تقول: ظننْتُ أنّه منطلقٌ.
قال ابو علي: (أنّه) بعد ظَننتُ لا يكون إلا مفتوحًا، وفيه قولان:
إنْ شِئْتَ قلتَ: إنَّ الخبرَ مُضمرٌ، كأنّك قلت: ظَنَنْتُ انْطلاقَكَ واقعًا أوْ كائنًا وما أشْبَهَهُ، فأضْمَرتهُ.
وإنْ شئتَ قلتَ: إنَّ (مُنطلقًا) وما أشْبَهه ممّا يكونُ خَبَرًا لإنَّ سَدَّ مَسَدَّ خَبر ظَنَنْتُ لأنّه في المعنى مبتدأ وخَبر كما يدخل عليه ظَنَنْتُ.
قال: وتقول: لولا أنّه منطلقٌ لَفَعَلْتُ، فأنَّ مبنيةٌ على (لولا)، كما تُبنى عليها الأسماءُ، وتقول: لوْ أنه ذاهبٌ لكان خيرًا] له [، (فأنّ) مبنيةٌ على (لوْ)، كما كانتْ مبنيّةً على (لَوْلا).
[ ٢ / ٢٣١ ]
قال أبو علي: سألْتُه عن وقوع (أنّ) بعد (لو) فقلتُ: كيف جاز وقوعُها بعدها وهي في تأويل اسم (ولو) إنّما تليها الأفعال؟. قال: ذا على قولنا لا دَخَلَ عليه، لأنّي أقولُ: إنّ الموضعَ الذي تقَعُ فيه (إنَّ) المكسورة، هو الموضعُ الذي يجوزُ أنْ تُبتدأ فيه بالمبتدأ والفعل، ويتعاقبان عليه، وإنَّ الموضعَ الذي تقع فيه (أنَّ) المفتوحة هو الموضعُ الذي يقع فيه أحدُهما دون الآخر، فإذا كان الموضعُ يقع فيه الاسمُ وقَعَت المفتوحة، (فَلَوْ) إنّما يَقَعُ بعدها الفعلُ دون الاسم، فكذلك وَقَعَتْ بعدها المفتوحة.
فإنْ قيل: قد وقع الاسمُ بعدَها في قوله تعالى "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي" وفي المَثَل "لوْ ذاتُ سوارٍ لطَمَتْني" فإنَّ ذا مُرتفعٌ بالفعل لا بالابتداء، كما أنَّ الاسم الذي يقعُ بعد (إذْ) التي هي ظرفٌ من الزّمان مُرتفعٌ بالفعل.
قال: ومذهب سيبيويه أنَّ (أنْ) وقعَتْ بعد لَوْ في موضع فعل كما أنَّ (تَسْلمُ) وقعَ موقعَ الاسم في (بذي تسلم).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قال: وقال أبو العبّاس: وقوعها بعدها على ضَرْبين:
أحدُهما: أنّ (أنّ) مع ما بعده بتأويل المصدر، والمصدرُ يقوم مقام الفعل ويعمل عمله.
والوجه الآخر: أنّ (لوْ) يقع بعدها الاسمُ على تقدير تقديم الفعل الذي بعدها، وذلك مثلُ "لو أنتم تملكون" ولو غيرُكم علَّقَ الأميرُ بحبلِه.
فيكون على هذا التقدير: لوْ أنّك جئتَ، ولو وَقَعَ مجيئُك.
قال: وسألتُه عن قول العرب: ما رأيتُه مُذْ أنّ اللهَ خلقني.
فقال: (أنَّ) في موضع اسم، كأنّك قلا: مُذْ ذاك.
قال أبو علي: لا يخلو (مُذْ) من أن يكون حرفَ جَرّ، أو مبتدأ، فإن كان حرف جر انفتح (أنّ). لأنّه في موضع اسمٍ، وإن كان مبتدأ انفتح أيضًا، لأنّ (أنَّ) في موضع خبر المبتدأ.
قال أبو بكر: و(مُذْ) ها هُنا حرفٌ، كأنه قال: مُذْ خلق اللهُ ﷿
[ ٢ / ٢٣٣ ]
إيّايَ.
قال: وتقول: أمَا إنّه ذاهبٌ، وأمَا إنّه منطلقٌ.
قال أبو علي: (حَقًّا) بمنزلة (عَلْمْتُ)، لأنَّ (حَقًّا)، دالٌّ على فعلٍ، كما أنَّ (علمْتُ) فعل، فقولُك: (حقًّا إنّك ذاهبٌ) بمنزلة (علمت أنّك ذاهبٌ) إلاّ أنّ (أنَّ) بعد (حَقًّا) في موضع نصبٍ بالفعل الذي نصب حقًّا، فتمثيله: أحُقُّ انطلاقَك حقًّا، وكونُ موضعه بعد (علمتُ) نصبًا جَلِيٌّ بَيِّنٌ.
