باب المواقيت
الحديث الأوّل
[٤٦]: عَنْ أبي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ - وَاسْمُهُ: [سَعْدُ] (١) بْنُ إيَاسٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذه الدَّارِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى دَارِ عَبْدِ اللهَ بن مَسْعُودٍ - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللهَ؟ قَالَ: "الصَّلاةُ على وَقْتِهَا". قُلْتُ: ثُم أَيُّ؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قَالَ: "الجهَادُ في سَبِيلِ اللهِ". حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي (٢).
تقدّم الكَلامُ في أوّل الكتاب على ما يتعَلّق بالسّند وما قبله.
واشتقاقُ "الصّلاة" من "الصّلا"، وهو عِرقٌ مُتّصل بالظّهْر، يفترق من "عجب الذنب"، ويمتدّ منه عِرْقان، في كُلّ ورك عِرقٌ، يُقال لهما: "الصّلَوَان"، فإذا ركع المصلّي أو سَجَد انحنى صلاه وتحرّك. ومنه أُخذ "المصلي" في الخيل؛ لأنّه يأتي مع "صِلْوَي" السّابق. و"الصّلاة": "فَعَلَة"، بفتح "العَين". من "المجيد" (٣)
_________________
(١) بالنسخ: "سَعِيد". والمثبت من المصادر. انظر: صحيح مسلم (٨٥/ ١٣٧)، العمدة (ط الثقافة، ص ٥٣)، العمدة (ط المعارف، ص ٤٥)، إحكام الأحكام (١/ ١٦٢)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢١٢). قال ابن حجر في "الإصابة في تمييز الصحابة" (٣/ ٢٠٩، ٢١٠، ٢٣٣)، (٧/ ٢٤١): "سعد بن إياس سمّاه ابن حبّان: سعيدا. وقال أَبُو نعيم: سعد أو سَعِيد. والأصح سعد".
(٢) رواه البخاري (٥٢٧) في الصلاة، ومسلم (٨٥) (١٣٩) في الإيمان.
(٣) انظر: المجيد في إعراب القرآن المجيد للصفاقسي، ط كلية الدعوة (طبعت سورة الفاتحة والجزء الأوّل من سورة البقرة)، (ص ٨٥)، البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٦٦)، دليل الفالحين لابن علان (١/ ٢٢٢).
[ ١ / ٣١٣ ]
قولُه: "المواقيت": جميع "ميقات"، والأصل: "موْقات"؛ لأنّه من "الوقت"، كـ "ميعاد" و"ميزان" من "الوعد" و"الوزن"، سكنت "الواو" وانكسر ما قبلها، [فقُلبت] (١) "ياء". ويُقال للمكان أيضًا: "ميقات"، كميقات أهل المدينة والشّام. ويُقال: "وقّته"، فهو "مُوَقّت"، إِذَا بين للفعل وقتًا يُفعل فيه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: "مفروضًا في الأوقات". و"التوقيتُ": "تحديد الوقت". (٢)
قولُه: "عن أَبِي عَمْرو الشيباني": تقدّم مثله.
قولُه: "واسمه [سعد] (٣»: جملة مُعترضة.
وفاعل "قال": ضَمير " [سَعد] (٤) ".
و"هذه الدار": مخفوضان، الأوّل بالإضافة، والثاني على الصفة لاسم الإشارة.
وفاعلُ "أشار": ضميرُ "أَبِي عمرو".
والجملة في محلّ الحال من فاعِل "حدّثني".
و"إِلَى دار": يتعلّق بـ "أشار". و"بيده": يتعلق بـ (أشار) أيضًا. وصَحّ؛ لاختلاف حرفي الجر (٥). ويحتمل أن يتعلّق "بيده" بحَال من ضَمير الفَاعل، أي: "أشَار مُصَوبًا يَدَه"؛ فتكُون "الباء" باء الحال (٦). ويحتمل أن يكون "إِلَى دار" يتعلّق بحاله، أي:
_________________
(١) بالنسخ: "قلبت". والمثبت من المصادر.
(٢) انظر: رياض الأفهام (١/ ٥١٨)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢١١)، الصحاح (١/ ٢٦٩، ٢٧٠)، النظم المستعذب (١/ ٥٢، ١٨٧)، لسان العرب لابن منظور (٢/ ١٠٧، ١٠٨)، تاج العروس (٥/ ١٣٣).
(٣) بالنسخ: "سعيد". والمثبت من المصادر. وقد سبق نظيره.
(٤) بالنسخ: "سَعِيد". وقد سبق نظيره.
(٥) انظر: شرح الأشموني (١/ ١٦١)، النحو الوافي (١/ ٤٠٠ بالهامش).
(٦) انظر في "باء" الحال: توضيح المقاصد (٢/ ٦٠٦)، شرح الأشموني (١/ ٤٢٠)، الجنى =
[ ١ / ٣١٤ ]
"أشار بيده" أي: "قاصدًا بيده إِلَى دار"، على البدل منهما في الحالية.
و"قال" [الأوّلي] (١) في محلّ رَفع بـ "روي" الذي تعلّق به حرف الجر، أي: "أنّه قَال". (٢) و"قال" الثانية بَدَلٌ من "حدّثني". والتقدير: (عن أَبِي عَمْرو، أنّه قال: قال عبد الله". فـ "حدّثني" معمولُ القَول الأوّل، و"قال" بَدلٌ من "حدّثني"؛ فيكون معمُولًا للقَول؛ لحلوله محلّ معمُوله.
و"سَأَلْتُ": في محلّ [مفعُول القَول] (٣).
و"أي العَمَل": مُبتدأ، والخبر: "أحَبُّ". والمحلّ: [معمول] (٤) القول مُقَدّر، أي: "فقلتُ: أي العَمَل".
و"أي" من أسماء الاستفهام، وهُو أحَدُ أقسَامها الخمْسَة.
الثاني: الشّرْطيّة، نحو قولُه تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠].
الثالث: موصولة، نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩]، أي: "الذي هو أشَدّ".
الرابع: أن تكون دالّة على معنى الكمال؛ فتقع صفة للنكرة، نحو: "زَيْدِ رجُل أي رَجُل"، أي: "كاملٌ في صفات الرجال"، وحَالًا [للمعرفة] (٥)، نحو: "مررتُ بعبد الله أي رجُل".
_________________
(١) = الداني (ص ٤٠)، شرح جمل الزجاجي (١/ ٤٩٨).
(٢) بالنسخ: "الأول".
(٣) راجع: شرح القطر (ص ١٩٠)، شرح ابن عُقيل (٢/ ١٢٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٤٦ وما بعدها).
(٤) كذا بالنسخ.
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) سقط بالنسخ. والمثبت من "مغني اللبيب" (ص ١٠٩).
[ ١ / ٣١٥ ]
الخامس: أن تكُون وُصْلةً إِلَى نداء ما فيه الألف واللام، نحو: "يا أيها الرجل". وزعم الأخفش أنّ "أي" هذه هي الموصولة، حُذف صَدْر صلتها، وهو العائد، والمعنى: "يا من هو الرجل".
قال ابنُ هشام: [ويرُدّه] (١) أنّه ليس لنا [عامِل] (٢) يجب حَذفُه، وَلَا موصولٌ التزم كون صلته جملة اسمية. (٣)
وقيل: "أي" في النداء نكِرَة موصُوفة. (٤)
وتكون تعجّبًا، نحو قولك: "أيُّ رَجُل زيدٌ؟ ! ". (٥)
وَلَا تكونُ "أي" غير مذكُور معها مُضَاف إليه، إلّا في النّداء والحكاية؛ تقول: "جاءني رجُلٌ"، فيقُول: "أي يا هذا؟ "، و"جاءني رجُلان"، فيقول: "أيان؟ "، و"رجال"، فيُقال: "أيون؟ ". (٦) وتقَدّم طَرفٌ من الكَلام عليها في الثّالث من "باب التيمم"؛ فليُنظَر هنالك.
واعلم أنّ "أي" إِذَا أُضيفت إِلَى زمان كانت زَمانًا، أو إِلَى مَصْدر كانت مَصْدرًا، أو إِلَى مكان كانت مكانًا. وإن أضفتها إِلَى مَن يَعقل كانت لمن يَعقل، وإن
_________________
(١) بالنسخ: (ونرده). وفي "مغني اللبيب" (ص ١٠٩): "ورُد".
(٢) كذا بالنسخ. وفي "مغني اللبيب" (ص ١٠٩): "عائد".
(٣) انظر: مغني اللبيب لابن هشام (ص ١٠٧ وما بعدها)، موصل الطلاب إِلَى قواعد الإعراب (ص ١٢٧ وما بعدها)، دليل الطالبين لكلام النحويين (ص ٨٧)، جامع الدروس العربية (١/ ١٤٤ وما بعدها).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ١٠٩).
(٥) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٣٠، ٣٨٣)، الصاحبي (ص ١٠٠)، شرح المفصل (٤/ ٤٢١)، الهمع (٣/ ٤٧).
(٦) انظر: مغني اللبيب لابن هشام (ص ١٠٩)، المقتضب (٢/ ٣٠٢)، علل النحو (ص ٤٢٨).
[ ١ / ٣١٦ ]
أضفتها إِلَى ما لا يَعقل كانت لما لا يَعقل. (١)
قولُه: "أحَب": هو "أفعلُ" التفضيل، إِذَا لم يُستَعْمَل بالإضَافة وَلَا بالألِف واللام لزمه التذكير والإفراد بكُلّ حَال، كقولك: "هُو أفضَل" و"أحَب"، و"هُم أفضل"، و"هُما أفضل"، و"هُن أفضل"، أي: "مِن كذا".
فإن عُرّف بالألِف واللام لزِمَته المطابَقَة؛ فتقُول: "هُم الأفضلون"، و"هما الأفضلان"، و"هُن الفُضليات".
وإن كان مُضَافًا، فإن أُضيف إِلَى نكرة لزمه التذكير والإفراد، كالمجرّد؛ تقول: "هُو أفضلُ رجُل"، و"هُي أفضلُ امرأة"، و"هُما أفضَلُ رجُلين"، و"هُم أفضلُ رجال".
وإن أضيف إِلَى معرفة؛ جاز أن يُوافق المجرّد في لزوم الإفراد والتذكير، تقول: "هي أفضل النساء". وجاز أن يُوافق المعرّف بالألِف واللام في لزوم المطابقة لما هو له، فتقول: "هي [فُضْلَى] (٢) و"هما أفضلا القوم".
وقد اجتمع الوجهان في قولِه - ﷺ -: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْالِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟: أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ" (٣).
_________________
(١) انظر: توضيح المقاصد (٣/ ١٢٧٥)، شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٥٩٩)، شرح التصريح (٢/ ٣٩٩)، شرح التسهيل (٤/ ٧٣)، رسالة "أيَّ" المشددة، لابن قائد النجدي الحنبلي (المتوفى: ١٠٩٧ هـ)، ط دار عمار، دار الفيحاء، الأردن، (ص ٣١ وما بعدها، ص ٥١)، النحو المصفى (ص ٣٨٤)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٠٤).
(٢) بالنسخ: "أفضل". والمثبت من "اللمحة" (١/ ٤٣٠).
(٣) رواه معمر بن راشد في الجامع "منشور كمُلحَق بمُصنّف عبد الرزاق" (١١/ ١٤٤/ برقم ٢٠١٥٣) عن هَارُونَ بن رِئَابٍ. وصحّحه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (رقم ٧٥١، ٧٩١)، وفي "صحيح الأدب المفرد" (ص / ١١٨ برقم ٢٠٦/ ٢٧٢)، عن عَمْرو بن شعيب عن أبِيهِ عن جَدّه، وفيه: "أحسنكم =
[ ١ / ٣١٧ ]
وجوازُ الأمرين في هذا مشروطٌ بكَون الإضافة بمعنى "مِن"، وذلك إِذَا كان "أفعل" تقصد به التفضيل.
أما إِذَا لم تقصد به التفضيل: فلا بُدّ فيه من المطَابَقَة لما هُو له، كقولهم: "النّاقِصُ والأَشَجّ أعْدَلا بني مَروَان" (١). وفي "بَابٌ أفْضَل الصيام" الكَلام على "النّاقِص والأَشَجّ" (٢).
واعلم أنّ أكثر ما تُحذَف "مِن" إِذَا وَقَع "أفْعَل" التفضيل خبرًا (٣)، كما وَقَع في
_________________
(١) = أخلاقًا"، وحسّنه في "صحيح الجامع الصغير وزياداته" (١/ ٤٣٩/ برقم ٢٢٠١ - ٩٧٧) عن جابر، وهو في سنن الترمذي (٢٠١٨). وانظر: مجمع الزوائد (ط المقدسي، ٨/ ٢١ وما بعدها). والشّاهدُ فيه: أَنَّهُ ذَكَر "بأحبكم"، وفيه ترك الجمع، وذَكَر "أحاسنكم" وفيه الجمع. انظر: عقود الزبرجد (٢/ ٢٨٣).
(٢) النّاقصُ: هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، لُقّب بذلك لأنّه نقص أرزاق الجند. والأشَجّ: بالشين المعجمة والجيم، هو عُمر بن عبد العزيز - ﵁ -، لُقب بذلك لأنّ بجبينه أثر شَجّة من دابّة ضربته. انظر: شرح التصريح (٢/ ١٠٢)، شرح المفصل (٢/ ١٥٩)، شرح شذور الذهب للجوجري (١/ ١٠٣)، (٢/ ٧٢٧)، تاريخ دمشق لابن عساكر (ط دار الفكر، ٧٤/ ١٢٢)، السلوك في طبقات العلماء والملوك، للجُندي اليمني، (١/ ١٨٠)، فوات الوفيات، لابن شاكر، (ط صادر، ٤/ ٣٣٣)، الأعلام للزركلي (٨/ ١٩٠).
(٣) سيذكر "ابن فرحون" هناك أنّ النّاقص هو مُعاوية بن يزيد، وهو منه خَطأ؛ لأنّ مُعاوية بن يزيد ليس من بني مروان أصلًا، وذكر أنّ الأشَجّ هو عُمر بن عبد العزيز.
(٤) انظر فيما سبق من مسائل أفعل التفضيل: عقود الزبرجد (٢/ ٢٨٢ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٤٢٦ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٢/ ١١٣٦ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٩٥ وما بعدها)، التسهيل (ص ١٣٤ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ٥٣ وما بعدها)، المفصل (ص ١٢٥)، شرح المفصل (٢/ ١٥٦ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٩٣٧ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (٣/ ١٧٨ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٣١٤ وما بعدها)، الهمع (٣/ ٩٥ وما بعدها)، جامع =
[ ١ / ٣١٨ ]
الحديث: "أَيُّ العَمَلِ أحبُّ؟ " (١)، أي: "مِن غَيره إليك".
وسيأتي في السّادس من "صَلاة الجماعة" تمامُ الكَلام على "أفعَل"، وفي الرّابع من "صَلاة الكسوف".
قولُه: (ثم أَي؟): مُبتدأ، والخبرُ محذُوفٌ يدُلُّ عليه ما قبله، أي: "ثُم أي العَمَل أحَبُّ إِلَى الله؟).
قوله: "قال": أي: "النبي - ﷺ -".
"الصَّلاة [على وَقْتها] (٢) ": يحتمل أن تكُون "الصّلاة" خبر مُبتدأ محذُوف، أي: "أحَبُّ العَمَل الصّلاة"، ويدلُّ على ذلك السّؤال. ويحتمل أن تكُون مُبتدأ، أي: "الصّلاةُ لوقتها أحبُّ إِلَى الله تعالى". (٣)
قولُه: "على وقتها": يحتمل أن يتعلّق بـ "أحَبّ" المحذُوف، وفيه بُعْد؛ لأنّ المعنى ليس عليه، لأنّك تقُول: "أحَبُّ إليّ"، وَلَا تقول: "أحَبّ عليّ".
ويحتمَل أنْ يتعلّق "على وَقْتها" بحَال من "الصّلاة" على قول مَن يُجيز عمل الابتداء في الحال، وبما في "أحَب" من معنى على قول مَن يُجيز أن يكون العَامِل في الحال غير العامِل في صاحبها، ويكون التقدير: "أحَبّ العَمَل الصّلاة مُؤدّاة على وقتها". أو يتعلّق بنفس "الصّلاة"؛ لأنّه مصْدَر، وفيه رائحة الفعل. (٤)
وقد جَاء: "لِوَقْتِهَا" (٥). ولعَلّ "على" هُنا بمعنى "اللام".
_________________
(١) = الدروس العربية (١/ ١٩٧، ١٩٩).
(٢) وهو الحديث الوارد بالعُمدة.
(٣) بالنسخ: "لوقتها". وانظر: عقود الزبرجد (٢/ ٩١).
(٤) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ٩١).
(٥) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ٩١).
(٦) صحيحٌ: رواه مُسلم (٨٥/ ١٣٧).
[ ١ / ٣١٩ ]
وتكون بمعنى التعليل، كقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وكونها على بابها أحْسَن، ورُبّما تدلّ على أوّل الوقت؛ لأنّ معنى الاستعلاء فيها يُعطي ذلك، ويُقوّيه قوله في رواية أخرى: "الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا" (١). (٢)
قولُه: "قلت: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين": الجملتان [بعد القولين] معمولتان لهما. و"أي" كما تقدّم، إمّا مبتدأ، والخبرُ محذُوفٌ، أو خبر، والمبتدأ محذُوفٌ. ومثله: "قلتُ: ثُم أي؟ قال: الجهادُ في سَبيل الله" يتعلّق بـ "الجهَاد"؛ لأنّه مَصْدَر.
قال الشيخُ تاج الدين الفاكهاني: ينبغي - أو يتعيّن - هُنا أنْ لا يُنَوّن "أي"؛ لأنه موقُوفٌ عليه في كَلام السّائل ينتظر الجوَابَ منه - ﵇ - والتنوينُ لا يُوقَفُ عليه إجماعًا. (٣)
[قولُه] (٤): "حَدَّثني بهن": أي: (النَّبِيّ - ﷺ -"، وهي جُملة مُستأنفة، لا محلّ لها من الإعْرَاب.
_________________
(١) رواه الترمذي (١٧٠) وأحمد في مسنده (٦/ ٣٧٤/ برقم ٢٧١٤٧)، والحاكم (ط الهندية، ١/ ٣٠٢)، من رواية أُم فروة. وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١٨٣٢) بهذه الرواية، وقال: "توبع بلفظ: (أفضل الأعمال الصلاة في أوَّلَ وقتها). وله شاهد من حَدِيث ابن مسعود بسند صحيح؛ ولذلك خرجته في "صحيح أَبِي داود) (٤٥٢) و(إرواء الغليل) (١١٩٨)، فهو صحيح لغيره بهذا اللفظ، وأمّا اللفظ الأوّل فضعيف". وانظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢١٧).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٠٢)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢١٧، ٢١٨)، عقود الزبرجد (٢/ ٩٠، ٣٤٤)، الجنى الداني (ص ٤٧٧)، مغني اللبيب (ص ١٩١)، شرح الأشموني (٢/ ٩١)، همع الهوامع (٢/ ٤٤٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٨).
(٣) انظر: رياض الأفهام (١/ ٥٢٤)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٢٧)، عقود الزبرجد (٢/ ٩٠)، شرح المفصل (٥/ ٢١١).
(٤) بالأصل بياض بقدر كلمة كبيرة.
[ ١ / ٣٢٠ ]
[قولُه] (١): "ولو استزدته لزادني": "لو" لها ثلاثة أوْجُه: -
أحدها: أن تكُون مَصْدَرية؛ فتُرادف "أنْ". وأكثرُ وقوعها بعد "وَدّ"، نحو: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩].
ومن القَليل: قول قُتَيْلَةَ:
مَا كَانَ ضرَّكَ لَوْ مَنَنْت وَرُبَّمَا مَن الفَتَى وَهُوَ المَغِيظُ المُحْنَقُ (٢)
فإنْ وَلِيها الماضي بقي على مُضيّه، أو المضَارع تخلّص إِلَى الاستقبال، كما أنّ "أنْ" كذلك.
والثاني: أن تكُون للتعليق في المستقبل؛ فتُرادفُ "أنْ"، كقوله:
ولَوْ تَلْتَقِي أصْدَاؤُنَا بَعْدَ مَوْتِنَا (٣)
وإذا وَليها ماض: أُوّل بالمستقبل، نحو قولُه تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ
_________________
(١) بياض بالأصل بقدر كلمة. وسقط من (ب).
(٢) البيتُ من الكامل، وهو لقُتيلة بنت النَّضْرِ. وقيل: لليلي بنت النَّضْرِ بن الحارث بن كلدة، أنشدته النَّبِيّ - ﷺ - بعد مقتل أبيها، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "لو كنتُ سمعتُ شعرها هذا ما قتلته". وقيل: هي قُتيلة بنت الحارث أخته. انظر: البيان والتبيين للجاحظ (٣/ ٢٧٣)، بلاغات النساء لابن طيفور (ص ١٦٩)، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير (٣/ ١٨١)، خزانة الأدب (١١/ ٢٣٩)، المعجم المفصل (٥/ ١٧٣).
(٣) صَدرُ بيت من الطويل، وهو لأبي صخر الهذلي، أو لقيس بن الملوح، مجنون ليلى. وعجزه: "ومِن دُون رَمْسَيْنا مِن الأرْض سَبْسَبُ". والجوابُ: "لظلّ" في قولِه: لظلَّ صَدى صَوتي وإنْ كنتُ رِمَّةً لِصَوْتِ صَدَى ليلى يَهَشُّ وَيطرَب انظر: شرح التصريح (٢/ ٤١٧)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٩٦)، ضياء السالك (٤/ ٦٤)، المعجم المفصل (١/ ٢١٤).
[ ١ / ٣٢١ ]
تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩].
يعني: "وإن تلتقي أصداؤنا"، و"إن تركوا".
الثالث: أن تكون للتعليق في الماضي، وهو أغلبُ أقسام "لو"، وتقتضي امتناع شرطها لامتناع غيره.
وقد تعْمَل "لو" بمعنى "إنْ" الشّرْطية، نحو قولهم:
لَوْ [تَعُذْ] (١) حِينَ فَرَّ قَوْمُكَ بِي كُنْتَ مِن الأمْن في أَعَزِّ مَكَان (٢)
وقد تكون للتقليل، عند بعضهم، نحو: "تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفٍ" (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]. (٤)
_________________
(١) بالنسخ: "تعد". والمثبت من "شواهد التوضيح" (ص ٧٢).
(٢) البيتُ من الخفيف. قال محقّق "شواهد التوضيح" (ص ٧٢): "لم أقف على الشاهد في كتاب". والشاهد في البيت: الجزم بـ "لو" حملًا على "إنْ". قلتُ: أخذه عنه الشيخ "الصفاقسي" في رسالة: "التحفة الوفيّة بمعاني حُروف العرَبيّة"، والتي طُبعت محقّقة ضمن "مجلة جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد ١٩".
(٣) صحيحٌ: رواه أحمد (٤/ ٧٠/ برقم ١٦٦٩٩)، من حَدِيث ابن نجاد عن جدته. وفي "السنن الكبرى" للبيهقي (٤/ ٢٩٦/ ٧٧٤٩) عن مُحَمَّدِ بن بُجَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ، ثُمَّ الْحارِثِيِّ عن جَدّته. ولفظه: "رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْتَرِقٍ، أو مُحْرَقٍ". وفي "السنن الكبرى" للنسائي (٢٣٥٧) بلفظ: "ردوا السائل ولو بظلف"، عن ابن بُجيد. وصحّحه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع الصغير وزياداته" (٣٥٠٢).
(٤) انظر: شرح التصريح (٢/ ٤١٦ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٣٣٧ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٢٧٢ ومَا بعدها)، شرح التسهيل (١/ ٢٢٨)، (٤/ ٩٤ وما بعدها)، مُوصّل الطلاب (ص ١٢٨ وما بعدها)، دليل الطالبين (ص ٨٧)، الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة لابن عابدين (ص ٦٢)، ضياء السالك (٤/ ٦٢ وما بعدها)، المعجم الوسيط (٢/ ٨٤٣)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٦٣).
[ ١ / ٣٢٢ ]
قولُه: "ولو استزدته لزادني": "اللام" جواب "لو".
وقد جاء إسقاط "اللام" من الجواب في قولِه تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠]. (١)
قال الشيخُ أَبُو حيَّان: عبارةُ سيبويه (٢) في "لو" أنّها "حرف لما [كان] (٣) سيقع لوقوع غيره"، وهو أحسَنُ من قول غيره: "حرف امتناع لامتناع" (٤)؛ لاطّراد تفسير سيبويه، وانتقاض تفسيرهم بنحو: "لو كان هذا إنسانًا لكان حيوانًا".
أما اطّراده على مذهب سيبويه: فظاهر؛ لأنّ المعنى - حينئذ - ثبوت الحيوانية على تقدير ثبوت الإنسانية، وهو صحيحٌ؛ لأنّ الأخصّ يستلزم الأعم. وأمّا انتقاضه على تفسيرهم: [فلا] (٥) يلزم أن تنتفي الحيوانية لانتفاء الإنسانية، وهو باطلٌ؛ لأنّه لا يلزمُ من انتفاء الأخَصّ انتفاء الأعَمّ. (٦)
قال: وفي وقوعها موصُولة خلافٌ. (٧)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٥/ ١٢١)، (٩/ ٧٢)، المفصل (٤٥١)، الجنى الداني (ص ٢٨٣)، توضيح المقاصد (٣/ ١٣٠٤)، مغني اللبيب (ص ٣٥٨، ٨٤٥)، شرح التصريح (٢/ ٤٢٤)، همع الهوامع (٢/ ٥٧٢)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٨).
(٢) انظر: الكتاب لسيبويه (٤/ ٢٢٤).
(٣) سقط بالنسخ. والمثبت من المصدر.
(٤) انظر على سبيل المثال: دليل الطالبين (ص ٨٧).
(٥) كذا بالنسخ. ولعلَّ الموافق للسياق: "فلأنه لا". وفي البحر المحيط (١/ ١٤٤): "إذ لا"، لكن العبارة ليست منقولة بالنص.
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٤)، مغني اللبيب (ص ٣٤٢)، شرح ابن عُقيل. (٤/ ٤٧)، شرح التسهيل (٤/ ٩٥)، الجنى الداني (٢٧٢٢ وما بعدها، ٢٧٧)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٩٧)، الأصول في النحو (٢/ ٢١١)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٣٠)، همع الهوامع (٢/ ٥٦٨)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٧).
(٧) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٤).
[ ١ / ٣٢٣ ]
الحديث الثاني:
[٤٧]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: "لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ [نِسَاءٌ] (١) مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ، مُتَلَفِّعَاتِ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ [إلَى بُيُوتِهِنَّ] (٢) مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ، مِنْ الْغَلَسِ" (٣).
قولُه: "لقد": "اللام" جوابُ قسم محذوف. ويأتي في الحديث الثاني من "باب الصفوف" الكلام على جواب القسم.
وقوله: "الفَجرَ": مفعول [لـ"صَلّى"] (٤)، على السّعة، أي: "يُصلي صلاة الفَجْر"؛ لأنّ "صلّى" لا يتعدّى إِلَى مفعول به (٥)، كما سيأتي بيانه في الحديث الخامس من "فضل الجماعة".
قولُه: "فيشهد معه [نساء] (٦) من المؤمنات": "معه": ظرف، ومخفوض به، العاملُ فيه: "يشهد". و"من المؤمنات": يتعلّق بحَال من "النساء". و"من": لبيان الجنس (٧).
وتقدّم القولُ على "مع" في أوّل "المسح على الخُفين".
_________________
(١) بالنسخ: "النساء". والمثبت من "العمدة" (ص ٥٣).
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من "العمدة" (ص ٥٤).
(٣) رواه البخاري (٤٧٨) في مواقيت الصلاة، ومسلم (٦٤٥) في المساجد.
(٤) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "يُصلي". والمثبت من (ب).
(٥) راجع: شرح المفصل (١/ ٤٣٣).
(٦) بالنسخ: "النساء". وقد سبق مثله.
(٧) انظر: الجنى الداني (ص ٣٥٩)، اللمحة (١/ ٦٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، أوضح السالك (٣/ ١٨)، مغني اللبيب (ص ٤٢٠)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
[ ١ / ٣٢٤ ]
قولُه: "مُتلفعات": ويُروى: "مُتَلَفِّفَاتٍ" (١)، بفاءين. يحتمل أن يكون حالًا من "النساء"، وعلامة نصبه الكسرة؛ لأنه جمع مُؤنث سالم. ويحتمل الرفع على أنَّه خبر مُبتدأ محذوف، أي: "وهُن مُتلفّعات". (٢)
قولُه: "بمُروطهن": يتعلّق بـ "مُتلفّعات"؛ لأنّه اسمُ فاعل من "تلفّع" (٣).
قولُه: "ثم يرجعن": معطوفٌ على "يشهد". و"النون": فاعل "رجع". والفعلُ معها مبني. و"إِلَى بيوتهن": يتعلّق بـ "رجع".
و"رجع" يجيء مُتعديًا ولازمًا. فمن المتعَدّي: قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]، ومصدرُها: "رَجْعًا". [وهذا] (٤) في الحديث من المتعدّي بحرف الجر، ومصْدَرها: "رُجُوعًا". (٥)
قولُه: "ما يعرفهن أحَدٌ من الغَلَس": جملة مَنفيّة، في محلّ الحال من ضمير الفاعل في "يرجعن".
وقد تقدّم أنّ من النحويين مَن شَرَطَ في الحال المنفيّة بـ "ما" مُصَاحَبة "الواو"؛ فيكون الأصْلُ: "فيرجعن، وما يعرفهن". والصّحيحُ: أَنَّهُ لا يُشترَط. (٦)
و"يعرفهن": جملة من فعل، ومفعول. و"أحَد": فاعل.
_________________
(١) صحيحٌ: مسلم (٢٣٢/ ٦٤٥).
(٢) راجع: إحكام الأحكام (١/ ١٦٤)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٣١).
(٣) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة (٣/ ٢٠٣٢).
(٤) غير واضحة بالأصل. ولعلها تكون: "وهنا".
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٣٥٣)، الإعلام لابن الملقن (١٠/ ٢٩٤)، تاج العروس (٢١/ ٦٥، ٦٦)، أسرار العربية (١٥٢)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٦٨١)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٦١).
(٦) انظر: الكافية لابن الحاجب (ص ٢٤)، المفصل (٩٢)، شرح المفصل (٢/ ٢٤، ٣٥، ٣١)، شرح التسهيل (٢/ ٣٥٩)، توضيح المقاصد (١/ ١٩٠).
[ ١ / ٣٢٥ ]
و"من الغلس": [مُتعلّق] (١) بـ "يعرفهن"، وَلَا يجوزُ أن يتعلّق بصفة لـ "أحد"؛ لفساد المعنى.
و"مِن" هنا للتعليل؛ أي: "لأجْل الغَلَس"، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩]. (٢)
قال في "الصّحاح": "الغَبَشُ" و"الغَلَسُ": "ظُلمة آخر الليل". و"الغبسُ"، بـ "السين" المهملة: "لونٌ يكون كالرماد"، وهو "بياضٌ فيه [كُدْرَة"] (٣). (٤)
الحديث الثالث
[٤٨]: عَنْ جَابِر، قَالَ: "كَانَ رسول الله - ﷺ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَة، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ [اجْتَمَعُوا] (٥) عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ" (٦).
قولُه: "الحديث الثالث": تقدّم إعرابه. و"عن جابر": يتعلّق بـ "رُوي". وفاعلُ "قال": ضميرٌ يعود على "جابر". و"كان" هنا الناقصة، وقد تقدّم الكَلامُ عليها في
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. ولعلها تكون: "يتعلق".
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٦)، الجنى الداني (٣١٠)، شرح التسهيل (٣/ ١٣٤)، النحو المصفى (٤٤٥).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "كديرة". والمثبت من "الصحاح".
(٤) انظر: الصحاح (٣/ ٩٥٥، ٩٥٦، ١٠١٣). وانظر أيضًا: إحكام الأحكام (١/ ١٦٥)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٣٣)، القاموس المحيط (٥٦٠)، لسان العرب (٦/ ١٥٦، ٣٢٢)، تاج العروس (١٦/ ٣١٠).
(٥) بالنسخ: "عجّلوا". والصواب المثبت. وانظر: العمدة (ط المعارف، ص ٤٦) والعمدة (ط الثقافة، ص ٥٤) وإحكام الأحكام (١/ ١٦٥) والإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٤٣).
