الحديث الأوّل:
[١٥٤]: عَنْ أَبِي هُريرَةَ - ﵁ - قَالَ: "نَعَى النَّبِيُّ - ﷺ - النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا" (١).
"نعى النبي": فعل وفاعل، ومصدر "نعى": ["نَعْي"، و"نُعيان"] (٢) بالضم والفتح (٣).
قال ابن الأثير: يُقال: "نعى الميت ينعاه"، "نَعْيًا" و"نَعِيًّا" إذا "أذاع موته وأخبر به" (٤)
و"النجاشيّ" مفعول.
قوله: "في اليوم الذي مات فيه": حرف الجر يتعلق بـ "نعَى"، و"الذي" مع صلته وعائده صفة لـ "يوم"، والضمير المجرور يعود على "اليوم"، وهو ضمير الموصول وفاعل "مات" يعود على "النجاشي".
قوله: "وخرج بهم إلى المصلى": معطوف على "نعى" ويحتمل أن يكون في محل حال من محذوف، أي: "نعى النبي للناس النجاشي وقد خرج بهم". والضمير في "بهم" يعود على "الناس" المقدر، وهكذا هو في الموطأ: "نعى النجاشي للناس" (٥).
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٣٣) في الجنائز، ومسلم (٩٥١) في الجنائز.
(٢) في الأصل: "نعيا، ونعيانا".
(٣) انظر: لسان العرب (١٥/ ٣٣٤)، والصحاح للجوهري (٦/ ٢٥١٢)، وتاج العروس (٤٠/ ١٠٨).
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٨٥).
(٥) صحيح: رواه الإمام مالك بالموطأ (رقم ١٤١)، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم (٧٢٩).
[ ٢ / ١٩٣ ]
قوله: "إلى المصلى": قال أبو البقاء: ألفه منقلبة عن واو، وزنه "مفعل"، وهو مكان، ويجوز أن يكون مصدرًا (١)
وفيه حذف مضاف، أي: "مكان صلاة".
قوله: "فصفَّ بهم": معطوف على "خرج".
قوله: "وكبَّر أربعًا": أي: "أربع تكبيرات"، ولذلك حذف "التاء" من "أربع"؛ لأنه عدد مؤنث.
و"أربع" منصرف وإن كان فيه الوزن والصفة؛ لأجل أن الصفة ليست أصلية.
الحديث الثّاني:
[١٥٥]: عَنْ جَابِرِ بن عبد الله، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوْ الثَّالِثِ (٢).
قوله: "صلى على النجاشي": جملة في محل خبر "أن".
قوله: "فكنت في الصف الثاني أو الثالث": يحتمل أن يكون التقدير: "صلَّى بالناس على النجاشي، وصفَّ بهم، فكنت في الصف الثاني". ويحتمل أن يكون التقدير: "صلى على النجاشي، فصليت وراءه".
"وكنت": "كان" واسمها، وخبرها في المجرور، والألف واللام في "الصف" للعهد؛ لأنّه قال: "الثاني".
وفيه إشارة إلى أنها كانت صفوفًا، [وأنه] (٣) جاء الأمر بذلك، وفي حديث
_________________
(١) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١١٣).
(٢) رواه البخاري (٣٨٧٨) في الجنائز.
(٣) بياض بالأصل.
[ ٢ / ١٩٤ ]
خرَّجه أبو عمر: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ [ثَلَاثَةُ] (١) صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ" (٢)
وكان مالك إذا استقلَّ الجماعةَ صفَّهم [ثلاثة] (٣) صفوف (٤).
وتقدّم الكلام على "كان" في الحديث الأول من الكتاب، وتقدّم الكلام على بناء اسم الفاعل من أسماء العدد في التاسع من "صفة الصلاة"، وعلى "الحديث" في أول حديث من الكتاب، وعلى "عن" في الثالث من "باب الصفوف"، وعلى "ابن" في الحديث الثاني من الكتاب.
و"أن النبي": في محلّ معمول حرف الجر.
وأحكام "على" في الخامس من "الجنابة".
قوله: "أو الثالث": "أو" هنا للشك من الراوي، ولها أقسام تقدّمت في الثالث من "باب السواك".
الحديث الثالث:
[١٥٦]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ -: "أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى قَبْرٍ، بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا" (٥).
قوله: "صلى على قبر": أي: "بالناس"، والمراد: "صاحب قبر".
و"دُفن": مبني لما لم يسمّ فاعله، ومفعوله الذي لم يسم فاعله ضمير مستتر،
_________________
(١) في الأصل: "ثلاث".
(٢) انظر: التمهيد (٦/ ٣٢٩)، وهو في سنن أبي داود (٣١٦٦)، وسنن الترمذي (١٠٢٨). والحديث ضعفه الألباني مرفوعًا، وحسنه موقوفًا، كما في "ضعيف الجامع الصغير وزيادته" حديث رقم (١/ ٧٥٤).
(٣) في الأصل: "ثلاث"، والمثبت هو نص "التمهيد".
(٤) انظر: التمهيد (٦/ ٣٢٩).
(٥) رواه مسلم (٩٥٤) في الجنائز.
[ ٢ / ١٩٥ ]
يعود على المضاف المحذوف، أي: "صلى على صاحب قبر بعد ما دفن"، والمراد أنه "شرع في الصلاة"؛ لأنّ "صلى" فعل ماض، يقتضي أن تكبيره الأربع بعد فراغه من الصلاة، فلذلك [تُؤوَّل] (١) بـ "شَرَع".
و"ما" هنا مصدرية، وكذا متى جاءت بعد "بعد"، أي: "من بعد دفنه"، وهي حرف عند سيبويه، ودليله عدم الراجع إليها، ولو كانت اسمًا لعاد عليها ضمير، فعدم حاجتها إلى عود ضمير دليل على حرفيتها، وهذا هو الفرق بين الحرف الموصول والاسم الموصول.
ولا يوصل إلّا بجملة فعلية مُصدّرة بماض [متصرِّف] (٢)، أو مضارع، وشذَّ وصلها بـ "ليس" كقوله:
. . . . . . . . . . . . بِمَا لَسْتُمَا أَهْلَ الْخِيَانَةِ وَالْغَدْرِ (٣)
ولا يُوصل بالاسمية، خلافًا لأبي الحجّاج الأعلم وغيره، واستدلوا بقوله:
وَجَدْنَا الْحُمْرَ مِنْ شَرِّ الْمَطَايَا كَمَا الْحَبِطَاتُ شَرُّ بَنِي تَمِيمِ (٤) (٥)
_________________
(١) في الأصل: "تأول".
(٢) في الأصل: "منصرف".
(٣) عجز بيت من الطويل، وصدره: "أليس أميري في الأمور بأنتما". انظر: المعجم المفصل (٣/ ٤٧٤)، ومغني اللبيب (ص/ ٤٠٣).
(٤) البيت من الوافر، وهو لزياد بن الأعجم. انظر: خزانة الأدب للبغدادي (١٠/ ٢٠٦، ٢٠٨)، وأمالي ابن الشجري (٢/ ٥٥١)، المعجم المفصل (٧/ ٤٤٨).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠).
[ ٢ / ١٩٦ ]
الحديث الرابع:
[١٥٧]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كُفِّنَ فِي أَثْوَابٍ بِيضٍ يَمَانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ" (١).
قال الشيخ تقيّ الدّين: يحتمل أن يكون المعنى: "لا يكون فيها قميص ولا عمامة"، ويحتمل أن تكون "ثلاثة" خارجة عن القميص والعمامة؛ فتكون خمسة. قال: والأوّل أظهر في المراد (٢).
قلتُ: وانظر من أين يستند هذا الحديث، ولم يجيء فيه وجْه للإسناد غير ما حكته عائشة - ﵂ - من صفة كفن النبي - ﷺ - (٣)؟
وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديثُ أثبَتُ حَديثٍ يُروى في كفن النبي - ﷺ - (٤).
قوله: "أن رسول الله - ﷺ - كُفِّن": جملة في محل خبر "أنَّ"، و"أنَّ" في محل رفع لمتعلق حرف الجر.
قوله: "في ثلاثة أثواب": يتعلّق بـ "كُفِّن"، وأضيف "الثلاثة" إلى أقل العدد على الأصل في بابه، وأقلّ العَدَد ما كان على "أفعُل، وأفعال، وأفعِلة، وفِعْلة" (٥)، وقد [تقدّم] (٦) ذكر جموع القلّة وما انتهت إليه في الحديث الأوّل من الكتاب.
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٦٤) في الجنائز، ومسلم (٩٤١) (٤٥، ٤٦، ٤٧) في الجنائز.
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٦٦).
(٣) كذا بالنسخ، ولعل مراد المصنف السؤال عن دليل الشيخ تقيّ الدّين على كون الكفن خمسة أشياء، هي الثلاثة أثواب والقميص والعمامة، ولم تذكر في الحديث إلّا ثلاثة.
(٤) انظر: التمهيد (٢٢/ ١٤٠)، وتنوير الحولك (١/ ١٧٣).
(٥) انظر: همع الهوامع (٣/ ٣٤٨ - ٣٥١)، وشذا العرف في فن الصرف (ص/ ٨٧)، وألفية ابن مالك (ص/ ٦٥)، والنحو الواضح في قواعد اللغة العربية (٢/ ٣١٧).
(٦) غير واضحة بالأصل.
[ ٢ / ١٩٧ ]
قوله: "يمانية": نسبة إلى "اليمن".
قال ابن الأثير في "النهاية": روي: "ثلاثة أثواب يُمْنةٍ" (١)، ضرْب من بُرود اليمن، و"يمنة" بضم "الياء" مخفف، و"الألِف" في "يمانية" عوض من "ياء" النسب، فلا يجتمعان (٢)
قال سيبويه: وبعضهم يقول: "يماني" (٣).
و"قوم يمانية"، و"اليمانون"، مثل: "ثمانية"، و"ثمانون"، و"امرأة يمانية" أيضًا (٤).
ويُروى عِوضَ "يمانية": "سحولية" بضم "السين" وفتحها.
قال الأزهري: الفتح منسوب إلى "سَحول" قرية باليمن، وبالضم: "ثياب بيض". (٥)
وقيل: القرية بالضم أيضًا (٦)، حكاه ابن الأثير في "النهاية" (١).
_________________
(١) قال النووي: "ضبطت هذه اللفظة في مسلم على ثلاثة أوجه حكاها القاضي، وهي موجودة في النسخ، أحدها: (يَمَنيَّة) بفتح أوله، منسوبة إلى اليمن، والثاني: (يَمَانِيَّة) منسوبة إلى اليمن أيضًا، والثالث: (يُمْنَة) بضم الياء وإسكان الميم، وهو أشهر، قال القاضي وغيره: وهي على هذا مضافة: حُلَّةُ يُمْنَةٍ". انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ٩)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٣٩٥).
(٢) انظر: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٤٤).
(٣) انظر: شرح النووي (٨/ ٩٤)، الكتاب (٣/ ٣٣٨، ٣٤٠)، علل النحو (ص ٥٤٣)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٠٠)، شرح الشافية للرضي (٢/ ٨٣)، المقتضب (٣/ ١٤٥)، لسان العرب (١٢/ ٣١٥)، (١٣/ ٤٦٤)، المخصص (٤/ ١٦٠).
(٤) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٢٠)، وتاج العروس (٣٦/ ٣٠٥).
(٥) انظر: نيل الأوطار (٤/ ٤٧)، شرح النووي على مسلم (٧/ ٨)، وحاشية السيوطي على سنن النسائي (٤/ ٣٥).
(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٤٧).
[ ٢ / ١٩٨ ]
قال ابن مالك: "يمان" كـ "ثمان" صحيح الآخر مفرد، وليس هو كـ "جوار" لا في اللفظ ولا في الإعراب، [أما] (٢) اللفظ فإن "جوار" جمع.
وأما الإعراب: فـ "جوار" ممنوع من الصرف، و"ثمان" مصروف، تقول: "رأيت جوارٍ ثمانيًا"، وتقول: "رأيت رجلًا يمانيًا"، و"ثيابًا يمانيةً" (٣)، انتهى.
و"بيض": جمع "أبيض" أو "بيضاء"، لأن "أفعل" يجمع على "فعل" بضم الفاء، ثم كُسرت لتسلم "الياء" من الانقلاب واوًا (٤).
وتقدّم الكلام على "ليس" في الأول من "الحيض"، واسمها "قميص" وخبرها في المجرور، والجملة في محلّ صفة لـ "ثلاثة"، أو صفة لـ "أثواب"، وكذلك "بيض سحولية" يحتمل أن تكون صفة لـ "ثلاثة" ول "أثواب"، وانظر الفرق بين الصفتين واختلاف المعنى فيهما في الأوّل من "باب الشروط في البيع".
و"لا" دخلت بعد حرف العطف زائدة لتأكيد النفي، وتقدّم الكلام عليها في الثاني من "باب الاستطابة".
و"عمامة" بكسر "العين" أصل فيما كان على هذا الوزن مما هو "مشتمَل"، كـ "عِصابة"، "صِمامة"، و"لِفافة"، و"غِشاوة".
_________________
(١) = (١) انظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ٨).
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) انظر: شواهد التوضيح والتصحيح (ص/ ١٠١).
