فصل
قصدي في هذا الكتاب أن احذف من النحو ما يستغني النحويُّ عنه، وأنبه على ما اجمعوا على الخطأ فيه.
فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا (ضرب زيدٌ عمرًا) أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو إنما أحدثه ضرب. ألا ترى سيبويه - ﵀ - قال في صدر كتابه: وإنما ذكرت ثمانية مجارٍ، لا فرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدثه فيه العامل، وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء احدث ذلك فيه؟ فظاهر هذا أن العامل أحدث الإعراب، وذلك بيَّن الفساد.
وقد صرح بخلاف ذلك أبو الفتح بن جنى وغيره قال أبو الفتح في خصائصه، بعد كلام في العوامل اللفظية والعوامل المعنوية: وإما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من النصب والرفع والجر والجزْم، إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره فأكد المتكلم بنفسه ليرفع الاحتمال، ثم زاد تأكيدًا بقوله: لا لشيء غيره. وهذا قول المعتزلة. وأما مذهب أهل الحق فإن هذه الأصوات إنما هي من فعل الله تعالى، وإنما تنسب إلى
[ ٦٩ ]
الإنسان كما ينسب إليه سائر أفعاله الاختيارية.
وإما القول بان الألفاظ يحدث بعضها بعضا فباطل عقلًا وشرعًا، لا يقول به أحدًا من العقلاء لمعانٍ يطول ذكرها فيما المقصد إيجازه: منها أن شرط الفاعل أن يكون موجودًا حينما يفعل فعله، ولا يحدث الإعراب فيما يحدث فيه إلا بعد عدم العامل، فلا ينصب زيد بعد أن في قولنا (إن زيدًا) إلا بعد عدم إن.
فان قيل بِمَ يُرَدُّ على من يعتقد أن معاني هذه الألفاظ هي العاملة؟ قيل: الفاعل عند القائلين به إما أن يفعل بإرادة كالحيوان، وإما أن يفعل بالطبع كما تحرق النار
ويبرد الماء، ولا فاعل إلا الله عند أهل الحق، وفعل الإنسان وسائر الحيوان فعل الله تعالى، كذلك الماء والنار وسائر ما يفعل، وقد تبين هذا في موضعه. وإما العوامل النحوية فلم يقل بعملها عاقل، لا ألفاظها ولا معانيها، لأنها لا تفعل بإرادة ولا بطبع.
فإن قيل: إن ما قالوه من ذلك إنما هو على وجه التشبيه والتقريب، وذلك أن هذه الألفاظ التي نسبوا العمل إليها إذا زالت زال الإعراب المنسوب إليها، وإذا وجدت وجد الإعراب، وكذلك العلل الفاعلة عند القائلين بها. قيل: لو لم يسقهم جعلها عوامل إلى تغيير كلام العرب، وحطَّه عن رتبة البلاغة إلى هُجْنَه العيّ، وادعاء النقصان فيما هو كامل وتحريف
[ ٧٠ ]
المعاني عن المقصود بها لسومحوا في ذلك، وإما مع إفضاء اعتقاد كون الألفاظ عوامل إلى ما أفضت إليه فلا يجوز إتباعهم في ذلك.
واعلم أن المحذوفات في صناعتهم على ثلاثة أقسام: محذوف لا يتم الكلام إلا به، حُذف لعلم المخاطب به، كقولك لمن رأيته يعطي الناس: (زيدًا) أي أعط زيدًا فتحذفه وهو مراد وان أظهر تم الكلام به ومنه قول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ، قُلِ الْعَفْوَ﴾ على قراءة من نصب وكذلك من رفع وقوله ﷿: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾.
[ ٧١ ]
والمحذوفات في كتاب الله تعالى لعلم المخاطبين بها كثيرة جدًَّا، وهي إذا أظهرت تمَّ بها الكلام، وحذفها أوجز وابلغ.