(٦) رواه البخاري (٥٦٠) في مواقيت الصلاة، ومسلم (٦٤٦) في المساجد.
[ ١ / ٣٢٦ ]
الحديث الأوّل من الكتاب.
قولُه: "يُصلِّي الظهر": جملة من فعل وفاعل ومفعول، في محلّ خبر "كان" على الاتساع، أي: "يُصلي صلاة الظّهر". (١)
وقوله: "بالهاجرة": يتعلّق بـ "يُصلي".
قولُه: "والعصْرَ": معطُوفٌ على "الظهر". ويحتمل الرفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ يدلّ عليه ما قبله، أي: "والعصر يُصلّيها".
قولُه: "والشمسُ نقية": جملة، مبتدأ وخبر، في محلّ الحال من "العصر"، والعاملُ فيها العاملُ في صاحبها، أو حَال من ضَمير "النَّبِيّ - ﷺ -".
وكذلك "المغربَ" منصوبٌ بالعطْف.
وقوله: "إِذَا وَجَبَت": أي: "وقت وجُوب الشمس"، وهو سُقوطها. (٢) وفيه تجوّز؛ لأنه وقتٌ لا يُصلّى فيه (٣).
ويحتمل أن يعُود الضّميرُ في "وجبت" على "المغرب"؛ فينتفي المجاز، لكنه يبقى لا دليل فيه على وقتها، وهو بعيدٌ. أو يُؤَوّل بأنّ وقتها عندهم معلومٌ؛ فلا فائدة
_________________
(١) راجع: مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٦)، شرح المفصل (١/ ٤٣٣).
(٢) انظر: الإعلام لابن الملقن (٦/ ٢٩٥)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٦)، العين (٦/ ١٩٣)، جمهرة اللغة (١/ ٢٧٢)، المخصص (٢/ ٧٤)، المحكم والمحيط الأعظم (٧/ ٥٧٠)، تهذيب اللغة (١١/ ١٥١)، لسان العرب (١/ ٧٩٤).
(٣) انظر في الأوقات التي لا يُصلى فيها: المبسوط للسرخسي الحنفي (١/ ١٥٠)، المعونة على مذهب عالم المدينة للثعلبي المالكي (ص ٢٤٢)، البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٣٠٨)، الحاوي الكبير للماوردي الشافعي (٢/ ٢٧١)، المغني لابن قدامة الحنبلي (٢/ ٨٠، ٨٥)، العدة شرح العمدة "عُمدة الفقه" للمقدسي الحنبلي (ص ١٠١)، الإفهام في شرح عمدة الأحكام لابن باز (ص ١٦٤).
[ ١ / ٣٢٧ ]
في تعيينه، [كما قال] (١) في العشاء: "كان يُصلّيها أحيانًا وأحيانًا"، ولم يُبيّن أوّل وقتها. والأوّل الظاهِر.
وقيل: يعُودُ على غير مذكُور يُبيّنه السياق، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] (٢). وهو بعيدٌ؛ لأنّ ذِكْر "الشّمس" هنا (٣) [تقَدّم] (٤).
قولُه: "والعِشَاء": معطوفٌ على "المغرب". وهو بكسر "العَين"، وبالمدَّة.
فائدة:
قال الزمخشري: إِذَا حَصَلت الآفة في البَصر؛ قيل: "عَشيَ". وإذا نظر نَظَر العَشي، وَلَا آفة به؛ قيل: "عَشَا". ونظيره: "عَرِج"، لمن به آلافة. (٥)
قال في "الصّحاح": "العَشِيُّ" و"العَشِيَّةُ": "من صلاة المغرب إِلَى العتمة". و"العَشَاء" بالفتح والمدّ: الطّعامُ بعَينه، وهو خِلاف "الغَدَاء". و"العَشَى" مفتوحٌ مقصُورٌ، مصْدرُ "الأعشى"، وهو "الذي لا يُبصرُ بالليل، ويُبصر بالنّهار". والمرأة:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: رياض الأفهام (١/ ٥٣٤). وراجع: تفسير القرطبي (١٥/ ١٩٠)، والبحر المحيط (٩/ ١٥٤)، وفتح الباري (٢/ ٤٣)، نخب الأفكار للعيني (٣/ ٢١١)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٤٥)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٤٤٥)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٨٥)، همع الهوامع (١/ ٢٦٥).
(٣) أي: في الحديث.
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "تقدّر" أو "تعذر".
(٥) انظر: الكشاف (٤/ ٢٥٠)، البحر المحيط (٩/ ٣٥٧)، تفسير الرازي (٢٧/ ٦٣٢)، البحر المديد (٥/ ٢٤٩)، تفسير الآلوسي (١٣/ ٨٠). ومن المصادر يتبيّن أَنَّهُ يُقال في الأوّل: "عشي يعشى"، وفي الثاني: "عشا يعشو"، وفي الأعرج: "عَرِج"، وفي مَن يمشي مشية العرجان: "عَرَجَ".
[ ١ / ٣٢٨ ]
"عَشْوَاء". (١)
* * * *
قولُه: "أحيانًا": جمع "حين". وإنما جُمع؛ لاختلاف حَالات الفعل، ولو قال: "حينًا وحينًا" لتمّ المعنى، أي: "حينًا يُقدِّم، وحينًا يُؤَخّر". (٢)
قولُه: "والصبحَ كان النَّبِيّ - ﷺ - يُصلِّيها": "يُصلّيها" في موضع خبر "كان"؛ فيكُون "الصبحَ" منصوبًا بالعَطفِ على "العِشَاء"، أي: "ويُصلّي الصبحَ بغَلَس".
ويكُون (بغَلَس) يتعلّق بـ "يُصَلّي"، أو بحَال، أي: "مُتلبسًا".
وتكُون "كَان" مع اسمها زائدة مُعْتَرضَة مُؤَكِّدة للجُمْلة قبْلها؛ لطُول الكَلام، وبُعْد [بعضها] (٣) مِن بَعْض. وجَاء زَيادَتها، كقَوْلَه:
وَجِيرانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامِ (٤)
فزاد "كَان" مع اسمها، وفَصَل بها بين الصّفة والموصُوف. (٥)
_________________
(١) انظر: الصّحاح (٦/ ٢٤٢٦ وما بعدها).
(٢) راجع: البحر المحيط (٦/ ٤٣٢)، المصباح (١/ ١٦٠)، لسان العرب (١٣/ ١٣٤)، القامُوس المحيط (١١٩٢).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) البيتُ من الوافر، وهو للفرزدق في قصيدة مدح بها هِشَام بن عبد المْلك. ومطلعه: "فَكَيْفَ إذَا رأيْتَ دِيَارَ قَوْمٍ". والشاهد: إلغاء "كان" وزيادتها توكيدًا وتبيينًا لمعنى المضي، والتقدير: "وجيران لنا كرام كانوا كذلك". انظر: المقتضب للمبرد (٤/ ١١٦)، خزانة الأدب (٩/ ٢١٧)، المعجَم المفصل (٧/ ٣٨٦).
(٥) انظر: الكتاب لسيبويه (٢/ ١٥٣)، الصاحبي (١/ ١١٧)، فقه اللغة وسر العربية (٢٤٠، ٢٤١)، أسرار العربية (١١٤، ١١٥)، المقتضب للمبرد (٤/ ١١٦، ١١٧)، خزانة الأدب (٩/ ٢١٧، ٢٢١، ٢٢٢).
[ ١ / ٣٢٩ ]
وقيل: هي النّاقصة، وخبرها في قَوْله: "لنا". (١)
وقيل: بزيادَتها في قَوْله تعَالى: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] (٢).
ويحتمل أن يكُون "الصّبح" مرفُوعًا بالابتداء، والجمْلة من "كَان" وما بعدها في موضع الخبر، وتكونُ جُملة "والصّبح " مُستأنَفَة.
والاعتمادُ على الرّواية.
ويصحّ أنْ يكُون من "باب الاشتغال" (٣)، وتكُون جملة "يُصلّيها" مُفسّرة لا محلّ لها من الإعْراب، أي: "ويُصَلّي الصّبح يُصَلّيها"، و"كان" زائدة.
فإن قُلتَ: فهل من فَرْق بين الرّفع والنّصب في المعنى؟
قُلتُ: القَطْع عن العَطف يُفيد معنى التفخيم والتعظيم، والتنبيه على زيادة في فَضْلها على غيرها.
يُبيّن ذلك أنّ قولك: "كان زَيد يزورني أوّل النهار، وعمرو نصف النهار،
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٨)، المقتضب للمبرد (٤/ ١١٦، ١١٧)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ١٧٢، ١٧٣)، شرح الكافية الشافية (١/ ٤١٢)، شرح التصريح (١/ ٢٥٢)، أوضح المسالك (١/ ٢٥١)، خزا نة الأدب (٩/ ٢١٧، ٢٢١، ٢٢٢).
(٢) انظر: الكشكول للهمذاني (١/ ٣٣٢)، أسرار العربية (ص ١١٥)، شرح ديوان المتنبي لأبي البقاء العكبري (٤/ ٩)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٣٤٧، ٣٤٨، ٣٥٢)، خزانة الأدب (٩/ ٢٥٧، ٢٥٨).
(٣) الاشتغالُ: هو أن يتقدّم اسم ويتأخّر عنه فعل مُتصرف أو ما جرى مجراه يعمل في ضميره أو في سببه، ولو لم يعمل فيهما لعَمل في الاسم الأوّل أو في موضعه. ومثاله: "زيدٌ لُمْتُهُ" و"خالدٌ ضرَبتُهُ"، حيث يَجوز الرفع، كما يحوز النصب بإضمار فعل لا يجوزُ إظهاره. انظر: ملحة الإعراب (ص ٢٨)، أوضح المسالك (٢/ ١٣٩ وما بعدها)، شرح جمل الزجاجي (١/ ٣٦٣)، (٢/ ٤١٠)، شرح القطر (ص ١٩٢)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٧٤٦ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٤٤١).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وبكر كان يزورني آخِر النهار"، فإنّ في إعادة الجملة "كان" مع "بكر" [تنبيهًا] (١) على إحْدى حالتي التعظيم أو [التفخيم] (٢)، وَلَا سبيلَ في هذا الموْضع إِلَى التّحقير؛ فتعيّن التعظيم.
الحديث الرابع:
[٤٩]: عَنْ أَبِي المنْهَالِ، سَيارِ بن سَلامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي [عَلَى أَبِي] (٣) بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: "كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ - الَّتِي تَدْعُونَهَا: الأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ في أقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ في الْمَغْرِبِ. وَكَانَ يَسْتَحبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ، الَّتِي تَدْعُونَهَا: الْعَتَمَةَ. وَكَانَ يَكْرَهُ النوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا. وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلَ جَلِيسَهُ. وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ" (٤).
قولُه: "سَيَّار": بالجر، بدَلٌ من "أَبِي"، بدَلُ كُلّ من كُلّ.
و"سَلامَة": لا ينصرفُ؛ للتّعريف والتأنيث. (٥)
قولُه: "قَالَ: دَخَلتُ": فاعِلُ "قال": ضَميرُ "أَبِي المنهال".
قولُه: "وأبي": معطُوفٌ على الضمير المرفُوع، وسَوّغ ذلك التأكيد بالضّمير. ويجوز أنْ يكون منصُوبًا، على أنَّه مفْعُول معه. وقد تقَدّم الكَلام عليه في الثّاني من
_________________
(١) بالنسخ: "تنبيه".
(٢) كذا بالنسخ. ولعلَّ المراد: "التحقير".
(٣) سقط من النسخ. وانظر: العُمدة (ص ٥٤).
(٤) رواه البخاري (٥٤٧) في مواقيت الصلاة، ومسلم (٦٤٧) في المساجد.
(٥) انظر: سر صناعة الإعراب (٢/ ١٥٧)، شرح المفصل (٥/ ٣٥٣)، اللمع في العربية (ص ١٥٢)، نتائج الفكر (٢٩١)، النحو المصفى (ص ٤٢).
[ ١ / ٣٣١ ]
"باب الجنابة".
وإنَّما لم تظْهَر الحرَكَة؛ لأنّه مِمَّا أضَافه المتكلّم إِلَى نفسه. (١)
قولُه: "على أَبِي برزة": يتعلّق بـ "دخَلتُ"، ومعمُولُ "دخَلتُ" محذوفٌ؛ لدلالة الكَلام عليه، أي: "دخَلتُ داره"، [أو "مَكَانه"] (٢).
وما بعد "دَخلتُ" يحتمل المفعولية والظرْفيّة، على الخلافِ في ذلك.
والصّحيحُ: أنّه ظَرْف.
قولُه: "فقال له أَبِي": "الفاءُ" للتعقيب (٣). وحَرْفُ الجر يتعلّق بـ (قال).
والضّميرُ في "له" يعُود على "أَبِي برزة".
قولُه: "كَيْفَ كَان النَّبِيّ - ﷺ - ..؟ ": "كيف" سُؤالٌ عن حال، وعَدّدها سيبويه (٤) وأكثرهم في الظُّروف؛ فتكُون ظَرفًا؛ لأنّها واقعة على الأحوال، والحالُ [شبيهة للظَّرف] (٥). ورَدّ ابن عصفور (٦) نصبها على الحال؛ لأنّ الحالَ خبرٌ، و"كيف" استفهام؛ فلا يصلُح وقُوعها حَالًا. (٧)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٦٨١)، عقود الزبرجد (١/ ١٢٤)، (٣/ ١٧٩)، الكافية في علم النحو (ص ٣٠)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٨٨ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٣١)، علل النحو (٢٤٢، ٣٢٠)، أوضح المسالك (٣/ ٣٥٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ٧٥).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الجنى الداني (ص ٦١ وما بعدها)، مغنى اللبيب (٢١٤، ٨٧١).
(٤) انظر: الكتاب (١/ ٤٠٩)، (٢/ ١٥٦).
(٥) غير واضحة بالأصل، لكن يظهر بموضع "شبيهة" أنَّها كلمة طويلة أو كلمتان. وهي في "شرح جمل الزجاجي" (٢/ ٤٥٦): "والحال قد تشبه بالظرف".
(٦) انظر: شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦).
(٧) انظر: البحر المحيط (١/ ١٩٣)، (٣/ ٦٧٤)، (٤/ ٣١٦)، الكتاب (١/ ٤٠٩)، =
[ ١ / ٣٣٢ ]
وقَالَ أَبُو البقاء في قَوله تعَالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]: "كَيف" فيه حَال؛ لأنّ التقدير: "أمُعَاندين تكفُرون؟ ". (١)
[وتحتمل] (٢) هنا الحال على هذا التقدير، أي: "أمهجرًا كان يُصلي؟ "، ويتبيّن ذلك بجَوابها. ألا ترى أنك إِذَا قُلت: "كيف أخذتَ مَالَ زَيْد؟ "، كان الجوابُ حالًا؛ تقول: "أخذتُه ظالمًا" أو "عَادلًا"؛ [فتكُون] (٣) "كيف" أبدًا مُفسَّرًا محلّها بجَوابها.
وقد تتضمن "كيف" معنى الشّرط؛ فيُجْزَم بها، مع "ما"؛ كقولك: "كيف ما تكُن أكُن". (٤)
وَلَا [تكُونُ] (٥) هُنا خَبرًا عن "كان"؛ لأنّ الاستفهامَ بها ليس عن ذاته - ﷺ -، [إنّما] (٦) هو عن صفة فعله في الصّلاة؛ فخبر "كان" هنا: "يُصلّي".
فلو قُلتَ: (كان النَّبِيّ - ﷺ -"؛ صَلح للخَبر، نحو قولك: "كيف زَيد؟ "، وكقوله
_________________
(١) = (٢/ ١٥٦)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦)، شرح التصريح (١/ ٥٩٥)، مغني اللبيب (ص ٢٧٢)، المقتضب (٣/ ٢٨٩)، شرح المفصل (٣/ ١٤٠ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٢١٧ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ٦٦).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٥)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٤٨١)، وتفسير السمعاني (١/ ٣٤٤). وذهب الأكثرون إِلَى أنَّها للتعجب. انظر: اللمحة (٢/ ٩٠٧)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص ١ ٢٧)، وشرح التسهيل (٢/ ٣٧٣)، وجامع الدروس العربية (١/ ١٤٣).
(٣) بالنسخ: "قوله: وتحتمل".
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: حروف المعاني والصفات (ص ٥٩)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٥٢٩)، الأصول في النحو (٢/ ١٩٧)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٥٥٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ٦٦).
(٦) أي: "كيف".
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٣٣٣ ]
في الحديث: "كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ؟ " (١). وسيأتي الكَلام على "كيف، في العاشِر من "صفة الصّلاة".
قولُه: "كان يُصلِّي الهجير: اسمُ "كان": ضميرُ "النَّبِيّ - ﷺ -". والجوابُ مُطابقٌ للسّؤال؛ لأنّه أتى بـ "كان" في السّؤال والجواب. ومنه عُلم أنّ السّؤالَ عن ما اختاره النَّبِيّ - ﷺ - من الأوقات؛ لأنّه [أجَاب] (٢) بذلك. (٣)
فـ "الهجير": مفعُولٌ به، و"التي" وصِلتها وعائدها صِفة له.
و"تدْعُونها": بمَعْنى: "تُسَمّونها" (٤)، كقوله - ﷺ -: " [يُدْعَوْنَ] (٥) غُرًّا" (٦)، في أحَدِ التأويلات (٧). قَالَ الشّاعر:
دَعَتْنِي أخَاهَا بَعْدَمَا كَانَ بَيْنَنَا مِنَ الأَمْرِ مَا لَا يَفْعَلُ الأَخَوَانِ (٨)
أي: "سَمّتني أخَاها". (٩)
_________________
(١) هذا ليس بحديث، ولكنه عنوان أوّل باب بصحيح البخاري (١/ ٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) راجع: مُغني اللبيب (٤٥٤)، شرح المفصل (٥/ ١٨).
(٤) انظر: الدر المصون (١/ ٣٩١)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٥٩)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٤).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "تدعون".
(٦) صحيحٌ: البخاري، من حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ، ولفظه: "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوء، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ".
(٧) انظر: شرح المشكاة للطيبي (٣/ ٧٤٨)، فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٣٦)، إرشاد الساري للقسطلاني (١/ ٢٢٨).
(٨) البيتُ من الطويل. وهو لعبد الرَّحمن بن الحَكَم بن أَبِي العاص، أخو مروان. انظر: المقرب لابن عصفور (١/ ١٢١)، العقد الفريد لابن عبد ربه (٨/ ٥٧)، المستقصى في أمثال العرب (٢/ ٩٣)، تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٤/ ٣١٨).
(٩) انظر: الدر المصون (١/ ٣٩١).
[ ١ / ٣٣٤ ]
وفيه: أنّ "الأُولى" (١) ليس هُو باسْم شَرْعي لها (٢). (٣)
قولُه: "حين تدحض": قد تقَدّم أنّ فيه تجوّزًا (٤). و"حين": ظَرْفُ زَمَان، ومتى أُضيف إِلَى فعل مبني: فالأحسَنُ بناؤه. ومنه قولُه:
عَلى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ (٥)
وإن أضيف إِلَى مَعْرفة أو جملة: فالأحسَنُ الإعراب. (٦)
والتقدير: "وقت دحُوض الشّمس". (٧)
_________________
(١) وهو اللفظ الوارد في الحديث، في قولِه: "التي تدعونها الأولى".
(٢) أي: للصلاة.
(٣) انظر: مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٤).
(٤) مر نظيره في الحديث السابق، عند قولُه: "إِذَا وجبت"، أي: "الشمس".
(٥) مطلع بيتُ من الطويل. وهو للنابغة الذبياني، في قصيدة اعتذر بها إِلَى النعمان بن المنذر. وبقية البيت: "على الصبا فقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ والشيْبُ وازعُ؟ ". والمروي فيه: "وقُلتُ". ويُروى أيضًا: "تَصْحُ". والشاهد: قولُه: "على حين"، فقد بناه على الفتح لما أضافه إِلَى الفعل الماضي، أي: "في حين"، وأراد: "عاتبني المشيب"، فجعل الفاعل مفعولًا. انظر: سر صناعة الإعراب (٢/ ١٦٦)، الأضداد لابن الأنباري (ص ١٤٠)، الأزمنة والأمكنة للمرزوقي (ص ٤٩٨)، شرح المعلقات السبع للزوزني (ص ٤٠)، العُمدة في محاسن الشعر وآدابه لابن رشيق (١/ ٢٣٧)، شرح أدب الكاتب لابن الجواليقي (ص ١٦٣)، خزانة الأدب (٦/ ٥٥٠، ٥٥١)، المعجَم المفصّل (٤/ ٢٩٢).
(٦) انظر: الفائق في غريب الحديث والأثر (١/ ١١٠)، الكتاب (٢/ ٣٢٩، ٣٣٠)، مغني اللبيب (ص ٦٧٢)، شرح التصريح (١/ ٧٠٥ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ٢٥٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٢/ ١٧٩ وما بعدها، ٢٨٨)، (٣/ ١١٥)، سر صناعة الإعراب (٢/ ١٦٤ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٨٠٦ وما بعدها)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٣٣ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (١/ ٩٧)، (٣/ ١٤٨٠)، الأصول لابن السراج (١/ ٢٧٥ وما بعدها).
(٧) دحوض الشمس: "زوالها إِلَى جهة الغرب"، من "دحضت رجله" تدحض دحضًا: إذا =
[ ١ / ٣٣٥ ]
والعاملُ في الظرف: "يُصَلّي".
ويجيء "الحين" بمعنى "المدَّة"، كقَوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، ويُقَال: "حَان له"، "يحين". (١)
قولُه: "ثُمّ [يرجع] (٢»: "ثُمّ": لترتيب الأخبار (٣). والفعلُ معطوفٌ على "يُصلّي".
قولُه: "في أقصى المدينة"؛ يتعلّق بحال من "رحله"، أي: "في حال كونه في أقصى المدينة". وَلَا يتعلّق بـ "يرجع"؛ [لفساد] (٤) المعنى. (٥)
قولُه: "والشمسُ حيَّة": جملةٌ اسمية، في محلّ الحال (٦).
قولُه: "ونسيتُ ما قال": [والعائدُ] (٧) محذُوفٌ.
وجاز حذفه؛ لأنّه ضميرٌ منصوب مُتّصل بالفعل، ليس في الصّلة ضمير
_________________
(١) = زلقت، كأنها حين تزول تدحض من كبد السماء. انظر: تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للبيضاوي (١/ ٢٣٥)، الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٧٦)، لسان العرب لابن منظور (٧/ ١٤٨)، المعجم الوسيط (١/ ٢٧٣).
(٢) انظر: الصحاح (٥/ ٢١٠٦)، لسان العرب (١٣/ ١٣٣، ١٣٤)، تاج العروس (٣٤/ ٤٧١)، الكليات (ص ٤٤٥)، مختار الصحاح (ص ٨٦).
(٣) بالنسخ: "نرجع". والمثبت من المتن.
(٤) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٢٢)، الجنى الداني (ص ٤٢٨ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٩٩)، مغني اللبيب (ص ١٦٠، ٧١٣)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦٦)، شرح التصريح (٢/ ١٦٤)، الهمع (٣/ ١٩٠).
(٥) تكرار بالأصل.
(٦) انظر: مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٥).
(٧) انظر: مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٥).
(٨) كذا بالنسخ.
[ ١ / ٣٣٦ ]
غيره (١)، أي: "نسيتُ ما قاله".
وَلَا يجوزُ أن [يكُون] (٢) نكرة؛ لفسَاد المعنى.
ويجوز أن تكون (٣) مَصْدَريّة؛ فلا عائد يعُودُ عليها. (٤)
والفرقُ بين الموصُولة والمصْدَريّة: أنّ الموْصُولَة يدْخُل تحتها خبر، والمصْدريّة يدْخُل تحتها معنى. (٥) فتترجّح المصْدَريّة؛ لأنّ المرَادَ [شَأن] (٦) القول، الذي هو معنى.
قولُه: و"يستحبّ أن يُؤخّر من العِشَاء": أي: "من وقت العِشَاء". فـ "من": للتبعيض، أو لبيان الجنس (٧).
و"التي" مع صلتها وعائدها: صفة للعِشَاء. و" [تدعُونها]: "تُسَمّونها"] (٨). (٩)
و"العَتَمَة": مفعُولٌ ثان [لـ "تدعو"] (١٠).
قولُه: "وكان يكْرَه النَّومَ قبْلها": العَامِلُ في الظرف: "يَكره".
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٥).
(٢) كذا بالنسخ. والمراد: العائد.
(٣) أي: "ما".
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، مغني اللبيب (ص ٧٣٧).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٩٩ وما بعدها)، الجنى الداني (٣٣١، ٣٣٢).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: الجنى الداني (ص ٣٠٩)، اللمحة (١/ ٦٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، أوضح المسالك (٣/ ١٨)، مغني اللبيب (ص ٤٢٠)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
(٨) بالنسخ: "يدعونها: يسمونها". والمثبت جاء بحسب لفظ الحديث.
(٩) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٥٩)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٤).
(١٠) بالنسخ: "ليدعو". وبعدها بالأصل فراغ صغير.
[ ١ / ٣٣٧ ]
ويحتمَل أنْ يكُون العَامِلُ فيه: حَالًا من "النّوم"؛ لأنّه حَدَثٌ، والظروفُ تكون أخبارًا وأحوالًا عن الأحدَاث، وَلَا تكُونُ أحْوالًا وَلَا أخبارُا عن الجثث (١). والتقدير: "كان يكرَه النّوم كَائنًا قبل العِشَاء".
ويحتمل أن يكون (٢) في محلّ صفة للنوم، وإن كان مُعرّفا باللام؛ لأنّها للجنس، كما قالوا في قولِه:
وَلَقَدْ أمُرَّ على اللَّئِيم يَسُبُّني (٣)
وقالوه في قولِه تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] (٤).
ويحتمل أن يكُون العَامل فيه: "النّوم" نفسه؛ لأنه مَصْدَر.
قولُه: "والحديث بعدها": أي: "ويَكره الحديثَ بعدها". وإعرابه كالذي قبله.
قولُه: "وكان ينفتل من صَلاة الغَدَاة": أي: "من صَلاة الصُّبح".
و"حين": على بابها. والعاملُ فيها: "ينفتل". وتقدّم الكَلام على "حين" قريبًا.
_________________
(١) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ٥٠٤)، الكتاب (١/ ١٣٦)، المقتضب (٣/ ٢٧٤)، (٤/ ١٣٢/ ١٧٢)، الأصول في النحو (١/ ٦٣، ٧٠)، علل النحو (ص ٢٣٣)، اللمع (ص ٢٨، ٢٣٣)، نتائج الفكر (ص ٣٢٨).
(٢) أي: العامل في الظرف.
(٣) البيتُ من الكامل، وهو لرجل من بني سلول، أو لشمر بن عَمْرو الحنفي، أو لعميرة بن جابر الحنفي. ونهاية البيت: "فَمَضَيْتُ ثَمَّتَ قَلْتُ: لَا يَعْنِينِي". انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٢)، (٩/ ٦٤)، الكتاب (٣/ ٢٤)، البصائر والذخائر لأبي حيَّان التوحيدي (٨/ ١١١)، الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني (٣/ ١٤٧)، أوضح المسالك (٣/ ٢٧٦)، شرح ابن عُقيل (٣/ ١٩٦)، شرح الأشموني (٢/ ٣١٨)، خزانة الأدب (١/ ٣٥٧)، (٧/ ١٩٧)، المعجم المفصل (٨/ ٢٧١).
(٤) انظر: البحر المحيط (١٠/ ١٧٢).
[ ١ / ٣٣٨ ]
و"جليسه": قال في "الصّحاح": يُقَال: "جالسته"، فهو "جِلْسي"، و"جليسي"، مثلما تقُول: "خِدْني" و"خَديني". (١)
[وعلى] (٢) هذا يجُوز: "حين يعْرف الرّجُلُ جِلْسَه"، إنْ رُوي كذلك.
قولُه: "وكان يقرأ بالسّتين إِلَى المائة": أي: "ستين آية إِلَى مائة آية"، ثم حذف التمييز، وعَرّف "الستين" و"المائة"، وحذف تمييزهما.
وحَذفُ التمييز يحسُن لدخول الألِف واللام على العَدَد، ولو ذُكر التمييز جاز، نحو: "خُذ الستين درهمًا" و"المائة درهم" و"الألْف درهم"، وهذا على لُغَة مَن لا يُضيف؛ عَامَلَ فيها ذو الألِف والنّون مُعَامَلة المنوّن. (٣)
الحديث الخامس:
[٥٠]: عَنْ عَلَيٍّ - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ: "مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا شغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ" (٤).
وَفِي لَفْظٍ [لِمُسْلِمٍ] (٥): "شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى - صَلاةِ الْعَصْرِ - ثُمَّ صَلاهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ" (٦).
جملة "قال" في محلّ خَبر "أنَّ"، و"يَومَ" ظَرْفُ زَمَان مُقدَّر بـ "في".
_________________
(١) انظر: الصحاح (٣/ ٩١٤).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٤)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٤٠٨)، همع الهوامع (٢/ ٣٤٥ وما بعدها).
(٤) رواه البخاري في التفسير (٦٣٩٦)، ومسلم (٦٢٧) في المساجد.
(٥) بالنسخ: "مُسلم". والمثبت من الأصْل المطبوع من العُمْدَة: "لمسلم". وسيأتي في الشرح على الصَّواب. وانظر: عُمدة الأحكام (ص ٥٦).
(٦) رواه مسلمٌ (٦٢٧) في المساجد.
[ ١ / ٣٣٩ ]
و"ملأ الله قبورهم": جملةُ مَعْمُولة للقول. ويحتمل أنْ يكُون دُعَاءً عليهم، أو خَبرًا عن الذي يقَع بهم في الآخرة. (١)
ويحتمل أنْ يكُون المرادُ بـ "بيوتهم": "قُبورهم"، وقد قيل ذلك في قولِه - ﷺ -: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمنْبَرِي " (٢)؛ ويكُونُ العَطْفُ مِن بَابِ عَطْف الشَّيءِ على نفْسه إِذَا تَغَايَر لَفْظُه. (٣)
و"نَارًا": منصُوبٌ على التمييز.
قولُه: "كما شَغَلونا": تقَدّم الكَلامُ على "كما" في الحديث الثاني (٤) من "باب التيمم"، وأنَّ مَذْهب سيبويه (٥) أنّها في محلّ الحَال. وتقْديرُ الحال هنا فيها بَعيدٌ. والأحسَنُ: أن تكُون للتعليل، أي: "لأجْل إشْغَالهم لنا عن الصَّلاة". (٦) (٧)
_________________
(١) راجع: فتح الباري (٨/ ١٩٨)، طرح التثريب للعراقي (٢/ ١٦٩)، حاشية السندي على سُنن ابن ماجة (١/ ٢٣٢).
(٢) متَّفقٌ عليه: البخاري (١١٩٦) عن أَبِي هُرَيْرَةَ، ومسلم (١٣٩٠/ ٥٠٠) عن عبد الله بن زَيْدِ المازني، و(١٣٩١/ ٥٠٢) عن أَبِي هُرَيْرَةَ. ولفظه: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ".
(٣) راجع: فتح الباري (٤/ ١٠٠)، إرشاد الساري (٢/ ٣٤٧)، (٣/ ٣٤١)، (٥/ ١٨٠)، شرح صحيح مسلم للنووي (٩/ ١٦١)، مجمع بحار الأنوار (٢/ ٣٩٤)، نتائج الفكر في النَّحو (ص ١٩٣، ١٩٤)، همع الهوامع (٣/ ١٥٥).
(٤) وهو حديثُ عمّار بن ياسر.
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠)، اللباب في علوم الكتاب (٣/ ٤٢٤)، الدر المصون (٢/ ٣٣٢)، الكتاب (١/ ٢٢٧، ٢٢٨).
(٦) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٩٨، ٢٩٩)، نخب الأفكار (٧/ ٤٦، ٤٧)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٩٠، ٨١١، ٨١٢)، الجنى الداني (ص ٨٤)، المصباح (٢/ ٥٤٤).
