وذلكَ قولُكَ (^٢): في الجَزْمِ: لم يَقُمْ (^٣)، ولم يَبعْ، ولم يَخَفْ، وفي الوقفِ في الأمْرِ إِذَا قلتَ: قُمْ (^٤)، وَبِعْ، وخَفْ (^٥)، فقولكَ: لم يَقمْ (^٦)، الأصلُ فيه قَبْلَ الجَزْمِ "يقومُ" (^٧)، فإِذا جَزَمْتَ، سَكَنَ لأمُ الفعلِ للجزمِ، وحروفُ اللينِ قبلَها ساكنةً؛ فَحَذَفْتَهُنَّ لالتقاءِ الساكنينِ. والوقفُ في الأمرِ فيما (^٨) وَصفْتُ كالجزمِ.
فإِذَا أُسْنِدَ شَيءٌ من هذهِ الأفعالِ إلى ضميرِ الاثنينِ والجماعةِ (^٩) قُلْتَ: لَمْ يقولا، وَلَمْ يبيعا، ولم يَخَافَا (ولم تَقُلْ: لم يَقُلا ولا لم يَخَفَا) (^١٠). لأنَّ لامَ الفعْلِ في لم (^١١) يَخَافا، ليس أَصلُهَا في هذا الموضعِ السكون للجزمِ ولا للوقْفِ، كما كانَ في لم يَخَفْ وخَفْ، وإنَّما (^١٢) علامةُ الجزمِ هاهنا (^١٣) حذفُ النُّونِ.
_________________
(١) ف، مجموعة م عدا س: "في" كلمة.
(٢) ي: "قولهم".
(٣) غيرالأصل: "لم يقل".
(٤) غير الأصل: "قل".
(٥) س: "خف وقل وبع".
(٦) غيرالأصل: "لم يقل".
(٧) غير الأصل: "يقول".
(٨) ص، ي "على ما".
(٩) غير الأصل: "أو" الجماعة أولى.
(١٠) سقط ما بين القوسين من الأصل. وأُضِيف إلى حاشيته. وهو مثبت في بقية النسخ. واثباته أولى.
(١١) سقطت "لم" في: ي.
(١٢) ف، مجموعة م: "إنما".
(١٣) ك، ل، ف: "هنا".
[ ١٨٩ ]
ولا يجوزُ أَن تقدِّرَ الفِعْلَ منفصلًا مِنَ الفاعلِ، كأنَّكَ جَزَمْتَ الفعلَ ثم ألحقْتَ علامة الضميرِ؛ لأنَّ الفاعلَ متَّصلٌ بفعلهِ كالجُزْءِ منهُ منْ حيثُ كانَ إعرابُ الفعْلِ (^١)، بَعْدَهُ نحوُ: يضربانِ ويضربونَ. ومن ثم أُسْكنَتْ لامُ. الفَعْلِ في أمثلةِ الماضي؛ إذا قلتَ: ضربْتُ ودعوْتُ.
وممَّا حُرِّكَ لالتقاءِ السَّاكنينِ، وإنْ لم يَكنْ أَحدُ الحرفينِ من حروفِ اللّينِ قولُهم في الأمرِ: انْطَلقْ (^٢)، لما كانَ "طَلِقٌ" منِ "انْطَلقْ"، مثلَ "كَتفٍ" أَسْكَنَ اللّامَ التي هي عينٌ، كما أَسْكَنَ التَّاءَ من (^٣) "كتفٍ"، فالتقى ساكنانِ: اللّامُ والقافُ، حَرَّكِ القافَ بالفتحِ، وأتبعهُ حركةَ أقربِ المتحركاتِ إليهِ، كما فعلَ ذلكَ من قَالَ: رُدُّ وفِرِّ وعَضَّ، وعلى ذلكَ ما أنشدهُ الخليلُ (^٤) من قولِ الشَّاعرِ:
[٣] عَجِبْتُ لمولودٍ ولَيَسْ لَهُ أَبٌ … وذي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أَبَوَانِ (^٥)
_________________
(١) ص: "الإعراب للألف". سهو، ي: الإعراب في الفعل.
