حادي عشر: الربط بأل
من الموضوعات التي شكلت خلافًا بين البصريين والكوفيين الربط بأل.
فهل تقع أل رابطة في التراكيب العربية أم أنها لم ترد في اللغة رابطة؟ فمن مسائل الصفة المشبهة الحسن الوجه برفع المعمول، وجميل الصوت برفعه ولما كان معول الصفة المشبهة لابد وأن يكون سببيًا متصلًا بالضمير فقد جعل الكوفيون وبعض البصريين "أل" رابطة نائبة٤ عن الضمير في الأمثلة السابقة وما يشبهها، وفي قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ
_________________
(١) ٢ ابن مالك: شرح الكافية الشافية جـ ١ ص ٧٦١. ٣ سيبويه: الكتاب. هارون جـ ١ ص ١٩٧. ٤ حاشية الصبان جـ ٣ ص ٥.
[ ١٦٤ ]
الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ١ في هذه الآية الكريمة جعل الكوفيون "آل" في ﴿الْمَأْوَى﴾ رابطة٢ نائبة عن الضمير.
وقد جعل البصريون الرابط في ذلك هو الضمير المحذوف ولم يرتضوا أن تكون أل رابطة فقدروا في الأمثلة السابقة الحسن الوجه منه، وفي الآية المأوى له وللزمخشري في الآية الكريمة رأي يكاد يكون غريبًا، فقد قال: "إن المعنى في الآية أن الجحيم مأواه كما تقول للرجل: غض الطرف أي طرفك، وليست الألف واللام بدلًا من الإضافة. ولكن لما علم أن الطاغي هو صاحب المأوى وأنه لا يغض الرجل طرف غيره تركت الإضافة ودخول أل في المأوى والطرف للتعريف"٣.
وكلام الزمخشري لا يتحصل منه الرابط العائد على المبتدأ، إذ قد نفى مذهب الكوفيين، ولم يقدر ضميرًا محذوفًا كما قدره البصريون فرام حصول الرابط بلا رابط ٤ومما استدل به الكوفيون قول المرأة: زوجي: المس ٥ مس أرنب والريح ريح زرنب فقالوا: الأصل مسه مس أرنب، وريحه ريح زرنب فنابت أل مناب الضمير، والبصريون يقدرون المس منه.
ومثله عند الكوفيين قول الشاعر:-
كأن حَفِيفَ النَّبْلِ من فوقِ عَجهَا عَوَازِبُ نخْلٍ أخْطَأ الفار مُطْنِفُ ٦
وقد رد البصريون كل ما أوردوه الكوفيون وذلك بتقرير الضمير الذي جعلوه في كل
_________________
(١) ١ الآية رقم ٤٠، ٤١ من سورة النازعات. ٢ ابن يعيش: شرح المفصلي جـ ٦ ص ٨٩. ابن هشام: المغنى ص ٥٥٥. ٣ الزمخشري: الكشاف جـ ٣ ص ٣١١. ٤ أبو حيان: البحر المحيط جـ ٨ ص ٤٢٣. ٥ حاشية الصبان جـ ١ ص ١٩٥. والحديث عن عائشة ﵂ قالت:" جلست احدي عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا فقالت الأولى: زوجي ثم قالت الثامنة زوجي المسى مس أرنب والريح ريح زرنب ". الحديث. فتح الباري جـ١ ص ٢٥٤، كتاب النكاح. باب حسن المعاشرة مع الأهل. والمعنى أنه حسن الخلق. طيب العرق لكثرة نظافته واستعماله الطيب. راجع جـ١ ص ٢٦٥. ٦ قاله الشنفري: عمرو بن براق. حفيف النبل. دون ذهابه، ومن فوق عجها. حال من النبل. أي فوق مقبض القوس. وعوازب نحل: خبر كان جمع عازبة من عزبت الإبل: إذا بعدت في المرعى ومطنف: بضم الميم وكسر النون: الذي يعلو الجبل. واستشهد به الكوفيون على إنابة أل في الربط مناب الضمير فالأصل أخطأ فارها ثم صارت بعد الإنابة أخطأ الفار. المصدر السابق جـ ٣ ص ٦٣.
[ ١٦٥ ]
هذه الأمثلة هو الرابط إذ إبدال اللام من الضمير فيما يشترط فيه الضمير قبيح. والحرف لا يكون عوضًا عن الإسم١، ولو صح ما ذهب إليه الكوفيون لساغ لنا أن نقول: محمد الأب ٢ قائم، بدلًا من أبوه قائم، ولم يقل بذلك أحد. بالإضافة إلى أنه قد ورد التصريح بالضمير مع أل كقول الشاعر:-
رحيبٌ قِطَابُ الجيبِ منها رقيقةٌ بِجَسِّ الندامى بقَّةُ المتجِّردِ٣
فقد جمع الشاعر بين أل والضمير في قوله: الجيب منها.
_________________
(١) ١ الرضى: شرح الكافية جـ ٢ ص ٢١٠. ٢ حاشية الصبان جـ ١ص ١٩٥. ٣ البيت من معلقة طرفة بن العبد. والتي مطلعها: لخولة أطلال ببرقة تَهْمُدُ. رحيب: خبر مقدم. وقطاب الجيب: مخرج الرأس من الثوب. بضة: رقيقة ناعمة. المتجرد: المعرى عن الثياب من بدنها. بجس الندامى: بلمسهم. والشاهد في البيت: الجمع بين أل والضمير في قوله: الجيب منها أشعار الشعراء الستة الجاهليين جـ١ ص ٤٩. التصريح جـ ٢ ص ٨٣. ٤ حاشية الصبان جـ ٢ ص ٩٧. التصريح جـ ١ ص ٣١٥. ٥ الآية رقم ١٧٦ النساء. ٦ أبو حيان: البحر المحيط جـ ٣ ص ٤٠٥.
[ ١٦٦ ]