أي على اعتلال الأفعال.
قال سيبويه: وذلك أنهم يكرهون أن يجيء على الأصل مجيء ما لا يعتلّ فَعَل منه.
قال: ما لا يعتل (فَعَلَ) منه نحو (ضَرَبَ)، فإنه يقال فيه: (ضارِبٌ).
[ ٥ / ٢٩ ]
قال سيبويه: ولا تجعلها بمنزلة فَعُلْت في الفعل.
قال أبو علي: يقول: لا تُبدل من الياء واوًا إذا انضم ما قبلها في الفعل نحو: رَمُو، ومَرْمُو.
قال سيبويه: فمَعِيشَةٌ يصلح أن تكون مَفْعَلَة ومَفْعِلَة.
قال أبو علي: يجيز سيبويه في (مَعِيشَةٍ) أن تكون مَفْعَلة، كأنّ أصله (مَعْيُشَة)، ثم يبدل من الضمة كسرة لتصح الياء كما أبدلتها منها في (بِيضٍ) جمع أبْيَضٍ، وفي (عِينٍ) جمع (عِيان) على قول من قال: (رُسْلٌ) فهذا قوله في هذا ونحوه، أعني (مَفْعُلَة) من بنات الياء ونحوها.
وأما الأخفش فلا يجيز في مَعِيشَةٍ أن تكو مَفْعُلَة، وكذلك (دِيكٌ) (وفِيلٌ) ونحوه، لا يجيز فيه أن يكون (فُعْلًا)، ويقول: لو كان (مَفْعُلة) أو كان فُعْلًا لكان (مَعُوشَة، ودُوك).
ويقول: إنما تبدل من الضمة كسرة لتصحيح الياء في الجموع دون الأفراد، وبيضٌ جمعٌ، وكذلك (أدْلٍ، وحُفِيٌّ)، فأما الآحاد فلا يبدل من ضمتها كسرة.
قال أبو عثمان: وقد ترك الأخفش قوله هذا، وناقض فيه، لأنه يقول: إن المحذوف من (مَبِيع) عين الفعل، فلما حذف العين صار (مَبُوع) على وزن (مَقُول)، ثم أبدل من ضمة الباء كسرة، ومن واو (مَقُول) ياء فصار (مَبِيع)، فقد قلب الضمة كسرة في الواحد، وهو يزعم أنه لا يفعل ذلك إلا
[ ٥ / ٣٠ ]
في الجميع.
قال سيبويه: إذا أردت منهما مثل مُخْدَعٍ، وكمُسْعُطٍ يجري من الواو (كأفْعُل) في الأمر قبل أن يدركه الحذف.
أي حذف العين من همزة الوصل، قال: لو أمرت من (قُلْ) قبل أن يدركه الحذف والتغيير لقلت: (أقْوُل).
قال سيبويه: وذلك نحو (مَكْوَزة)، (ومَزْيَد).
[ ٥ / ٣١ ]
قال أبو علي: يقول: (مَزْيَدٌ، ومَكْوَزَةٌ، ومَرْيَمٌ)، ونحو هذا، أسماء مصوغة لأشخاص بأعيانها، لا مناسبة بينها وبين الفعل، ولو كانت من الفعل لاعتلت، كما أن (مَوْرَق، ومَوْهَب) لو كانا مصدرين أو موضعين للفعل لكسرت العين منهما، ولم تفتح مثل مَوْعِل، لكن لما كانا اسمين علمين لم يجريا مجرى ما أخذ من الفعل لموضعه.
وقال أبو علي: تَهْلَلٌ، اسمٌ عَلَمٌ، ولو كان منقولًا من الفعل
[ ٥ / ٣٢ ]
مسمّى به بعد أن استعمل فعلًا، لوجب أن يكون كما أعِلّ، يريد، لما كان كذلك.
وقال أبو علي: مَحْبَبٌ عَلَمٌ، كما أن مَوْرَقٌ عَلَمٌ، وجاء [١٨٨/أ] كل واحد منهما مخالفًا للأسماء المناسبة للأفعال نحو الأسماء المأخوذة من الأفعال لمواضع الأفعال.
قال سيبويه: ويتمّ في (أفْعُل)، (وأفْعِل) لأنهما اسمان.
قال أبو علي: (أفْعُل) الذي عينه واو لا يُعَلُّ مثل أدْوُرٌ، (وأفْعِل) نحو (أهْوِناء) في جمع (هَيِّن) لا يُعلّ أيضًا لما ذكره سيبويه.