(٤) انظر: لسان العرب (١/ ٧٧٧)، وتاج العروس (٤/ ٣٣٣).
[ ٢ / ١٩٩ ]
الحديث الخامس:
[١٥٨]: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ - بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي". فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ، وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا بِهِ"، يعْنِي: إزَارَهُ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ: "أَوْ سَبْعًا" (٢).
وَقَالَ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا" (٣).
وَإِنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: "وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ" (٤).
_________________
(١) قوله: "عن أم عطية": "عطية" لا ينصرف للعلمية والتأنيث، و"قالت" خبر عن "أنَّ" مقدرة، أيْ: أنها قالت: "دخل علينا". والضمير المجرور يعود على أم عطية ومن كان معها من النسوة اللاتي غسَّلن ابنة النبي - ﷺ -. قوله: "حين توفيت": تقدّم الكلام على "حين" في الرابع من "الصلاة"، وقوله: "توفيت" في محل جر بالإضافة، ويجوز في "حين" وما أشبهه إذا أضيف إلى جملة الإعرابُ والبناءُ (٥). قوله: "فقال: اغسلنها": فعل وفاعل ومفعول، الفاعل: ضمير جماعة المؤنثات، و"ثلاثًا" مصدر، لأنه عدد المصدر، أي: "ثلاث غسلات"، وكذلك خمسًا،
(٢) رواه البخاري (١٢٥٧) في الجنائز، ومسلم (٩٣٩) في الجنائز.
(٣) وهي عند البخاري (١٢٥٩) في الجنائز، ومسلم (٩٣٩) (٣٩) في الجنائز.
(٤) رواه البخاري (١٢٥٦) في الجنائز، ومسلم (٩٣٩) (٤٢) في الجنائز.
(٥) رواه البخاري (١٢٥٩) في الجنائز، ومسلم (٩٣٩) (٣٩) في الجنائز.
(٦) انظر: مغني اللبيب (ص ٦٧٢، ٦٧٣)، شرح التسهيل (٣/ ٢٥٥)، وشرح المفصل لابن يعيش (٢/ ١٧٩ - ١٨١).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وسقطت "التاء" لأنه عدد مؤنث.
قال الشيخ تقيّ الدّين: هنا فائدة أصولية، وذلك أن "ثلاثًا" من الألفاظ التي يُحمل اللفظُ فيها على حقيقته ومجازه من حيث إن قوله: "ثلاثًا" غير مستقل بنفسه، فلا بد أن يكون داخلًا تحت صيغة الأمر، فتكون محمولة فيه على الاستحباب، وفي أصل الغُسل على الوجوب لأنه أمر من النبي - ﷺ -، والأمر على الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، وعلى الندب بالنسبة إلى الإيتار (١)، انتهى.
قوله: "أو أكثر من ذلك": "أو" للتخيير، وقد تقدّم الكلام عليها في الثالث من "السواك"، و"أكثر" أفعل التفضيل، وقد استُعمِل بـ "من"، فجرى مجرى الفعل في كونه لا يُثَنَّى ولا يُجمع ولا يؤنث (٢)، وقد تقدّم الكلام على "أفعل" في الحديث الأوّل من "كتاب الصلاة".
و"مِن" معه للتبعيض أو الغاية.
وتقدم الكلام على ["ذا" وأنه] (٣) ثنائي لفظًا ثلاثيّ وضعًا لقولهم في التصغير: "ذُيَّا" فَرُدَّ إلى الثلاثيّ، وألفه منقلبة عن ياء (٤)، ولامه المحذوفة ياء لا واو، خلافًا لبعض البصريين.
وقال الكوفيون والسهيلي: هو على حرف واحد وضعًا، وألِفه زائدة، لقولهم: "ذه أمة الله". (٥)
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٤٩).
(٢) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٢٦٢)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٦٤)، شرح المفصل (٢/ ١٦١)، والهمع (٣/ ١٠٠).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٤/ ١٥٦).
(٥) قال أبو البقاء: "وليس ذلك بشيء؛ لأن هذا الاسم اسم ظاهر، وليس في الكلام اسم ظاهر على حرف واحد حتى يُحمل هذا عليه". انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٤).
[ ٢ / ٢٠١ ]
وأجيب: باحتمال أن تكون "الهاء" بدلًا من "الياء". (١)
وبُني لشبهه بالحرف لفظًا ومعنى.
ويدلّ على قُرب المشار إليه، و"الكاف" [للتوسط] (٢)، و"اللام" للبعد، فهي مراتب ثلاثة (٣).
وجعل بعضهم [. . .] (٤) ["ذا"] (٥) للقريب، وباللام والكاف أو أحدهما للبعد. فله مرتبتان (٦).
وذكر بعض شراح "الجزولية" أنّ سيبويه لم يذكر تفصيلًا في هذا كُله، وإنما ذكره الفراء.
وذكر السجاوندى في "اللام" ثلاثة أوجُه: البعد، والعماد، والعِوض من "هاء" التنبيه، لأنها لا تُجامعها.
قوله: "إنْ رأيتن": "إن" حرف شرط، و"رأيتن" فعل ماض وفاعل، والتاء للخطاب، وأصل الفعل "رَأَيَ" تحركت "الياء"، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فلما اتصل بالفعل حرف الخطاب وهو "التاء" المضمومة سكن آخر الفعل، كما يسكن مع الضّمير المضموم.
وجاءت "نون" جماعة النسوة مُشدّدة بنونين - وكان حقها أن تكون خفيفة -
_________________
(١) انظر: الكتاب (٣/ ٢٨٥).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من "البحر المحيط".
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٦).
(٤) كلمة غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٦).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
لأنهم قابلوها بالميم و"الواو" في "أنتموا" (١). وضَمُّوا "التاء" وكان حقّها الفتح؛ لأنها "تاء" الخطاب (٢) إلا أنهم قابلوا بها الميم في "أنتموا"، وإنما ضُمَّت في "أنتُم" لأن "الميم" من مخرج "الواو"، فضموا ما قبلها، كما ضموا ما قبل "الواو" (٣). وكذلك ضموا ما قبل "النون" المقابلة للميم والواو.
وإنما جعلوا "نون" جماعة النسوة في "رأيتن" و"فعلتن" مشددة؛ لأنهم قابلوها بالميم و"الواو" في ["أنتموا"] (٤). (٥)
وإنما اختاروا النون لجماعة النسوة: لأنها تفيد الجمع في المؤنث، نحو: "النساء ضربن"، كما تفيده "الواو" في جمع المذكر، نحو: "ضربوا" (٦).
وقال الفراء: "التاء" في "رأيتن" و"ضربتن" و"أنتما" و"أنتن" زيدت عمادًا (٧).
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (٢/ ٢٩٦، ٣٠٧).
(٢) انظر: شرح المفصل (٢/ ٢٩٦).
(٣) انظر: شرحان على مراح الأرواح في علم الصرف (الفلاح شرح المراح لابن كمال باشا)، ص (٣٢).
(٤) في الأصل: "أنتم".
(٥) وقيل: لأن أصله: "رأيتُمْن" فأدغم الميم بعد قلبه نونًا في النون لقرب الميم من النون في المخرج، فصارت: "رأيتنَّ". انظر: شرحان على مراح الأرواح في علم الصرف (شرح ديكنقوز)، ص (٣٣).
(٦) قال ابن يعيش: "ضمير المؤنث على حسب ضمير المذكر، فإن كانت علامة المذكر حرفًا واحدًا، فعلامة المؤنث حرف واحد، وإن كانت علامة المذكر حرفين، كانت علامة المؤنث حرفين، فقلت: (الهندات ضربن)، بنون واحدة حيث قلت: (الزيدون قاموا)، وقلت: (ضربتن) بنونين حيث قالوا: (قمتموا)، و(ضربتموا) ليكون الزيادتان بإزاء الميم والواو في جمع المذكر". انظر: شرح المفصل (٢/ ٢٩٦).
(٧) جاء في شرح التصريح: "المختار في (أنت) وفروعه أن الضمير نفس (أن) عند البصريين، واللواحق لها حروف خطاب. وذهب الفراء إلى أن (أنت) بكماله هو الضمير، وذهب ابن كيسان إلى أن (التاء) هي الضمير، وهي التي في: (فعلتَ) =
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وقيل: إنما ضُمَّت "التاء" فيها لأنهم لو أبقوها مفتوحة لجاز أن تكون للواحد، وتكون "النون" زائدة في "أنتن" و"ضربتن" (١).
قوله: "ذلكِ": هو بكسر "الكاف"، يخاطب أم عطية، ولو أراد خطاب النسوة اللاتي حضرن غسلها لقال: "ذلكنَّ".
وقد أجازوا في خطاب الجماعة المذكّرين فتح "الكاف"، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ (٢) [المائدة: ٦٠]، وكذلك قوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] (٣).
فيجوز أن تكون "الكاف" هنا مفتوحة على هذا القياس، وقد جاء في الشعر:
وَلَسْتُ بِسَائِلِ جَارَاتِ بَيْتِي أَغُيَّابٌ رِجَالُكِ أَمْ شُهُودُ (٤)
_________________
(١) = وكسرت بـ (أن) ". انظر: شرح التصريح (١/ ١٠٣، ١٠٤). وذهب الكوفيون إلى أن التاء في (أنت) من نفسِ الكلمة، والكلمةَ بكَمالها اسمٌ عَمَلًا بالظاهر، والخلاف هنا مبنيٌّ على الخلاف في تاء (أنت). انظر: شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧).
(٢) سبق أن ذكر المصنف أن سبب ضم التاء في "أنتم، وأنتما" هو وقوع الميم بعدها، ولأن مخرج الميم هو نفس مخرج الواو ضموا ما قبل الميم كما ضموا ما قبل الواو. وذكرتُ من قبل أنه قيل: إن أصل "رأيتُنَّ": "رأيتُمْن" فأدغم الميم بعد قلبه نونا في النون لقرب الميم من النون في المخرج، فصارت "رأيتنَّ"، فيمكن أن يقال: إن سبب ضم التاء هنا أيضًا هو وقوعها قبل الميم، كما في "أنتم، وأنتما". والله أعلم. انظر: شرحان على مراح الأرواح في علم الصرف (شرح ديكنقوز)، ص (٣٣)، شرحان على مراح الأرواح في علم الصرف (الفلاح شرح المراح لابن كمال باشا)، ص (٣٢).
(٣) بالنسخ: "قل أنبئكم".
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٤٩٥)، والكشاف (١/ ٢٧٨).
(٥) البيت من الوافر، وهو لعقيل بن علفة، وقيل: لابن أبي مرة القتالي. انظر: خزانة الأدب للبغدادي (٩/ ١٥٦)، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي (ص/ ١٥١، ١٥٢)، سمط اللآلي في شرح أمالي القالي (١/ ١٨٥).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فخاطب جماعة النسوة بكاف مكسورة.
وإذا جاز في ضمير المخاطبات، كان في خطاب الواحدة أجوز، فيحمل الحديث على ذلك إن روي كذلك.
قال بعضهم: فإن قلت: لعل البيت بتقدير: "ولست بسائل كلا من جارات بيتي" (١)، فالجواب: أن هذا التقدير يأباه "رجالكِ"، فإن الظاهر أن المراد له "الأزواج".
قوله: "بماء وسدر": يتعلق حرف الجر بقوله: "اغسلنها".
وجواب "إنْ" الشرطية محذوف، يدلّ عليه "اغسلنها"، أي: "إن رأيتن ذلك نظرًا فاغسلنها". والرؤية هنا ظاهرها أنها علمية، فيكون "ذلك" مفعول أول، والثاني محذوف، أي: "إن رأيتن ذلك [مصلحة] (٢) ونظرًا لها".
وحذف أحد المفعولين في هذا الباب عزيز قليل، إلا أن يكون عليه دليل كما هو هنا؛ لأنه قد تقدم من كلامه - ﷺ - وحالهم ما يقتضي العلم به.
وقد جاء حذف الأول وبقاء الثاني في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، أي: "بخلهم هو خيرًا لهم" (٣).
ومثال حذف الثاني: قول عنترة:
وَلَقَد نزلْتِ فَلَا تَظُنِّى غَيْرَه مِنِّى بِمَنْزِلَة المُحبِّ المُكْرم (٤)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٥٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٤٥١)، وتفسير القرطبي (٤/ ٢٩٠)، والكشاف للزمخشري (١/ ٤٤٦).
(٤) البيت من الكامل، وهو لعنترة. وحمله البعض على أن (ظن) نصبت مفعولًا واحدًا، =
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أي: "فلا تظني غيره واقعًا".
ويحتمل أن يكون قوله: "بماء وسدر" متعلقًا بـ "رأيتن"، أي: "إن رأيتن ذلك - يعني الغسل بماء وسدر - فافعلن"، فيكون "فافعلن" جواب الشرط.
وعلى الأول يكون جواب الشرط مقدرًا من اللفظ المتقدم، أي: "إن رأيتن ذلك فاغسلن". ويحتمل أن يكون "بماء وسدر" بدلًا من "ثلاث".
قوله: "أو شيئًا من كافور": حرف الجر متعلق بصفة لـ "شيء".
قوله: "فإذا فرغتن فآذِنّني": تقدم الكلام على "إذا" في الحديث الثاني من أول الكتاب.
