[الحديث الأوّل] (١):
[١٦٨]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ: "إنَّك سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ" (٢).
قوله: "ستأتي قومًا": فعل مستقبل، و"قومًا" مفعول به، و"السين" للاستقبال، ولها صدر الكلام، فلا يحسن أن تقول: "قومًا ستأتي"؛ لأنها من حروف المعاني الداخلة على الجمل، ومعناها في نفس المتكلم، فكان لها الصدر، كحروف الاستفهام والنفي والتمني.
قال السهيلي: وكذلك قَبُحَ: " [زيدًا] (٣) سأضرب"، و"زيد سيقوم"، مع أنَّ الخبر عن "زيد" إنما هو بالفعل لا بالمعنى الذي دلت عليه "السين"، فإن ذلك المعنى مستند للمتكلم لا إلى زيد (٤).
قوله: "أهل كتاب": نعتٌ لـ "قوم" أو بدل منه.
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) رواه البخاري (٤٣٤٧) في المغازي.
(٣) بالنسخ: "زيد"، والمثبت من نتائج الفكر (ص ٩٤).
(٤) انظر: نتائج الفكر (ص ٩٣، ٩٤).
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وتقَدّم أن "أهل" تجمع على "أَهْلات" و"أَهَلات" (١) و"أهال" (٢).
قلت: وجُمع على "أهلون" رفعًا و"أهلين" نصبًا وجرًا، مع أنه ليس بعَلَمٍ ولا صفة (٣)، وكذلك ["آلون"] (٤).
وتقدّم الكلام على "إذا" وفعلها وجوابها في الحديث الثاني من أوّل الكتاب.
وجملة "جئتهم": في محل جر بالإضافة إلى "إذا" إنْ قدَّرْتَ "إذا" غير عاملة، وإنْ قَدَّرْتها عاملة فهي في محل جزم بها، و"إذا" في محل نصب بفعلها، وجواب "إذا": "فادعُهم".
و"إلى أن يشهدوا" جار ومجرور، وعَمِلَ حرْفُ الجرِّ في محل أنْ مع الفعل؛ لأن المجرور مقدَّر بمصدر، أيْ: "إلى شهادة".
و"يشهدوا" منصوب بـ "أنْ"، وعلامة النصب حذفُ "النون"؛ لأنه اتصل به ضمير جماعة المذكَّرين العاقلين.
قوله: "أنْ لا إلَه إِلَّا الله": "أنْ" هذه يُحتمل أن تكون المخففة من الثقيلة، أي: "إلى شهادة أنَّه لا إله إلا الله"، فـ "لا إله إلا الله" في محل خبر "أنَّ"، و"أنَّ" هنا في محل جر بالإضافة، وعطف عليه "وأن محمدًا رسول الله"، الضمير المقدَّر مع "أنَّ" هو ضمير الشأن.
_________________
(١) انظر: الكتاب (٣/ ٦٠٠)، وقيل: إن "أهْلات وأهَلات" جمع "أهلة". انظر: شرح المفصل (٣/ ٢٦٢، ٢٦٣).
(٢) وهذا على غير قياس. انظر: شرح المفصل (٣/ ٣٢٦)، وشرح شافية ابن الحاجب (١/ ٤٨٢، ٢/ ٢٠٦).
(٣) انظر: متن قطر الندى (ص ٦)، وشرح ابن عقيل (١/ ٦٣، ٦٢).
(٤) بالنسخ: "أيلون". والمثبت من البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٣٠٤)، وتفسير القرطبي (١/ ٣٨٣).
[ ٢ / ٢٤٩ ]
ويحتمل أن تكون "أنْ" هنا المفسِّرة؛ لأنَّ شروطها كلَّها موجودةٌ، وأنكر الكوفيون "أنْ" المفسِّرة، والجمهور على خلافه.
فمِنْ شروطها: أن تُسبَق بجملة، ولذلك امتنع أن تكون في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ١٠] مفسِّرة (١).
الشرط الثاني: أن تتأخر بعدها جملة، وكذلك وقع هنا.
الشرط الثالث: أن يكون في الجملة السابقة معنى القول لا حروفه، وهذا موجود هنا؛ لأن المراد: "فادعهم إلى أن يقولوا لا إله إلا الله".
فـ "يشهدوا" بمعنى: "يقولوا"، وبيَّن ذلك - ﷺ - بقوله: "أمِرْت أنْ أقَاتِل النّاسَ حَتّى يقُولُوا: لَا إله إلَّا الله" (٢).
قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] لأنه ليس المراد بالانطلاق هنا المشي، بل "الانطلاق في القول"، فلا يقال: "قلت له أن افعل" (٣).
قال ابن هشام: وفي شرح الجمل الصّغير لابن عصفور أنها قد تكون [مفسِّرة] (٤) بعد صريح القول (٥).
الشّرط الرابع: أن لا يدخل عليها جارٌّ، فلو قلت: "كتبت إليه بأن افعل"، كانت مصدرية.
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٥٢)، وإعراب القرآن وبيانه (٣/ ٥٨).
(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٣٩٢)، ومسلم برقم (٣٢/ ٢٠).
(٣) انظر: شرح المفصل (٥/ ٨٣، ٨٤)، وحاشية الصبان (٣/ ٤١٨).
(٤) سقط بالنسخ. والمثبت من مغني اللبيب (ص ٤٨).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٤٨، ٤٩).
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وتقدّم الكلام على "أنْ" المخففة في الثاني من "باب الصفوف". وإعراب "لا إله إلا الله" تقدَّم في الحديث الأوّل من "باب التيمم".
قوله: "وأن محمدًا رسول الله": معطوف، أي: "ويشهدوا أنَّ محمدًا رسول الله".
قوله: "فإن هم أطاعوا لك بذلك": "إنْ" حرف شرط، و"هم" فاعل بفعل مقدَّرٍ يفسره ما بعده، والتقدير: "فإن أطاعوا"، فحذف الفعل وبقي ضمير الفاعل المتصل [منفصلًا] (١)، فالفعل الموجود يفسر المحذوف، وعلى هذا مذهب البصريين في أن الشرط لا يليه إلا الفعل.
وأجاز الكوفيون والأخفش وقوع الابتداء بعد الشرط، نحو: "إذا زيدٌ مكرمُك فأكرمْهُ" (٢).
وعلى هذا: يكون "هم" مبتدأ، والخبر الجملة، فيكون للجُملة محلّ من الإعراب، وعلى الأوّل لا يكون لها محلّ من الإعراب.
وتعدَّى "أطاع" باللام تقوية، وإلا فهو يتعدّى بنفسه، تقول: "أطاع لك زيد"، و"أطاعك زيد" (٣).
قوله: "بذلك": "الباء" سببية، أي: "بسبب ذلك"، أو تكون بمعنى "عَلَى"، أي: "على ذلك"، ويكون مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: "على قنطار" (٤)، ويحتمل أن تكون بمعنى "في".
قوله: "فأخبرهم أن الله": في محل نصب أو جرِّ، بتقدير حرف الجر، أي:
_________________
(١) بالنسخ: "منفصل".
(٢) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤١٤)، والكشاف (٤/ ٧٠٧)، وفتح البيان في مقاصد القرآن (١٥/ ٩٣)، وشرح ابن عقيل (٢/ ١٣٢ - ١٣٤).
(٣) انظر: تاج العروس (٢١/ ٤٦١).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٥٢).
[ ٢ / ٢٥١ ]
"أخبرهم بأن الله".
و"أخبر" من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة، وتقدّم الكلام عليها وعملها في الخامس من "فضل الجماعة". ويُحتمل أن تكون "أنَّ" هنا سدَّت مسدَّ معمول "أخبر"، ولذلك فُتِحت.
وقوله: "قد فرض": جملة في محل خبر "أنَّ".
قوله: "خمس صلوات": مفعول "فرض".
قوله: "في كل يوم وليلة": يتعلق بصفة لـ "صلوات"، أي: "كائنات في كلِّ"، أو يتعلق بـ "فَرَض"، وفيه بُعد؛ لأن فَرْضَ الله قديمٌ، إلا أن يُصرَف إلى الوجود.
قوله: "فإن هم أطاعوا لك": تقدم مثلُه قريبًا.
قوله: "تؤخذ": فعل مضارع مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، في محل صفة لـ "صدقةً".
قوله: "من أغنيائهم": "مِنْ" هنا للتبعيض.
قوله: "فتردّ على فقرائهم": مثل "تؤخذ"، لكنه مضاعف، والمفعول القائم مقام الفاعل فيهما مستتر، يعود على الصدقة، والضمير المجرور في قوله: "أغنيائهم" يعود على "القوم".
قوله: "إياك وكرائم أموالهم": هذا تحذير.
قال ابن الحاجب: وهو معمول بتقدير: "اتَّقِ" تحذيرًا مما بعده. (١)
والتقدير هنا: "اتق نفسك أن تتعرض لكرائم أموالهم"، أي: "باعد نفسك منها، وباعدها منك"، ثم حذف الفعل وفاعله، ثم المضاف وهو النفس بحذف موجبه وهو الفعل، فصار الضمير منفصلًا لعدم ما يتصل به.
_________________
(١) انظر: الكافية في علم النحو (ص ٢٢).
[ ٢ / ٢٥٢ ]
ويقدّر الفعل الذي هو "اتق" مؤخرًا لئلا يصير: "اتَّقِك"، فيجتمع ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد، وذلك لا يجوز إلَّا في أفعال القلوب، فيكون التقدير: "إياك وكرائم أموالهم اتق"، فـ "كرائم" معطوف على "إياك".
قالوا: وشذّ من ذلك قول عمر - ﵁ -، وقد عنَّ له أرنب وهو مُحْرِم، وأصحابه مُحْرمون: "إيّاي وأَنْ يحْذفَ أحَدُكم الأَرْنَبَ"، لأنَّ ضمير المتكلم لا يكون تحذيرًا، فهو شذوذ، كما شذ قولهُم: "إذا بلغ الرجل الستين فإيَّاه وإيَّا الشوابّ"، فحذَّر بضمير الغائب، وذلك قليل لا يجوز (١).
قالوا: وفي هذا المثال شذوذ آخر، وهو إقامة الضمير مقام [الظاهر] (٢) والإضافة إليه (٣).
قوله: "واتق دعوة المظلوم": هذا يدل على تقدير "اتق" في الجملة الأولى، و"المظلوم" اسم مفعول، والألف واللام فيه موصولة.
قوله: "فإنه"" لو قال: "فإنها ليس بينها" بالتأنيث عادت الضمائر على الدعوة المؤنثة، وجرَى على الأصل، ولما جاء هنا مذكرًا حُمل على أنه ضمير الأمر والحديث، أي: "فإن الأمر والشأن".
تقدم الكلام على "ليس" في الحديث الأول من "الحيض"، وتقدم الكلام على ضمير الأمر والشأن في الرابع من أوّل الكتاب، وفي السادس من "باب القراءة في الصلاة".
قوله: "ليس بينها وبين الله" الجملة في محل خبر "إنَّ"، وتقدم الكلام على "بين"
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (١/ ٣٩١)، وشرح الأشموني (٣/ ٨٧)، وحاشية الصبان (٣/ ٢٨٣، ٢٨٤)، وأوضح المسالك (٤/ ٧٢)، وشرح الكافية (٣/ ١٣٧٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: أوضح المسالك (٤/ ٧٢)، وشرح التصريح (٢/ ٢٧٦، ٢٧٧).
[ ٢ / ٢٥٣ ]
والعلة في تكرارها وعدم تكرارها في الثاني من "باب الاستسقاء"، وفي الثالث من "باب السواك".
الحديث الثاني:
[١٦٩]: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" (١).
قال الشيخ تقيّ الدّين: يقال: "أواقيُّ" بالتشديد والتخفيف، وتحذَف الياء، وَ"وُقِيَّة" أنكَرها بعضهم (٢).
قلتُ: يعني: لا يُقال إلا: "أوقيّة".
و"الأوقية": أربعون درهمًا، فالنصاب مائتا درهم، والدرهم ينطلق على الفضة الخالصة حقيقة (٣).
و"الذَّوْد": قيل: ينطلق على الواحد. وقيل: إنّه كـ "القوم" و"الرهط" (٤). انتهى.