(٧) قال العُلماء في قولِه تعالى: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، خمسة أقوال: - أحدها: أن تكون "الكَافُ" في محلّ نصبٍ نعتًا لمصدَر محذوفٍ. أي: "ذكرًا حسنًا كما هداكم هدايةٌ حسنة"، وهذا تقديرُ الزمخشري. =
[ ١ / ٣٤٠ ]
قال ابنُ هشام: وقيَّد بعضهم جَوازَ ذلك في "الكَاف" بأنْ [تكُون] (١) "الكَافُ" مَكْفُوفة بـ "مَا"، كحِكَايَة سيبويه (٢): "كَمَا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ" (٣). (٤)
والحقُّ: جَوَازُه في المجرَّدة من "مَا"، نحو: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ﴾
والثاني: أن تكون في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير المقدَّر، وهو مذهبُ سيبويه.
والثالث: أن يكون في محلِّ نصب على الحال من فاعل "اذْكُروا" تقديره: "مُشبهين لكم حين هَدَاكم". ومثله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ الكاف نعت لمصدر محذوف. قال القرطبيّ: والمعنى: "اذْكُرُوه ذكْرًا حسنًا كما هَدَاكُمْ هدَاية حَسنَة".
الرابع: للتعليل بمعنى "اللام"، أي: "اذكروه لأجْل هدايته إيَّاكم"، حَكى سيبويه ﵀: "كَما أنَّهُ لَا يَعْلَمُ، فتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ". وممَّن قال بكونها للعلِّيَّة: الأخفش وجماعةٌ. و"مَا" في "كَمَا" يَجوز فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مصدريةً، فتكون مع ما بعدها في محلِّ جر بالكاف، أي: "كهدايته". والثاني - وبه قال الزمخشري وابن عطية - أن تكون كافَّةً للكاف عن العمل، فلا يكون للجملة التي بعدها محلّ من الإعراب، بل إن وقع بعدها اسم، رفع على الابتداء وقد منع صاحب "المُسْتَوْفى" كون "مَا" كافةً للكاف، وهو محجوجٌ بما تقدّم.
والخامس: أن تكون الكاف بمعنى "عَلَى"؛ كقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
انظر: البحر المحيط (٥/ ٢٧٣)، اللباب في علوم الكتاب (٣/ ٤٢٤)، (٩/ ٤٥١)، الدر المصون (٢/ ٣٣٢)، إعراب القرآن وبيانه لمحيي الدين درويش (٣/ ٥٣٥).
(١) في الأصل: "يكُون". والمثبَت من (ب).
(٢) انظر: الكتاب (٣/ ١٤٠).
(٣) هو من أقوال العرب وكلامهم. والتقدير: "لأجل أَنَّهُ لا يعلم فتجاوز الله عنه".
و"ما": زائدة. انظر: نخب الأفكار (٧/ ٤٦)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٨١٢)، المصباح المنير للفيومي (٢/ ٥٤٤).
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٩٩)، الكتاب (٣/ ١٤٠)، مُغني اللبيب (ص ٢٣٤)، نخب الأفكار (٧/ ٤٦، ٤٧)، شرح التصريح (١/ ٦٦٦)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٩١)، الجنى الداني (ص ٨٤)، المصباح المنير (٢/ ٥٤٤).
[ ١ / ٣٤١ ]
[القصص: ٨٢] (١)
ومنه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٥١]، قال الأخفش: أي: "لأَجْل إرسالي فيكم رسُولًا منكم فاذكُروني"، وهو ظاهرٌ في قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. انتهى. (٢)
ويحتمل أنْ تكُون نَعْتًا لمصْدَر مَحْذُوف (٣)، أي: "مَلأَ اللهُ بيوتَهم نارًا تشغلهم شغلًا كما شغَلونا عن الصلاة".
ويحتمل أنْ تكُون "الكافُ" بمعنى "إذ"، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥]، قيل: التقديرُ: "إذ أخْرَجَك" (٤)، وتجيء هنا: (إذ شَغلُونا عن الصلاة".
إِذَا ثبَتَ ذلك: فـ "مَا" مصدَرّية، حَرْفٌ عند الأكثَرين، لا تحتاجُ إِلَى عائدٍ. (٥) و"عن" تتعلّق بـ "شَغَلُونا".
و"شَغَلونا" على اللُّغَة الفَصيحَة، وجَاء: "أشْغَلُونا" في لُغَة رَديئَة. (٦)
_________________
(١) انظر: مُغني اللبيب (ص ٢٣٤)، نخب الأفكار (٧/ ٤٦، ٤٧).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٩٩)، اللباب في علوم الكتاب (٣/ ٤٢٤)، الدر المصون (٢/ ٣٣٢)، مُغني اللبيب (ص ٢٣٤)، نخب الأفكار (٧/ ٤٦، ٤٧).
(٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٣/ ٤٢٤)، الدر المصون (٢/ ٣٣٢).
(٤) انظر: البحر المحيط (٥/ ٢٧٣)، اللباب في علوم الكتاب (٩/ ٤٥١)، إعراب القرآن وبيانه (٣/ ٥٣٥).
(٥) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ١٩٦)، توضيح المقاصد (١/ ٤١٨)، شرح قطر الندى (ص ٣٧)، شرح ابن عُقيل (١/ ١٤٩). وقد ذهب الأخفش وابن السراج إِلَى أنّ "ما" المصدرية اسمٌ؛ فتحتاج إِلَى عائد. والصحيحُ: أنَّها حرف؛ فلا تحتاج إِلَى عائد، وهو مذهبُ سيبويه. انظر: توضيح المقاصد (١/ ٤١٨).
(٦) انظر: الصّحاح (٥/ ١٧٣٥)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٧١).
[ ١ / ٣٤٢ ]
و"الوسْطَى": فُعلى، تأنيثُ "أوْسط"، بمَعنى "فُضْلَى"، وهو صفةٌ للصَّلاة. (١) (٢)
قولُه: "حَتَّى غَابَت الشَّمْس": "حَتَّى" حَرْفُ ابتداءٍ (٣)، وتقدَّم الكَلامُ عليها في ثاني حَديثٍ من الأوّل. (٤)
قولُه: "وفي لَفْظٍ لمسْلم": حَرفُ الجرّ الأوّل يَتعَلّق بفِعْل مُقَدّر؛ أي: "ورُوي في لَفْظٍ"، والثاني يَتعَلَّق بصفةٍ لـ "لَفْظٍ" أو بنَفْس "لَفْظٍ"؛ لأنه مَصْدَر.
وجُمْلَة "شَغَلُونا" في مَحَلّ رَفْع بمُتعلّق حَرْف الجرّ، أي: "ورُوي في لَفْظٍ". و"عن الصَّلَاة": يَتعَلّق بـ "شَغَلُونا". و"الوسْطَى": صفةٌ للصّلاة. (٥)
قولُه: "صَلَاة العَصْر": بَدَلٌ من "الصَّلاة". (٦)
وقوله: "ثم صَلَّاها": أي العَصر "بين" وَقْت "المَغْرب والعِشَاء".
ويحتمل أنْ يكُونَ التقديرُ: "بين صَلاة المغْرب والعِشاء"؛ فلا يَبقى فيه حُجّةٌ
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٥٤٣)، اللباب في عُلوم الكتاب (٤/ ٢٢٥)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٧١)، المصباح (٢/ ٦٥٨).
(٢) قال ابن الملقن: " (الوسْطى): فعلها، مُؤنث الأفْعَل، وهو الأوْسَط، وكلاهما لا تُستعمَلُ إلَّا بالألف واللام والإِضافة أو "من"، فـ (الوسْطى) على الروايةِ الأولى صفة". انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٧١).
(٣) انظر: مُغني اللبيب (ص ١٧٣ وما بعدها).
(٤) قال الشيخُ "ابن فرحون" عن "حَتَّى" هناك: (وتكُون حَرْف ابتداء إِذَا دَخَلَت على مَاض أو مُضَارع مَرْفُوع، نحْو قولُه تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، بالرَّفْع، وكذلك إِذَا دَخَلَت على الجُمْلَة الاسمية أو "إِذَا"، نَحْو قَوْله: "حَتَّى ماء دِجْلَة أشْكَل" و﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: ١٧، ٧٣]) وانظر: مُغني اللبيب (ص ١٧٣ وما بعدها).
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٥٤٣)، اللباب في عُلوم الكتاب (٤/ ٢٢٥)، إرشاد الساري (٧/ ٤٠)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٧١)، المصباح (٢/ ٦٥٨).
(٦) راجع: فتح الباري (١/ ١٨٩)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٧١).
[ ١ / ٣٤٣ ]
للقَوْل بالترتيب. (١) (٢)
وقد رُوي من حَديثِ عَائِشَة (٣) - ﵁ -: "وَصَلَاة العَصْر" (٤)، يحتمل أنْ تكون الواو زائدةً؛ فتتّفِق الرِّوايتان، ويحتمل أنْ تَكُونَ [عَاطِفَةً] (٥)؛ وتكُونُ "الصَّلاة الوسْطَى" غَيرَ العَصْر، أو يكُونُ مِنْ بَابِ عَطْفِ الشيءِ على نَفْسِه تَأْكِيدًا (٦)، كَمَا قَالَ ابنُ دُرَيْد:
منزِلَةٌ مَا خِلْتُهَا يَرْضى بِهَا لِنَفْسِهِ ذُو أَرَبٍ وَلَا حِجَى (٧)
و"الحِجَى": هو "الأَرَبُ"، و"الأَرَبُ": "العَقْلُ". (٨)
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ١٧٣)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٧٧)، طرح التثريب (٢/ ١٧٦).
(٢) لا بُدّ من ترجيح أحدهما، وإلَّا تعيّن الاحتمالُ المسْقِط للاستدلال، ويَرفعُ هذا الاحتمال حَدِيث جابر، إن كانت القصة واحدة، وهو الظاهر، فإنه قال: "فصلى بعدما غربت الشمس ثم صلّى المغرب بعدها". انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٧٣)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٧٧).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٧/ ٤٠).
(٤) صحيح: رواه مسلمٌ (٦٢٩/ ٢٠٧).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: فتح الباري (١١/ ٨٣)، إرشاد الساري للقسطلاني (٥/ ١٨٠)، (٧/ ٤٠)، نتائج الفكر (ص ١٨٦، ١٩٣، ١٩٤)، شرح التصريح (١/ ٦١١)، (٢/ ١٧٩)، الهمع للسيوطي (٣/ ١٥٥).
(٧) البيتُ من قَول أَبِي بكْر مُحمّد بن الحسَن بن دريد الأزْدي، المتوفى سنة ٣٢١ هـ، ضمن قصيدته المشهورة بالمقصورة (مقصورة ابن دريد)، التي مَدَح بها الشاه ابن ميكال وولده، ويُقال: إنه أحاط فيها بأكثر المقصور. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٣٢٣ وما بعدها)، جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العَرب (٢/ ٤٠١).
(٨) انظر: جمهَرة اللغة لابن دريد (٢/ ١٠٢٠)، المصباح (١/ ١٢٣)، (٢/ ٤٢٢)، لسان العرب (١/ ٢٠٩)، (١٤/ ١٦٥)، الفروق اللغوية للعسكري (ص ٨٤، ٨٥)، =
[ ١ / ٣٤٤ ]
"قالَ صَاحِبُ العُمْدَة" حَدِيث في مَعْنَاه: وَلَهُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ قَالَ: "حَبَسَ الْمَشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عن [صَلَاةِ] (١) الْعَصْر، حَتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ أو اصْفَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: شَغَلُونَا عَنْ الصَّلاةِ الْوُسْطَى - صَلاةِ الْعَصْرِ - مَلأَ اللهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، أو حَشَا اللهُ أَجْوَافَهُمْ وَقبورَهُمْ نَارًا" (٢).
قولُه: "حَديث بمَعْناه": أي: "وهذا حَديثٌ بمَعْناه"، فيكُون [مَرفُوعًا] (٣) على أنّه خَبَر مُبتدأ مَحْذُوف، و"بمعناه" يتعلّق بـ "حَديث"، والضميرُ في "بمَعناه" يعُودُ على "الحديث الخامس".
وقوله: "وله: أي: "ولمسْلم"، وهنا محْذُوفٌ، أي: "ولمسْلم رواية عن عبد الله بن مَسْعُود"؛ فيتعلّق حَرْف الجر بخَبر عن "رواية"، و"عن" تتعلّق بـ "رواية"، أو بصفة لـ "رواية" أُقيمَت مَقام مَوْصُوفِهَا، أي: "رواية كائنة عن عبد الله". والمعنى: أنّ روايته تتصل بعبد الله بن مسعود. ويكُون التقديرُ: "وفي لَفْظٍ لمسلم"، أي: "ورُوي في لفظٍ آخَر له".
وعلى الأوَّل يحتمل أنْ يَكُون "قال: حَبَسَ المشركُون إِلَى آخِره" بَدَلًا من "رواية" المقَدَّر، أو يكُون "قال" بَدَلًا، و"حبس" مَعْمُولُ القَوْل على الحكَاية، و"لمسلم" يَتعلَّق بالخَبر عنه.
وأصْلُ الحديث في مُسْلم: "عن عَبْد الله بن [مسعُود] (٤)، قَالَ: حَبسَ
_________________
(١) = اللطائف في اللغة (مُعجَم أسماء الأشياء) للبابيدي (ص ١٢٧).
(٢) كذا بالنسخ. وهي غير موجودة بالمطبوعة من العُمدة (ص ٥٦). لكنها ثابتة بصحيح مُسلم (٦٢٨/ ٢٠٦)، وبالإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٧٩)، وبإحكام الأحكام (١/ ١٧٠).
(٣) رواه مسلمٌ (٦٢٨) في المساجد.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) بالنسخ: "عمر". والصّوابُ المثبت.
[ ١ / ٣٤٥ ]
المشركُون " (١). ففَاعِلُ "قَالَ": ضَمير "عبد الله"، وجُمْلَة "حَبَسَ المشْركُون" مَعْمُولة للقَول، و"عَنْ صَلاةِ العَصْر" يَتعَلَّق بـ"حَبَسَ". ويأتي الكَلام على "عن" في الحديث الثّالث من "باب الصفوف".
وأمّا "حَتَّى": فتَقدَّم الكَلامُ عليها في الثّاني من الأوّل، وهي ههنا حَرْف غاية وابتداء. (٢)
و"احْمَرٌ"، و"اصْفَرّ": من الأوْزَان اللازِمَة. (٣)
قولُه: "أو اصْفَرّت": "أو" هنا للشَّكِّ مِن الرَّاوي. وتَقَدَّم القَوْلُ عليها في الثّالث من "باب السِّواك".
قولُه: "فقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: شَغَلُونا". قال في "الصِّحاح": "الشُّغلُ" فيه أربعُ لُغَات: "شُغْل" و"شُغُل" و"شَغْل" و"شَغَل"، والجمْعُ: "أشْغَالٌ". وقد "شَغَلْتُ فُلانًا"، [فأنا] (٤) "شَاغلٌ"، وَلَا تقُل: "أشغَلته"؛ لأنَّها لُغَة رَديئة. و"شغْلٌ شاغل" توكيدٌ له، مثل: "لَيلٌ لائِل". ويُقَال: "شُغِلْتُ عنك بكَذَا"، على مَا لم يُسَمّ فَاعِلُه، و"اشْتَغَلتُ". وقالوا: "ما أشْغَله؟ ! "، وهو شَاذٌّ؛ لأنه لا يُتعَجَّبُ مِمَّا لم يُسَمّ فاعلُه. (٥)
قولُه: "عن الصّلاة": يَتعلّق بـ "شَغَلُونا".
_________________
(١) صحيحٌ: رواه مُسْلم (٦٢٨/ ٢٠٦)، عن عبد الله (ابن مسعود).
(٢) انظر: مُغني اللبيب (ص ١٧٣ وما بعدها).
(٣) انظر: المقتضب للمبرد (١/ ٧٦)، فتح المتعال على القصيدة المسمّاة بلامية الأفعال (ص ٢٤١).
(٤) بالنسخ: "وأنا". وانظر: الصحاح (٥/ ١٧٣٥).
(٥) انظر: الصحاح للجوهري (٥/ ١٧٣٥، ١٧٣٦)، الإعلام بفَوائد عُمْدة الأحكام (٢/ ٢٧١)، المخصّص (٣/ ٣٣٤).
[ ١ / ٣٤٦ ]
و"صَلاة العَصْر"؛ بَدلُ كُلّ من كُلّ (١)، ومَعرفة مِن مَعْرفة (٢). (٣) وما بَقِيَ تَقدَّم آنفًا.
الحديث السادس
[٥١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْعِشَاء، فَخَرَجَ عُمَرُ، فَقَالَ: الصَّلاةَ، يَا رَسُولَ الله، رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ يَقُولُ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي - أو على النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلاةِ هَذِهِ السَّاعَةَ" (٤).
قال الشيخُ تقيّ الدّين (٥): يُقَال: "عَتَمَ الليلُ، يَعْتِمُ" - بكَسْر "التاء" - إِذَا "أظْلَمَ". و"العتمة": "الظُلمة". وقيل: إنها "اسمٌ لثُلث الليل الأوّل بعْد غُروب الشَّفَق"، نُقل ذلك عن الخليل (٦)؛ فمعنى "أعتَم": "دَخَل في العَتْمة"، كَما يُقال: "أصْبَح" و"أمْسَى" و"أظْهَر". (٧)
قولُه: "فخَرَجَ عُمَر": "عُمَر" لا يَنصرفُ (٨)، وتقدَّم في الحديث الأوّل من
_________________
(١) وهو: ما يتحدّ فيه البدل والمبدل منه، نحو: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]. انظر: المنهاجُ المختصر (ص ١٤١).
(٢) بدل مَعْرفة من مَعْرفة، كقَوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].انظر: اللمحة (٢/ ٧١٧).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٧١).
(٤) رواه البخاري (٧٢٣٩) في التمني، ومسلم (٦٤٢) في المساجد.
(٥) هو ابن دقيق العيد.
(٦) انظر: العين (٢/ ٨٢)، الصحاح (٥/ ١٩٧٩)، تاج العروس (٣٣/ ٤٩).
(٧) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٧٥)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٩٥)، العين (٢/ ٨٢)، الصحاح (٥/ ١٩٧٩)، تاج العروس (٣٣/ ٤٩).
(٨) انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ٥٨)، المصباح المنير (٢/ ٤٩٥)، لسان العرب لابن منظور (٢/ ٥٦٤)، تاج العروس (٧/ ٥٨)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٥٨٨)، شرح ابن عُقيل (٣/ ٣٣٥).
[ ١ / ٣٤٧ ]
الكتاب.
قولُه: "فقَالَ: الصَّلاةَ": النَّصْبُ بتقدير "احضر"، وهو الصّوابُ، ويحتمل الرَّفْع، بتقدير "الصلاةُ حاضرةٌ". وعلى النَّصْب الرّواية. (١)
وحَذْفُ الفِعْل جَائزٌ إِذَا فُهِم المعْنى، ولو أظْهَر لجَاز، بخِلافِه إِذَا لم يَدُلّ عَليه دَليلٌ ولم يُفْهَم من سِيَاق الكَلام. وقد يجبُ حَذْفُ العَامِل في مَواضع، منها: " [مَرْحَبًا] (٢)، وسَهْلًا"، ومنها ما وضع مَوضع الفعل، نحو: "ضَرْبًا زيدًا". (٣)
وسيأتي في "باب الخسُوف" - زيادة بيان.
[قولُه] (٤) "رَقَدَ النساءُ والصِّبيان": أسقَط العلامة من الفعْل، مثل: "قَالَ نِسْوَة" (٥)، و"قَالَت نِسْوَة"، ويَتقوّى إسْقَاطُ العَلامَة هُنَا بعَطْف "الصِّبيان" على "النّساء". (٦)
و"النّسَاء": اسمُ جَمعْ لا واحِدَ له من لَفْظه. (٧)
_________________
(١) راجع: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٩١)، إرشاد الساري (١٠/ ٢٨٢).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٩١)، الجمل في النحو (ص ٣٣٨)، المقتضب (٣/ ٣٦٨، ٣٦٩)، (٤/ ١٥٧)، الخصائص (١/ ٢٦٥)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٤٨)، أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٣٦٥)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٣٦٤)، شرح ابن عُقيل (٢/ ١٧٦)، (٣/ ٩٣)، شرح الأشموني (٢/ ٣٩٩)، شرح التصريح (٢/ ١٨٩)، لسان العرب لابن منظور (١٤/ ٥٩)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٨٥٥)، همع الهوامع (٢/ ١٦)، النحو الوافي (٣/ ٦٣٨)، اللغة العربية معناها ومبناها، لتمام حسّان عُمر (ص ٢١٩ وما بعدها)، النحو المصفى (٣٩٧ وما بعدها).
(٤) طَمْسٌ بقدْر كَلمة في الأصْل.
(٥) مثل قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠].
(٦) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٢٨٢).
(٧) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢١٨)، العين (٧/ ٣٠٣)، المخصص (٥/ ٢٥)، جمهرة اللغة =
[ ١ / ٣٤٨ ]
و"الصِّبيان": واحِدُه: "صَبيّ". (١)
قولُه: "ورَأسُه يَقْطُرُ": جُملة من مُبتدأ وخَبَر في محلِّ الحال من "النَّبِيّ - ﷺ -" (٢)، و"الواوُ" واوُ الحال (٣)، جَاءَت على أكْمَل حَالاتها بـ "الواو" والضّمير (٤).
وجُمْلَة "يَقُول" في مَحَلّ الحَال أيضًا، أي: "خَرَجَ قائلًا". (٥)
[وجاءت] (٦) بالضّمير وَحْده، ولو دَخَلَت "الواو" على المضَارع الحَال لقُدّر جُملَة اسمية؛ ولذلك قَالُوا في مَثَلِهم: "جَاء زَيدٌ وأَصُكُّه"، التقديرُ: "وأنَا أَصُكُّه". (٧)
قولُه: "لولا أنْ أشُقّ على أُمَّتِي": تَقَدَّم مثله في "باب السِّواك"، والتقديرُ هنا، كالتقدير هناك: "لولا خَوْف المشقَّة". (٨)
_________________
(١) = (٢/ ١٠٧٤)، الكُليات للكفوي (ص ٩١٠).
(٢) انظر: لسان العرب (١٤/ ٤٥٠).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٢٨٢).
(٤) واوُ الحال: ما يصحّ وقوعُ "إذ" الظرفيّةِ موقعَها، فإذا قلتَ: "جئتُ والشمسُ تغيبُ"، صحَّ أن تقول: "جئتُ إذ الشمسُ تغيب". وَلَا تدخلُ إلَّا على الجملة؛ فلا تدخلُ على حال مُفرَدة، وَلَا على حالٍ شبهِ جملةٍ. انظر: الجنى الداني (ص ١٦٤)، الفصول المفيدة للعلائي (ص ١٥٥)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٠٣).
(٥) فأصلُ الربط: أن يكون بضَمير صَاحب الحال. وحيثُ لا ضَميرَ: وجَبَت "الواو"؛ لأنّ الجملة الحاليّة لا تخلُو من أحَدهما، أو منهما معًا. فإن كانت "الواو" مع الضمير كان الرّبطُ أشدَّ وأحْكَم. انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٦٨)، اللمحة (١/ ٣٩٧ وما بعدها)، الفصول المفيدة (ص ١٥٥)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٠٣).
(٦) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٢٨٢).
(٧) أي: جملة الحال.
(٨) انظر: عُقود الزَّبرجَد (٢/ ٤٣٢)، الفصول المفيدة (ص ١٦٩، ١٧٠)، توضيح المقاصد (٩/ ٧١٢)، مُغني اللبيب (٧٨٩)، اللمحة (١/ ٣٩٢)، شرح ابن عُقيل (٢/ ٢٧٩)، همع الهوامع (٢/ ٣٢٢)، النحو الوافي (٢/ ٣٩٨).
(٩) انظر: إرشَاد الساري (٢/ ١٦٤)، (١٠/ ٢٨٣)، الإعلام لابن الملقن (١/ ٢٩٣)، =
[ ١ / ٣٤٩ ]
وتمامُ الكَلام على [لَولَا"] (١) في "باب السّواك".
قولُه: "أو على النَّاس": شَكٌّ من الرّاوي. (٢) وتقدّمَت في "السّواك".
قولُه: "لأمَرتُهم": جَوَابُ "لَوْلَا"، والخبرُ محذُوفٌ، واجبُ الحذْف؛ لأنَّ الخبرَ يكُون غَيرَ [مُقيَّد] (٣). (٤) ويجب حَذْفُ الخبَر في مَوَاضع (٥) ثَلاثَة أخْرَى تَقدَّمت مع "لَوْلَا".
و"الهَاءُ" الأُوْلى في قَوْله: "بهَذه" هَاءُ التنْبيه، و"الهاءُ" الثّانية عوضٌ عن "الياء". (٦)
_________________
(١) = شرْح المشكاة للطيبي (٣/ ٧٨٤)، مرقاة المَفاتيح (١/ ٤٠٢).
(٢) بالنسخ: "الولا".
(٣) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٢/ ١٦٤)، (١٠/ ٢٨٢)، عُمدة القَاري للعيني (٦/ ١٨٠)، (٢٥/ ٩).
(٤) كذا بالنسخ. ولعلَّ الصواب: "مفيد". وراجع: شرح ابن عُقيل (١/ ٢٥٠).
(٥) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٢/ ١٦٤)، (١٠/ ٢٨٣)، شرح ابن عُقيل (١/ ٢٤٨ وما بعدها).
(٦) يجب حذف الخبرُ في أربعة مواضع: الأول: أن يكون خبرًا لمبتدأ بعد "لولا"، نحو: "لولا زَيد لأتيتك"، والتقدير: "لولا زَيد موجود لأتيتك". الثاني: أن يكون المبتدأ نصًّا في اليمين، نحو: "لعَمْرك لأفعلنّ"، والتقدير: "لعَمْرك قَسَمي". الثالث: أن يقع بعد المبتدأ "واو" المعية، نحو: "كُلّ رجُل وضيعته"، والتقدير: "كُلّ رجل وضيعته مُقترنان". الموضع الرابع: أن يكون المبتدأ مَصدرًا وبعده حَال سَدّت مسد الخبر وهي لا تصلحُ أن تكون خبرًا؛ فيحذف الخبر وجوبًا لسَدّ الحال مَسَدّه، نحو: "ضربي العَبد مُسيئًا"، والتقدير: "ضربي العَبد إِذَا كان مُسيئًا"، إِذَا أردْت الاستقبال، وإن أردْت المضي فالتقدير: "ضربي العَبد إذ كان مُسيئًا". انظر: شرح ابن عُقيل (١/ ٢٤٨ وما بعدها).
(٧) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١/ ٥٥٤)، الدر المصون (١/ ٢٨٣)، الأصول في النحو (٢/ ١٢٧). ومنه يتبين أنّ أصل "هذه": "هذي".
[ ١ / ٣٥٠ ]
قولُه: "الصَّلَاة": بالجَرِّ، نَعتٌ لـ "هذه". (١)
وقوله: "هذه السَّاعَةَ": ظرفُ زَمَان مُقَدَّر بـ "في"، أي: "في هَذه". (٢)
و"السَّاعَةَ": نعْتُه، مَنْصُوبُ اللفْظ.
قال ابنُ مالك (٣) في قَوْله - ﷺ -: "فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ؟ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي" (٤): يجوزُ في "هذا" من قولُه "هذا استنقَذْتَها" ثلاثةُ أوْجُه: -
أحدها: أنْ يكُون مُنَادَي، حُذِف منه حَرْفُ النداء، وهو ممّا مَنَعَه البصريون (٥)، وأجازه الكُوفيون، وإجازتُه أصحُّ؛ لثُبُوتها في الكَلام الفَصيح.
والثاني: أنْ يكُون "هذا" في مَوْضع نَصْب على الظَرْفيّة، [مشَارًا] (٦) به إِلَى "اليوم". والأصْلُ: ["هذا اليوم استنقذتَها منى".
والثالث: أن تكُون "هذا" في مَوضع نَصْب على المصدَريّة. والأصْلُ] (٧): "هذا الاستنقاذ استنقذتها مني". (٨)
_________________
(١) راجع: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٩٢، ٢٩٣).
(٢) راجع: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٩٣).
(٣) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٦٦ وما بعدها).
(٤) صحيحٌ: رواه البخاري (٣٤٧١)، عن أبي هريرة.
(٥) انظر: الكتاب (٢/ ٢٣٠)، المُقتضب (٤/ ٢٥٨).
(٦) بالنسخ: "مُشَار". والمثبت من: شواهد التوضيح (ص ٢٦٧).
(٧) سَقط من النسخ. والمثبت من شواهد التوضيح (ص ٢٦٧).
(٨) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٦٦ وما بعدها)، إرشاد الساري (٤/ ١٧٤)، (٥/ ٤٣١)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٩٣)، شرح المشكاة للطيبي (١٢/ ٣٨٦٧)، عقود الزبرجد (٣/ ٥٧، ٥٨). لكن قال العيني في "عُمدة القاري" (١٦/ ٥٧): قوله: "هذا" أي: هذا الذئب "استنقذتها"، ويُروى: "استنقذها"؛ ويكون المعنى: "هذا =
[ ١ / ٣٥١ ]
والأصْلُ في "السَّبُع" الضَمّ؛ فسَكّنَها على لُغَة "بني تميم"، فإنهم يُسكِّنون "العَينَ" المضمومة من الأسماء والأفعال، وكذلك يفعلون في المكسورة، نحو "نَمِر"؛ فيقولون: "نَمْر"، وفي "إِبِل": "إبْل". انتهى. (١)
الحديث السَّابع:
[٥٢]: عَنْ عائِشَةَ - ﵂ -، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إذَا أُقِيمَتْ الصَّلاةُ، وَحَضَرَ الْعَشَاءُ؛ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ" (٢).
تقدَّم أنَّ الجُملَتين من "ﷺ" و"﵂" مُعترضتان لا مَحلَّ لهما من الإِعْرَاب.
والتقديرُ هنا: "عن عَائِشَة، أنّها رَوَت عن النَّبِيّ، أَنَّهُ قَالَ"؛ فتكُون "أنَّها" في مَحَلّ القائم مَقَام الفَاعل (٣) [لمتعلّق] (٤) "عن" الأوْلَى، ويكُون "أَنَّهُ قَالَ" في مَحلّ مَفعُول "رَوَت"، والمَتْنُ كُله مَعمُول القَول.
وتَقَدَّم القَولُ على "إذا" في الحديث الثّاني من الأوّل (٥).
و"أُقيمَت الصَّلاة": في محلِّ جَرّ أو جَزْم بـ "إِذَا" (٦)، على الخلافِ المتَقدِّم.
_________________
(١) = الرجل".
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٦٨)، فتح الباري (١/ ١٢٩)، شرح مسلم للنووي (١٥/ ١٥٦، ١٥٧)، عمدة القاري للعيني (١٢/ ١٦٠)، إرشاد الساري (٤/ ١٧٤)، عقود الزبرجد (٣/ ٥٨).
(٣) رواه البخاري (٥٤٦٥) في الأطعمة، ومسلم (٥٥٧) في المساجد.
(٤) راجع: شرح القطر (ص ١٩٠)، شرح ابن عُقيل (٢/ ١٢٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٤٦ وما بعدها).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) وهو حَدِيث أَبِي هريرة، وفيه: " إِذَا أحْدَث حتّى يتوَضّأ".
(٧) انظر: شواهد التوضيح (ص ٧١، ٧٢، ٢٥٦)، فتح الباري (٢/ ٢٠٥)، عُمْدة القَاري =
[ ١ / ٣٥٢ ]
و"أُقيمت الصَّلاة" مبني (١) من "أقَام".
قولُه: "وحَضَرَ العَشَاء": يحتمل أنْ يَكُون في مَحَلِّ الحال من "الصّلاة"، بتقدير "قد"، أي: "وقد حَضرَ العَشَاء". (٢) وتقدَّم في الحديث السّابع (٣) الكَلامُ على الفعل الواقع حالًا، وشَرْطُه، وما يمتنع منه.
قولُه: "فابدءوا بالعَشَاءِ": "الفاءُ" جَوَابُ "إذا". و"ابدءوا": فِعْل أمْر، وفاعل، من "بَدَأ، يَبْدأ" (٤). وسيأتي في الثَّاني من "بَاب صِفَة الصَّلاة" الكَلامُ عليه. والأَلِفُ واللام في "العَشَاء" للعَهْد (٥).