والثاني محذوف لا حاجة بالقول إليه، بل هو تامٌّ دونه، وإن ظهر كان عيبًا كقولك: (أزيدًا ضربته) قالوا إنه مفعول بفعل مضمر تقديره أضربت زيدًا. وهذه دعوى لا دليل عليها إلا ما زعموا من أن (ضربت) من الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد، وقد تعدى إلى الضمير، ولا بد لزيد من ناصب إن لم يكن ظاهرًا
فمقدر، ولا ظاهر، فلم يبقى إلا الإضمار. وهذا بناء على أن كل منصوب فلا بد له من ناصب! ويا ليت شعري ما الذي يضمرونه في قولهم: (أزيدًا مررت بغلامه) وقد يقول القائل منا ولا يتحصَّل له ما يضمر! والقول تام مفهوم، ولا يدعو إلى هذا التكلف إلا وضع: كل منصوب فلا بد له من ناصب. فهذا القسم الثاني.
وأما القسم الثالث فهو مضمر، إذا أُظهر تغير الكلام عما كان عليه قبل إظهاره، كقولنا: (يا عبد الله)، وحكم سائر المناديات المضافة والنكرات حكم عبد الله، وعبد الله عندهم منصوب بفعل مضمر تقديره أدعو أو أنادي. وهذا إذا أُظهر تغير المعنى وصار النداء خبرًا. وكذلك النصب بالفاء والواو: ينصبون الأفعال الواقعة بعد هذه الحروف بأنْ، ويقدرون أنْ مع الفعل بالمصدر، ويصرفون الأفعال الواقعة قبل هذه الحروف إلى مصادرها، ويعطفون المصادر على المصادر بهذه الحروف. وإذا فعلوا ذلك كله لم يُرَدْ معنى اللفظ الأول! ألا ترى انك إذا
[ ٧٢ ]
قلت: (ما تأتينا فتحدثنا) كان لها معنيان: أحدهما (ما تأتينا فكيف تحدثنا) أي أن الحديث لا يكون إلا مع الإتيان، وإذا لم يكن الحديث، كما يقال: (ما تدرس فتحفظ) أي أن الحفظ إنما سببه الدرس، فلا حفظ. والوجه الآخر (ما تأتينا محدثًا) أي انك تأتي ولا تحدِّث، وهم يقدرون الوجهين: (ما يكون منك إتيان فحديث) وهذا اللفظ لا يعطى معنى من هذين المعنيين.
وهذه المضمرات التي لا يجوز إظهارها لا تخلو من أن تكون معدومة في اللفظ، موجودة معانيها في نفس القائل، أو تكون معدومة النفس، كما أن الألفاظ الدالة عليها معدومة في اللفظ. فإن كانت لا وجود لها في النفس ولا للألفاظ الدالة عليها وجودٌ في القول، فما الذي ينصب إذن؟ وما الذي يُضمر؟ ونسبة العمل إلى معدوم على الإطلاق محال. فإن قيل أن معاني هذه الألفاظ المحذوفة موجودة في نفس
القائل، وإن الكلام بها يتمّ، وإنها جزء من الكلام القائم بالنفس، المدلول عليها بالألفاظ، إلا إنها حذفت الألفاظ الدالة عليها إيجازًا، كما حذفت مما يجوز إظهاره إيجازًا لزم أن يكون الكلام ناقصًا، وأن لا يتمّ إلا بها، لأنها جزء منه، وزدنا في كلام القائلين ما لم يلفظوا به، ولا دلنا عليه دليل إلا دعاء أن كل منصوب فلا بد له من ناصب لفظي. وقد فُرغَ من إبطال هذا الظن بيقين، وادعاء الزيادة في كلام المتكلمين من غير دليل يدل عليها خطأٌ بيِّنٌ، لكنه لا يتعلق بذلك عقاب، وأما طرد ذلك في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وادعاء زيادة معان فيه من غير حجة ولا دليل إلا القول بان كل ما ينصب إنما ينصب بناصب، والناصب لا يكون إلا لفظًا يدل على معنى أما منطوقًا به، وإما محذوفًا مرادًا، ومعناه قائم بالنفس، فالقول بذلك حرام على من تبين له ذلك، وقد قال رسول الله ﷺ: من قال في القرآن برأيه فأصاب
[ ٧٣ ]
فقد أخطأ. ومقتضى هذا الخبر النهي. وما نُهِى عنه فهو حرام، إلا أن يدل دليل. والرأي ما لم يستند إلى دليل حرام. وقال ﷺ: من قال في القرآن بغير علم فليتبوَّأ مقعده من النار. وهذا وعيد شديد، وما توعَّد رسول الله على فعله فهو حرام. ومن بني الزيادة في القرآن بلفظ أو معنى على ظن باطل، قد تبين بطلانه، فقد قال في القرآن بغير علم، وتوجَّه الوعيد إليه. ومما يدل على انه حرام الإجماع على انه لا يزاد في القرآن لفظٌ غير المجمع على إثباته، وزيادة المعنى كزيادة اللفظ، بل هي أحرى، لأن المعاني هي المقصودة، والألفاظ دلالات عليها، ومن اجلها.