قال ابن الأثير: "الذَّوْدُ من الإبل": "ما بين الثِّنْتَيْن إلى التسع"، وقيل: "ما بين الثلاث إلى العشر". واللفظة مؤنثة، ولا واحد لها من لفظها، كـ "النَّعم".
وقال أبو عبيد: "الذَّود": "من الإناث دون الذكور" (٥). انتهى.
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٠٥) في الزكاة، ومسلم (٩٧٩) في الزكاة.
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٧٧).
(٣) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٣٤٦)، إحكام الأحكام (١/ ٣٧٧)، إرشاد الساري (٤/ ٣٦)، النهاية لابن الأثير (١/ ٨٠)، (٥/ ٢١٧)، لسان العرب (١٥/ ٤٠٤).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٧٧).
(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٧١).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وتقدّم الكَلامُ على "ليس" في الأوّل من "الحيض".
قوله: "فيما دون": "في" حرف جر، تقدَّم ذكرها في الحديث الرابع من أوّل الكتاب. و"ما" موصولة بمعنى "الذي"، أو نكرة موصوفة، أيْ: "في فضة". و"دون" متعلق بالصلة، أو الصفة، والتقدير: "فيما استقر" أو "ثبت"، ولا يُقدر: "مستقر"؛ لأنَّ المفرد لا يكون صلة الموصول (١).
قوله: "خمس أواق": جرى على أصل العدد من تذكير المؤنث؛ لأنَّ "الأواق" جمع "أوقية"، و"الذَّود" مؤنث فسقطت العلامة فيهما، وثبتت مع "الأوسق" لأنه جمع "وُسق"، مذكر.
ولا بُدَّ هنا من محذوف يقدّر صفة، أي: "خمس أواق من الوَرِق، وخمس ذود من الإبل، وخمسة أوسق من الحبوب".
وحذفُ الصفة كثير، منه قوله في الكتاب العزيز: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. أي: "أيِّ معاد" (٢)، وقوله تعالى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] أي: "البَيِّن" (٣).
و"لا" في قوله "فيما دون" مؤكّدة لمعنى النفي في "ليس"، والجملة معطوفة على الجملة. واسم "ليس": "صدقة"، وخبرها في المجرور، [وبه يتعلق] (٤) حرف الجر. والعامل في "دون" الاستقرار في المجرور.
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (١/ ١٦٨، ١٦٩)، وتوضيح المقاصد (١/ ٤٤٣ وما بعدها).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٣٢٤). وراجع: البحر المحيط (٨/ ٣٣١)، وتفسير النسفي (٢/ ٦٦١)، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور (١٤/ ٣٧٥).
(٣) انظر: التفسير الوسيط للواحدي (١/ ١٥٧)، وتفسير الثعلبي (١/ ٢١٩)، شرح ابن عقيل (٣/ ٢٠٥).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وتقدّم الكلام على "دون"، ولا تستعمل إلا مضافة إلا إذا كانت بمعنى "رديء"؛ فإنها تخرج عن الظرفية (١).
قوله: "خمس ذود": فيه إشكال؛ لأنهم قالوا: "الذود" يقع على الواحد، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ العَدَد لا يُضاف إلى واحد، ولذلك جعل بعضهم الرواية فيه: "خمسٍ ذودٍ" بالتنوين على البدل، فينتفي السؤال.
وأمَّا من جعله واقعًا على أكثر من واحد فيشكل أيضًا؛ بأنه يلزم متى أوقعناه على اثنين أن يكون خمس ذودٍ عشرة، ومتى جعلناه لأكثر من اثنين تعدد إلى خمسة عشر، وليس كذلك، ولذلك قال بعضهم: لا واحد له من لفظه (٢)، فكأنه قال: "خمس نوق".
قال أبو البقاء في إعرابه في قوله - ﷺ -: "ثم أمر لنا بثلاث ذود": الصواب تنوين "ثلاث"، وأن يكون "ذود" بدلًا من "ثلاث"، وكذلك "خمس ذود"، ولو أسقطت التنوين وأضفت لتغير المعنى؛ لأن العدد المضاف غير المضاف إليه، فيلزم أن يكون "ثلاث ذود" تسعة أبعرة؛ لأنَّ أقلَّ ["الذود"] (٣) ثلاثة أبعرة (٤).
قال النواوي: "الوسق" بفتح "الواو" وكسرها، "والورق" بكسر "الراء" وسكونها (٥).
_________________
(١) انظر: تسهيل الفوائد (٩٦).
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٤٧١)، ولسان العرب لابن منظور (٣/ ١٦٩)، وتاج العروس (٨/ ٧٥).
(٣) بالنسخ: "العدد". والمثبت من المصدر.
(٤) انظر: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٢٤).
(٥) انظر: شرح النوويّ على مسلم (٧/ ٥٣).
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الحديث الثّالث:
[١٧٠]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (١).
وَفِي لَفْظٍ: "إلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ" (٢).
تقدَّم الكلام على متعلّق حرف الجر، و"أنّ رسول الله - ﷺ -" في محلّ مفعول لم يسمّ فاعله لمتعلّق "عن".
قوله: "قال": في محلّ خبر "أن"، وجملة "ليس" في محلّ مفعول القول. وتقدّم الكلام على "ليس" في الحديث الأوّل من "الحيض".
و"على المرء": يتعلّق بخبر "ليس" واسمها "صدقة"، و"في عبده" يتعلّق بصفة لـ "صدقة"، تقدَّم فانتصب على الحال، ويحتمل أن يتعلّق بمتعلق "على المرء".
و"لا" في قوله: "ولا فرسه" مؤكّدةٌ للنفي، و"الواو" عاطفة.
و"المرء": "الرجل"، يُقال: "هذا امرؤٌ"، و"رأيتُ امرأً"، ويقال: "مرءان صالحان"، ولا يُجمع على لفظه، وبعضهم يقول: "هذه مرأة صالحة"، و"مَرَةٌ" أيضًا بترك "الهمز" وتحريك "الراء" بالفتح.
فإن جئت بألِف الوصل كان فيه ثلاث لغات: فتح "الراء" على كل حال، تقول: "هذا امرَأٌ"، و"رأيت امرَأً"، و"مررت بامرَإ"، حكاها الفرّاء (٣).
اللغة الثانية: ضمُّها على كُل حال، تقول: "هذا امرُؤ"، و"رأيت امرُؤًا"،
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٦٤) في الزكاة (١٤٦٣)، ومسلم (٩٨٢) في الزكاة.
(٢) هذا لفظ أبي داود (١٥٩٤). والذي في مسلم (٩٨٢) (١٠) في الزكاة: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر".
(٣) انظر: كتاب فيه لغات القرآن (٣١، ٣٢).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
و"مررت بامرُؤٍا".
الثالثة: إجراءُ حركات الإعراب الثلاث على "الراء" بحسب العوامل، فتقول: "هذا امرُؤٌ"، و"رأيت امرَأً"، و"مررت بامرئٍ" (١).
قالوا: ولا جمع له من لفظه.
وتقول: "هذه امرأة"، مفتوح "الراء" على كل حال، فإن صغَّرت أسقطتَ ألف الوصل، فقلت: "مُرَيء" و"مُرَيْئة" (٢).
وإنما جاء اسم "ليس" نكرة لتقدّم خبرها في المجرور.
و"المسلم": بالجر صفة للمرء، وهو اسم فاعل، الألِف واللام فيه موصولة بمعنى "الذي".
واختلف في حرفيتها، والأكثرون على أنها اسم (٣).
قوله: "وفي لفظ": يتعلق بفعل مقدّر، أي: "وجاء في لفظ"، أو: "رُوي في لفظ".
"إلا زكاة": هذه الجملة في محلّ رفع، إمَّا على الفاعلية إنْ قدَّرْت "جاء"، ويكون الإسناد إلى اللفظ لا إلى مدلوله، أو مفعول لم يُسمَّ فاعله إن قدَّرْت "رُوي".
قوله: "إلا زكاة الفطر": يجوز في "زكاة" النصب بالاستثناء، ويجوز الرفع على البدَل، والرّفع أوجَه. والبدَل بعض من كُل، وقد قُرئ: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾
_________________
(١) هذا ما يقال عنه: الاسم الذي يُعرب من مكانين، وهي لغة أهل الحجاز. انظر: كتاب فيه لغات القرآن للفراء (ص ٣٢).
(٢) انظر: الصحاح (١/ ٧٢، ٧٣).
(٣) انظر: شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٢٠٠ وما بعدها)، وحاشية الصبان (١/ ٢٢٦، ٢٢٧).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
[النساء: ٦٦] بالرّفع والنصب (١).
قوله: "في عبده": أي: "عن عبده"، ولذلك يقدَّر: "إلا زكاة الفطر عن الرقيق".
و"الرقيق": "فعيل" بمعنى "مفعول"، وقد يُطلق على الجمع، فهو ["فعيل"] (٢) بمعنى "مفعول" (٣). ولمَّا كان معنى "الصدقة": "الزكاة" صحّ الاستثناء منه؛ لأنّه من جنسه.
الحديث الرّابع:
[١٧١]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ" (٤).
قوله: "العجماء جبار": قال الجوهري: إنما سُميت "عجماء" لأنها لا تتكلّم، فكُل من لا يتكلّم أصلًا فهو "أعجَم مُستعجَم".
و"الأعجم" الذي لا يُفصح ولا يبين كلامه وإن كان من العَرب، والمرأة "عجماء"، ويُقال له: "أعجم" وإن أفصح، إذا كان في لسانه عجمة (٥).
قال الشيخ تقيّ الدّين: "الجبار": "الهَدَر"، و"ما لا يُضمَن". و"العجماء": "الحيوان البهيم" (٦).
_________________
(١) قرأها بالنصب عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر. انظر: البحر المحيط (٦/ ١٨٩)، وتفسير القرطبي (٥/ ٢٧٠).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٢٥١).
(٤) رواه البخاري (١٤٩٩) في الزكاة، ومسلم (١٧١٠) في الحدود.
(٥) انظر: الصحاح (٥/ ١٩٨٠، ١٩٨١).
(٦) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٨٠).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
قال ابن الأثير: سُميت "عجماء" لأنها لا تتكلّم، وكل من لا يقدر على الكلام فهو "أعجم مستعجم" (١).
و"العجماء جبار": مبتدأ وخبر، لكن بتقدير مضاف، أي: "جُرح العجماء"، وكذلك ما عطف عليه.
و"المعدِن": بكسر "الدال"، سمي بذلك؛ لأن الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء (٢).
و"البئر": مؤنثة، وجمعها في القلة: "أَبْؤر" و"أَبْآر"، وفي الكثرة: "بئار" و"بيار" بقلب "الهمزة" ياء (٣).
ومركز كل شيء "معدنه"، ومن ذلك: "جنات عدن" (٤).
وجملة "قال": في محل خبر "أنَّ"، وجملة "العجماء جبار" في محل معمول القول، وجملة "ﷺ" لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها معترضة بين اسم "أن" وخبرها، و"أن" في محل مفعول لمتعلق حرف الجر.
وتقدّم الكلام على "أبي هريرة" وما كان مثله من الأسماء المضافة في الحديث الثاني من أول الكتاب.
وفي قوله: "والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" بَحْثٌ في المناسبة بينه وبين ما تقدَّم، إذْ أول الحديث في الضمان وعدمه، وآخره في "الركاز"، وهو من باب الزّكاة، ولعله لمَّا ذكر المعدِن وله حكمان: عدم ضمان من عطب فيه، والزكاة، فبيَّن - ﷺ - حكم ما جُهل حكمُه، وهو عدم الضمان في المعدن، والزكاة في الركاز. وقدَّم ذِكْر
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٨٧).
(٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢١٦٢)، والمغرب في ترتيب المعرب (ص ٣٠٦).
(٣) انظر: الصحاح (٢/ ٥٨٣).
(٤) انظر: الصحاح (٦/ ٢١٦٢).
[ ٢ / ٢٦٠ ]
العجماء والبئر توطئةً واتساعًا في البيان. وأحال بيان المعدن على ما تقدَّم من قوله: "في الرِّقَّةِ [رُبُع] (١) العُشْر" (٢)، والله أعلم.