وأوْقَعَ الظاهِرَ مَوقِع المضْمَر؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ يقُول: "فابدَءوا به". وقَد يُقَال: إنَّ الضَّميرَ [يحصل] (٦) به لَبْس؛ لاحتمال أنْ يَعُود على "الصَّلاة" وإن كانت مُؤنّثة اللفظ؛ لأنه قد يعُود ضَمير المذَكَّر على المؤَنَّث إِذَا كان بمَعْنى الجنس، كمَا يقَع ضَمير المؤنّث على المذَكّر إِذَا أُوِّل بمَعْناه. (٧)
_________________
(١) = (٥/ ٢٥٠)، إرشاد الساري (٥/ ٣٦٩)، عُقود الزَّبَرجَد (١/ ٤٥٥).
(٢) أي: الفعل مبني لما لم يسم فاعله. والله أعلم.
(٣) راجع: فتح الباري لابن رَجَب (٦/ ١٠١).
(٤) أي: من أوّل أحاديث كتاب "العمدة". وهو حَدِيث حمران عن عثمان.
(٥) راجع: عُمدة القاري (٨/ ٤٣)، الصحاح (١/ ٣٥)، مَشَارق الأنوار للقاضي عياض (١/ ٨١)، دُستور العُلماء (١/ ١٥٤).
(٦) راجع: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٩٤).
(٧) غير واضحة بالأصل، ولعلها: "المضمر" أو "يصير". وفي (ب): "يوصل". والمثبت مقارب لرسم ما في (ب) ولَمَّا أرى بالأصل. والله أعلم.
(٨) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٤٣)، إرشاد السّاري للقسطلاني (٢/ ٤٥، ٤٢٥)، (٥/ ١٨١)، إحكام الأحكام (١/ ١٧٧)، مرقاة المفاتيح (٣/ ١١٩٢)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (٢/ ٣٩)، المخصّص (٥/ ٨٢ وما بعدها)، الكليات للكفوي (ص ٨٠٧، ٣٥، ٨٢٠، ٨٢١)، معجم الصواب اللغوي (١/ ٧٨٣).
[ ١ / ٣٥٣ ]
وقَد ذَكَرَ ابنُ مَالك (١) لذلك أمثلَة.
فمن الثّاني قولُه - ﷺ -: "أسْرعُوا بالجنَازَة، فإنْ [تكُن] (٢) صَالحةً فخَيرُ [تُقدِّمُونَها إلَيْهَا] (٣)، وإنْ تَك سوى ذَلِك فشَرّ تَضَعُونه عن رقَابكُم" (٤)، فأنَّثَ "إليها"، وهو عَائِدٌ على "الخير"؛ لأنّه بمَعْنى "الحُسْنى" أو "الرَّحْمَة".
قال: لأنَّ المذَكَّرَ يجُوزُ تأنيثُه إِذَا أُوِّل بمُؤنّث. (٥)
ومنه قوْله تعالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فأنَّث عَدَد "الأمثال"؛ [لأنَّها] (٦) بمَعنى "الحسنات". (٧)
ومِن الأوّل: "أهْلَك النَّاسَ الدِّرْهمُ البيض والدِّينار الحُمْر"، [ويُقَال] (٨): "الدِّينار هَلَك بها كثير من النّاس". (٩)
_________________
(١) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٤٣).
(٢) كذا بالنسخ. وفي شواهد التوضيح (ص ١٤٣): "تك".
(٣) بالنسخ: "يُقدِّمُونها إليه". والمثبت من شواهد التوضيح (ص ١٤٣).
(٤) متَّفقٌ عليه: رواه البخاري برقم (١٣١٥)، ومُسلم برقم (٥٠/ ٩٤٤)، من حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -.
(٥) انظر: شواهد التوضيح والتصحيح (ص ١٤٣)، عُمدة القَاري للعيني (٨/ ١١٣)، إرشاد الساري للقسطلاني (٢/ ٤٢٠)، مرقاة المفاتيح (٣/ ١١٩٢)، مرعاة المفاتيح (٥/ ٣٦٠)، الكليات للكفوي (ص ٨٢١).
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "لأنه". وانظر: شواهد التوضيح (ص ١٤٣).
(٧) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٤٣)، والكليات للكفوي (ص ٨٢١).
(٨) كذا بالنسخ. وفي شواهد التوضيح (ص ١٧٦): "فيُقال".
(٩) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٧٦)، عُقُود الزّبَرجَد (١/ ٤٦٢)، إرشاد الساري للقسطلاني (٤/ ٢٨٦). وذكره الإِمام الرازي في كتابه في أصول الفقه، والمسمّى "المحصول" (٢/ ٣٦٧) ضمن مسألة: "الواحدُ المعرَّف بلام الجنس لا يُفيدُ العُمُوم، =
[ ١ / ٣٥٤ ]
ويحتمل عندي أنَّ المرادَ من الحديث: "إِذَا حَضَر وَقْتُ العشَاء؛ فابدءوا بالعَشاء"، وَلَا يكونُ "العِشَاء" هو الأوَّل.
ويحتمل أنْ يكُون العُدولُ إِلَى الظّاهِر لتأكيد الأمْر بذلك. (١)
قولُه: "حَضر": استَعْمَل أهلُ اللغَة "حَضَر" بفتْح "الضَّاد"، "يحضُر"، بضَمّها في المستقبَل، و"حضِر" بكَسْر "الضّاد"، "يحضُر" بضَمّها؛ ولذلك يُقال: "حضر القاضي اليوم امرأة"، بفَتْح "الضَّاد" وكَسْرها. (٢)
الحديث الثامن
[٥٣]: وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ" (٣).
قولُه: "ولمسْلم": تقدَّم في الحديثِ الخَامس مثله، فلا حَاجَة لإعادته.
و"اللامُ" في "لمسْلم" تُسمّى "لَام" النسبة، نحو قَوْلِك: "لزَيْد [عَمٌّ] (٤) ".
_________________
(١) = خلافًا للجبائي والفُقَهاء والمبرد". وعبارة ابن مالك في شواهد التوضيح (ص ١٧٦) هي: " قول بعض العَرَب: أهلَك النّاس الدرهمُ البيض والدينار الحمر. فكما جاز أن يُوصَف بما يُوصَف به الجمع لمَا حَدَث فيه من العُموم كذلك يَجوز أنْ يُعاد إليه ضَمير كضَمير الجَمْع، فيُقال: الدينار بها هَلك كثيرٌ من النّاس؛ لأنه في تأويل الدنانير".
(٢) راجع: شرح المشكاة للطيبي (٤/ ١١٢٩).
(٣) انظر: الصحاح (٢/ ٦٣٣)، مقاييس اللغة (٢/ ٧٧)، المقتضب (٢/ ١٤٨)، المفصل (ص ٢٤٧)، شرح التصريح (١/ ٤٠٩)، كتاب الأفعال لابن القطاع (١/ ١٢، ٢١٣، ٢١٤)، تاج العروس (١١/ ٣٨)، شمس العُلوم (٣/ ١٤٨٩).
(٤) رواه مسلمٌ (٥٦٠) في المساجد، ورواه أَبُو داود (٨٩) في الطهارة.
(٥) بالنسخ: "عمرو". والمثبت من المصادر. وفي بعض المصادر: "لزيد عَم هُوَ لعَمْرو خَال". وانظر: البحر المحيط (١/ ٣٣)، شرح التصريح (١/ ٦٤٥)، الجنى الداني =
[ ١ / ٣٥٥ ]
قولُه: "رسُول الله": مفعولُ "سَمعْتُ"، وقد تقدّم في الحديث الأوّل من الكتاب أنّ "سَمِع" إِذَا تَعلّق بالأصْوَات تعَدّى لمفعُول واحِدٍ، نحْو: "سَمِعْتُ كَلامَ زَيْد"، وإنْ تعَلّق بالذّوات تَعدَّى إِلَى مَفعُولين ثانيهما جُمْلَة فِعْليّة صَدْرها مُضَارع. فقوله: "يقُول": في محَلِّ المفْعُول الثّاني؛ لأنه تعلّق بالذَّوَات، هذا اختيارُ الفَارسيّ ومُوَافِقيه. واختارَ ابنُ مَالِك ومَنْ تَبعَه أنّ يَكُون في مَحلّ الحَال، إنْ كَان المتقدِّمُ مَعْرفة، كَمَا هُو هُنا، أو صفة إنْ كَان المتقدِّم نَكِرة. (١)
قولُه: " [لا] (٢) صَلاة بحَضْرَةِ طَعَام": الجملةُ محكية للقَول، و"لا" نافية، و"صَلاة" اسمُ نكرة مبني مع "لا"، والخبر في المجرور [ق ٤٨]. (٣) وقد تَقَدَّم الكَلامُ على "لا" النَّافية مَع ما تَدخُل عليه مُسْتَوفىً في الأوّل من "بَاب الاستطابة"، وحُكْمها مع [اسمها] (٤) من "باب التيمّم".
وقوله: "بحَضْرَةِ طَعَام": مُتعَلِّقٌ بالخَبَر، أي: "كَامِلَة بحَضْرَةِ طَعَام"، أو يكُون التقديرُ: "لا صَلاة كَائنة بحَضْرَة طَعَام كَامِلة"، وَلَا بُدّ من تقْدير "كَامِلَة" إمّا حَالٌ من
_________________
(١) = (ص ٩٧)، همع الهوامع (٢/ ٤٥٢). وانظر: البحر المحيط (١/ ٣٣)، (٦/ ٦٠٧)، نُخَب الأفكار للعَيني (١١/ ٣٧)، شرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٧٥٩)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٤ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٩٧)، شرح الأشموني (٢/ ٧٧)، شرح التصريح (١/ ٦٤٥)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٧٠)، (٢/ ٧٥٤)، أوضح المسالك (٢/ ٧٠)، الهمع (٢/ ٤٥١، ٤٥٢)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٨٣).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)] (١٠/ ١٥)، عُمدة القاري (١/ ٢٣)، شواهد التوضيح (ص ١٨٢).
(٣) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٤) انظر: نيل الأوطار (٢/ ٩)، دَليلُ الفالحين لابن علان (٨/ ٥٦٥)، عُقود الزّبرجَد (٣/ ٢١٢، ٢١٣)، شرح المشكاة للطيبي (٤/ ١١٢٩).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٣٥٦ ]
الضَّمير في الخبَر؛ فتُقدَّر مُتأخِّرًا، وإمّا صفَة للصّلاة؛ فتُقَدَّر قبْل الخبَر، أي: "لا صَلاة كَامِلَة كَائنة بحَضْرَة طَعَام". (١)
و"حَضرَةُ الرّجُل": "قرْبُه". ومنه: "حَضْرَة طَعَام". (٢)
قولُه: "وَلَا وهُو يُدَافِعُه": أي: "وَلَا صَلاة له". والضّمير في "له" يعُودُ على مُقدَّر في الأوّل، أي: "لا صَلاةَ لمكَلَّف بحَضْرَة طَعَام، وَلَا صَلَاة له - أي كَائِنَة لَه - وهُو يُدَافِعُه الأخبثان"، وهُما جُملَتان، صُغْرى وكُبرَي، الكُبرَى المنفيّة، والصُّغْرَى: "يُدافِعُه الأخبثان"؛ فالجُمْلة في مَحَلِّ الحال من الضمير في "له"، أي: "كائنة له"، والعامل في الحال الكوني المقدَّر الذي تعلّق به حَرْف الجر والمقدّر أولًا - وهو "لمكَلّف" - يَتعلّق بصفة "الصّلاة"، وَلَا يتعلّقُ بـ "صَلاة"؛ لأنّه لو تعلّق بها صَار مَعْمُولًا. (٣)
و"الأخبثان": مَرفُوعٌ على الفاعِلية بـ "يُدافِعه". ويُروَى: "وهُو يُدَافِعُ الأَخْبَثَين" (٤)؛ فيكُون الفاعلُ [ضَميرًا مُستَترًا] (٥)، و"الأخبَثَين" مَفعُولٌ به، وهو تثنيةُ "أخبَث".
و"أخبَث": أفعَلُ التفضيل، وقد استُعمِل بالألِف واللام؛ فيجُوز أنْ يُثنّى
_________________
(١) راجع: إرشاد السّاري (٢/ ٤٢٩).
(٢) انظر: الصحاح (٢/ ٦٣٢)، مقاييس اللغة (٢/ ٧٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٩٩)، لسان العرب (٤/ ١٩٦)، تاج العروس (١١/ ٣٩).
(٣) راجع: شرح سُنن أَبِي داود للعيني (١/ ٢٤٧)، عُقود الزّبرجَد (٣/ ٢١٣)، مرقاة المفاتيح (٣/ ٨٣٥)، مرعاة المفاتيح (٣/ ٤٩٣)، شرح المشكاة للطيبي (٤/ ١١٢٩)، دليل الفالحين (٨/ ٥٦٥)، مجمَع بحار الأنوار (٢/ ٣)، (٥/ ٣٩٥).
(٤) روَاه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٠١، ١٠٢/ برقم ٥٠٢٦، ٥٠٢٧)، وابن أبي شيبة في مُصنفه (٢/ ١٨٥/ برقم ٧٩٤٠).
(٥) بالنسخ: "ضمير مستتر". وَلَا يسوغ اعتباره مبتدأ مُوخرًا.
[ ١ / ٣٥٧ ]
ويُجمَع. (١) وتقدّم القَولُ عليه في الأوّل من "كتاب الصَّلاة".
الحديث التاسع
[٥٤]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: "شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ - وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، نهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى [تُشْرِقَ] (٢) الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ [الشمْسُ] (٣) ".
[٥٥]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَنَّهُ قالَ: "لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْح حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ" (٤).
قَالَ في "العُمْدَة": "وفي البَابِ عنْ عَليٍّ - ﵁ -، وعبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّاب، وعبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاص، وأَبي هُريرةَ، وسَمُرَةَ بنِ جُندُبِ، وسَلَمَةَ بنِ الأكَوَع، وزيدِ بنِ ثابتٍ، ومُعاذِ بنِ [جَبَل، ومُعَاذِ بنِ] (٥) عَفْراء، وكَعْبِ بنِ مُرَّةَ، وَأَبِي أُمَامةَ الباهليِّ، وعَمْرِو بنِ عَبسةَ السُّلَميِّ، وعائشةَ، رضوانُ الله عنهم،
_________________
(١) انظر: عُقود الزّبرجَد (٢/ ٢٣)، (٣/ ٢١٣)، شواهد التوضيح (ص ١٣٩)، شرح المشكاة للطيبي (٤/ ١١٢٩)، مرقاة المفاتيح (٣/ ٨٣٥)، نيل الأوطار (٣/ ١٨٧)، مرعاة المفاتيح (٣/ ٤٩٣)، مجمع الأمثال للميداني (١/ ٧٨، ٧٩)، شرح الأشموني (٣/ ١٤٣)، شرح التصريح (٢/ ٩٥)، شرح الكافية الشافية (٢/ ١١٣٩، ١١٤٠)، شرح ابن عُقيل (٢/ ٢٧١)، المغرب للمطرزي (ص ٥٣١)، معجم الصواب اللغوي (١/ ١٢٦).
(٢) كذا بالأصل. وبالمطبوع من العُمدة (ص ٥٧): "تطلع". قال ابنُ الملقن في "الإعلام" (٢/ ٣٠٩): وهو بمعنى "تطلع"؛ لأنّ أكثر الروايات على "تطلع"، فوجب حمل "تشرق" في المعنى على مُوافقتها.
(٣) غير موجودة بالمطبوع من العُمْدة (ص ٥٧).
(٤) رواه البخاري (٥٨٦) في مواقيت الصلاة، ومسلم (٨٢٧) في صلاة المسافرين.
(٥) سقط بالنسخ. والمثبت من مطبوعة العُمْدة (ص ٥٨).
[ ١ / ٣٥٨ ]
والصَّنابحيِّ (١) - ﵁ -، ولم يَسْمَعْ منَ النَّبِيّ - ﷺ -".
قولُه: "قَالَ": فاعِلُه ضَمير "ابن عباس".
"شهد عندي": الجملة مَعمُولة للقول.
و"عندي" مُتعلِّقٌ بـ "شَهد"، ويحتمل أنْ يتعلَّق بحَال من "رجَال" على أنَّه صِفَة، لِمَّا تقدَّم انتصَب على الحال. و"مَرْضِيُّون" صفة بعد صفة، وأصلُه: "مَرْضِييون"، اجتَمَعَت اليَاءَان فأُدْغِمَتا. (٢)
قوله: "وأرْضَاهم عِنْدي عُمَر": "أرْضَاهم" مُبتدأ، و"عُمَر" خَبره، و"عنْدي" يتعلّق بـ"أرْضاهم"، وهو "أفعَلُ" التفضيل، وقد بُني هُنا للمَفعُول (٣)، كقَول كَعْب:
لَذَاك أهْيَبُ عِنْدِي (٤)
ويُرْوَى (٥): " أخْوَف عندي ".
_________________
(١) واسمه: عبد الرَّحمن بن عسيلة الصُّنَابحِيُّ. منسوب إِلَى قبيلة من اليمن، كنيته أَبُو عبد الله، كان مُسلمًا على عَهد رسُول اللهَ - ﷺ - وقصده. فلَمَّا انتهى إِلَى الجحفة لقيه الخبر بمَوته - ﷺ -. وكان جليل القدْر فاضلًا. مات في خلافة عبد الملك. انظر: عُمْدة القَاري (٥/ ٧٧)، إحكام الأحكام (١/ ١٨٥)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٣٢).
(٢) راجع: نُخب الأفكار (٥/ ١٥٨).
(٣) راجع: عُمْدَة القَاري (٥/ ٧٧)، نُخب الأفكار (٥/ ١٥٨).
(٤) البيتُ من البسيط، وهو لكعب بن زُهير بن أَبِي سُلمى من قصيدته التي مَدَح بها النَّبِيّ - ﷺ -، والتي مَطلعها: "بانَت سُعَاد فقَلبي اليوم مَتبُول". وهو هكذا في "التحرير والتنوير". ورُوي بلفظ: فلهو أخوف عندي إذ أُكلمه، وَقِيلَ: إنّك مَنْسُوبٌ وَمَسْؤول كما رُوي في "اللباب لابن عادل" بلفظ: "فَلَهْوَ أخْوَفُ مَحْبُوسٌ ومَقْتُولُ". ورُوي في "جمهرة أشعار العرب" بلفظ: "وَلَهْوَ أهيبُ مَنْسُوبٌ وَمَسْؤول". انظر: اللباب في عُلوم الكتاب (١٨/ ٦٠٠)، التحرير والتنوير (٢٥/ ١٨٤)، جمهرة أشعار العرب (٦٣٢، ٦٣٩)، نهاية الأرب في فنون الأدب (١٦/ ٤٣٦)، المعجم المفصل (٦/ ٢٩٠).
(٥) أي: يُروَى في هذا البيت.
[ ١ / ٣٥٩ ]
لكنّه ليس مَقْصُود الرَّاوي أنّ عُمَر - ﵁ - أشَدُّ رضا مِن غَيره، إنَّما هُو أرَاد "أنّ عُمَر أشَدُّ عند الرَّاوي وأقْوَى في رضَاه [مما] (١) رَوَى من غيره". وتمييزُه مَحذُوفٌ، أي: "أرْضَاهُم شَهَادة".
وتقدّم الكَلامُ على "أفْعَل" في الأوّل من "الصّلاة".
ومتى استُعمل (٢) بالإضافة جَاز فيه الإفراد والمطَابَقَة، إلَّا أنْ يُقصَد التوضيح؛ فتجب المطابقة، ومتى استُعمل "أفعَل" باللام وَجَبت المطابقة، ومتى استُعمل بـ "مِنْ" وَجَب الإفراد. (٣)
قولُه: "أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - ": فُتحَت "أنَّ" لأنَّها مَعمُولة لـ "شهد" بتقدير "الباء"؛ فهي في مَحَلّ نَصْب أو جَرّ، على الخلافِ بين سيبويه والفَرّاء وبين الخليل والكسائي (٤)؛ فسيبويه والفَرّاء [جَعَلوا] (٥) له المحَلّ جَرًّا، والكسائي والخَليل نصبًا، وعَكَس النقل إليهم أَبُو البقاء (٦). (٧)
_________________
(١) في (ب): "بما".
(٢) أي: أفعل التفضيل.
(٣) انظر: عُقود الزّبرجَد (٢/ ٢٣)، شواهد التوضيح (ص ١٣٩)، مجمع الأمثال (١/ ٧٨ وما بعدها)، شرح الأشموني (٣/ ١٤٣)، شرح التصريح (٢/ ٩٥ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٢/ ١١٢٠ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (٣/ ١٧٤ وما بعدها)، المغرب (ص ٥٣١)، معجم الصواب اللغوي (١/ ١٢٦).
(٤) سبق أنْ ذكر ابن فرحُون هذه المسألة، فقال: الفعلُ "إنْ كان مُتعدِّيًا بنفسه كانت (إن) في محلّ نصب، وإن كانْ مُتعدِّيًا بحَرْف الجرّ جَرَى على الخلاف بين سيبويه والخليل؛ فسيبويه يقول: جرّ، والخليل: نصب. وعَكَسَ ابنُ مالك وأبو البقاء هذا النقْل، فنسبا إِلَى سيبويه النصب".
(٥) كذا بالنسخ.
(٦) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٣)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤)، مُغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٨٢).
(٧) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٣)، الإعلام لابن الملقن (١/ ٦٤٥)، مُغني =
[ ١ / ٣٦٠ ]
قَالَ أَبُو حَيان (١): "وهُو غَلَطٌ".
وقوله: "نَهَى عن الصَّلاة" جُمْلَة في مَحَلّ خَبَر "أنَّ"، و"عَنْ الصَّلاة" [مُتعَلّقٌ] (٢) بالفِعْل، و"بعد الصّبح" ظَرْف، ومخفُوض به. والعَامِلُ في الظرْف "الصَّلاة"؛ لأنه مَصْدَر، ويحتمل أنْ يتعلّق بحَال عن "الصّلاة"، أي: "كائنة بعد الصبح"، وَلَا [تعملُ في] (٣) بعْد "نهى"؛ لفَسَاد المعنى؛ لأنَّ نهيه - ﷺ -[ليس] (٤) مُقيّدًا بذلك الوَقْت.
والمرادُ بـ "الصُّبح" هُنا: "الصّلاة"، ومثله: "وعن العَصْر"، أي: "ونهى عن الصّلاة بعد صلاة العَصر".
وقد قيل: إنَّ النهي عن صَلاة النافلة بعد دخُول وَقْت الصُّبح ودُخول وقْت العَصر للحَديث: "نَهَى عن الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" (٥). (٦)
و"حَتَّى تُشرق الشَّمس"، و"حَتَّى تَغرُب الشَّمس": يعني: "إِلَى أنْ تشرق"، و"إِلَى أنْ تغرُب".
وتقَدَّم في الحَديث الثّاني من الأوّل القَوْل على "حَتَّى". وتتعلّق (٧) بـ "الصَّلاة"،
_________________
(١) = اللبيب (ص ٦٨٢)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢)، شرح التصريح (١/ ٤٦٩)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤)، الصاحبي (ص ٩١)، حاشية الصبان (٢/ ١٣٣).
(٢) راجع: البحر المحيط (١/ ١٨١)، (٢/ ٤٧١، ٤٧٢).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) صحيحٌ: رواه مُسلم (٨٢٥/ ٢٨٥)، من حَدِيث أَبِي هُريرة.
(٧) انظر: فتح الباري (٢/ ١٠٨)، المنتقى شرح الموطأ للباجي (١/ ٢٢٨، ٣٦٣، ٣٦٤)، تحفة الأحوذي للمباركفوري (١/ ٤٦٤، ٤٦٨).
(٨) أي: "حَتَّى"، أو جملة "حَتَّى تشرق الشَّمس" وجملة "حَتَّى تغرب الشَّمس".
[ ١ / ٣٦١ ]
والنَّصب في الفعل بـ "أن" المقدَّرة، لأنَّ "حَتَّى" من حروف الجرّ - كـ "لام" كَي و"لام" الجحُود -، وحَرْف الجرّ لا يَدخُلُ على الفِعْل، فوَجَب تقدير "أن" المصدَرّية، ليكُون دُخُولُ [هذه] (١) الحُرُوف على المصدَر المقَدَّر بـ "أن". (٢)
و"تُشرق": بضَمّ "التاءِ"، من "أشْرَق" بمعنى "أضَاء"، ولو كان من "شَرَق" [الثلاثي] (٣) بمَعنى (طَلَعَت) لكانت "التاءُ" مفتوحة، والرّوايةُ ضمّها. (٤)
قال الشيخُ "تقي الدّين": [وممّا] (٥) في معنى الحديث المُتقدِّم عن أَبِي سَعيد الخدري جَعل الحديثين حَديثًا واحِدًا في العَدّ، لاتحاد مَعْنَييهما. (٦)
قال: "لا صلاة بعد الصُّبح": تقدَّم حُكْمُ "لا" مع اسْمها في الأوّل من "باب التيمم"، [وقد يتعلّق] (٧) بخَبَر "لا".
والضّميرُ في "يَسْمَع" يَعُودُ على "الصّنابحي"، فيكُون حَديثه مُرسَلًا، وتكُون الجملة في محلِّ الحال مِن "الصنابحي". (٨)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٥٥٤)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٣١، ١٥٤٢)، شرح الأزهرية للوقّاد الجرجاوي (ص ٤٧)، شرح قطْر الندى (ص ٦٧، ٦٨)، حاشية الآجرومية لابن قاسم (ص ٤٧، ٤٩)، جامع الدروس العَربية (٢/ ١٨٠، ١٨١)، النحو الوافي (٤/ ٣٤٣، ٣٤٧).
(٣) غير واضحة بالأصل، ويحتمل أن تكون: "التي". والمثبت من (ب).
(٤) انظر: شرح النووي على مُسلم (٦/ ١١)، عُمدة القاري (٥/ ٧٧)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٠٩)، المحكَم والمحيط الأعظم (٦/ ١٦٢)، لسان العَرب لابن منظور (١٠/ ١٧٤)، تاج العروس (٢٥/ ٥٠٠).
(٥) كذا بالنسخ.
(٦) راجع: إحكام الأحكام (١/ ١٨٢ وما بعدها).
(٧) كذا بالنسخ. والظاهِرُ أنّ الكلامَ راجعٌ لقوله: "صلاة بعد الصبح".
(٨) راجع: فتح الباري (٢/ ٦٣).
[ ١ / ٣٦٢ ]
وقوله: "وفي الباب": مُتعلِّق بخَبر مُبتدأ محذُوف، أي: "وفي الباب أحاديث"، أو تكُون الجمْلة مُبتدأ على الحكاية.
قالَ صَاحِبُ العُمْدَة: "وفي البَابِ عن عَليّ" ثم عَدّ ما تَقَدَّم من الرُّوَاة، وهِي كُلها مَعْطوفَات فمِنْهَا مَا هُو مُعْرَب بالكَسْرَةِ ومنها ما هُو مُعْرَب بالفتْحَة لكَوْنه لا يَنْصَرف (١).
الحديث العَاشِر:
[٥٦]: عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ - ﵄ -، أَنَّ عمر بْنَ الخَطَّابِ - ﵁ - جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا". قَالَ: فَقُمْنَا إِلَى بَطْحَانَ، فتَوَضَّأَ لِلصَّلاة، وَتَوَضَّأنَا لَهَا، فَصَلى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ (٢).
قولُه: "جَاءَ": يأتي الكَلَامُ عليها في الثامن من "فَضْل الصَّوم".
قولُه: " [وجَاءَ] (٣): جُمْلَة في مَحَلّ خَبَر "أنَّ"، و"يَوْم الخَنْدَق" ظَرْفٌ، ومَخْفُوض به، العَامِلُ فيه: "جَاءَ".
و"بَعْد": ظَرْفُ زَمَان، وتَقَعُ ظَرْف مَكَان، بحَسب مَا تُضيفها إليه، كـ "قَبْل" و"بَعْد". (٤) (٥) وتقدَّم الكلامُ عليها في الحديث الرّابع من أوَّلَ الكتاب، وفي الثالث
_________________
(١) انظر: شرح ابن عُقيل (١/ ٧٧)، شرح الأشموني (١/ ٧٢)، توضيح المقاصد (١/ ٣٤٢)، النحو الوافي (٤/ ٢٦٤)، مُعجَم الصواب اللغوي (١/ ٨٩، ٣٨٠)، المدارس النحوية لشوقي ضيف (ص ١٠٢).
(٢) رواه البخاري (٥٩٦) في موا قيت الصلاة، ومسلم (٦٣١) في المساجد.
(٣) كذا بالنسخ. ولعلَّ المراد أنّ قول عُمر مع الفعل "جاء" جملة في محلّ
(٤) انظر: اللمحة (١/ ٤٥١)، المصباح المنير (٢/ ٤٣١)، الكُليات للكفوي (٢٣٥، ٢٣٦)، النحو الوافي (٢/ ٢٩١).
(٥) من الأسماء ما إِذَا أُضيف إِلَى شيء صار من جنسه وأُلحِق بنوعه. فمن ذلك: "قبلُ" =
[ ١ / ٣٦٣ ]
من "باب التيمم".
والعَاملُ في "بعْد" و"يَوم": "جَاءَ".
وعَمَلُ الفِعْل في ظَرْفين مختلفين جائزٌ، نحو: "صَلَّيتُ يَومَ الجمعة أمام الأمير".
وأمّا في ظرفين من نوع واحد - كمَا جَاءَ هنا: "يوم" و"بعْد" - فلا يَعمَلُ فيهما، إلَّا على أنَّ يكُون الثاني بَدَلًا من الأوّل، أو يكُون العاملُ اسم تفضيل؛ وذلك لأنّه في قوة عاملين، كقولك: "زيدٌ يوم الجمعة خَير منه يوم الخميس"؛ لأنّ المعنى: "أنّه يَزيد خَيره في هذا اليوم على خَيره في ذلك اليوم". (١)
قال ابنُ هشام: وذكر ابنُ عصفور أنَّ مَذْهبَ سيبويه (٢) أَنَّهُ يَجوز التعدُّد مع الاتفاق إِذَا كان الزّمانُ الأول أعَمّ من الثاني، نحو: "لَقيتُه يوم الجُمعة غَدْوَة"، وأنّه
_________________
(١) = و"بَعْدُ"، فهما إنْ أُضيفا إِلَى ظرف زمانٍ صارا من جنسه، وانتصبا انتصاب ظرف الزّمان، كقولك: "قدمتُ البلد قبل زيدٍ، وسافرت بعده"، وإنْ أُضيفا إِلَى ظرف مكانٍ صارا من جنسه، كقولك: "نزلنا قبل المنزلة، وقيلنا بعد المنهل". و"عند" في الأصل ظرفُ مَكان مُعرَب، لا يكادُ يُستعمَل إلَّا منصوبًا على الظرفية المكانية أو مجرورًا بـ "من". وقد وَرَدَت للزمان قليلًا، كما في: "أزورك عند شروق الشمس"، و"الصبر عند الصَّدْمة الأولى". انظر: اللمحة (١/ ٤٥١)، النحو الوافي (٢/ ٢٩١).
(٢) انظر: أمالي ابن الحاجب (١/ ١٨٧)، الجنى الداني (ص ٣٦٩ وما بعدها)، حاشية الشِّهاب على تفسيرِ البيضَاوِي (٦/ ١٢١، ١٧١)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٦٤ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٩٢، ٢٩٣)، شرح ابن عُقيل (٢/ ١٩١ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧١٤ وما بعدها)، أوضح المسالك (٢/ ٢٧٧ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٠١ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٣١٥ وما بعدها)، ضياء السالك (٢/ ٢٣١ وما بعدها)، النحو الوافي (٢/ ٢٥٥، ٢٥٦)، النحو المصفى (ص ٤٦٥ وما بعدها)، الموسوعة القرآنية (٤/ ٤٧٤).
(٣) راجع: الكتاب (١/ ٢٢٢ وما بعدها، ٢٢٨).
[ ١ / ٣٦٤ ]
يُجيز نصْب الظرفين بـ "لَقيتُ"، لا على أنَّ الثاني بَدَل بَعْض من كُلّ، وذلك لأنّه أجَاز: "سِيرَ عليه يَومُ الجمعة غَدْوَة"، برَفْع "اليوم" ونَصْب "غَدْوَة"، ولو كان بَدَلًا منه لتبعه في إعْرابه. (١)
قلت: ويجري هذا الخلاف على قول ابن عصفور في العُموم والخُصوص؛ لأنه قَدَّم "اليوم"، وهو أعَمُّ، وأخَرّ "بعد"، وهو أخَصُّ؛ فهو كقوله: "لقيتُه يوم الجمعة غَدْوَة".