(٢) ي: انطلق "إليه".
(٣) هنا يبدأ سقط في "ص" مقداره ثلاث صفحات ونصف تقريبًا من الأصل.
(٤) سيبويه ١/ ٣٤١.
(٥) لرجل من أزد السراة ونسبه العيني أيضًا لعمرو الجبنى، الشاهد فيه قوله: "لم يلده"، فخفف اللام فأسكن فقال: "يلده" للجازم فالتقى ساكنان، فحرك أقرب المتحركات إليه، وهي الفتحة لأن الياء مفتوحة فحمل الدال عليها، ولم يعتد باللام الساكنة؛ لأن الساكن غير حاجز حصين، والبيت لغز، فالمولود الذي ليس له أب عيسى ﵇ والوالد الذي ليس له أبوان آدم ﵇، ويقال إنما يراد به القوس وولده السهم؛ لأنه لا يتخذ القوس إلا من شجرة واحدة مخصوصة. روى منسوبًا في: القيسي (٧٥ ظ)، سيبويه والشنتمري ١/ ٣٤١، ٢/ ٢٥٨، الأصول ١/ ٢٨٩، السيرافي (١٣٧ نحو) (٣/ ٧٦ ظ)، المخصص ١٤/ ٢٢١، الشواهد الكبرى ٣/ ٣٥٤، الخزانة ١/ ٣٧٩، شواهد المغني ١٣٦، الأشباه والنظائر ١٣٦. وروي غير منسوب في: الكامل للمبرد ٥٣٧، الحجة ١/ ٣١٠، الموشح ١٤٧، توجيه إعراب أبيات ٢٥٧، الخصائص ٢/ ٢٣٣، الخصص ١٧/ ٦٣، ابن يعيش ٩/ ١٢٦، شرح الجمل=
[ ١٩٠ ]
ومثلُ ذلكَ في الاسكانِ قراءةُ مَنْ قَرَأ: (ويَخْشَى اللهَ ويَتَّقِهْ فأولئكَ) (^١)، ولَيْسَ ذلكَ على نحو ما أنشده أبو زيد (^٢) (لعذافر الكندي) (^٣):
[٤] قالتْ سُلَيْمَى: اشْتَرْ لَنَا سَوِيْقَا (^٤).
لأنْ ذلكَ إنَّما يجوزُ في الشّعْرِ، قالَ (^٥):
_________________
(١) = ١/ ٣٥٤، شواهد التوضيح والتصحيح ١٠٥، مغنى اللبيب ١/ ١٣٥، الهمع ١/ ٥٤، منهج السالك ٢/ ٣١٤. وروي "إلا رب مولود" في السيرافي -وذكر أيضًا رواية التكملة-، وابن يعيش، وشواهد التوضيح، والمغنى، وشواهده، ومنهج السالك.
(٢) آية ٥٢/النور ٢٤. وسقطت "فاولئك" من "ي". قرأ بإسكان الهاء "ويتقه" أبو بكر وأبو عمر ووخلاد "بخلاف عنه". وقرأ قالون باختلاس كسرتها. انظر التيسير ١٦٢ - ١٦٣، الكشاف ٣/ ٧٢، البدور الزاهرة ٢٢٢.
(٣) أبو زيد (١١٩ - ٢١٥ هـ): هو سعيد بن أوس الأنصاري البصري، وكان عالمًا بالنحو ولكنه لم يكن مثل الخليل وسيبويه؛ إذ غلبت عليه اللغة والنوادر والغريب. وفي كتبه في اللغة من شواهد النحو عن العرب ما ليس لغيره. وكان مع كثرة سماعه عن العرب ثقةٌ مقبول الرواية: قال ابن مناذر: "أما الأصمعي فأحفظ الناس، وأما أبو عبيدة فأجمعهم، وأما أبو زيد الأنصاري فأوثقهم". وانفرد عن نحاة البصرة بأنه أخذ عن الكوفيين إذ روى في كتبه عن المفضل الضبي. انظر ترجمته في: أخبار النحويين ٤١ - ٤٥، مراتب النحويين ٤٢ - ٤٤، طبقات الزبيدي ١٨٢ - ١٨٣، معجم الأدباء ١١/ ٢١٢ - ٢١٧، إنباه الرواة ٢/ ٣٠ - ٣٥، ابن خلكان ١/ ٢٦٠.