الحديث الخامس:
[١٧٢]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عُمَرَ - ﵁ - عَلَى الصَّدَقَةِ. فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ؟ وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، وَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَأَمَّا الْعَبَّاسُ: فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا". ثُمَّ قَالَ: "يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ " (٣).
قوله: "بعث رسولُ الله": أي: "أنه قال: بعث رسولُ الله"، فـ "أنه قال" معمول متعلق حرف الجر، وجملة "بعث" في محل مفعول القول.
و"عمر" لا ينصرف للعدل والعلمية، وعدْله تقديريٌّ، كـ "زُفَر"، وتقدَّم في الحديث الأول تقرير ذلك [بزيادة] (٤).
قوله: "على الصدقة": يتعلق بحال من "عمر" أي: "عاملا على الصدقة"، أو يتعلق بـ "بعث". والألف واللام في "الصدقة" للعهد، أي: "الصدقة المفروضة".
قوله: "فقيل: منع ابن جميل": جملة معطوفة على محذوف مفهوم من سياق الكلام، أي: "بعث عمر فذهب، فامتنع ابن جميل، فقيل"، فهو معطوف على "امتنع"، وهو مبنيٌّ لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه، والقائم مقام الفاعل: الجملةُ على الحكاية،
_________________
(١) بالنسخ: "نصف". والصواب المثبت، بنص الأحاديث.
(٢) صحيح: رواه البخاري برقم (١٤٥٤).
(٣) رواه البخاري (١٤٦٨) في الزكاة، ومسلم (٩٨٣) في الزكاة.
(٤) في الأصل: "زيادة". والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٢٦١ ]
فيكون الإسناد إلى اللفظ لا إلى مدلوله.
قال أبو حيان: هو مذهب كوفيٌّ (١).
وقيل: يقدر ضمير قول.
وتقدَّم توجيه البناء في الفعل المعتل الوسط والقائم مقام الفاعل في الرابع عشر من "الجنائز". وفيه ثلاثة أوجه: كسر "الفاء"، وضمها، والإشمام.
والألف واللام في "الوليد" وفي "العباس" للمح الصفة (٢).
ومفعول "منع" محذوف، أي: "منع دفع الصدقة"، أو: "منع الساعي من أخْذ الواجب".
[قوله] (٣): "فقال رسول الله - ﷺ -": "الفاء" سببية.
"ما ينقم ابن جميل إلا أنّ كان فقيرًا فأغناه الله": "نقم" بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، والعكس (٤).
قال الشيخ تقيّ الدّين: "نَقم" هنا بمعنى "أنكر"، وهذا يدلّ على أنه لا عذر له في الترك، إذ لم يحصل له موجب للمنع، إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله، فلا موجب للمنع وهذا مما يقصد به العرب النفي على سبيل المبالغة بالإثبات، كما قال الشاعر:
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٧/ ٣٩٦).
(٢) تكون "ال" زائدة لِلَمْح الصفة إذا دخلت على اسم من الأعلام الوصفية، للتنبيه على أنه من الأعلام الوصفية، مثل: الحارث، والعباس. انظر: الجنى الداني (ص ١٩٦)، وشرح التسهيل (٣/ ٣٩٩)، وتوضيح المقاصد (١/ ٣٥٧).
(٣) بياض بالأصل. وسقط من (ب).
(٤) انظر: الصحاح للجوهري (٥/ ٢٠٤٥)، ولسان العرب (١٢/ ٥٩١)، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٦١).
[ ٢ / ٢٦٢ ]
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ (١)
لأنه إن لم يكن لهم عيب إلا هذا فهذا ليس بعيب فيهم، بل هو مدح. (٢)
قال ابن الأثير: "نَقِم من فلان الإحسان"، إذا "جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة". ومعنى الحديث: أي: "ما ينقِم ابنُ جميل شيئًا من منع الزكاة إلا أنْ يكفر النعمة"، فكأنَّ غناه أدَّاه إلى كُفر نعمة الله (٣).
قوله: "إلا أنْ كان فقيرًا": الاستثناء مفرَّغ، و"نقِم" متعدٍّ بمعنى أنكر، قال الشيخ تقي الدين: أي: "ما أنكر إلا غناه" (٤).
وعلى قول ابن الأثير يُقدَّر ما بعد "إلا" بالإحسان، أي: "ما نقم ابنُ جميل من الله إلا الإحسان إليه"، وهما يرجعان إلى معنى واحد، فتكون "أنْ" مع صلتها في محل مفعول "ينقم" المقدر بـ "أنكر".
ويحتمل أن تكون "أنْ" وصلتُها في محل مفعول لأجله، وتكون "ينقم" بمعنى: "يعيب"، أي: "ما يعيب ابن جميل طلب الزكاة إلا أن أغناه".
وذكر أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ (٥) [المائدة: ٥٩] إعرابًا، فقال: ""منَّا" مفعول لـ "تنقمون"، و"إلا أنْ آمنا" هو المفعول الأول، فالاستثناء مفرَّغ له ما قبله.
قال: ولا يجوز أن تكون "مِنَّا" حالًا من "أنْ" والفعل لأمرين، أحدُهما: تقدُّم
_________________
(١) البيت من الطويل وهو للنابغة الذبياني. انظر: المعجم المفصل (١/ ٣٤٥)، تحرير التحبير (ص ١٣٣)، والبديع لابن المعتز (ص ١٥٧)، والحيوان (٤/ ٣٩٤).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٦١).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ١١٠، ١١١)، ولسان العرب (١٢/ ٥٩١).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٦١).
(٥) بالأصل: "وما تنقمون".
[ ٢ / ٢٦٣ ]
الحال على "إلا". والثاني: تقدُّم ما في الصّلة على الموصول" (١).
قال أبو حيان: الظاهر أن "مِنْ" هنا بمعنى "على"، أي: "هل تنقمون علينا؟ "، لأنَّ "نقم" يتعدى بـ "على" (٢)، كقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أي: "على القوم" (٣).
قلت: أراد أبو البقاء في "مِنَّا" أنها مفعول ثان، أنَّ الفعل يتعدى إلى المجرور، فهو في محل نصب، وكونه [ثانيًا] (٤) لأن تعدِّى الفعل إلى المفعول به بغير واسطة أقوى من تعديه بواسطة، وكونها لا تكون حالًا مقدَّمة، يريد لأنَّ "أنْ" المصدرية تقدر باسمٍ مفرد، فكأنه قال: "إلا إيمانًا كائنًا منه"، فهو صفة له لو تأخر فمنع منه الاستثناء.
وكون الحال صلة - فلا تتقدّم على الموصول - ظاهر؛ لأنَّ "أنْ" مصدرية كـ "ما" و"أنَّ" المشددة، والحال من تمام الصلة؛ فلا تتقدم على الموصول.
"وأما خالد": "أمَّا" حرف تفصيل، تقدَّم الكلام عليها في السادس من "باب الاستطابة"، وجوابها: "فإنكم تظلمون" في محلّ خبر "إن"، وجملة "قد احتبس" في محل الحال من "خالد"، أو من فاعل "تظلمون"، والرابط "الواو"، وعلى الأول: الرابط "الواو" والضمير.
قوله: "أدراعه وأعتاده": مفعول، ومعطوف عليه.
قال ابن الأثير: "الأدرع": جمع "دِرْع"، وهي "الزَّرَدِيَّة" (٥).
قال: و"الأعتاد": هو "ما أعده الرجل من السلاح والدواب وآلة الحرب"،
_________________
(١) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٤٧).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٠٥).
(٣) انظر: البحر المحيط (٧/ ٤٥٤)، وتفسير القرطبي (١١/ ٣٠٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١١٤).
[ ٢ / ٢٦٤ ]
و"الأَعْتُد" جمع قلة للعتاد، ويجمع على "أعتدة" أيضًا.
قال: وفي الرّواية: "أنه احتبس أدراعه واعتاده" (١).
قال الدَّارقطني: قال أحمد بن حنبل: قال علي بن حفص: "وأعتاده"، وأخطأ فيه [وصحَّف] (٢)؛ فإنما هو: "وأعتُده" (٣).
قلت: انظر كيف جعل "الأعتاد" خطأ مع ثبوتها في الصحيحين؟ !
قال الشيخ تقيّ الدّين: وقع في هذه الرواية: "أعتاده"، ووقع في روايةٍ أخرى: "أعتده"، واختلف فيها: فقيل: "أعتده" بالتاء، وقيل: "أعبُده" بالباء ثاني الحروف، وعلى هذا اختلفوا.
فالظاهر أن "أعبُده" جمع "عبد"، وهو الحيوان العاقل المملوك.
وقيل: إنه جمع صفة، من قولهم: "فرسٌ عبدٌ"، وهو "الطيب"، وقيل: "المُعَدُّ للركوب"، وقيل: "السريع الوثْب". ورجّح بعضهم هذا بأنّ العَادة لم تجر بتحبيس العبيد في سبيل الله، بخلاف "الخيل" (٤).
وإعراب "خالد" بعد "أمَّا" رفعٌ بالابتداء، وخبره في الجواب، والتقدير: "مهما يكن من شيء فخالد مظلوم"، وقد تبين ذلك في موضعه مع "أمَّا" وأحكامها.
وكان وجه الكلام: "فإنكم تظلمونه"؛ لأن المضمر أخصرُ، ولكنه قد يكون الإظهار أبلغ في التنبيه على الشيء، كما يجيء ذلك في التعظيم والتهويل، كما وقع في
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٧٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: لسان العرب (٣/ ٢٨٠)، وشرح القسطلاني (٣/ ٤١)، وذخيرة العقبى في شرح المجتبى (٢٢/ ١٤٧).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٨٢).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
قوله:
لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا (١)
فأعاد المظهر للتعظيم والتهويل، وقد يعاد للتلذذ بذكره، كما قال:
وما سعاد غداة البين. . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعد قوله:
بانت سعاد. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢)
وقد يكون التكرار هنا للتفخيم له، إذ فعل خيرًا وزاد على غيره منْقَبةً، والمراد: "أنَّ من احتبس ماله فلا مال له تجب زكاتُه".
قوله: "وأمَّا العباس: فهي علىَّ ومثلها": قال الشيخ تقيّ الدّين: فيه وجهان، أحدُهما: أن يكون هذا اللفظ صيغة إنشاء لالتزام ما لزم العباس، ويرجّحه قوله: "أن عم الرجل صنو أبيه"، ففي هذا اللفظ إشعار بما ذكرناه؛ فإن كونه صنو أبيه يُناسب تحمُّل ما عليه.
الثاني: [إخبارًا] (٣) عن أمر وقع ومضى، وهو تسلُّف صدقة عامين من
_________________
(١) البيت من الخفيف، وهو لعدي بن زيد، وقيل: لابنه سوادة، وصحّح البغدادي الأول. انظر: المعجم المفصل (٣/ ١٦٨)، وخزانة الأدب للبغدادي (١/ ٣٨١).
(٢) البيتان من البسيط، وهما لكعب بن زهير في ديوانه، وهما من قصيدة أنشدها لرسول الله - ﷺ - يوم أن جاء مسلمًا، وتمام البيتين: بانت سعاد فقلبى اليوم متبول متيّم إثرها لم يجز مكبول وما سعاد غداة البين إذ عرضت إلَّا أغنّ غضيض الطّرف مكحول انظر: الشعر والشعراء (١/ ١٥٣)، والمعجم المفصل (٦/ ٢٩٤).
(٣) أي: أن يكون إخبارًا.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
العباس، وقد رُوي في ذلك حديث منصوص: "إنَّا تعجَّلنا منه صدقة عامين" (١).
و"الصِّنْو": "المثلُ"، وأصله من "النَّخْل": أنْ يجمع النخلتين أصل. (٢) انتهى.
قوله: "فهي علىَّ": أي: "الزكاة علىَّ"، والجملة في محل الخبر كما تقدم، و"مثلها" معطوف على "هي".
ويحتمل أن يكون معطوفًا على الضمير في متعلق المجرور على مذهب الكوفيين في العطف على الضمير [المرفوع] (٣) من غير تأكيد ولا فصل (٤)، إلا أن يقال: حرف الجر فصل. والله أعلم.