وأمّا على القول الآخَر: فيكُون "بعدما غربت الشّمس" بَدَلًا من "اليوم".
ومتى جاءت "ما" بعْد "بعْد" فهي مَصْدَريّة (٢)، أي: "بعْد غُروب الشّمس".
وسيأتي الكَلامُ عليها.
وقوله: "غَربت الشَّمس": أثبَت العَلَامَة (٣) على أحَدِ الوَجْهين، ولو أسْقَطَها جَاز؛ لأنه مُؤنثٌ غير حَقيقي، بخلافِ ما لو تأخّر الفعل واستند إِلَى [ضمير] (٤) "الشمس"؛ فإنَّ العَلامة تجب. (٥)
قولُه: "فجَعَل": تقدَّم في الحديث الرابع من الأوّل الكلام على معاني "جعل".
_________________
(١) انظر: الكتاب (١/ ٢٢٢ وما بعدها، ٢٢٨)، المقتضب (٤/ ٣٥١ وما بعدها)، نتائج الفكر (ص ٢٩١ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧٩٨)، توضيح المقاصد (٢/ ٧١٤)، شرح التصريح (١/ ٤٣٠)، مُغني اللبيب (٧٥٨)، أوضَح المسالك (٢/ ١٣٥)، التطبيق النحوي للدكتور عبده الراجحي (٢٣١، ٢٣٢).
(٢) انظر: مُغني اللبيب (ص ٤٠٩)، شرح الشافية للأستراباذي (٤/ ٢٥٨).
(٣) أي: أثبَت عَلامة التأنيث بآخِر الفعل.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: أمالي ابن الحاجب (٢/ ٦٩٣)، المقتضب (٢/ ١٤٦ وما بعدها)، المصباح (٢/ ٧٠٨ - ٧٠٩)، النحو الوافي (٤/ ٥٤١، ٥٨٧).
[ ١ / ٣٦٥ ]
وهي هُنا من أفعال المقارَبة، خَبرها فِعْل مُضَارع، بمعنى "طفق". (١)
قولُه: "كُفار قُريش": مَفعُولٌ به، و"قُريش": اسمٌ للحَي، ولذلك انصرف، ولو أرادوا "القبيلة" لمنع من الصَّرْف؛ للعَلمية والتأنيث. (٢)
قال سيبويه: "قُرَيش" و"مَعدّ" اسمٌ [للأحياء] (٣)، وإن جَعَلتهما اسمًا للقبيلة فحَسَنٌ. (٤)
قولُه: "وقال: يا رسُولَ الله": مَعْطُوفٌ على "يَسُبّ"، وَلَا تكُونُ الجُمْلةُ حَاليّة؛ لأنه في حَال قَوله غير سَابّ.
وقوله: "مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حتّى كَادَت الشَّمْس تَغْرُب": "ما" نافية.
و"كَاد" تدلُّ إثباتًا على المقَارَبَة، ونَفْيًا على عَدَمِها، كغَيْرها مِن الأفْعَال (٥).
_________________
(١) انظر: عمدة القاري (٧/ ٢٩١)، مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩٢٦)، شرح الكافية الشافية (١/ ٤٤٩ وما بعدها)، توضيح المقاصد (١/ ٥١٥ وما بعدها)، أوضح المسالك (١/ ٢٩٥ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (١/ ٣٢٣ وما بعدها)، شرح الشذور للجوجري (١/ ٣٧٤)، شرح الأشموني (١/ ٢٧٣ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٢٧٧ وما بعدها)، همع الهوامع (١/ ٤٦٨)، مفتاح العلوم للسكاكي (ص ٩٥)، خزانة الأدب (٥/ ١٢١)، (٩/ ٣٥٣)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٨٥ وما بعدها)، اللباب في قواعد اللغة وآلات الأدب (ص ٢٧)، النحو المصفى (٢٧٢ وما بعدها).
(٢) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٧١)، الدر المصون (١١/ ١١٦)، إرشاد الساري (٦/ ٦)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٤٣١ وبالهامش)، همع الهوامع (١/ ١٢٤)، خزانة الأدب (١/ ٢٠٢)، الصحاح (٣/ ١٠١٦)، المخصص (٥/ ١٥٨ وما بعدها)، تاج العروس (١٧/ ٣٢٥).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الكتاب (٣/ ٢٥٠)، الدر المصون (١١/ ١١٦)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (٢/ ٢١٧).
(٥) انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (٤/ ١٣٦)، فتح الباري (٢/ ٦٩)، إرشاد =
[ ١ / ٣٦٦ ]
وذَهَبَ بعضُهم إِلَى أنّها في الإثباتِ تَدلُّ على نفي الخَبَر، وفي النفي تَدلُّ على إثباته. واستَدلّ بقَوْله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] (١). والصَّحيحُ: الأول (٢).
وكذلك هُنا، المعنَى: "مَا قَارَبْتُ فِعْلَها حَتَّى قارَبَت الشَّمس تَغْرُب". (٣)
وقيل: في مَاضِيها [كالقَوْل] (٤) الثاني، وفي مُضَارعِها كالقَوْل الأوّل. (٥) (٦).
وقد جَاء الأوّل مُقترنًا بـ "مَا"، والثاني غير مُقترن؛ فنفَى المقَارَبة في الأوْلى،
_________________
(١) = الساري (١/ ٥١٤)، شرح النووي (١/ ٥٧)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٣٧)، نيل الأوطار (٢/ ٣٦)، شرح الكافية الشافية (١/ ٥٤ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٢٩٢)، همع الهوامع (١/ ٤٨٢)، تاج العروس (٩/ ١١٨ وما بعدها).
(٢) انظر: الدر المصون (١/ ١٧٦)، البرهان في علوم القرآن (٤/ ١٣٦)، فتح الباري (٢/ ٦٩)، عمدة القاري للعيني (٥/ ٩٠)، إحكام الأحكام (١/ ١٨٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٣٧)، شرح الكافية الشافية (١/ ٥٤ وما بعدها)، الهمع (١/ ٤٨٢)، تاج العروس (٩/ ١١٨ وما بعدها).
(٣) انظر: البرهان في علوم القرآن (٤/ ١٣٦)، عمدة القاري (٥/ ٩٠)، شرح الكافية (١/ ٥٤ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٢٩٢)، همع الهوامع (١/ ٤٨٢)، تهذيب اللغة (١٠/ ١٧٩ وما بعدها)، تاج العروس (٩/ ١١٨ وما بعدها)، النحو الوافي (١/ ٦١٨).
(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر (٢/ ٦٩)، عمدة القاري للعيني (٥/ ٩٠)، إرشاد الساري (١/ ٥١٤)، الكواكب الدراري (٤/ ٢٣٠)، إحكام الأحكام (١/ ١٨٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٣٧).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: البرهان في علوم القرآن (٤/ ١٣٦)، عُمدة القاري (٥/ ٩٠)، تاج العروس (٩/ ١١٨ وما بعدها).
(٧) وفيها قول رابع، وهو أنَّها تُفيد الدلالة على وقوع الفعل بعُسر، وهو مَذهب ابن جني. انظر: البرهان في علوم القرآن (٤/ ١٣٦).
[ ١ / ٣٦٧ ]
وأثبتَها في الثاني، فـ "كَاد" الأوْلى اسمها الضمير وخَبرها "أُصَلِّي"، و"كَاد" الثانية اسمها "الشمس" وخَبرها جُمْلَة الفِعْل من "تَغْرُب".
قال ابنُ مالك: وقد خصُّوها بالضّرورة. وجَعَلُوا من ذلك قولُه:
قَدْ كَاد مِنْ طُولِ البِلَى أَنْ يَمْصَحَا (١)
والصوابُ: أنَّ ذلك لا يختصُّ. (٢)
قلتُ: ومتى دخلت "أنْ" على "كَاد"، كَما جَاء في حَديث تسوية الصفوف: "حَتّى كَادَ أَنْ يُكَبّر" (٣) جَاز فيها الوجْهان اللَّذانِ في "زَيْدِ عَسَى أنْ [يقُوم] (٤) "، فتكون تامّةً لا تحتاجُ إِلَى خَبر، أو يكون اسمها ضميرًا يعُود على "زيد". (٥) وكذلك في الحديث.
وأفعالُ الشّروع كلها لازمة بصيغة الماضي إلَّا أربعة استُعمل لها مُضارع
_________________
(١) عجز بيت من الرجز، من العروض الثالث، وهو المشطور ضربه كعروضه، ولهو لرؤبة بن العجاج. وصدره: "رَبْعٌ عَفَاهُ الدَّهْر طَوَرًا فامَّحَى". والشاهدُ فيه: استعمال "كاد" بـ "أنْ" ضرورة، والمستعمل في "كاد" إسقاطها. و"يَمصح": "يذهب". ومعنى البيت: "أنَّ ما أتى عليه من الدهر قد قارَب دروسه". انظر: أسرار العربية (ص ١١٠)، إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي (١/ ١١٧، ١١٨)، شرح أدب الكاتب لابن الجواليقي (ص ٢٢٠)، المعجم المفصل في شواهد العربية (٩/ ٢٩٦).
(٢) انظر: الكتاب (٣/ ١٦٠)، المقتضب (٣/ ٧٥)، ضرائر الشِّعْر لابن عصفور (ص ٦١)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥١٧ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (١/ ٣٣٥)، خزانة الأدب (٩/ ٣٤٨).
(٣) كذا في رواية "العُمدة" (ص ٦٧) عن (مسلم) (٤٣٦/ ١٢٨). وهو بهذه الرواية في معجم الطبراني الكبير، قطعة من المجلّد الحادي والعشرين (يتضمن جُزءًا من مُسند النعمان بن بشير)، (٢١/ ١٠٧).
(٤) بالنسخ: "تقوم".
(٥) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٢٥)، عقود الزبرجد (١/ ٢٦٩).
[ ١ / ٣٦٨ ]
وهي: "كاد يكاد" و"أوشك يوشك"، واستعمال مضارعها أكثر من استعمال ماضيها. الثالث: "طفق يطفق"، كـ "ضرب يضرب"، و"طفق يطفق" كـ "علم يعلم". و"جعل".
حكى الكسائي: "إنَّ الْبَعِيرَ لَيَهْرمُ حَتَّى يجَعْلُ إذَا شَرِبَ المَاء مَجَّهُ".
واستُعمل اسم الفاعل لثلاثة: "كاد"، و"كرب"، و"أوشك".
واستُعمل المصدر لاثنين، وهما: "طفق"، و"كاد". يقال: "طفق" بالفتح "طفوقًا"، و"طفق" بالكسر "طفقًا". ويُقال: "كاد، كودًا"، و"مكادًا". (١)
و"حَتَّى" هنا حرف غاية وابتداء. (٢)
_________________
(١) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٩٣، ٩٤، ٣٨١)، (٢/ ٣٦٠)، الكتاب (٣/ ١٥٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٢٧٣ وما بعدها، ٢٨٨ وما بعدها)، الأصول في النحو (٢/ ٢٠٧، ٢٠٨)، الفصل (ص ٣٥٧ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (١/ ٤٤٩ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥١٥ وما بعدها)، أوضح المسالك (١/ ٢٩٠ وما بعدها، ٣٠٤ وما بعدها، ٣٠٨ وما بعدها)، شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٣٨٩ وما بعدها)، شرح الفصل (٤/ ٣٧٢ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (٣٢٢ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٢٧٧ وما بعدها)، درة الغواص للحريري (ص ١٠٧ وما بعدها)، همع الهوامع (١/ ٤٦٨ وما بعدها)، شذا العرف في فن الصرف (ص ٣٦)، الموجز في قواعد اللغة العربية (ص ٦٨ وما بعدها)، النحو المصفى (ص ٢٦٩ وما بعدها)، النحو الوافي (١/ ٦١٤ وما بعدها، ٦٢٠)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٨٥ وما بعدها).
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٥٢٩)، (٤/ ٤٧١)، إرشاد الساري (١/ ٢٢٩)، (٩/ ٤٢٨)، عُقود الزبرجَد (١/ ٢٤٠)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٣١)، (٣/ ١٢٥٠)، مُغني اللبيب (ص ١٢٨ وما بعدها، ١٧٣ وما بعدها)، الجنى الداني (٣٦٧ وما بعدها، ٥٥٤، ٥٥٥)، شرح شُذور الذهب للجوجري (٢/ ٥٢٨)، الكُليات للكفوي (ص ٣٩٦)، الهمع (٢/ ١٧٩، ٣٨١)، موصل الطلاب (ص ١٠٤ وما بعدها).
[ ١ / ٣٦٩ ]
قولُه: "فقال النَّبِيّ - ﷺ -: والله ما صلّيتها: "الواو" للقَسَم.
وحروف القسم (١) خمسة: -
١ - "الباء"، وهي أمّ الباب؛ لأنَّها تكون مع الظاهر والمضمر، ويلفظ معها بالفعل المتعلقة به؛ تقول: "بالله لأفعلن" و" [ربي] (٢) لأفعلن" و"أقسم بالله".
٢ - و"الواو": وهي عوض عن "الباء"، ولذلك نقص حكمها عن "الباء"، فلا يظهر معها الفعل، وَلَا تدخُل إلَّا على الظاهر.
٣ - و"التاء": وهي عوض عن "الواو"، ولذلك نقص حكمها عن "الواو"، فلا تدخل من الظاهر إلَّا على اسم الله تعالى؛ تقول: "تالله لأفعلن".
٤ - و"مُن": في القَسَم، تقول: "مُن ربي لأفعلن"، وَلَا تدخل إلَّا على "الرب".
٥ - و"اللام": في قولِه: -
لله يَبْقَى على الأيَّام ذُو حِيَدٍ بِمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَانُ وَالآسُ (٣)
_________________
(١) انظر في حروف القسم: الكتاب لسيبويه (٣/ ٤٩٦ وما بعدها)، المقتضب (٢/ ٣٢٥ وما بعدها)، الأصول في النحو (١/ ٤٣٠ وما بعدها)، المفصل (ص ٤٨٤)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٤٩٤)، (٥/ ٢٥٣ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٣٢١)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٤٧٧ وما بعدها).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) بالنسخ: "الضيان". والبيتُ من البسيط. وهو منسوبٌ إِلَى أمية بن أَبِي عائذٍ، ولعبد مناة الهذلي، ولأبي ذؤيب الهذلي، ولمالك بن خالد الخناعي الْهُذَليُّ، ولِلفَضْل بن العباس، ولأبي زبيد الطائي. وفي رواية: "تالله". انظر في تخريج البيت والأقوال فيه: الكتاب (٣/ ٤٩٧)، الصاحبي (ص ٧٥)، الأصول في النحو (١/ ٤٣٠)، المفصل (ص ٤٨٤)، اللمحة =
[ ١ / ٣٧٠ ]
وسيأتي الكلام على جواب القسَم في الثّاني من "باب الصفوف".
إِذَا ثبت ذلك: فجوابُ القسَم: "ما صَلّيتها"، وهو ماض، والماضي إِذَا وقع جَوابًا للقَسَم في حال النفي يكون بـ "ما" أو بـ "لا" أو بـ "إنْ" خفيفة مكسورة. (١)
قرأ عِكْرَمة: "واللهُ ربَّنَا ما كنا مشركين" (٢) [علي] (٣) التقديم والتأخير، أي: "ما كنا مشركين واللهُ ربنا". وهو غريبٌ، يقدّم الجملة، وعاطفها.
* * *
قولُه: "قال: فقمنا إِلَى بطحان": أي: "قال جابر"، وجملة "قمنا" في محل معمول القول، و"إِلَى بطحان" يتعلّق بـ "قُمنا".
قولُه: "فتوضأ": معطوفٌ [علي] (٤) "قُمنا".
_________________
(١) = (١/ ٢٦٥)، الجنى الداني (ص ٩٧، ٩٨)، مغني اللبيب (ص ٢٨٣)، شرح الأشموني (٢/ ٧٨)، الهمع (٢/ ٤٥٢، ٤٧٩)، خزانة الأدب (١٠/ ٩٥)، المخصص (٤/ ٧٢)، لسان العرب (٣/ ١٥٨)، تاج العروس (٣٣/ ٤٥١)، المعجم المفصل (٤/ ٣٩).
(٢) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ٨٣٩، ٨٤٣ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٣٥٨)، علل النحو (ص ٥٦٢)، جامع الدروس العربية (١/ ٩١).
(٣) سورة [الأنعام: ٢٣]. وقد قرأ عِكْرَمة وسلام بن مسكين: "واللَّهُ رَبُّنا" برفعهما على المبتدأ والخبر. قال ابن عطية: "وهذا على تَقدِيمٍ وتأخيرٍ، كأنهم قالوا: واللَّهِ ما كُنَّا مشركين واللَّهُ ربُّنَا"، يعني: أنّ ثَمَّ قَسَمًا مُضْمَرًا. انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٦٦)، اللباب لابن عادل (٨/ ٧٥)، تفسير ابن عطية (٢/ ٢٧٨)، تحفة الأقران في ما قرئ بالتثليث من حروف القرآن لأبي جعفر الرعيني (ص ٢٢)، الموسوعة القرآنية (٥/ ٢١٨، ٢١٩).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٣٧١ ]
و"بطحان": لا ينصرف؛ للعَلَمية، وزيادة الألِف والنون. وفيه لُغات: ضم أوله، وفتحها، وكسرها، وفتح الباء مع كسر الطاء. ويجوز فيه الصرف وتركه على تأويل البقعة والموضع. (١)
و"اللام" في قولِه "للصّلاة" لام العلة.
والألِف واللام في "الصّلاة" يحتمل أن تكُون للعَهْد، ويحتمل أن تكُون للجنس؛ لأنّه - ﷺ - صَلّى بوضوئه ذلك العَصر والمغرب.
قوله "بعْدما": "ما" مَصْدَرية (٢)؛ أي: "بعْد غروب الشّمس".
وتدخُل على الاسم والفِعْل والحرف، فتُهيئ كُلّ ذلك لأنْ يليه ما لم يكُن له قبل دخُولها. فالحرْف: قَوله تعَالى: ﴿رُبَّمَا يَوَدُّ﴾ [الحجر: ٢]. والفِعْل: كقَوله: " [طالما] (٣) فَعَل". والاسم: مثل قولُه: "بعدما زَيْدِ قَائم".
وهي هُنا مَصْدَريّة؛ فيكُون ما بعْدها في محلّ جَرّ. (٤)
_________________
(١) بطحان: بضم البَاء، وتُفتَح، اسمٌ لوادي بالمَدِينة. وانظر: إرشاد الساري (٢/ ٢٣)، (٣/ ٣٤٣)، إحكام الأحكام (١/ ١٨٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٣٩، ٣٤٠)، الأصول لابن السراج (٢/ ٨٦)، المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (١/ ١٦٧)، مجمَع بحار الأنوار (٥/ ٣٢٩)، معجَم البلدان لياقوت الحموي (١/ ٤٤٦).
(٢) بعدها في (ب): "فيكُون ما بعْدها في محلّ جَر". ولعله انتقل نظر ناسخ النسخة (ب) إِلَى ما سيأتي، فقد تكررت الجملة في (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٦٤)، اللمحة (١/ ٢٥٩ وما بعدها)، (٢/ ٥٩٤)، دُرّة الغوّاص (ص ٧٧، ٧٨)، شرح المفصل (٥/ ٦٧ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٨٢ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٣٣٥)، الأصول في النحو (٣/ ٤٦٦)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٧٢، ٧٧٣)، شرح ابن عُقيل (١/ ٣٧٤)، شرح الأشموني (١/ ٣١١ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٧٤)، النحو المصفى (ص ٥٤٠).
[ ١ / ٣٧٢ ]
[قولُه] (١): "ثُمَّ صلَّى بعدها المغرب": عَطَفَ بـ "ثُمّ"، وهي للمُهْلَة، إمّا لأنّها لترتيب الأخْبَار (٢)، وإمّا لمهْلَة الفَصْل بالأذَان والإِقَامَة.
بَاب فَضْل الجماعَة ووجُوبها
الحديث الأول:
[٥٧]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "صَلاةُ الجَمَاعَةِ أفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْع وَعِشْرِينَ دَرَجَةً".
قولُه: "صَلاة الجماعَة أفْضَل": مُبتدأ، والخبرُ "أفعل" التفضيل، استُعمِل بـ "مِن"؛ فيلزمه الإفراد والتذكير (٣)، وقد تقَدّم الكَلام عليه قريبًا.
وَلَا بُدّ من مُقدَّر، أي: "صلاة أحدكم في الجماعة"، وإلا فظاهره أنّ "صلاة كُلّ الجماعة أفضل من صلاة الرجُل بسبع وعشرين"، وليس كذلك، ويدلّ على هذا المقدّر التصريح به في الحديث الثّاني؛ فتكون الإضَافة مُقدَّرة بـ "في"، أي: "صَلاة في جماعة".
و"من" مع "أفعل التفضيل" لابتداء الغاية. وقيل: للتبعيض. (٤)
قولُه: "بسبع وعشرين": تقدّم في الثّالث من "باب التيمم" القول على أسماء
_________________
(١) بياضٌ بقدْر كلمة بالأصل. ولعلّ المثبت صواب.
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ١٦٠، ٧١٣)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٩٨)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٥٧٨)، شرح القطر (ص ٣٠٣)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦٥).
(٣) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ١٦٩، ٢٨٢)، شرح الكافية الشافية (٢/ ١١٢٨ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (٣/ ١٧٨).
(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٤٧)، (٧/ ١٠٣)، الجنى الداني (ص ٣١١، ٣١٢)، اللمحة (١/ ٤٢٦ وما بعدها)، توضيح المقاصد (١/ ١٣٩)، (٢/ ٩٣٤)، شرح الأشموني (٢/ ٣٠١)، شرح التسهيل (٣/ ١٣٦).
[ ١ / ٣٧٣ ]
العَدَد.
وجاء هنا "بسبع وعشرين" على الأصل، ورُوي بـ: "سَبْعَةً وعِشرين جُزءًا" (١)، وعُكِس في رواياتٍ، فجاء: "بسَبعٍ وعشرين جُزْءَا" (٢)، وبـ: "سَبعَة وعِشْرين دَرَجَة" (٣)، وهذا على تأويل الجزء بالدّرَجَة، والدّرَجَة بالجزء.
و"عشرون" وأخواتها جرَت في إعرابها على إعراب جمع المذكر السالم، بـ "الواو" رفعًا، وبالياء نصبًا وجرًّا، كما حُمل عليه "الواو" [في] (٤) "فِلسْطُون" وَ"إوَزّون" و"قِنّسْرون" و"أرضون" و"سنون". (٥)
وقوله: "دَرَجَة": نصب، على التمييز.
واعلم أنَّ "أفعَل من" تجيء عَرية عن الاشتراك، نحو قولُه تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وإنَّما يَصح ذلك إِذَا سلم مع الإطلاق، وأمَّا إِذَا قُيِّد بزيادةِ عَدَد - كمَا جَاءَ هنا - فإنه يقتضي حَتمًا التفضيل. (٦)
وتكرّر إعراب "الباب" واشتقاقه، و"الحديث" ومعناه، ومتعلّق "عن"، ومحلّ
_________________
(١) رواه أَبُو يعلى الموصلي في مُسنده (٥٧٥٢)، من حَدِيث ابن عمر، وحَسّن محقّقه إسناده.
(٢) انظر: العرف الشذي للكشميري (١/ ٢٢٨).
(٣) انظر: إطراف المُسْنِد المعتَلِي بأطراف المسنَد الحنبلي لابن حجر (٨/ ١٠٤)، شرح ابن بطال (٢/ ٢٧٥)، مرقاة المفاتيح (١/ ٤٠١).
(٤) سقط من النسخ. والسياق مِمَّا يقتضيه.
(٥) انظر: غريب الحديث للخطابي (٣/ ٣٠، ٦٢٥)، الكتاب (٣/ ٢٣٢، ٦٠٠)، شرح المفصل (٣/ ٢١٣، ٢٢٩)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٢٦٢، ٢٦٩ وما بعدها)، شرح التسهيل (١/ ٨١، ٨٤)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ١٩٣)، تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم (١/ ٢٦٩).
(٦) انظر: البحر المحيط (٢/ ٤١٨)، (٤/ ٤٨٥)، شرح التسهيل (٣/ ٦٠)، شرح المفصل (٢/ ١٥٨).
[ ١ / ٣٧٤ ]
"قال" في الأحاديث الأُوَل من الكتاب.
الحديث الثَّاني:
[٥٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "صَلاةُ الرَّجُلِ في الجَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ في بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بها خَطِيئَةٌ. فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْه، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ" (١).
قولُه: "صَلاة الرَّجل": مُبتدأ، ومُضَاف إليه.
"في بيته": يتعلّق بـ "صَلاة" لأنَّه مَصدر "صلّى"، والمصدرُ هنا مُضَاف إِلَى فاعله (٢)، وَلَا يتعلّق بـ "تُضعّف"، لأنّ المعنى ليس عليه.
و"تضعف": مبني لما لم يُسَمّ فاعله، وهو [في محلّ] (٣) الخبر.
و"على صلاته": يتعلّق بـ "تُضعّف".
قولُه: "خمسًا وعشرين": يحتمل أن يكون مَصدرًا؛ لأنه عَدد التضعيف.
ويحتمل أنْ يكون خبرًا لـ "تضعف"، ويكون "تضعف" بمعنى "تصير"؛ فيحتاج إِلَى اسم وخبر، كما قيل في قولِه تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٤) [البقرة: ٢٤٥]. (٥)
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٧) في الأذان، ومسلم رقم (٦٤٩) في المساجد.
(٢) راجع: عقود الزبرجد (٢/ ٢٣٢)، شرح أبيات سيبويه (١/ ٢١)، جامع الدروس العربية (٣/ ٨١).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) بالنسخ: "يضاعفه".
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٥٦٧)، تاج العروس (٢٤/ ٥٠، ٥١، ٥٢).
[ ١ / ٣٧٥ ]
و"ضعفًا": مصْدَرٌ بمعنى "المضَاعَفَة"، [كـ "العطاء"] (١) بمَعنى "الإعطاء"، وهو هنا منصُوبٌ على التمييز. وإذا قُدِّر مَصْدرًا لا يُثنّى وَلَا يُجمَع. وإنّما جُمِع في الآية لاختلاف أنواع التضعيف، قال تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٢) [البقرة: ٢٤٥] (٣).
واختلف في "تضعف" و"تضاعف"، هَل هما بمعنىً أُم لا؟ فقيل: بمعنى. وقيل: "تضاعف" لاثنين، و"تضعف" إِلَى أكثر منها. (٤)
قولُه: "وذلك أنّه إِذَا توضّأ": أي: "لأنّه"؛ [فـ "الواو"] (٥) سببية، أي: "بسبب أنّه إِذَا توضّأ"، [و"أنّ"] (٦) في محلّ خبر "ذلك"، أي: "ذلك كائن بأنّه". والضّمير في قولُه: "أنّه" يعُود على "الرّجُل المصلّي"، وكذلك فاعل "تَوَضَّأَ"، وخبر "أنّ": "إِذَا"، وجَوابها: "لم يخط".
والعامل في "إِذَا": "يخط"، وَلَا يمنعه "لم"؛ لأنَّها لا مَصدرَ لها، أو يكُون العاملُ فعلها، على ما تقدّم في الحديث الثّاني من أوّل [الكتاب] (٧).
ويحتمل أن يكُون الضّميرُ في "أنّه" ضميرَ الأمر والشّأن، وتُفسّر الجملة بعد.
قوله: "فأحْسَنَ": [معطُوفة] (٨) على "توضّأ"، وكذلك "ثُم خرَج". و"إِلَى المسجد": يتعلّق بـ "خَرَج".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) بالنسخ: "يضاعفه أضعافًا".
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٥٦٧)، تاج العروس (٢٤/ ٤٩، ٥٥).
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٥٦٦)، (٣/ ٦٤٣)، تاج العروس (٢٤/ ٥١).
(٥) بالنسخ: "فالفاء".
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فأنّ".
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٣٧٦ ]
قولُه: "لا يُخرجه إلَّا الصَّلاة": جملة حاليّة من ضمير "خرج"، أي: "غير خارج إلَّا للصّلاة". و"الصّلاة": فاعلُ "يُخرجه"، وهو استثناءٌ مُفرغ.
و"خطوة": بفتح "الخاء"، الفَعلة، وبضمها: "ما بين قَدَميّ الماشي". وهي هنا مفتوحة "الخاء"؛ لأنَّ المرادَ "فِعلُ الماشي"، وهو المصدر، فنصبها على المصدَريّة. (١)
قولُه: "إلَّا رُفعت له بها دَرَجَة": "رُفعت" فعل ماض لما لم يُسَم فاعله، في محلّ حال من ضمير "يخط".
والماضي إِذَا وَقَع بعد "إلّا" حَالًا لا تدْخُله "الواو" وَلَا "قد"، وكذلك إنْ كَان أصله شَرطًا، نحو: "لأضربنّه ذَهَب أو مَكَث". (٢)
وقد تقَدّم في السَّابع من أوّل الكتاب الكَلامُ على ذَلك.
والضمير في "بها" يعُود على "الخطوة". وحرفُ الجر يتعلّق بـ "رفعت". و"له" يصح أن يتعلّق به أيضًا.
ويجوز أن تتعلّق "بها" بصفة لـ "درَجَة" تقدّمت؛ فانتصبت على الحال.
و"الدّرَجَة": واحدة "الدّرَجَات"، وهي "الطبقات". و"الدُّرجَة": بضَمّ "الدّال" - مثال "الهُمزَة" - لُغَة في "الدّرَجَة"، وهي "المرْقَاة". (٣)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط لأبي حيَّان (٢/ ١٠١)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٩٥)، إحكام الأحكام (١/ ١٩٢)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٦٥)، مشارق الأنوار (١/ ٢٣٥)، تحرير ألفاظ التنبيه للنووي (ص ٧٧).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٣٦)، (٧/ ٥٢٦)، عقود الزبرجد (٢/ ٤٢٩، ٤٣٢)، شرح التسهيل (٢/ ٣٠٤، ٣٠٩)، شرح المفصل (٢/ ٢٨)، (٥/ ٢٥١ وما بعدها)، أوضح المسالك (٢/ ٢٥٩)، توضيح المقاصد (١/ ١٩٠)، حاشية الصبان (٢/ ٢٦٢)، همع الهوامع (٢/ ٢٧٢، ٣٢١ وما بعدها، ٣٢٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٦٦).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٦٦)، الصحاح للجوهري (١/ ٣١٤)، لسان العرب =
[ ١ / ٣٧٧ ]
"وحُطّ": معطوفٌ [عليه] (١)، وهو مبني لما لم يُسَمّ فاعله. وأصله: "حطط".
ويجوز فيه ما جاز في "قيل" و"بيع" على قِلّة.
ومن ذلك قراءة الأَعْمَش: "هَذه بضَاعتُنا رِدَّتْ إلينا" (٢) على نقل [حرَكَة] (٣) "الدّال" المدغَمَة إلى "الرّاء" بعد توهُّم [خُلُوّها] (٤) من الضّمة، وهي لُغة لـ "بني ضبّة"، [كما] (٥) نقَلَت العَرَب عنهم في "قيل" و"بيع". وحكى "قُطربٌ" النّقل في الحرْف الصّحيح غير المدْغَم، نحو: "ضَرَبَ زيدٌ". (٦)
قولُه: "فإذَا صَلّى لم تَزَل الملائكَة تُصلّي عليه": جَوَابُ "إِذَا": "لم تزل"، و"الملائكة": اسمها، و"تُصَلّي" في مَوْضع الخَبَر، وهي من أخَوَات "كَان". وسيأتي الكَلامُ عليها.
قولُه: "ما دَامَ في مُصَلّاه": "مَا" في "مَا دَامَ" مَصْدَرية ظَرْفية (٧)، من أخْوَات
_________________
(١) = لابن منظور (٢/ ٢٦٦).
(٢) طمس بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) سورة [يوسف: ٦٥]. وقد قرأ بها عَلقَمةُ، ويحيى بن وثَّابٍ، والأعمش. انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٦).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "أيضًا". والمثبت من "البحر المحيط" ومصادر أخرى.
(٥) بالنسخ: "خلوه". والمثبت من "البحر المحيط".
(٦) كشط بعضها بالأصل. والمثبت من "البحر المحيط".
