ / ٢١٥ ]
قال س: «هذا صوت صوت حمار؛ لأنك لم تذكر فاعلًا، ولأن الآخر هو الأول». ثم قال: «وإن شبهت فهو رفع؛ لأنك لم تذكر فاعلًا يفعله». ثم قال: «ولو نصبت كان وجهًا؛ لأنه قد علم أن مع النوح والصوت فاعلين».
وقال بعض أصحابنا: أفعال العلاج إما أن يتقدم فيها الضمير الذي هو فاعل في المعنى، نحو: فإذا له صوت صوت حمار، وإما أن يتأخر، نحو: فإذا صوته صوت حمار، وإما أن يذكر لا متقدمًا ولا متأخرًا، نحو: هذا صوت صوت حمار.
واحترز بقوله ولا صلاحية للعمل فيه مما يكون فيه صلاحية للعمل فيه، نحو قولك: هو مصوت صوت حمار، فانتصاب صوت حمار بقولك مصوت، فهذه جملة تضمنت ما فيه معنى الفعل والصلاحية للعمل، فهو العامل للنصب فيه.
وقال الأستاذ أبو علي: «مررت به فإذا له صوت صوت حمار من هذه المسألة، إن كان منكرًا فنصبه على وجهين: على الحال، وعلى المصدر، وعلى الحال على وجهين:
على حذف مثل، وتقدر إن شئت: له صوت يبديه مثل صوت حمار، أو: له صوت يصوت مثل صوت حمار.
أو لا على حذف مثل، وتجعل صوت حمار بإزاء: منكر، وتأخذ منه المعقول لأنه جنس، ويكون التقدير: يبديه في حال أنه صوت حمار، أي: منكرًا.
أو تجعل صوت حمار صوته مجازًا، ولا تأخذ منه المعقول، بل تأخذه بإزاء نسبته إلى الحمار، كما تقول: فلان يضرب ضرب زيد أمس، فإن هذا لا يتصور إلا على حذف مثل، أو على هذا الوجه الأخير، كأنك جعلت ضرب هذا الضارب هو ضرب زيد أمس مبالغة واتساعًا. ولا يمكن أن تفعل فيه ما فعلت في
[ ٧ / ٢١٦ ]
صوت حمار من حمله على الوجه الثاني؛ /لأنك فيه أخذت صوت حمار معقولًا ذهنيًا، فيمكن أن يوقع، وهذا أخذته شخصيًا حاصلًا في الوجود قد انقرض، فمحال أن يوقع.
فهذه ثلاثة أوجه، وفي كل واحد منها تترك الصوت على وضعه من أنه الحقيقة الناشئة عن التصويت، لا تجعله بمنزلة التصويت الذي هو فعلك من تهيئة الأسباب الموجبة للصوت.
وإن جعلته مصدرًا تصورت فيه هذه الوجوه كلها، فيمكن أن تقدر: مررت به فإذا له صوت يصوت تصويتًا مثل تصويت حمار، ثم حذفت تصويتًا، وتركت مثل في الكلام، وكان صفة له، فصار نصبه على المصدر لأنها صفة مضافة إلى المصدر، بخلاف رويدًا، ثم حذفت المضاف، وأقمت المضاف إليه مقامه، وأعربته مصدرًا، ثم وضع الصوت موضع التصويت، هذا وجه.
والوجه الآخر: أن يكون: فإذا له صوت يصوت صوت حمار، وجعل صوت حمار مصدرًا يصل إليه يصوت بنفسه من غير حذف على التجويزين المتقدمين في الحال؛ ولا بد في هذا كله من إخراج صوت عن وضعه وتصييره في موضع التصويت. وأما إن كان معرفة فلا يتصور فيه إلا نصبه على المصدر» انتهى كلامه.
فإن قلت: ما الداعي إلى أن يضمر ناصب لقوله صوت حمار؟ وهلا نصب بقوله صوت من قوله: له صوت، وكأنك قلت: له أن يصوت صوت حمار.
فالجواب: أنه لم يرد بقوله فإذا له صوت أنه يعالج الصوت، ويخرجه على هذه الصفة، وإنما أريد به ما يسمع. وكذلك: له هدير، لم يرد أنه يحاول الهدير، إنما أريد ما يسمع. والصوت هنا ليس المصدر الذي ينحل بحرف مصدري والفعل، ولا الذي يكون بدلًا من لفظ الفعل في الأمر والاستفهام، وإنما يراد به ما هو ناشاء عن التصويت.