(٤) النسبة من "ل".
(٥) الشاهد فيه إسكان الراء من قوله "اشتر لنا " لأن " ترل" من الكلمة كعلم، فأجرى الكلميتين مجرى الكلمة الواحدة، فسكن ضرورة، كما يقولون في ظرف: ظرف، وفي كبد كبد. وهو غير منسوب لأحد في القيسي (٧١ و)، السيرافي (٥٢٨ نحو (١/ ٢٧٠ و٣/ ٦ / ٣٣٣ والحجة ١/ ٥٠، المحتسب ١/ ٣٦١، الخصائص ٢/ ٣٤٠، النصف ٢/ ٢٣٧، الكشاف ٣/ ٧٢، اللسان (خردق) ١١/ ٣٦٥، شواهد الشافية ٢٢٤. وروي "لنا دقيقًا" في: السيرافي (١/ ٢٧٠) والحجة والمحتسب.
(٦) سقطت "قال في: ف. أ
[ ١٩١ ]
[٥] فَبَاتَ منْتَصْبًا وما تَكَرْدَسَا (^١).
ومما حُرِّكَ لالتقاءِ الساكنينِ بالكَسْرِ في كلمةٍ قَوْلُهُمْ: "لم أبَلِهْ" (^٢)، الأصْل: أبَالي (^٣) فَحَذَفَ الياءَ للجزمِ، فصارَ "بَالِ"، فلما كَثُرَ في الكلامِ، لم يعْتَدَّ بذلكَ المحذوفِ الذي هو الياءُ، فَحُذِفَتِ الحركة للجزمِ، فالتقتِ اللام من "أبَالْ"، ساكنةً، مَعَ الألفِ فلمّا التقى ساكنانِ، حُذِفَتِ الألفُ، وألْحقَ (^٤) الهاءُ للوَقْفِ، كما تُلْحَق في أزْمِهْ، فَحَرَّكَ اللامَ بالكَسْرِ لالتقاءِ الساكنينِ، هي (^٥) والهاءُ التي ألْحِقَتْ للوقْفِ، فلم يَردَّ الألفَ التي كانَ حَذَفَها لالتقاءِ الساكنينِ؛ لأن الهاءَ التي (^٦) للْوَقْفِ لا تلزم. ألا تَرَاهَا تسقطُ في الدَّرْجِ، كما لم يرَدِّ الألفَ في: رَمَتِ المرأة.
ومن ذلكَ قولهم في الوقفِ: "هذا النَّقرْ"، لَما التقى ساكنانِ في قولهمْ في (^٧) النَّقْرْ؛ إذا وَقَفَ حُرِّكَ الأوَّل منهما بالحركةِ التي كانتْ تكون
_________________
(١) للعجاج في وصف ثور وحشي. وقد سكن قوله "منتصبًا" تخفيفًا. ومثل الشاهد في إسكان المتحرك في الشعر ما وقع في بيت الأخطل: إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا وإن شهد أجرى فيضه وجداوله (الديوان ٦٤). وفي النثر ما حكاه صاحب الكتاب ١/ ٢٥٨: "أراك منتفجًا". وقرأ أبو عمرو: ورسلنا وسبلنا (التيسير للداني ٧٢). ديوانه ق ١٦/ ٤٤ ص ٢٢، ومنسوب له في القيسي (٧١ و)، الحجة ١/ ٣٠٩، ولخصائص ٢/ ٣٣٨، اللسان (كردس) ٨/ ٦٩، شواهد الشافية ٣٢. وهو غير منسوب في: الخصائص ٢/ ٢٥٤، اللسان مواد: (نصب) ٢/ ٢٥٥ و(نصص) ٨/ ٣٦٨، شرح الرضي على الشافية ١٨. ورايته في الديوان "فبات منتصًا" ولا شاهد فيه على هذا.
(٢) انظر التصريف للمازنى، والمنصف عليه ٢/ ٢٣٢.
