اعلم أنّ كُلّ موضعٍ تقعُ (أنّ) فيه تقع (أنّما).
قال: ولا تكون هي عاملةً فيما بعدها، يعني (إنّما) كأنّ لا يكون (الذي) عاملًا فيما بعده.
قال أبو علي: إنّ (ما) هذه الكافّةُ، لأنّها لَمّا دخَلتْ كَفَّتْها عن العملِ وتركتْها تُوصَلُ كما كانت تُوصَلُ قبلَ دخولِها، أنشد:
أبْلغ الحارِثَ بنَ ظالمَ ..
أنّما تقْتُلُ
[ ٢ / ٢٤١ ]
قال: وإنْ شئتَ قلت: إنّما.
قال أبو علي: إذا ابتدأ فكسر "إنّما تقتُلُ" جعل الإبلاغَ قولًا كأنّه قال: قُلُ له إنّما تقتُلُ، وإذا فَتَحَه لم يجعله بمعنى القول ولكنْ جعله مفعولًا، كأنّه قال: أبْلِغْه ذاك.
قال: واعْلَمْ أنّ الموضعَ الذي لا يجوزُ أنْ يكونَ فيه (إنّ) إلاّ مُبتدأةً لا يكون فيه (إنّما) إلا مُبتَدَأةً مثلَ قولك: وجَدْتُكَ إنّما أنت صاحبُ كُلِّ خَنَى، لأنّك لو قلت: وجدْتُك أنّك صاحبُ كُلِّ خَنى لم يَجُزْ.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
قال أبو علي: إذا قلت: وجدْتُك أنّك صاحبُ كُلِّ خَنىً لم يَجُزْ أنْ يكونَ (أنّكَت) المفعولَ الثاني لوَجَدْتُ، لأنّ (أنّ) مع ما بعدَه في تأويل المصدر، فكأنّك قلت: وجدتُك صُحْبَةَ كُلِّ خَنىً، والمخاطبُ لا يكونُ صُحْبَة، فإنْ أمَرْتَ أنْ يتكلّم بها، فجَعَلْتَ (وجدْتُ) هي التي بمعنى قلتُ وجدْتُك أنّك صاحبُ كُلِّ خَنىً فَكَسْرٌ.
وإنْ جَعَلْتَ أنّ مع الجملة الدّاخلة عليها (أنّ) في موضع نصبٍ لأنّه مفعولٌ ثانٍ، والعائدُ إلى المفعولِ الأوّل الكافُ مِنْ (أنّك). وإنْ جعَلْتَ التي هي مِنْ وِجْدان الضّالّةِ كَسَرْتَ (إنّ)، ولم تكن في موضعِ مفعولٍ ثانٍ، لأنّ هذا يتعدّى إلى مفعولٍ واحدٍ، لكِنَّ هذه جُمْلَةٌ أتْبَعْتَها جُملة، وجاز ألاّ تَرْبِطَ الثّانية بالأولى بحرفِ العطفِ لتعلُّقِ الثّانية بالأولى.
قال: وذلك لأنّك لو قلتَ: أرى أنّه منطلقٌ، فإنّما وقع الرّأيُ على شيءٍ لا يكون الكافُ التي في (وَجدْتُكَ)، لأنَّ (وَجَدْتُ) داخلٌ على المبتدأ والخبر إذا لم يكن بمعنى وجدان الضّالّة، فحُكْمُ المفعول الثاني أنْ يكون الأوّلَ وما فيه ذكرُه، كما أنّ خبر المبتدأ لا يكون إلا كذلك، والمخاطَبُ لا يكونُ صُحْبَةَ الخَنى على حالٍ، إلاّ أنْ تَحْمِلَهُ على مثلِ قولِك:
[ ٢ / ٢٤٣ ]
(عِتابُك السَّيْفُ)، و(أنتَ إقبالٌ وإدْبارٌ)، إذا جعلْتَ إيّاهُ على الاتّساعِ.
أنشد كُثَيّر:
أراني ولا كُفْرانَ لله إنّما
لأنّه لو قال (إني) ها هنا كان غيرَ جائزٍ لما ذَكَرْنا.
قال أبو علي: قولُه: (أراني)، المفعولُ الأوّلُ ضميرُ المُتكلّم، وأرى هذه هي التي تتعدّى إلى مفعولَيْن، يَدُلُّك على ذلك أيضًا ضميرُ المُتكلّم به (فإنّما) مع ما بعدَه في موضع نَصْبٍ لوُقوعِه موقعَ المفعولِ الثّاني، لأنَّ (أراني) هذه لا يجوزُ أنْ يُقتصر بها على مفعولٍ واحدٍ، فقدْ بانْ مِنْ ذلكَ أنَّ (إنّما) في موضعِ نصبٍ مع ما بعدَه، وإنّما لم يجزْ وقوع (أنّما) المفتوحةِ هنا، وإنْ كانت الجملةُ في موضعِ اسمٍ منصوبٍ لفسادِ المعنى،
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وأنَّ الأولى لا يكونُ فيه الثاني، فإذا كُسِرتْ (إنّ) كان الكلامُ جملةً، وعاد منها ذكرٌ إلى الأوّل، فلم يجعل الثاني ما لا يجوزُ أنْ يكون الأوّل.