(٧) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٧٣٧)، البحر المحيط (٦/ ٢٩٦)، روح المعاني للألوسي (٧/ ١٢)، المنصف لابن جني (ص ٢٤٩ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٤٤٠)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٠٦)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٦٠٣)، الهمع (٣/ ٣١٥)، وشذا العرف في فن الصرف (ص ٤٢).
(٨) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤١)، شرح الأشموني (١/ ٧٥)، العُمدة في إعراب البردة (ص ٦٦).
[ ١ / ٣٧٨ ]
"كان"، وَلَا يتقَدَّم خبرها عليها، ويتقَدَّم على اسمِها، خِلافًا لابن مُعْط (١). (٢)
والشَّاهِدُ على جَوَازه:
لا طِيبَ لِلعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً لذَّاتُهُ بادِّكارِ الشَّيْبِ والهَرَمِ (٣)
و"في مُصَلّاه": يتعلّق بخَبر "ما دَام".
قولُه: "اللَّهم صَلّ عليه، اللَّهُمَّ اغفر له، اللَّهم ارْحَمه": "اللهم": مُنَادَي، عُوِّض من حَرْف النداء "الميم" عند البصريين (٤)؛ ولذلك لا يُجمَعُ بينهما إلّا في
_________________
(١) ابن مُعط: أَبُو الحسن، زين الدين يحيى بن عبد المُعطي المغربي الحنفي، إمام مُبرز في العربية، وشاعر مُحسن، قرأ على الجزولي، وأخَذ عنه الكثير، وكان مُدرسًا في دمشق ومصر، وكان يحفظ الكثير المفيد. له: الألفية في النحو، وشرح الجمل في النحو، وشرح أبيات سيبويه "نظم"، كما نظم كتاب الجمهرة لابن دُريد في اللغة، ونظم كتاب الصحاح للجوهري، ونظم كتابًا في العَروض، وقصيدة في القراءات. توفي سنة ٦٢٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٢/ ٣٢٤)، وفيات الأعيان (٦/ ١٩٧)، بغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٣٤٤).
(٢) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٦٨)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٤٩٤، ٤٩٥)، أوضح المسالك (١/ ٢٣٧ وما بعدها)، شرح القطر (ص ١٢٧ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (١/ ٢٧٤ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٢٣١ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٢٤٢ وما بعدها)، همع الهوامع (١/ ٤٢٨، ٤٢٩)، النحو الوافي (١/ ٥٦٥ وما بعدها)، جامع الدروس العَربية (٢/ ٢٧٩).
(٣) البيتُ من البسيط، وهو بلا نسبة. انظر: توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٤٩٤)، شرح التصريح (١/ ٢٤٢ وما بعدها)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٤٢٨، ٤٢٩)، المعجَم المفصل (٧/ ٣٦٣).
(٤) الميمُ عند البصريين بدلٌ من "يا"، فلا يجوزُ عندهم أن تجتمع مع "يا"، وهي عند الكوفيين الميم من "أُمَّ"، إِذَا قلت: "اقصد"، ومعنى اللَّهُمَّ عندهم: "يا الله أُمَّنا بخيرٍ"، ولكن حُذِفت الهمزةُ ووُصِلت الميمُ باسم الله تعالى. والصحيحُ قول البصريين؛ لأنّ اللفظَ يُستعمَل في غير الخير أيضًا، كالدعاء باللعن. انظر: ما يجُوزُ للشاعر في =
[ ١ / ٣٧٩ ]
ضَرورَةٍ. (١) وقَد تَقَدَّم في الحديثِ الأوّل من "باب الاستطابة" الكَلَامُ عليه؛ فَليُنظَر هُنالك.
والتقديرُ هُنا: "يقُولون اللَّهُمَّ". (٢)
وحَذْفُ القول كثيرٌ، منه قولُه تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، [أي] (٣): "يقولون: سلامٌ". (٤)
ويحتمل - عندي - الكَلَام تنوّع صَلَاة الملائِكة، فبَعضهم يقُول: "اللَّهُمَّ صَلّ عليه"، وبَعضهم: "اللهم اغْفَر له"، وبَعضهم: "اللهم ارْحَمْه". ويحتمل أنْ يكُونَ الجميعُ دُعَاءَ جميعهم. (٥)
قوله: "وَلَا يزالُ في [صَلاة] (٦) ": "مَا زَالَ" من أخَوات "كَان"، كما تقدَّم. وقد قيَّدوه بأنْ يكُون الماضي (زال) والمضارع "يزال"؛ احترازًا من ماضي "يزيل"، فإنه فِعْل تام [مُتعدّ لمفعول، ومن ماضي "يزُول"، فإنه فِعلٌ تام] (٧) قاصر، ومعناه "الانتقال". ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ
_________________
(١) = الضرورة للقزاز القيرواني (ص ٢٤٠)، أسرار العربية (١٧٧).
(٢) انظر: فتح الباري (١١/ ١٥٥)، عقود الزبرجَد (١/ ٢٩٩)، أسرار العربية (١٧٦، ١٧٧)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٧٩ وما بعدها)، ما يَجوز للشاعر في الضرورة (ص ٢٤٠)، شرح شذور الذهب للجوجري (١/ ٣٢٥)، شرح التصريح (٢/ ٢٢٤)، همع الهوامع (٢/ ٦٣ وما بعدها)، النحو الوافي (٤/ ٣٦).
(٣) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٨٤)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٦٨).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٨، ١٩)، عقود الزبرجَد (١/ ٨٤)، مُغني اللبيب (ص ٨٢٧)، النحو الوافي (٢/ ٥٤، ٥٥).
(٦) راجع: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٦٩).
(٧) بالنسخ: "مُصلاه". والمثبت من مطبوعة "العُمدة" (ص ٥٩).
(٨) سقط من (ب).
[ ١ / ٣٨٠ ]
زَالَتَا﴾ [فاطر: ٤١]، ومَصْدرُه "الزوال". (١)
وأمَّا "زَالَ" هُنَا: فمَعْناها "الدَّوَام"؛ فاسمُها ضَمير "المٌصَلِّي"، وخَبَرُها مُتَعَلَّق المَجْرُور.
قَالُوا [لِمَا] (٢) نُقِل: "زَالَ" من المكَان إِلَى [الزّمان] (٣)، نُقِل عن بناء "يَفْعُل" - نحو: "قَالَ، يقُول" - إِلَى بناء "يَفْعَل" - نحو: "خَاف، يخاف" - فَعَلُوا ذلك ليكُون إشْعَارًا بنَقْله عن المعنى الذي كَان عليه؛ فيقُول: "ما أزال"، كما يقُول: "ما أخَاف"؛ و"ما زلت"، كما يقُول: "ما خِفْت".
قولُه: "في صَلاةٍ": "في" هُنا لمَجَاز الظَّرْف؛ لأنَّ "الصَّلاةَ" ليسَت ظَرْفًا للمُصلى. (٤)
قولُه: "ما انتظَر": "مَا" ظَرْفية مَصْدَرية، كما تقدَّم، أي: "مُدّة انتظاره للصّلاة". (٥)
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (١/ ٢٣٢)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٢٤٠)، شرح الأشموني (١/ ٢٣٧)، شرح التصريح (١/ ٢٣٧)، النحو الوافي (١/ ٥٦٤).
(٢) قد تُقْرأ: "لَمَّا".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٦٩).
(٥) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٤١)، شرح الأشموني (١/ ٧٥)، العُمدة في إعراب البردة (ص ٦٦).
[ ١ / ٣٨١ ]
الحديث الثالث:
[٥٩]: عَنْ أَبيِ هُريرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَثْقَلُ الصَّلاةِ على الْمُنَافِقِينَ: صَلاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلاةُ الْفَجْرِ. وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا [فِيهَا] (١) لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاس، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ" (٢).
قولُه: "أثْقَلُ الصَّلاةِ: مُبتدأ، خَبره "صَلاة العشاء". وساغ الابتداء بـ "أفعل"، وهو لا يتعرَّف؛ لأنه مُقَاربٌ للمَعْرفة، ولأنَّه مُضَافٌ (٣).
ويجوزُ أنْ يكُون خَبرًا عن "صَلاة العِشَاء"؛ لأنَّ (أفْعَل) أقلّ تَعْريف، ومتى اجتمع ما هو أكثر تعْريفًا مع مُقابله جُعِل الأعْرَف المبتدأ، عند أَبِي عَليّ الفَارسي ومُوافقيه. (٤)
وبذلك احتجّ من قَدَّم خَبَر "كَان" في قَوْله تعَالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣]. (٥)
والألِف واللام في "الصَّلاة" للجنس. (٦)
_________________
(١) كذا بالنسخ. وفي بعض نسخ العمدة ومصادر التخريج: "فيهما". وقد شرح الشارح على "فيها"، وقدّر بالثاني.
(٢) رواه البخاري (٦٥٧) في الأذان، ومسلم (٦٥١) (٢٥٢) في المساجد.
(٣) انظر: عمدة القاري للعيني (١/ ٢٠٢)، شرح النووي على مسلم (٢/ ٦٦)، إرشاد الساري (٨/ ٣٠)، مرعاة المفاتيح (١/ ٨٠)، الكتاب لسيبويه (٢/ ٩٩)، (٣/ ١٩٣)، المقتضب (٣/ ٣١١).
(٤) انظر: عُمدة القاري (١/ ٢٠٢)، الهمع للسيوطي (١/ ٣٨٠)، شرح الأشموني (٢/ ٢٦)، مغني اللبيب (ص ٧٤٦)، أسرار العربية (ص ٧٢).
(٥) انظر: شرح صحيح مسلم للسيوطي (٣/ ٢٤٥ وما بعدها)، النحو الوافي (١/ ٤٥٨).
(٦) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٧٩).
[ ١ / ٣٨٢ ]
وتقدَّم الكَلامُ على "أفْعَل التفضيل" في الأوَّل من "كتاب الصَّلاة".
و"أثقل": من "ثقل الشيءُ ثقلًا"، مثل "صَغرُ صِغرًا". و"الثقلُ": بالتحريك مَتاعُ المسَافر وحَشمه، ومنه الحديث: [قَدَّمَنا] (١) في الثَّقَل" (٢). ويُقال: "وَجَدتُ ثقلًا في جَسَدي"، أي "فُتورًا". [ويُقَال] (٣): ["أثقلت] (٤) المرأةُ"، فهي "مُثقِل"، أي: "ثقل حملها". (٥)
قولُه: "وصَلاة الفَجْر": مَعْطُوفٌ عليه.
قولُه: "ولو يَعْلَمون": "لو" حَرْف لِمَا [كَان] (٦) سيقَع لوقُوع غَيره. (٧) (٨)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "قدّمها".
(٢) مُتفق عليه: رواه البخاري (١٨٥٦)، ومُسلم (١٢٩٣/ ٣٠٠)، عن ابن عباس.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) بالنسخ: "ثقلت". والمثبت من المصادر.
(٥) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٧٦)، العين (٥/ ١٣٧)، الصحاح (٤/ ١٦٤٧)، لسان العرب (١١/ ٨٦)، تاج العروس (٢٨/ ١٥٧).
(٦) سقط بالنسخ. والمثبت من "البحر المحيط" لأبي حيَّان (١/ ١٤٤)، (٣/ ٦٤٥، ٦٤٧)، (٤/ ١٠).
(٧) وتُسمّى: "حرف امتناع الشيء لامتناع غيره"، أو"حرف امتناع لامتناع". وفي البحر المحيط (١/ ١٤٤): "لو: عبارة سيبويه، أنَّها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وهو أحسنُ من قول النحويين: إنها حرف امتناع لامتناع؛ لاطراد تفسير سيبويه - ﵀ - في كلّ مكان جاءت فيه لو، وانخرام تفسيرهم في نحو: لو كان هذا إنسانًا لكان حيوانًا". وانظر: البحر المحيط (١/ ١٤٤)، (٣/ ٦٤٥، ٦٤٧)، (٤/ ١٠)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٣٠)، شرح ابن عُقيل (٤/ ٤٧)، اللمحة (٢/ ٨٠٦)، الجنى الداني (ص ٢٧٢ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٣٤٦).
(٨) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٤)، (٣/ ٦٤٥، ٦٤٧)، (٤/ ١٥)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٣٠)، شرح ابن عُقيل (٤/ ٤٧)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٦٤)، اللمحة (٢/ ٨٠٦)، الجنى الداني (ص ٢٧٢ وما بعدها)، مُغني اللبيب (ص ٣٤٦).
[ ١ / ٣٨٣ ]
وتقدَّم الكلامُ عليها، وعلى مَواضعها، في أوّل حَديثٍ من "كتاب الصلاة".
قولُه: "يعلمُون": بمعنى "يعرفُون"؛ فيتعدَّى إِلَى واحِد (١)، وهو قوله: "ما فيها". و"فيها": يتعلّق بمُقَدَّر، صلة لـ "ما"، أي: "ما يثبُت [فيهما] (٢) من الثواب". وَلَا يُقدَّر: "ثابت"، لأنَّ الصِّلةَ لا تكُونُ إلَّا جُمْلَة. (٣)
ويحتمل أنْ يكُون "العِلْم" على بابه، فيتعدَّى لمفعولين (٤)، وتكُون "ما" استفهامية مُعلّقة لعَمل "عَلِم". والتقديرُ: "لو [يعلمون] (٥) أي شيءٍ فيهما من الثواب؟ ".
قوله: "لأتوهما": اللام جَوابُ "لو"، ويجُوزُ حَذْفُها، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ﴾ [الواقعة: ٧٠]. (٦)
قَوله: "ولَو حَبْوًا": "لَو" هُنا للتقليل، كقَوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
_________________
(١) انظر: المقتضب (٣/ ١٨٩)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٧٢)، المصباح المنير للفيومي (٢/ ٤٠٤).
(٢) كذا النسخ.
(٣) انظر: عُمدة القاري (٥/ ١٧٥)، إرشاد الساري (٢/ ٦٥)، أسرار العربية (٧٦)، المفصل (٣٩١)، شرح ابن عُقيل (٢/ ١٩٣)، موصل الطلاب (٨٢).
(٤) انظر: رسالة الحدود للرماني (ص ٧٥)، رسالة منازل الحروف للرماني (ص ٧٥)، الأصول في النحو (٢/ ٢٨٤)، تهذيب اللغة (٢/ ٢٥٤)، لسان العرب لابن منظور (١٢/ ٤١٨)، تاج العروس للزبيدي (٩/ ٢٦١)، أسرار العربية (٨٤، ٨٦)، نحو مير (ص ٢٥)، التطبيق النحوي (ص ٢٠٤).
(٥) بالنسخ: "تعلمون".
(٦) انظر: إرشاد الساري (٤/ ١٩٢)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٦١٨)، الجنى الداني (ص ٢٨٣)، توضيح المقاصد (٣/ ١٣٠٤)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٨٤٥)، شرح التصريح (٢/ ٤٢٤)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٥٧٢)، النحو الوافي (٤/ ٤٩٧)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٨).
[ ١ / ٣٨٤ ]
[النساء: ١٣٥]، و"اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ" (١). (٢) وتُقَدَّر بَعْدَها "كَانَ"، أي: "ولَو كَانَ إتيانهم حَبْوًا". فـ "حَبْوًا": خَبرُ "كَان" مُقَدَّرة مع اسْمِها. وجَازَ أنْ يكُون الخبرُ مَصْدرًا؛ لأنه خَبرٌ عن مَصْدر، ولو كَان خَبرًا عنهم لَم يَصحّ إلَّا بتَقْدير: "ذوي حَبْو". (٣)
قولُه: "ولقد هَمَمْتُ": "اللامُ" جَواب قَسَم مَحْذُوف، ويحتمل أن تكُون "لام" التأكيد، وكذا هو حيث وقَعَت [مع] (٤) "قَد". (٥)
قولُه: "أنْ آمُر": أي: "بأنْ آمُر"، فمَحَلّ "أنْ" نَصب، قَالَه الخَليل والكَسَائي، أو جَرّ، قَاله سيبويه، [وعَكَس النقل] أَبُو البقَاء وابن مَالِك (٦)، وغَلَّطَهما أَبُو حيَّان (٧). (٨)
_________________
(١) مُتَّفقٌ عليه: رَوَاه البخاري (١٤١٣، ١٤١٧)، ومُسْلم (١٠١٦/ ٦٦، ٦٧)، من حَدِيث عَدِيِّ بن حَاتم.
(٢) انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٢٦)، عُقود الزبرجَد (١/ ٣٩٤)، (٢/ ٨١)، دليل الفالحين لابن علان (٢/ ٣٦١)، الجنى الداني (ص ٢٩٥)، شرح التصريح (٢/ ٤٢٥)، موصل الطلاب (ص ١٣٥)، مغني اللبيب (ص ٣٥٢ وما بعدها).
(٣) انظر: عُمدة القاري للعيني (٥/ ١٧٥)، إرشاد الساري (٢/ ٣٠)، نخب الأفكار للعيني (٣/ ٣٠٢).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: فتح الباري (٢/ ١٢٩)، عُمدة القاري (٥/ ١٦٠)، إرشاد الساري (٢/ ٢٤)، نيل الأوطار (٣/ ١٤٧)، مرقاة المفاتيح (٥/ ٢٠١١).
(٦) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٣)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤)، مُغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٨٢).
(٧) راجع: البحر المحيط (١/ ١٨١)، (٢/ ٤٧١، ٤٧٢).
(٨) انظر: البحر المحيط (١/ ١٨١)، (٢/ ٤٧١، ٤٧٢)، الإعلام لابن الملقن (١/ ٦٤٥)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٣)، الصاحبي (ص ٩١)، مُغني اللبيب (ص ٦٨٢)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢)، شرح التصريح (١/ ٤٦٩)، شرح الكافية الشافية =
[ ١ / ٣٨٥ ]
قوله: "بالصَّلاة": مُتعَلّقٌ بـ "آمُر". و"آمُر" يتعدَّى إِلَى مفعولين، الثاني بحَرف جَر، ويجوز حَذفه؛ فالمفعولُ الأوّل هنا محذوفٌ تقديره: "أنْ آمُر النّاسَ بالصَّلاة". وقد أجَازوا حذف "الباء" من مفعُول "أمَر" وأخَواته؛ فقالوا: "أمَرتُك الخير"، و"أمَرتُك بالخير".
وقياسُه: أنْ يجُوز هُنا؛ فيُقال: "أنْ آمُر النَّاسَ الصَّلاة"، مثل: "أمَرتُك بالخير"، و"أمَرتُك بالأكل"، ونحوه؛ لأنه يحسُنُ في موضعه "أنْ" وما عَملت فيه، فتقول: "أمرتُك أنْ تأكُل"، و"أنْ تفعل خيرًا"، و"أنْ تُصلِّي". (١)
و"أنْ" تُحذَف معها حُرُوف الجرّ كَثيرًا؛ تقُول: "أمَرتُك أنْ تقُول"، تُريد: "بأنْ تقُول"، و"أنْ تفْعَل"؛ فيَحْسُن الحذْفُ في مثل هَذا، لطُول الاسم، ولكَثْرة وقوعه. فإذا وَقَع موقع "أنْ" مصدر، نحو قولك: "أمرتُك الخير"؛ شُبِّه به، فيَحْسُن الحذْفُ. فإنْ قُلْت: "أمَرتُك بزَيدٍ"، لم يجُز أنْ تقُول: "أمَرتُك زَيدًا"؛ لِمَا تبيَّن لك من هذه القاعِدَة. (٢)
_________________
(١) = (٢/ ٦٣٤)، الصبان (٢/ ١٣٣).
(٢) انظر: إرشاد الساري (١/ ٧٨)، (٨/ ٢٧٥)، عُقود الزبرجَد (٢/ ٨٨)، شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، الكتاب لسيبويه (١/ ٣٧، ٣٨)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، الكشكول للهمذاني (١/ ٣٣٥)، خزانة الأدب (١/ ٣٣٩)، (٩/ ١٢٣)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥، ٢٦٠)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٣)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٥ وما بعدها)، المنصوب على نزع الخافض في القرآن المؤلف: إبراهيم بن سليمان البعيمي، الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: العدد ١١٦، السنة ٣٤، ١٤٢٢ هـ / ٢٠٠٢ م، (ص ٢٧٦ وما بعدها).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠٣، ٤٥٦)، (٢/ ٣٤٣)، (٦/ ١١٢)، (٩/ ٤٣٨)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٤٩)، إرشاد الساري (١/ ٧٨)، (٨/ ٢٧٥)، شواهد التوضح (ص ٥٣ ٢)، الكتاب لسيبويه (١/ ٣٧ وما بعدها)، المقتضب للمبرد (٢/ ٣٥ وما بعدها، ٣٢١)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، المفصل (ص ٣٨٧، ٣٨٨)، شرح =
[ ١ / ٣٨٦ ]
ويأتي في "باب الأذان" بقيَّة من الكَلام على "أمَرَ". (١)
و"الصَّلاة": اسمُ المَصْدَر. وحُكْمُ اسم المصْدَر حُكمُ المصْدَر في العَمَل والتصرف. (٢)
قولُه: "فيُقام": وهو مَنْصُوبٌ [بـ أنْ] (٣) مُقَدَّرة.
وإنَّما قدَّرت هذا؛ لأنّ العَطْفَ لا يَصحُّ معناه على "آمر"؛ لأنه لا يَلزَمُ من هَمّه بالأمْر أنْ [يُقَام للصَّلاة] (٤).
نظيرُ ذلك: أن تقُول: "هممتُ أن أضرب زَيدًا فيتأدَّب". ولو جعلتَ المعطوفَ في موضع المعطوف عليه لم يحسُن؛ لأنَّ الكَلامَ يكُون: "همَمتُ أنْ يَتأدَّب زَيد". فكذلك ههنا.
فإنْ قُلت: فلا يَلزَمُ من الأمْر بالإقَامةِ فِعْلهم لها.
قُلتُ: هذا في حَقِّ النَّبِيّ - ﷺ - يَلزَم، لأنَّ المؤمنين تجبُ عليهم طاعته فيما أمَرَ به، فيقَع المأمُورُ به. وهذا هو الجوابُ عمّا وَقَع في الكتابِ العَزيز من مثل هذا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ
_________________
(١) = المفصل (٤/ ٥١٤ وما بعدها)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥، ٢٥٩، ٢٦٠)، اللمحة (١/ ٣٢٥ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٧٧)، خزانة الأدب (١/ ٣٣٩)، (٩/ ١٢٣)، الهمع (٣/ ١٣ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٣ وما بعدها)، المنصوب على نزع الخافض (ص ٢٦١ إِلَى ص ٣٢٦)، النحو المصفى (ص ٦٣٥).
(٢) انظر ما يأتي في الحديث الأوّل بـ "باب الأذان".
(٣) انظر: أوضح المسالك (٣/ ١٧٤ وما بعدها)، شرح الشافية للأستراباذي (١/ ٣٠٨)، الصبان (٢/ ٤٣٣)، النحو الوافي (٢/ ٢١٤)، (٣/ ٣٤، ٢٧٩).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) في (ب): "تُقَام الصّلاة".
[ ١ / ٣٨٧ ]
آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] (١).
وقد قيل في توجيه ذلك وجُوهًا أُخَر مَذْكُورة في مَوْضعها.
قولُه: "رَجُلًا فيُصلِّي": مَعْطُوفٌ على ما قبْله، ويجُوزُ القَطْعُ والرَّفْع؛ إذ رُوي كذلك (٢).
قولُه: "ثم أنْطَلِق مَعي برجَال": تقدَّم القَولُ على "مع" في الحَديثِ الأوّل من "المسْح على الخُفّين".
و["معي"] (٣) يجوزُ أن تتعلَّق بـ "أنطلِق"، ويجُوز أنْ تتعلّق بحَال من "رجال" على [أن] (٤) تكون في الأصل صفة، تقدَّمت؛ فانتصَبت على الحَال، ويسمّى النحويون هذا: "أحْسَنُ الأقبَحَين"؛ لأنَّ تقديمَ الصفة على موصوفها قبيحٌ لا يجوزُ، وانتصَابُ الحال على النَّكرةِ قبيحٌ، لكنّه أقلُّ من قُبْح الصّفة. (٥)
قَالوا: وهُو كثيرٌ في الكِتَابِ والسُّنة. (٦) ومنه قَوْل الشَّاعِر:
وتَحْتَ القَنَا والعوالِي مُسْتَظِلَّةً ظِباءٌ أعارتها العيونَ الجآذرُ (٧)
_________________
(١) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ١٥٩)، (٣/ ٤٥).
(٢) رواه أحمد في المسند (١٠٨١٥)، عن أَبِي هُريرة، وفيه: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا فَلْيُصَلِّ بالنَّاس، ثُمَّ أَتْبَعَ أَهْلَ هَذِهِ الدُّورِ ".
(٣) كشط بالأصل، وسقط من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل، وتشبه: "ألّا". وفي (ب): "أنه".
(٥) انظر: الخصائص (١/ ٢١٣ وما بعدها)، (٢/ ٣٨٤)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٤٥)، شرح الأشموني (٢/ ٣١٥)، الصبان (٢/ ٨٣)، (٣/ ٨٤)، أصول النحو، من مناهج الماجستير بجامعة المدينة العالمية، (ص ٢٧٩ وما بعدها).
(٦) انظر: الكتاب (٢/ ١٢٤). ولكن ما فيه صريح بأنه أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام.
(٧) البيتُ من الطويل، وهو لذي الرمّة، والشاهدُ فيه: نصب "مُستظلة" على الحال لما =
[ ١ / ٣٨٨ ]
وكذا قولُه:
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ (١)
والحقُّ: أنَّ الدلالة لا تتمحّضُ في هذين المثالين؛ لاحتمال أن يكُون الحالُ من ضمير مُتعلق الخبر.
قلتُ: إلَّا أنْ يُقال: الأصلُ في الخبَر التأخير، وإنَّما قُدِّم لضرُورة التسويغ للابتداء بالنكرة (٢)، وتقديمُ الحَال الذي أصْلُه صفَة [واجبٌ] (٣)؛ لأنَّ الصِّفةَ لا
_________________
(١) = تقدَّم، ولو تأخّر كان نعتًا لـ "ظباء". والمروي فيه: "وتَحْتَ العَوالِي في القَنَا مُستِظلةً "، كما روى السهيلي في "نتائج الفكر" مطلعه هكذا: "وتَحتَ العوالي والقنا مستكنة". انظر: الكتاب لسيبويه (٢/ ١٢٢، ١٢٣)، الجمل في النحو (ص ١٠٢)، شرح أبيات سيبويه (١/ ٣٤٧)، نتائج الفكر (ص ١٨٣)، المعجم المفصل (٣/ ٢٤٦).
(٢) صدر بيت من مجزوء الوافر. ويُنسب لكُثير عزَّة، إلَّا أنّ مطلعه عنده: الِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ". كما يُنسَب لذي الرَّمة. وعجُز البيت: "يلُوح كَأَنَّهُ خلل". والشاهدُ: نصب "مُوحشًا" لأنه نعت نكرَة تقدّم على الاسم. وروى النهرواني: الخولة مُوحشًا طلل". انظر: الجمل في النحو (ص ١٠٣)، الكتاب (٢/ ١٢٣)، الجليس الصالح الكافي "ص ٥٠٨)، نتائج الفكر (ص ١٨٣)، خزانة الأدب (٣/ ٢٠٩، ٢١١)، أوضح المسالك (٢/ ٢٦٠)، شرح الشذور الذهب (٢/ ٤٦٠)، شرح التصريح (١/ ٥٨٤)، المعجم المفصل (٦/ ٢٦٦). كما يُنسَب هذا البيت لكُثير عزَّة أو لذي الرَّمة، لكن برواية أخرى، من البحر الوافر: لعزة مُوحشًا طللٌ قديم عفاه كلّ أسحم مستديم ويُروى في مَطلعه أيضًا: "لميّة مُوحشًا طللٌ قديم". انظر: المفصل للزمخشري (ص ٩١)، شرح التصريح (١/ ٥٨٤)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٠٥)، خزانة الأدب (٣/ ٢٠٩ وما بعدها)، المعجَم المفصّل (٧/ ٢٣٦).
(٣) انظر: شرح الكافية (١/ ٣٦٦)، دليل الطالبين (ص ٤٠، ٤١).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب). لكن الواضح من المصادر أن تقديمَه جائزٌ، =
[ ١ / ٣٨٩ ]
تتقَدَّمُ على الموصُوف (١)، فإذا جَعَلنا العامِلَ في الحال الاستقرارُ في الخبر (٢)، وهو مُتأخِّر حُكْمًا؛ تنزل [منزلة] (٣) الحال المتقَدِّمَة على عامِلها، وذلك سَائغٌ في غير العَامِل المعنوي، وهذا عَامِلٌ معْنَوي، فلا يجُوزُ ذلك فيه باعتبار حُكْم أصْله (٤). وهَذا البَحْثُ قد يَنعَكِس، بأنْ يُقَال: الصِّفةُ أيضًا تُقَدَّر حَالًا مُتأخِّرة عن ضَمير الاستقرار، فتَقدُّمها كتَقدّم الخبَر (٥).
قولُه: "لا يشهَدون الصَّلاة": في مَحَلِّ صفة لـ "قَوم"، أي: "غير حاضرين لصلاة الجماعة". "فأُحَرِّق": مَنصُوبٌ، بالعَطْفِ على "أنْطَلِق".
و"عليهم: يتعلَّق بـ "أُحَرِّق"، وكذلك "بالنّار" مُتعلِّق به أيضًا.
ويحتمل أنْ تتعلَّق "عليهم" بحَال مِن "النّار"، أي: "فأحَرِّق بيوتَهم بالنَّار في حَال كَوْنها عَلَيْهم"، ولكَون العَامِل الفِعْل، وهذا على مَذْهَبِ الكُوفيين في جَوَاز تَقْديم الحال على العامِل المعْنوي. (٦) ومنه قولُه:
_________________
(١) = لا واجب. والله أعلم.
(٢) انظر: شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ١١٦٥)، اللمحة (١/ ٣٨٧، ٣٨٨)، الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور لابن الأثير الجزري (ص ١١٢)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٥٢)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٠٨)، جامع الدروس العربية (٣/ ٩٢)، أصول النحو (ص ١٤٧، ٢٨١، ٢٨٢)، الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين دراسة على ألفية بن مالك، للحندود، (ص ٤٥٨).
(٣) راجع: العُمدة في إعراب البردة، لمجهول، (ص ٩٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: أسرار العربية (ص ١٥١، ١٥٤)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٠٣)، اللمحة (١/ ٣٧٩، ٣٨٠)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٥٢ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٠٧)، شرح الأشموني (٢/ ٢١)، شرح التصريح (١/ ٥٩٥).
(٦) راجع: شرح التصريح (٢/ ١٣٤).
(٧) انظر: أسرار العربية (ص ١٥١، ١٥٤)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٠٣)، =
[ ١ / ٣٩٠ ]
إِذَا المَرْءُ أَعْيَتْهُ السِّيَادَةُ نَاشِئًا فمَطْلَبها كَهْلًا عليه شَديد (١)
الحديث الرابع:
[٦٠]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ - ﵄ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "إذَا اسْتَأذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يَمْنَعُهَا".
قَالَ: [فَقَالَ] (٢) بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهُ لَنَمْنَعَهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الله، فَسَبَّهُ سبًّا سَيِّئًا، مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتَقُولُ: وَاللهُ لَنَمْنَعَهُنَّ؟ (٣)
وَفي لَفْظٍ: "لا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللهِ" (٤).
وقد تقدَّم (٥) أنَّ التقدير: (رُوي عن عبد الله أَنَّهُ رَوَى عن النَّبِيّ - ﷺ -) أَنَّهُ قَالَ"، فتتَعَلَّق "عن" الأُوْلى بالفِعْل المبني للمَفعُول، وتتعلَّق "عن" الثّانية بالفِعْل المبني للفَاعِل، ويُقَدَّر "أنّه قَال" الثاني في مَحلّ نَصْب، و"أنّه قَال" الأوّل في مَحلِّ رَفْع. (٦)
_________________
(١) = اللمحة (١/ ٣٧٩، ٣٨٠)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٥٢ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٠٧)، شرح الأشموني (٢/ ٢١)، شرح التصريح (١/ ٥٩٥)، أصول النحو (ص ١٤٧).
(٢) البيتُ من البحر الطويل، وهو من الشعر الحماسي، يُنسب للمعلوط السعدي، أو لعبد الرَّحمن بن حسان. وفي رواية: " عليه عسيره. انظر: فتح القدير للشوكاني (٤/ ٣٧٦)، نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب (ص ٤٤٦، ٤٤٧)، شرح لامية المعجم للدميري (ص ١٠٤)، زهر الأكم في الأمثال والحكم لليوسي (٣/ ١٨٣).
