قال: وزعم الخليلُ أنَّ النّونَ تَلْزَمُ اللامَ في قولك: إنْ كان لصالحًا، فإنْ بمنزلة اللام، واللام بمنزلة النون في آخر الكلمة.
قال أبو علي: (إنْ) في قولك: (إنْ كان لصالحًا) بمنزلة النّون في (لأفْعَلَنَّ)، في أنّ كل واحدٍ منهما للتأكيد، وأنّ كل واحد منهما فاصلٌ بين شيئين لولاهما لالْتَبَسا، فاللامُ في (لَصالِحًا) فَصَل بين الإيجاب والنَّفي، والنُّونُ في (لأفْعَلَنَّ) فصَلَ بين فعلِ الحالِ والاستقبالِ.
قال: فقُلْتُ: فَلِمَ ألْزَمْتَ النُّونَ آخِرَ الكلمة؟ (يعني لَيفْعَلنَّ) فقال: لِكَيْ لا يُشبه قولَه (ليَفْعَلُ)، (لأنَّ الرجلَ)، إذا قال هذا، فإنّما يُخْبِرُ بفعلٍ واقعٍ فيه الفاعِل أي للحال.
قال أبو بكر: عن أبي العباس: لا يجوزُ أنْ يُحْلفَ على الفعل الذي في الحال على الحقيقة، لأنّه إلى أنْ يُحْلَفَ على ما في الحال قد انقضى الحالُ.
قال أبو بكر: وهذا في الحقيقة هكذا، إلاّ أنّ العربَ إذا أرادوا الحَلْفَ على فعلٍ موجودٍ قد تقضَّتْ منه أجزاءٌ، وبقيت منه أجزاءٌ
[ ٢ / ٢١٢ ]
قالوا: ليَفْعَلُ.
قال: وسألتُه عن قوله ﷿ "وإذْ أخذ الله ميثاقَ النبيين" إلى آخر الفصل.
قال أبو علي: اللامُ في "لَما آتيتُكم" إذا كانت (ما) بمنزلة الذي مثلُ اللامِ في (لَئِنْ)، لأنّه لمّا دَخَلَتْ لامُ القسم على ما يتعلَّقُ به دخلت هذه أيضًا، إلاّ أنّ التي في (لما) إذا كانت بمعنى (الذي) ليست التي في قوله (لإنْ فعلْتَ)، لأنّ التي في (لَما) لامُ الابتداء واللامُ التي تدخل على الاسم المبتدأ لا تدخل على الأفعال، وقد قدّما الفصل بينهما في غير هذا الموضع، والراجعُ مِن الصّلة إلى الموصول الهاءُ المحذوفة، كأنّه قال (لَما آتَيْتكُموه)، وخبرُ المبتدأ (لتُؤْمِنُنّ به) والرّاجعُ مِنْ خبره إليه الهاءُ في (به).
وقد قيل: إنّ (ما) بمعنى الجزاء، و(لتؤمنُنَّ به) الجوابُ، وهذا مثلُ (لَئِنْ فعلْتَ لَيَفْعَلنَّ) وليستْ لامُ الابتداء التي كانت في (ما) إذا كانت بمعنى (الذي)، لكنّها الداخلةُ على الفعل، وموضع (ما) نَصْبٌ إذا كانت جزاءً بـ (آتيْتُكم) وموضع (آتيتُكم) إذا كان بمعنى الجزاء جزمٌ، لأنّه
[ ٢ / ٢١٣ ]
في معنى (لَما آتِكم)، وإذا كانت (ما) بمنزلة (الذي) فلا موضعَ لـ (آتَيْتُكم)، لأنّه في صلة الذي، وما في صلة (الذي) لا موضعَ له، ألا ترى أنّ الفعلَ منها ليس بأولى من الاسم؟! وقد تصِلُ الموصولَ بالفعل والفاعل، وما رَجَعَ إليهما في المعنى كما تصله بالمبتدأ والخبر، فليس إحدى الجملتين بأوْلى بالموضع من الأخرى، وإنّما يُحكمُ على الجُملة أنّها في موضع إعْرابٍ، إذا وقَعَتْ موقعَ مُفْردٍ، كما يُحكمُ في قولك: كان زيدٌ أبُوه منطلقٌ بأنَّ موضعَ الجملةِ نصبٌ لوقوعِه موقعَ المُفرد، وليست الجملة في الصّلة واقعةً موقعَ مُفْردٍ ولا هي مِنْ مواضع المفردات، ومَنْ حَمَلَ (ما) على (الذي) في الآية لم يكن لـ (جاءكم) في قوله تعالى "ثم جاءكم رسولٌ" عنده موضعٌ، ومَنْ حَمَلَها على أنّها لِلْمُجازاة كان موضعُ (جاءكم) جَزْمًا لعطفه إيّاه على ما هو في موضع جزمٍ.