[ ٧ / ٢١٧ ]
وقوله وإتباعه جائز يعني رفعه:
فإن كان نكرة جاز فيه وجهان: أحدهما الصفة، والثاني أن يكون بدلًا. وقد أشار س إلى الوجهين في صدر المسألة حين قال: «ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلًا منه». ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو صوت حمار.
وإن كان معرفة كقوله: «لها هدير هدير الثور» فالبدل. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف. ولا يجوز أن يكون صفة لأنه معرفة، وصوت قبله نكره. وأجاز ذلك الخليل؛ لأنه عنده في معنى النكرة، ألا ترى أنها في المعنى مضاف إليها مثل. وزعم س أن هذا قبيح ضعيف، لا يجوز إلا في موضع اضطرار. وهو الصحيح على ما يبين في باب النعت، إن شاء الله.
واختلف في أيهما الوجه: النصب أم الرفع: فقال ابن/خروف: النصب في هذا الباب الوجه؛ لأن الثاني ليس بالأول، فيدخله المجاز والاتساع. وقال ابن عصفور: الرفع والنصب فيه متكافئان؛ لأن النصب فيه الإضمار وإن كان ثم ما يدل عليه، وفي الرفع المجاز؛ لأنه جعل الأول فيه الثاني، وليس به.
وقوله وإن وقعت صفته موقعه فإتباعها أولى من نصبها مثال ذلك: له صوت أيما صوت، وله صوت مثل صوت الحمار، ذكر س أن الاختيار فيه الرفع. وكذلك إذا ذكرت صوتًا ووصفته، نحو قولك: له صوت صوت حسن؛ لأنك إنما أردت الوصف، فذكرت صوتًا توطئة له، فلما لم ترد أن تحمله على الفعل، وكان الآخر الأول- رفعت.
[ ٧ / ٢١٨ ]
وقال س: «وإن قلت: له صوت أيما صوت، أو: مثل صوت الحمار، أو: له صوت صوتًا حسنًا- جاز، زعم ذلك الخليل. ويقوي ذلك أن يونس وعيسى جميعًا زعما أن رؤبة كان ينشد هذا البيت نصبًا:
فيها ازدهاف أيما ازدهاف
فحمله على الفعل الذي ينصب صوت حمار؛ لأن ذلك الفعل لو ظهر نصب ما كان صفة وما كان غير صفة» انتهى. فالتقدير: يصوت صوتًا حسنًا، ويصوت أيما صوت، ويصوت مثل صوت الحمار.
وقوله وكذا التالي جملة خالية مما هو له مثاله: هذا صوت صوت حمار، وعليه نوح نوح الحمام، وفيها صوت صوت حمار. ويعني بقوله وكذا أي: الإتباع أولى من النصب، وتقدم كلام المصنف على شيء من هذا.
وقال: «ولو نصبت كان وجهًا؛ لأنه إذا قال: هذا صوت، أو هذا نوح، أو عليه [نوح]- فقد علم أن مع النوح والصوت فاعلين، فحمله على المعنى، كما قال:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
قال المصنف في الشرح: «ويلحق بله صوت صوت حمار قول أبي كبير الهذلي:
[ ٧ / ٢١٩ ]
ما إن يمس الأرض إلا منكب منه، وحرف الساق، طي المحمل
ولذلك قال س: صار ما إن يمس الأرض بمنزلة: له طي».
-[ص: وقد يرفع مبتدأ المفيد طلبًا، وخبرًا المكرر والمحصور والمؤكد نفسه والمفيد خبرًا إنشائيًا وغير إنشائي.]-
ش: المفيد طلبًا قولك: صبر صبر. ومنه غير مكرر قول حسان:
أهاجيتم حسان عند ذكائه فغي لأولاد الحماس طويل
وقول الآخر:
يشكو إلي جملي طول السرى صبر جميل، فكلانا مبتلى/ ومثاله خبرًا: أنت سير سير. ومثال المحصور: إنما أنت سير. ومثال المؤكد نفسه: له علي دينار اعتراف، ورفعه على إضمار مبتدأ، أي: هذا الكلام اعتراف. ومثال المفيد خبرًا إنشائيا قول الشاعر:
عجب لتلك قضية
ومثال المفيد خبرًا غير إنشائي قول الشاعر:
[ ٧ / ٢٢٠ ]
أقام، وأقوى ذات يوم، وخيبة لأول من يلقى وشر ميسر
-[ص: وقد ينوب عن المصدر اللازم إضمار ناصبه صفات كعائذًا بك، وهنيئًا لك، وأقائمًا وقد قعد الناس، وأقاعدًا وقد سار الركب، وقائمًا قد علم الله وقد قعد الناس. وأسماء أعيان، كتربا وجندلا، وفاها لفيك، وأأعور وذا ناب. والأصح كون الأسماء مفعولات، والصفات أحوالًا.]-
ش: أما عائذًا وقائمًا وقاعدًا فأسماء فاعلين في الأصل، وانتصابها على أنها أحوال مؤكدة لعاملها الملتزم إضماره، والتقدير: أتقوم قائمًا، وأتقعد قاعدًا، وأعوذ عائذا بالله. قال بعض أصحابنا: «وهي موقوفة على السماع». وقال غيره: زعم س أن هذا مقيس، يقال لكل من كان لازمًا صفة دائبًا عليها: أضاحكًا، وأخارجًا.
