قال: واعلم أنك إذا وصلت كلامك ذهبت هذه الهاء في جميع النُّدْبَةِ كما تذهبُ في الصلة. أي من قال: واغُلامِيَاهُ (وما أدراك ماهِيَهُ) في الوقف حذفه في الوصل، فقال: واغُلامِي الظَّريف، (وما أدراكَ ما هيَ نارٌ) وحذف هذه الهاء في الوصل إذا اتصل بما بعده كحذف ألف الوصل إذا اتصل ما هِيَ فيه بما قبله، لأن الهاء أُلحقت لِتُبَيِّنَ الحركة فإذا اتصل بشيء بعده قام المتصل به مقام الهاء، كما يقوم ما قبل همزة الوصل مقام الهمزة. وأنشد:
فهي تَرثّي بأبي وابنِيما
[ ١ / ٣٥٨ ]
قال أبو العباس: فَهي تَرَثَّا يا أبا وابْنيمَا.
وزعم أن: يا أبا وابناما لا يجوز في هذه القصيدة للقافية ولو كان في غير هذا الشِّعر لجاز.
قال: وكذلك الألفُ إذا أضفتها إليك، مَجْراها في النُّدْبَةِ كمجراها في الخبر.
قال أبو علي: هذا مِثل ألف مثنى إذا ندبت أو لم تَنْدِبْ، فمن قال في النداء: يا غُلامِ، فحذف الياء استدلالًا بالكسرة عليها لم يَجُز له أن يحذف ياء الإضافة من مثنى، لأن الكسرة لا تلحقُ الألف من
[ ١ / ٣٥٩ ]
مثنى فيدلُّ على الياء، فإذا لم يَجُز أن تلحق ما يدل على الياء لم يكُن من أن تلحق بالياء نفسها بُدّ وإذا أُلحِقَت الياءُ لم يَجُز فيها إلا الفتحُ، لأنها لا تخلو من أن تكون مفتوحةً أو موقوفةً، والوقف هنا لا يجوز لاجتماع الساكنين، فإذا لم يَجُز الوقفُ ثبت أن الجائز الوجه الآخر الذي هو الفتحُ.
قال: واعلم أنه إذا وافقت الياء السّاكنةُ ياء الإضافة في النداء لم يحذف.
قال أبو علي: من قال: يا غُلام فحذف ياء الإضافة، واستدل بالكسرة عليها، لم يَجُز له أن يحذف ياء الإضافة من (غُلامَيْن) إذا إضافهم إلى نفسه، ومن قاضٍ ومن قاضِيَيْن إذا أضافهم، ومن ناج، وإنما لم يَجُز له أن يحذف ياء الإضافة من هذه الأشياء كما حذفها من غُلام، لأنه حيثُ حذف الياء من (غُلامِي) بقيت الكسرةُ، فدلت على الياء، وجاز حركة الميم بالكسرة، فأما (غُلامَيْن) وما أشبهه فإنه إذا حذف ياء
[ ١ / ٣٦٠ ]
الإضافة منه لم يَجُز تحريك الياء التي هي آخرُ هذه الكَلِم بالكسر، فيدل على الياء كما دَلَّت الكسرة في (يا غُلامِ) عليها وإذا لم يجز أن تُلحق ما يدل على الياء لم يكُن من أن تلحق الياء نفسها بُدّ، فإذا ألحقت لم يخلُ من أن تُسَكَّن أو تفتح، والسكون غير جائز فيه لالتقاء الساكنين فإذا لم يَجُز السكون فُتِحَ وأُدغِم الحرف المثلُ الذي قبله فيه فصار يا غُلامَيَّ، وهذه الياءاتُ على ضربين:
منه أصلٌ، ومنه زائدٌ، إلا أن كلا الضربين يجتمع في أن الكسر لا يجوز فيه.
فأما الأصلي فمثالُه الياء من (قاضي وناجي).
والزائدُ مثل الياء من (غُلامَيْن)، والياء من (قاضِيَيْن)، فإن أضفت (قاضِين أو قاضون) إلى نفسك وافق لفظ المرفوع والمنصوب المجموعين لفظ الواحد، وذلك قولك: هؤلاء قاضِيَّ، إذا أردت الجميع، وأصل هذا (قاضونَ)، فسقطت النُّون للإضافة، وبقيت الواو قبل ياء الإضافة ساكنة، فلما سُكنت وجب أن تُدغِمها في الياء وإذا وجب إدغامها في الياء وجب قلبها ياءً فتصير (قاضِيَّ) كقولهم: (ريَّا) في مصدر (رَوَيْتُ)، فأما الجمع المنصوب والواحد فهما مثلُ الجمع المرفوع في اللفظ إلا أن المُدْغَم في ياء الإضافة فيهما مكان الواو في (قاضونَ)، والياء في الواحد مُخالفة للياء في الجمع، لأن الياء في الجمع زائدةٌ وفي الواحد لامُ الفعل.
