قال: وقولُهم أرَضاتٌ دليل على ذلك.
قال أبو علي: جمع التكسير ما غُيِّر له بناء الواحد عما كان عليه، فأمّا ما لم يُغَيَّر له بناء الواحد، فإنه وإن لم يجمع بالواو والنون فإنّه ليس بجمع تكسير.
قال: وقد قالوا: فَوارِسُ في الصِّفة، فهذا أجدرُ أن يكون.
قال أبو علي: حكم الصفة أن تكون مسَلَّمَةً غير مُكسَّرة، لأنّها مشابهة للأفعال، وفيها ضميرُ موصوفاتها كما أن في الأفعال فاعليها؛ فوجب أن تَسْلَمَ ولا تُكَسَّر، وحكم التكسير أن يكون في الأسماء، ألا ترى أنّ كل اسم يُجمعُ مسلَّمًا يجوز فيه التكسير، وليس كل اسم يجمع مكسّرًا يجوز فيه التسليم؟ فالتكسير في الأسماء أعمّ وأكثر، فقوله: وقد قالوا فوارس أي كسَّروا الصِّفة، فتكسير الاسم أوْلى وأجْدَر.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
قال: ولو سَمَّيْتَ رجلًا أو امرأةً بِسَنَةٍ لكُنْتَ بالخيار، إن شئتَ قلت: سنواتٌ، وإن شئتَ قلت سِنُونَ.
قال أبو علي: سَنَةٌ وزنُهُ: (فَعَةٌ) على ما لفظ به، ووزنه في الأصل يشبه أن يكون (فَعْلَة)، أما حركة الفاء بالفتح، فعلمناه من قولهم: سَنَةٌ والكسرة في فائه إذا جُمع عارضة؛ إنما هي مثل الفتحة في (أرَضين) غُيِّر تغييرًا لما جُمع بالواو والنون، وحكم هذا الجمع أن يكون مُسَلَّمًا لما يعقل، فلما جمع به ما لا يعقل لم يسلّم بناؤه كما سلّم بناء اسم ما يعقل، فسَنَةٌ وإن جُمع جَمْعَ الأناسِي بالواو والنون فقد خالف جَمْعَهم في أنه غُيّر، فكأنّه بهذا التغيير يُعدّ مكسّرًا.
وكذلك القول في فتحة (أرَضِينَ) فيمن جمعه بالواو والنون، وأمّا من قال: (أرَضات) فعلى القياس، لأنه اسم مؤنث كفَعْلَةٍ وإن لم يكن فيه علامة تأنيث في اللفظ، فالفاء من سَنَةٍ أصلها الفتحة، والكسرة عارضةٌ لما قلت، فأما العين فهي ساكنةٌ لأنه لم يقم دليل على تحركه، ولا يحكم بالحركة إلا بدليل، فإن قلت: فقد تحركت في سَنَواتٍ فإنما تحركت العينُ هنا كما تحركت في يَدَويّ وغَدَويّ، فلا يحكم بحركتها هذه أنها فَعَلة لأنّك إن
[ ٣ / ٢٣٩ ]
حكمت بحركتها لهذا لزِمَكَ أن تحكم في (غَدٍ) من أجل (غَداتٍ) أنها (فَعَلٌ) وقد ثبت أنه (فَعْلٌ)، فليست فتحة العين في الجمع بالياء دليلًا يعتمد على تحرُّك العين، واللام من (سَنَةٍ) ساقطة وهي واو لقولهم (سَنواتٌ)، وهاءٌ في قول من قال: سانَهْتُ.
قال: وإذا سمَّيت رجلًا بـ (اسمٍ) فَعَلْتَ به ما فعلت بـ (ابنٍ) إلاّ أنّك لا تحذف الألف.
قال أبو علي: يقول: إذا سميت رجلًا باسم لم تحذف ألف الوصل منه في الجمع على حد التثنية فقلت: (اسْمُونَ)، وكان القياس أن تثْبُتَ في (ابن) أيضًا كما ثبت في تثنية واحده، لكن حُذفت لكثرة الاستعمال فقيل: بَنُونَ، فصار بعد حذف الألف كمَنِينَ، وهَنِين لم يُحذف منه شيء، فوافق (ابن) مجموعًا بعد حذف ألف الوصل منه (مَنِينَ) في اللفظ ولم يَزِدْ عليه اللام إذ قد وُجد ما هو على حرفين قد جمع هذا الجمع وهو (مَنُونَ).
[ ٣ / ٢٤٠ ]
قال في عَبْلَةٍ: إذا سَمَّيْتَ به عَبَلات.
قال أبو علي: تثقيل العين هنا نظير تكسير أحْمَر على أحامِر.
قال: ولو سميت رجلًا بشاةٍ لم تجمع بالتاء ولم تقل إلا شِياهٌ؛ لأنّ هذا الاسم قد جَمَعَتْه العرب فلم تجمعه بالتاء.