وزعم المبرد أن انتصاب أقائمًا وأقاعدًا وعائذًا بك على أنها مصادر، وجاءت على فاعل، كقولهم: فلج فالجًا، نحو العافية والعاقبة، فكأنك قلت: أقيامًا، وأقعودًا، وعياذًا. قال: لأن الحال المؤكدة تضعف.
وما ذهب إليه المبرد ليس بصحيح؛ لأن الحال المؤكدة جاءت في أفصح كلام، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
[ ٧ / ٢٢١ ]
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾. ولأنه ثبت أن عائذًا وقائمًا وقاعدًا أسماء فاعلين بلا خلاف، والمصدرية فيها دعوى لا دليل عليها. ولأنه لو كانت مصادر لوقعت في غير هذا المكان مصادر، فكنت تقول: قمت قائمًا طويلًا، وقائم خاشع، والقائم المعروف، في معنى: قيامًا طويلًا، وقيام خاشع، والقيام المعروف، وذلك لا يقال. ولأنه لو كانت مصادر لجاز أن تأتي معرفة ونكرة كما أتى: الحمد لله، والعجب لك. فكونهم التزموا فيها التنكير دليل على أنها أحوال لا مصادر، وهذه الأحوال تحملت ضميرًا لما وضعت موضع الفعل الناصب لها، وصارت بدلًا منه، ولذلك لا يظهر معها الفعل، فلو أسندت إلى غير الضمير برز الفاعل، فكنت تقول: أقائمًا زيد وقد قعد الناس، ومن ذلك قوله:
/أتاركة تدللها قطام وضنا بالتحية والسلام
فقطام فاعل بقوله أتاركه.
ولما كانت المصادر نائبة عن الأفعال في الاستفهام وغيره جاءت هذه الأسماء كذلك، فمن الاستفهام: أتاركة تدللها قطام. ومن غيره قول الشاعر:
ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا وعائذًا بك أن يعلوا، فيطغوني
التقدير: وأعوذ عائذًا بك، حذف الفعل، وأقام الحال كما كان يفعل بالمصدر لو قال: عياذًا بك.
ومن العرب من يقول: عائذ بالله، يضمر له مبتدأ، أي: أنا عائذ بالله.
[ ٧ / ٢٢٢ ]
وأما «هنيئًا لك» فهنيء صفة للمبالغة، تقول هنأني الطعام، أي: ساغ لي وطاب، واسم الفاعل هاناء، وهنيء فعيل للمبالغة. ويجوز أن يكون صفة من هنؤ الطعام: إذا ساغ ولا تنغيص فيه، كما تقول: شرف فهو شريف. وكذلك مريئًا، يحتمل أن يكون من هنأني الطعام ومرأني، ومن هنؤ الطعام ومرؤ. فإذا لم يكن هنأني قلت: أمرأني، رباعيًا، واستعمل مع هنأني ثلاثيًا للإتباع. قيل: واشتقاق الهنيء من هناء البعير، وهو الدواء الذي يطلى به، ويوضع في عقره، قال الشاعر:
متبذل، تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النقب
والمريء: ما يساغ في الحلق، ومنه قيل لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المريء.
قال س: «هنيئًا مريئًا صفتان، نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره؛ المختزل للدلالة التي في الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئًا مريئًا» انتهى. ومريئًا تابع لهنيئًا.
وذهب الزمخشري في قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ إلى أن انتصابه على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فكلوه أكلًا هنيئًا، أو على أنه حال من ضمير المفعول.
