قال: وأما عيسى فكان لا يصرف ذلك.
قال أبو علي: يعني ضَرَبَ وضارَبَ وضارِب.
قال سيبويه: وهو خلافُ قول العرب، سمعناهم يصرفون الرجل يُسمّى بكَعْسَب وهو فَعْلَل من الكعسبة، وفي نسخة أبي العباس: وهو فَعَلَ من
[ ٣ / ٢٤ ]
الكعسبة.
قال أبو علي: لم يردْ بقوله: (وهو فَعَل) الوزن والمثال، إنّما أراد المضيّ فقط.
قال: والعرب تنشد لسُحَيْم:
أنا ابنُ جَلا وطَلاع الثَّنايا
ولا نُراه على قول عيسى.
قال أبو علي: كأنّ عيسى احتج بهذا البيت في امتناعه من صرف (ضَرَبَ)، وأشباهه، لأنّ (جَلا) لم ينوّن، فردّ سيبويه ذلك بأن (جَلا)، إنما لم ينون لأن فيه ضمير فاعل، فهو جملة محكية لا تصرف، ولو سميت (بضَرَبَ) وفيه ضمير فاعل لم تصرِفْ، لأنه جملة يجب أن تحكى، ففي
[ ٣ / ٢٥ ]
(جَلا) ضمير إلا أن الضمير لا يظهر في فِعل الواحد.
قال: فكأنه قال: أنا ابنُ الّذي جَلا.
قال أبو علي: لو سميت رجلًا بِقَتَّلَ لم تصرفه في المعرفة كما تصرفه إذا سميت (بضارِب) وأردت الأمر، لأن (ضارِب) الذي للأمر له في الأسماء نظير مثل: طابِع، وخاتَم، وقَتَّل ليس له في الأسماء نظير، فيمتنع من الانصراف، لأنه بناء يختص به الفعل دون الاسم، كما أن (تنضُب) لا يُصرف في المعرفة، لأنه من الأبنية المختص بها الفعل، فإن قلت: فاصرف (قَتَّل) اسم رجل لأنك قد وجدت في الأسماء مثل (بَقَّم وبَذَّر)، و(فُعِل)، لأنك قد وجدت مثل
[ ٣ / ٢٦ ]
(دُئِل)، كما صرفت (ضارِب) الذي للأمر لمّا وجدْتَ (خاتِمًا)، فإنك إنما تعتبر من هذه الأسماء ما تجده اسمًا نكرة مما يستحقه المسمى بصورته (كحاتِم) و(جَبَل) ونحو ذلك، وليس (بَذَّر) اسمًا يستحقه أشخاص
[ ٣ / ٢٧ ]
شتى بصفات معلومة، ولا (دُئِل) اسم لأمّة يقال لكل واحد منهم (دُئِل)، إنما هما اسمان نقلا من الفعل فسَمّى بهما شخصين علمين.
قال: وإن سمَّيْت رجلًا ببَقَّم أو شَلَّمَ، وهو بيت المقدس لم تصرفه، لأنه ليس في العربية اسم على هذا المثال، ولأنه أشبه فعلًا إذا كان اسمًا لم ينصرف، أي إذا كان ذلك الفعل.
[ ٣ / ٢٨ ]
قال أبو علي: (بَقَّمَ) أشبه فعلًا إذا كان اسمًا لم ينصرف، ولم يشبه من الأفعال ما إذا كان اسمًا انصرف نحو (ضارِب) إذا أمرت.
قال أبو عثمان: قال أبو الحسن: إن صيّرت (بَقَمَ) أصلًا في الأسماء وهو أعجمي أعرب صرفتَ (فَعَّلَ) كلّه، لأنه في مثال الأسماء.
قال أبو عثمان: أخطأ، لو كان كما يقول لصرفنا باب (مساجِد) و(مناديل)، لأن في الأعجمي (سَرَاويل)، ولكنا لا نجعل الأعجميّ أصلًا للعربي، والدليل أنه ليس في العربية مثله.
قال: ولو سميت رجلًا "ضَرَبُوا" فيمن قال: أكلوني البراغيثُ.
قلت: ضَرَبُونْ، تلحق النون كما تلحقها في "أوْلِي" إذا سميت به رجلًا.
قال أبو علي: إنما ألحقت النون لأنك لا تسمي باسم فيه واو الجمع إلا
[ ٣ / ٢٩ ]
والنون تلحقه.
