قال: ومعناها معنى رُبَّ.
قال أبو علي: الاشتراك بين (كَمْ) و(رُبَّ) في أنهما يقعان صدرًا وفي أنهما لا يدخلان إلا على نكرة، وفي أن الاسم النكرة الواقع بعدهما يدل على أكثر من واحد، وإن كان الواقع بعد (كَمْ) يدل على كثير، والواقع بعد (رُبّ) يدل على قليل.
والذي يخالف فيه (كَمْ) (رُبَّ) أيضًا أن (كَمْ) اسم و(رُبَّ) حرف خفضٍ.
قال: لأنهما غير متمكِّنَيْن في الكلام.
قال أبو علي: قوله: غير متمكنين أي ليسا بمُعربين لما فيهما من معنى الحرف، ففي (كَمْ) معنى ألِف الاستفهام، وفي (إذْ) أنها لا تقع إلا مضافة أو ملحقة ما هو بدل من الإضافة، وذلك المُلْحَق هو النون في (يومئذٍ)، فلما لم يُفرد صار بمنزلة بعض حروف المضاف إليه.
[ ١ / ٣٠٠ ]
قال أبو علي: لم يفصل بين العشرين وما أشبهه، وبين معموله لأن العشرين ليس في قوة ما شبِّه به من أسماء الفاعلين وكما قبُح الفصل بين (عِشرين) وما عمل فيه، كذلك قبح الفصل بين (كَمْ) ومعموله إذا كانت مُشَبَّهة به، فلذلك قال: كَمْ درهمًا لك أقوى من (كَمْ لك درهمًا).
قال: وكم رجلا أتاك أقوى من كم أتاك رجلا، و(كَمْ) هو ها هنا فاعل.
قال أبو علي: (كَمْ) ها هنا فاعل في المعنى لا في اللفظ، وتقدير ارتفاعه بالابتداء.
قال: فإن أردت هذا المعنى قلت: كَمْ لك غِلْمانًا.
أي تجعل غِلْمانًا تمييزًا لـ (لَكَ) فإذا فعلت ذلك لم يَجُز تقديم التمييز.
[ ١ / ٣٠١ ]
قال: فإذا قلت: كم جَرِيبًا أرضُك؟ فأرضك مرتفعة بِكَمْ، لأنها مبتدأةٌ والأرض مبنيَّة عليها.
قال أبو علي: جعل المبتدأ (كم) وهي نكرة، و(أرضُكَ) خبره وهو معرفة، وقد كان أبو بكر أجاز مَرَّةً في (كيفَ زيدٌ) أن يكون (زيدٌ) الخبر و(كيف) المبتدأ.
قال: وإن شئت قلت: كم غلمانٌ لك؟
قال أبو بكر: يكون المفسر لـ (كَمْ) رجلًا ونفسًا ونحوهما، كأنك قُلت: أعشرون رجلًا غِلْمانٌ لك.
[ ١ / ٣٠٢ ]
قال: والاسم المنوَّنُ قد يفصل بينه وبين الذي يعملُ فيه.
قال أبو علي: مثال ذلك أنَّك تقول: (كَمْ رجلٌ في الدَّارِ أعْطَيْتَ) في الخبر، ثم تقول: (كَمْ في الدّارِ رجلًا أعْطَيْتَ)، فتنصب في الخبر للفصل.
قال: وليس زيدٌ مِنَ المرَارِ.
[ ١ / ٣٠٣ ]
أي: فلا يجوز أن يُفسر (كَمْ)، يريد إنما يفسره المضمر وهو في التقدير كَمْ مَرَّة، أو كَمْ يومًا أتاني زيد.
قال: وقد قال بعض العرب:
كَمْ عَمَّةٌ لك يا جريرُ وخالة
[ ١ / ٣٠٤ ]
قال: نجعل (كَمْ) مِرارًا.
[ ١ / ٣٠٥ ]
قال أبو علي: قوله: جعل (كَمْ مِرارًا) أي كأنه قال: كَمْ مَرَّةٍ عَمَّة لك، أي أعشرين مَرَّةً حلبتْ عَمَّتُك، وموضع (كَمْ) نصب على الظرف.
قال: فإن قال قائل: أُضْمِرَ (مِنْ بعدُ) فيها.
قيل له: ليس في كل موضع يُضمر الجارّ.
قال أبو علي: الحُجَّة في أن (مِنْ) لا تضمر بعد (فيها) في قولك: (كَمْ فيها رجلٌ) وأن إضمار الجارِّ لا يصلحُ هنا، وهو غير مطَّرِدٍ في كل موضع، أنه إذا أضمر عوّض منه في أكثر المواضع نحو:
وجَدَّاء لا يُرجى بها.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الواو عِوَضٌ مِنْ (رُبَّ)، وليس هنا عوضٌ منه، فإضماره إذًا شاذٌّ.
أنشد:
كَمْ بجودٍ مُقرف
الجرُّ والرفع والنصبُ على ما فسَّرْنا.
[ ١ / ٣٠٧ ]
قال أبو بكر: إذا رفع (مقرف) جعل (كَمْ) مِرارًا وارتفع مُقرفٌ لأنه مبتدأ فاعل في المعنى، وإذا نصبت فلأن (بِجُودٍ) قد فصلت، وإذا جَرَرْت فعلى (كأنَّ أصواتَ مِنْ إيغالِهِنَّ).
قال: وتقول: كَمْ قد أتاني لا رجلٌ ولا رجلان، وكم عبدٍ لك
[ ١ / ٣٠٨ ]
لا عبدٌ ولا عبدان.