فان قيل فقد اجمع النحويين - على بكرة أبيهم - على القول بالعوامل، وإن اختلفوا، فبعضهم يقول: العامل في كذا وكذا، وبعضهم يقول: العامل فيه ليس كذا، إنما هو كذا، على ما نفسره بعد إن شاء الله. قيل: إجماع النحويين ليس بحجة
على من خالفهم، وقد قال كبير من حذاقهم، ومقدَّم في الصناعة من مقدَّميهم، وهو أبو الفتح بن جنى في خصائصه: أعلم أن إجماع أهل البلدين (يعني البصرة والكوفة) إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده أن لا يخالف المنصوص والمقيس
[ ٧٤ ]
على المنصوص، فإذا لم يعط يده بذلك يكون إجماعهم حجة عليه، وذلك انه لم يرد ممن يطاع أمره في قرآن ولا سنة، أنهم لا يجتمعون على الخطأ، كما جاء النص عن رسول الله ﷺ من قوله: أمتي لا تجتمع على ضلالة، وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة، فكل من فرق له عن علة صحيحة، وطريق نهجهٍ، كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره إلا أنا مع هذا الذي رأيناه، وسوَّغنا مرتكبه، لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة - التي قد طال بحثها، وتقدَّم نظرها وتتالت أواخر على أوائل، وإعجازًا على كلاكل - والقوم الذين لا يُشك في أن الله، سبحانه وتقدست أسماؤه، قد هداهم لهذا العلم الكريم، وأراهم وجه الحكمة في الترحيب له والتعظيم، وجعله ببركاتهم، وعلى أيدي طاعتهم، خادمًا لكتابه المنزل، وكلام نبيه المرسل، وعونًا على فهمها، ومعرفة ما أمر به، أو نُهي عنه الثقلان منهما إلا بعد أن يناهضه إتقانًا ويثابته عرفانًا، ولا يخلد إلى سانح خاطره، ولا إلى أول نزوة من نزوات تفكره، فإذا هو حذا على هذا المثال، وباشر بإنعام تصفحه أحناء الحال، امضي الرأي فيما يريه الله منه غير معازٍّ به
[ ٧٥ ]
ولا غاضٍّ من السلف - ﵏ - في شيء منه، فإنه إذا فعل ذلك سُدِّد رأيه، وشُيِّع بالتوفيق خاطره، وكان للصواب مِئَنّة، ومن التوفيق مَظِنّة. وقد قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: ما على الناس شيء أضر من قولهم: ما ترك الأول للآخر شيئًا. وقد قال أبو عثمان المازني: وإذ قال العالم قولًا متقدمًا فللمتعلم الاقتداء به والانتصار له، والاحتجاج لخلافه ان وجد إلى ذلك سبيلًا، وقال الطائي الكبير:
يقولُ مَنْ تقرعُ أسماعَهُ كم ترك الأولُ للآخر!
