طبيعة الشعر وعلاقته بالضرورة
التمهيد
أولًا: طبيعة الشعر وعلاقته بالضرورة:
الشعر كلام موزون بأفاعيلَ محصورة في عدد معيّن من الحروف، والحركات، والسكنات١، يستلزم بناؤه على هذه الصورة المقيَّدة بالوزن، والقافية أن يلجأ قائله - أحيانًا - إلى الخروج عن القواعد الكلّيّة وارتكاب ما ليس منها؛ إمّا بزيادة اللفظ أو نقصانه أو تغيير في تركيب الجملة من تقديم وتأخير أو فصل بين متلازمين، وغير ذلك مما لا يُستجاز في الكلام مثله٢؛ لأن الشاعر غير مختار في جميع أحواله فيفعل ذلك تلافيًا لقصور اللفظ الذي يناسب المعنى الذي يريد مع الحفاظ على الوزن وسلامة القافية.
على أنه لا يخرج عن القواعد المذكورة كيفما اتفق، وإنما يسلك طريقة لها وجه في العربية٣.
قال سيبويه (١٨٠هـ): "وليس شيءٌ يضطرون إليه إلاّ وهم يحاولون به وجهًا"٤ "فإن جهلنا ذلك فإنما جهلنا ما علمه غيرنا، أو يكون وصل إلى الأول ما لم يصل إلى الآخر"٥.
_________________
(١) ١ انظر: شرح ألفية ابن معطي ٢/١٣٨٠. ٢ انظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة ٣٤، ضرائر الشعر لابن عصفور ١٣. ٣ انظر: شرح ألفية ابن معطي ٢/١٣٨٠. ٤ الكتاب ١/١٣. ٥ شرح ألفية ابن معطي ٢/١٣٨٠.
[ ٣٩٢ ]
كما ألحقوا الكلام المسجوع في ذلك بالشعر لكون السجع يجري في ذلك مجرى الشعر، بدليل قولهم: "شهر ثرى، وشهر ترى، وشهر مرعى"١ فحذفوا التنوين من "ثرى"، ومن "مرعى" إتباعًا لقولهم: "ترى"؛ لأنه فعل فلم ينوّن لذلك٢.
وقالوا: "الضِّيح والريح" فأبدلوا الحاءَ ياءً إتباعًا للريح، والأصل: الضِّحّ٣.
وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: "ارجعن مأزورات غير
مأجورات"٤؛ بإبدال الواو ألفًا إتباعًا لمأجورات، والأصل: "موزورات"؛ لأنه من الوزر.
وقد جاء مثل ذلك أيضًا في فواصل القرآن لتتفق. قال ﷿: ﴿فَأَضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ٥، وقال سبحانه: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ ٦. فإن زيادة الألف في "السبيلا" و"الظنونا" بمنزلة زيادتها في الشعر على جهة الإطلاق٧.
_________________
(١) ١ أي شهور الربيع، أي يمطر أولًا ثم يظهر النبات فتراه، ثم يطول فترعاه الأنعام. انظر: مجمع الأمثال ١/٣٧٠. ٢ انظر: ضرائر الشعر لابن عصفور ١٣، ١٤، والارتشاف ٣/٢٦٨. ٣ الضّحّ: ما برز للشمس، والريح: ما أصابته الريح، من قولهم: جاء فلان بالضِّحِّ والريح، أي جاء بما طلعت عليه الشمس وجرت عليه الريح. انظر: مجمع الأمثال ١/١٦١. ٤ أخرجه ابن ماجة في كتاب الجنائز (٥٠)، باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز رقم ١٥٧٨. ٥ من الآية ٦٧، من سورة الأحزاب. ٦ من الآية ١٠، من سورة الأحزاب. ٧ انظر: ضرائر الشعر لابن عصفور ١٤، الارتشاف ٣/٢٦٩.
[ ٣٩٣ ]
وقد كان النحاة يقفون إزاء الأبيات المخالفة لمذاهبهم وأقيستهم فيعمدون إلى التأويل لإدخالها ضمن هذه الأقيسة، فأصبحت تلك الأبيات الخارجة عن القياس المألوف ميدانًا رحبًا لتأويلات النحاة وتعليلاتهم، فدخلت بسبب ذلك ضمن الخلاف النحوي؛ إذ كل طرف لا يتردد في إلقاء جملة مما احتج به الطرف الآخر في بحر الضرورة١.
١ انظر: في الضرورات الشعرية ٧.
٢ انظر: الضرورة الشعرية دراسة نقدية لغوية ١٩١.
٣ الأصول ٣/٤٣٥.
[ ٣٩٤ ]
ثانيًا: التأليف في الضرائر:
لسيبويه - ﵀ - جهود في مجال الكتابة عن الضرورة - وإن كانت لفظة "الضرورة" غير مذكورة في كتابه كما سبق - إلاّ أن دراسته لهذه الظاهرة تفتقر إلى المنهجية المحددة القائمة على التقسيم، والتصنيف للمظاهر العامة للضرورة. وهذا لا يلغي سمة التبكير، والريادة في معالجة موضوع متشعب الأطراف. فما كتبه عن الضرورة يعدّ إضاءات موزعة ذات فوائد متفرقة، أفاد منها النحاة في هذا المجال١.
