قال: فإن قلت: ما بالُ فُسَق ونحوه لا يكون جزمًا كما كان.
قال أبو علي: كأنَّ قائلًا قال: هلاّ جُعل فُسَق موقوفًا، لأن الوقف كان يصير بمنزلة الكسر فيما كان على (فعال) من هذه المعدولات، لأن حكم ما كان على (فَعَالِ) السكون، وإنما حرك لالتقاء الساكنين، ولم يجب أن يكون (فُسَق) ساكنًا كما سكنت (فَعال)، لأن (فُسَق) معدول عن معرفة منصرف، وهذه الأشياء عدلت عما لا ينصرف، فكما لم ينصرف المعدول عن المعرفة، بني المعدول عما لا ينصرف، (فَحَلاق) عن (حالِقَة) في حال تعريفه، وهو مؤنّث، فيجب ألا ينصرف (حالقة)، كما أن الصفات الغالبة المؤنثة نحو (نابغة) لا ينصرف.
فجملة هذا أنّ ما كان معدولا لا ينصرف، فالمعدول عن المبنيِّ أولى بالبناء، (فَنَظارِ) معدول عن (انظر)، وانظر مبني.
[ ٣ / ٨٤ ]
قال: فيُشَبِّهُهُ ها هُنا به. أي (بفَعَال) في ذلك الموضع.
أي الموضع الذي بني فيه (فَعالِ).
قال: وإنما كسروا (فَعَال) هنا، لأنّهم شبّهوها بها في الفعل.
أي (بافْعَلْ) المبني على السكون للأمر نحو انْظُر.
قال أبو علي: لحق (فَعالِ) التأنيث بعد العدل عن الفعل.
قال: فأجري هذا الباب مجرى الذي قبله.
قال أبو علي: يعني بالذي قبله الصفة الغالبة نحو (حَلاقِ).
قال: هذا بمنزلة قوله: تَعْدُو بَدَدًا، إلا أن هذا معدولٌ عن حدّه مؤنثًا.
[ ٣ / ٨٥ ]
قال في "لا مَساسَ" فهذا معدول عن مؤنث.
قال أبو علي: ذلك المؤنث لو قيل لكان المماسَّة وما أشبهه.
قال: وإنْ كانوا لم يستعملوا في كلامهم ذلك المؤنث.
قال أبو علي: يقول: فكما أن ملاحِح ولَيالٍ لا يستعمل واحدها الذي حقه أن يصاغ عليه هذا الجمع، كذلك لم يستعمل ما عدل عنه مَساسِ
[ ٣ / ٨٦ ]
وكَفافِ.
قال: فهذا بمنزلة جُمودًا.
قال أبو العباس: هذا تمثيل، فأما المصدر المعدول عنه جَمادٍ فلا يكون المصدر المعدول عنه جماد إلا معرفة مؤنثًا.
قال: وكذلك كل (فَعالِ) كانت معدولة من غير (أفْعَل) إذا جعلتها اسمًا.
أي إذا جعلتها علمًا أعْربتَه ولم تصرفه، لأنك سميت بمؤنث معرفة، وذاك أن باب (فَعال) كلّه مؤنث.
قال: لأنك إذا جعلتها علمًا فأنت لا تريد ذلك المعنى الذي هو الأمر بالمنازلة وما أشبهه، ولكنه تريد اسمًا.
قال: فأما أهل الحجاز فلما رأوه اسمًا لمؤنث، ورأوا ذلك البناء على حاله لم يغيروه.
قال أبو علي: يقول: لم يغيّروه إذا سمّوا به ولم
[ ٣ / ٨٧ ]
يغيروه كما غيّره بنو تميم، ولكنهم تركوه على حاله التي كان يكون عليها قبل التسمية.
قال: وأما ما كان آخره راءٌ فإن أهل الحجاز وبني تميم فيه متّفقون، ويختار بنو تميم فيه لغة أهل الحجاز كما اتفقوا في (يَرَى).
قال أبو علي: الاتفاق بينهم في (يرى) على التخفيف للهمز، (ويَرَى) أصله (يَرْأى) فخففت الهمزة، والهمزة إذا خفّفت وكان ما قبلها ساكنًا حُذفت وألقيت حركتها على الساكن، فإذا فعل ذلك صار (يَرَى)، لأنك حركت الراء بحركة الهمزة، وربما جاء في الشعر الهمز في (يَرَى) غير مخففة، كما قال سُراقةُ البارقي:
أرِي عَيْنَيَّ ما لم تَرْأياهُ.
[ ٣ / ٨٨ ]
وحكى سيبويه عن أبي الخطاب هذه اللغة فقال: زعم أنهم يقولون: قد أرْأاهُ.
وقال أبو علي: قوله: ليكون العملُ من وجهٍ واحدٍ.
[ ٣ / ٨٩ ]
أي: إذا كُسرت الراء أميلت الألف لكسرتها فقربت من الكسرة ومثل هذا في أن العمل يصير من وجه واحد إدغامك الحروف الأمثال بعضها في بعض، وكذلك المتقاربة المخارج، والإمالة والإدغام يرضعان من ثدي واحد، لأن الإدغام تصيير حرف كحرف في أحد نوعيه، وهو في الحروف المتقاربة المخارج، والإمالة تقريب الألف من الياء، ولو أمكن إدغام الألف في الياء لأدغم، ولكنهم لمّا لم يقدروا على ذلك أمالوها، والألف لا تدغم ولا يدغم فيها.
قال: في حَذَامِ لأنّ هذا لا يجيء معدولًا عن نكرة.
قال أبو علي: إنما قال ذلك لأن العدل لا يكون في حال التعريف، فأما النكرات فلا يقع العدل فيها.