قال سيبويه: فأصلها (فَيْعُولَة)، وليس في غير المعتل فَيْعَلُولٌ مصدرًا.
قال أبو علي: أصل قَيْدُودٍ قَيّدُودٍ، كأنه (قَيْوَدُود)، فقلبت الواو التي هي عينٌ ياءً لوقوع الياء الساكنة قبلها، ثم حذفت العين وألزمت الحذف إذ استمر في نحو (سَيِّد)، وهذا يدل على أنه قد يكون في بناء المعتل ما لا يكون في الصحيح.
فإن قيل: ما تنكر أن يكون (فَعْلُولَة) دون (فَيْعُولَة)، وأن يكون هذا البناء جاء في المعتل وإن لم يجئ (فَعْلُولَة) في الصحيح كما جاء (سَيِّدٌ) [١٩١/أ] وإن لم يجئ في الصحيح أو جاء على (فَعْلُولَة) للزوم الهاء له، فإن لم يجئ بغير الهاء على ذلك كما جاء (مَفْعُلَة) بالهاء ولم يجئ مَفْعُل؟
قيل: لو كان (فَعْلُولَة) لوجب أن يقال فيما كانت عينه واوًا كونُونَة قَوْدُودَة، فكانت تظهر الواو دون الياء لأنها العين، ولما أظهرت الياء
[ ٥ / ٥٤ ]
علمنا أنّها ليست بفَعْلُولَة.
قال سيبويه: ولأنهم قالوا: هَيَّبانٌ وتَيَّحانٌ لم يكسروا.
قال أبو علي: يقول: لو كان سَيِّدٌ، ولَيِّنٌ على فَيْعَل، لفتح العين لمدغم فيها كما فتح العين من هَيَّبان، وتَيَّحان، لأن هَيَّب وتَيَّح من هيَّبان وتَيَّحان بمنزلة سَيِّد، ولقيل: عَيّر، ففتح عينات هذه الحروف يدل على أن سيِّدًا ونحو لو كان أصله الفتح ﴿لفُتح﴾ كما فُتحْنَ، إذ هُنّ مثله في الزِّنة والإعلال ووقوع الزيادات قبل العين.
قال أبو علي: الدليل على أن المحذوف من (مَيْتٍ) العَيْنُ ظهور الياء، ولو كان ياء (فَيْعَل) المحذوف لقيل: ماتَ دون (مَيْتٍ)، وإنما كان يلزم مات، لأنه إذا حذفت ياء (فَيْعَل) بقيت الواو التي هي عين متحركة، فلزم انقلابها ألفًا كما لزم انقلاب (خافَ) لذلك وتعلم من بنات الواو في هذا أن المحذوف من بنات الياء نحو (لَيْنٍ) العين أيضًا، كما تعلم من كينونة أن الياء في صيرورة ليست بالعين، وإنما كان حذف الواو التي هي عَيْن أوْلى، لأنها المتكررة كما أن التخفيف وقع على الهمزة
[ ٥ / ٥٥ ]
الثانية لتكررها.
قال سيبويه: لما كانوا يحذفونها في العدد الأقل.
يعني بالعدد الأقلّ (سيِّدًا) إذا قيس بعدّته عدّة كَيْنُونَة.
قال سيبويه: وبلغن الغاية في العدد إلا حرفًا واحدًا.
قال: يعني بالغاية نحو (اشْهَيْبابٌ)، فإنه على غاية ما يكون عليه
[ ٥ / ٥٦ ]
الاسم ذو الزوائد، والأصل كثرة، (وكينونة) أقلّ منه بحرف واحد.
قال سيبويه: وإنما أرادوا بِهِنَّ مثل عَيْضَمُوزٍ.
أي بكينونة ونحوها، لأن (عيضموزًا) على (فَيْعَلُول) فألحق به من الثلاثي (كينونة) ونحوها.
قال سيبويه: وأمّا (فِعْيَلٌ) مثل (حِذْيَمٍ)، فبمنزلة فَيْعَلٍ.
قال أبو علي: يريد أنه مثله في باب الإدغام، لأنك تقلب الواو ياء لسكونها قبلها كما قلبته في (طيًا) مصدر طَوَيْتُ، (ففَعْيَل) من القول بمنزلة (فَيْعَل) منه.
[ ٥ / ٥٧ ]
قال سيبويه: و(أمّا تَحَيَّزْتُ فتَفَيْعَلْتُ). الدليل على ذلك ظهور الياء مشددة، وإنما ظهرت في التضعيف، لأن ياء (تَفَيْعَل) وقعت ساكنة قبل الواو التي هي عين، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء فيها، ولو كان (تفعَّلْتُ) لظهرت الواو مُضعَّفة، كما تقول: تَقَوَّلْتُ في تَفَعَّلْتُ من القول، فبهذا تعلم أنه تَفَيْعَلَ دون تَفَعَّل.
