قال أبو علي: يقول: تصييرهم (قُرَشِيِّين) صفة، وامتناعهم من إضافة (ثَلاثَة) وما أشبهها من العدد إليه يدلك على أنّ (نسّابات) في قولك: (ثلاثةُ نسّابات) صفة لمذكر محذوف، إذ لو لم يكن وصف مذكر لما أضيف (ثلاثة) إلى (نسّابات)، كما لم تضف (ثلاثة) إلى (قرشيين) في قولك: ثلاثةٌ قُرَشِيُّون.
قال: وقال الله ﷿: "من جاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالِها".
قال أبو علي: كأنّ (عشْر) في قوله ﷿ "عَشْرُ أمثالها" مضاف إلى ما ﴿قبل﴾ قوله ﷿ (أمثالها)، وصفة التقدير (فَلَهُ عَشْرُ حسناتٍ أمثالُها)، ألا ترى أن (عَشْر) لا هاء فيها وأن (أمْثالُها)
[ ٤ / ٦٧ ]
صفة، ويقبح إضافة (عَشْر) ونحوه إلى الصفة من حيث يقبح إقامة الصفة مقام الموصوف والموصوف محذوف في هذا الموضع مؤنث، فلذلك حذفت الهاء، كما أن الموصوف المحذوف من (ثلاثة نسّابات) موصوف مذكر، فلذلك أثبتت الهاء، (فعَشْرُ أمْثالِها) بمنزلة قولهم (ثلاثةُ نسّاباتٍ) (وثلاثةُ دوابّ) في أن الموصوف محذوف منه، ولو قال قائل: إن (عَشْرَ) من قوله (عَشْرُ أمثالِها) ﴿لما﴾ حذف الهاء منه، لأنه مضاف إلى مضاف إلى مؤنث، قيل: هذا التقدير والتأويل في القرآن يُعتدّ كالفاسد، إنما يجوز هذا في ضرورة الشعر نحو:
[ ٤ / ٦٨ ]
تَسَفَّهتْ أعالِها مَرُّ الرِّياحِ
وما أشبهه، ولا يسوغ هذا في الكتاب، فإن قلت: فقد جاء"كُلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ" كانت (كُلاّ) لما أضيف إلى (نفس)، فإن ذلك في (كُلّ) حسُنَ لعمومه واستيفائه جميع ما يقع عليه حتى يصير كأنه الشيء المضاف إليه، وليس البعض، وما عدا الكلّ في هذا كالكلّ لما ذكرنا، وكذا
[ ٤ / ٦٩ ]
كان يقول أبو بكر وعلى هذا "وكُلّ أتَوْهُ داخِرِينَ"، وعلى الأول قول الشاعر:
ولِهَتْ عليها كل مُعْصِفَةٍ هَوْجاءُ ليس لِلُبِّها زَبْرُ