وقال قائل في الكتاب: إنما رددت النون لأنها كانت "ضَرَبُونَ" في الأصل ولكنها لما بنيت حذفت، لأن الماضي على الفتح مبني، والنصب نظير الفتح، فمن ثم رَدَدْتَ النون حين سمَّيت.
قال أبو علي: يدل هذا الفصل على أن صاحبه يذهب إلى أنه كان يجب أن يعرب الفعلُ الماضي في الأصل، ويقول: إن الفتح نظير النصب فكما حذفت النون في قولك: (لنْ يَضْرِبُوا) كذلك حذفت من (ضربوا).
قال أبو علي: وليس هذا كذلك لأن الأفعال كلها غير مستحقة للإعراب وإنما المعرب نوع منها شابه الأسماء وهو ما كان منها مضارعًا على ما تقدم، إلا أن القول في إثبات هذه النون ما قلناه، وهو أنك لا تسمي باسم فيه واو الجمع إلا والنون تلحقه.
[ ٣ / ٣٠ ]
قال: وإنما فعلتَ هذا بهذا، (أي ألحقت النون والواو بهذا حين كانت لم تكن علامة الإضمار وكانت علامة الجمع)، كما فعلت ذلك بضَرَبْت حين (كانت) علامة التأنيث.
قال أبو علي: إذا كانت الواو ضميرًا فالكلمة جملة سمَّيت بها والجملة إذا سمي بها حكيت كما كانت، ألا ترى أنك لا تغير "بَني شابَ قَرْناها".
[ ٣ / ٣١ ]
وما أشبهه شيئًا، فإذا لم تكن الواو ضميرًا وكانت للجمع دون الضمير فسميت به رجلًا أثبتّ النون، لأن هذه الواو إذا كانت في اسم يثبت للجمع والضمير.
وقال أبو علي: إن سميت رجلًا بضربتْ ولا ضمير فاعله فيه، قلت: (هذا ضَرَبَةُ قد جاء)، فجعلت التاء كالتاء في (طلحة)، لأن التاء الساكنة التي للتأنيث لا تكون في الأسماء، إنما تكون في الأفعال الماضية، كما أنك إذا سميت رجلًا (بضَرَبُوا)، والواو للجميع لا ضمير فاعلين فيه قلت: (هذا ضربون)، لأنك إذا سميت (بضَرَبَ) ولا ضمير فاعل فيه صار بمنزلة (حَجَر)، فالواو على هذا تصير في اسم، وإذا صارت الواو في اسم وكانت للجمع لم يكن من لحاق النون معها بُدٌّ، لأنهما زائدتان تلحقان معًا الاسم، وكذلك يحذفان معًا، كما يحذف ما يلحق من الزوائد معًا في الترخيم، ألا ترى أنك لو سميت رجلًا "مسلمون" ثم رخمت، لقلت: يا مسلمُ، فكذلك "مسلمان" كما أنك لو سميته مروا، لقلت: يا مروَ، فكذلك هذا وما أشبهه.
فإن سميت بـ (قامَتْ)، وفيه ضمير المرأة قلت: (هذا قامتْ)، و(رأيت قامتْ)، فجعلته تاء ساكنة في جميع الأحوال، ولم تغيّره في الوصل ولا في الوقف عن السكون، لأن التاء لحقت فعلًا ولم تلحق اسمًا كما لحقت في الأول اسمًا، وكما لم تغيِّرْ (قامتْ) إذا كان فيه ضمير صاحب الفعل،
[ ٣ / ٣٢ ]
كذلك لا تغير (ضَرَبُوا) اسم رجل إذا كان فيه ضمير الفاعلين، لأن الواو على هذا لم تلحق اسمًا، إنما لحقت فعلًا، والأفعال الماضية إذا جمع فيها الفاعلون لم تلحق النون فيها بعد الواو.
قال: فلا تغير (ضَرَبُوا) اسم رجل إذا كانت الواو ضمير الفاعلين لأنه جملة كما لا تغير (قامَتْ) إذا كان فيه ضمير الفاعلة، فأما التاء من (قامَتْ) إذا كان (قامت) خاليًا من الضمير فإنها في الوصل تاء متحركة بحسب ما يجب لها من حركات الإعراب، وفي الوقف هاء ساكنة تبدلها من التاء، ومن كان من لغته أن يقف بالتاء في مثله (طلحة) وما أشبهه وقف على (قامتْ) إذا خلا من الضمير اسم رجل أو غيره بالتاء، فيقال: (هذا قامَتْ).
****