فأمّا الجَزْمُ بالأمر فقولُك: ائتني آتِك.
قال أبو علي: الشّرطُ في هذا الباب يُحذف لدلالة ما قبل الجزاء
[ ٢ / ٢٠٢ ]
عليه كما حُذِفَ الجواب في مثل: أنت ظالمٌ إنْ فعلْتَ، لدلالة، أنتَ ظالمٌ على الجزاء، وذلك أنَّ تقدير قولك: ائتني آتِك، ائتني فآتك إن تأتني آتِك، فدَلَّ ائتِني على إنْ تأتِني، كما دَلَّ (أنت ظالمٌ) ونحوُه على الجزاء.
قال أبو بكر: الأمر والنهيُ يشتركان في الإرادة، ويفترقان في أنّ الأمر إرادةٌ بتكليف، والنهي إرادة بلا تكليف.
قال: ومِمّا جاء من هذا في القرآن وغيره قوله ﷿ "هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله"، فلَمّا انقضت الآيةُ قال "يغفرْ لكم".
قال أبو إسحاق: قال بعض النحويين: إنّ قولَه: (يغفرْ لكم) جوابٌ لقوله: "هل أدُلُّكم"، وهذا خطأ لأنّه ليس بالدّلالة تجب المغفرة، وإنّما قولُه ﷿ "يغفرْ لكم" جوابُ (تؤمنون)، وهو أمْرٌ على لفِ الخَبَر.
قال أبو العباس: يكون (تؤمنون) في معنى (آمِنوا بالله) أمرًا كما
[ ٢ / ٢٠٣ ]
تقول: (يقومُ زيدٌ)، أي لِيَقُمْ زيدٌ، وفي قراءة عبدِ الله (آمِنوا بالله)، فهذا يُقَوّي التأويلَ.
قال: فإنْ كنت تريد أنْ تُقَدِّرَه أنّه قد فَعَلَ، فإنَّ الجزاءَ لا يكونُ لأنّ الجزاءَ إنّما يكونُ في غير الواجب.
قال أبو علي: هذا إذا كان الاستفهامُ تقريرًا، كقوله تعالى: "أليس اللهُ بكافٍ عبدَه"؛ أنشد:
كونوا كَمَنْ آسى أخاه بنفسِه نعيشُ جميعًا أو نموتُ كلانا
كأنّه قال: كونوا هكذا إنّا نعيشُ جميعًا أو نموتُ كلانا (إنْ كان هذا أمرُنا) وزَعَم الخليلُ أنّه يجوزُ أنْ يكون (نعيشُ) محمولًا على كُونُوا، كأنّه قال: كونوا نعيشُ جميعًا أو نموتُ كِلانا.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
قال أبو علي: (نعيشُ) على القول الأوّل رفعٌ بأنّه خبرُ مبتدأ، وعلى القول الثاني نَصْبٌ بخبر كان، وخبرُ كان على القول الأول "كمَنْ آسَى"، وعلى القول الثاني "كَمَنْ" لغْوٌ غيرُ مُستقِرّ.
وقال أبو علي: كان التشبيه لِلْمُشَبَّه به، كأنّه مَحَلٌّ له على الاتّساع، وإنْ لم يكنْ مِنْ مكانٍ ولا زمانٍ على الحقيقة، كما أنَّ قولَك: زيدٌ ينظرُ في العلم فالعِلْمُ ليس بمَحَلٍّ لزيد على الحقيقة، كما أنّ الكِيسَ والبَيْتَ مَحلاّن في الحقيقة إذا قلتَ: الدّينارُ في الكيس، وزيدٌ في البيت.
قال: وسألْتُه عن قولِه ﷿ "قل أفغيرَ الله تأمرونِّي أعبدُ".
فقال: (تأمرونّي) كقولك: هو يقولُ ذاك بَلَغَني، فبَلَغني لغوٌ، فكذلك (تأمرونّي)، كأنّه قال: (فيما تأمرونني) وإنْ شئتَ كان بمنزلة: احضُر الوَغَى.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
قال أبو علي: الوجه الثاني ينتصب بتأمروني.
قال أبو العباس: (غَيْرَ) مَنصوبٌ (بأعبدُ على القول الأوّل، وعلى القول الثاني وهو أنْ يُحْذَفَ (أنْ) من (أعبد) المنتصَبُ (بتأمرونّي)، ولا يجوزُ انتصابُه (بأعبد)، لأن (أعبد) في صلة (أنْ)، وغَيْر فِعْله، ولا يعملُ ما في الصّلة فيما قبلَ الموصول.
قال أبو علي: (غير) على القول ﴿الأول﴾، وهو أن تجعل (تأمرونّي) كاللغو، يُنتصَب (بأعبد)، كأنّه قيل: أفأعْبُد غيرَ الله فيما تأمرونّي، وعلى القول الثاني وهو أن تجعلَ (أعبُدُ) قد حُذِفَ منه (أنْ)، يُنْتَصَبُ (بتأمرونّي) كأنّه قيل: أفتأمرونّي غيرَ الله أنْ أعبدَ، فغَير مُنتَصبٌ بتأمرونّي، وأن أعبدَ بدل من غير، كأنّه قيل: أفتأمرونِ عبادةَ غيرِ اللهِ، كما أنّ قولَك: ضربْتُ زيدًا رأسَه، تقديرُه: ضربْتُ رأسَ زيدٍ.
[ ٢ / ٢٠٦ ]