وجوابها هنا: "فآذنَّني"، وهو فعل أمر وفاعل ونون الوقاية ومفعول، فالنون المشددة نون الفعل، ونون ضمير جماعة النسوة أدغمت إحداهما في الأخرى، وبقيت نون الوقاية؛ فجاء: "فآذنْني"، النونان الأولتان أدغمتا، وبقيت "نون" الوقاية. وسيأتي تصريف "آذن". وتقدّم الكلام على "نون" الوقاية في أول حديث من "باب الطمأنينة".
قوله: "فلما فرغنا": "لما" ظرف مع الماضي بمعنى "حين"، وقال سيبويه: حرفُ وجوب لوجوب. وتقدم الكلام على "لما" في الحديث الرابع من "باب المذي".
قوله: "آذناه": فعل ماض وفاعل ومفعول جواب "لما"، وأصل الفعل "أأْذِن" بهمزة ساكنة، فقلبت ألفًا لئلا يجتمع همزتان وكان [قلبها] (١) ألفًا لأجل الفتحة
_________________
(١) = واحدًا، وهذا قليل. انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ٥٦)، خزانة الأدب للبغدادي (٩/ ١٣٦)، المعجم المفصل (٧/ ٣٦١).
(٢) بالأصل: "قبلها".
[ ٢ / ٢٠٦ ]
قبلها، ووزن "أأْذن" "أفعِل" من "الإذن".
قوله: "فأعطانا حقوه": "أعطى" يتعدّى إلى مفعولين، الأوّل الضمير، والثاني: "حقوه".
و"أشعرنها" فعل وفاعل ومفعول، الفاعل ضمير جماعة النسوة.
و"الشّعار": [ما] (١) يلي الجلد، و"الدِّثار": ما فوقه.
وسُمي "الإزار" حقوًا من باب تسمية الشيء بما يلازمه؛ لأنّ "الحقو" الذي يُشدُّ على الإزار.
قال ابن الأثير: الأصل في "الحقو" معقد الإزار. وجمعه: "أَحْقٍ" و"أحقاء"، ثم سُمي به الإزار للمجاورة (٢) وهو بكسر "الحاء" وفتحها.
قوله: "فقال: أشعرنها به": الضمير في "به" يعود على "الحقو" المفسر بالإزار.
قوله: "وفي رواية": أي وجاء في رواية فتعلق حرف الجر بـ "جاء".
قوله: "أو سبعًا": فاعل جاء على الحكاية، وهو معطوف على "خمسًا"، وسقطت العلامة لأن المعدود مؤنث.
قوله: "وقال: ابدأن بميامنها": "بدأ" تقدم الكلام عليه في الحادي عشر من "صفة صلاة النبي - ﷺ -".
و"بميامنها": "الميامن" جمع "ميمن" و"ميمنة"، خلاف "المياسر".
قال في الصّحاح: متى جعلت "اليمين" ظرفًا لم تجمعه؛ لأن الظروف لا تكاد تجمع؛ لأنها جهات وأقطار مختلفة الألفاظ، ألا ترى أن "قدام" مخالف لـ "خلف"،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤١٧).
[ ٢ / ٢٠٧ ]
و"اليمين" مخالف للشمال (١).
قلت: وعلى هذا لا يكون "ميامن" هنا بمعنى "الجهات"، إنما هو بمعنى "الأعضاء اليمنى".
قوله: "ومواضع الوضوء منها": قال في "الصحاح": "الموضِع": المكان، و"الموضِع" أيضًا مصدر، قولك: "وضعت الشيء من يدي"، "وضعًا" و"موضوعًا"، وهو مثل المعقول. و"الموضَع" بفتح الضاد لغة في "الموضِع"، سمعها الفراء (٢)، انتهى.
و"مواضع": هنا جمع "موضع" أي: "أماكن الوضوء".
قوله: "منها": هذه اللفظة في بعض النسخ وأكثرها على سقوطها، ويتعلق حرف الجر بحال من "مواضع".
ويحتمل أن يتعلق بصفة لها؛ لأنه أضاف المواضع إلى جنس الوضوء، لا وضوءًا بعينه، فعومل معاملة النكرة في الوصف بالمجرور، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] قيل: جملة: "نسلخ" صفة لليل (٣)،
وكذلك قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٤) [الجمعة: ٥].
وكذلك قوله:
وَلَقَدْ أمُرَّ عَلَى اللَّئِيم يَسُبُّني . . . . . . . . . . . (٥)
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٢١).
(٢) انظر: الصحاح (٣/ ١٢٩٩).
(٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ١٧٢).
(٤) بالأصل: "كالحمار".
(٥) صدر بيت من الكامل، وهو لرجل من سلول، وقيل: لشمر بن عمرو الحنفي، وقيل =
[ ٢ / ٢٠٨ ]
واختاره الزمخشري وابن مالك.
وأنكر ذلك أبو حيّان، وقال: هذا هدم لما استقر عند أئمة النحو أن النكرة لا تنعت إلا بالنكرة، والمعرفة لا تنعت إلا بالمعرفة، ولا دليل لمن ذهب إليه (١).
قوله: "وإن أم عطية": معطوف، والهمزة من "إن" مكسورة؛ لأنها في ابتداء الكلام، ولو فتح "أن" بتقدير: "وذكر الراوي" [عَنِي] (٢): "أنّ [أم عطية] (٣) " جاز. والعملُ على الراوية.
قوله: "ثم جعلنا رأسها ثلاثة قرون": التقدير: "وجعلنا شعر رأسها ثلاثة قرون".
و"ثلاثة" مفعول "جعلنا"، أي: "صيَّرنا رأسها ثلاثة قرون".
و"القرن": الخصلة من الشعر (٤).
وأثبت في العدد "التاء"؛ لأنها عَدَد مذكّر.
_________________
(١) = وقيل غير ذلك، وعجزه: "فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قَلْتُ لَا يَعْنِينِي". انظر: المعجم المفصل (٨/ ٢٧١)، وخزانة الأدب للبغدادي (١/ ٣٥٧)، وشرح ابن عقيل (٣/ ١٩٦).
(٢) انظر: البحر المحيط (٩/ ٦٤، ٤/ ٤٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "على". والأصوب: "أي".
(٤) بالنسخ: "رسول الله - ﷺ -".
(٥) انظر: الصحاح (٦/ ٢١٧٩).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
[الحديث السادس] (١):
[١٥٩]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: [بينما] (٢) رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، [فَوَقَصَتْهُ] (٣) - أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْن، وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (٤).
[وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلا رَأْسَهُ"] (٥).
قوله: "بينما رجل واقف بعرفة": "بينما" تقدم الكلام عليها في الحديث الثالث من السواك، والتقدير هنا: بين أوقات وقوف رجل بعرفة.
وقد تلحق الألف من غير ميم، والتقدير كالتقدير، ويزول عنها بدخول "ما" عليها الاختصاص بالأسماء.
فـ "رجل" مبتدأ و"واقف" صفة له، وهو المسوِّغ للابتداء بالنكرة، وخبر المبتدأ "بعرفة".
قوله: "إذ وقع عن راحلته": "إذ" للمفاجأة، وأقسام "إذ" تأتي في الحديث السادس من الزكاة، ومن أقسامها أن تكون للمفاجأة عند الزمخشري وموافقيه خلافًا للأكثرين،
قال جمال الدّين ابن هشام: "إذ" على أربعة أوجه: -
_________________
(١) بالنسخ: "قوله". ولم يثبت الناسخ رقم هذا الحديث، مما أدَّى إلى اختلاف ترقيم الأحاديث هنا عما هي عليه في "العمدة"، فقمت بتصحيح أرقام الأحاديث كما هي هناك.
(٢) بالنسخ: "بينا".
(٣) في الأصل: "فرفصته"، والمثبت من العمدة، حديث (١٦٧).
(٤) رواه البخاري (١٢٦٥) في الجنائز، ومسلم (١٢٠٦) / (٩٤) في الجنائز.
(٥) سقط بالنسخ. ورأيت إثباته للفائدة.
[ ٢ / ٢١٠ ]
أحدها: أن تكون اسمًا للزمن الماضي.
والوجه الثاني: تكون اسمًا للزمن المستقبل نحو: "يومئذ".
الثالث: للتعليل، نحو: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩]. قلت: ومنعه الجمهور.
الرابع: أن تكون للمفاجأة، قال: نصّ على ذلك سيبويه.
قال: وهي الواقعة بعد "بينا"، و"بينما" كقوله:
. . . . . . . . . . [فَبَيْنَما] (١) العُسْرُ إِذْ دارَتْ مَياسِيرُ (٢)
وهل هي ظرف مكان أو زمان، أو حرف بمعنى المفاجأة، أو حرف مؤكد زائد؟ أقوال.
وعلى القول بالظرفية: فقال ابن جني: عاملها الذي بعدها؛ لأنها غير مضافة إليه، وعامل "بينا"، و"بينما" محذوف يفسره الفعل المذكور. (٣)
قلت: فيكون هنا في الحديث العامل في "إذ": "وقع"، والعامل في بينما فعل آخر من المعنى و"وقع" يفسره. فالتقدير: "وقع بين أوقات رجل واقف بعرفة إذ وقع".
وقال الشلوبين: "إذ" مضافة إلى الجملة فلا يعمل فيها الفعل ولا في "بينا، وبينما"، لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا فيما قبله، وإنما عاملهما محذوف
_________________
(١) بالأصل: "بينما".
(٢) عجز بيت من البسيط، وهو لحريث بن جبلة أو لعثير بن لبيد، وصدره: "اسْتَقْدِرِ الله خَيْرًا وارْضيَنَّ به". انظر: المعجم المفصل (٣/ ٣٦٤)، وزهر الأكم في الأمثال والحكم (١/ ٢٧٨)، وخزانة الأدب للبغدادي (٧/ ٦٠).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ١١١ - ١١٥).
[ ٢ / ٢١١ ]
يدل عليه الكلام؛ و"إذ" بدل منها.
وقيل: العامل ما يلي "بين" بناء على أنها مكفوفة عن الإضافة إليه، كما يعمل تالي اسم الشرط فيه.
وقيل: ["بين" خبر] (١) لمحذوف، وتقدير قولهم بينما أنا قائم إذ جاء عمرو: بين أوقات قيامي مجيء عمرو ثم حُذف المبتدأ مدلولًا عليه بـ "جاء عمرو".
وقيل: مبتدأ، و"إذ" خبره، والمعنى: حين أنا قائم حين جاء عمرو.
وذكر لـ "إذ" معنيان آخران: -
أحدهما: التوكيد، وذلك بأن تحمل على الزيادة قاله أبو عبيدة وابن قتيبة، وحملا عليه آيات من القرآن، منها: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]،
والثاني: التحقيق كـ "قد"، وحملت عليه الآية،
قال: وليس القولان بشيء (٢)
قال أبو حيان: وكانا [ضعيفين] (٣) في النحو (٤).
قلت: قال ابن الحاجب: إن العامل في "إذ" [معنى] (٥) المفاجأة (٦).
قوله: "عن راحلته": تقدم الكلام على "عن" في الثالث من باب
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ١١٥، ١١٦)، والبحر المحيط (١/ ٢٢٤).
(٣) في الأصل: ضعيفان.
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٢٤).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت في (ب): (يعني)، والأرجح هو ما أثبتناه. وانظر: عقود الزبرجد (١/ ٢٧١)، والبحر المحيط (٧/ ٣٥٤).
(٦) انظر: أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٤٣).
[ ٢ / ٢١٢ ]
الصفوف. "فوقصته" معطوف على "وقع".
قال في "الصّحاح": يقال: "وَقَصْتُ عنقه أَقِصُها"، أي: "كسرتُها"، و"وقص الرجل" فهو ["مَوْقُوص"] (١). ويُقال أيضًا: "وَقَصَتْ به راحلته"، فهو كقولك: "خذ الخطام" و"خذ بالخطام" (٢)
وفي الحديث: "أو قال: أوقصته": على الشّك من الراوي.
قوله: "فقال رسول الله - ﷺ -": "الفاء" سببية، والجملة معطوفة، وجملة "اغسلوه" معمولة للقول.
قوله: "بماء": يتعلق بـ "اغسلوه"، و"سدر" معطوف عليه، و"كفِّنوه" معطوف عليه، و"في ثوبين" يتعلق بـ "كفنوه"، ويُروَى: "فِي ثَوْبَيْهِ" (٣)، ومعناهما مختلف.
ويحتمل أن تكون "في" بمعنى "الباء"، أي: "بثوبيه".
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]: "في" بمعنى "الباء"، أي: "يذرؤكم به"، أي: "يكثركم به" (٤).
ويحتمل أن تكون "في" على بابها، وهو أحسن أن يُجعَل الثوبان وعاء له.
قوله: "فإنه يُبعث يوم القيامة": الفعل مبني لما لم يُسمَّ فاعله.
و"ملبِّيًا": منصوب على الحال، من المفعول الذي لم يسم فاعله المستتر في "يُبعث".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الصحاح (٣/ ١٠٦١).
(٣) متفق عليه: صحيح البخاري (١٨٥١)، وصحيح مسلم (١٢٠٦/ ٩٣)، العمدة (ط الثقافة، ص ١١٩).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٧)، (٩/ ٣٢٦)، شرح التسهيل (٣/ ١٥٧)، مغني اللبيب (ص ٢٢٤)، الجنى الداني (ص ٢٥١)، الهمع (٢/ ٤٤٥).