[ ١ / ٣٦١ ]
قال: فذهبت كما تذهبُ في الألف واللام.
قال أبو علي: نحو مثنى القوم، فاللامُ تسقط هنا كما تسقط مع حرف النُّدْبة لأن كِلا الموضعين يجتمع فيه ساكنان.
قال: ولم يكن كالياء لأنه لا يدخلُها نصبٌ.
قال أبو علي: الذي لا يدخلها نصبٌ هو الألف، والذي يدخلها نصب هو الياءُ، فإذا ندبت ما هي فيه غير مضافٍ قلت: (واقاضِياهُ)، فتحركُ الياء بالفتحة، ولا تحذفها كما تحذف الألف من (وامُثَنَّاهُ) غير؟؟؟؟؟؟؟ لا تتحرك البَتَّة، والياء تتحرك بالفتح.
قال: وتقول: واظَهْرَهُمُوه، وإنما جعلت الألف واوًا لتُفرق بين الاثنين والجميع إذا قلت: (واظَهْرَهُماهُ)، وإنما حذفت الحرف
[ ١ / ٣٦٢ ]
الأول لأنه لا ينجزِمُ حرفان كما حذفت الألف الأولى من قولك وامُثَنَّاهُ.
قال أبو علي: الهاءُ التي تلحق لعلامة المضمر المجرور الغائب، حكمها أن تلحقها واوٌ في الوصل مثل: لهو مالٌ، وعندهُو ثوبٌ، فأصل حرف اللين الذي يلحق هذه الهاء في الوصل واوٌ، وإنما تقلب ياءً إذا وقعت قبلها كسرة أو ياءٌ في مثل (بهي داءٌ، وعَلَيْهِي ثوبٌ) لمكان الكسرة، والياء، والأصلُ الواو كما قلنا، والدليل على أن الياء يجوز أن يجعل مكانها الواوُ في مثل (بهِ وعليهِ) فيقال: (عَلَيْهُو، وبِهُو)، ولا يجوز أن يجعل مكان الواو ياء إذا لم ينكسر ما قبل الهاء ولم يقع قبلها ياء، لا يجوز (لَهِي مالٌ، ولا عِنْدَهِي ثوبٌ) فقد بان من هذا أن أصل حرف اللِّين الذي يلحق هنا الواوُ، إذ كل موضع جاز فيه الياءُ يجوز فيه الواو، وليس كُلّ موضع يجوز فيه الواو يجوز فيه الياء.
والمنصوب المضمر إذا كان للغائب المذكر في لحاق هذا الحرف اللين الساكن به مثل المجرور، وهذا الحرف اللين الذي ذكرنا لا يكون إلا ساكنًا، فإذا ألحقته علامة النُّدْبَة وجب أن يسقط، لأنه قبل العلامة وإذا سقط وجب أن يقلب ألف النُّدْبَة واوًا لتتبع الحركة التي قبلها، لأنها لو تركت ألفًا لزم أن يفتح ما قبلها، وإذا انفتح ما قبلها التبس الغائبُ بالغائبة، فالمحذوف من الساكنين في قولك (واظَهْرَهُوهُ)
[ ١ / ٣٦٣ ]
هو الأول، وكذلك المحذوف من (واظَهْرَهاهُ) هو الألف الأولى التي للتأنيث، وإذا جمع المضمر المجرور الغائبُ المذكر ألحق الهاء حرفين (الميم والواو) كما تلحق الواحد المؤنث إذا جمع حرفان وذلك مثل لَهُمُو وَظَهْرَهُمُو إلا أن الواو قد تحذف في الوصل والوقف، كقوله: (هذه ظُهُورُهم فاعلم، وهذه ظُهورُهم).