قال أبو علي: لو جُمع شاةٌ بالألف والتاء لم يخل من أحد أمرين:
أمّا أن تردّ فيه اللام أو لا تُردّ، فإن لم تردّ اللام قلت: شَواتٌ، فتردّ الواو التي هي عينٌ، وإن ترد اللام التي هي هاء قيل: شَوْهاتٌ، فلم يجمع هذا الجمع، لكنه جمع مكسرًا فقيل: شِياهٌ.
[ ٣ / ٢٤١ ]
قال: وأمّا عِدَةٌ فلا تُجمعُ إلا عِداتٌ.
قال أبو علي: يقول: (عِدَةٌ) وما أشبهها لم يُكسر للجمع لأنه على حرفين، ولو رددت إليه الساقط فكسَّرت لأزلت الاسم عما كان عليه.
قال: ولو سمَّيت رجلًا شَفَةً أو أمَةً.
قال أبو علي: (أامٌ)، وزنه أفْعُل، ونظيره من الصحيح أكَمَةٌ، وأكُمٌ.
والذي علمت به أن وزن أمَةٍ فَعَلة: هو أنك قِسْتَه ورددته على نظيره من الصحيح لا من تحرُّك العين بالفتح، وقد قلنا: إن تحرُّك هذه العَيْنات بالفتح ليس تغييره في الحكم على تحرك العينات بالفتح إذا ردّ البناء على أصله، فأمةٌ وزنُه فَعَلة، ردًا على أكَمَة وفاء الفعل همزة، فإذا زدت عليه همزة (أفْعُل) اجتمعت همزتان، الأولى همزة أفْعُل الزائدة، والثانية فاء الفعل، فوجب قلبها ألفًا، كما وجب قلبها في (أأدَم) و(أأخَر) ألفًا، وهكذا سبيل كل همزتين يجتمعان في كلمة واحدة
[ ٣ / ٢٤٢ ]
وحكم الثانية أن تبدل بحسب الحركة التي على الأولى، فأمّا العين من (أأمٍ)، فأصلها الضمة، لكنّها كُسِرتْ من حيث كُسِر عَيْنُ (أظْبٍ)، و(أدْلٍ)، وأبدلت من الواو ياء، كما أبدل منهما، وسقط اللام لالتقاء الساكنين.
قال: ورُبَّما قالوا: الأفْعِلاءُ في الأسماء نحو الأنْصِباءُ، وذلك الكثير.
أي نحو فُعْلان، وفِعْلان في أنه جمع لفَعيل كما كان (ذاتُ) جمعًا له وإن كان (ذاتُ) أكثر.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
قال: كما أن الذين قالوا حارِثٌ، قالوا: حَوارِثُ.
قال أبو علي: إذا سمعت (حَوارِث) علمت أنه تكسير اسم (حارِث) إذا كان علْمًا، وإنْ كان (حارِثٌ) صفة قلت: (حارِثون).
قال: ومن أراد أن يجعل (الحارث) صفةً كما جعلوه.
قال أبو علي: لأن الذين أدخلوا في (الحارث) الألف واللام وهو اسمٌ عُلِمَ أنّما قصدوا الصفة ثم غلَّبوها.
قال: وأمّا عُثمان ونحو فلا يجوز فيه أن تُكسِّرَهُ.
قال أبو علي: لو جاز تكسيره على (عَثامين) لجاز تصغيره على (عُثَيْمن) لأنّ التكسير أخو التصغير.
قال: إلا أن تُكسِّر العربُ.
قال أبو علي: حكم الألف والنون في آخر الاسم ألا يكونا للإلحاق، وإنما يكون للإلحاق ما كسّر فيه على (فَعالِيل) نحو سِرْحانٍ وسَراحين،
[ ٣ / ٢٤٤ ]
وعَتْبانُ لا يُكسّر على (فَعاليل)، لكن يكسر على فَعْلَى وفَعالى نحو سَكْرَى وسَكارَى.
قال: ولو سَمَّيْتَ رجلًا بمُصران.
قال أبو علي: لو سميت رجلًا بمُصْرانٍ لقلت: مُصَيْرانَ في التّحقير، كما أنّك لو سمَّيت بعُثمان لقلت عُثَيْمان، لأن الألف والنون ليستا للإلحاق كما أنه في عُثمان ليس له، فلا يلزم أن يصغّر هذا تصغير المُلحق لأن الألف والنون فيه للجمع ليس للإلحاق، كما أنّك إذا صغَّرت أبْياتًا قلت: (أبَيات) ولم تقل: أبيَّات لقولك: أبايِيتٌ، فكذلك لا تقول في تحقير مُصْرانٍ: مُصَيِرين لقولك: مصارِين، فإثباتُ نظير مُصْرانٍ لم يُعتبر جمع جمعه، كما لم يُعتبر مُصْران.
[ ٣ / ٢٤٥ ]