أجمع النحاة على جواز إحلال الظاهر محل الضمير في الربط وذلك في مقام التفخيم والتعظيم بشرط أن يكون الإسم الظاهر بلفظ الأول كقوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ .
وقد أجاز الأخفش في الجملة الخبرية أن يكون رابطها إعادة المبتدأ بالمعنى كما لم يستبعد ذلك ابن عصفور إلا أنه وصفه بأنه قليل جدًا٤.
وقد استدل الأخفش بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٥ فإن وما بعدها خبر لمن الأولى ولا ضمير في الجملة الخبرية يعود عليها فيكون الرابط عند الأخفش إعادة المبتدأ بمعناه إذ المعنى عنده فإن الله يضله٦، ومما استدل به الأخفش أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ فقوله: إنا لا نضيع إلى آخر الآية جملة في موضع رفع خبر إن الأولى
_________________
(١) ٣ البيت استشهد به النحاة على إضافة كل إلى اسم ظاهر حاشية الصبان جـ ٣ ص ٧٥. ٤ ابن عصفور: شرح الجمل جـ ١ ص ٣٤٦. ٥ الآية رقم ٨ من سورة فاطر. ٦ ابن عصفور: شرح الجمل جـ ١ ص ٣٤٥
[ ١٥٣ ]
وليس في جملة الخبر ضمير يعود على اسم إن، فالرابط إعادة المبتدأ بمعناه إذ التقدير عند الأخفش إنا لا نضيع أجرهم، ومثل هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِين﴾، فالذين: مبتدأ، وجملة إنا لا نضيع أجر المصلحين هي الخبر، والرابط إعادة المبتدأ بمعناه فإن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب.
وهذا الذي استدل به الأخفش لا حجة له فيه:-
أما قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ ١ فقد رأى ابن عصفور والزمخشري وأبو حيان أن الخبر محذوف، وقد حذف عند ابن عصفور٢ لدلالة ما تقدم عليه.
وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ٣ فهو في التقدير: أفمن زين له سوء عمله فله عذاب شديد أما من آمن وعمل صالحًا فله مغفرة وأجر كبير فحذف لفهم المعنى.
وقيل الخبر محذوف تقديره كمن لم يزين له سوء عمله كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ ٤.
وقال الكسائي: "تقديره: ذهبت نفسك عليهم حسرات لدلالة قوله تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ " وقيل تقديره: كمن هداه الله لدلالة قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وإلى الرأيين الأخيرين ذهب الزجاج٥، وما ذهب إليه الأخفش في الآية الكريمة لم يشر إليه الزمخشري وأبو حيان.. وتأتي إلى الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..﴾ إلى آخر الآية كيف قدر النحاة خبر إن؟.
_________________
(١) ١ الآية رقم ١٧٠ من سورة الأعراف. ٢ ابن عصفور: شرح الجمل جـ١ ص ٣٤٦. ٣ الآية رقم ٧ من سورة فاطر. ٤ الآية رقم ١٤ من سورة محمد ٥ الزمخشري: الكشاف جـ ٢ ص ٥٧١. أبو حيان: البحر المحيط جـ ٧ ص٣٠٠
[ ١٥٤ ]
ذهب ابن عصفور١ والزمخشري وأبو حيان- إلى أن الخبر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّات﴾، وما بين المبتدأ والخبر اعتراض.
أو الخبر هو من أحسن عملًا، والرابط محذوف والتقدير منهم.
ويحتمل أن تكون الجملتان خبرين لإن على مذهب من يقتضى المبتدأ خبرين فصاعدًا من غير شرط أن يكونا في معنى خبر واحد٢.
ونصل بعد ذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ وهي الآية التي كثر تداولها في كتب النحو دليلًا للأخفش على جواز الربط بالمعنى، ذهب جمهور النحاة إلى أن الرابط في الآية هو العموم٣ الموجود في ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾ لأن المصلحين أعم من المذكورين، وذكر أبو البقاء أن الرابط لجملة الخبر محذوف والتقدير منهم٤ ويمكن أن يكون الخبر محذوفًا والتقدير مأجورون.
وأجاز الزمخشري٥ أن يكون والذين في موضع جر عطفًا على الذين يتقون، ولم يذكر ابن عطية غيره، والإستئناف هو الظاهر.
وبعد كل هذه المناقشات نستطيع أن نقول الربط في الجملة الخبرية بالمعنى قليل جدًا.
_________________
(١) ١ ابن عصفور: شرح الجمل جـ ١ ص ٣٤٦. الزمخشري: الكشاف جـ ٢ ص ٢٥٨. أبو حيان. البحر المحيط جـ ٦ ص ١٢١. ٢ أبو حيان: البحر المحيط جـ ٦ ص ١٢٢. ٣ أبو حيان: البحر المحيط جـ ٤ ص ٤١٨. السيوطي: همع الجوامع جـ ١ ص ٩٨ ٤ أبو البقاء: جـ ١ ص ٢٨٨. الزركشي: البرهان في علوم القرآن جـ ٤ ص ٤١٨. ٥ الزمخشري: الكشاف جـ ١ ص ٥٨٦.
[ ١٥٥ ]