والأصل أن تلحق هذه الواو وإن كانت قد تحذف استخفافًا الدليلُ على أنك إذا وصلت ما كان مثله، أعْني المنصوب بشيء ثبتت هذه الواو وذلك قولك: (أعْطَيْتُموهُ)، لما وصلته بالهاء لزم ثباتُ هذه الواو، فكذلك المضمر المجرور إذا وصلته بشيء ولزم أن تثبت هذه الواو فإذا نُدِبَ (ظَهْرُهم) وجب ثباتُ الواو اللاحقة مع الميم الهاء لِوَصْلِك علامة الندبة به، وإذا وصل هذه العلامة التي هي للمضمرين الغائبين المذكورين وَجَب ثبات الواو فيه للصلة كما وجب ثباتها للصلة في نظيره، إلا أن الذي مَنَع من ثباتها في (ظهْرهُمُو) إذا نُدبت اجتماع الساكنين وهما الواو وألف النُّدْبة، فسقط الساكن الأول الذي هو الواو، وثبَت الذي هو علامة الندبة كما يسقط من (مُثَنى) إذا ندبتَه غير مضاف الحرف الذي من نفس الكلمة وهو الألف المنقلب عن الياء، وإنما وجب حذف الأولى هنا من حيث وجب تحريك الأول إذا اجتمع الساكنان من كلمتين، فكذلك وَجب هنا حذف الأول لمَّا لم يَجُز تحريك الساكن الأول، ولم يكونا من كلمة واحدة، فمذهب سيبويه في هذا كما قد رأيت أن الحرف الأول محذوف التقاء الساكنين، وتقول أيضًا في رجل يسمى
[ ١ / ٣٦٤ ]
(ضَرَبوا) لو ندبته (وا ضَرَبُوه)، حذفت الساكن الأول، وجعَلت علامة النُّدبة تابعة للحركة التي كانت قبل الحرف المحذوف كما قد فعلت ذلك في (واظَهْرَهُوه، واظَهْرَهُمُوهُ)، لئلا يلتبس الجمع بالتثنية في (ضَرَبُوا)، كما قد يلتبس الجمع بالاثنين في (واظَهْرَهُمُوه) والمذكّر بالمؤنّث في (واظَهرهموه).
وقد اعترض أبو العباس في هذا الموضع فقال: زعم أنه لو ندب غُلامي في قول من قال (يا عِبادِي فاتَّقونِ) لقال: (يا غُلامِيَاهُ) فحرك الياء لالتقاء الساكنين، ولم يحذفه، قال: فيَلزمه على هذا أن يقول: (واظَهْرَهُواه وواظَهرَهُمُواهُ، واضَرَبُواهُ) فتُحرك الساكن الأول لالتقاء الساكنين كما حرَّكته في (يا غُلامِياه) في قول من قال: (يا غُلامي).
قال أبو علي: والجواب عندي في ذلك أن الواو من (ظَهرهُو،
[ ١ / ٣٦٥ ]
وظهرهمو) ليست مثل الياء في (غلامي) وذلك أن هذه الواو لم تتحرك ألبتَّة، والياء من (غلامي) قد تتحرك في لغة من يسكِّنه لالتقاء الساكنين ألا ترى أن من يقول: يا غلامي، فيُسكّن هذه الياء وافق من يفتحاه في مثل (يا قاضِيّ، ويا مُثَنَّايَ) ولا يكون في لغته غير الفتح لالتقاء الساكنين، فكذلك لا يُنكر أن تحرك الياء من (يا غلامي) لالتقاء الساكنين إذ كانت هذه الياء قد تحرك لالتقاء الساكنين في غير هذا الموضع، ومع ذلك فأصل هذه الياء التي هي للمخاطَب الفتح، كما أن كاف المخاطب مفتوح إلا أن الحركة حُذفت من الياء لأنها حرف لين والحركة تُكره فيها، ألا ترى من يقول (حضْرَمَوْت) لا يحرك الياء من (مَعْدِي كَرِب)، فهذه الياء إذا فُتِحت في (واغُلامِياه) فإنما تُرد إلى أصلها كما أن (مُدّ) إذا حرك رد إلى أصله لالتقاء الساكنين فضُمّ، فكذلك هذه الياء يُرَد في التقاء الساكنين إلى أصله وحركته التي كانت له، فأما (غُلامَهُو، ظُهْرَهُو، وظَهرهُمو) فليس للواو شيءٌ من ذلك حركة في الأصل، كما كانت لياء الإضافة، ولم تُحرك في موضع لالتقاء الساكنين ولا لغيره، كما حُركت هذه الياء لالتقاء الساكنين ولغير التقائهما، فقد بانَ أن الواو في (ضَرَبَهُو) وما أشبهه ليست مثل الياء في (غلامي)، إذ كان أصل هذه الياء الحركة فإذ حُرّك لالتقاء الساكنين رُدَّ إلى أصله وليس للواو في (ظهرهُو، وغلامَهُو) أصل في الحركة، ولا حركت
[ ١ / ٣٦٦ ]
في موضع، فيردّ إلى حركته في التقاء الساكنين كما رُدّت الياء، فحركتُهما إذًا لالتقائهما لا يجوز، وإذا لم تَجُز الحركة لالتقائهما فيه لم يكن إلا الحذف كما قال سيبويه.
