قال: فالاختصاصُ أُجري هنا على حرف النداء كما أن التَّسوية الفصل.
قال أبو بكر: كلُّ منادى مختص، وليس كل مختص منادى، كما أن كل استفهام تسويةٌ، وليس كل تسويةٍ استفهامًا.
قال: وتقول: نَحْنُ العربَ أقْرَى الناس لِضيفٍ، فإنما أدْخلت الألف واللام لأنك أجريت الكلام على ما النِّداء محمولٌ عليه.
قال أبو علي: أي على فعل مضمر كما أن النداءَ على فعلٍ مضمر، إلا أن قولك (العَرَبَ) لم يُجْرِ منادى، كما أن أيتها العِصابة جَرَتْ منادى، فتَمْتَنِعُ (العرب) من دخول الألف واللام عليه.
[ ١ / ٣٧٥ ]
قال: وإنما دخل في هذا الباب من حروف النداء وحدها.
قال أبو العباس: يعني (أيّ) في قولك: أيتُها العِصابة قال: يعني أجروه على الأصل أي على النداء.
قال: واعلم أنه لا يحسن لك أن تبهم في هذا الباب، فتقول: إنِّي هذا أفْعَلُ.
قال أبو العباس: لأنه لا يعرف هذا واحدٌ قد عرفته قبل.
وأنشد:
أيَا شاعِرًا لا شاعِرَ اليومَ مِثْلَهُ
[ ١ / ٣٧٦ ]
قال أبو العباس: يا لِغَيْرِ شاعر.
قال أبو علي: كما أن (يا) في قوله: (يا لعنةَ اللهِ) لغير اللَّعْنةِ،
[ ١ / ٣٧٧ ]
كأنّه نبه غير قول شاعرًا بِيا، ثم نَصَبَ (شاعِرًا) على إضمار فِعل، كما نَصَبَ ما في هذا الباب للاختصاص، ولا يجوز أن يكون (شاعِرًا) نداءً منكورًا لأنه يريد واحدًا بعينه، فكأنه قال: أراكَ شاعِرًا، فهو يشبه الاختصاص في أنه على فعل مضمر وإن كان هذا منكورًا، وما اختص في هذا الباب معروفٌ.
وأنشد:
تَمَنَّاني لِيَلْقاني لَقِيط أعامِ لَكَ
[ ١ / ٣٧٨ ]
قال أبو علي: دَعاهُم لَهُم في قوله: أعَامِ لك، كما أنَّه دُعاء من دعاني.
قوله: يالَبَكْرٍ أين أين الفِرارُ.
لأنفُسِهم.
[ ١ / ٣٧٩ ]
قال: وقال في قول الشاعر:
ياهِنْدُ هِنْدٌ بين خِلْبٍ وكَبِدْ
إنه أراد: أنتَ بين خِلْبٍ وكَبِدٍ، فجعلها نكرة، وقد يجوز أن يقول بعد النّداء مُقبلا على من يحدث: هِنْد هذه بين خِلْبٍ وكبدٍ فيكون معرفة.
[ ١ / ٣٨٠ ]
قال أبو علي: تأويل الخليل أنه أراد أن قوله: (هِند) على ضربين من التقدير: يحتمل بأن تكون هند نكرة، وتكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: أنتِ هندٌ بين خِلْبٍ، فالمبتدأ الذي هو أنتِ محذوف، وخبره هِنْدٌ وجعلها نكرة، (وبَيْنَ) على هذا التقدير صفةٌ لِهِند.
والضرب الآخر: أن يكون لَمَّا نادى، فقال: يا هِنْدُ، أقبل على من كان بحضرته (يُحدِّثه): هِندٌ بين خِلْبٍ وكَبِدٍ، فَهِنْد على الوجه الثاني معرفة ليست بخبر مبتدأ محذوف، بل هي نفسها مبتدأ وخبرها (بَيْنَ).
قال أبو بكر: قوله: بينَ خِلْبٍ، إذا قدر المبتدأ محذوفًا وهندًا نكرة صفة لهِنْدٍ، لأن هندًا حينئذ نكرة وهي خبرُ المبتدأ المحذوف (وبَيْنَ) على هذا الوجه الثاني الذي قاله الخليلُ خبرٌ ليس بصفة.
[ ١ / ٣٨١ ]