ولعل أبا بكر بن السراج (٣١٦هـ) قد سبق في بداية القرن الرابع إلى تثبيت مبادئ التصنيف في الضرائر الشعرية بقوله: "ضرورات الشعر أن يضطر الوزن إلى حذف، أو زيادة، أو تقديم أو تأخير في غير موضعه، وإبدال حرف، أو تغيير إعراب عن وجهه على التأويل، أو تأنيث مذكر على التأويل"٢.
هذا النص يمكن عدُّه الأساس التاريخي الأول لحركة التأليف، والكتابة المنهجية عن الضرورة.
_________________
(١) ١ انظر: الضرورة الشعرية دراسة نقدية لغوية ١٩١. ٢ الأصول ٣/٤٣٥.
[ ٣٩٤ ]
أما المبكِّر إلى حصر تلك المظاهر حصرًا علميًا فهو أبو سعيد السيرافي (٣٦٨هـ) حيث يقول: "ضرورة الشعر على تسعة أوجه: الزيادة، والنقصان، والحذف، والتقديم، والتأخير، والإبدال، وتغيير وجه من الإعراب إلى وجهٍ آخر على طريق التشبيه، وتأنيث المذكر وتذكير المؤنث"١.
وإنما يُعَدّ هذا النص لشارح "الكتاب" أصلًا لكل ما ورد في فصول النحاة من نصوص، وإشارات إلى أنواع هذه الظاهرة؛ لأن ابن السراج قد اقتصر على سبعة أقسام فقط ولم يشر إلى ما يقع في الشعر من تذكير المؤنث، إلا أن يكون هذا النقص سهوًا من ناسخ كتاب "الأصول" أو محققه٢.
ويمكن اعتبار تذكير المؤنث الذي لم يذكره أبو بكر داخلًا ضمن الحذف الذي أشار إليه.
أمَّا التطور في تصنيف الضرورات فقد سار - بعد أبي سعيد السيرافي - على مرحلتين:
الأولى: الانتقال من التصنيف السباعي إلى التصنيف الخماسي، كما هو الشأن عند ابن عصفور (٦٦٩هـ) في "ضرائر الشعر"، و"شرح الجمل"، و"المقرب" وأبي الفضل الصفار القاسم بن علي البَطَلْيوسي (بعد ٦٣٠هـ) في "شرح كتاب سيبويه". وجرى على هذا أبو حيان (٧٤٥هـ)، في "ارتشاف الضرب".
ويتمثل هذا التقسيم في: الزيادة، والنقص، والتقديم والتأخير، والبدل.
الثانية: الانتقال من التصنيف الخماسي المذكور إلى تصنيف آخر ثلاثي يتمثل في الزيادة، والحذف، والتغيير٣. وقد بنى الآثاري٤ (٨٢٨هـ)
_________________
(١) ١ ما يحتمل الشعر من الضرورة ٣٤، ٣٥. ٢ انظر: الضرورة الشعرية دراسة نقدية لغوية ١٩٢. ٣ انظر: الضرورة الشعرية. دراسة نقدية لغوية ١٩٣. ٤ أبو سعيد زين الدين شعبان بن محمد الآثاري. ولد في الموصل سنة ٧٦٥هـ، وتوفي بمصر. (الضوء اللامع ٣/٣٠١ - ٣٠٣، شذرات الذهب ٧/١٨٤، الأعلام ٣/١٦٤) .
[ ٣٩٥ ]
سرده للضرورات في منظومته "كفاية الغلام في إعراب الكلام"١ فقال:
ضرورة الشاعر تمحو ما وجبْ على الذي يتبع أوزان العربْ
وهي ثلاث فاغنم الإفادة الحذف والتغيير والزيادة
كما أقام على هذا التقسيم أبو المعالي محمود شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ترتيب الضرورات في كتابه "الضرائر"، وجرى على هذا جمعٌ غير قليل من العروضيين المعاصرين وغيرهم مفيدين من التصنيفات المذكورة السابقة مع اختلاف يسير٢.
فللدكتور عبد الوهاب العدواني كتاب بعنوان "الضرورة الشعرية. دراسة نقدية لغوية"، وللدكتور محمد حماسة عبد اللطيف مصنَّفٌ بعنوان "الضرورة الشعرية في النحو العربي"، كما صنَّف الدكتور خليل بنيان الحسون مصنفًا بعنوان " في الضرورة الشعرية".
على أن أول كتاب يصل إلينا يستقل ببحث الضرورة هو كتاب "ما يجوز للشاعر في الضرورة" لأبي جعفر القزاز٣ (٤١٢هـ) ٤.
_________________
(١) ١ ص١٤. ٢ انظر: الضرورة الشعرية. دارسة نقدية لغوية ١٩٤. ٣ محمد بن جعفر التميمي القزاز القيرواني. ولد بالقيروان وتوفي بها. يغلب عليه علم النحو واللغة. من مصنفاته: كتاب "الجامع" في اللغة. (معجم الأدباء ١٧/١٠٥ - ١٠٩، وفيات الأعيان ٤/٣٧٤ – ٣٧٦) . ٤ انظر: الضرورة الشعرية في النحو العربي ١٣٠.
[ ٣٩٦ ]