(٣) سقط من النسخ. وانظر: عُمدة الأحكام (ص ٦٠).
(٤) متَّفقٌ عليه: رواه البخاري (٨٧٣) في الأذان، ومسلم (٤٤٢) (١٣٤) (١٣٥) في الصلاة.
(٥) رواه مسلمٌ (٤٤٢) (١٣٦) في الصّلاة.
(٦) راجعه بالحديث الأوّل.
(٧) راجع: شرح القطر (ص ١٩٠)، شرح ابن عُقيل (٢/ ١٢٧)، جامع الدروس العربية =
[ ١ / ٣٩١ ]
قولُه: "إِذَا استَأذَنت إِلَى آخِره": مَعْمُولُ القَول.
وتَقَدَّم الكَلامُ على "إذا" وفِعْلها وجَوابها، والعَامِل فيها، [بالحديث] (١) الثّاني من "الأوّل".
قولُه: "أحَدَكُم": مَفْعُولٌ بـ "استأذنت"، و"امرأتُه" الفَاعِل. وأُخِّر الفَاعِلُ عن المفعُول وجُوبًا؛ لأنه اتّصل بالفَاعِل ضَميرٌ يَعُود على المفْعُول، فهو كَقَوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤]، فلو تقدَّم الفاعلُ وفيه ضَمير المفعُول لعَاد الضَّميرُ على ما بعْدَه في اللفظِ والرُّتبة، وذَلك لا يجُوزُ، إلَّا فيما شَذّ، كقَوْلهم: "زَانَ نُورُه الشَّجَرَ". (٢)
وسيأتي الكَلامُ على "امرئ" و"مَرْءٍ" و"امرأة" في الحديثِ السَّادِس من "الزَّكَاة".
قولُه: " [إلي] (٣) المسْجِد: يتعلّق حَرْف الجرّ بمُقَدَّر، أي: "في الخُروج إِلَى المسْجِد". وعليه المعنَى؛ لأنَّ (استأذن) يتعدّى بـ "في"، و"خَرَج" يتعَدّى بـ "إلى". وهذا أحْسَنُ من غَيره. (٤)
_________________
(١) = (٢/ ٢٤٦ وما بعدها).
(٢) بالنسخ: "الحديث". ولعلَّ الصَّواب المثبت.
(٣) انظر: الخصائص (١/ ٢٩٥ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (١/ ٢٤٢)، (٢/ ١٥٤، ١٠٥، ١١٠)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٥٨٥)، شرح شذور الذهب للجوجري (١/ ٢٨٦، ٢٨٧)، شرح الأشموني (١/ ٤٠٦ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٤١٥ وما بعدها)، توضيح المقاصد (١/ ١٠٢)، (٢/ ٥٩٧)، أوضح المسالك (٢/ ١١٠)، المنهاجُ المختصر في علمي النّحو والصّرف (ص ٨٥).
(٤) تكرار بالأصل.
(٥) انظر: إرشاد الساري (٨/ ١١٩).
[ ١ / ٣٩٢ ]
ويحتمل أنْ تكُون "إلى" بمَعْنَى "في"، أي: "استأذَنَت في المسْجِد" (١)، كقوله:
فَلَا تَتْرُكَنِّي بالوَعِيدِ كأنَّني إِلَى النّاسِ مَطْليٌّ بِهِ القارُ أجرَبُ (٢)
وهَذا لا يراهُ سيبويه. (٣)
وكذلك يحتمل أنْ تكُون "إلى" بمَعْنى "اللام" التي للعلة، أي: "لأجْل المسْجد"، كقوله: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ [التوبة: ٨٣]. (٤)
[ويحتمل أن تتعلّق] (٥) بحَال، أي: "مُتوجّهة إِلَى المسْجد".
قولُه: "فلا يَمْنَعْها": الفِعلُ مجزُومٌ بالنهي، و"الفاءُ" جوابُ "إذا". (٦)
قالوا: وفي الحقيقة الجوابُ ما بعدها، وإنَّما استُجلبت"الفَاء" لأنّها تُؤذِن بالجَواب، ولو [كان] (٧) جَوابًا حَقيقة لحَسُن السُّكُوتُ عليها. (٨)
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٨/ ١١٩).
(٢) البيتُ من البحر الطويل، وهو منسوبٌ للنابغة الذبياني. والشاهدُ فيه: ورود "إلى" بمعنى "في". انظر: إرشاد الساري (٨/ ١١٩)، أدب الكاتب (ص ٥٠٦)، العمدة في محاسن الشعر وآدابه لابن رشيق (٢/ ١٧٧، ١٧٨)، المستقصى في أمثال العرب للزمخشري (١/ ٤٥٠)، شرح أدب الكاتب لابن قُتَيْبَةُ، لابن الجواليقي، (ص ٢٥٧)، خزانة الأدب (٩/ ٤٦٥)، ضرائر الشعر (ص ٢٣٨)، اللمحة (١/ ٢٢٤)، الجنى الداني (ص ٣٨٧، ٣٨٨)، مغني اللبيب (ص ١٠٥)، لسان العرب (١٥/ ٤٣٥)، المعجَم المفصل (١/ ١٩٨).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ١١٩)، الكتاب (١/ ٢٤٩ وما بعدها)، الأصول في النحو (١/ ١٤١)، لسان العَرب (١٥/ ٤٣٥).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٨/ ١١٩).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ويحتمل أن يتعللان".
(٦) انظر: إرشاد الساري (٨/ ١١٩).
(٧) كذا بالنسخ.
(٨) انظر: عقود الزبرجد للسيوطي (٣/ ٤)، أمالي ابن الحاجب (١/ ١١٥)، حاشية =
[ ١ / ٣٩٣ ]
و"لا" هُنا ناهِيةٌ، والفِعْلُ معها مجْزومٌ بالسّكُون. (١)
قولُه: "قَال": فاعله يعُود على غير مذكُور، وهو "مجاهد" راوي الحديث عن عبد الله بن عُمر، وكَانَ ينبغي لصَاحِبِ "العُمْدة" أن يُسمِّيه؛ لأنَّ له ذِكْرًا في الحديث. (٢) وليست "قال" في كُلّ النُّسَخ.
قولُه: "والله لَنَمْنَعَهُنَّ": تقَدَّمَت حُرُوف القَسَم في العَاشِر من "كتاب الصَّلاة". وجَاءَ جَوَابُ القَسَم هُنا باللام وَحْدَها، ولو أُكِّد بـ "اللام" و"النُّون" لَقَالَ: " [لنمْنَعنَّهُن] (٣) ".
قولُه: "فأقْبَل عَليه": فاعِلُ "قَال" للراوي، ولم يذكُره الشيخُ، وفيه ما تقَدَّم من الاعتراض عليه. والضّميرُ في "عليه" يعُودُ على "بلال". و"بلال" هذا [هو] (٤) أحَدُ بني عبد الله بن عُمر - ﵄ -.
قولُه: "فسَبَّه سبًّا سَيئًا ما سمعته سَبَّه مثله".
[قولُه] (٥): "سبًّا": مَصْدَرٌ، وهو للنّوع؛ لأنّ المصْدَرَ إِذَا لم يَزد على مَدْلُول الفِعْل، فهُو مُؤَكِّد. (٦)
_________________
(١) = الصبان (١/ ٢٩٦).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٨/ ١١٩)، الأصول في النحو (١/ ٤٠٠)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٦٥)، المنهاج المختصر (ص ١٢٤).
(٣) صرّح ابن الملقن بأنّ القائل هو: "سالم بن عبد الله بن عُمر". انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٨٨).
(٤) بالنسخ: "لنمنعهن". ولعلّ الصواب المثبت.
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: الكليات للكفوي (ص ١٠٥٣)، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (٢/ ١٦١٣، ١٦١٤).
[ ١ / ٣٩٤ ]
وإنْ زَاد بصفَةٍ - كما هُو [ههنا] (١)، وكقَولك: "ضَرَبتُه ضَربًا شَديدًا" - أو دَلَّ على هيئة - كقَولك: "جَلَسْتُ جِلْسَة" بكَسْر الجيم - أو أُضيف -[نحو] (٢): "ضَرب شُرْطي" - أو مُعَرَّفًا بـ "اللام" العَهْديّة - نحو: "ضَرَبْتُ الضرب" - فهَذا كُلّه للنوع. (٣)
وإذا ثبَتَ ذلك: فلا شَكَّ أنَّ ضَميرَ المفْعُول في "سَبَّه" يَعُود على "بلال".
و"سبًّا": مَصْدَر، و"سَيئًا": صفته.
قولُه: "ما سَمعته سبّه مثله": جُمْلة في محلِّ الصفة لـ "سبًّا".
وهَذه الضّمَائرُ الثّلاثة تحتمِلُ أوْجُهًا ثلاثة: -
الأَوْلَى: أنْ يكُون التقديرُ: "ما سَمعْتُ ابنَ عُمَر سَبّ بلالًا مثل ذلك السَبّ"؛ فضَمير "سَمعته" يعُود على "ابن عُمَر"، وضَمير "سَبّه" يعُود على "بلال"، وضَمير "مثله" يعُود على السبّ.
الوجهُ الثّاني: يكُونُ التقديرُ: "ما سَمعتُ سَبًّا من أحَد سَبّ سَبًّا مثل سَبّ ابن عُمَر"؛ فيكونُ الضّميرُ الأوّل [عَائِدًا] (٤) على السَّبّ، والثاني يعُودُ عليه أيضًا، وضَميرُ "مثله" يعُود على "ابن عُمَر" بتقدير مُضَاف، أي: "مثل سَبّ ابن عُمر"، ويكُون "مثله" [مَرْفُوعًا فاعل] (٥) "سبّه".
وظاهِرُ الحديث تصدير الجُمْلة الواقعة في مَوْضِع المفعُول الثاني لـ "سَمع"
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٣) انظر: شرح الأزهَرية (ص ٣٨، ٣٩)، الهمع (٢/ ١٠٠)، دليل الطالبين (ص ٥٤)، كشّاف اصطلاحات الفنون (٢/ ١٦١٤).
(٤) بالنسخ: "عائد".
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٣٩٥ ]
بالماضي، والمنقُول عن النحويين تصديرها بالمضارع؛ فيكُون ذلك حُجّة عليهم.
ويصحّ أنْ يكُون التقدير: " مثل ابن عُمر في سَبِّه"؛ فيكُون المجْرورُ مُتعلقًا بحَال من "ابن عُمر".
الثالث: يكون التقدير: "ما سَمعتُ ابن عُمر [سَبّ] (١) ذلك السبَّ أحَدًا مثل بلال"؛ فيكون ضَمير "سمعته" يعُود على "ابن عُمر"، وضمير "سبّه"، يعُود على "السبّ"، وضمير "مثله" يعُود على "بلال" المحذُوف.
قولُه: "وقال: أخبرك عن رسُول الله - ﷺ -": أي: "قال ابن عُمر".
و"أخبر": من الأفعال المتعدِّية إِلَى مفعُولين، فتارة تتعَدّى إليهما بنفسها، وتارة تتعدّى إِلَى الثاني بحَرف الجر، مثل ما وَقَع ههنا. (٢)
قولُه: "وتقول: والله لنمنعهن": مُسْتَأنَفٌ، وجُملةُ القَسَم وجَوابه مَعْمُولة للقَول.
قولُه: "وفي لَفْظ": حَرْفُ الجرّ يتعَلَّق بـ "رُوي" أو بـ "جَاء" أو [بـ "يُروَى"] (٣) مُقدّرًا.
وجُملةُ "لا تمنعوا إماء إِلَى آخره": محلّها رَفْع، مَفْعُول لم يُسَمّ فاعله لـ "رُوي" المقدَّر، أو [فاعل] (٤) لـ "جاء".
_________________
(١) طمس بالأصل. وسقط من (ب).
(٢) انظر: المفصل (ص ٣٤٢)، توضيح المقاصد (١/ ٥٧٣)، شرح ابن عُقيل (٢/ ٦٧ وما بعدها)، مُعجم الصواب اللغوي (١/ ٢٢).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٣٩٦ ]
الحديث الخامس
[٦١]: عن عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ، قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْر، وَرَكْعَتَيْنِ [بعْدَ الظُّهْرِ] (١)، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَة، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِب، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ". (٢)
وَفي لَفظِ: " [فَأَمَّا] (٣) الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ، فَفي بَيْتِهِ". (٤)
وَفِي لَفْظٍ: أَن ابْنَ عمر، قَالَ: حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ - ﵂ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - "كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيْفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ"، وَكَانَتْ سَاعَةً لا أَدْخُلُ على النَّبِيِّ - ﷺ - فيهَا (٥).
هذا الحديثُ أدخَله "الشّيخُ" في "باب فضل الجماعة"، وظاهرُهُ لا يتعلَّقُ بها إلّا من وَجْه بعيد، وذلك أنَّ النّوافل التي ذكَرها بعد الصلوات إنّما كانت بعْد صَلاةِ الجماعة مع النَّبِيّ - ﷺ -. (٦)
وقد يُقال: إنَّ صَلاةَ الجماعة تَزيد فَضيلتُها بما يتقدَّم عليها وبما يتأخّر عنها، كانتظارها، والتنفّل قبْلَها، والتنفّل بعْدَها، والذِّكْر عقيبه؛ فذَكَر "الشيخُ" آكَدَها، [وهُو] (٧) الصلوات المذكُورات، وما يُستحَبّ منها في المسجد وفي البيت؛ ولأنّهم قَالوا (٨): إنَّ التّنفّلَ في البيتِ أفضَلُ إلَّا النَّوافِل الرَّواتب قبْل الصلَاة
_________________
(١) كذا بالنسخ. وفي "عُمدة الأحكام" (ص ٦١): "بعدها".
(٢) رواه البخاري (٩٣٧) في الجمعة، ومسلم (٧٢٩) في الصلاة المسافرين.
(٣) بالنسخ: "أما". والمثبت من (عُمدة الأحكام) (ص ٦١).
(٤) رواه البخاري (١١٧٢) في التهجد، ومسلم (٧٢٩) في صلاة المسافرين.
(٥) رواه البخاري (١١٧٣) في التهجد.
(٦) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٠٢).
(٧) كذا بالنسخ.
(٨) انظر: الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (١/ ٢٦٠، ٢٦١)، المدخَل لابن الحاج المالكي الفاسي (١/ ١٠٦)، (٢/ ٩٦) (٤/ ٢٧٩)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أَبِي =
[ ١ / ٣٩٧ ]
في المسْجد (١).
قولُه: "قبل الظهر، وبعد الظهر": تقدّم الكَلامُ على "قبل" و"بعد" في الحديث الرّابع من "الأوّل"، وفي الثّالث من "باب [التيمم] (٢».
و"مع": تقدّم الكَلامُ عليها في الأوّل من "المسح على الخُفَّيْنِ".
قوله: "ركعتين": تثنية "رَكْعة"، مَصدَر "رَكَعَ". والعاملُ "صلى" ضُمن معنى "رَكَعَ"، كما قيل في: "قَعَدتُ جُلوسًا"، ضُمن مَعنى "جَلَس". (٣)
وأوْجَب ذلك: أنّ "صلَّى" لا يتعدّى إِلَى مفعول به، وإنَّما يتعدّى لمصدره أو مَا وضع مَوْضع المصْدَر، كقَولك: "صَلّيتُ صَلاة". (٤)
قالُوا: وتَعْرِف غَيْرَ المتَعَدّي بوجُوه: -
منها: أن لا يُبنى منه اسم مفعُول، وكذلك "صَلّى" لا يُبنى منه اسمُ مَفْعُول؛ فلا يُقال: "زَيْدِ صُلي"، فهو "مُصَلّ"، ويُقَال: "زَيْدِ ضُرب"، فهو "مَضروبٌ". وإنَّما يجُوزُ: "صُلِّيت الصَّلاةُ"؛ لأنه جرى مجرى الأسماء.
_________________
(١) = زَيْدِ القيرواني للنفراوي (٢/ ٢٧٦)، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني (٢/ ٤١٠)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير (١/ ٣١٤).
(٢) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٤٠٧ وما بعدها).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) راجع: المفصل (ص ٥٥)، توضيح المقاصد (٢/ ٦٤٦)، أوضح المسالك (٢/ ١٨٢، ١٨٨)، شرح قطر الندى (ص ٢٢٤)، مُغني اللبيب (ص ٧٢٩)، شرح ابن عُقيل (٢/ ١٧٣)، شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٤٢٧)، الهمع (٢/ ٩٩)، دليل الطالبين (ص ٥٤)، المنهاجُ المختَصر في علمي النَّحو والصَّرف (ص ٩٥).
(٥) راجع: تفسير النيسابوري (١/ ١٤٥)، الصحاح للجوهري (٦/ ٢٤٠٢)، لسان العرب لابن منظور (١٤/ ٤٦٥، ٤٦٦)، شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٦٣٣)، شرح التصريح (١/ ٤٦٢ وما بعدها).
[ ١ / ٣٩٨ ]
قال أَبُو البقاء: "الصَّلاةُ" مَصْدَر "صَلَّى"، ويُراد بها هُنا الأفعال والأقوال المخصوصة؛ فلذلك جَرَت مجرى الأسماء غير المصادر. (١)
الثاني: أن لا يتصل به ضمير غير ضَمير مَصْدَره، وكذلك هو هنا، تقُول: "الصّلاةُ صَلَّيتُها".
الثالث: أن يَدُلّ على سَجيَّة، وهو ما ليس حَرَكَة جسم من وصْف [غير ثابت] (٢)، كـ "مَرِضَ"، و"كَسِل"، و"نَهِم"، و"جَبُن"، و"شَجُع". (٣)
و"الجمعة": يأتي الكَلامُ عليها في الثّاني من "الجمعة".
قولُه: "ركعتين": ليست مفعُول به؛ لما تقرّر وتبيّن.
وقوله: "فأمّا": تقدّم الكَلام عليها في السّادس من "باب الاستطابة".
والتقدير: "مهما [يكُن] (٤) من صَلاةٍ بعْدهُن ففي بيته"، أي: "بعد الجمعة والمغرب والعِشَاء".
قولُه: "وفي لفظٍ: [أنَّ] (٥) ابن عُمر: [إن] (٦) قدّرت: "وجَاء في لَفْظٍ: أنَّ ابن عُمر"؛ [ففاعل] (٧) "جَاء": "أنَّ"، ومَا [بعْده] (٨) على الحكَاية. وإنْ قَدّرت "ورُوي":
_________________
(١) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٨).
(٢) كذا بالنسخ. ولتراجع المصادر.
(٣) انظر في علامات الفعل المتعدي والفعل اللازم: أوضح المسالك لابن هشام (٦/ ١٥٢ وما بعدها)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٦٣٣)، شرح التصريح (١/ ٤٦٢ وما بعدها)، همع الهوامع (٣/ ٨).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب). ولعَلّ الصّواب: "صلى".
(٥) سقط بالنسخ.
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "أي".
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "وفاعل".
(٨) كذا بالنسخ.
[ ١ / ٣٩٩ ]
كَانت [الجملة] (١) في محلّ القائم مَقَام الفَاعِل.
قولُه: "قال: حَدّثتني حَفْصَة": جُملة في محلّ خَبر "أنّ"، وجُملة "حَدّثتني" مَعْمُولة للقَول. و"أنّ النَّبِيّ - ﷺ -": محلّه نصب بإسقاط الخافض، أي "بأنَّ"؛ فيتعلّق بـ"حَدَّث".
و"حَدّث" (٢) من الأفعَال السّبعة التي تتعَدّى إِلَى ثلاثة، وهي: "أعْلَم" و"أرَى" و"أنْبَأ" و"نبَّأ" و"أخْبر" و"خَبَّر" و"حَدَّث" (٣).
فـ "أعْلَم" و"أرى": منقُولان بالهمزة من "عَلم" و"رَأى". وأمّا الخمسة الباقية: فتتعدّى إِلَى مفعولين، الثاني منهما بحَرْف الجر، وقد يُحذَف حَرْف الجر؛ تقُول: "حَدَّثتُ زَيدًا عن عَمرو"، و"حَدّثت زيدًا عَمْرا قَائِمًا"، وتقُول: "حَدّثتك بهذا"، و"حَدّثتك هذا". وقد اجتمعا في قَوله تعَالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣]. (٤)
إِذَا ثبت ذلك؛ فقُولها: "كان يُصلّي سَجدَتين" جملة في محلّ خَبر "أنَّ"، وجملة
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "وهو".
(٣) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٠٠ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٦٨١)، المفصل (ص ٣٤١ وما بعدها)، شرح المفصل (٤/ ٣٠١ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٣٣٠)، توضيح المقاصد (١/ ٥٧٢ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (٢/ ٦٤ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٨٤)، شرح التصريح (١/ ٣٨٦ وما بعدها)، مُعجم الصواب اللغوي (١/ ٢٢)، جامع الدروس العربية (١/ ٤٥).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٧/ ٣٩٥)، كنز الكتاب ومنتخب الآداب للبونسي الفهري (١/ ١٧٣)، المفصل (ص ٣٤١، ٣٤٢)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧٨٦)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٧٢ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (٢/ ٦٤ وما بعدها)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٥٧٢ وما بعدها).
[ ١ / ٤٠٠ ]
"يُصلّي" في محلّ خَبر "كان"، والجمْلة الأوْلى في محلّ رَفْع، والثانية في محلّ نَصْب. و"سَجْدَتين خفيفتين" القَولُ [فيهما مثْل] (١) ما تقدَّم في "رَكْعتين".
قوله: "بعْدَمَا يَطْلع الفَجْر": "ما" بعْد "بعد" مَصْدَرية غَالبًا (٢). وقد تقَدّم القَولُ على "ما" المصْدَرية.
قوله: "وكانت سَاعة": اسمُ "كَان" محذُوف، تقديره: "وكانت سَاعةُ تلك الصَّلاة ساعةً لا أدخُل"، فحُذف الاسمُ؛ لدلالة الخبر عليه، ولكَرَاهَة (٣) الجمْع بين المبتدأ والخبر بلفظٍ واحدٍ، وقد يَحْسُن هنا [لأنَّه] (٤) وَصْفَ الخبر بالجُمْلة الفعْلية بعْده، وهي: "لا أدْخُل على النبي - ﷺ -".
قوله: "فيها": يتعلَّق بـ"أدْخُل".
ومَعْمُولُ "أدْخُل" محذُوفٌ، أي: "لا أدْخُلُ على النبي - ﷺ -".
وهَل هُو (٥) ظَرْفٌ، أو مَفْعُول به؟ الأوّل لسيبويه، والثّاني للجرمي، وهُما قَوْلان مَشْهُوران. (٦)
_________________
(١) في (ب): "بهما على".
(٢) انظر: نتائج الفكر (ص ١٤٤، ١٤٥)، إعراب لامية الشنفري (ص ١٠٥).
(٣) راجع: الكتاب (١/ ٦٢ وما بعْدها)، الرابط وأثره في التراكيب في العربية، بحث للدكتور "حمزة عبد الله النشرتي"، نشر بمَجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بالسنة السابع عشرة، العَددان السابع والستون والثامن والستون، رجب/ ذو الحجة، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م، (ص ١٥١ وما بعدها).
(٤) بالنسخ: "لأنّ".
(٥) أي: معمُول "أدخُل".
(٦) راجع: عُقود الزبرجَد (١/ ١٣٥).
[ ١ / ٤٠١ ]
الحديث السادس:
[٦٢]: عنْ عائِشَةَ - ﵂ -، قالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلى شيءٍ منَ النَّوافِلِ أشَدُّ تَعاهُدًا منْهُ عَلى رَكْعَتَي الفَجْرِ". (١)
وفي لفْظٍ لِمُسْلِمِ: "رَكْعَتا الفَجْرِ خيرٌ منَ الدُّنيا وَمَا فِيهَا". (٢)
قوله: "لم يكن": علامةُ الجزْم السكونُ. وتقَدّم الكَلامُ على "لم" في الثالث من "المذي".
ولا يجوز حذفُ نون "يكُن" هنا؛ لأنّه إذا وَلي "النون" [ساكنٌ] (٣) لم يجز حذفها، كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١].
وإنْ وَليَهَا مُتحرّك جَاز، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ [النحل: ١٢٧]، و﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣].
وهذا مما اختصّت به "كان". [ولذلك] (٤) شروط، منها الذي تقَدّم، ومنها: أنْ لا يتّصل بها ضَمير منصُوب، مثل قَولك: "إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ" (٥). (٦)
[وقولها] (٧): "على شَيءٍ": في الكَلام حَذْفٌ، تقديره: "لم يكن تعاهُد النبي - ﷺ -
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٦٩) في التهجد، ومسلم (٧٢٤) (٩٤) صلاة المسافرين.
(٢) أخرجه مسلم (٧٢٥).
(٣) بالنسخ: "ساكنًا".
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) مُتفقٌ عليه: البخاري (١٣٥٤) ومُسلم (٢٩٣٠/ ٩٥) من حديث عُمر.
(٦) انظر: شرح التسهيل (١/ ٣٦٦)، شرح الكافية الشافية (١/ ٤٢٢ وما بعدها)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٢٤٤)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٩٩)، شرح التصريح (١/ ٢٥٩)، توضيح المقاصد (١/ ٥٠٤)، اللمحة (٢/ ٨٦٠)، همع الهوامع (١/ ٤٤٥).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٤٠٢ ]
على شيء أشَدّ منه تعاهُدًا على رَكعتي الفجر". فقوله "على شيء" يتعلّق بالمحذُوف المضَاف، أي: "لم تكُن محافظته".
و"المعاهَدة": "المحَافظة".
و"أشَدّ": خبر "كان"، وهو "أفعَل من". و"منه" يتعلّق بـ"أشَدّ"، و"تعاهُدًا" تمييز، و"على ركعتي الفجر" [بالتمييز] (١).
ولا يصلح أنْ يتعلّق "على شيءٍ" بصفة لـ (تعاهُدًا)، تقَدّم، فانتصب على الحال؛ لأنّ تمييز "أفعَل" لا يتقَدّم عليه (٢)، فكذلك صفته.
ولا يتعلّق بـ"تعاهُدًا" نفسه؛ لأنّه مصْدَر، والمصدرُ لا يتقَدّم عليه ما يتعلّق به إنْ كَان مُنحَلًّا إلى "أنْ والفِعْل" بلا خِلافٍ، كما هُو هُنا. وإنْ كَان غير مُنحلٍّ: فالأكثرون على المنع، وجَوّزه بعضهم في نحو: "لزيدٍ بالطبّ مَعرفة"، وليس على هذا أكثرهم، بل يحتمل أن يكون "بالطّب" مُتعلقًا بالاستقرار [في] (٣) المجرور المقَدّر خبرًا. (٤)
فإن قُلت: قد قدّرت: "لم يكن تعاهُد النبي"، و"أفعل" متى كان ما بعده من [جنس ما] (٥) قبْله وَجَبَت الإضافة (٦)، فكان الواجب أن يقول: "تعاهُد النبي - ﷺ -
_________________
(١) كذا بالنسخ، ولعل الصواب: "يتعلّق بالتمييز".
(٢) انظر: التسهيل (ص ١٥٦)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٢٣٦)، شرح المفصل (٤/ ١٤٠)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٥١٠)، النحو الوافي (٣/ ٣٦٣، ٤٠٠)، الموجز في قواعد اللغة العربية (ص ١٧).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٦٥، ٢٦٦)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٣).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت بالرجوع إلى المصادر. وسيأتي نظيره بعد أسطر.
(٦) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٦٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٩٠)، المقدمة الجزولية (ص ١٣١)، شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ١٥٦ وما =
[ ١ / ٤٠٣ ]
أشَدّ تعاهد".
[وكذلك] (١) اختلف النحويون في [توجيه] (٢) قوله تعالى: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَو أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]؛ لأنّ "ذِكْرًا" منصُوبٌ، وهو [مِن] (٣) جنس ما قبله، ولو كان مِن غير جنسه لم يحتاجُوا إلى تكلّف التوجيه، وخرّج ذلك على خمسة أوْجُه، انظرها في موضعها. (٤)
والجوابُ هُنا: أنّ الاعتبار باللفظ من غير تقدير، وأما التقدير فيصير الباب كُلّه واحدًا. ألا ترى أنّك لو قُلت: "زيدٌ أشَدّ قُوّة" لنَصبت، مع أنّ التقدير: "قُوّة زيد أشَدّ قوة"، فالنظر إنّما [هُو] (٥) إلى اللفظ لا إلى المقَدّر. (٦)
إذا ثبت ذلك: فقال الجوهري: "تعهّدتُ فُلانًا"، و"تعَهّدتُ ضيعتي" أفصَح من قولك: "تعاهَدت"؛ لأنّ "التعاهُد" إنها يكُون من اثنين. (٧)
قوله: "وفي لفظ لمسلم": تقَدّم مثله قريبًا.
قوله: "ركعتا الفجر خَير": مُبتدأ وخَبر.
_________________
(١) = بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١١٦).
(٢) غير واضحة بالأصل، فقد تُقرأ: "ولذلك".
(٣) بالنسخ: "توجه".
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٦٤)، البحر المحيط (٢/ ٣٠٧ وما بعدها)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ٩٩)، شواهد التوضيح والتصحيح (ص ١١٠، ١١١)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٧٠٢).
(٦) لعل بعدها بالأصل: "هنا".
(٧) انظر: البحر المحيط (٢/ ٨٧، ٨٨)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٦٤)، شرح الأشموني (٢/ ٣٠٠)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٣٣).
(٨) انظر: الصحاح (٢/ ٥١٦).
[ ١ / ٤٠٤ ]
وأخبر عن المثنّى بـ"خَير"؛ لأنّه "أفعَل من"، و"أفعل من" لا يُثنّى ولا يجمَع (١).
وقد تقَدّم قريبًا أنّ المطابقة تجب إذا كان مُعرّفًا بـ"اللام"، وتجوز إذا كان مُضَافًا، ويجب الإفراد إذا استُعمِل بـ"من". (٢)
باب الأذان
الحديث الأوّل
[٦٣]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: "أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ". (٣)
قوله: "أُمِرَ بلالٌ": جملة في محلّ معمُول القَول.
و"أُمر" مبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، وتقَدّم الكَلامُ على "أمر" في الثّالث من "فضل الجماعة"، وفي الأوّل من "السّواك". وهُو مِن الأفْعَال التي تتعَدّى إلى المفعُول الثّاني بحرف الجر، فالأوّل هُنا "بلال"، وهُو القَائمُ مَقَامَ الفاعِل، والثّاني "أنْ" بتقدير حَرْف الجر.
[و"أنْ"] (٤) المصْدَرية تقَدَّم الكَلامُ عليها في الرّابع من الأوّل، وفي العاشِر منه.
وقد عَملت هُنا النصب في "يشفع"، وقد يَسْقُط عَمَلها؛ فتُهمَل، حَمْلًا لها على "ما"
_________________
(١) انظر: عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٢٦٢)، شرح التسهيل (٣/ ٦٤)، شرح المفصل (٢/ ١٦١)، والهمع للسيوطي (٣/ ١٠٠).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٦٤)، شرح المفصل (٢/ ١٥٩، ١٦١)، (٣/ ٣١١)، شرح الأشموني (٢/ ٣١١)، شرح الكافية الشافية (٢/ ١١٣٠ وما بعدها، ١١٣٦، ١١٤٠)، شرح التصريح (٢/ ١٠١ وما بعدها)، همع الهوامع (٣/ ٩٥ وما بعدها، ١٠٠).
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٥) في الأذان، ومسلم (٣٧٨) في الصلاة.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٤٠٥ ]
المصْدَريّة؛ لتسَاويهما في كَوْنهما حَرْفَين مَصْدريين ثنائيين (١)، ولذلك شَوَاهِد.