فأما الواو في (ضَرَبُوا) فإنها وإن كانت قد حركت لالتقاء الساكنين في مثل: (ولا تَنْسَوُا الفضل بينكم) و(اشْتَرَوا الضَّلالةَ)، فليست هذه الحركة بحركة أصلية كما كانت الحركة في (يا غلامي) حركة واجبة للحرف في الأصل، بل إنما حُركت هذه الواو في التقاء الساكنين فقط ولم تحرك لغيره كما أن الياء من (غلامي)
[ ١ / ٣٦٧ ]
قد حرك لغير التقاء الساكنين في مثل (لِيَ جيني)، فثَبات الياء من (يا غلامِياه) في لغة من قال: (يا غلامي) في التقاء الساكنين أقوى من ثبات الواو في (ضَرَبوا) لِما قلنا من أنه قد يتحرك لالتقاء الساكنين إلا أن من حرَّك الواو في (ضربوا) لالتقاء الساكنين في مثل: قال، لَدا وجَدتُه منقطعًا.
قال: لأن ياء الإضافة عليه – أي على عمرٍو – تقع ولا تحذفها لأن عمرًا غير مُنادى.
قال أبو علي: قوله: ولا تحذفها أي لا تحذف الياء، لأن عَمْرًا غير منادى أي ليس عمرو بمنادى فيحذف منه الياء كما تحذف من الاسم المنادى
[ ١ / ٣٦٨ ]
نحو: يا غلام إنما هذا بمنزلة يا غلام غلامي، فغُلام الثاني غير مَدْعُوّ.
قال: وإنما تحكي الحالة الأولى قبل أن يكونا اسمين، فصارت الألفُ – أي ألف النُّدبة – تابعة لهما – أي لضربوا.
أي تَبِعَت ألف الندبة الحركة التي قبل الحرف المحذوف في (ضَرَبوا وضَرَبا) إذا نَدَبْتَ، كما تبعت التثنية والجمع قبل أن يكونا اسمين نحو (غلامهُما وغلامَهُم).
قال: وإذا قلت: يا ثلاثةً وثلاثين فلم تُفرد الثلاثة من الثلاثين.
قال أبو علي: الدليل على أن ثلاثةً وثلاثين نصبٌ في النُّدبة من حيث كان اسما طويلا نصبُك الاسم الأول، فلو كان هذا مثل (يا زيد
[ ١ / ٣٦٩ ]
ويا عمرو) لَما كان إلا مضمومًا غير منوّن، فكونه منصوبًا منوّنًا يدل على أنه انتصب من حيث كان اسما طويلا.
قال: وقال: يا ضاربًا رجلا معرفة كقولك: يا ضاربُ.
قال أبو العباس: تعريف يا ضاربًا رجلا من وجهين:
إما أن يُسَمَّى به رجلا بعينه فيصير معرفة بالإشارة والقصد نحو يا رجُل.
[ ١ / ٣٧٠ ]
قال: فصار بمنزلة [الذي] إذا قلت: هو الذي فَعَلَ.
قال أبو علي: لا يتِمّ قولك: يا خيْرًا بغير (منك) كما لا يتمُّ (الذي) بغير صلتِه.
قال: وأما قولك: يا أخا رجل، فلا يكون الأخ ها هنا إلا نكرة.
قال أبو العباس: لأنه ليس ها هُنا تنوينٌ ينوى به الانفصال كما قال في ضَارِب.
[ ١ / ٣٧١ ]
قال: ولا يكون الرجل ها هنا – أي إذا أضفت أخا إليه – بمنزلته إذا كان منادى.
أي: فقلت: يا رَجُلُ، لأنه ثم يدخله التنوين، أي إذا قلت: يا ضاربُ رَجُلٍ يدخله التنوينُ إذا أردت الانفصالَ، فتقولُ: يا ضارِبًا رجلًا، وجاز لك أن تريد معنى الألف واللام ولا تلفظ بهما، أي جاز لك أن تريد بيا ضاربًا رجلًا معنى الألف، وهو ها هُنا غير منادى أي (الرَّجُل) في (يا أخا رجلٍ).
[ ١ / ٣٧٢ ]