_________________
(١) ورد هذا الحديث من طرق مختلفة، قال الحافظ ابن حجر عنها: "وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق والله أعلم" فتح الباري (٣/ ٣٣٤)، وعلق الألباني - ﵀ - على قول ابن حجر قائلا: "وهو الذي نجزم به لصحة سندها مرسلًا، وهذه شواهد لم يشتد ضعفها؛ فهو يتقوى بها، ويرتقى إلى درجة الحسن على أقل الأحوال". انظر: إرواء الغليل (٣/ ٣٤٩).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٨٣، ٣٨٤).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (١٠/ ١٠)، إرشاد الساري (١/ ٣٢٨)، عقود الزبرجد (٣/ ١٧٩، ١٨٠)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٨٨ وما بعدها)، الأصول في النحو (١/ ٣٣٦)، علل النحو (ص ٣٢٠)، توضيح المقاصد (٢/ ٦٦٥، ١٠٢٤)، شرح ابن عقيل (٣/ ٢٣٩)، أوضح المسالك (٣/ ٣٥٠ وما بعدها)، المدارس النحوية (ص ٥٠).
[ ٢ / ٢٦٧ ]
الحديث السادس:
[١٧٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ. فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مفترقين فَأَلَّفَكُمْ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللهُ بِي؟ ". كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: "فمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ ". قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ. قَالَ: "لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا. أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا. الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ. إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ" (١).
قوله: "لما أفاء": محكي بالقول.
و"أفاء" "أَفْعَلَ" من "الفَيْء" (٢)، لأنَّ أصله "أَفْيَأ" فنُقلت حركة "الياء" إلى "الفاء"، فتحركت "الياء" في الأصل، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألِفًا، فصار "أَفَاء".
وهو يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بنفسه، والثاني بحرف الجرِّ، يقال: "أَفَاءَ الله"، "يُفِيءُ" بضم "الياء"، "إِفَاءَةً" (٣).
و"لمَّا" تقدَّم الكلام عليها في الحديث الرابع من "باب المذي"، وتقدّم الكلام على جوابها في السادس من "صفة الصلاة".
و"على رسوله": يتعلق بـ "أفاء"، ومتعلق "أفاء" محذوف، أي: "أفاء على رسوله
_________________
(١) رواه البخاري (٤٣٣٠) في المغازي، ومسلم (١٠٦١) في الزكاة.
(٢) انظر: الصحاح (١/ ٦٣)، ولسان العرب (١/ ١٢٦).
(٣) انظر: الصحاح (١/ ٦٣)، ولسان العرب (١/ ١٢٦).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
أموالهم". وجواب "لمَّا": "قَسَم"، وهو العامل فيها.
وجملة "أفاء" في موضع جر بالإضافة إلى الظرف، و"في الناس" يتعلق به، و"يوم" ظرف زمان، العامل فيه "أفاء".
و"حُنَيْن" منصرف؛ لأنه أراد به المكان.
وأسماء البقاع منها ما غلب فيه التأنيث فلم ينصرف، مثل: دمشق وعمان وخراسان ومصر وبغداد وجُوز (١)، فلا ينصرف للتعريف والتأنيث.
وضَرْبٌ صُرِف؛ لأنه غلب عليه التذكير، فجعل اسمًا للمكان والموضع، مثل: واسط ودابق وحُنين.
وضَرْبٌ ثالث لم يغلب عليه تذكير ولا تأنيث، فيجوز فيه الصرف وعدمه، والأحسن تغليب التأنيث، فيمتنع من الصرف، ويجوز خلافه (٢).
قوله: "في الناس": يحتمل أن يكون "في" بمعنى على وقد جاءت بمعناها كثيرًا، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي: على جذوع النخل (٣). و"في المؤلفة قلوبهم": معطوف عليه.
و"قلوبُهم" مرفوع بـ "المؤلفةِ" على أنه مفعول لم يُسمَّ فاعلُه، والألف واللام فيه موصولة بمعنى "الذي"، والضمير المضاف إليه "قلوبهم" يعود على الألف واللام.
_________________
(١) جُوزُ: بالضم: من مدن كرمان، ذات أسواق وأهل كثير. وكرمان ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان. انظر: معجم البلدان (٢/ ١٨٣، ٤/ ٤٥٤).
(٢) انظر: علل النحو (ص/ ٤٧٠، ٤٧١)، واللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٥١٩)، والتعليقة على كتاب سبيويه (٣/ ٦١ - ٦٣)، واللمحة (٢/ ٧٧٣)، والأصول في النحو (٢/ ٩٩، ١٠٠).
(٣) انظر: البحر المحيط (٧/ ٣٥٨)، وتفسير القرطبي (١٦/ ١٢١).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
قوله: "ولم يعط الأنصار شيئًا": معطوف على قوله: "قَسَمَ".
وعَدَل عن أن يقول: "ولم يقسِم على الأنصار" إلى قوله: "لم يُعط"؛ لأنَّ تَرْك القَسْم لا يمنع الإعطاء، ونَفي الإعطاء ينفي القَسْم.
و"شيئًا" مفعول ثانٍ لـ "يُعْطِ"، وتصغيره "شُيَئ" و"شِيَئ" بكسر الشين، والجمع: "أشياء" غير مصروف (١). ويأتي الكلام على ذلك في التاسع من "الرَّهن".
و"الأنصار": جمع "نصير" كـ "شَريف" و"أشراف".
ويحتمل أن يكون جمع "ناصر"، كـ "صاحب" و"أصحاب"، لكن "فاعل" على "أفعال" قليل.
قوله: "فكأنهم وجدوا في أنفسهم": "كأنهم" هنا في محل حال من مفعول فعل محذوف تقديره: فرآهم كأنهم وجدوا في أنفسهم، أي: مشبهين مَن وَجَد في نفسه.
قال الشيخ تقيّ الدين: هذا تعبيرٌ حَسَنٌ، كُسِىَ حُسْنَ الأَدَبِ في الدِّلالة على ما كان في أنفسهم (٢).
وأَحْسنَ الراوي في ترك ذِكر مَن وَجَدُوا عليه، [فإنه] (٣) لو قال: "فوجدوا في أنفسهم من النبي - ﷺ -" لم يكن فيه أدبٌ.
وجملة "وَجدوا" في محل خبر "كأنَّ".
وتقدم الكلام على "كأنَّ" في الحديث الثاني من "الأذان".
و"وجد" هنا بمعنى: "حزن"، تقول: "وجدتُ وَجْدًا"، [أيْ: حزنتُ
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٥٨)، ولسان العرب (١/ ١٠٥).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٨٤).
(٣) بالنسخ: "فإنهم".
[ ٢ / ٢٧٠ ]
حزنًا] (١)، وهو لا يتعدّى إلى مفعول، وتقدم الكلام على "وجد" في الحديث الثاني من باب الاستطابة.
قوله: "إذْ لم يصبْهم ما أصاب الناس": تقدم الكلام على "إذْ" في السادس من الجنائز، وفيها معنى التعليل، أي: "فوجدوا في أنفسهم لأجل أنه لم يصبهم شيء".
قال أبو حيان: وهي اسم ثنائيّ الوضع، وبُني لشبهه بالحرف وَضْعًا وافتقارا، وهو ظرف زمان ماض، وتقع بعده الجملة الاسمية نحو: "قام زيدٌ إذْ عمْرو قائم"، والفعلية كما وقع هنا.
ويقبُح أن يليها اسم بعده فعل نحو: "إذ زيد قام".
وإذا أضيفت إلى مضارع أو عمل فيها صيَّرتْه ماضيًا.
والظَّرْفِيَّة لازمة لها إلا أن يضاف إليها زمان، نحو: "يومئذ"، و﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨].
ولا يجيء مفعولًا به، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] (٢)، ولا حرف تعليل، نحو: "أكرمت زيدًا إذ هو عالم"، ولا المفاجأة كقوله:
. . . . . . . . . . . . [فبينما] (٣) العُسْرُ إذ دارتْ مياسيرُ (٤)
_________________
(١) تكررت في (ب).
(٢) ذهب الزمخشري إلى أن "إذ أنتم" مفعول به لـ "اذكروا". انظر: الكشاف (٢/ ٢١٣)، والبحر المحيط (٥/ ٣٠٧).
(٣) بالنسخ: "بينما".
(٤) عجز بيت من البسيط، وهو لحريث بن جبلة، أو لعثير بن لبيد، وصدره: "استَقْدر اللهَ خيرًا وارضينَّ به". انظر: المعجم المفصل (٣/ ٣٦٤)، وحياة الحيوان الكبرى (٢/ ١٤٩).
[ ٢ / ٢٧١ ]
ولا ظرف مكان، ولا زائدة، خلافًا لزاعمي ذلك (١)، انتهى من كلام أبي حيّان.
ويظهر في "إذْ" هنا - كما تقدم - التعليل كما ذهب إليه القائل به، والتقدير: "وجدوا في أنفسهم لأجل أنه لم يصبهم ما أصاب الناس".
وعلى قول من منع تكون "إذ" هنا ظرفًا معمولًا لـ "وجدوا"، أي: "وجدوا في أنفسهم وقت تركهم وعدم استوائهم مع غيرهم".
قوله: "ما أصاب الناس": "ما" بمعنى "الذي" فاعل، والتقدير هنا: "إذ لم يصبهم مثل ما أصاب الناس"، فحذف المضاف، أو يكون المراد أنَّ الذي أصاب الناس كان لهم فيختصون به دون من قسم له من غيرهم، فلا يحتاج إلى تقدير "مثل"، والأول أظهر؛ لأنهم ما نقموا إلا أن يكون غيرُهم يُعْطَى دونهم.
قوله: "فخطبهم": "الفاء" سببية، وفاعل "خطبهم" ضمير يعود على "النبي - ﷺ -".
يقال: "خطب على المنبر"، "خُطبة"، بضم الخاء، و"خَطَب المرأةَ"، "خِطْبَةً"، بكسر الخاء. ومعنى "خطب الناس": "وعظ الناس".
ثم فسَّر "الخُطبة" بلفظ خاص يتعلق بتلك الواقعة: "يا معشر الأنصار، ألم أجدْكم ضُلَّالا"؛ لأن خُطَبَه - ﷺ - بحسب الوقائع والنوازل، وتقدم الكلام على تعدِّي "خطب" في الحديث الرّابع من "صلاة الجمعة".
قوله: "ألم أجدكم ضُلَّالا": "ألم" للتقرير والتوبيخ.
وقوله: "ضُلَّالا": قال في "النهاية" لابن الأثير: "أضللته" إذا "ضيعته"،
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٢٢). ولمزيد من التفصيل عن (إذ) وأحكامها، راجع: الجنى الداني (ص/ ١٨٥)، وما بعدها.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
و"ضلَّ الناسي": إذا "غاب عنه حفظ الشيء"، ويقال: "أضللت الشيء" إذا "وجدته ضالًا"، كما يقال: "أحمَدته" و"أبخلتُه" إذا وجدته محمودًا وبخيلًا. ومنه: أنّ النبي - ﷺ - أتى قومه فوجدهم ضُلالًا غير مهتدين إلى الحق (١).
و"وجد" هنا هي المتعدية إلى مفعول واحد، من قولهم: "وجدت الضالة، بمعنى "أصبت". وتقدم الكلام عليها في الثاني من "باب الاستطابة".
و"ضلالا": مفعول به، ومفرده: "ضال".
قوله: " [فهداكم] (٢) الله بي": "هَدَى" يتعدَّى تارة إلى واحد، وتارة إلى اثنين، وتارة إلى الثاني بحرف الجرِّ.
قوله: "بِي": يتعلق بـ "هداكم"، ومعناها السببية.
[قوله] (٣): "وكنتم متفرقين فألَّفكم الله بي": تحتمل الجملة الاستئناف، وتحتمل أن تكون في محلّ حال، و"الواو" واو الحال، و"قد" مقدرة، أي: "وقد كنتم متفرقين".
قوله: "وعالة": معطوف على "متفرقين"، ويحتمل أن يعطف على "ضُلَّالا" أي: "ألم أجدكم ضُلَّالا وعالة؟ "، والمعنى فيهما مُتقارب.