[ ٢ / ٢١٣ ]
الحديث [السابع] (١):
[١٦٠]: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (٢).
قوله: "نُهينا": إنما استند هذا الحديث بقولها: "نهينا"، لأنّ النهي المشار إليه هو نهي النبي - ﷺ -.
قال الشيخ تقي الدين: في الحديث دليلٌ على كراهة اتباع الجنائز من غير تحريم، فهو معنى قولها: "ولم يُعزم علينا".
قال: "العزيمة" دالة على التأكيد، وفي هذا ما يدلّ على خلاف ما اختاره بعض المتأخّرين من أهل الأصول أنّ "العزيمة": "ما أبيح فعله من غير قيام دليل المنع"، وأن "الرخصة": "ما أبيح مع قيام دليل المنع"، وهذا القول مخالف لما دلّ عليه الاستعمال اللغويّ من إشعار العزم بالتأكيد، فإنّ هذا القول يدخُل تحته المباح الذي لا يقوم دليل الحظر عليه (٣). انتهى.
قوله: "قالت": أي: "أنها قالت".
وقد جاء حذف "أنَّ" - قال ابن مالك - في مثل قوله:
ولولا بنوها حولها [لخبطتها] (٤) . . . . . . . . . .
وعجز البيت:
. . . . . . . . . . كخبطة عصفور ولم أتلعثم (٥)
_________________
(١) في النسخ: "السادس"، وذكرنا سبب التغيير عند الحديث السادس من الباب.
(٢) رواه البخاري (١٢٧٨) في الجنائز، ومسلم (٩٣٨) في الجنائز.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٦٩).
(٤) في الأصل: "لخطبتها"، وكذا في (ب)، والمثبت من مصادر التخريج.
(٥) البيت من الطويل، وهو للزبير بن العوام. انظر: المعجم المفصل (٧/ ٣٢٣)، ومغني =
[ ٢ / ٢١٤ ]
أي: "لولا أنَّ بنوها"، فحذف "أنَّ"، وأبطل عملها، وله شواهد في الكتاب والسنة ستأتي بعد ذلك.
قوله: "نُهينا": فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، ومفعول لم يسم فاعله، و"عن" يتعلق بـ "نهينا".
و"اتِّباع" مصدر "اتَّبع" مضاف إلى المفعول، والتقدير: "عن أن نتبع الجنائز"، وفرَّق السُّهيلي بين قولك: "كرهت قيامك"، و"كرهت أن قمت"، ففي الأول المكروه نفس القيام أو هيئته، والثاني: نفس الفعل (١).
قوله: "ولم يُعزم علينا": "لم" حرف جزم، تقدّم الكلام عليها في الثالث من "باب المذي". و"يُعزم" مجزوم بـ "لم". ونصب بها بعضهم، وتأوّل ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
وخرَّجه الشيخ أبو محمد بن عطيّة على أنّ الأصل: "نشرحن" بالنون أبدَل منها ألِفًا، ثم حذفها تخفيفًا. (٢)
وقيل: هي لُغة، كما [جاء] (٣) الجزم بـ "لن" (٤)، ومنه:
_________________
(١) = اللبيب (ص ٥٦٣)، وشرح الكافية الشافية (١/ ٣٥٥).
(٢) انظر: نتائج الفكر (ص ٩٧).
(٣) انظر: تفسير ابن عطية (٥/ ٤٩٦)، والبحر المحيط (١٠/ ٤٩٩).
(٤) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٥) حكاها اللحياني في نوادره. انظر: البحر المحيط (١٠/ ٥٠٠)، وتفسير القرطبي (١/ ٢٣٤)، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور (٢٢/ ١١٦)، وتوضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٧٣، ١٢٧٤)، وحاشية الصبان (٣/ ٣٣٤)، والإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٥٧٧)، والدر المصون (١/ ٢٠٤)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٤٣٩)، وظاهرة التقارض في النحو العربي، ضمن مجلة الجامعة الإسلامية، عدد ٥٨ (ص/ ٢٤٣).
[ ٢ / ٢١٥ ]
فلن أُعَرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ (١)
ومنه قوله في الحديث: "لَنْ تُرع، لَنْ تُرع" (٢).
الحديث [الثّامن] (٣):
[١٦١]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ؛ فَإِنَّهَا إنْ [تك] (٤) صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ" (٥).
قوله: "أسرعوا بالجنازة": يحتمل أن تكون "الباء" للمصاحبة، كقوله تعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨] أي: "معك سلام" (٦).
وكذلك هنا: "أسرعوا ومعكم الجنازة"، أو "حاملين الجنازة"، كما قيل في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٧٨] أي: "حامدًا ربك" (٧).
_________________
(١) عجز بيت من البسيط، وهو للنابغة، وصدره: "هذا الثناء فإن تسمع به حسنًا". انظر: اللباب في علوم الكتاب (١/ ٤٣٩)، وتفسير ابن عطية (١/ ١٠٧)، قواعد الشعر لثعلب (ص ٨٥)، المعجم المفصل (٢/ ٤١٨).
(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١١٢١)، ومسلم برقم (١٤٠/ ٤٢٧٩) مع اختلاف في اللفظ، واللفظ الذي ذكره المصنف في رواية أحمد. انظر: مسند الإمام أحمد بتحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، حديث رقم (٦٣٣٠). وانظر: تفسير القرطبي (١/ ٢٣٤)، وتفسير ابن رجب الحنبلي (١/ ٣٧٠)، وتفسير ابن عطية (١/ ١٠٧).
(٣) في النسخ: السابع، وذكرنا سبب التغيير عند الحديث السادس من الباب.
(٤) بالنسخ: "تكن". وراجع الشرح.
(٥) رواه البخاري (١٣١٥) في الجنائز، ومسلم (٩٤٤) في الجنائز.
(٦) انظر: التحرير والتنوير (١٢/ ٨٩)، والتفسير الوسيط (٧/ ٢١٥)، والموسوعة القرآنية (٢/ ١٥٥).
(٧) انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٣١)، والكشاف (٤/ ٨١١)، وتفسير الإيجي =
[ ٢ / ٢١٦ ]
وتقدّم أقسام "الباء" في الرابع من "باب الاستطابة".
قوله: "فإنْ تَكُ": الفاء سببية، أي: بسبب كونها صالحة أو غير ذلك، و"إنْ" حرف شرط، وتقدم الكلام على "إنْ" في السابع من "الجنابة"، وعلى الفاء في السادس من "الاستطابة".
و"تَكُ" مجزوم بالشرط، وعلامة جزمه سكون آخره. (١)
وأصل "كان": "كون، يكون"، تحرّكت "الواو" وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألِفًا، فصار "كان" كـ "قال"، وأما "يكون" فاستثقلت فيه الضمة على الواو فنقلت إلى الكاف، فصار "يكُون"، ثم دخل الجازم فسكَّنَ "النون"، فحذفت [الواو] (٢) لسكونها وسكون ["النون"] (٣)، ثم حذفت النون تخفيفًا من "يكن" لكثرة استعمالها (٤).
ولم يجيزوا ذلك في غيرها من الأفعال، فلا يقال في "صان، يصون": "يص"، كما قالوا: "يك". وتقدّم شرط الحذف في السادس من "صلاة الجماعة".
واسم "كان" ضمير يعود على "الجنازة".
و"صالحة": خبر "كان"، والتقدير: "إن تكن الجنازة ذات صلاح فجزاؤها خير تقدمونها إليه"، فحذف المضاف الذي هو "ذات"، وحذف المبتدأ الذي هو "فجزاؤها"، كما حُذِف في قوله: "إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ" (٥) حذف هناك
_________________
(١) = (٤/ ٥٤٠)، وفتح البيان في مقاصد القرآن (٧/ ٢٠١).
(٢) لعل هذا يدل على أن الرواية بـ "تكُنْ".
(٣) في الأصل: "النون".
(٤) سقط من النسخ، والسياق يقتضي إثباتها.
(٥) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٢٩٨، ٢٩٩)، وتوضيح المقاصد (١/ ٥٠٤)، وشرح التصريح (١/ ٢٥٩)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣/ ٢٢٣).
(٦) متفق عليه: البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (٥/ ١٦٢٨).
[ ٢ / ٢١٧ ]
"الفاء" والمبتدأ، وهنا حذف المبتدأ لا غير، فهو أسهل في الحذف
قال ابن مالك: وقرأ طاوس: "ويسألونك عن اليتامى قل أَصْلِحْ لهم خير" (١)، أي: "إن تصلح فهو خير".
قال: وهو مثله؛ لأن الأمر مضمَّن معنى الشرط، فكان كالتصريح به في استحقاق جواب واستحقاق "الفاء" فيه لكونه جملة اسمية.
قال: ومن خصّ هذا الحذف بالشِّعر حاد عن التحقيق، وضيّق حيث لا تضييق. ومن حذف "الفاء" (٢) في الشعر:
مَنْ يَفْعَل الحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها . . . . . . . . . . (٣)
إذا ثبت ذلك: فقوله: "تقدّمونها إليه" جملة من فعل وفاعل ومفعول في محل صفة لـ "خير". ويجوز أن يكون "خير" و"شر" مبتدآن، أي: "فلها خير"، و"لها شر".
قوله: "وإن تك سوى ذلك": هو مثل ما تقدّم من الإعراب، لكن "سوى" هنا خبر "كان" بمعنى "غير"، أي: "وإن تك غير ذلك".
و"سِوَى" هذه عند الزجاجي وابن مالك كـ "غير" في المعنى والتصرف، فتقول: "جاءني سِواكَ"، بالرفع على الفاعلية، و"رأيت سواك"، بالنصب على
_________________
(١) سورة [البقرة: ٢٢٠]. وذكر الزمخشري والثعلبي أن طاوس قرأ: "قل إصلاح إليهم"، وذكر ابن جني أنه قرأ: "قل أَصْلِحْ إليهم". انظر: الكشاف (١/ ٢٦٣)، وتفسير الثعلبي (٢/ ١٥٤)، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات (١/ ١٢٢).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص/ ١٩٣).
(٣) صدر بيت من البسيط، وهو لكعب بن مالك، وقيل: لعبد الرحمن بن حسان. وعجزه: "والشَّرُّ بالشَّرَّ عِنْدَ اللهِ مِثْلانِ". انظر: الكتاب (٣/ ٦٤، ٦٥)، أمالي ابن الشجري (٢/ ١٤٤)، سر صناعة الإعراب (١/ ٢٧٥)، المعجم المفصل (٤/ ٧٣)، (٨/ ١٨٢، ٢٠٧).
[ ٢ / ٢١٨ ]
المفعولية، و"ما جاءني أحد سواك"، بالنصب والرفع، كقولك: "ما جاءني أحد غيرك"، بالرفع والنصب (١)، وفي الحديث: "دَعَوتُ رَبّي أنْ لَا يُسَلّط عَلى أمّتي منْ سوَى أنْفُسِهِم" (٢).
وعلى هذا تكون "سوى" خبر "كان".
واختار سيبويه والجمهور أنها ظرف مكان لازم للنصب، لا يخرج عن ذلك إلّا في ضرورة.
وعند الكوفيين وجماعة أنها تأتي بالوجْهين، ورُدَّ على مَن نفى ظرفتيها بوقوعها صلة، قالوا: "جاء الذي سواك".
وأجيب: بتقدير "سِوَى" خبرًا لـ "هو" محذوفًا (٣).
وعلى مذهب سيبويه - أعني كون "سوى" ظرفًا - فخبر "كان" هو العامل في "سوى"، أي: "وإن تكن الجنازة كائنة سوى ذلك"، وجوابُ الشرط كما تقدّم محذوف، أي: "إن تكن سوى ذلك فهو شر".
و"تضعونه": في محلّ الصّفة.
وانظر إلى قوله - ﷺ - في الجنازة الصالحة: "فخير تقدّمونها إليه"، ولم يقُل كذلك في الجنازة الطالحة، بل جعلها نفسها شرًّا، لأن تقديمها إلى الشر يُزهد أهلها في الإسراع بها إليه،
ومقصد الحديث: [الحضُّ] (٤) على الإسراع، فرغب فيه - ﷺ - بما يقتضي
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ١٨٧، ١٨٨).
(٢) صحيحٌ: رواه مسلم (١٩/ ٢٨٨٩).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ١٨٨).
(٤) بالنسخ: "الحظ".
[ ٢ / ٢١٩ ]
الإسراع، لا بما يقتضيه حال الجنازة
أو يُقَدَّر: "فلها شر"، كما تقدّم من الوجهين.
و"السواء": بالمد: "المستوى"، والسواء: "العدل" (١)، و"السواء" الوسط، و"سواء" بالمد من غير تنوين بمعنى "سوى"، و"قوم سواسية"، واحدهم: "سواء"، وهو جمع على غير قياس (٢).
وليس في كلام العرب "فعاولة" إلا قولهم: "قوم سواسوة"، و"قوم [مقاتوة"] (٣)، من "القتو" (٤)، وهو الافتعال من "الخدمة"، والميم زائدة. (٥)
إذا ثبت ذلك ففي "سوى" لغات: ضم السين، وكسرها (٦).