(٣) ف، ي: "لم أبالي". سهو.
(٤) ل، ي: "ولحقت".
(٥) سقطت "هي" في: ي.
(٦) سقطت "التي" في: ي.
(٧) سقطت "في" في: ك، ع، ي.
[ ١٩٢ ]
للثاني في الدَّرْجِ وكذلكَ بالنَّقْرِ، فإِذا قالَ: رأيْتُ "النَّقْرْ"، لم يَفْتَحْ القافَ فيقولُ: "النَّقَرْ" في قولِ سيبويهِ (^١)؛ لأنهَ لما (^٢) لم يلزمِ الراءَ السكونُ قَبْلَ (^٣) دخول الألفِ واللَام الكلمةَ لإبدالِ الألفِ من التنوينِ في: "صَادَفْتُ نَقْرَا"، أَجْرَى الألفَ واللامَ في ذلك مُجْرَاهُ، من حيثُ لم يَلزما الكلمةَ. قالَ في الرفعَ:
[٦] وأنا آبنُ ماويةَ إذْ جَدَّ النَّقْرْ (^٤).
_________________
(١) سيبويه (١٢١ - ١٦١ هـ). هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي، وسيبويه لقب بالفارسية معناه رائحة التفاح، وكان من أهل فارس لكنه نشأ في البصرة فصار إمام البصريين في النحو، غير منازع، وكان أعلم المتقدمين والمتأخرين في النحو، ولم يوضع فيه مثل كتابه. أخذ النحو عن الخليل بن أحمد. تناظر مع الكسائي بحضرة الأمين فغلب بعد ما قيل من أنهم تحاملوا عليه، وتعصبوا ضده. فقصد فارس مغتمًا، وتوفي بقرية من قرى شيراز. انظر ترجمته في: أخبار النحويين ٣٧ - ٣٨، مراتب النحويين ٦٥، طبقات الزبيدي ٦٦ - ٦٧٤ معجم الأدباء ١٦/ ١١٤ - ١٢٧، إنباه الرواة ٢/ ٣٤٦، بغية الوعاة ٣٦٦، سيبويه إمام النحاة، للأستاذ علي النجدي ناصف. ونص قوله الذي أشار إليه أبو على هو: "ولا يقال في الكلام إلا النقر في الرفع وغيره، (الكتاب ٢/ ٢٨٤).
(٢) سقطت "لما" في: ف.
(٣) ك: "من" قبل.
(٤) نسب هذا الرجز لبعض السعديين أو لعبد الله (أبو عبيد أو عبيد الله) ابن ماوية الكلبي أو الطائي (وماوية الله امرأة)، ونسب أيضًا لفدكي بن أعبد المنقري. الشاهد فيه: انتقال حركة الراء إلى القاف بسبب الوقف حتى لا يجتمع ساكنان ليس الأول منها حرف مدولا حرف لين. والنقر: صوت يسكن به الفرس عند احتمائه. ورد منسوبًا (على اختلاف، فيما تقدم في نسبته) في: القيسي (٧١ و)، سيبويه والشنتمري ٢/ ٢٨٤، الكامل للمبرد ٣٢٤، اللسان (نقر) ٧/ ٨٩، شواهد المغنى ٢٨٥، الشواهد الكبرى ٤/ ٥٥٩. وغير منسوب في جمل الزجاجي ٣٠٠، الحجة ١/ ٢٦٢، الصحاح (نقر) ٢/ ٨٣٥، الإنصاف ٢/ ٢٩٠، المغنى ٢/ ٤٣٤. وذكر القيسي أنه يروي: "إذ جد النفر" بالفاء. وقال: "هو أشبه بالمعنى".
[ ١٩٣ ]
وقال في الجرِّ:
[٧] شُرْبَ النَّبيذِ واصْطِفاقًا بالرِّجِلْ (^١).
ولا يقولونَ: "هذا عِدُلٌ"؛ لأنهُ يخرجُ إلى ما ليسَ في الكلامِ (^٢)، ولا مَرَرْتُ (^٣) بالبُسِرْ (^٤)؛ لأنهُ يخرجُ إلى ما ليس في الأسماءِ.