قال أبو علي: الذي يوافق هذا الباب الباب الأول، إنهما يبعدان من أن يعملا عمل الفعل، لبُعد المناسبة بينهما وبين الفعل، ويفترقان في أن الصفات في الباب الأول موصولة بشيء، غير مُفردة وفي هذا الباب مفردة غير موصولة.
قال: فاختِير الرفع فيه لأنك لا تقول ذِراعٌ الطُّولُ منونًا ولا غير منوَّنٍ.
الفصل ليس في كتاب أبي بكر ولا معنى له ها هُنا أيضًا في تبعيد هذه الصفات من أن تعمل عملَ الفعل لأن وقوع الصفة خبرًا لمبتدأ لا يبعِده من أن يعمل عمل الفعل، ألا ترى أنك تقول: زيدٌ خيرٌ
[ ١ / ٢٣٤ ]
منكَ، فيقع (خيرٌ منك) وما أشبهه من الصفات التي لا تعمل عمل الفعل أخبارًا، وليس يُبعده ذلك من أن يعمل عمل الفعل، وإنما الذي يُبعده عن أن يعمل عمل الفعل تَعَرِّيهِ من المعاني التي بها شابَهَت الصفات الأفعال كالجمع بالواو، والتأنيث، وموافقة الفعل في البناء.
قال: ولكنهم يقولون: هو نارٌ حُمْرَة.
قال أبو إسحاق: يعني أن النار لا يصفون بها، وقد يبتَدونها ويبنونها على المبتدأ.
قال: وقد يجوز أن تقول على هذا الحد: مررْتُ برجلٍ حَسَنٌ أبوهُ وهو فيه أبعدُ.
قال أبو بكر: الرفع في الصفة إذا قلت: مَرَرتُ برجلٍ حسن أبوه في الرَّداءة نظيرُ الجر في الاسم في الرجل إذا قلت: مَرَرْتُ
[ ١ / ٢٣٥ ]
برجلٍ رجل أبوه، يريد إعمالك (رجُل) إعمال الفعل في القبح، كَوَضْعِك (حَسَن) موضع الاسم، وتركِك إعماله عملَ الفعل.
قال أبو علي: إذا وصفت الصفة المشبهة بالفاعل، أو المشبهة بالمشبهة بالفعل، بعدت مِن أن تعمل عمل الفعل كما كانت تعمل عملَه قبل أن توصف، وإنما بعدت بوصفِك إياها من أن تعمل عمل الفعل لأن الأفعال لا توصف، وإنما توصف الأسماء، فأنت إذا وصفت هذه الصفات فقد أبعدتها من مشابهة الفعل، وأدخلْتَها في حَيِّز (الأسماء) فإذا قلت: مررتُ برجلٍ حسنٌ ظريفٌ أبوه، فإنما قوي الرفع لأن الصفة لم تَخْلُصْ للأب وحدها، بل شَمَلَت الأبَ وصفتَه الأولى. ألا ترى أنك لو طلبت رجلًا حسنا ظريفًا أبوه، لطلبت في الرجال الحسانِ
[ ١ / ٢٣٦ ]
آباؤُهم، الرجل الظريف أبوه، ولم تطلبه في الرجال الظراف آباؤهم دون الحسان آباؤهم، ولذلك لا تدخل الواو في الصفات إذا طالت لأنها كالاسم الواحد، فإذا أدخلت الواو في الصفات الكثيرة إذا أجريتها على اسمٍ واحد فحكمه أن يكون قد عُرِف بالصفة التي عطفُ الصفة عليها بالواو.
قال أبو علي: صار حسنُ الوجه، بمنزلة (حَسَنٍ) في إضافة حَسَنٍ إلى الوجه، من أجل أنَّ التنوين والانفصال فيه جائزان، بمنزلة (حَسَنٍ) غير مضاف في أنَّ الاسم يرتفعُ بحَسنٍ وهو مضاف إلى (الوجهِ) كما يرتفع به إذا كان مُنونًا غير مضاف فليس إضافةُ (حَسَنِ الوجهِ) كإضافة (أبي عَشَرَةٍ) لأنَّ الانفصال يجوز في حَسن الوجه كما يجوز في (مُلازِم أبيه رجلٌ) إذا أردت: (مَرَرْتُ برجلٍ مُلازم أباهُ رجلٌ)، فالإضافة في (حَسَن) بمنزلتها في (مُلازم) وليس بمنزلتها في (أبي عَشَرةٍ).
[ ١ / ٢٣٧ ]
قال سيبويه: فهي ها هُنا معطوفةٌ على المضمر، وليست بمنزلة أبي [عَشَرةٍ]، فإن حملته على قُبْحِه رفعت.
قال أبو علي: تقول: مَرَرْتُ بقومٍ عربٍ أجمعون، على أنّ (أجْمَعونَ) يرتفع بضميرٍ في (عَرَبٍ)، تقديره (هُمْ)، وتقول: مَرَرْتُ بأبي عَشَرةٍ أبوه، فلا يحسُنُ أن يكون (أبُوه) مرتفعًا بأبي عشرة كَحُسن ارتفاع (أجمعون) بضمير (عَرَبٍ).