وأضاف "سوى" إلى "ذلك" إشارة إلى [النسمة] (٧) الصّالحة.
وتقدم الكلام على "خير" و"شر" في الثامن من "باب الجنابة".
وليس المراد هنا بـ "خير" أفعل التفضيل، وإنما المراد: "خير" من "الخيور".
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٧٥).
(٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٨٤، ٢٣٨٥).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) يقتو الملوك، أي يخدمهم. انظر: تاج العروس (٢٩/ ٢٦٩، ٢٧١).
(٥) انظر: الكتاب (٣/ ٤١٠)، شرح الأشموني (٤/ ١٠٣).
(٦) تقول: مررت برجلٍ سُواكَ وَسِواكَ وسَوائِكَ، أي غيرك. انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٨٥).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٢٢٠ ]
الحديث [التاسع] (١):
[١٦٢]: عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: "صَلَّيْت وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ فِي وَسَطِهَا" (٢).
قوله: "عن سمرة": يتعلق حرف الجر بفعل محذوف، أي: "روي".
و"عن" تقدم الكلام عليها في الحديث الثّالث من "باب الصفوف".
و"جندب": بضم "الدال": "ضَربٌ من الجراد"، وهو اسم رجل. قال سيبويه: بفتح "الدال" وضمها. وتقع اسمًا من أسماء "الدّاهية" و"الظلم"، يقال: "وقع الناس في أمر جندب" إذا "ظلموا" (٣).
و"وراء": ظرف مكان، العامل فيه "صليت".
وجملة "صليت" مفعولة بالقول.
وجملة "ﷺ" معترضة لا محلّ لها. و"على امرأة" يتعلّق بـ "صليت" أيضًا. وجملة "ماتت" في محل صفة لـ "امرأة".
وتقدّم الكلام على "وراء" في الحديث الثالث من "باب الصفوف". وهو من الظروف المبهمة. و"المبهم": ما افتقر إلى غيره في بيان صورة مسمَّاه، كأسماء الجهات، وهي: "أمام"، و"وراء"، و"يمين"، و"شمال"، و"فوق"، و"تحت" وشبهها في الشياع كـ "جانب"، و"ناحية"، و"مكان" (٤) وأسماء المقادير، نحو: "ميل"، و"فرسخ"، و"بريد".
_________________
(١) في النسخ: "الثامن"، وذكرنا سبب التغيير عند الحديث السادس من الباب.
(٢) رواه البخاري (١٣٣١) في الجنائز، ومسلم (٩٦٤) في الجنائز.
(٣) انظر: الصحاح (١/ ٩٧).
(٤) انظر: الصحاح (٤/ ١٦٩٦).
[ ٢ / ٢٢١ ]
ومنها ما اشتق من اسم الحدَث الذي اشتق منه العامل كـ "مذهب"، و"مرمى"، كقولهم: "ذهبتُ مذهب زيد"، و"رميتُ مرمى عمرو".
فلو كان مشتقًا من غير ما اشتق منه العامل، كما في نحو: "ذهبتُ في مرمى عمرو"، و"رميت في مذهب زيد"، لم يجز في القياس أن يُجْعل ظرفا، وإن استعمل شيء منه ظرفًا عُدَّ شاذًّا، كقولهم: "زيد مني مقعد القابلة"، و"عبد الله مناط الثريا"، و"زيد مزجر الكلب"، فلو أعمل في المقعد "قعد"، وفي المناط "ناط"، وفي المزجر "زجر"، لم يكن في ذلك شذوذ ولا مخالفة للقياس.
وأما غير المشتق من فعل الحدث من أسماء المكان المختصة، نحو: "الدار" و"المسجد" و"الطريق" و"الوادي" و"الجبل"، فلا يصلح للظرفية أصلًا (١).
و"على": تقدّم الكلام عليها في الخامس من "الجنابة".
قوله: "فقام في وسطها": معطوفٌ على محذوف، أي: "صلى النبي - ﷺ - على جنازة، فقام في وسطها".
ويجوز عطفه على "صليت"، ولا تعتبر المشاكلة في عطف الجمل على [رأي] (٢) الأكثرين. (٣)
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٢٢٥، ٢٢٦)، وهمع الهوامع (٢/ ١٤٩، ١٥٠)، وشرح قطر الندى (ص ٢٣١)، وشرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٤٣٥)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٩٥ - ١٩٧)، وأوضح المسالك (٢/ ٢٠٩، ٢١٠)، وشرح التصريح (١/ ٥٢٤، ٥٢٥)، وشرح الشذور لابن هشام (ص ٣٠٤، ٣٠٥)، واللمحة (١/ ٤٤٥، ٤٤٦).
(٢) سقط من النسخ.
(٣) انظر: تفسير ابن عرفة (٢/ ٤٤١)، التعليقة على كتاب سيبويه (١/ ١٢٨)، شرح التسهيل (٢/ ١٤٢)، الهمع (٢/ ٣٩١).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
قوله: "في وسطها": أي: "قابل وسطها"، وتسمّى هذه (١): المقايِسَة، بضم "الميم" وكسر "الياء"، كقوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢) [التوبة: ٣٨] (٣)، لكن جاءت في الآية لمقابلة معنى، وجاءت هنا في مقابلة عين.
وتقدّمت مواضع "في" في الحديث الرابع من أول الكتاب.
و"وسَطها": بتحريك السين وسكونها، فبالسكون ظرف، وبالتحريك اسم، وكل موضع صلح فيه "بين" فهو "وسط" بالسكون، فإن لم يصلح فيه ["بين" فهو] (٤) "وَسَط" بالتحريك، وربما سُكِّن.
قال في "الصحاح": وليس بالوجه (٥).
وعلى هذا يكون "فقام وسَطها" بالتحريك أقيَس؛ لأنه لا يصلح فيه "بين". والرّواية بالسّكون على خلافِ القاعدة.
الحديث [العاشر] (٦):
[١٦٣]: عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَرِئ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ" (٧).
قال: الصّالِقَة: "التي تَرفَع صَوْتها عِنْد المصيبة".
_________________
(١) يقصد: "في".
(٢) بالنسخ: "وما".
(٣) انظر: الجنى الداني (ص ٢٥١)، شرح التسهيل (٣/ ١٥٦).
(٤) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٥) انظر: الصحاح (٣/ ١١٦٨).
(٦) في النسخ: "التاسع"، وذكرنا سبب التغيير عند الحديث السادس من الباب.
(٧) رواه البخاري (١٢٩٦) في الجنائز، ومسلم (١٠٤) في الإيمان.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
قلت: وقيل: "التي تصكّ رأسها ووجهها". ذكره صاحب "النهاية" (١).
قوله: "بَرِئ": جملة من فعل وفاعل، [في] (٢) محل خبر "أنَّ".
ومصدر "برئ": "براءة"، ويقال: "برئت من المرض"، "بُرءًا"، بالضم، وأهل الحجاز يقولون: "بَرَأْتُ من المرض"، "بَرْءًا"، بالفتح فيهما، ويقال: "تَبَرَّأْتُ من كذا"، و"أنا بَراء منه"، و"خَلاء منه"، بالفتح.
ولا يُثَنَّى ولا يُجمع لأنه مصدر، فإذا قلت: "أنا بريء منه"، و"خَليٌّ منه"، ثنَّيتَ وجمعتَ وأنّثت، فقلت في الجمع: "نحن بُرآء"، مثل: "فقيه وفقهاء"، و"بِراء" مثل "كريم وكِرام"، و"أبراء" مثل "شريف وأشراف"، و"أبرياء" مثل "نصيب وأنصباء"، و"بَرِيئون"، وامرأة "بريئة"، وهما "بريئان"، وهن "بريئات" و"بَرَايا". ذكره صاحب "الصحاح" (٣).
قوله: "من الصالقة": متعلق بـ "برئ"،
قال ابن الأثير: "الصالقة" و"السالقة": هي التي تصرخ عند المصبية وتصيح، و"الحالقة": التي تحلق شعرها. و"الشاقة": التي تشق ثوبها (٤).
و"من" يتعلق بـ "برئ" فهي في محل نصب، كهي في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
والألف واللام في "الصالقة"، و"الحالقة"، و"الشاقة" موصولة بمعنى
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٣٩١)، مشارق الأنوار (٢/ ٤٤)، الإعلام لابن الملقن (٤/ ٤٨٤).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الصحاح (١/ ٣٦).
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤٢٧)، (٢/ ٣٩١)، (٣/ ٤٨)، جامع الأصول (١١/ ١٠٢)، إرشاد الساري (٢/ ٤٠٩).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
"الذي"، واختُلف في حرفيتها.
وتجيء الألف واللام موصولة في اسم الفاعل، واسم المفعول، والجملة الاسمية والفعلية.
فاسم الفاعل: كما تقدّم من الأمثلة الثلاثة.
واسم المفعول: كقولك: "المطعوم والمشروب".
والجملة: كقوله:
مِنَ القومِ الرسُولُ اللهِ منهم لهم دانَتْ رِقابُ بني مَعَدّ (١)
والفعل كقوله:
ما أنتَ بالحَكم الْتُرْضَى حكومَتُه ولا الأصيلِ ولا ذي الرأي والجدَل (٢) (٣)
والمفعول محذوف في "الحالقة" و"الشاقة"، أي: "الحالقة شعرها"، و"الشاقة ثوبها".
وأما "الصالقة": ففعلها هنا لازم يتعدى بحرف الجر، أي: "صلقت بلسانها"، أي: "صاحت". قال الله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ويقال: "سلقه بالكلام". (٤)
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو من الشواهد التي لا يُعرف قائلها. انظر: المعجم المفصل (٢/ ٤١٣)، وشرح التسهيل (١/ ٢٠٣)، شرح ابن عقيل (١/ ١٥٨).
(٢) البيت من البسيط، وهو للفرزدق. انظر: المعجم المفصل (٦/ ٤٩٠)، وخزانة الأدب للبغدادي (١/ ٣٢)، وشرح ابن عقيل (١/ ١٥٧).
(٣) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٠٠ - ٢٠٣)، وهمع الهوامع (١/ ٣٣١ - ٣٣٣)، وشرح الأشموني (١/ ١٥٠، ١٥١)، وشرح ابن عقيل (١/ ١٥٥ - ١٦٠).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٧١)، لسان العرب (١٠/ ٢٠٥).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
والمراد هنا "الصياح"، كأنه قال: "لعن [الله] (١) المصيحة بالنعي".
قال في "الصحاح": "المسلاق": الخطيب البليغ، وهو من شدة صوته وكلامه، وكذلك "السلاق" (٢).
الحديث [الحادي عشر] (٣):
[١٦٤]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا في أَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ - وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ - فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: "أولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ" (٤).
قوله: "الحادي عشر": تقدّم الكَلام على بناء اسم الفاعل من أسماء الأعداد في الحادي عشر من "باب صفة الصلاة".
قوله: "عن عائشة - ﵂ -": جملة "﵂" معترضة لا محلّ لها، والجمل التي لا محل لها مذكورة في الحديث الأول من الكتاب. ومتعلق "عن" عامل في محل "قالت" بتقدير "أنَّ"، وقد تقدّم.
و"لمَّا" تقدم الكلام عليها في الرابع من "باب المذي".
وإعرابها: إما ظرف بمعنى "حين" كما اختاره الفارسي، وإما حرف وجوب لوجوب، كما اختاره سيبويه، ومنهم من يقول: حرف وجود لوجود، وما وقع بعدها
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الصحاح (٤/ ١٤٩٧).
(٣) في النسخ: العاشر، وذكرنا سبب التغيير عند الحديث السادس من الباب. وسيأتي بالشرح الكلام على "الحادي عشر".
(٤) رواه البخاري (١٣٤١)، (٣٨٧٣)، ومسلم (٥٢٨) في المساجد.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
في محل جر بالإضافة إليها، ومتى قلنا إنها حرف فلا محلّ لها (١).
قال في "الصحاح": يقال: "اشْتَكى عضوًا من أعضائه"، و"تَشَكَّي" بمعنى. و"اشْتَكَى" أي: "اتخذ شَكْوةً" (٢).
ويحتمل أن يكون "اشْتَكى" متعدِّيًا، أي: "اشتكى رأسَهُ"، وقد جاء في الحديث [أنه قال] (٣) - ﷺ - لعائشة - ﵂ -: "وا رأساه" (٤).
وفي الحديث: "إنّ ابنَتِي اشْتَكَت عَينَها" (٥)، يُروي بالضّم والفتح، فالضم على الفاعلية، والنصب على المفعولية.
والظاهر أنه لازم؛ لأنه بمعنى "مرض - ﷺ - تسليمًا".
قوله: "ذكر بعض نسائه كنيسة": فاعل "ذكر": "بعضُ"، وهو من الأسماء التي لا تُثنَّى، و[هو] (٦): "كل"، و"بعض"، و"أجمع"، "جمعاء"، و"أفعل من"، والتثنية، والجمع، والأفعال المختصة بالنفي، والأسماء المتوغِّلة في [البناء] (٧)، واسم الجمع، واسم الجنس (٨).