قوله: "فأغناكم الله بي": "الباء" في جميعها سببية.
قوله: "كلما قال شيئًا، قالوا: الله ورسوله أمنُّ": "كلَّما" فيها معنى الشرط، وجوابها "قالوا"، و"الله" مبتدأ، و"أمنُّ" خبره، وهو "أفعل من"، والمتعلق به محذوف، أي: "أمنُّ من غيره".
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٩٨).
(٢) بالأصل: "فهداهم".
(٣) بياض بالأصل. وسقط من (ب).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
و"كُلّ" من ألفاظ العموم، لازم للإضافة، وهو اسم جمع، إلا أن ما أضيف إليه يجوز حذفه وهو مَنْوِيٌ، نحو: "مررت بكلٍّ قائمًا".
قال ابن مالك: إلا أن يقع توكيدًا، نحو: "مررتُ بهم كلهم"، أو: نعتًا، نحو: "هذا الرجل كلُّ الرجل"؛ فلا يحذف المضاف إليه.
وأجاز الفرّاء والزّمخشري حذفه إذا كان توكيدًا، كقراءة من قرأ: "إنّا كُلًّا فيها" (١). (٢)
وإذا حذف المضاف إليه عوض منه التنوين. وقيل: هو تنوين صرف.
وإذا كان المضاف إليه معرفة بقيت "كل" على تعريفها فيجيء منها الحال، نحو: مررت بكلٍّ قائمًا، ولا يُعرَّف باللام عند الأكثرين، خلافًا للأخفش والفارسي، فلا يقال: "الكل" و"البعض" (٣).
وتقدم في الحديث الأول من الكتاب الكلام على "كل".
وأما "كلما" هنا: فهي ظرف، وكذا كل موضع لها فيه جواب.
و"ما" مصدرية، والزمان محذوف، أي: "كُل وقت"، وسَرَتْ الظرفيةُ إلى "كلّ" لإضافته إلى "ما" المصدرية الظرفية، أي: "كُل وقت" (٤).
وجاءت "ما" ههنا على الغالب من وصلتها بالماضي.
وقد جاء وصل "ما" المصدرية بالمضارع، نحو قوله:
_________________
(١) سورة [غافر: ٤٨]. قرأ ابن السميفع، وعِيسَى بن عِمْرَانَ: "كُلًّا" بنصب "كُلٌّ". انظر: البحر المحيط (٩/ ٢٦٣).
(٢) انظر: الكشاف (٤/ ١٧١)، ومعاني القرآن للفراء (٣/ ١٠).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٧).
[ ٢ / ٢٧٤ ]
أُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ، ثُمَّ آوِي إِلى بَيْتٍ قَعِيدَتُهُ لَكاعِ (١)
وفي وصلها بالجملة الاسمية، نحو:
وَاصِلْ خَلِيلَكَ ما التَّواصُلُ مُمْكِنٌ . . . . . . . . . . . . . . (٢)
خلاف (٣).
وتختصّ عن سائر الموصولات الحرفيه بنيابتها عن ظرف زمان (٤)، ولهذا جَزم بها بعض العَرب في قوله:
فمَا تَحْيَ لَا نَسْأَمْ حَياةً وَإنْ تَمُتْ فَلَا خَيرَ فِي الدّنْيا وَلَا العَيْشِ أجمَعَا (٥)
وتدخل عليها "كُل" فتؤكّد عمومها في الزمان.
وما يذكره الأصوليون من عموم "كلما": فَلِمَا تدلّ عليه من التكرار، لأنه وضعها، فإن قلت: "كلما جئتني أكرمتك"، فالمعنى: "أُكْرِمُك في كل فرد من أفراد جيئاتك إليَّ" (٦). انتهى من "المجيد".
واعلم أنّ "كُلّ" قد تتصل بها "ما" الموصولة، فتكتب منفصلة منها، كقول ابن دريد:
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو للحطيئة. انظر: شرح المفصل لابن يعيش (٣/ ٥٦)، وشرح الأشموني (٣/ ٤٦).
(٢) صدر بيت من الكامل، ولم أعثر على قائله، وعجزه: "فلأنت أو هو عن قريب ذاهب". انظر: اللباب لابن عادل (١/ ٣٥٥، ٩/ ٢٩٣)، شرح التسهيل (١/ ٢٢٧).
(٣) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٢٦، ٢٢٧).
(٤) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٣٠٦).
(٥) البيت من الطويل، وهو لعبد الله بن الزبير الأسدي. انظر: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٢٧)، والمعجم المفصل (٤/ ٢٣٢).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٧).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
فَكُلُّ مَا لَاقَيْتُهُ مُغْتَفَرٌ . . . . . . . . . . . . . . . (١)
أي: "كل الذي".
ومتى كانت الشرطية - كما هي هنا في الحديث - فتكتب متصلة (٢).
والعامل فيها جوابها، والواقع بعدها في محل جرٍّ بها.
قوله: "قالوا: الله ورسوله أمَنُّ": جملة من مبتدأ وخبر، الخبر "أمنُّ"، وهو "أفعل" التفضيل.
و"أفعل" تستعمل بـ "مِن"، أي: "أمَنّ من سائر الخلق".
قوله: "قال": فاعله ضميرُ "النبي - ﷺ -".
"ما يمنعكم؟ ": "ما" استفهامية في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله "يمنعكم"، أيْ: "أيُّ شيءٍ يمنعكم أن تجيبوا رسول الله - ﷺ -".
"أنْ" في محل جرٍّ أو نصب على الخلاف المتقدّم، والجملة معمولة للقول.
قوله: "قال: لو شئتم": "لو" حرف امتناع لامتناع، وقد تقدَّم الكلام عليها في الحديث الأول من "الصلاة"، وكذلك تقدَّم الكلام على "شئت" في الحديث الأول من "باب الإمامة".
_________________
(١) صدر بيت من الرجز، وعجزه: "فِي جَنْبِ مَا أَسَأَرَهُ شَحْطُ النَّوَى". انظر: اللمحة (٢/ ٥٩٢، ٥٩٣)، جواهر الأدب (٢/ ٤٠١، ٤٠٢).
(٢) ذكر السيوطي - ﵀ - ضابطًا آخر لاتصال "كل" بـ "ما" وانفصالهما، فقال: وتوصل "ما" بـ "كل" إن لم يعمل فيها ما قبلها، وهي الظرفية نحو: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا﴾ [البقرة: ٢٥]. بخلاف التي يعمل فيها ما قبلها، فإنها تكون حينئذ اسمًا مضافًا إليه "كل"، نحو: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. انظر: همع الهوامع (٣/ ٥١٢).
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وجواب "لو": "اللام" في "لقلتم".
و"جئتنا": فعل وفاعل ومفعول، [العامل] (١) فيها القول.
قال أبو حيان: مذهب سيبويه أن أصله "شَيِء" على وزن "فَعِل" بكسر "العين"، وإذا أُسْنِد إلى ضمير الفاعل كما وقع هنا، أو "النون" نحو: "شِئْن"، أو "التاء"، نحو: "شِئْت" سُكِّن آخرُه، ونُقِلَتْ حركةُ المعتل وهي الكسرة إلى "الشين"، وهي "فاء" الكلمة، فسكن حرف العلة، والآخِرُ ساكن للضمير، فحذف حرف العلة لالتقاء الساكنين (٢).
ومذهب المبرِّد أن أصله "فَعَل" بفتح "العين"، فلما اتصل بالضمير ذهبت "الألف" المنقلبة عن "عين" الكلمة لالتقاء الساكنين بها، وكُسرت "الشين" لتدل على أنّ المحذوف "ياء"، كما في "بِعْت" (٣). انتهى.
قوله: "لقلتم": "اللام" جواب "لو"، وقد جاء حذفها كثيرًا في القرآن وغيره، كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ﴾ [الواقعة: ٧٠] (٤).
قوله: "جئتنا": أصله "جَيَأْتَنا" (٥) تحركت "الواو" وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ثم حُذفت لسكونها وسكون آخر الفعل لأجل الضمير، ثم كسر أوّله ليدلّ على "الياء" المحذوفة.
_________________
(١) سقط بالنسخ، والسياق يقتضي إثباتها.
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٥).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٥).
(٤) انظر: البحر المحيط (٥/ ١٢١)، (٩/ ٧٢)، المفصل (٤٥١)، الجنى الداني (ص ٢٨٣)، توضيح المقاصد (٣/ ١٣٠٤)، مغني اللبيب (ص ٣٥٨، ٨٤٥)، شرح التصريح (٢/ ٤٢٤)، همع الهوامع (٢/ ٥٧٢)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٨).
(٥) انظر: شرحان على مراح الأرواح في علم الصرف/ الفلاح شرح المراح (ص ١١٣).
[ ٢ / ٢٧٧ ]
قوله: "كذا وكذا": من الكنايات، كـ "كم"، وهما للعَدَد المبهم، فـ "ذا" اسم إشارة، و"الكاف" حرف جر، و"ذا" في موضع جر بالكاف، كما أن "ذا" من "حبَّذا" في موضع رفع مع تركيبها مع "حب"، ولذلك ظهر الجر في "أيّ" لما كانت معربة في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الحج: ٤٨].
فـ "كذا" مركب من "كاف" التشبيه واسم الإشارة، وتلزم "ذا" بعدها طريقًا واحدة، فلا تؤنث، ولا تثنى ولا تجمع، فهذا حكمها إذا رُكِّبت (١).
وقد تأتي [كلمتين] (٢) باقيتين على أصلهما، وهما "كاف" التشبيه و"ذا" الإشارية، وقد تدخلها "هاء" التنبيه، كقوله تعالى: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢] " (٣).
و"كذا" في الحديث هنا كلمة واحدة مركّبة من كلمتين، مكنيا بها عن غير عدد، كما جاء في الحديث الآخر أنه "يُقَالُ للعَبْد يَوْمَ القِيَامَة: أتَذْكُر يَوْمَ كَذَا وَكَذَا؟ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا؟ " (٤).
إذا ثبت ذلك: فقوله في الحديث: "كذا وكذا" كناية عن الحديث، أي: "جئتنا قليلًا فكثَّرْناك، وجئتنا غير منصور فنصرناك"، وما أشبه ذلك.
قوله: "ألا": هذه المخففة المفتوحة، ولها أقسام مذكورة في الثاني من "التشهد"، وهي هنا للتحضيض والعرض، كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وشرطها: أن تدخل على فِعْل (٥)، كما في الحديث والآية.
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (٣/ ١٦٦)، وسر صناعة الإعراب (١/ ٣١٢).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من مغني اللبيب (ص/ ٢٤٧).
(٣) انظر: مغني اللبيب (٢٤٧).
(٤) صحيح: رواه مسلم (١٩٠/ ٣١٤)، وانظر: مغني اللبيب (ص ٢٤٧، ٢٤٨).
(٥) انظر: الجنى الداني (ص ٣٨٢).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
قوله: "أن يذهب": "أن" المصدرية الناصبة، و"يذهب" منصوب بها، وتقدَّم الكلام عليها وأقسام "أن" مطلقًا في الرابع من أوّل الكتاب.
ومحل "أن" مع الفعل مفعول بـ "ترضون"، وأصله: "ترضوون" تحركت "الواو"، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، ثم حذفت لسكونها وسكون "الواو" فصار "ترضون".
و"النون" علامة الرفع، ولو جاء على هذه الصفة للمؤنثات لكانت "النون" ضمير الفاعل، والفعل معها مبنيٌّ.
قوله: "أن يذهب الناس [بالشاة] (١) ": قال في "الصّحاح": أصل الشاة "شاهة"؛ لأنَّ تصغيرها "شويهة"، والجمع: "شياه" بالهاء في العدد (٢)، تقول: "ثلاث شياه"، إلى العشرة، فإذا جاوزت فبالتاء، فإذا كُثِّرَتْ قيل: "هذه شاء كثيرة"، وجمع "الشاء": "شَوِىّ"، و"الشاة" أيضًا: "الثور الوحشيُّ" (٣). انتهى، وسيأتي من ذلك في الثاني من "الحدود".
