ومما ينبغي أن يسقط من النحو (ابْنِ من كذا مثال كذا) كقولهم (ابن من البيع) مثال (فُعْل)، فيقول قائل: (بوع) أصله بُيْع فيبدل من الياء واوًا لانضمام ما قبلها، لأن النطق بها ثقيل، كما قالت العرب: (موقن وموسر) أصل مُوقن: ميْقن، لأنه اسم فاعل، وفعله أيقن، ففاء الفعل منه ياء. كما أن أكرم اسم الفاعل منه اؤه ياء، كما أن اسم أكرم اسم الفاعل منه مكرم، ففاء الفعل وهي الكاف، وهي فاء اسم الفاعل في مكرم، وكذلك كل اسم فاعل صحيح، فاؤه فاء فعله، وعينه عينه، ولامه لامه. وتقول في جمع موسر: (مياسير)، وفي تصغيره (مييسر)، لما زالت علة إبدال الياء واوًا، وهي سكونها وانضمام ما قبلها، رجع إلى أصله. ومن قال (بيع) بالكسر كسر الباء، لتصحَّ الياء، كما قالت العرب (بِيض وعِين وغِيد) في جمع (بَيْضاء وعَيْناء وغَيْداء) وكذلك المذكر، لأن فعلاء يجمع على فُعْل (كحمراء وحُمْر وشقراء وشُقْر)، والقياس أن يقال (بُيْض وغُيْد وعُيْن) لكنهم عدلوا إلى الكسر لئلا يبدلوا من الياء واوًا. وإما أي الرأيين هو الصواب؟ فلكل واحد من الرأيين حجة. فحجة من أبدل الياء واوًا أن بوعًا مفرد، وحَمْلُه على موسر ونظرائه أولى من الحمل على الجمع، وأيضًا فإنا وجدنا الآخر يتبع الأول أكثر
[ ١٣٥ ]
مما يتبع الأولُ الآخر، قالوا ميعاد وميزان، فابدلوا الآخر للأول، ولم يبدلوا الكسرة ضمة ولا فتحة، لتصح الواو. وكذلك الأمر مما فاؤه واو نحو (إِيجل وإيسَق) وكذلك (رياض وثياب) أصلهما رواض وثواب، فأبدل من الواو ياء لانكسار ما قبلها ولشروط أُخر. وكذلك (صام صيامًا وقام قيامًا) أصلهما: صِوام وقِوام فأبدل من الواو ياء لانكسار ما قبلها. وكذلك (غُزِي ودُعِي)، وكل ما لامه واو إذا بُني لما لم يسم فاعله. وكذلك اسم الفاعل مما لامه واو، يقال (رأيت غازيًا)، وكذلك قيل وسيق على اللغة الفصيحة. فهذا كله يتبع فيه الآخِرُ الأول. وحجة من قال (بيع) بالكسر قياسه على بيض، وإبدالُ الضمة كسرة لتصح الياء أولى من رد
الياء إلى الواو، لأن الياء أخف. وهي الغالبة على الواو. وكما يتبع الآخِرُ الأولَ كذلك يتبع الأولُ الآخِرَ، قالوا في تصغير شيخ شَيَيْخ وجاء فيه شِيَيْخ كسرت الشين من أجل الياء.
[ ١٣٦ ]
وقالوا في الأمر الثلاثي المضموم العين بضم ألف الوصل، لانضمام العين نحو (اقْتُلْ وأخرج) وما أشبههما، فلولا ضم العين لكانت الألف مكسورة. ومما يتبع فيه الأول الآخر (امرُءٌ وابنُمٌ)، إلا أن المواضع التي يتبع فيها الآخرُ الأول أكثر في كلام العرب من المواضع من المواضع التي يتبع فيها الأولُ الآخر، ولكن رد الواو إلى الياء أكثر من لرد الياء إلى الواو. (وَكيلَ ويبعَ) أفصح من (كول وبوع). فهذا على ثلاثة أقسام: ما يرد فيه الآخر إلى الأول لا غير، وما يرد فيه الأول إلى الآخر لا غير، وما فيه لغتان: رد الآخر إلى الأول، ورد الأول إلى الآخر، إلا أن رد الأول إلى الآخر أفصح، فترجح بهذا أن قول من يقول (بيع) أظهر. وهذا في مسألة واحدة فكيف إذا أُكثر من هذا الفن، وطال فيه النزاع، وامتدت إليه أطناب القول، مع قلة جَداه وعدم الافتقار إليه. والناس عاجزون عن حفظ اللغة الفصيحة الصحيحة فكيف بهذا المظنون المستغنى عنه!.
ومما يجب أن يسقط من النحو الاختلاف فيما لا يفيد نطقًا، كاختلافهم في علة رفع الفاعل، ونصب المفعول، وسائر ما اختلفوا فيه، من العلل الثواني وغيرها، مما لا يفيد نطقًا، كاختلافهم في رفع المبتدأ، وناصب المفعول، فنصبَه بعضهم بالفعل، وبعضهم بالفاعل، وبعضهم بالفعل والفاعل معًا، وعلى الجملة كل اختلاف فيما لا يفيد نطقًا.
[ ١٣٧ ]
كمل والحمد لله حق حمده، والصلاة على محمد نبيه وعبده، وسلم تسليمًا.
[ ١٣٩ ]