و"كنيسة": مفعول "ذكر"، وهي "فعيلة" بمعنى "مفعولة"، أي: "مكنوسة"،
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ٥٩٤)، ومغني اللبيب (ص/ ٣٦٩)، وهمع الهوامع (٢/ ٢٢٢)، وشرح التصريح (١/ ٧٠٠)، الكليات للكفوي (ص ٧٩٠).
(٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٩٥).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) صحيح: رواه البخاري برقم (٥٦٦٦).
(٥) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٥٣٣٦)، ومسلم برقم (١٤٨٨).
(٦) كذا بالأصل.
(٧) في النسخ: الهناء، والصواب ما أثبتناه من مصادر اللغة، والأسماء المتوغلة في البناء هي: الأسماء التي لم تعرب قط، كالأسماء المختومة بـ (وَيْه). انظر: الهمع (٣/ ٣٩٠).
(٨) انظر: الهمع (١/ ١٥٤ - ١٦١)، والنحو الوافي (١/ ١٢٨ - ١٣٣).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
أي: [متصفة] (١)، وهي للنصارَى (٢).
وأما "البِيَعُ": فقيل: كنائس النصارى، وقيل: كنائس اليهود، واحدُها: "بِيعة"، بكسر "الباء". و"الصوامع" مختصة بالرهبان (٣).
قوله: "رأينها": فعل وفاعل ومفعول، الفعل: "رأى"، والفاعل: "النون" الخفيفة، والمفعول: "الهاء". وأتى بضمير جماعة النسوة لأنهن بعض، فأعاد على معنى البعض؛ لأنه يصلح للواحد فأكثر، فكأنّ الذي ذكر الكنيسة: أم سلمة وأم حبيبة، وجاء مصرَّحًا به في حديث "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها" (٤).
قال أبو البقاء: يحتمل أن يكون أجرى الاثنين مجرى الجماعة (٥).
وعلى كل تقدير: يجوز عود الضمير على البعض وإن كان المتحدث واحدًا؛ لأن المستمع لها متحدّث معها.
والجملة من "رأينها" في محل صفة لـ "كنيسة"، ويحتمل أن تكون حالًا من ضمير الفاعل في "ذكرن"، أي: "ذكرن كنيسة قد رأينها في أرض الحبشة"، وتكون حالًا محكية، والأوّل أظهر.
و"في أرض" يتعلق بـ "رأينها"، والرؤية بصرية.
قوله: "يقال لها: مارية": الجملة صفة أخرى.
و"مارية" لا ينصرف للعلمية والتأنيث.
ويحتمل أن تكون "يقال لها" جملة مستأنفة، كأنه قيل: "ما يقال لها؟ فقيل: يقال
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الصحاح (٣/ ٩٧٢)، ولسان العرب (٦/ ١٩٩، ٤٥٣).
(٣) انظر: البحر المحيط (٧/ ٥١٣)، وتفسير القرطبي (١٢/ ٧١).
(٤) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٤٢٧)، ومسلم برقم (١٦/ ٥٢٨).
(٥) انظر: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ٢٠٦).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
لها: مارية".
وفي ارتفاع "مارية" وجوه، يحتمل أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أي: "هي مارية"، فتكون الجملة في محل نصب بالقول، ويحتمل أن تكون مفعولًا لم يسم فاعله بالقول.
قال أبو حيان عند قوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]: هو من الإسناد إلى اللفظ لا لمدلوله، أي: "يطلق عليها هذا اللفظ"، واختاره الزمخشري وابن عطية.
وفيه خلاف ينبني على "القول" هل يعمل في المفرد المراد به مجرد اللفظ؟ نحو: "قلتُ: زيدًا"، فأجازه الزمخشري والزجاج وابن خروف، ومنه قوله:
إِذَا ذُقْتُ فَاهًا قُلْتُ طَعْمُ مُدَامَةٍ . . . . . . . . . . . (١)
قال أبو حيان: ومن النحويين من منع ذلك، وهو الصحيح؛ إذ لا يُحفظ من لسانهم: "قال فلان زيدًا"، ولا: "قال ضرب"، ولا: "قال ليت".
وإنما يعمل في الجملة؛ لأنه موضوع لحكايتها، أو ما كان مفردًا بمعناها، نحو: "قلت خطبة"، أو مصدرًا نحو: "قلت قولًا"، أو صفة له نحو: "قلت حقًّا". (٢)
وقيل (٣) في قوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]: هو مرفوع بالإهمال؛ لأنه لم يتقدّم عامل يؤثر فيه؛ إذ لا يؤثر القول إلا في مفرد متضمن معنى الجملة، فبقي مهملًا، والمهمل إذا ضم إلى [غيره] (٤) ارتفع كقولهم: "واحدٌ، اثنان"،
_________________
(١) صدر بيت من الطويل، وهو لامرئ القيس، وعجزه: "مُعَتَّثَةٍ مِمَّا تجيءُ به التجر". انظر: المعجم المفصل (٣/ ١١).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٦٠)، (٧/ ٤٤٧).
(٣) وهو قول الأعلم. انظر: البحر المحيط (٧/ ٤٤٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٢٢٩ ]
إذا عَدُّوا، ولم يدخلوا عاملًا لفظًا ولا تقديرًا، وعطفوا بعضها على بعض (١). انظره في "المجيد" عند قوله تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠].
قوله: "أتتا أرض الحبشة": الجملة في محلّ خبر "كان"، و"أتتا" فعل وفاعل، و"أرض" مفعول به.
وهمزة "أرض" أصلية من قولهم: "أرضت القرحة"، إذا "اتسعت"، وقيل: سميت أرضًا لأنَّ الأقدام ترضها، وهو فاسد؛ لاختلاف المادتين (٢).
و"الأرض" مؤنثة، وتُجمع على ["آرُض"، و"آرَاضٍ"] (٣)، وبالواو والنون رفعًا وجرًّا؛ فتفتح ["العين"] (٤)، [وبالألف والتاء] (٥) قالوا "أرضات" (٦).
وجمع [جمعها] (٧): "أرْآض" كـ "أرطاب".
وجمع "الحبشة": "حبشان"، مثل: "حَمَل، وحُمْلان" (٨).
[قوله] (٩): "وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا": "كان" واسمها وخبرها، الخبر جملة "أتتا"، وفاعل "أتتا" الألِف، و"أَتَى" يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو "أرض"،
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٧/ ٤٤٧).
(٢) انظر: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (١/ ٤٣)، الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٦٤)، التعاريف للمناوي (٤٥).
(٣) بالنسخ: "أارض وأاراض". والمثبت بالرجوع للمصادر.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب). والمراد: "الراء".
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب) والمصادر.
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٠)، الصحاح (٣/ ١٠٦٣)، لسان العرب (٧/ ١١١، ١١٢)، والمحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٢٢٠).
(٧) بالنسخ: "جميعها".
(٨) انظر: الصحاح (٣/ ٩٩٩)، لسان العرب (٦/ ٢٧٨).
(٩) بياض بالأصل. وسقط من (ب).
[ ٢ / ٢٣٠ ]
والجملة من "كان" معطوفة على ما قبلها.
"فذكرتا": معطوف على "أتتا".
وشرط بعضهم في خبر "كان" إذا كان ماضيًا اقترانه بـ "قد"، والصحيح أنه لا يلزم، وعلى ذلك أكثر الأحاديث (١).
قال في "التسهيل": ولا يدخل "صار"، و"ليس"، و"ما دام"، و"ما زال"، و"ما انفك"، و"برح"، و"فتئ"، و"فتأ"، و"أفتأ"، و"ونى"، و"رام" على مبتدأ خبره فعل ماض.
قال: ويجوز دخول ما بقي من الأفعال الناقصة عليه مطلقًا، خلافًا لمن شرط في خبر "كان" إن كان ماضيًا أن تقترن به "قد" (٢)، هذا معنى كلامه.
قوله: "فذكرتا": لا تعقيب في "الفاء"، وإن كان فيها معنى السببية.
و"من" في قوله: "من حسنها" يحتمل أن تكون زائدة عند من يقول بزيادتها في الواجب، أي: "ذكرتا حسنها"، ولذلك عطف "وتصاوير" عليه، ويحتمل أن يكون "تصاوير" مجرورًا، وعلامة الجر الفتحة لأنه لا ينصرف، و"من" لبيان الجنس.
ويحتمل أن يكون في الكلام محذوف، أي: "فذكرتا من حسنها ما يوجب تعظيمها والترغيب فيها"، فيكون المفعول محذوفًا، ويدل على ذلك إنكار النبي - ﷺ - صفتهما لها، فـ "ما" المحذوفة مفعول "ذكرتا"، والله أعلم.
ويحتمل أن تكون "من" للتبعيض، أي: "ذكرتا بعض حسنها وبعض تصاوير فيها".
_________________
(١) انظر: اللباب لابن عادل (١٨/ ٢٥١)، والبحر المحيط (١٠/ ٤٠)، شرح الأشموني (١/ ٢١٩)، شرح الكافية الشافية (١/ ٣٩٤).
(٢) انظر: تسهيل الفوائد (ص/ ٥٢)، وشرح التسهيل (١/ ٣٣٣).
[ ٢ / ٢٣١ ]
ومتى قدَّرت زيادة "من" جاز في "تصاوير" النصب بالعطف على محل "حُسنها" ويكون من عطف مفعول على مفعول.
قوله: "فرفع رأسه": فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ما قبله، و"الفاء" سببية، وكذلك "فقال"، ويحتمل أن يكون معطوفًا على محذوف، أي: "فسمع كلامهم فرفع رأسه فقال".
"أولئك إذا مات": جملة "أولئك" إلى آخرها منصوبة المحل بالقول، و"الكاف" هنا مكسورة على خطاب المتكلمة من جملة النساء، ويحتمل الفتح باعتبار الجنس.
وجملة "مات" في محل جر بالظرف إن كان العامل فيه الجواب، وإن كان العامل في "إذا" فعلها كانت في محل جزم به، وقد تقدَّم القول في ذلك في ثاني حديث من أول الكتاب.
وخبر "أولئك": جملة الشرط وجوابه.
ويحتمل معنى قولها: "فرفع رأسه" أحد أمرين: إما أن يكون جالسًا منكسًا رأسه لضعفه - ﷺ -، أو يكون مضطجعًا فرفع رأسه لينظر إليهم، ويظهر لهم ما وجده - ﷺ - من الغضب في وجهه، فقد كان - ﷺ - يُعرف غضبه في وجهه.
قوله: "بنوا على قبره": أصل "بنوا": "بنيوا"، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ثم اجتمعت "الألف" ساكنة و"واو" الضمير ساكنة، حذف "الألف" لالتقاء الساكنين.
و"على قبره": يتعلق بـ "بنوا".
و"مسجدًا": مفعول به. وفي جيمه الفتح والكسر، وهو فيهما بمعنى، ففي "الصّحاح": "المسجَد" بالفتح: "جبهة الرجُل". و"الآرابُ": "السبعةُ مساجد" (١).
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٤٨٥).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
"ثم صوّروا فيه تلك الصّورة": "تلك" مفعول "صوَّروا"، و["الصّورة"] (١) نعت له، و"فيه" يتعلّق بـ "صوَّروا".
وهنا محذوف: أي: "صوَّروا مثل تلك الصورة"، أو يكون معنى "صوّروا": "مثَّلوا تلك الصورة".
قوله: "أولئك شرار الخلق": "أولئك" مبتدأ و"شرار" خبره، وهو جمع "شرّ" أفعل للتفضيل، وجُمِع ليطابق "أولئك"، ويجوز الإفراد لأن "أفعل" مضاف إلى معرفة.
وقد تقدّم بيان ذلك في الحديث الأوّل من "كتاب الصلاة".
قوله: ["عند الله": ومخفوض به] (٢)، العامل فيه "شرار"؛ لأنه جمع "شرّ"، و"شرّ" أفعل التفضيل.
الحديث [الثاني] (٣) عشر:
[١٦٥]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
[قَالَتْ] (٤): وَلَوْلا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٥).
قوله: "قال رسول الله": جملة في محل نصب بـ "قالت"، و"رسول الله" فاعل "قال"، و"في مرضه" يتعلق بـ "قال".
_________________
(١) في النسخ: "الصور".
(٢) كذا بالنسخ، وفي (ب) بياض بموضع لفظ الجلالة.
(٣) في النسخ: الحادي، وذكر سبب التغيير.
(٤) بالنسخ: "قال". والمثبت من نسخ "العمدة" ومصادر التخريج.
(٥) رواه البخاري (١٣٣٠) في الجنائز، ومسلم (٥٣٠) (٢١) في المساجد.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قوله: "الذي لم يقم منه": [منه] (١) يتعلق بـ "يقم"، ويحتمل أن تكون للتعليل، أي: "لم يقم لأجله"، مثل قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩] (٢).
قوله: "لعن الله اليهود والنصارى": محل هذه الجملة منصوب بالقول.
قال في "الصّحاح": لفظ "اليهود" أرادوا به: ["اليهوديين"] (٣)، ولكنهم حذفوا "ياء" الإضافة، يعني "ياء" النسب من "يهودي"، كما قالوا: "زنجي" و"زنج"، وإنما عُرف على هذا الحد فجمع على قياس: "شعيرة" و"شعير"، ثم عرف الجمع بالألِف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام عليه؛ لأنه معرفة مؤنث، يجري في كلامه مجرى القبيلة، ولم يجعل كالحيِّ (٤). انتهى.