وأمّا التّحَيُّز، إذا أردت مصدره فهو على تَفَعُّلٍ وإن كان وزنه على الحقيقة تَفَيْعُل، إلا أنه لو كان تَفَعُّل دون تَفَيْعُل، لكان التَّحَوز، يقول الله تعالى: "أو متحيّزًا إلى فئة" وزنه مُتَفَيْعِل.
قال سيبويه: لأن الحرفين ليسا من موضع تضعيف، فهم في الواو والياء أجدر.
قال أبو علي: أي إذا لم يُدغموا (وَتَدَه)، فيقولوا: وَدَّهُ [١٩١/ب] لتحرك المقارب الأول، فإن لا يدغموا الواو والياء إذا تحرك الأول منهما أجدر، لأن الواو والياء مخارجهما أبعد من مخارج التاء والدال، لأنهما من أطراف الثُّنا واللسان، والواو من الشفة، والياء من وسط اللسان ومخارجها أبعدُ، وإذا تباعد المخرجان كان الإدغام فيه أشد امتناعًا.
[ ٥ / ٥٨ ]
قال سيبويه: ولم يجيزوا وَدَّهُ.
قال أبو علي: يريد في (يَفْعَل) من وَتَد، لأن وَتَدَ مثل وَعَدَ، فالفاء تنحذف في يَفْعِلُ، ولم تدغم التاء في الدال وإن تقاربا لتحرك التاء.
قال سيبويه: ومثل ذلك رُوْيَة ورُوْيَا، الفصل.
قال أبو علي: الأصل في (رُوْيا) الهمزة وإن حذفت، فكما لا تدغم الهمزة في الياء، كذلك لا تدغم هذه الواو، كما لم تردّ الياء في (لَقَضْوَ)، وأنت تريد (لَقَضُوَ الرَّجُل)، لأنه وإن أسكن فالضمة مرادة، كما أن الهمزة مرادة وإن خفف.
[ ٥ / ٥٩ ]
قال سيبويه: لأن الواو بدل من الألف فأرادوا أن يمدُّوا.
أي: الواو في (سُويِرَ) كما تمد الألف في (سايَرَ)، ولو أدغم لزال مثال المَدّ.
قال سيبويه: وألا يكون فُوعِلَ وتُفُوعِلَ بمنزلة فُعِّلَ وتُفُعِّلَ.
قال أبو علي: لو أدغمت تُسُويِرَ فقلت: تُسُيِّرَ لالتبس تُفُوعِلَ بتُفُعِّلَ كما كان يُلبِسُ فَوْعِلَ نحو سُويِرَ تُفُعِّلَ لو أدغمت.
قال سيبويه: فيصير بمنزلة حرفين يلتقيان في غير حروف المدّ.
قال أبو علي: يقول: لو أدغمت الواو في الياء، أو الواو في الواو في (سُويِرَ)، (وقُووِلَ)، لزال عنهما بالإدغام المدّ، فخالف بعض الأفعال بعضًا، لأن المدّ في الألف من (سايَرَ)، لا يجوز أن يزول لامتناع إدغامها.
ولو أدغم هذه الواو لزال بالإدغام عنها المدّ وصار بمنزلة الحروف التي لا مدّ فيها، كالياء والتاء ونحوهما من الحروف الأمثال المتعرية من المدّ.
قال سيبويه: فلما كانت كذلك شُبِّهت هذه الياء بواو رُوْيَةٍ، وواو يُوطِئ.
قال أبو علي: يقول: شبهت الياء التي في (دِيوانٍ) بالواو في (رُويهٍ)
[ ٥ / ٦٠ ]
مخففة همزتها، فلم تدغم الياء في الواو من (دِيوانٍ)، كما لم تدغم الواو في الياء من (رُويَةٍ) لاجتماعهما في أنهما غير لازمتين، ألا ترى أن الياء من (دِيوان) أصلها الواو وعنها انقلبت، كما أن أصل الواو في (رُويَةٍ) الهمزة وعنها خففت.
قال سيبويه: ولذلك قلت: قَرَارِيطُ.
أي لأن وزن (دِيوانٍ وقِيراطٍ) في الأصل فِعّال، قلت: قَرارِيطُ فرددت التضعيف لما فَصَلت بينهما بحرف، ولو كان فِيعالًا، ولم يكن فِعّالًا، لوجب في تكسيره وتصغيره قراريط، ودواوين.
[ ٥ / ٦١ ]