فمما جاز خلاف الإجماع الواقع فيه منذ بدئ هذا العلم، وإلى آخر هذا الوقت، ما رأيته أنا في قولهم (هذا حُجْر ضبٍّ خربٍ)، فهذا يتناوله آخر عن أول، وتالٍ عن ماضٍ، على انه غلط من العرب، لا يختلفون فيه ولا يتوقفون عنه، وأنه من الشاذ الذي لا يُحمل عليه. ولا يجوز ردُّ غيره إليه. وأما أنا فعندي أن في القرآن من مثل هذا الموضع نيفًا على ألف موضع.
قال المؤلف - ﵁ - هنا قطعت نص كلامه، لأني
[ ٧٦ ]
أوردته وقصدي الإيجاز، وإنما سقت قوله المتقدم إتباعا لمن ألف الإتباع، فمذهب الجماعة في قول العرب (هذا حجر ضب خرب) ما ذكره. واختار أبو الفتح أن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وقال إن في القرآن نيفًا على ألف موضع، وتقديره عنده (هذا جحر ضبٍّ خربٍ جحره) فخرب نعت لضب، كما يقال (هذا فرسٌ عربيٌّ قارح فرسه) فقارح نعت لعربي وُصف به، وإن كان للفرس، لأنه من سببه، فحذف الجحر الذي هو المضاف، وهو فاعل مرفوع، ولقيم المضاف إليه مقامه، وهو الضمير العائد على الضب مقام الجحر، فارتفع بخرب عنده. والضمير إذا كان فاعلًا باسم الفاعل، أو بالصفة المشبهه باسم الفاعل، استكنّ فيهما على مذهبهم، وحذفُ المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مطرد، واستكنانُ الضمير في الصفة مطرد. لكن لقائل أن يقول لأبي الفتح: إن الحذف للمضاف لا يجوز إلا في المواضع التي يسبق إلى فهم المخاطب المقصود من اللفظ فيها كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾. وأما في المواضع التي يُحتاج في معرفة المحذوف منها تأمل كثير، وفكر طويل، فلا يجوز حذفه لما فيه من اللَّبْس على السامعين. وهذا من المواضع البعيدة، والدليل على ذلك انه قد مر هذا القول على إسماع قوم فهماء عارفين بالنحو واللغة. فلم يهتدوا إلى هذا
المحذوف، لأنه لو ظهر لكان قبيحًا، لو قالت
[ ٧٧ ]
العرب: هذا جحر ضبٍّ خربٍ جحره، قَبُح، لأنه عيٌّ من القول، تغني عنه ضمة الباء، ويكون الكلام وجيزًا فصيحًا، فلما كان أصله هكذا، ثم تُكلِّف فيه ما تُكلِّف من الحذف لما لا يسبق حذفه إلى الفهم بعُدَ. ثم إنه لو كان المضاف إليه ظاهرًا لكان أبين، ولكنه حُذِف المضاف، واستكن المضاف إليه، فعزب عن الفهم، وصار فهمه مع هذا الحذف والإضمار من تكليف ما لا يستطاع. واستنجاز أبو الفتح الرد على كل من تقدم بظن ليس بالقوي، فكيف بنا ونحن نرد عليهم الظنون الضعيفة بالأدلة الواضحة التي لا امتراء فيها لمنصف.
فإن زعم النحويين أنهم لم يريدوا بقولهم في (أزيدًا أكرمته) وما أشبه أن (أكرمت) الذي انتصب به زيدٌ مراد للمتكلم، ولا أن الكلام ناقص دونه، وإنما هو شيء موضوع مصطلح عليه، يُتوصَّل به إلى النطق بكلام العرب، كما فعل المهندسون حين وضعوا خطوطًا مصنوعة - هي في الحقيقة أجسام - مواضعَ الخطوط التي هي أطوال لا أعراض لها ولا أعماق، ونقطًا - هي أيضًا أجسام - مواضعَ النقط التي هي نهايات الخطوط، والتي لا أطوال لها ولا أعراض ولا أعماق، وقدروا في الفلك دوائر ونقطًا، وتوصلوا بذلك إلى البرهان على ما أرادوا أن يبرهنوا عليه، ولم يخلّ إيقاع هذه مواضع تلك بما قصدوا، بل حصل اليقين للمتعلمين تلك الصنعة، مع معرفتهم بوضع هذه موضع هذه. قيل للنحويين ليسوا بهؤلاء، لأنهم قالوا: إن كل منصوب فلا بد له من ناصب لفظي، فإن جعلوا هذه المحذوفات التي لا يجوز إظهارها معدومة على الإطلاق في اللفظ وفي الإدارة، والكلام تام دونها، فقد أبطلوا ما ادعوه من أن كل منصوب فلا بد له من ناصب، وأيضًا فإن وضع الأجسام مواضع الخطوط والنقد الهندسية تقريبٌ وعونٌ للمتعلم، ووضع هذه العوامل لا شيء فيه من ذلك، بل تقدير وتخييل.