قال أبو حيَّان: "اليهود": "الياء" أصلية، ليست من مادة "هود"؛ لثبوت "الياء" في التصريف؛ يقال: "هاد"، "يَهِيدُ".
قال الشلوبين: في "يهود" وجهان، أحدهما: أن يكون جمع "يهودي"؛ فتكون نكرة مصروفة. والثاني: أن يكون عَلمًا لهذه القبيلة؛ فيكون ممنوع الصرف. وعلى الأوّل: دخلته الألِف واللام؛ فقالوا: "اليهود"، إذ لو كان عَلمًا لما دخلته (٥).
وأما "النصارى": فجمع "نَصْران" و"نَصْرانة"، كـ "نَدْمان" و"نَدْمانة"، قاله سيبويه (٦).
_________________
(١) في الأصل: ومنه.
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤١)، والكشاف (١/ ٨٥).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "اليهود".
(٤) انظر: الصحاح (٢/ ٥٥٧).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٨٥، ٥٤١).
(٦) انظر: الكتاب (٣/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٢٣٤ ]
ولا يمتنع "نَصْران" من الصّرف؛ لأنَّ مؤنثه "نَصْرانة".
قال سيبويه: إلا أنه لا يُستعمل في الكلام إلَّا بياء النسب (١)، فيكون كـ "لِحْيان" و"لِحْيانيّ".
وقال الخليل: واحد "النَّصَارَى": "نَصْرِيُّ"، كـ "مَهْرِيّ" و"مَهَارَى".
وقيل: هو منسوب إلى "نَصْرَة"، قريةٍ نزلها عيسى - ﵇ -.
وقيل (٢): نسبوا إلى "نَاصِرَة": [قرية نزلها] (٣)، ولكنه غُيِّر في النسب.
ومنع "نصارى" من الصّرف؛ لأنَّ ألِفه للتأنيث (٤). انتهى من "المجيد".
قوله: "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد": هذه الجملة عِلّةٌ لِلَّعن، أي: "لأجل أن اتخذوا"، ومثله قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا﴾ [التوبة: ٣٠، ٣١] أي: لأنهم اتخذوا. ويحتمل الاستئناف، أي: "هم اتخذوا".
وأصل "اتَّخَذ" "اِوْتَخَذ"، فأُبدلت "الواو" تاء، ثم أدغمت في "التاء". وقيل: أصل "اِتَّخَذ"، "افتعل" من "أَخَذ" (٥).
_________________
(١) انظر: الكتاب (٣/ ٢٥٥).
(٢) هو قول قتادة. انظر: البحر المحيط (١/ ٣٨٦).
(٣) عبارة أبي حيان: "وهي قرية نزلوها". انظر: البحر المحيط (١/ ٣٨٥، ٣٨٦).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٨٥، ٣٨٦، ٣٨٩).
(٥) انظر: الصحاح (٢/ ٥٥٩)، البحر المحيط (٧/ ٢١١)، وتاج العروس (٩/ ٣٧٩). قال صاحب إعراب القرآن وبيانه: "وقد أُثيرت معركة طريفة حول (اتَّخذ)، فقد استدرك ابن هشام على الجوهري صاحب الصحاح فقال: وقول الجوهريّ في (اتّخذ) أنه (افتعل) من (الأَخْذ) وَهْمٌ، وإنما التاء أصل، وهو من (تَخِذ) ك (اتَّبَع) من (تَبِع). ويعتمد ابن هشام في تخطئته للجوهري على أنه لو كان من (أخذ) لوجب أن يقال: (ايتخذ)؛ لأن الضابط في ذلك أنك تقول في (افتعل) من الإزار: (ايتزر) بإبدال الهمزة ياءً تحتانية، ولا يجوز إبدال هذه الياء التحتانية تاءً فوقانية وإدغامها في التاء؛ لأن هذه الياء بدل من همزة وليست أصلية. وقد استدرك آخرون على ابن هشام فقالوا: إنَّ =
[ ٢ / ٢٣٥ ]
قال صاحب "الصحاح": "أَخَذَه، أَخْذًا": "تناوله"، و"الإخذ" بالكسر [الاسم] (١)، والأمر منه: "خُذْ"، وأصله: "أُأْخُذْ" (٢).
وقياسه أن تبدل همزته "ياءً"، فيُقال: "ايتخذ"، [كـ "ائتمن"] (٣).
والأصل في هذا: أنه متى كانت "فَاء" الكلمة واوًا أو "ياءً"، وبُنِيت "افتعل" منها، [فالفصيح] (٤) إبدالها "ياء"، وإدغامها في "تاء" الافتعال، كـ "اتصل" من "الوصل" و"اتسر" من "اليسر" (٥)، فإن [كان] (٦) "فاء" الكلمة "همزة" أُبْدِلت "الهمزة" ياءً، والقياس إقرارها، وقد تبدل "تاء" ثم تدغم قالوا: ["اتَّمن" في] (٧) "ائتمن" (٨) وعلى هذا جاء: "اتخذ". وقيل: أصله "تخذ"؛ لأنَّ العرب تقول: "تخذ" بمعنى ["أخذ"] (٩).
_________________
(١) = الإقدام على تغليط الجوهري ليس بالهين؛ فيجوز أن يكون ذلك مذهبًا له، ولا يقال: الجوهري ليس من أرباب المذاهب، مع أن الظاهر يساعده. فما قاله الجوهري وجه، والوجه الثاني ما ذكره ابن هشام" اهـ. انظر: إعراب القرآن وبيانه (١/ ١٧٢، ١٧٣)، وضياء السالك (٤/ ٤٠٠، ٤٠١)، وشرح الأشموني (٤/ ١٣٤)، وشرح التصريح (٢/ ٧٣٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الصحاح (٢/ ٥٥٩).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: شرح الأشموني على الألفية (٤/ ١٣٣)، وشرح ابن عقيل (٤/ ٢٨٥)، والنحو الواضح (٢/ ٤٢).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٩) انظر: لسان العرب (١٣/ ٢٢)، والمحكم والمحيط الأعظم (١٠/ ٤٩٣).
(١٠) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٢٣٦ ]
[قال] (١) تعالى: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]،
ويتعدّى "اتخذ" إلى واحد، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، ولاثنين بمعنى: "صيَّر" (٢)، كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣].
وهو هنا متعدٍّ إلى اثنين، الثّاني: "مساجد".
وتقدّم الكلام على ذلك مستوفىً فِي الثالث من "الحيض".
قوله: "ولولا ذلك": "لولا" تقدَّم ذكرها في مواضع، منها في "باب السواك"، وفي الثالث من "باب استقبال القبلة". وهي هنا حرف امتناع لوجود، والواقع بعدها مبتدأ وخبره أبدًا محذوف عند الجمهور (٣)، وقيل: الخبر في الجواب (٤).
وقال الفراء: الواقع بعدها مرفوع بها، وقال الكسائي: مرفوع بفعل محذوف (٥).
ويقع بعدها ضمير مجرور (٦)، خلافًا للمبرد في منعه ذلك (٧). وهو في موضع جرٍّ بها عند سيبويه، وفي موضع رفع عند الأخفش (٨) من باب استعارة ضمير الرفع
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) تسهيل الفوائد (ص ٧٠، ٧١).
(٣) انظر: الجنى الداني (ص ٥٩٩).
(٤) هو قول ابن الطراوة، وهو ضعيف. انظر: الجنى الداني (ص ٦٠١).
(٥) انظر: الجنى الداني (ص ٦٠١، ٦٠٢).
(٦) انظر: الجنى الداني (ص ٦٠٢، ٦٠٣).
(٧) قال صاحب الجنى الداني: "قال الشلوبين: اتفق أئمة البصريين والكوفيين، كالخليل، وسيبويه، والكسائي، والفراء، على رواية (لولاك) عن العرب، فإنكار المبرد له هذيان". انظر: الجنى الداني (ص ٦٠٥).
(٨) انظر: الجنى الداني (ص ٦٠٣، ٦٠٤).
[ ٢ / ٢٣٧ ]
للجر في قولهم: "ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا" (١).
وذهب بعضهم إلى أن "لولا" تكون نافية (٢)، وجعل منه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨]. وليس بصواب.
إذا ثبت ذلك: فاعلم أنّ "ذلك" هنا رُفع بالابتداء على المذهب الصحيح، والخبر محذوف، والتقدير: "لولا خوفُ ذلك لأبرز قبرُه".
وجواب "لولا" إذا كان [مثبتًا باللام] (٣) عند الأكثرين (٤)، وقد وقع هنا بغير "لام"، ولم يجيء في القرآن بغيرها إلا فيما زعم بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا﴾ [يوسف: ٢٤]، قيل: "همَّ بها" جواب "لولا"، والتقدير: "لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها".
وقد جاء من كلامهم بغير لام، وبعضهم خصّ ذلك بالشِّعر.
فعلى هذا يكون ما ورد هنا، وهو قوله: "أُبرز قبرُه" من القليل، ويرُد ذلك على قول من قال: يختصّ ذلك بالشّعر.
ومن الشعر قوله:
لولا الحَياءُ وباقِى الدِّينِ عبْتُكُما ببَعْض ما فيكما إِذْ عبْتُمَا عَوَرى (٥)
_________________
(١) يجوز نيابة ضمير عن ضمير في المنفصل وذلك لشبه الضمائر المنفصلة في استقلالها بالأسماء الظاهرة. انظر: شرح شافية ابن الحاجب (٤/ ٤٢٦)، ومغني اللبيب (٣٦١).
(٢) هو قول علي بن عيسى، والنحاس. انظر: الجنى الداني (ص ٦٠٨).
(٣) كذا بالنسخ.
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٥٩٨، ٥٩٩).
(٥) البيت من البسيط، وهو لتميم بن أبي بن مقبل، من بني العجلان. انظر: الشعر والشعراء (١/ ٤٤٦)، والمعجم المفصل (٣/ ٥٥٩).
[ ٢ / ٢٣٨ ]
فقال: "عبتُكما"، بغير "لام".
ورأيته (١) في بعض النسخ باللام: "لأُبرز قبره"، فجرى على القاعدة في جواب "لولا".
قوله: "غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا": "غير" هنا منصوبة على الاستثناء المنقطع، أي: "لكنه خشي"، كقول النابغة الذُّبياني:
ولا عَيْبَ فيهمْ غيرَ أنَّ سيُوفَهُم بهنّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ (٢)
معناه: "لكن سيوفهم بهن فلول"، ومثله:
فتًى كَمُلَتْ أعراقه غَيْرَ أنَّهُ جَوَادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ المَالِ بَاقِيَا (٣)
و"غير" إذا أضيف إلى "ما" أو إلى "أنْ" أو إلى "أنَّ" المشددة يجوز بناؤها (٤)، كقول الشاعر:
لَمْ يَمنع الشربَ منها غيرَ أنْ نطقَتْ حَمامة في غصونٍ ذات أوقالِ (٥)
_________________
(١) يعني: حديث الباب.
(٢) البيت من الطويل. انظر: المعجم المفصل (١/ ٣٤٥)، تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر (ص ١٣٣)، والبديع في البديع لابن المعتز (ص ١٥٧)، والحيوان (٤/ ٣٩٤).
(٣) البيت من الطويل، وهو للنابغة الجعدي. ويروى فيه: "كملت خيراته" و"أخلاقه". انظر: المعجم المفصل (٨/ ٣٤١)، والكتاب لسيبويه (٢/ ٣٢٧)، خزانة الأدب (٣/ ٣٣٤، ٣٣٦).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٣١٢، ٣١٣)، والتبيين عن مذاهب النحويين (ص ٤١٦ - ٤١٨)، ومغني اللبيب (ص ٢١١).
(٥) البيت من البسيط، وهو لأبي قيس بن الأسلت، وقيل: لأبي قيس بن رفاعة. انظر: المعجم المفصل (٦/ ٤١٦)، وخزانة الأدب للبغدادي (٦/ ٥٣٢).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
فبنى "غير" على الفتح [وهي] (١) فاعلة، وكذلك "مثل" إذا أضيفت إلى الحروف الثلاثة (٢).
و"الأَوْقَال" جمع "وَقْل"، ومنه: "التَّوَقُّل [في الجبل"] (٣)، وهو "الصعود فيه" (٤).
قوله: "غير أنه خشِي": الضمير ضمير الأمر والشأن، و"خشي" مبني للمفعول، أو للفاعل، ويعود على "النبي - ﷺ -"، يدلّ على ذلك سياقُ الكلام. وجملة "خشي" مع ما [بعده] (٥) في محل خبر "أن".
و"أن يُتَّخَذ": مفعولٌ لم يسمَّ فاعلُه، أو مفعول. و"يُتخذَ" منصوب بـ "أنْ"، وقد رُويَ: "لولا ذلك لأَبْرَز قبره"، على أنه مبنيٌّ للفاعل، بمعنى: "أَمَر بإبرازه، ولكنه [خشي"] (٦).
والضّمير في "لكنه" ضمير "النبي - ﷺ -"، وفي هذا [بُعْدٌ] (٧)؛ لأنه لو أراد أن لا يُبرَزَ قبرُه لَوَصَّى بذلك.
_________________
(١) بالنسخ: "إما".