قال: وتقول: رأيْتُه شابًّا، وإنّه يومئذٍ يَفْخَرُ، كأنّك قلت: رأيْتُه شابًّا وهذه حالُه.
قال أبو العباس: إنْ شِئْتَ فتحْتَ (أنَّ)، كأنّك قلت: عَهْدِي به شابًّا وبفخْرِه، ويجوز على بُعْدٍ.
قال: وسألْتُه عن قوله تعالى "وما يُشعرُكم إنّها إذا جاءت لا يؤمنون".
[ ٢ / ٢٣٤ ]
قال أبو علي: قلت له: كيف كان يكونُ عذرًا لهم، فقال: لو قال لك قائلٌ في رجلٍ يقرأ شيئًا: إنّه لا يفهم ما يقرأ فقلت: ما يُدْريكَ أنّه لا يَفْهمُ، لكان ذلك عُذْرًا للقارئ، أي أنّه يفهمُ، وكذلك قوله تعالى "وما يُشْعِرُكم أنّها" مفْتوحًا، لكان التّقديرُ: (ما يُدْريكُم أنهم لا يؤمنون إذا جاءت) أي لو جاءت لآمنوا، فكذلك على هذا تقديرُ (ألا إنهم يؤمنون بالآيات لو جاءتهم)، وليس معنى الآية على هذا.
قال أبو علي: إنّما يُخبر تعالى أنّهم لو جاءتهم هذه الآياتُ لم يؤمنوا إيمان اختيارٍ كما يُخبرُ في قوله ﷿ "ولو أننا نَزَّلْنا إليهم الملائكةَ وكَلَّمهم الموتى"، أنهم لا يؤمنون، جميعُ هذه الآيات إيمانُ اختيارٍ.
قال أبو بكر: القول عندي في (ما) أنه الذي للاستفهام، أي: أيُّ شيءٍ يُشْعِرُكم لِيَكونَ ضميرُه فاعلَ (يُشْعِرُكم).
قال: وأهلُ المدينة يقولون أنّها الفصل.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
قال أبو بكر: مَنْ فَتَحَ (أنَّ) فعلى ما قال الخليلُ مِنْ أنّه بمعنى لَعَلِّي.
قال: وإنّما وقع أنّك عندي بمعنى لَعَلَّك لأنَّ الحالَ كانت حالَ تَسرُّعٍ وكانوا هم أوْجَبُوا تَرجيًا، وذلك أنّهم إذا قالوا: ائِتِ السُّوقَ أنّك تشتري لي شيئًا، كأنّهم أوْجَبُوا الشّيْءَ في اللفظ، وحَقَّقوها أملًا، والموضعُ موضعُ ترجٍّ، لأنّه لا يدري أيَكون ذلك أمْ لا.
قال: واعْلَمْ أنّه ليس يَحْسُنُ لأنّ أنْ تَلِي إنَّ ولا أنْ، كما قَبُحَ ابْتداؤُكَ الثَّقيلَةَ المفتوحةَ، وحَسُنَ ابتداؤُكَ الخفيفةَ، لأنَّ الخفيفةَ لا تزول عن الأسماء ﴿والثقيلة تزول، فتُبتَدأ، ومعناها مكسورةً ومفتوحةً سواءٌ﴾، ألا ترى أنّك لا تقول إنّك ذاهبٌ في الكتاب.
قال أبو بكر: قال أبو العباس: يعني أنّها لا تزول عن الاسميّة لأنّها مع ما بعدها بمنزلة المصدر، قد تزول عن الاسميّة، فتُبتدأ وتُكْسَرُ والمعنى واحدٌ في أنّها للتأكيد.
وقال عن أبي العبّاس أيْضًا: إنّما لمْ يَلِ (إنّ) المكسورةَ (أنَّ) المفتوحةُ، ولم يجتمعا في موضعٍ واحدٍ، لأنّهما جميعًا للتأكيد، فلمْ يجتمعا، كما لم يجتمع تأنيثان واستفهامان ونحو ذلك، ونظيرُ (أنّ وإنّ)
[ ٢ / ٢٣٦ ]
في أنّهما لم يجتمعا معًا لاتّفاقهما في المعنى (اللامُ) وإنّ في قولِك: إنّ زيدًا لمنطلقٌ، لما اتّفقا في المعنى لم يجتمعا في قولك معًا، فإنْ فصَلْتَ بينهما جاز اجتماعُهما، وأنْ يقَعَ اللامُ في الاسم العامل فيه (إنَّ)، كقوله: "وإنَّ لنا للآخرةَ والأولى" فكذلك يجوزُ في (أنَّ) أنْ يكون اسمُها (أنّ) في مثل قولك: إنّ لك أنّك لا تؤذي، قال تعالى: "وأنّك لا تظمأ فيها" بعد قوله "إنَّ لك ألاَّ تجوعَ فيها ولا تعرى".