قال: ألا ترى إلى كثرة ما يعمل في الأسماء وقلّة ما يعملُ في هذا.
أي ما يعملُ في الفعل، فهذه الإشارةُ تريد بها الفصْلَ بين الجازم والمجزوم.
قال: واعْلَمْ أنّ حروفَ الجزاء يَقْبُحُ أن تتقدّم الأسماءُ فيها قبلَ الأفعال.
(أيْ: لا تقول: مَنْ زيدٌ يَضْرِبُه أضْرِبْ، إلاّ وهو قبيحٌ).
وقد جاز ذلك فيها.
(أي الفصلُ)، لأنّ حروفَ الجزاء يَدْخُلُها فَعَل ويفْعَلُ، ويكونُ فيها الاستفهامُ، فتُرفعُ فيها الأسماءُ.
قال أبو علي: هو مثلُ: مَنْ زيدٌ، ومَنْ عمروٌ، يريدُ أنَّ حروفَ الجزاء لها تصرّفٌ ليستْ لسائرِ الحروفِ الجازمةِ غيرها.
[ ٢ / ٢١٧ ]
قال: وتكون بمنزلة الذي.
قال أبو علي: مثلُ: مَنْ يأتيني فله درهمٌ.
قال: وإنْ شئتَ لم تُجاوز الاسمَ العامِل في الآخِر.
أي: لم تجاوز الإضافة.
قال: ويجوز] الفرقُ [في الكلام في (إنْ).
أي يجوزُ تقديمُ الاسم على الفعل إذا لم تجزم الفعل، نحوُ "إنْ زيدٌ فعل فعلْتُ".
قال: فإنْ جزمت بها أشْبهت لَمْ.
قال: وإنّما جاز في الفَصْل ولم يُشْبه (لمْ)، لأنَّ (لمْ) لا يقعُ بعدها (فَعَلَ).
قوله: وإنّما جاز في الفصل، أي إنّما جاز الفصل بين (إنْ) والفعل بالاسم إذا كان الفعلُ ماضيًا، لأنه لا ينجزم، فلا يشبه ما بعد (لَمْ).
قال: فجاز هذا كما جاز إضمارُ الفعل فيها حين قالوا: إنْ خيرًا
[ ٢ / ٢١٨ ]
فخيرٌ.
قال أبو علي: يقولُ ليس تقديمُ الاسم على الفعل إذا كان ماضيًا بأشَدّ منْ حذف الفعل ألبَتّة مع فاعلِه.
قال: وأمّا سائرُ حروف الجزاء فهذا فيه ضَعْفٌ.
أي: الفصل في الكلام، لأنها ليست (كإنْ)، (لو جاز في "إنْ") وقد جَزَمَتْ كان أقوى)، فلوْ جاز الفَصْلُ بين (إنْ) وفعلِه المجزوم بالاسم كان أقوى من الفصل بالاسم بين سائر الحروف والأفعال التي تنجزم بعده بالاسم (إذْ جاز فيها "فَعَلَ")، أي إذْ جاز الفَصْلُ بين (إنْ) والفعل الماضي بالاسم في الكلام في غير الضرورة، ولم يَحْسُن الفَصْلُ بين الحروف وبين الفعل الماضي بالاسم في الكلام، إنّما يجوزُ في الضّرورة، فلـ (إنْ) إذنْ مَزِيّةٌ في باب الفَصْل بينها وبينَ الفعل، لَيْسَت لِسائِرِ الحروف،
قال: ولَوْ كان (فَعَلَ) كان أقوى.
[ ٢ / ٢١٩ ]
أي: ولو كان "متى واغلٌ نابَهم".
قال: فإنْ قلت: إنْ (يأتني) زيدٌ يقلْ ذاك جاز على قول مَنْ قال: زيدًا ضَرَبْتُهُ، وهذا موضع ابتداءٍ، ألا ترى أنّك لو جئتَ بالفاء فقلتَ: إنْ تأتِني فأنا خيرٌ لك كان حسنًا، وإن (لم يَحْمِلْهُ) على ذلك رَفَعَ، وجاز في الشّعر.
قال أبو علي: قولُه: (إنْ يأتِني زيدٌ يقلْ ذاك) على: زيدًا ضَرَبْتُهُ، يريدُ يرتفع (زيدٌ) بفعلٍ مُضمَر (ضَربْتُه) تفسيرُه، هذا على أنْ تجعل (زيدًا) واقعًا موقعَ الجزاء، كان الموضعُ على هذا الفعل كما أنّه في الشّرط للفعلِ وإنْ قدّرت ألفًا محذوفةً كان (زيد) في موضع ابتداء ومُرتفعًا به.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وقوله: وإن لم يَحْمِلْه على ذلك رَفَعَ.
قال أبو بكر: يريد (رَفَعَ) بقوله: لأنه يجعلُه خَبَرَ مُبتدأ.
وقوله: وجازَ في الشّعرِ.
أيك جاز حذفُ الفاء في الشّعر.
قال: ومثلُ الأوّل قولُ هشام:
فَمَنْ نحنُ نُؤْمِنْهُ يَبِتْ وهْوَ آمِنٌ
قال أبو علي: قولُه: مثلُ الأوّل، أي مثلُ: إنْ زيدٌ يأتِك يكنْ كذا.
[ ٢ / ٢٢١ ]
(ونحن) في البيت يرتفع بفعل هذا الذي ظهر تفسيرُه، كما أنّ (زيد) في قولك: (إنْ زيدٌ يأتِني) يرتفعُ على إضمار فعل (يأتِني) تفسيرُه، إلاّ أنّك لو أظْهَرْتَ في التّمثيل ما ارتفع عليه (زيدٌ) لقُلْتَ: (إنّك يأتني زيدٌ يأتِني يكنْ كذا)، ولو ظَهَرَ ما ارتفع عليه (نحنُ) في التّمثيل لاتّصل الضّميرُ فَلَزِمَكَ أنْ تقول: (فَمَنْ يُؤمَنْ نُؤمِنْهُ)، ولم يَجُزْ ألاّ يتَّصِلَ. ومثلُ هذا قولُه: أنت فانْظُرْ.
أقول: إنَّ أحدَ القولين فيه أنّ (أنتَ) على فعل مُضْمَر مُرتفِع (فانْظُرْ) تفسيرُه، ولو أظْهَرْتَ ما ارتَفع عليه في التّمثيل لقُلْتَ: (انْظُرْ
[ ٢ / ٢٢٢ ]
فانْظُرْ) فاتَّصَلَ الضَّميرُ، لأنّه موضعٌ لا ينفصِلُ فيه، ألا ترى أنّك إذا قلتَ: (أقامَ زيدٌ قامَ)، فإنْ وضَعْتَ موضعَ المُضْمَر مُظْهرًا قلتَ: أنتَ قُمْتَ، فإنْ أظْهَرْتَ الفعلَ الذي ارتفع (أنتَ) عليه تمثيلًا قلتَ: أقُمْتَ قُمْتَ، فاتَّصل الضّميرُ بالفعل، ولم يجزْ أنْ ينفصل هنا، كذلك تقول: (إنْ زيدٌ يأتني يكن كذا) فإنْ وضعْتَ موضعَ المُظهَر مُضمرًا مُنْفصِلًا فذكرْتَ الفعلَ المضمَرَ الذي يرتفع عليه المُضمَرُ تمثيلا قلتَ: إنْ تأتني تأتني يكنْ كذا، لأنّه لا يجوزُ وقوع الضمير المنفصل عن حاله.
[ ٢ / ٢٢٣ ]