تقولُ: (أيّهم تضْربُ أو تقتُلُ)، (ومَنْ يأتيكَ أوْ يُحدّثُكَ) لا يكونُ هنا إلاّ (أوْ)، من قِبَلِ أنّك تستفهمُ عن المفعول.
قال أبو بكر: لأنَّ (أمْ) اسْتَغْرقَتْها (أيْ)، والحروف الأخَرُ نحو (كيف)، والدّليلُ على أنّ هذه الحروف بمعنى (أيُّ) أنّك إذا سألْتَ بها لم تُجِبْ بلا ونَعَمْ، وإنّما تُجابُ بالشّيْء بعيْنِه، وذلك لأنّك إذا قلتَ: كيفَ زيدٌ، نابَ عن قولِك: أصالِحٌ أمْ طالِحٌ، وكذا أمْ كذا، وأجَبْتَ بحالٍ كما
[ ٢ / ٢٨٣ ]
يُجابُ بها إذا كان السُّؤالُ بأمْ، وكذلك إذا قلتَ: أيُّهم زيدٌ؟ نابَ عن قولك: أذا زيدٌ أمْ ذا؟، فالجوابُ يقعُ بذكري الشّخْصَ المسؤولَ عنه كما كان في أمْ.
قال: ومِمّا يَدُلُّك أنّ ألفَ الاستفهام ليستْ بمنزلة (هلْ) أنّك تقولُ للرَّجُلِ: أطرَبًا؟ وأنْت تعلم أنّه قدْ طرِبَ لتوبيخِه.
قال أبو علي: إذا اخْتُصَّتِ الألفُ بأشياءَ ليستْ في (هلْ)، كما قد ذَكَرَه، فلا يُمْكِنُ أنْ يُعادِلَها (أمْ) مِنْ حيثُ لا يُعادِلُها (هَلْ).
قال: وإذا قلتَ: أزيدٌ أفضَلُ أمْ عمروٌ؟ لم يَجُزْ ها هُنا إلاّ (أمْ).
قال أبو بكر: لوْ قُلْتَهُ (بأوْ) لكان المعنى: أحَدُهما أفْضلُ، وليس هذا بكلامٍ.
قال: ولوْ قلتَ: أزيدًا لقيتَ أوْ عَمرًا؟ وأزيدٌ عندك أو عمروٌ؟ كان
[ ٢ / ٢٨٤ ]
هذا في الجواز والحُسْن بمنزلة تأخير الاسم إذا أردْتَ معنى أيُّهما.
قال أبو علي: يعني قولُك: أزيدٌ عندك أمْ عمروٌ لأنَّ ذلك بمعنى (أيُّهما)، فالأحْسَنُ هنا تقديمُ الاسمِ، والأحْسَنُ في (أوْ) تقديمُ الفعلِ، وأنْ تقولَ: ألَقيتَ زيدًا أوْ عَمرًا، والعِبْرَةُ في هذا تقديمُ ما يُقْصَدُ إليه بالسُّؤال.
قال: لأنّك إذا سألْتَ عن الفعل اسْتُغْنِيَ بأوّل اسمٍ.
أيْ فَلَمْ تُكَرِّرْه بأمْ.
قال: فهذا يجري مُجرى: ألقيتَ زيدًا أوْ عَمْرًا.
أيْ في تقديم ما يُسْتفهمُ عنه وهو (لَقِيتَ) و(عندَك).
قال: وتقديمُ الاسمين جميعًا مثلُه وهُوَ مُؤَخَّرٌ.
يريدُ بالاسمين: أزيدٌ أو عَمْرٌو عندك؟
وقولُه مثلُه وهو مُؤَخَّرٌ: أيْ في المعنى لا في الإخبار.
قال: وتقولُ: أزيدًا أو عَمْرًا رأيْتَ أمْ بِشْرًا وذلك أنّك لم تُرِدْ أنْ تجعل عَمْرًا عَديلًا لِزيدٍ حتّى يصيرَ بمنزلةِ (أيُّهما).
[ ٢ / ٢٨٥ ]
قال أبو بكر: إذا قال: أزيدٌ عندك أو عمرٌو؟ فالجوابُ (لا) أو (نعم)، والمعنى: أحدُهما عندك، وإذا قال: أزيدٌ عندك أمْ عمروٌ؟ فالجوابُ زيدٌ أو عمروٌ إذا كان واحدٌ منهما عندك، فإذا قال: أزيدٌ أو عمروٌ عندك أمْ بِشْرٌ؟ فالجوابُ: أنْ يقولَ: بِشْرٌ إنْ كان عنده بِشْرٌ، وإنْ كان عندَه أحدُ الاسمَيْن الآخَرَيْن قال: أحدُهما ولم يقل: عَمْروٌ ولا زيدٌ، ولكنّه يقول: أحدُهما بهذه اللّفْظةِ، فيذكُرُ معنى أوْ.
وإنّما لم يجز له أن يقول في جوابِ "أزيدٌ أو عمروٌ" لا أو نعم في هذا الموضع كما كان يقوله قبل أن يُرَكِّبَهُ مع (أمْ) لأنَّ (أمْ) تقتضي الشَّيْءَ بعينه في الجواب عنها، فصارَ (أزيدٌ أو عمروٌ) بمنزلة اسمٍ واحدٍ، وهو قولُك (أحدُهما)، فكما أنّه إذا قال: أزيدٌ عندك أمْ عمروٌ لا يجوزُ أنْ يقول في جوابِ ذلك (نعم) أوْ (لا)، كذلك لا يجوزُ أن يقولَ في جوابِ (أزيدٌ أو عمروٌ عندك أمْ بِشْرٌ): (لا) ولا (نعم) لأنَّ قولَك أزَيْدٌ أو عَمْروٌ معَ (أمْ) بمنزلة (أزيدٌ) في قولك: أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ لا يجوزُ أن تجيبَ إلاّ بأحد الاسمين إذا كان أحدُهما عندك.
قال: ويكشف هذا أن يقول القائلُ: آلْحَسَنُ أو الحُسَيْنُ أفضلُ أم ابنُ الحَنفِيَّة؟ آلدُّرُّ أو الياقوتُ أفضلُ أم الخَزَفُ؟ فجوابُ هذا أنْ يقولَ: أحدُهما في المسألتين جميعًا، لا يجوزُ أنْ تقولَ: الحسَنُ دون الحُسَيْن، ولا الحُسَيْن دون الحسن، وكذلك في الدُّرِّ والياقوتِ، فأراد أنْ يُعَينَ لهُ ما
[ ٢ / ٢٨٦ ]
اسْتفْهَم بأمْ، فقال: آلدُّرُ أم الياقوت أفضلُ؟، فيُقال له حينئذٍ: الدُّرُّ أو الياقوتُ، أيُّهما كان عند المُجيبِ أفْضَلُ. وإنْ أرَدْتَ معنى (أيُّهما) في هذه المسألة قلتَ: أتضْرِبُ زيدًا أمْ تقتلُ خالدًا؟ لأنّك لمْ تُثْبِتْ أحد الفعلين لاسمٍ واحدٍ.
قال أبو علي: الأحْسَنُ أنْ يكونَ ﴿السُّؤالُ بأمْ﴾ لأنّك تُثْبِتُ أحدَ الفعلين، وإنْ كان على ﴿أو﴾ لم تُثْبِتْ أحد الفعلين إذا كان السُّؤال بأوْ.