وهو قول مخالف لقول أئمة العربية س وغيره، فعلى ما قاله أئمة العربية يكون: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ من جملة أخرى غير قوله: ﴿فَكُلُوهُ﴾، ولا تعلق له به من حيث الإعراب، بل من حيث المعنى.
[ ٧ / ٢٢٣ ]
وجماع القول في هنيئًا أنها حال قائمة مقام الفعل الناصب لها، فإذا قيل: إن فلانًا أصاب خيرًا، فقلت: هنيئًا له ذلك- فالأصل: ثبت له ذلك هنيئا، فحذف ثبت، وأقيم هنيئًا مقامه.
واختلفوا إذ ذاك فيما يرتفع به «ذلك»:
فذهب السيرافي إلى أنه مرفوع بذلك الفعل المختزل الذي هو ثبت، وهنيئًا حال من «ذلك»، وفي هنيئًا ضمير يعود على «ذلك». وإذا قلت هنيئًا، ولم تقل ذلك، بل اقتصرت على قولك هنيئًا ففي هنيء ضمير مستتر يعود على ذي الحال، وهو ضمير الفاعل/الذي استتر في ثبت المحذوفة.
وذهب الفارسي إلى أن «ذلك» في قولك «هنيئًا له ذلك» مرفوع بـ «هنيئًا» القائم مقام الفعل المحذوف؛ لأنه صار عوضًا منه، فعمل عمله، كما أنك إذا قلت زيد في الدار رفع المجرور الضمير الذي كان مرفوعًا بمستقر لأنه عوض منه، ولا يكون في هنيئًا ضمير؛ لأنه قد رفع الظاهر الذي هو اسم الإشارة. وإذا قلت «هنيئًا» ففيه ضمير فاعل بها، وهو الضمير الذي كان فاعلًا لثبت، ويكون هنيئًا قد قام مقام الفعل المختزل مفرغًا من الفاعل.
وإذا قلت «هنيئًا مريئًا» ففي نصب مريء خلاف: ذهب بعضهم إلى أنه صفة لقولك هنيئًا، وممن ذهب إلى ذلك أبو الحسن الحوفي. وذهب الفارسي إلى أن انتصابه انتصاب هنيئًا، فالتقدير عنده: ثبت مريئًا، ولا يجوز عنده أن يكون
[ ٧ / ٢٢٤ ]
صفة لـ «هنيء» من جهة أن هنيئًا لما كان عوضًا من الفعل صار حكمه حكم الفعل الذي ناب منابه، والفعل لا يوصف، فكذلك لا يوصف هو.
وقد ألم الزمخشري بشيء مما قاله النحاة في هنيئًا، لكنه حرفه، فقال بعد أن قدم انتصابه على أنه وصف للمصدر أو حال من الضمير في فكلوه: «أي: كلوه وهو هنيء»، قال: «وقد يوقف على فكلوه، ويبتدأ هنيئًا مريئًا على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدر، فانتصابهما على هذا انتصاب المصدر»، ولذلك كأنه قال: هنيئًا ومريئًا، فصار كقولك: سقيًا ورعيًا، أي: هنأه ومرأه. والنحاة يجعلون انتصاب هنيئًا على الحال، كما ذكرناه عنهم، وانتصاب مريئًا على ما ذكرناه من الخلاف، إما على الحال وإما على الوصف.
ويدل على فساد ما حرفه الزمخشري وصحة قول النحاة ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد: هنيئًا مريئًا، ولو كانا منتصبين انتصاب المصادر المراد بها الدعاء ما جاز ذلك فيها، تقول: سقيًا ورعيًا، ولا يجوز: سقيًا الله ذلك، وإن كان ذلك جائزًا في فعله، تقول: سقاك الله، ورعاك الله. والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدها قول الشاعر:
هنيئًا مريئًا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت
وقول الآخر:
هنيئًا لأرباب البيوت بيوتهم وللعزب المسكين ما يتلمس
[ ٧ / ٢٢٥ ]
فـ «ما استحلت» و«بيوتهم» مرفوعان إما بهنيئًا أو بثبت المحذوفة على الخلاف الذي بين السيرافي وأبي علي، وتقدم من قولنا إن مريئًا تابع لهنيء.
وذهب بعضهم إلى أنه يستعمل وحده غير تابع لهنيئًا، ولا يحفظ ذلك من كلام العرب إلا في بيت فرق/بينهما، أنشده أبو العباس، وهو:
كل هنيئًا، وما شربت مريئًا ثم قم صاغرًا، فغير كريم
وتقدم من قولنا إن هنيئًا ومريئًا اسما فاعل للمبالغة.