قال الخليلُ في قوله تعالى "لظلّوا" (ليظلُّنَّ) كما تقول: واللهِ لا فَعَلْتُ ذاك أبدًا، تريدُ معنى (لا أفعلُ)، وقالوا: لَئِنْ زُرْتَهُ ما يقبَلُ منكَ، وقال: لَئِنْ فَعَلْتَ ما فَعَل، يريدُ ما هو فاعِلٌ وما يفعَلُ، كما
[ ٢ / ٢١٤ ]
كان (لظلّوا) مثلَ (ليظلُّنَّ).
قال أبو علي: (ما) هو نفيُ ما في الحال، فإذا وقع الماضي بعدَها عُلمَ أنّ المرادَ به الحالُ، كما أنّ الماضي بعد (لا) يُعلِمُ أنَّ المرادَ به الاستقبالُ، لأنّ هذين الحرفين لا يَنْفِيان الماضي، فكذلك يُعْلَمُ أنّ "أمْ أنتم صامتون" بمعنى (صَمَتُّمْ) لأنّ الجملةَ التي عُودِلَتْ بها جملةٌ مِنْ فعلٍ وفاعِلٍ، وهي (أدَعَوْتُموهم).
قال: وقد يستقيمُ في الكلام: إنّ زيدًا لَيضْربُ، وليَذْهبُ ولم يقعْ ضربٌ، والأكثرُ على ألسنتهم كما خَبَّرْتُك في اليمين، فَمِنْ ثمَّ ألزَموا النّون في اليمين لِئلاَّ يَلْتَبِسَ بما هو واقعٌ.
قال أبو علي: اللامُ على ذا للتوكيد والتي تتلقّى القَسَمَ وتدخلُ على الفعلِ الماضي والمستقبلِ، وليست التي تدخل في فعل الحال، فهي لا تُعلِّقُ الفعلَ كما تعلقه التي للحال في مثل قولك: إنَّ زيدًا لَيَقومُ إذا أرَدْتَ به الحال، لكنْ هذه هي التي تلْزَمُها النُّونُ الشّديدةُ أو الخفيفةُ وإنّما حُذِفَت النّون منه والفعل مُسْتَقْبلٌ، كما أنّه إذا كان النون فيه كان مُستقبلًا، فكما لا تُعلِّقُ الفعلَ اللامُ التي في قولك (لتَفْعَلَنَّ) بعد (أنْ) كذلك لا تُعلّقُه في قولك (ليَفْعَلنَّ) إذا أردْتَ به المستقبل.
تقول: عَلِمْتُ أنّ زيدًا لَيَنْطَلِقَنَّ، فلا تُعلّق هذه اللام (علِمْتُ) فكذلك لا تُعلّقُه في (لَيَفْعلُ) إذا كان بمعنى (لَيَفْعَلن) فتقولُ: عَلِمْتُ أنَّ زيدًا لَيَفْعَلُ.
[ ٢ / ٢١٥ ]
قال: وقال ﷿: "إنّما جُعِلَ السّبتُ على الذين اختلفوا فيه، وإنّ ربّك لَيحْكُمُ بينهم يوم القيامة".
قال أبوعلي: قولُه "وأنَّ ربَّك ليحْكُمُ بينهم" الفعلُ لِلْحالِ دون الاستقبال وهذه اللامُ لو وَقَعَ (عَلِمْت) قبلها لعلّقتْه، فإنْ قيلَ: كيف صار لِلْحال وقد اتّصَلَ به (يوم القيامة) كما تقول: يَضْرِبُ زيدٌ غدًا؟ قيل: أريد به حكايةَ الحال وإن اتّصلَ به ما هو في المعنى مُستقبلٌ، ولَكَ أنْ تحكي الحالَ كانتْ فيما مضى أو فيما يُسْتَقْبَلُ، ألا ترى قولَ الله ﷿: "فوَجَدَ فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا مِن عدوّه"، فالقِصّةُ قد مَضَتْ والإشارةُ فيها كالإشارة إلى الحاضِرِ؟!.
[ ٢ / ٢١٦ ]