(٢) انظر: تفسير القرطبي (١٧/ ٤٤)، والبحر المحيط (٩/ ٥٥٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الصحاح (٥/ ١٨٤٤)، ولسان العرب (١١/ ٧٣٤).
(٥) كذا بالنسخ.
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) في (ب): "أبعد".
[ ٢ / ٢٤٠ ]
الحديث [الثّالث] (١) عشر:
[١٦٦]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ" (٢).
قوله: "ليس منا من ضرب الخدود": "مَنْ" موصولة بمعنى "الذي"، و"ضرب" في محل الصلة، والعائد ضمير الفاعل، والصّلة والموصول في محل رفع [اسم] (٣) "ليس".
و"ليس" من أخوات "كان"، تقدّمت في الحديث الأول من "الحيض". وتجيء حرفًا بمعنى "ما"، تقول: "ليس زيد إلا قائم".
قال ابنُ مالك في قول ابن عمر - ﵁ -: "كَانَ المسْلِمُون حِينَ قَدِمُوا المدِينَةَ يجتَمِعُون فيتَحيّنُون الصّلَاة، لَيْس يُنَادَى لهَا" (٤): دليل على حرفية "ليس"، فلا يكون لها اسم ولا خبر.
وأشار إلى ذلك سيبويه، قال بعضُ العرب: "ليس الطيب إلا المسكُ"، بالرفع، وأجازوا في قولهم: "ليس خلق الله مثله"، حرفية "ليس" وفعليتَها، على أن يكون اسمُها ضميرَ الشأن، والجملة بعدها خبر.
قال: وإن جُوِّز الوجهان في "ليس" فغير ممتنع.
قال: وقد تستعمل "ليس" للنفي العام المستغرق به الجنس، وهو ممَّا يُغفل عنه.
_________________
(١) في النسخ: الثاني، وذكر سبب التغيير عند الحديث السادس من الباب.
(٢) رواه البخاري (١٢٩٤) في الجنائز، ومسلم (١٠٣) في الإيمان.
(٣) في النسخ: "خبر ليس"، والصواب ما أثبتناه، ولعله سبق قلم.
(٤) صحيحٌ: رواه البخاري برقم (٦٠٤)، من حديث ابن عمر.
[ ٢ / ٢٤١ ]
قلت: يريد أنها تكون مثل "لا" في نفي الجنس.
ومثل ذلك: قوله - ﷺ -: "لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ" (١). ومثله: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦]
ولك أن تجعل اسم "ليس" في قولهم: "ليس هذا أريد"، ضميرَ الأمر والشأن و"أريد" خبرًا، و"هذا" مفعول مقدّم.
أو تجعل "هذا" اسمها، و"أريد" خبرها.
ولك أن تجعل "ليس" حرفًا لا اسم لها ولا خبر (٢).
إذا ثبت ذلك: فـ"ليس" هنا العاملة، واسمها "مَن" الموصولة، كما تقدَّم.
و"الخدود"" جمع "خَدّ" (٣)، فإن كانت الألف واللام للجنس صحَّ معنى الجمع، وإن كان المراد ما يقع عليه من كل فرد فالخدود تثنية في المعنى دون اللفظ، نحو قوله ﵊: "إِزْرَةُ المُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ" (٤)، ومنه: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠]، وقول العرب: "شابت مفارقُه" (٥).
وقوله: "وشقّ الجيوب": فيه ضم "الجيم" وكسرها، قراءتان ولغتان، جمع
_________________
(١) صحيح: البخاري (٦٥٧)، من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٩٩، ٢٠٠).
(٣) انظر: لسان العرب (٣/ ١٦٠).
(٤) صحيح: رواه ابن ماجه (٣٥٧٣)، والنسائي في الكبرى (٩٦٢٦)، من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير وزيادته"، برقم (٩١٩).
(٥) هذه مسألة استعمال كل من ألفاظ المفرد والمثنى والجمع للدلالة على غير ما وضع له، والأصل في كلام العرب دلالة كل لفظ على ما وضع له، فيدل المفرد على المفرد، والمثنى على اثنين، والجمع على جمع، وقد يخرج عن هذا الأصل بضوابط. انظر: همع الهوامع (١/ ١٩٤ - ١٩٦).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
"جيب". قال في "الصحاح": "الجيب": "القميص"، تقول: "جُبْتُ القميصَ"، "أجوبُهُ" و"أَجِيبُهُ" إذا "قَوَّرْت جَيْبَهُ"، قال الراجز:
باتَتْ تَجِيبُ أَدْعَجَ الظَّلامِ جَيْبَ البِيَطْرِ مِدْرَعَ الهُمامِ (١) (٢)
قوله: "ودعا بدعوى الجاهلية": قال الشيخ تقيّ الدِّين: " [دعوى] (٣) الجاهلية" ينطلق على أمرين: -
أحدهما: ما كانت العرب تفعله في القتال من الدّعوى.
والثاني: - وهو الذي ينبغي أن يحمل عليه هذا الحديث وهو - ما كانت تقوله عند موت الميت، كقولهم: "وا جبلاه"، "وا سنداه"، "وا سيداه" (٤).
الحديث [الرابع] (٥) عشر:
[١٦٧]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ شهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ. وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ". قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ" (٦).
وَلِمُسْلِمٍ: "أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ" (٧).
قوله: "من شهد الجنازة": "من" اسم شرط في موضع رفع بالابتداء، و"شهد"
_________________
(١) البيت من الرجز، وهو بلا نسبة. انظر: لسان العرب (١/ ٢٨٦)، المعجم المفصل في شواهد العربية (١٢/ ١٣٧).
(٢) انظر: الصحاح (١/ ١٠٤).
(٣) بالنسخ: "دعوة". والمثبت من المصدر.
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٧٣).
(٥) في النسخ: "الثالث".
(٦) رواه البخاري (١٣٢٥) في الجنائز، ومسلم (٩٤٥) في الجنائز.
(٧) رواه مسلم (٩٤٥)، (٥٣) في الجنائز.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
في محل الخبر، وقد تقدَّم الكلام على "مَنْ" الشرطية، وأين يكون خبرها، في الرّابع من أول الكتاب، وفي العاشر منه.
و"الجنازة": مفعول "شهد"، وجملة الشرط في محلّ نصب بـ "قال" الثانية، و"قال" الأولى عاملة في محلّ [رفع ما فهم به] (١).
قوله: "حتى يصلِّيَ عليها": تقدَّم في الحديث الثّاني من أول الكتاب الكلام على "حتى". و"يُصلِّيَ" هنا منصوب بإضمار "أنْ" بعد "حتى"، فتكون "الياء" مفتوحة؛ لأن الفعل المضارع المعتلَّ بالياء و"الواو" إذا دخل عليه الناصب كانت العلامة لفظًا فتحة ظاهرة، وقد رأيتُه في بعض النسخ المقروءة بسكون "الياء"، فإن ثبت روايةً فهي لُغة.
قال ابن مالك في حديث المغارة: ""فإنْ وجدتُهما راقدَيْن وقفتُ على رؤوسِهما حتى يستيقظان" (٢): وهو مثل: "حَتَّى يروْنَه قَدْ سَجَدَ" (٣) (٤)، وهذا بناء على أنّ الفعل مبنيٌّ للفاعل.
فإن كانت الرواية: "حتى يُصلَّى" عليها مبنيٌّ للمفعول، فالياء أيضًا ساكنة؛ لأنَّ الفعل المعتل بالألف لا تظهر فيه علامة النصب.
قوله: "فله قيراط": "الفاء" جواب الشرط، و"له" [متعلِّق] (٥) بخبر "قيراط"،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وبياض في (ب).
(٢) صحيح: بعض حديث رواه الطبراني في الكبير برقم (١٥٩)، وفي الأوسط برقم (٤٥٩٧)، والبزار في مسنده برقم (٩٤٩٨). وعلَّق عليه الهيثميّ فقال: "رواه البزار والطبراني في الأوسط بأسانيد، ورجال البزار وأحد أسانيد الطبراني رجالهما رجال الصحيح". انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٨/ ١٤٣).
(٣) صحيح: رواه البخاري برقم (٧٤٧).
(٤) انظر: شواهد التوضيح والتصحيح (ص ٢٣٧).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وهو المسوّغ للابتداء بالنكرة (١).
قوله: "ومن شهدها حتى تدفن": الفعل هنا منصوب بإضمار "أنْ"، أيْ: "إلى أنْ تُدفن". وجواب الشرط قوله: "فله قيراطان"، والإعراب كالإعراب.
قوله: "قيل: وما القيراطان؟ ": "قيل" تقدم الكلام عليه في الثاني من "فضل الجماعة". والفعل مبني لما لم يسم فاعله، كُسِر أوَّلُه بكسرة "الواو" فانقلبت "الواو" ياءً، وفيه الإشمام، وفيه إخلاص ضم "الفاء" وسكون "العين" (٢). والفاعل محذوف للإبهام، أي: "قال المخاطب". والمفعول الذي لم يسم فاعله هو الجملة من قوله: "وما القيراطان؟ ".
قال أبو حيّان: وهذا على مذهب من يجوِّز أن يقع الفاعل جملة، وقيل: مُضمر في "قيل" يفسره سياق الكلام تقديره: "هو" (٣).
قوله: "وما القيراطان؟ ": "ما" استفهامية مبتدأ، و"القيراطان" خبره.
وقيل: "القيراطان" مبتدأ، و"ما" خبر عنه؛ لأنها نكرة. وأجيب: بأن فيها معنًى سوَّغ الابتداء بها، وهو الاستفهام.
وتقدم أنَّ الجملة معمولة للقول.
قوله: "قال": الفاعل ضمير "النبي - ﷺ -".
و"مثلُ" خبر مبتدأ محذوف، أي: "هما مثلُ"، و"الجبلين" مضاف إليه.
وأُفرِدَ "مِثْلُ" وإن كان خبرًا عن مثنى؛ [لأنه] (٤) يُثنَّى ويُجمع، كقول الشاعر:
_________________
(١) انظر: نتائج الفكر (ص ٣١٥).
(٢) انظر: الشافية في علمي التصريف والخط (ص ٩٢)، وشرح المفصل (٥/ ٤٤٤، ٤٤٥)، وشرح شافية ابن الحاجب (٢/ ٨٠٦ - ٨٠٨).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٥، ١٠٦).
(٤) كذا بالنسخ، والمراد: "مع أنه"، وهو ما يقتضيه السياق، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
. . . . . . . . والشَّرُّ بالشَّرّ عِنْدَ اللهِ مِثْلانِ (١)
فكان حقه أن يقول: "مثلا الجبلين العظيمين"، ووجهُهُ: أنَّ "مثل" تكون بمعنى الحال والصفة، والقصة والشأن، ذكره الزمخشريّ (٢) وغيرُه، فيكون التقدير هنا: "صفتُهما صفةُ الجبلين". وحذْفُ المبتدأ جائز كثير فصيح.
وقد أوجبوا حذف المبتدأ في مواضع، منها: -
إذا أُخبر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح، نحو: "الحمد لله الحميد"، أو ذمٍّ، نحو: "أعوذ بالله من إبليس عدو الله".
أو ترحُّم، نحو: "مررت بعبدك المسكين".
أو [مصدر] (٣) جيء به بدَلًا من اللفظ بفعله، نحو: "سمعٌ وطاعةٌ"، و﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٤) [يوسف: ١٨]، على تقدير: "أمري".
أو لمخصوص يعمّ "نعم" أو "بئس" المؤخّر عنهما، نحو: "نعم الرجل زيدٌ"، و"بئس الرجل عمروٌ".
ومنه: "مَنْ أنت؟ زيدٌ"، أيْ: "أأنت زيدٌ؟ " عند كلامه لك.
ومنه: "في ذمتي لأفعلنَّ"، أي: "في ذمَّتي ميثاقٌ أو عهدٌ" (٥).
_________________
(١) عجز بيت من البسيط، وهو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وقيل: هو لكعب بن مالك، وصدره: "مَنْ يَفْعَل الحَسَناتِ اللهُ يَشْكُرُها". انظر: المعجم المفصل (٨/ ١٨٢)، ونواهد الأبكار وشوارد الأفكار (٢/ ٣٧٠).
(٢) انظر: الكشاف (١/ ٧٢، ٧٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "بمصدر".
(٤) بالنسخ: "صبر".
(٥) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٨٧، ٢٨٨)، وأوضح المسالك (١/ ٢١٤ - ٢١٦)، وشرح التصريح (١/ ٢٢١ - ٢٢٣).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
قوله: "ولمسلمٍ": يتعلق بـ "جاء"، أي: "وجاء لمسلم"، أو: "رُوي"، وتقدم قريبًا منه.
قوله: "أصغرُهما": مبتدأ، خبره "مثلُ جبلِ أُحُد"، والجملة كلها من "أصغرهما" وما يتعلق به في محل فاعل "جاء" الذي يتعلق به "لمسلم"، أو مفعول لم يُسمَّ فاعلُه إنْ قُدِّر "رُوِيَ"
قال الشيخ تقيُّ الدّين: وهذا من مجاز التشبيه، [تشبيهًا للمعنى] (١) العظيم بالجسم العظيم (٢).
***
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "تشبيه المعنى".
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٧٣).
[ ٢ / ٢٤٧ ]