قوله: "وتذهبون برسول الله - ﷺ -": معطوف على " [يذهب] (٤) الناس"، وحقُّه أن يكون منصوبًا بحذف "النون".
واختلفت النُّسخ في ذلك، ففي بعضها: "وتذهبوا" على القاعدة، وفي بعضها: "وتذهبون"، والكلُّ جائز.
ووجْه الرّفع: القطع، أي: "وأنتم تذهبون"، والجزم أقوى على وجه الإعراب،
_________________
(١) بالأصل: "بالشا".
(٢) جاء في بعض نسخ مخطوطات "الصحاح": "والجمع شِياهٌ بالهاء في [أدنى] العدد". انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٣٩).
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٣٨، ٢٢٣٩).
(٤) في النسخ: "ويذهب"، والمثبت من نص الحديث.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وفي القطع ضربٌ من التفخيم والتعظيم، ذكره أهل المعاني.
و"الباء" في "برسول الله" باء التعدية، وتتعلّق بـ "تذهبوا".
قوله: "إلى رحالكم": يتعلق بـ "تذهبوا" أيضًا، وفي تنصيصه على "الرِّحَال" فائدة وإشارة إلى أنها صُحبة إقامة معهم، لا صُحبة طريق.
قوله: "لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار": تقدّم الكلام على "لولا" في الأول من "السواك"، وفي الثالث من "استقبال القبلة".
و"لولا" حرف امتناع لوجود.
و"الهجرة" مبتدأ، وتقدّم ذكر المواضع التي يحذف فيها الخبر في الأوّل من "باب السواك"، وتقدّم في الثّاني عشر من "الجنازة" عند قوله: "ولولا ذلك أُبرز قبره" الكلام على حُكم الاسم الواقع بعد "لولا".
قوله: "لَكُنْتُ": جوابُ "لولا"، والخبر واجب الحذف هنا، وفي مثل قولهم: "لعمرك لأفعلنَّ"، ومثل قولهم: "كُل رجل وضيعته"، ومثل: "ضربي زيدًا قائمًا" (١). وانظر باقي الكلام عليها فيما تقدّم.
قوله: "امرأً": همزته "همزة" وصل، وتقدّم ذكر همزات الوصل في الحديث الأوّل من الكتاب.
وأمّا "امرؤ" و"امرأة" ففيه لغتان: -
إحداهما: أن تُلحق في أولهما "ألف" الوصل فيقال: "امرء"، و"امرأة"، وفي القرآن: ﴿امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ [النساء: ١٢٨].
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (١/ ٢٤١)، وشرح التسهيل (١/ ٢٨٨).
[ ٢ / ٢٨٠ ]
واللغة الأخرى: أن لا تلحقها "ألف" الوصل فيقال: "مَرْءٌ"، و"مَرْأَةٌ"، و"مَرَةٌ"، بلا [همز] (١) (٢)، فإذا أدخلوا الألف واللام أدخلوهما على هذه اللغة الخاصة دون الأخرى، فقالوا: "المرء"، و"المرأة"، ولم يقولوا: "الامرء"، ولا: "الامرأة"، وفي التنزيل: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤].
واعلم أنّ حركة ما قبل "الهمزة" و"الميم" في قولك: "امرؤ" و"ابنم" تابعة لإعرابهما في الرفع والنصب والخفض، وليست بإعراب (٣)، وتقدّم ذلك قريبًا في الثالث من "الزكاة".
[قوله] (٤): "من الأنصار": يتعلّق بصفة لـ "امرئ"، يعني في الأحكام وفي العِداد، أي: "يُعَدُّ منهم"، ذكره الشّيخ تقيّ الدّين (٥)
وقال: في جوابهم - ﵃ -[بما] أجابوه به، فيه استعمال الأدب والاعتراف بالحق، والذي كني عنه بـ "كذا وكذا" جاء مبيَّنًا في رواية أخرى (٦) مصرحًا به (٧).
قلت: يحتمل كونه منهم؛ لأنّ أخواله من الأنصار؛ و"ابن أخت القوم منهم" (٨).
قوله: "ولو سلك الناس واديًا أو شعبًا": "لو" حرف امتناع لامتناع، تقدّم الكلام عليها قريبًا، وجوابها: "لسلكتُ".
_________________
(١) تكررت في الأصل.
(٢) انظر: كتاب فيه لغات القرآن (ص ٣٢)، والصحاح (١/ ٧١، ٧٢).
(٣) انظر: كتاب فيه لغات القرآن (ص ٣٢)، والصحاح (٦/ ٢٢٨٧).
(٤) بياض بالأصل. وسقط من (ب).
(٥) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٨٥).
(٦) كما روى الإمام أحمد في مسنده، برقم (١١٧٤٨).
(٧) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٨٥).
(٨) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٦٧٦٢)، ومسلم برقم (١٣٣/ ١٩٥٩).
[ ٢ / ٢٨١ ]
و"لو" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الصّلاة"، و"أو" في الثالث من "باب السواك".
وأضاف الوادي والشِّعب إلى "الأنصار" إضافة تخصيص.
و"الشِّعْب" بكسر الشين: "الطريق بين الجبلين" (١)، وبفتحها: "القبيلة العظيمة" (٢)، والمراد هنا الأوّل.
قوله: "الأنصار شعار": مبتدأ وخبر، وهي جملة مستأنفة لا محلّ لها، ويحتمل أن تكون مفسرة لكونه منهم.
و"الشِّعار": ما يلي الشَّعر، و"الدِّثار": هو الذي فوق الشِّعار (٣).
قوله: "إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً": "إنَّ" واسمها، وجملة "ستلقون" خبرها، و"بَعْدِي" ظرف ومخفوض به، و"أثرةً" مفعول به، والفعل مستقبل، وتقدم الكلام على سين الاستقبال قريبًا، و"إنَّ" لها الصدر، فلا يتقدم معها فعلُها عليها.
قال السهيلي: لا تقول: "غدًا سيقوم زيد"، بتقديم الظرف، لوجهين: -
أحدهما: أن "السين" تدلّ على الاستقبال والاستئناف، والاستقبالُ إنما هو بإضافته إلى ما قبله، فإن كان قبله ظرف أخرجته "السين" عن الوقوع في الظرف، فبقي الظرف بلا عامل. فإذا قلت: "ستقوم غدًا"، دلت "السين" على أن الفعل مستقبل بالإضافة إلى ما قبله، وليس قبله إلا حالةُ المتكلم، ودلت "غد" على استقبال اليوم، فتطابقا، وصار ظرفًا له (٤).
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ١٥٦)، لسان العرب (١/ ٤٩٩).
(٢) انظر: الصحاح (١/ ١٥٥)، ولسان العرب (١/ ٥٠٠).
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٦٥٥)، ولسان العرب (٤/ ٢٧٦، ٤١٢)، وتاج العروس (١١/ ٢٧٢، ١٢/ ١٨٩).
(٤) انظر: نتائج الفكر (ص ٩٤).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ورُويَ: "أُثْرةً" بضم "الهمزة" وسكون "الثاء".
قال ابن الأثير: "الأَثَرة" بفتح "الهمزة" و"الثاء": الاسم من "آثَرَ، يُؤْثِرُ، إِيثَارًا" إذا أعطى، أراد به: يُستأثرُ على الأنصار، فيُفَضَّل غيرُهم عليهم في نصيبه من الفيء. و"الاستئثار": "الانفراد بالشيء" (١)، ومنه حديث عمر: "والله ما استأثرت بها عليكم" (٢) (٣)، لما تكلم عليٌّ والعباسُ في الميراث.
قوله: "فاصبروا": "الفاء" سببية، أي: "فبسبب ذلك اصبروا".
قوله: "حتى تلقوني على الحوض": "حتى" حرف غاية، وتقدم الكلام عليها في الحديث الثاني من أوّل الكتاب.
و"تَلْقَوْنِي" فِعل مضارع، و"نون" الوقاية، ومفعول، وهو منصوب بإضمار "أنْ" بعد "حتى". وأصله: "تَلْقَيُونَنِي"، تحركت "الياء"، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، ثم حذفت "الألِف" لسكونها وسكون "الواو"، ثم حذفت "النون" الأولى التي هي علامة الرفع للناصب، فصار: "تَلْقَوْنِي".
وتقدّم الكلام على "نون" الوقاية ومواضعها في الحديث الأول من "باب الطمأنينة".
و"على الحوض" [يتعلّق] (٤) بـ " [تلقوني] (٥) "، وتقدّم الكلام على معاني "على" في الخامس من "الجنابة".
_________________
(١) انظر: لسان العرب (٤/ ٧، ٨).
(٢) صحيح: رواه مسلم برقم (٤٩/ ١٧٥٧) بلفظ "فَوَاللهِ، مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُمْ"، يعني: رسول الله - ﷺ -.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٢).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) في النسخ: "بتلقونني". والصواب المثبت.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
بَاب صَدَقَة الفِطْر
[الحديث الأوّل] (١)
[١٧٤]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: "فَرَضَ النبي - ﷺ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ - أوْ قَالَ: رَمَضَانَ - عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحْرِّ وَالْمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ".
قَالَ: "فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ" (٢).
وَفِي لَفْظٍ: " [أنْ] (٣) تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلاةِ" (٤).
قوله: "فرض رسول الله - ﷺ -": فِعْل وفاعل، و"صدقة الفطر" مفعول "فرض".
قوله: "أو قال: رمضان": يعني: "أو قال: فرض صدقة الفطر"، وهذا المحذوف يفسره ما قبله.
قوله: "على الذّكَر": يتعلّق بـ "فرض".
و"فرض" بمعنى: "أوجب"، وجعله بعضهم بمعنى: "قدَّر".
قال الشيخ تقيّ الدّين: وهو أصله في اللغة، لكنه نقل عن عُرْفِ الاستعمال إلى الوجوب، فالحمل على أنه بمعنى "فرض" أَوْلَى؛ لأنّ ما اشتُهر في الاستعمال فالقصد إليه هو الغالب (٥).
و"أو" تقدّم ذكرُها والكلام عليها في الحديث الثّالث من "باب السواك".
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) رواه البخاري (١٥١١) في الزكاة، ومسلم (٩٨٤) في الزكاة.
(٣) سقط من النسخ. والشرح على الإثبات.
(٤) رواه البخاري (١٥٠٣) في الزكاة.
(٥) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٨٦).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
قوله: "صدقة الفطر": يحتمل أن يريد: "صدقة شهر الفطر"، على حذف مضاف، ويحتمل أن يُريد: "صدقة وقت الفطر من رمضان".
ويُقال للمُخْرَجِ: "فِطْرَة"، بكسر "الفاء"، وهي لفظة مولَّدة، لا عربية ولا معرَّبة، بل اصطلاحية للفقهاء (١). والمراد بالمعرَّبة: أن تكون عَجميَّة، فيتكلّم بها العَرَب على منهاجها (٢).
قوله: "على الذكر والأنثى": يتعلّق بـ "فرض"، ويصح أن يتعلّق بصفة لـ "صاع"، تقدّم فانتصب على الحال.
قوله: "صاعًا": يحتمل أن يكون بدلًا من "صدقة الفطر"، ويحتمل أن يكون حالًا مقدّرة، و"من تمر" يتعلّق بصفة لـ "صاع".
قوله: "أو صاعًا من شعير": قال أبو البقاء في حديثٍ "أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - فَرَضَ صَدَقَة [رَمَضَان] (٣) نصْفَ صَاع مِن بُرٍّ أوْ صَاع مِن تمْرٍ": الجيد النصب، عطف على قوله: "نصف".
و"نصف" منصوب، وفي نصبه وجهان، أحدهما: أن يكون بدَلًا من "صدقة"، والثاني: أن يكون حَالًا من "صدقة".
وأمّا الرفع في "صاع": ففيه وجهان، أحدهما: أن يروى: "نصفُ صاع" بالرفع، وهو أوْجَه إذا رفعت "صاعًا"، ويكون التقدير: "هي نصفُ صاع"، فحذف المبتدأ، وبقي الخبر.
_________________
(١) قد أثبتها الفيروز آبادي على أنها عربية، ولم يشر إلى شيء مما ذكره المصنف، وقد علق عليه صاحب تاج العروس وبيَّن خطأ الفيروز آبادي في ذلك. انظر: القاموس المحيط (١/ ٤٥٧)، وتاج العروس (١٣/ ٣٢٨).