قال أبو علي: إذا كانت الزيادة في أول الكلمة زيادة يشترك فيها الاسم والفعل وتدخل عليهما جميعًا، فإنك إذا أدخلتها على الاسم وكان كل بناء من الأبنية التي يشترك فيها الاسم والفعل صحَّحته، ومثاله الهمزة التي تدخل في نحو: أنا أضْرَبُ، وأحْمَرُ، إذا بنيت اسمًا على
[ ٥ / ٣٣ ]
(أفْعَل) صحَّحته نحو هذا (أقْوَلُ)، وإن أدخلته على فعلٍ أعللته، فقلت: (أقالَهُ)، ومثال ما يجيء في أوله الزيادة التي يشترك فيها الاسم والفعل إلا أنه على مثال لا يكون عليه الفعل، بناؤك نحو (تِحْلِيءٍ) من القول تقول فيه: (تِقِيلٌ)، فتُعِلّ، لأن البناء للاسم دون الفعل، وإن اشتركا في الزيادة، فاختصاص الاسم بالبناء الذي يكون له دون الفعل بمنزلة الزيادة التي تقع أولًا، ويختص بها الاسم دون الفعل في أن يُعَلّ الاسم المختص بالبناء الذي لا يكون في الفعل وإن كان في أوله الزيادة التي تدخل على الفعل كما يُعَلُّ ما في أوله الزيادة التي اختص بها، فإن كان على بناء الفعل ألا ترى أنك تعِلّ نحو (تِحْلِىءٍ) من القول والبَيْع، كما تُعِلّ المثابَةَ والمقالَ والمآةُ ونحو ذلك، وعقْدُ هذا الباب على هذا.
[ ٥ / ٣٤ ]
قال أبو الحسن في قول سيبويه: إن أردت مثال إثْمِدٍ قلت: إبْيِعٌ ﴿وإقْوِلٌ﴾، لئلا يكون كإفْعِل منهما ﴿فِعْلًا﴾ وإفْعَلْ قبل أن يدركهما الحذف والسكون للجزم. يعني فرقوا بين إبْيِعٍ وإبْيَعٍ إذا كانا اسمين من (بِعْ)، (وخِفْ) من قبل أن يحذفا، لأنهما كانتا قبل الحذف (إخاف وإبيع)، فحذفوا همزة الوصل لما تحركت الياء، وحذفوا موضع العين لما أسكن موضع اللام للوقف أو الجزم، والفصل في جميع هذه الأبنية يقع بين الاسم والفعل قبل أن يدرك الفعل الحذف، على هذا جميع هذا الباب وإن اقتصر أبو الحسن على هذا المثال.
قال سيبويه: وإنما منعنا أن نذكر هذه الأمثلة فيما أوله ياء، أنها ليست في الأسماء، والصفة إلا في (يَفْعَل).
قال أبو علي: يقول: لم يذكر كيف تبنى هذه الأمثلة من بنات الياء والواو فيما أوله الهمزة، لأنه لم يجئ ما أوله ياء من الأسماء والصفات مجيء ما أوَّله الهمزة، إنما جاء منه مثل (يَرْمَعُ) في الاسم، فكما لم يذكر كيف يُبنى مثل (أفْعُل) لأنه ليس في الأسماء والصفات مثله كذلك لم يذكر في الياء لأنه لم يجئ.
[ ٥ / ٣٥ ]
قال سيبويه: فمن ثمَّ لم يحتاجوا إلى التفرقة، يقول: لم يفرّقوا بين الأسماء والأفعال التي على وزنها وأوائلها ميم، لأن الانفصال بينهما يقع بالزيادة، ألا ترى أن الفعل لا يكون أوّله ميمًا. [١٨٨/أ].
قال أبو علي: تُفْعُلٌ، إذا بنيت مثله من القول فإنه يجب إعلاله لأنه بناء يختصّ به الاسم، ألا ترى أنه ليس في الأفعال (تُفْعُلٌ).
قال سيبويه: وكذلك تِفْعِل نحو (التَّحْلِىءِ) يُجرى مجرة (أفْعِل)، كما أجري تُفْعُلٌ مُجرى أفْعُل.
يريد (بأفْعِل) الذي هو فعلٌ لا اسم، أي يُعَلّ مثل (تِحْلىءٍ) من القول والبيع، كما يُعلّ (أفَعِل) الذي هو فِعْلٌ قبل الحذف والسكون.
[ ٥ / ٣٦ ]