[ ٧٨ ]
ومما يجري هذا المجرى من المضمرات التي لا يجوز إظهارها، ما يدعونه في المجرورات التي هي إخبار أو صلات أو صفات أو أحوال مثل (زيد في الدار، ورأيت الذي في الدار، ومررت برجل من قريش، ورأى زيد في الدار الهلال في السماء) فيزعم النحويون أن قولنا في الدار متعلق بمحذوف تقديره (زيد مستقر في الدار) والداعي لهم إلى ذلك ما وضعوه من أن المجرورات إذا لم تكن حروف الجر الداخلة عليها زائدة فلا بد لها من عامل يعمل فيها ان لم يكن ظاهرًا كقولنا (زيد قائم في الدار) كان مضمرا كقولنا (زيد في الدار). ولا شك أن هذا كله كلام تام مركب من اسمين دالين على معنيين بينهما نسبة وتلك النسبة دلت عليها (في) ولا حاجة بنا إلى غير ذلك. وكذلك يقولون في (رأيت الذي في الدار) تقديره (رأيت الذي استقر في الدار) وكذلك (مررت برجل من قريش) تقديره (كائن من قريش) وكذلك (رأيت في الدار الهلال في السماء) تقديره (كائنًا في السماء). وهذا كله كلام تام لا يفتقر السامع له إلى الزيادة (كائن ولا مستقر) وإذا بطل العامل والعمل فلا شبهة تبقر لمن يدعي هذا الإضمار.
ومما يجري هذا المجرى ما يدعونه من أن في أسماء الفاعلين والمفعولين والأسماء المعدولة عن أسماء الفاعلين والمشبهة بها، وما يجري مجري مجراها ضمائر مرتفعة بها، وذلك إذا لم ترتفع بها هذه الصفات أسماء ظاهرة مثل (ضارب ومضروب وضراب وحسن) وما جرى مجراها، وقالوا: أنها ترفع الظاهر في مثل قولنا (زيد ضارب أبوه عمرًا) فإذا رفعت الظاهر. فالمضمر أولى أن ترفعه، وقد بطل ببطلان العامل أنها ترفع الظاهر. وإذا كان ضارب
[ ٧٩ ]
موضوعًا لمعنيين: ليدل على الضرب، وعلى فاعل الضرب، غير مصرّح به (فإذا قلنا زيد ضارب عمرًا) فضارب يدل على الفاعل غير مصرح باسمه، وزيد يدل على اسمه. فيا ليت شعري ما الداعي إلى تقدير زائد، لو ظهر لكان فضلًا؟ فإن قيل:
الدليل عليه ظهوره في بعض المواضع، وذلك عند العطف عليه في قولنا (زيد ضارب هو وبكر عمرًا) وكذلك سمع من العرب (مررت بقوم عرب أجمعون) فلولا أن في عرب ضميرًا مرفوعًا لما جاز رفع أجمعين. قيل: النحويون يقولون: إن هذا الضمير الذي برز ليس هو فاعلًا بضارب، ففاعل ضارب مضمر، وهذا المنطوق به توكيد له، وبكر معطوف على الضمير المقدر لا على البارز.