(٢) انظر: بحوث ومقالات في اللغة (ص/ ١٨٣، ١٨٤).
(٣) بالأصل: "رمان".
[ ٢ / ٢٨٥ ]
والثاني: أن ينصب "نصفًا"، ويكون التقدير: "أو قال: صاع"، فيُحمل "فرض" على معنى القول، تحكي بها الجملة بعدها.
ويجوز أن يكون التقدير على الشّك من الرّاوي، كأنّ الرّاوي قال: "أو قال رسول الله - ﷺ -" (١)، انتهى.
و"أو" هنا للتقسيم، لا للتخيير. والله أعلم.
قوله: "قال": فاعله ضمير "ابن عمر"، و"عدل الناس" أي: "جعلوا عدْل الصاع من التمر نصفَ صاعٍ من البُرِّ".
قال في "الصّحاح": قال الأخفش: "العِدْل" بالكسر "المثل"، و"العَدْل" بالفتح أصله مصدر قولك: "عدلت بهذا عَدلًا حسنًا"، تجعله اسمًا للمثل، ليُفَرَّقَ بينه وبين "عدل المتاع" (٢).
وقال الفراء: "العَدْل" بالفتح "ما عادل الشيء من غير جنسه".
و"العِدْل" بالكسر: "المثل"، تقول: "عندي عِدْل غلامك" و"عِدل شاتك"، إذا كان غلامًا يعدل غلامًا، أو شاة تعدل شاة، فإذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين، وربما كسرها بعض العَرَب، وكأنّه منهم غلط، وقد أجمعوا على واحد "الأعدال" أنه: "عِدْل" بالكسر (٣)، و"العديل": "الذي يعادلك في الوزن" (٤).
وتقدّم الكلام على حكم "على" في الخامس من "الجنابة".
و"الباء" في قوله: "به" للتعدية، ويُضَمَّنُ "عَدَل" معنى "بَدَّل"، أي: "بدَّل
_________________
(١) انظر: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١١٧، ١١٨).
(٢) انظر: الصحاح (٥/ ١٧٦١).
(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٣٢٠).
(٤) انظر: الصحاح (٥/ ١٧٦١).
[ ٢ / ٢٨٦ ]
الناس بالصاع نصف صاع من بُرٍّ".
و"الباء" في "بدل" عند الأكثرين تدخل على المتروك، وكذلك وقع هنا.
قوله: "من": "من" هي الدّاخلة في تقدير التمييز، ولو قال: "نصف صاع بُرًّا"، صح المعنى.
وقوله: "من بُرٍّ": يتعلق بصفة لـ "نصف صاع"، أي: "نصف صاع كائنًا من بر".
قوله: "على الصغير والكبير": يتعلق أيضًا بصفة لـ "نصف صاع"، ويحتمل أن يتعلّق بحال من الضّمير الذي في الاستقرار المتعلق به "من بُرٍّ".
قوله: "وفي لفظ": يتعلق بمحذوف، أي: "وروي في لفظ"، أو: "جاء في لفظ"، فتكون الجملة في محلّ رفع محكية، إمَّا بـ "جاء" وإمَّا بـ "روي"؛ فهو إسناد إلى اللفظ، لا إلى المدلول.
قوله: "أن تؤدَّى": في محلّ نصب، بدلًا من قوله: "صدقة الفطر"، اي: "فرض أن تؤدَّى"، أو يكون محل "أنْ" نصبٌ أو جرٌّ، بتقدير الباء، أي: "فرض بأن تُؤدَّى".
قوله: "قبل": ظرف زمان، وتقدّم الكلام عليها في الرّابع من الأوّل، والثالث من "التيمم".
و"خروج الناس": مُضاف ومُضاف إليه، و"خروج" مصدر مُضاف إلى الفاعل، و"إلى الصّلاة" يتعلّق بالمصدر (١).
_________________
(١) زاد هنا في نسخة (ب): (كتبه "محمد أحمد فتح الله" على نفقة دار الكتب المصرية من النسخة الخطِّيَّةِ المحفوظة بها الموضوعة تحت رقم (٣٩٥) حديث. وكان الفراغ منه يوم الأربعاء الموافق الخامس عشر جمادى الثانية سنة (١٣٥٥) هجرية، (٢) سبتمبر سنة (١٩٣٦) ميلادية. والحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. "المجلد الثاني": بسم الله الرحمن الرحيم:).
[ ٢ / ٢٨٧ ]
الحديث الثّاني:
[١٧٥]: عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -، قَالَ: "كُنَّا نُعْطِيهَا في زَمَانِ النبي - ﷺ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، [أو صَاعًا مِنْ تَمْر] (١)، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ". فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيةُ، وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ: أَرَى مُدًّا [مِنْ هَذِهِ] (٢) يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. (٣)
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "أَمَّا أَنَا، فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَما كُنْتُ أُخْرِجُهُ (٤) " (٥). (٦)
قوله: "كنا نُعطيها": "كان"، واسمها. وجملة "نعطيها": الخبر. والضمير في "نُعطيها" يعُود على: "زكاة الفِطْر"، وإن لم يتقَدَّم لها ذكْر؛ لأنّه معلومٌ عند المخاطب، كما عُلِم في قَوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. (٧)
_________________
(١) غير موجودة في بعض نسخ "العمدة". انظر: العُمدة (ص ١٣٠)، إحكام الأحكام (١/ ٣٨٧).
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من "العُمدة" (ص ١٣٠). وفي "الإعلام" لابن الملقن (٥/ ١٤٥): "من هذا".
(٣) لما جاءت الحنطة السمراء من الشام وكثرت في الحجاز، قال معاوية: أرى أن مدا من الحنطة الشامية يعدل مدين من سائر الحبوب، وخالفه من خالفه، للاتباع.
(٤) هو هكذا في "صحيح مُسلم" (٩٨٥/ ١٨) و"العُمدة" (ط المعارف، ص ٩٦) و"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" لابن الملقن (٥/ ١٤٥). وزاد في "العُمدة" (ص ١٣٠) بعدها: "عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -".
(٥) رواه البخاري (١٥٠٨) في الزكاة، ومسلم (٩٨٥) (١٨) في الزكاة.
(٦) رواه البخاري (١٥٠٨) في الزكاة، ومسلم (٩٨٥) (١٨) في الزكاة.
(٧) فالمراد في الآية الأولى: "القرآن". والمقدّر في الآية الثانية: "الشمس". وانظر: البحر المحيط (١٠/ ٥١٣)، فتح الباري (٢/ ٤٣)، نخب الأفكار (٣/ ٢١١)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٦)، الإعلام لابن الملقن (١/ ٥١٥)، (٢/ ٢٤٥)، عقود الزبرجد =
[ ٢ / ٢٨٨ ]
قالوا: ويعُودُ الضّميرُ على ما ينتجه [العقل] (١) والذهن، وذلك في مواضع، منها: -
١ - ضمير الأمر والشأن، نحو: "هو زيدٌ قائمٌ".
٢ - وفي تنازع الفعلين، نحو: " [ضرباني] (٢) وأكرمتُ الزيدين".
٣ - وفي نحو: "رُبَّه رَجُلا"، ونحو: "نعم رَجُلا زيد".
٤ - ونحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
٥ - وفي قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]. (٣)
إذا ثبت ذلك: فـ "نُعطيها": فعل، وفاعل. ومفعُولُ المفعول الثاني محذوفٌ، أي: "نُعطيها الفُقراءَ".
_________________
(١) = (١/ ٤٤٥)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ٨٠)، شرح التسهيل (١/ ١٥٧)، همع الهوامع (١/ ٢٦٣، ٢٦٥)، النحو الوافي (٣/ ٦٣٩).
(٢) بالنسخ: "الفعل".
(٣) بالنسخ: "ضربا". والمثبت من المصادر. وانظر: البحر المحيط (٣/ ٤٢٨)، (٤/ ٤٧٩)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٥٩)، (٢/ ٤٩٦، ٤٩٧).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢١٨)، (٣/ ٤٢٨)، (٤/ ٤٧٩، ٤٨٠)، شرح الأشموني (١/ ٤١١ وما بعدها)، شرح شذور الذهب للجوجري (١/ ٢٨٣ وما بعدها)، الكتاب (٢/ ١٧٥ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٥٨ وما بعدها)، (٢/ ٤٩٦، ٤٩٧ وما بعدها، ٨٢٨، ٨٢٩)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٢٥٧)، سر صناعة الإعراب (١/ ٣٢١)، مغني اللبيب (٦٣٥ وما بعدها، ٩٠٠)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ١٧٥ وما بعدها، ٥٣٩ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٤٨٤)، (٢/ ٤٣٧)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (١/ ٣٠، ٣١)، الكافية في علم النحو (ص ٣٤)، شرح المفصل (١/ ٢٠٦، ٢٠٧)، (٢/ ٣٣٥)، (٤/ ٣٤٩، ٤٨٤)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ١٣٣)، الأصول في النحو (١/ ٤١٩)، موصل الطلاب (ص ٦٣)، حاشية الصبان (١/ ١٦١).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
ويجُوزُ في باب "أعطى" حَذْفُ مَفْعُولي الفِعْل، وأحَدهما. ولا يجُوزُ في باب "ظَنّ" حَذْفُ أحَدهما. (١)
وتقَدّم ذِكْر ذلك في الخَامِس من "الجنائز".
ولا يجُوزُ الحذفُ في بابِ "أعطى" في مَواضِع، منها: -
١ - إذا خِيف اللبسُ، كـ "أعطيتُ زَيدًا عمرا".
٢ - أو كان الثاني محصورًا، نحو قولك: "ما أعطيتُ زيدًا إلّا درهمًا". أو ظاهرًا، والأوّل ضمير، نحو: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. (٢)
قال ابنُ عُصفور في "المقرّب" ما معناه: من الأفعال ما يتعدّى إلى مفعولين - غير أفعال القُلوب - فيصل إلى المفعُولين بنفسه، وهو كُلّ فِعْل يطلُب مفعُولين، يكُون الأوّل منهما فَاعِلا في المعنى، نحو قولك: "أعطيتُ زيدًا درهمًا". ألا ترى أنَّ "زيدا" آخِذُ "الدرهم". أو يصل إلى الثّاني بحَرف الجر، نحو قولك: "اخترتُ من الرّجال عمرا".
فيكُون - في هذين المثالين (٣) - حَذْفُ المفعُولين أو أحَدِهِما اختصارًا أو
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ١٢٤ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٣٧٧ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٦٦ وما بعدها)، (٢/ ٦٢٧)، أوضح المسالك (٢/ ٥٩ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٧٣)، شرح الأشموني (١/ ٣٧٣)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٤٩٩، ٥٠٠)، شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٦٧١)، همع الهوامع (١/ ٥٤٩)، (٣/ ٥٢)، جامع الدروس العربية (١/ ٣٦).
(٢) انظر: توضيح المقاصد (٢/ ٦٢٦)، أوضح المسالك (٢/ ١١٧ بالهامش، ١٦٣)، شرح الأشموني (١/ ٤٤٤)، شرح التصريح (١/ ٤٧١)، همع الهوامع (٢/ ١٥)، ضياء السالك (٢/ ٣٥ وما بعدها، وبالهامش)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٦٧ وما بعدها).
(٣) أي: ما يكون فيه فاعلا في المعنى، أو يصل إلى الثاني بحرف الجر.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
اقتصارًا. فمن الاقتصار: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥، ٦].
ولا يجوزُ حَذْفُ حَرْف الجرّ، ووصْل الفِعْل إليهما بنَفْسه، إلا فيما سُمِع، وذلك في: "اختار"، و"استغفر"، و"سمّى"، و"كنّى"، و[دَعَى] (١) بمعنى "سَمّى". انتهى. (٢)
فينقَسِم [مفْعُولا] (٣) "أعْطيتُ" ثلاثة أقسام: -
١ - قسمٌ يجب فيه تقْديم ما أصْله الفاعل.
٢ - وقسمٌ يجب فيه تقديم الثاني.
٣ - وقسمٌ يجُوز فيه الأمْرَان.