قال أبو علي: لا يخلو قولك: (لا رجلٌ) من أن يكون مفسرًا لكم، أن يكون محمولا على ما حمل عليه (كَمْ) ومبدلا منه، ولا يجوز أن يكون مفسرًا لها لِدُخول حرف العطف عليه، فمن حيث لا يجوز عشرون لا رجلًا، فيفسر قولك: عشرون بـ (رجلًا) وقبله حرف عطف لا يجوز أن يفسر (كَمْ) بِلا رجلَ، ولا رجلان وإذا لم يجز هذا ثبت أنه على الوجه الآخر من البدل من (كَمْ) والحمل على موضعه.
قال: أو بِجَمْع مَنْكُورٍ.
قال أبو علي: هذا رجع إلى قوله: بالواحِد كأنه قال: بالواحِدِ المنكور أو بجمع مَنْكُور وهذا جائز في التي تقع في الخبر، أي جائز في التي تقع في الخبر أن تُفسر بالجمع المنكور.
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال: لأنه لو كان عليه لكان مُحالًا ولكان نقضًا.
أي لأنك في قولك: عشرون مُثْبِتٌ شيئًا، وفي قولك: لا رجلًا ولا عبدًا، نافٍ، فقد ناقضت.
قال: ومثلُ ذلك قولك للرجل: كَمْ لك عبدًا؟ فيقول: عبدان أو ثلاثةُ أعْبُدٍ، حمل الكلام على ما حمل عليه كَمْ.
أي: على ما حَمل عليه السّائلُ كَمْ.
ولم يرد من المسؤُول أن يفسر له العدد الذي يسأل عنه، إنما على السائل أن يفسر العدد حتى يجيبه المسؤول عن العدد ثم يفسره بعد إن شاء.
أي: المسؤول بعد إنْ شاء.
قال ابو بكر: قوله ولم يُرِد من المسؤول أن يفسِّر له العدد.
أي: إذا قال السائلُ: كم عندك، أو كم رجلًا أتاني، لم يرد من المسؤول أن يفسر له العدد الذي يسأل عنه، وهو (كَمْ) إنّما تفسير
[ ١ / ٣١٠ ]
ذا على السائل، وعلى المسؤول أن يُجيبَ على موضع إعراب (كَمْ) فيقول: عشرين رجلًا ونحوه.
قال أبو علي: قوله: حتى يُجيبَه على العدد، أي إذا سُئِل، فقيل له: كم رجلًا أتاني؟ قال: رجلان أو عشرون رجلا فأجابه على ما يستحق (كَمْ) من الإعراب، وهو العدد أعني (كَمْ) لا يجيبه على الذي يفسر العدد وهو (رجلًا) في قولك: كَمْ رجلا أتاني.
وقوله ثُمَّ يفسره بعد إن شاءَ.
أي: يفسر الجواب الذي يُجيب به السائل إن شاء، أي إن كان مِمَّا يحتاج أن يفسر نحو: عشرون، وثلاثة، وما أشبهه مما يحتاج إلى التفسير فأمَّا إذا أجابه بما يجمع النوع والعدد نحو: رجلان لم يحتج إلى التفسير.
وقوله: فيُعْمِل في الذي يفسر به العدد.
فالذي يفسر به العدد هو (رَجُلًا) من قولك: عشرون رجلًا ونحوه إذا كان جوابًا لـ (كَمْ رجلا عِنْدَك)؟
[ ١ / ٣١١ ]
قال: فيعمل في الذي يفسر به العددُ، كما أعمل السائلُ (كَمْ) فيما بين به العدد.
قال أبو علي قولُه: العدد هنا هو: عشرون ونحوه إذا كان جواب كَمْ رجلًا عندَك.
قوله: كما أَعْمل السائل (كَمْ) في العدد.
أي: حين قال: كم عبدًا عندك؟
قال: تقول: كم مأخوذٌ بك؟ إذا أردت أن تجعل مأخوذًا بك في موضع لَكَ.
قال أبو علي: أي لَمّا جاز لك أن تقول في الخبر: كم لك؟ فلا تُعمِله في شيء، ولم يكن قولك (لَكَ) مما يجوز أن يعمل فيه (كَمْ) جاز لما ذكرت بعده ما يعملُ فيه أن تجعله بمنزلة ما لم يعمل فيه، وهذا مثل إجازته الإلغاءَ في حدّ (إنّ) في قوله: إنَّ زيدًا لَفيها قائمٌ، لمّا لم يكن قوله: (إنْ زيدٌ إليك مأخوذٌ) إلا لَغْوًا.
[ ١ / ٣١٢ ]
قال: ولا يجوز في (رُبَّ) ذلك، لأن (كَمْ) اسم، و(ربَّ) غير اسم فلا يجوز أن تقول: رُبَّ رجلٍ لك.
قال أبو علي: لا يجوز أن تقول: ربَّ رجُل لك، وإنما جاز في الخبر أن تقول: كم لك، وكم مأخوذٌ بك، لأن (كم) اسم، فكأنك قلت: ثلاثةٌ أو مساويةٌ، أو نحوهما مما يُضاف من العدد وأخبرت عنه غير مضاف إلى ما يفسره، ولا يجوز ذلك في (رُبَّ) لو قلت: رُب رجل لم يَجُز، لأن (رُبّ) حرف جر، وحروف الجر لا تعلَّقُ.
[ ١ / ٣١٣ ]