وأجاز أبو البقاء العكبري أن يكونا مصدرين جاءا على وزن فعيل كالصهيل والهدير، وليسا من باب ما يطرد فيه فعيل في المصدر؛ لأن ذلك لا يكون في غير الأصوات إلا قليلًا كالنقير.
وقد أورد المصنف هنيئًا مع: عائذًا بك، وأقائمًا وقد قعد الناس، وهما وأشباههما منصوبات بأفعال مضمرة من لفظها. وهنيئًا ذكر فيه س تقديرين: أحدهما أنه منصوب بثبت. والتقدير الثاني أنه منصوب بهنأ، أي: هنأه ذلك هنيئًا. قال س: «فاختزل الفعل لأنه صار بدلًا من اللفظ بقولك هنأك»، فعلى هذا التقدير يكون هنيئًا موافقًا لقولك: عائذًا بالله، وأقائمًا وقد قعد الناس، إلا أنه فيه معنى الدعاء. قال بعض أصحابنا: ونصبه بثبت أولى لكون الحال فيه مبينة، وإن نصبته بهنأ كان هنيئًا حالًا مؤكدة.
[ ٧ / ٢٢٦ ]
وقوله وأسماء أعيان كتربًا وجندلًا انتصاب هذا على تقدير: ألزمك الله، أو أطعمك تربًا وجندلًا، قال س: «واختزل الفعل هنا لأنهم جعلوه بدلًا من قولك: تربت يداك»، ويعني س أنه لا يقال تربًا إلا في المعنى الذي يقال فيه: تربت يداك، لا أن تربت يداك هو الناصب لتربًا؛ لأنه ليس بمصدر.
ويجوز رفعه على الابتداء، و«لك» الخبر، قال الشاعر:
لقد ألب الواشون ألبًا بجمعهم فترب لأفواه الوشاة وجندل
وهو في الرفع بمعنى النصب من الدعاء.
ولا ينقاس الرفع في أسماء الأعيان التي يدعى بها، لو قلت: فوها لفيك، على قصد الدعاء- لم يجز. ولا تعريفها بالألف واللام؛ لأن الدعاء بالاسم قليل، والألف واللام للاسم الذي لم يوضع موضع الفعل.
وفي البسيط: «وقد أدخلوا هنا الألف واللام، كما فعلوا في المصدر رفعًا ونصبًا، فقالوا: الترب له، والترب له» انتهى.
ولا يقاس هذا الباب، لا يقال: أرضًا، ولا جبلًا، بهذا المعنى.
وقوله وفاها لفيك الضمير في فاها للداهية، قاله س. ويستعمل هذا في معنى: دهاه الله. وإنما قال لفيك لأن فم الإنسان في غالب أحواله منه يكون هلاكه، إما بأن يتكلم فيجني عليه كلامه، وإما أن الأغذية إنما تتوصل لهلاكه من فيه.
[ ٧ / ٢٢٧ ]
وجعل بعضهم الضمير في فاها عائدًا على الخيبة. وانتصب فاها بإضمار فعل، تقديره: ألزم الله فاها لفيك، وجعل الله فاها لفيك، وأنشد س:
/فقلت له: فاها لفيك، فإنها قلوص امرئ، قاريك ما أنت حاذره
وقوله وأأعور وذا ناب قال المصنف في الشرح: «ومن نيابة المفعول به عن فعل الإنكار قول رجل من بني أسد: «يا بني أسد، أأعور وذا ناب»؟ يريد: أتستقبلون أعور وذا ناب، وذلك في يوم التقى فيه بنو أسد وبنو عامر، فرأى بعض الأسديين بعيرًا أعور، فتطير، وقال لقومه هذا الكلام، فقضى أن قومه هزموا، وقتل منهم» انتهى.