ولو سُلِّم ما قاله النحويون من أن هذا البارز تأكيد لمضمر آخر مراد، لم يُدَلَّ عليه بلفظ، وأن بكرًا معطوف على ذلك المراد، قيل: إن هذا الضمير يضمر في حال العطف لا غير، وإذا لم يكن عطفٌ لم يكن ثم ضمير، ومن أين قِسْت حال غير العطف، وجعلت حال العطف مع قلتها أصلا لغيرها على كثرتها، والمتكلم لا ينوي الضمير إلا إذا عطف عليه، وإذا لم يعطف عليه لم يَنْوه، وهل قياس هذا على هذا إلا ظنّ، وكيف يثبت الظن شيئًا مُستُغنَى عنه لا فائدة للسامع فيه، ولا داعي إلى المتكلم إلى إثباته، وإثباته عيٌّ، لأن اسم الصفة المشتق وضع على الصفة وذي الصفة غير مصرح به، والضمير المدَّعى هو ذلك، لأنه صاحب الصفة غير مصرح به!. ويُسقِط ظنَّ قياس العطف أن هذه الصفات لم يظهر لها ضمير في حال التثنية والجمع كا ظهر في الفعل فيقابل هذا الظن في الإسقاط ذلك الظن في الإثبات، فعلى هذا يكون الإثبات لا دليل عليه قطعي ولا ظني، وإثباته في كلام الناس بغير دليل قطعي لا يجوز. فكيف بكتاب الله تعالى وادعاء زائد فيه بظنٍّ، والظن
[ ٨٠ ]
ليس بعلم. على أن الظن قد قابلة ظن آخر، وقد تقدم الحديث في الوعيد على ذلك. وكذلك ما استدلوا به من قولهم (مررت بقوم عرب أجمعون، ومررت بقاع عرفج كلُّه) فمعلوم أن عربًا اسم مرفوع لمعنى يتميز به عن العجم، وإذا قلت (مرت بقوم عرب) فقد تم الكلام إذ قد أتيت بصفة وموصوف، وإذا أضمرت فيه ضميرًا لم يفد معنى زائدًا، وإما قولهم (أجمعون) فشاذ، فانم سلمنا
انه توكيد لمضمر، فمن أين يُحكم بان هذا المضمر مرادٌ مع التوكيد، ومع عدم التوكيد، وإذ لم يكن توكيد فلا حاجة للمتكلم إليه. وقياس على هذا ظنَّ، لا يثبت به مثل هذا، لا سيما في كتاب الله تعالى. فإن قيل: فعلى هذا لا يثبت شيء في اللسان بالظن، قيل له: أما ما لا حاجة تدعو إليه فلا يثبت إلا بدليل قطعي، وأما ما يحتاج إليه مثل ألفاظ اللغة فإنها إذا نقلها السقاة قُبِلت وان كانت مظنونة، وكذلك غيرها مما تدعو الحاجة إليه.
فان قيل: فما تقول في مثل (زيد قام) إذ قالوا: في قام ضميرًا فاعلًا؟ وليس داعي يدعو إلى ذلك غير قول النحويين: الفاعل لا يتقدم، ولا بد للفعل من فاعل. وقولهم هذا لا يخلو من أن يكون
[ ٨١ ]
مقطوعًا به أو مظنونًا، فإن كان مظنونًا فأمره أمر الضمير المدَّعي في اسم الفاعل، وان كان مقطوعًا به صح هذا الإضمار. ولا بد أن يتقدم قبل الكلام في هذا الموضع مقدمات تعين الناظر فيه على ما قصد تبيينه، وهي أن الدلالة على ضربين: دلالة لفظيه مقصودة للواضع، كدلالة الاسم على مسماه، ودلالة الفعل على الحدث والزمان، ودلالة لزوم، كدلالة السقف على الحائط، ودلالة الفعل المتعدي على المفعول به وعلى المكان. ودلالته على الفاعل فيها خلاف بين الناس، منهم من يجعل دلالته عليه كدلالته على الحدث والزمان، ومنهم من يجعل دلالته عليه كدلالته على المفعول به فإذا قيل (زيد قام) ودل لفظ (قام) على الفاعل دلالة قصد فلا يُحتاج إلى أن يضمر شيء، لأنه زيادة لا فائدة فيها، كما كان ذلك في اسم الفاعل، إذ كان اسم الفاعل موضوعًا للدلالة على الفاعل والفعل، فالفعل على هذا دال على ثلاثة، وإن كانت دلالة الفعل عليه دلالة لزوم وتبع.