فإن قال: أليس (عَرَبٍ) صفة بعيدة الشبه من الفعل، كما أن أبا عشرة صفةٌ بعيدةُ الشبه من الفعل، فمن أين حَسُن ارتفاع المضمر المحمول عليه أجمعون بعَربٍ، ولم يحسن ارتفاع (أبُوه) بأبي عشرةٍ؟
فالجواب في ذلك أن الظاهِر ليس بمنزلة المضمر، لأن الصفة لا بد من أن يكون فيها هو الموصوف بعيدًا كان شبهها بالفعل أو قريبًا، لأنه إن لم يكن فيها ضميرٌ للموصوف لم يتعلق به، ولم تكن صفة له، فالضرورةُ تؤدي إلى تقدير هذا المضمر في الصفة، وليست الضَّرورة بمؤدية إلى رفع الاسم بالصفة غير المشبهة بالفعل، ولا المناسبة له.
[ ١ / ٢٣٨ ]
قال أبو علي: لو رفعت (أبْغَضَ) وما أشبهه في هذه المسائل على الابتداء ولم تُجْره على إعراب رجلٍ، لم يَخْلُ ذلك من أحد أمرين:
إما كنت قائلًا: ما رأيتُ رجلًا أحسنُ في عينه الكُحْلُ منه في عينه، فرفعتَ (أحسنُ) بالابتداء، ورفعت (الكُحْل) بخبره، وفصلت بالكُحْل الذي هو الخبر بين الصلة التي هي (مِنْهُ) وبين الموصول الذي هو (أحْسَنُ) وهو منهما أجنبي.
وإما كنت قائلا: ما رأيتُ رجلًا أحسنُ في عينه منه الكُحْلُ في عينه، والهاءُ في (مِنْهُ) ضمير (الكُحْل) كنت قد أضمرتَ قبل مذكور، والإضمار قبل الذِّكْر في أنه لا يجوز كالفصل بين الصلة والموصول بما هو أجنبي منه.
قال: يصيرُ خبرًا لِلْمَعرفة لأنه ليس من اسمه.
قوله: ليس من اسمه أي ليس في التعريف مِثْلَهُ فلم يَجْرِ عليه في الإعراب.
[ ١ / ٢٣٩ ]
قال: ومن قال: مَرَرْتُ برجلٍ أبي عشرة أبوه، كما تقول: مَرَرْتُ برجل حسنٍ أبوه فهو ينبغي له أن يقول: بعبدِ الله أبي العشرة أبوه.
قال أبو علي: الألف واللام في العشرة إذا أُعملت أي العشرة عمل الفعل ليستا بتعريف عهدٍ وتخصيصٍ، ولكن دخولهما كدخُولهما في: (نِعْمَ الرَّجُلُ زيدٌ).
قال: ولو قُلت: مَرَرْتُ بأخيه أبوك، كان مُحالًا أن يرفع الأب بالأخ. أي: لأن الصفة تجرى مجرى الفعل إذا كانت نكرة غير مختصةٍ.
قال: وهي في مَرَرْت بأبي عشرةٍ أبوه.
[ ١ / ٢٤٠ ]
قال أبو بكر: يريد بأبي عشرةٍ أبوه، أي بِرجل أبي عشرة أبوه، وإنما ذكر النعت وحدهُ اختصارًا.
قال: وبأبي العشرة أبوه إذا لم يمكن شيئًا بعينه يجوز على استكراه.
فإن جعلت الأخ صفة للأوّل لم تمتنع كما يمتنع إذا جعلته لما هو من سبب الأول، كقولك: مَرَرْت بزيدٍ أخيه أبوك. وإنما لم يمتنع إذا خلصته للأوّل، لأن الذي يرتفع به مضمر هو ضمير الموصوف فإذا جعلتهُ لما هو من الأوّل امتنع أن يرتفع به ما هو من سبب الأول، لأن الذي يرتفع به اسمٌ ظاهر، وقد تقدَّم الكلام في هذا.
قال أبو علي: الصفات التي جرت على النَّكرات فارتفع بها ما كان من سببها إذا أُريد إجراؤها على المعارف، رفع ما كان من سببها بها أدخل عليه الألف واللام، فإن كانت الصفة على زنة فاعل، أو كانت
[ ١ / ٢٤١ ]
مشبهة به، دخلها الألف واللام على معنى الذي، فصار الاسم بمعنى (الفَعْل)، ووقع ما يتصل به صفة للمعرفة، فقولك: مَرَرْتُ بأخيك الضَّارِبه عمرٌو، تقديره: الذي ضربهُ عَمْرٌو، وقولك: مَرَرْتُ بالحَسن وجهُه أي بالذي حسن وجهه، ولولا أن الألف واللام بمعنى الذي، لم يَحْسُن أن يعمل الاسم الذي دخلت عليه عمل الفعل، لما كان يحدث فيه بدخولها من التعريف، والاسم الذي يعمل عمل الفعل لا يكون مُعَرَّفًا، كما أن الفعل لا يكون كذلك، ويدُلُّك على أن الألف واللام بمعنى الذي في هذه الصفات أنَّ ما وقع في صلتها لا يجوز تقديمُه عليها، كما أن ما يقع في صلة الذي لا يجوز تقديمه عليه، فالمعملُ عمل الفعل في قولك: (مَرَرْتُ بأخيك الضَّارِبُهُ زيدٌ) باق على تنكيره لم يحدث فيه تعريف، إذ كان معناه: مررتُ بأخيك الذي ضربه عمرو، فالمعمل (ضَرَبَ، وحَسُنَ) وأشباههما.
وكان أبو بكر يقول في هذا: ليس إقامتهم الاسم هنا مقام الفعل بأعْجَب من إقامتهم الحرف مقام الاسم، بل إقامة الاسم مقام الفعل أقرب لأنه من لفظِه، وليس الحرف كالاسم.
[ ١ / ٢٤٢ ]