ويعرف هذا اليوم الذي التقيا فيه يوم جبلة، وكان بنو عامر قد جعلوا في مقدمتهم عند اللقاء جملًا أعور مشوه الخلق ذا ناب، وهو المسن، فعلوا ذلك ليتطير به الآخرون، فيكون ذلك سببًا لانهزامهم، فلما رأوه قال بعضهم: أأعور وذا ناب؟ أي: أتستقبلون هذا، وأنكر عليهم استقبالهم إياه، فلم يسمعوا منه، فهزموا، كأنه تطير بالناب، وتفاءل منه غماء وشدة، وبالعور؛ لأنه نقصان وتعور أمر، وكأنه قال: أتستقبلون من الأمر ما فيه عور وشدة، هذا تفسير المعنى، وتفسير الإعراب ما ذكره س، فانتصب على أنه مفعول به، والعرب تكره البعير الأعور إذا رأته في عسكر عدوها. وقيل: إنهم لقوا بعيرًا أعور وكلبًا. وقيل: بل البعير كان
[ ٧ / ٢٢٨ ]
له ناب طويلة. قال س: «ولو قال أعور وذو ناب كان مصيبًا» انتهى. وارتفاعه على مبتدأ مضمر يقدر فيه ما يصلح للمعنى، أي: مستقبلكم، أو مقابلكم، أو مصادفكم أعور.
وقوله والأصح كون الأسماء مفعولات والصفات أحوالًا أما الخلاف في الصفات فقد تقدم الكلام فيه، وأن المبرد يزعم أنها مصادر جاءت على وزن الصفة، وتقدم الرد عليه. وأما الأسماء التي هي: تربًا وجندلًا، وفاها لفيك، وأعور وذا ناب- فقد قدر س لها عوامل تنصبها نصب المفعول به، وهو الذي اختار المصنف، وهو تأويل الأكثرين.
وذهب الأستاذ أبو علي وغيره إلى أن تربًا وجندلًا ينتصب كنصب المصادر؛ لأنها وإن كانت جواهر فقد وقعت موضع المصادر؛ لأن هذا المعنى كثر فيها، فلذلك قدرها س بألزمك الله، أو أطعمك، ثم قال: «لأنهم جعلوه بدلًا من تربت يداك». فالأول هو التقدير الأصلي، والثاني هو الطارئ الذي قلناه. وكذلك قدر في جندلًا فعلًا من لفظه ينتصب عليه، ولذلك تدخل فيه اللام، فتقول: تربًا لك، كما تقول: سقيًا لك، وقصته قصته. وأما «أعور وذا ناب» فقد تقدم تقدير س له: أتستقبلون أعور وذا ناب، فظاهرة ما ذهب إليه المصنف /من أنه منصوب على المفعول به.
[ ٧ / ٢٢٩ ]
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: قول س «أتستقبلون أعور» مشكل؛ لأن الأسماء التي ذكر في هذا الباب أحوال مبينة.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن خروف: ظاهره أنه مفعول، ولم يرد ذلك، إنما قاله على جهة التفسير والبيان، وحقيقة التقدير فيه: أتستقبلونه أعور وذا ناب، ولم يذكر في الباب مفعولًا، فإنما أراد ما يظهر في التفسير، ولم يقصد الإعراب ولا إلى الفعل الذي هذا الاسم بدل منه.
وقال ابن عصفور: يتخرج ذلك على وجهين: أحدهما أن يكون تفسير معنى، وإنما أراد: أتستقبلونه أعور، وإذا استقبلوه أعور فقد استقبلوا الأعور. والثاني أن يكون حذف المفعول اقتصارًا أو اختصارًا، فيكون تفسير إعراب.
وقد خلط المصنف في جمعه بين تربًا، وجندلًا، وفاها لفيك، وبين أعور وذا ناب، فذكرهما في فصل واحد، وس ذكر الثلاثة الأول في «باب ما جرى من الأسماء مجرى المصادر التي يدعى بها»، وذكر أعور وذا ناب في «باب ما جرى من الأسماء التي لم تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل»، فذكر في هذا الباب: أتميميا مرة وقيسيًا أخرى، وأأعور وذا ناب، وقول الشاعر:
أفي السلم أعيارًا جفاء وغلظة وفي الحرب أشباه النساء العوارك
[ ٧ / ٢٣٠ ]
وقول الآخر:
أفي الولائم أولادًا لواحدة وفي العيادة أولادًا لعلات
ويجوز النصب في الخبر أيضًا، فتقول: تميميا مرة وقيسيًا أخرى، وأنشد يعقوب:
هلا غير عمكم ظلمتم إذا ما كنتم متظلمينا
عفاريتًا علي وأكل مالي وجبنًا عن رجال آخرينا
ويجوز ارتفاع ذلك، فتقول: أتميمي مرة وقيسي أخرى؟ على إضمار مبتدأ، التقدير: أأنت تميمي مرة.
[ ٧ / ٢٣١ ]