وهنا احتمالان: أحدهما في نفس المتكلم ضميرًا كما في قولنا (زيدًا ضربته) لكنه لم يُدَلّ عليه بلفظ، لعلم المخاطب به، والدليل على ذلك قولهم في التسلية (قاما
ويقومان) وفي الجمع (قاموا ويقومون) فهذه ضمائر دُلَّ عليها بألفاظ. والثاني أن تكون هذه الألف والواو علامتين للتثنية والجمع، كما قيل (أكلوني البراغيث) جعلها بعض العرب مع التقديم والتأخير. وجعلها أكثرهم مع تأخير الفعل عن الفاعل، كما لزمت تاء التأنيث مع التأخير للفعل، إذ كان الفاعل تأنيثه غير حقيقي، ولم تلزم مع التقديم، ولم تحذف مع تأخير الفعل إلا في الشعر، كقول القائل:
[ ٨٢ ]
فلا مُزنةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها ولا أرضَ أبْقَل إبقالها
فان قيل: فما تصنع بقولهم (أنت قمت وأنا قمت) لم يُغنِهم تقديم الفاعل عن إعادته أخيرًا؟ قيل: هذا دليل، ولكن قياس الغائب عن المخاطب والمتكلم ليس بقطعي، ولعله يُكتَفَي في الغائب بالظاهر المتقدم ولكن يكتفي به في غيره.
فإن قيل: فما الصحيح في دلالة الفعل على الفاعل؟ قيل: الأظهر أن دلالة الفعل على الفاعل لفظية. ألا ترى انك تعرف من الياء التي في (يعلم) أن الفاعل غائب مذكر، ومن الألف في (أعلم) من أنه متكلم، ومن النون في نعلم أنه متكلمون ومن التاء في تعلم أنه مخاطب أو غائبه، ووقع الاشتراك هنا، كما وقع في (يعلم) وما أشبهه، بين الحال والمستقبل. وتعرف من لفظ (علم) أن الفاعل غائب مذكر. وعلى هذا فلا ضمير لأن الفعل يدل بلفظه عليه، كما يدل على الزمان، فلا حاجة بنا إلى إضمار. وإما على الرأي الآخر، فالأظهر أنه إضمار لما تقدم.
والنحويين يفرقون بين الإضمار والحذف ويقولون (أعني حُذَّافهم) أن الفاعل يضمر ولا يحذف، فإن كانوا يعنون في المضمر مالا بد منه، وبالمحذوف ما قد يستغنى عنه، فهم يقولون: هذا انتصب بفعل مضمر،
[ ٨٣ ]
لا يجوز إظهاره. والفعل الذي بهذه الصفة لابد منه، ولا يتمّ الكلام إلا به، وهو الناصب، فلا يوجد منصوب إلا بناصب. وإن كانوا يعنون بالمضمر الأسماء، ويعنون بالمحذوف
الأفعال، ولا يقع الحذف إلا في الأفعال أو الجمل لا في الأسماء، فهم يقولون في قولنا (الذي ضربت زيد) إن المفعول محذوف تقديره ضربته. فإن فُرِّقَ بينهما بما هو مقطوع بأن المتكلم أراده، وبما يظن أن المتكلم أراده ويجوز أن لا يريده، فهو فرق، لكن إطلاق النحويين لهذين اللفظين لا يأتي موافقًا لهذا الفرق.
والذي يجيء أن يعتقد في مثل (زيد قام) أنه يجوز أن يريد المتكلم إعادة الفاعل، ويجوز أن يكتفي بما تقدم، والأظهر أن يكتفي بما تقدم. هذا إذا كان في كلام الناس، وإما في كلام البارئ سبحانه، فالإضراب عن إثباته ونفيه واجب، لأنه لا يوجد فيه دليل قطعي، ولا حاجة بنا إلى القول بالإثبات والإبطال فيه.
[ ٨٤ ]