فيجبُ تقْديمُ الذي أصْله الفَاعِل، وهو الأوّل، إذا: -
١ - خيف اللبس، كـ "أعطيتُ زَيدًا عمرا".
٢ - أو كان الثّاني محصُورًا، نحو: "ما أعطيتُ زيدًا إلّا دِرهمًا".
٣ - أو يكُون الثّاني ظَاهرًا، والأوّل ضَمير، نحو: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١].
ويجب تقديمُ الثّاني إذا: -
_________________
(١) بالنسخ: "دعوى". والمثبت من "المقرب لابن عصفور" (١/ ١٢١).
(٢) انظر: المقرب لابن عصفور (١/ ١٢١)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥)، أوضح المسالك (٢/ ٥٩ وما بعدها، ١٦٣)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٢٤ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٣٧٧ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٦٦ وما بعدها)، (٢/ ٦٢٧)، شرح الأشموني (١/ ٣٧٣)، شرح شذور الذهب لابن هشام (٤٨٥)، شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٦٦٩)، همع الهوامع (١/ ٥٤٩)، (٣/ ٥٢)، النحو الوافي (٢/ ٥٦).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٢٩١ ]
١ - اتصل الأوّل بضَمير الثاني، نحو: "أعطيتُ المالَ كُلّه مَالكه".
٢ - أو كان الأول محصورًا، نحو: "ما أعطيتُ الدّرهمَ إلّا زَيدًا".
٣ - أو يكون ضميرًا مُتصلًا، نحو قولك: "الدّرهم أعطيتُه زَيدًا". (١)
فهُنا في الحديث: حُذِفَ الأَوّل؛ للعِلْم به، وأُبقي الثّاني ضَميرًا مُتّصلًا.
قوله: "صَاعًا": بَدَلٌ مِن ضَمير المفْعُول، أي: "يعطى صَاعًا". وتحتمل الحال. و"مِن طَعَام": يتعَلّق بصَفة لـ "صَاع".
و"أو": هُنا - قَالَ الباجي - على قَوْل جماعةٍ مِن أصْحَابنا، ليست للتخيير، وإنّما هِي للتقسيم. ولَو كَانَت للتخيير لاقتَضَى الحديثُ أنْ يُخرج الشّعير مَن قُوْتُهُ غيره، ومِن التمر مَن قُوْتُه الحنطة. (٢)
ومِن أمثلة ذلك قولهم: "الكَلِمَة: اسمٌ أو فِعْلٌ أو حَرْفٌ". وجَعَلها ابنُ مالك للتقسيم، وغيره للتفصيل. (٣)
ولـ "أو" أقْسَامٌ تقَدّمَت في الثّالث مِن "بَاب السّواك".
قوله: "مِن طَعَام": "مِن" للتبعيض إذا أُريد بالطّعَام الحنْطَة، أو لبيان الجنس
_________________
(١) انظر: توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٦٢٦، ٦٢٧)، أوضح المسالك (٢/ ١١٧ بالهامش، ١٦٣، ١٦٤)، شرح الأشموني (١/ ٤٤٤)، شرح التصريح (١/ ٤٧١)، همع الهوامع (٢/ ١٥)، ضياء السالك (٢/ ٣٥ وما بعدها، وبالهامش، ٩٦)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٦٧ وما بعدها).
(٢) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ٢٢٠)، مرعاة المفاتيح (٦/ ١٨٦).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ٩٢ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ١٦٦، ١٦٧، ٢٢٨)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ١٠٠٨ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٣/ ٢٣٢)، شرح الأشموني (٢/ ٣٧٨)، اللمحة (٢/ ٦٩٤ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ١٧٣)، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك (٣/ ٣٤١ وما بعدها)، همع الهوامع (٣/ ٢٠٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٤٦، ٢٤٧).
[ ٢ / ٢٩٢ ]
إنْ أُريد الجنس من سَائر الأطْعِمَة. والأوّلُ أظْهَر. (١) وتقَدّمت أقسامُ "مِن" في العَاشِر مِن أوّل الكتاب.
قوله: "فلمّا جَاء مُعَاوية": "لمّا" مع الماضي ظَرْفُ زَمَان بمَعنى "حين"، وعلى ذلك أكثر المعربين.
واختار سيبويه أنّها حرفُ وجُوب لوجوب.
وعلى الأوّل: يكون الفِعلُ الواقع بعدها في محلّ خَفْض بالإضَافة إليها. وعلى الثّاني: لا محلّ له.
والعاملُ فيها جَوابها، عند الفارسي ومَن قَال بقَوله. (٢)
وتقَدّم الكَلامُ على "لما" في الرّابع من "المذي".
قوله: "قَالَ: أرَى مُدًّا": أي: "قال مُعَاوية".
والرؤية هنا عِلْمية؛ لأنّه لا يُغيِّر ما كان في أيّام النبي - ﷺ -[ويتبع] (٣) فيه إلا بعِلْم.
وقال [القاضي] (٤): هو رَأيٌ رَآه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ٣٠٩)، اللمحة (١/ ٦٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، أوضح المسالك (٣/ ١٨)، مغني اللبيب (ص ٤٢٠)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٢)، (٣/ ٤١٩)، (٦/ ٢٠٧)، الجنى الداني (ص ٥٩٥ وما بعدها)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (١/ ٣٠، ٣١)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٤٢ وما بعدها).
(٣) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "ويبتدع". والمثبت من (ب).
(٤) ذكرت في بعض المصادر روايات وفيها ذكر "عياض"، وبها إنكار "أبي سعيد الخدري" على "معاوية". وقد ظنّ "ابن فرحون" أنّ المراد بـ "عياض" المذكور هو "القاضي عياض"، مع أنّ المراد بـ "عياض" في الحديث: "عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ =
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وقَد خُولِف في ذَلك. (١٢٦٤)
ويحتمل أن تكُون بمعنى "الظنّ"، أي: "أظُنّ"؛ فيكون "يعْدل" المفعول الثاني، و"مُدًّا" مفعول أوّل، و"مُدّين" مفعول "يعْدل".
قوله: "قال أبو سعيد: أمّا أنا": "أمّا" حرفُ تفصيل، يقع بعدها المبتدأ والخبر. (١٢٦٥) وتقَدَّم الكَلامُ عليها في السّادس من "باب الاستطابة". وجوابها هنا: "فَلا أزَالُ أُخرجه".
قال أبو عُمر ابن عبد البر: فلمّا قَدم مُعَاوية من الشّام كان مما كَلّم به النّاس أنْ قَال: "ما أرَى مُدّين من سَمراء الشّام إلا تعْدِل صَاعًا مِن هذا"؛ فأخَذ النّاسُ بذلك. (١٢٦٦)
[فقوله] (١٢٦٧) في الحديث: "فلما جاء مُعاوية": يُريد: "من الشام إلى المدينة".
قوله: "وجَاءَت السّمراء": أي: "حُملت السّمراء إلى المدينة" (١٢٦٨)،
_________________
(١) = سَعْد"، أو "عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ"، وهو الرّاوي للحديث عن "أبي سعيد الخدري". والله أعلم.
(٢) راجع: فتح الباري (٣/ ٣٧٤)، شرح النووي لمسلم (٧/ ٦١)، التمهيد لابن عبد البر (٤/ ١٣٣)، حاشية السندي على سنن ابن ماجه (١/ ٥٦١)، الإعلام لابن الملقن (٥/ ١٤٩، ١٥٠)، نيل الأوطار للشوكاني (٤/ ٢١٦)، مرعاة المفاتيح (٦/ ١٩٨)، شرح السنة للبغوي (٦/ ٧٥).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٩٢)، توضيح المقاصد (٣/ ١٣٠٦)، شرح ابن عقيل (٤/ ٥٢)، الجنى الداني (ص ٥٢٢، ٥٢٨)، تاج العروس (٣١/ ٢٤١).
(٤) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٤/ ١٣٣)، فتح الباري (٣/ ٣٧٤)، نخب الأفكار (٨/ ١٨٨)، نيل الأوطار (٤/ ٢١٢).
(٥) بالنسخ: "قوله: فقوله".
(٦) راجع: فتح الباري (٣/ ٣٧٤)، إرشاد الساري (٣/ ٨٨).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
فالأوّل (١) في حَقّ مُعَاوية حَقيقة، والثاني مَجَاز.
و"لا أزَالُ": من أخَوَات "كان"، ترفَع الاسم، وتنصِب الخبر (٢)، اسمها مُستتر فيها، وخبرها في جملة "أُخْرجه".
وأصْلُ "زال": "زَوِل"، بكَسْر الواو، ومُضَارعها: "يزال". قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ﴾ [المائدة: ١٣].
وليست هذه "زال": "تنحّى" و"انتقل"؛ لأنّ مُضَارع هذه: "يزول"، وماضيها: "زَوَل"، بفتح "الواو". (٣) ومنه قَول كَعْب:
زَالُوا، فَمَا زَال أنْكَاسٌ، وَلَا كُشُفٌ عِنْدَ اللّقَاءِ، ولَا مِيلٌ مَعَازِيل (٤)
وتقَدّم الكَلامُ على "زَال" وأخَواتها في الحديث الأوّل من "فضل الجماعة".
قوله: "كما كُنتُ أُخرجه": "الكَافُ" نَعْتٌ لمصْدر محذُوف، أي: "إخراجًا مثل
_________________
(١) أي: المجيء.
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٤٩٥)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥١٥)، علل النحو (ص ٢٤٨)، المقدمة الجزولية (ص ١٠٢).
(٣) انظر: أوضح المسالك شرح الألفية (١/ ٢٣٢)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٢٤٠)، شرح الأشموني (١/ ٢٣٧)، شرح التصريح (١/ ٢٣٧)، شرح التصريف، للثمانيني، (ص ٤٣٧)، لسان العرب (١١/ ٣١٣، ٣١٦ وما بعدها)، تهذيب اللغة (١٣/ ١٧٣ وما بعدها)، تاج العروس (٢٩/ ١٥٢، ١٥٥ وما بعدها)، النحو الوافي (١/ ٥٦٢ وما بعدها).
(٤) البيتُ من البسيط، وهو لكعب بن زهير، في مدح الصحابة. والنِّكس: الرجل الضعيف. والكُشُفُ: من لا يَصدُقون القِتال، ولا يُعرف له وَاحدٌ، وقيل: جمع "أكشف". ومعازيل: بلا سِلاح. انظر: الشعر والشعراء لابن قُتيبة (١/ ١٥٤)، لسان العرب (٦/ ٢٤٢)، (٩/ ٣٠٠)، (١١/ ٤٤٢)، تاج العروس (١٦/ ٥٧٩)، المعجم المفصل (٦/ ٣٣٠).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ما كنتُ أخرجه".
واختار سيبويه أن تكُون حَالًا من المصْدَر المفهُوم من الفِعْل المتَقَدِّم بعد الإضمار على طَريق الاتّسَاع (١)؛ فيكُون التقديرُ: "فلا أزَالُ أُخْرِجه الإخراج مِثْل ما [أخرجته] (٢) ".
والضّميرُ في"أُخْرجه" يعُود على "الصّاع"، أو يعُود على " [الواجب] (٣) ".
و"مَا" مع "الكَاف" مَصْدَريّة، أي: "كإخْراجي"، أو " [ككَونه] (٤) أُخْرجه"، إنْ قُلنا: إنّ "كَان" لها مَصْدَر. (٥)
وتقَدّم الكَلامُ على إعْرَاب "كَما" في الثّاني من "الجنابة"، وفي الخَامس مِن "الصّلاة". والله أعْلم.
***
_________________
(١) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٣٠)، البحر المحيط (١/ ١١٠، ٥٥٥)، (٢/ ٩٣)، (٢/ ٢٩٨)، اللباب في علوم الكتاب (٣/ ٤٢٤)، الكتاب (١/ ٢٢٧، ٢٢٨)، نتائج الفكر (ص ٢٨٢)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٤)، مغني اللبيب (ص ٧٠٧، ٧٠٨)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٢١١)، الهمع (٢/ ١٤٤ وما بعدها).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "لكونه".
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠)، مغني اللبيب (ص ٤٠٠)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ١٧١)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٧٠).
[ ٢ / ٢٩٦ ]