قَالَ ابن جني: قَرَأتُ على مُحمّد بن الحسَن - يعْني: ابن دُرَيد - عن أحْمَد بن يحيى - يعني: ثَعْلبًا - قَوْلَ الشّاعر:
يَا صَاحِبَيَّ فَدَتْ نَفْسِي نُفُوسَكُمَا وَحَيْثُمَا كنْتُمَا لُقِّيتُمَا رَشَدَا
إنْ تَحْمِلا حَاجَةً لِي خَفَّ مَحْمَلُهَا تَسْتَوْجِبَا مِنّةً عِنْدِي بهَا وَيَدَا
أنْ تَقْرَآنِ [عَلى] (٢) أسْمَاءَ وَيْحَكُمَا مِنِّي السَّلامَ وأنْ لا تُخْبرا أحَدَا (٣)
فقال: "أنْ تَقْرَآن"، فأثبت "النون"، ولو نصَب لقَالَ: "أن تقرآ"؛ فينكَسِر البيتُ. (٤)
قال أبو حيّان: الأمْرُ من "أمر"، تُحْذَف فَاؤه؛ فيُقَال: "مُر"، وإثباتُها قَليلٌ، أي "أأْمُر". فإنْ تقَدَّمته (٥) "فَاء" أو "وَاو": فإثباتٌ، [فإنّه] (٦) أجْوَد، كَقَوله تعَالى: ﴿وَأْمُرْ
_________________
(١) راجع: سر صناعة الإعراب (٢/ ٢٠٠)، شواهد التوضيح والتصحيح (ص ٢٣٥)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٢٧)، المفصل (٤٢٩)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٣٧)، خزانة الأدب (٨/ ٤٢٣، ٤٢٤).
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من المصادر.
(٣) الأبيات من البسيط، وهي مشهورة، حتى إنه قلما خلا عنها كتاب نحو، ومع كثرة الاستعمال لم يعزها أحد إلى شاعر. ويُروى فيها: "تُقرئا منزل الأحباب"، و"لا تُعلما". انظر: الحماسة البصرية (٢/ ١٤٠)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٢٠٠)، محاضرات الأدباء للراغب (٢/ ١١٨)، خزانة الأدب (٨/ ٤٢٠، ٤٢٣، ٤٢٨)، المعجم المفصل (٢/ ١٧٩).
(٤) انظر: سر صناعة الإعراب (٢/ ٢٠٠)، شواهد التوضيح والتصحيح (٢٣٥، ٢٣٦)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٢٧)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٤٥٩ وما بعدها)، خزانة الأدب (٨/ ٤٢٣، ٤٢٤).
(٥) أي: "الأمر".
(٦) أي: "إثبات الهمزة".
[ ١ / ٤٠٦ ]
أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]. ويتعَدّى إلى مَفْعُولين الثاني بحَرْف الجر. (١)
قلتُ: وليس هذا على إطلاقه، فقَد تقدَّم قَريبًا أنّه إنما يحذف حَرْف الجرّ من مفعُوله إذا كان مَصْدرًا، نحو: "أمَرتُك الخير"، و"أمَرتُك بالخير". وأمّا في نحو قولك: "أمَرتُك بزَيدٍ"، فإنه لا يجُوزُ: "أمَرتُك زَيدًا"، نبّه على هذا "السهيلي" (٢) ﵀ (٣).
وإنما استُعمل الحذْف في أفْعَال مَسْمُوعَة، هي: "أمَر"، و"اخْتَار"، و"أستَغْفر"، و"سمّي"، و"كنّي"، و"دَعا". (٤)
ويُقَال: "أذان" و"تأذين" و"أذين"، وقيل: "الأذين" للمُعْلِم بالوقْت، "فَعيلٌ" بمعنى "مُفْعِل"، ويُقال: "أذن، تأذينًا" و"أذانًا"، فوضع الاسم مَوْضع المصْدَر، وأصْله من "الأذن"، كأنه يُلقي في آذان الناس مَا يَدْعُوهُم إلى الصَّلاة. (٥)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٩٣، ٢٩٤).
(٢) انظر: نتائج الفكر (ص ٢٥٥، ٢٦٠).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١/ ٧٨)، (٨/ ٢٧٥)، عُقود الزبرجَد (٢/ ٨٨)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥، ٢٦٠)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٣)، شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، الكتاب (١/ ٣٧، ٣٨)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، الكشكول للهمذاني (١/ ٣٣٥)، خزانة الأدب (١/ ٣٣٩)، (٩/ ١٢٣)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٥ وما بعدها)، المنصوب على نزع الخافض (ص ٢٧٦ وما بعدها).
(٤) انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ٣٧، ٣٨)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، نتائج الفكر (ص ٢٥٦ وما بعدها)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٤٥٦)، شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٦٣٨).
(٥) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٦)، الصحاح (٥/ ٢٠٦٨)، تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٥١)، لسان العرب (١٣/ ١٢)، مجمع بحار الأنوار (١/ ٣٩).
[ ١ / ٤٠٧ ]
الحديث الثاني
[٦٤]: عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ السُّوَائِيّ، قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ في قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، قَالَ: فَخَرَجَ بِلالٌ بِوَضُوءٍ، فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أنْظُرُ إلى بَيَاضِ سَاقَيْه، قَالَ: فتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلالٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمالًا: حَيَّ على الصَّلاة، حَيَّ على الْفَلاح، ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنزَةٌ، فتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْن، ثُمَّ نَزَلَ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلى الْمَدِينَةِ" (١).
قوله: "عن أبي جُحَيفة": "جُحيفة" لا ينصرفُ؛ للعَلمية والتأنيث. وهو مُرَكّبٌ تركيب إضافة، كـ"أبي هُرَيرة" (٢). وقد تقدَّم الكلامُ على هذا وما أشبهه في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
و"وَهْب": بَدَلٌ منه، أو عَطفُ بيان. و"السُّوَائِيِّ": ممدودٌ، صفة لـ"أبي جحيفة"، ولا يكُونُ صفة لـ"عبد الله"؛ لأنَّ النعوتَ والأبدَال إذا تكَرّرت فهي راجعة إلى الأول حَقيقَة، فإنْ رَجَعتهما إلى الآخَر كان الأصلُ خِلافه، لكن يَبْقَى فيه تقديم البَدَل على الصِّفَة، والأصْلُ خِلافه. (٣)
قوله: "أتيتُ": "أتى" المقْصُور يتعَدَّى لواحِدٍ، والممدُود بمعنى
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٧) في الوضوء، ومسلم (٥٠٣) في الصلاة.
(٢) انظر: المفصل (ص ٣٥)، تاج العروس للزبيدي (٢٤/ ٢١، ٢٢)، المغرب (ص ٥١٩)، النحو المصفى (ص ٤٧).
(٣) انظر: شرح التصريح (١/ ٣٥١)، (٢/ ١٢٣)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٠٧)، نتائج الفكر (ص ١٨٥)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٢٣)، الأشموني وحاشية الصبان (١/ ٥)، (٢/ ٢١٩)، الهمع (٣/ ١٤١)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٢٩)، النحو الوافي (٣/ ٤٣٥).
[ ١ / ٤٠٨ ]
"أعطى" يتعدَّى إلى اثنين، نحو: "آتيتُ زيدًا درهمًا" (١)
قوله: "في قُبّة": يتعلّق بحَال من "النبي - ﷺ -"، أي: "أتيتُه كائنًا، أو جالسًا".
ويحتمل أن يتعلّق بخبر مُبتدأ محذوف، أي: "وهو في [قُبّة] (٢) ".
وحَذْفُ المبتدأ مقرونًا بـ"واو" الحال كثيرٌ، منه قوله في الحديث: "رَأَيْت رَسُولَ الله - ﷺ - يُصَلِّي في ثَوْبٍ مُشْتَمِلٌ بِهِ في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ" (٣)، أي: "وهو مُشْتَمِلٌ". (٤)
وجمعُ "قُبّة": ["قِبَبة"، و"قِبَاب"] (٥).
وقوله "له": حَرْفُ الجرّ يتعلَّق بصفة لـ"قُبّة"، و"حَمْراء" صفَة أخْرَى. وتقْديمُ الصفة المقَدَّرة على [الصّفة] (٦) الظاهِرَة جَائزٌ، خِلافًا لابن عصفور. (٧) وحَمَل قول امرئ القيس:
وَفَرْعٍ يَزِينُ الْمَتْنَ أسْوَدَ فَاحِم أثيثٍ كقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ (٨)
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٠٦)، دَليلُ الطالبين (ص ٧٤).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) متفق عليه: البخاري (٣٥٥، ٣٥٦)، ومُسلم (٢٧٨/ ٥١٧)، من رواية عُمر بن أبي سلمة - ﵁ -.
(٤) انظر: شَواهد التَّوضيح (ص ١٩٣، ١٩٤)، عقود الزبرجد (١/ ٤٣٤).
(٥) بالنسخ: "قببة وأقباب". لكن جمع "قبة" كما يظهر بالمصادر: "قِبب" و"قُبب" و"قباب". أما "أقباب": فهي جمع "القب". وانظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٤٣٢)، الصحاح (١/ ١٩٧)، المحكم والمحيط الأعظم (٦/ ١٤٢)، لسان العرب (١/ ٦٥٩)، تصحيح التصحيف للصفدي (ص ٤١٥)، تاج العروس (٣/ ٥١١)، تكملة المعاجم العربية (٨/ ١٦١).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٩)، اللباب في عُلوم الكتاب (٧/ ٣٩١)، (١٤/ ٤٦٢)، تفسير الألوسي (٣/ ٣٣١)، شرح ابن عقيل (١/ ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦).
(٨) البيتُ من الطويل، وهو لامرئ القيس. والشاهدُ: أنه قدَّم "يَزين" وهو جملة، على =
[ ١ / ٤٠٩ ]
على الضّرورة. (١)
و"حمراء": لا ينصرفُ؛ لأجْل ألِف التأنيث الممْدودة. (٢)
ويحتمل أن تكُون "حمراء" حَالًا من الضّمير في مُتعلّق "له"؛ لأنّها في معنى [المنتقلة] (٣).
قوله: "مِنْ أَدم": يتعلّق بصفة أخْرَى لـ"قُبّة". ويحتمل أن يتعلّق بحَال من "قُبّة"؛ لأنَّ النّكرة تخصصّه بالصّفة، أو (٤) بحَال من ضَمير مُتعلّق "له". و"مِن" هُنا لبيان الجنس، وتحتمل التبعيض. (٥)
قوله: "قال: فخَرَجَ بلال": فاعِلُ "قال": ضميرُ "أبي جحيفة".
قوله: "بوَضُوء": "الوَضُوء"، بالفتح: "الماءُ الذي يُتوضّأ به". وقيل: "هُو اسمٌ لمطْلَق الماء". (٦)
_________________
(١) = "أسْوَد" وما بعده، وهُنَّ مفردات. انظر: اللباب في عُلوم الكتاب لابن عادل (٧/ ٣٩١، ٣٩٢)، خزانة الأدب (١٠/ ١٢٧)، شرح المعلقات السبع للزوزني (ص ٥٤)، ديوان امرِئ القيس (ص ٤٣)، المعجَم المفصل (٦/ ٥٣٩).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٩)، اللباب لابن عادل (٧/ ٣٩١).
(٣) انظر: المفصل (ص ٣٥)، تاج العروس (٢٤/ ٢١، ٢٢)، المغرب (ص ٥١٩)، النحو المصفى (ص ٤٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "المتنقلة".
(٥) أي: "أو يحتمل أن يتعلق ".
(٦) انظر: الجنى الداني (ص ٣٠٩)، حروف المعاني والصفات (ص ٥٠)، اللمحة (١/ ٦٤)، المقدمة الجزولية (ص ١٢٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، أوضح المسالك (٣/ ١٨)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٤٢٠)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
(٧) انظر: عمدة الأحكام (ص ٣٤)، إحكام الأحكام (١/ ٢٠٥)، الإعلام لابن الملقن =
[ ١ / ٤١٠ ]
قوله: "فمِنْ ناضِح ونَائِل". قال الشيخُ تقيّ الدّين: "النّضحُ": "الرّشُّ". قيل: معناه: "أنَّ بعضهم كان ينالُ ما لا يَفْضل منه شَيءٌ، وبعضُهم كان ينالُ منه ما ينضح منه على غيره".
وتشْهَد له الرّواية الأخْرَى في الصّحيح: "وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخْرَجَ وَضُوءًا، فَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمسَّحَ بِه، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ" (١). انتهى. (٢)
ويتوجّه في إعرابه أنْ يكُون التقديرُ: "فمنّا نَاضِحٌ ومنّا نائِل". فـ"ناضح" و"نائل": مُبتدآن، وخبرهما في المجرور، الذي هو "منّا"، ثم حذف المجرور، وبقي حَرْفُ الجرّ [مُتصلًا] (٣) بالمبتدأ؛ فانجَرّ، وهذا من وَجيز الكَلَام وفَصيحِه؛ لأنّه أفَاد ما يُفيده أكثر منه لَفْظًا.
ويحتمل أنْ يكُون التقديرُ: "فنائلٌ لا ينالُ منه، ومن ناضِح ينال منه"؛ فيتعلّق حرفُ الجر بـ"ينال"، ويُفسَّر الحديثُ بالرّواية الأخْرَى؛ لأنّها تدلُّ عليه.
و"من" هُنا للتفْصيل، وهو أحَدُ أقسَامها (٤)، والمفَصّلُ مَحْذوفٌ، والتقديرُ: "خَرَجَ بلال بوضوء على النّاس "، والتقسيمُ في محلّ بدَل، بدَل كُلّ من كُل، مُفصّل من مجمُوع.
_________________
(١) = (٢/ ٤٣٣)، نيل الأوطار (١/ ٣١)، فيض القدير شرح الجامع الصغير (١/ ٩٩)، المصباح (٢/ ٦٦٣)، لسان العرب (١/ ١٩٤).
(٢) صَحيحٌ: رواه مُسلم (٢٥٠/ ٥٠٣)، من حديث أبي جُحيفة.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٠٥)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٤٣٤)، نيل الأوطار للشوكاني (٢/ ٥٦).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: الجنى الداني (ص ٣٠٨ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ١٨، ١٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
[ ١ / ٤١١ ]
ويحتمل أنْ تكُون "من" زائدة، والتقديرُ: "فخَرج بلال بوضُوء على النّاس، فقِسْمان، ناضِحٌ ونائِلٌ". [أو] (١) يكُون التقديرُ: "فمِنْهم ناضِحٌ، ومنهم نائِلٌ". ومثله: "انطَلَق النّاسُ، فمِن مُسْرع، ومِن مُبْطِئ".
قوله: "فخَرَج النبي - ﷺ - عليه حُلّة حَمْرَاءُ": (عليه) يتعلَّق بخَبر المبتدأ. والمسَوِّغُ للابتداء بالنّكرة: تقَدُّم الخبر (٢).
والصّفة والجمْلَة من المبتَدأ والخبر في محلّ الحَال. وجَاءَت الحَالُ (٣) بالضّمير وَحْده، ولَو جَاءَت به وبـ"الوَاو" لكَانَ أكْمَل. (٤)
قوله: "كأني أنظُر إلى بياض سَاقيه": "كأنَّ" حَرْفٌ مُرَكّب عند أكثرهم، حتى ادّعَى بعضُهم الإجْمَاع عليه، وليس كَذلك، بل قيل: إنّها بسيطة. وقد تُخفّف؛ فيَجُوزُ إعمالهُا وإلغاؤُها. (٥)
ولها مُشدَّدَة [أربعة] (٦) مَعَان: -
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ان"، وهو ما يبدو بالأصل. ولعلّ الصّواب المثبت، ولعله: "أي" أو: "إذ". والله أعلم.
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٩٨)، إرشاد الساري (٣/ ٦٨)، (٨/ ١٧٧)، (١٠/ ١٠، ٢٣٩)، عقود الزبرجد (١/ ٢١٤) شرح الكافية الشافية (١/ ٣٦٣ وما بعدها)، توضيح المقاصد (١/ ٤٨٤)، مغني اللبيب (ص ٦٠٨ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ١٩٢)، الهمع (١/ ٣٨١ وما بعدها)، الجزولية (٩٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٥٧).
(٣) وهي جملة: "عليه ".
(٤) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٥٧ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٣٩٣)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٢٠)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٧٨)، همع الهوامع (٢/ ٣٢٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٠١، ١٠٣، ١٠٩).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٥٢ وما بعدها).
(٦) بالنسخ: "أربع". وانظر: مغني اللبيب (ص ٢٥٣).
[ ١ / ٤١٢ ]
أحدها: وهو الغَالِبُ عليها، التشبيه، وإنما يكُون ذلك إذا كان خبرها اسمًا جامدًا، نحو: "كَأنّ زيدًا أسَدٌ".
بخلاف: "كأنَّ زَيدًا قائمٌ"، أو: "في الدّار"، أو: "عندك"، أو: "يقُوم"؛ فإنّها في ذلك كُلّه للظَّنّ، وهذا (١) القسْم الثّاني من أقسامها.
والتشبيهُ بها أبلَغ منه بـ"الكَاف"؛ لأنّها أكثرُ حُروفًا، ولأنّها مُرَكّبة من "الكَاف" وزيادة، ولأنّ "أنَّ" مَعَها تُشْعِر بالتأكيد في "الكَاف"، ولأنَّ الكَلامَ مَعَها مَبنى على التشبيه؛ لوقوعها في صَدْر الجُمْلة لَفْظًا وتقْديرًا، وتشبيهُ "الكَاف" [طار في] (٢) أثناء الكَلام.
الثاني من أقسامها: التحقيق، نحو قولهم:
فأَصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَامُ (٣)
أي: "لأنّ الأرضَ ".
الثالث: "أنّ" الكَافَ للتعليل، و"أنّ" للتوكيد، فهي كَلمتان، لا كَلِمَة، ونظيره: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢].
الرابع: التقريب، قاله الكُوفيون، وحملوا عليه: "كأنّك بالشِّتاءِ مُقبلٌ"، و"كأنّك بالدّنيا لم تكُن". (٤)
_________________
(١) أي: "كونها للظن".
(٢) كذا بالنسخ. ولعل الصّواب: "صار في".
(٣) البيتُ من الوافر، وهو للحارث بن خالد، أو الحارث بن أمية، قاله في هشام بن المغيرة المخزومي، وكان جوادًا مطعامًا، وكانت قُريش قد أرَّخَت بموته. انظر: ثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي (ص ٢٩٨)، ربيع الأبرار للزمخشري (٣/ ٢٦٤)، المعجم المفصل (٧/ ١٣١).
(٤) اشتبه على "ابن فرحون" هنا المعنى الثاني والثالث، فما ذكر "ابن فرحون" لها هو خمسة =
[ ١ / ٤١٣ ]
ومحلُّ "كأني أنظُر": حَالٌ من محْذوف، تقديره: "أحْكي لكُم كأني أنظر"، أي: "محقّقًا ذلك".
ومعنى الجملة: حَال من "النبي - ﷺ -، أي: "خَرَج في حُلّة حمراء محققًا بياض سَاقيه"، فتضمّنت الجملة معنى الحَال من "النبي - ﷺ -".
قوله: "قال: فتوضّأ: الفاعلُ: ضميرُ "وهب".
وهذا الوضُوء يدُلُّ على أنّ الإناءَ الذي خَرَج به "بلال" لم يكُن فيه فَضْل وضُوء النبي - ﷺ -، إلّا أنْ يُقال: "إنّه توضّأ مرّتين لسَبب".
قال بعضُهم: فيه تقْديم وتأخير، أي: "فتوضّأ، فخرج بلال". وهذا فيه قلق.
= معان، وزاد عما ذكره العلماء (أنها للتعليل). ولعل السبب وجود سقط بالمخطوط أو بنسخة "ابن فرحون" من "مغني اللبيب". وأنقُل لك نصّ "ابن هشام" حتى يتبين لك موضع الاشتباه. فقد قال ابنُ هشام: "وذكروا لكَأنّ أربعة معان: -
١ - أحدها: وهو الغالب عليها والمتفق عليه، التشبيه بخلاف: (كأنّ زيدًا قائم)، أو في الدار، أو عندك، أو يقوم، فإنها في ذلك كله للظن.
٢ - والثاني: الشك والظن
٣ - والثالث: التحقيق، ذكره الكوفيون والزجاجي
فإن قيل: فإذا كانت للتحقيق، فمن أين جاء معنى التعليل؟ قلتُ: من جهة أنّ الكلام معها في المعنى جواب عن سؤال عن العلّة مُقدّر وأجيب بأمور، أحدها:
الثاني: أنه يحتمل أن الثالث: أنّ الكاف للتعليل، وأنّ للتوكيد، فهما كلمتان لا كلمة، ونظيره: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢]، أي: اعجب لعدم فلاح الكافرين.
٤ - والرابع: التقريب ". وانظر: مغني اللبيب (ص ٢٥٣، ٢٥٤).
وراجع: عقود الزبرجد (١/ ٤٧٦ وما بعدها)، الجنى الداني (٥٧٠ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٢٩٤ وما بعدها)، الهمع للسيوطي (١/ ٤٨٦)، الكليات للكفوي (ص ٧٥٣)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٦٨).
[ ١ / ٤١٤ ]
ويحتمل أن يكُون الإناءُ أولًا كان فيه فَضْل وضُوءه - ﷺ - من وضُوء قبل هذه الصّلاة. ويحتمل أن يكُون جَدّد الوضُوء؛ لأنّ الوضُوء على الوضُوء نُورٌ على نور. ويحتمل أن يكُون "- ﷺ -" أخَّر الوضُوءَ، وكان [تبرّكهم] (١) بما في إنائه الذي من عادته - ﷺ - يتوضّأ فيه أو منه. والله أعلم.
قوله: "وأذّن بلال": مَعْطوفٌ على الفعل قبله.
وفي تكرير "قال" تأكيدٌ للحديث والمحَدّث عنه، أو يكُون "قال" الثّانية [بَدَلًا] (٢) من الأولى.
قوله: "أتتبعُ فَاه": فاعلُ "أتتبع": ضميرٌ يعُود على "وهب"، وضميرُ "فاه" يعُود على "بلال"، هذا الظاهرُ. ويحتمل أنْ يكُون الرّاوي عن "وهب" حَكى أنه جَعَل يتتبع فَم "وهب" عند حكايته. والظاهرُ الأوّل. (٣)
والمرادُ بقوله: "هاهنا وهاهنا": "اليمين والشمال"، وهما هنا ظرفا مكان؛ لأنّ الإشارة إلى المكَان [بـ: "هاهُنا"] (٤). و"هاهنا" و"هِنّا" - بكسر "الهاء" وتشديد "النّون" - من ظُروف المكان (٥).
و"يَمينًا وشمالًا": بَدلٌ من "هاهنا وهاهنا". (٦)
وفاعلُ "يقول": ضَميرُ الرّاوي عن "وهب"، أي: "يقُول وهْب: حيّ على
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "يتركهم".
(٢) بالنسخ: "بدلٌ".
(٣) انظر: فتح الباري (٢/ ١١٤).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر (٢/ ١١٤)، إحكام الأحكام (١/ ٢٠٥)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٤٣٩، ٤٤٠).
(٦) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٤٤٠).
[ ١ / ٤١٥ ]
الصّلاة، حيّ على الفلاح، في جهة اليمين، وفي جهة الشمال".
وفي بعض الروايات: "فجَعَلْتُ أتَتَبّعُ فَاهُ، هَاهُنا وهَاهُنا، يَمِينًا وَشمَالًا" (١). وفي بعضها: "يَقُولُ يَمِينًا وَشمَالًا، يقُولُ: حَيّ على الصَّلَاة" (٢) تأكيدًا للفِعل بالفِعْل لَفظًا.
ويحتمل أنْ يُضَمّن "يقُول" الأولى معنى "ينحرفُ يمينًا وشمالًا، يقُول: حَيّ على الصّلاة"؛ فيكُونان ظرفين.
وسيأتي في العاشر من "كتاب الصّوم" (٣) الكَلام على "ههنا" [و"هُنا" و"هِنا"] (٤).
و"الفم" تقَدّم الكَلامُ عليه في الثّاني من "باب السّواك".
قوله: "يقُول": ههنا، فيه التعبيرُ بالقَول عن الفِعل، وقد جاء في الحديث من ذلك: "فَقَالَ بِيَدِه كَذَا" (٥).
قوله: "حَيّ على الصّلاة": قال بعضُهم: أصلها: "حيهل" مُتّصلة، اسمُ فعل، ومعناها: "أسرع"، أو: "أقْبِل سَريعًا".
وفيها لُغاتٌ، أحدها: هذه. وفصلُ "الياء" من "هل" (٦). وتشديد "الياء"،
_________________
(١) وهي رواية "وكيع" عند "مُسلم"، كما في "تحفة الأحوذي" (١/ ٥٠٢). وانظر: عمدة القاري (٥/ ١٤٧)، سبل السلام (١/ ١٨٣)، جامع الأصول لابن الأثير (٥/ ٢٩٤)، خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام للنووي (١/ ٢٨٨).
(٢) صحيحٌ: مُسلم (٥٠٣/ ٢٤٩).
(٣) كذا بالنسخ. لكنه في الحديث العاشر من "باب الصّوم في السفر".
(٤) غير واضحة بالأصل، وتشبه: "وها هنا"، وكذا هي في (ب).
(٥) كذا في مُسند البزار "البحر الزخار" (٩/ ٣٦٨ / برقم ٣٩٤٦). وقد رواه البخاري في صحيحه (٢٦٦) من حديث ميمونة، بلفظ: "فَقَالَ بيَدِهِ هَكَذَا". ورواه مسلم (٥٤٠/ ٣٧)، من حديث جابر، بلفظ: "فَقَالَ لي بِيَدِهِ هَكَذَا".
(٦) فتكون: "حي هل". وانظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٣٠٠).
[ ١ / ٤١٦ ]
وتسكينها. وإبدال "العَين" (١) بـ"الياء".
وهي مَبنية؛ لكَونها اسم فِعْل.
وحَقُّ الاسم الواقع بعدَهَا أن يكُون منصوبًا بالإغراء، ولا يُتوَهّم أنّ "العَينَ" و"اللام" في آخرها حَرف جَر. (٢)
و"الفلاحُ": "الفَوزُ". انتهى. (٣)
قلتُ: والذي عليه الأكثرون: فصلُ "على" على أنّها حرف جَر (٤)، لكنّ ألفاظَ الأذان كُلها سَاكنة، لا تُروَى بنَصْبٍ ولا بجَر.
قوله: "ثم ركزت له عَنَزَةً": معطُوفٌ على قوله "فتوضّأ"، وعلى قوله "وأذّن بلال".
قوله: "وصَلّى الظُّهرَ رَكعتين": أي: "صَلاة الظُّهر"، فتعدّى "صلّى" إلى مَصْدره. وتقدّم في الخامس من "باب فضل صَلاة الجماعة".
و"ركعتين": هنا حَالٌ من "الظّهر"، وهي حَال مُقدَّرة، مثل قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] (٥)، هذا إن حُمل الكلامُ على الشّروع في الصّلاة، وأنّ "صلى" بمعنى "شرَع".
_________________
(١) أي: عَين الفعل "حيهل".
(٢) انظر: عمدة القاري (١٧/ ١٨١، ١٨٢)، عقود الزبرجد (١/ ٢٨٢)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٤٤٢ وما بعدها)، نيل الأوطار (٢/ ٤٧)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٤٨)، مرعاة الفاتيح (٢/ ٣٤٧)، الكتاب (٣/ ٣٠٠)، النظم المستعذب (١/ ٥٩)، لسان العرب (١٤/ ٢٢٢)، القاموس المحيط (ص ٩٩٠).
(٣) انظر: نيل الأوطار (٢/ ٤٧)، تحرير ألفاظ التنبيه (٥٢).
(٤) راجع: عقود الزبرجد (١/ ٢٨٢).
(٥) انظر: تفسير البيضاوي (٣/ ٢٣٨)، إعراب القرآن وبيانه (٥/ ٣٥٩).
[ ١ / ٤١٧ ]
وأمّا إنْ حمل على صُورة الواقع منه - ﷺ - من تكميل الصّلاة، وأنَّ "صلّى" بمعنى "كمل الصّلاة"، فالحالُ مُقَارنة، أي: "أوْقَع فِعْلها في حَال كونها ركعتين".
قوله: "فلم يزَل يُصلّي رَكعتين": تقَدّم الكّلامُ على "ما زال" في [الحديث من] (١) "باب فضْل الجماعة". و"لم" و"لا" في حُكْم واحد مع "زال"، وأصلُه مع "ما" النافية "زول" بكَسْر "العَين"، ومُضارعه "يزال"، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ﴾ [المائدة: ١٣]، كـ"خَاف، يخاف". وأمّا "زال" التي بمعنى "الانتقال": فإنّ ماضيها "فَعَل" بفتح "العين" (٢).
قوله: "يُصلي ركعتين": جملة في محلّ خبر "زال". والتقديرُ: "يُصلّيها ركعتين"، فـ"ركعتين" حالٌ من ضمير "الصّلاة"، وتقدّم بيانُ ذلك في الخامس من "صَلاة الجماعة".
قوله: "حتّى رَجع إلى المدينة": "حتّى" حَرفُ ابتداءٍ وغاية (٣)، ويتعلّق بـ"يُصلّي"، ولا يتعلّق بـ"يزال"؛ لأنّ المعنى ليس عليه.
_________________
(١) كذا بالنسخ.
(٢) انظر: شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٣٧)، لسان العرب (١١/ ٣١٣، ٣١٦ وما بعدها)، تهذيب اللغة (١٣/ ١٧٣ وما بعدها)، تاج العروس (٢٩/ ١٥٥)، النحو الوافي (١/ ٥٦٢ وما بعدها).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٩)، إرشاد الساري (١/ ٢٢٩)، (٩/ ٤٢٨)، الجنى الداني (ص ٥٥٤، ٥٥٥)، مُغني اللبيب (ص ١٧٣ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٥٠)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٥٢٨)، موصل الطلاب (ص ١٠٤ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٣٨١)، الكُليات (ص ٣٩٦).
[ ١ / ٤١٨ ]
الحديث الثالث
[٦٥]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵂ -، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ بِلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُوم" (١).
جُمْلة "يُؤذِّن" في محلّ خَبر إنَّ، و"بليل" يتعلّق به، و"الباءُ" ظَرْفية (٢)، والتقدير: "في ليل طويل قبل الفجر"، ثم حَذَف الصفة لفَهْم المعنى، كقَوله تعَالى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] أي: "البيّن"، وكما قيل في قوله تعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي: ["أي مَعاد"] (٣). (٤)
وتقَدَّم أقْسَام "البَاء" في الرّابع من "باب الاستطابة".
قوله: "فكُلوا": "الفَاءُ" سَببية (٥).
وأصْلُ "كُلْ": "أُأْكُلْ"، فالأولى مجتَلبة للوَصْل، والثانية "فاء" الكلمة،
_________________
(١) رواه البخاري (٦١٧) في الأذان، ومسلم (١٠٩٢) في الصيام.
(٢) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، الهمع للسيوطي (٢/ ٤١٧ وما بعدها).
(٣) كذا بالنسخ. وفي شواهد التوضيح والتصحيح لابن مالك (ص ٨٥): "إلى معادٍ أي معادٍ، أو: إلى معادٍ تحبه".
(٤) انظر: عُمدة القاري (١٩/ ١٠٤)، شواهد التوضيح (ص ٨٥)، عقود الزبرجَد (٣/ ١٤١)، وشرح الأشموني (٢/ ٣٢٨)، وشرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٣٢٤)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٤٤، ٨١٨)، وشرح ابن عقيل (٣/ ٢٠٥)، وهمع الهوامع (٣/ ١٥٨).
(٥) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٤٣)، شرح القطر (ص ٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٣٨)، الجنى الداني (ص ٦١ وما بعدها)، مغني اللبيب (٢١٤، ٨٧١)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٩٣).
[ ١ / ٤١٩ ]
فحُذفت الثانية لاجتماع المثلين حَذْفَ شُذوذ، فوَلِيَتْ "هَمزةُ" الوصْل ["الكَافَ"] (١)، وهي مُتحرِّكَة، فحُذفت "هَمْزةُ" الوصْل لزوَال مُوجبها، وهي "الهمْزَة" السّاكنة. (٢)
ومثله: "خُذ". (٣) ولا [يُقَاسُ عَليه] (٤)؛ فَلا يُقَالُ في الأمْر من "أجَر، يأجرُ": "جر". (٥)
قالوا: وحَكَى سيبويه "أو كُلْ" شَاذًّا. (٦)
وعَلامَةُ البناء في "كُلوا" حَذْفُ النُّون عند جَمَاعة، منهم: "ابن النحّاس"، ووافَقَه "ابن عطيّة". (٧)
قال أبو حيّان: [وليس] (٨) هذه طريقة البصريين، فإنّ فِعْلَ الأمر عندهم مبني على السكون، فإذا اتصل به ضَميرٌ بَارز كانت حَرَكَةَ آخِره مُنَاسِبةٌ للضّمير، نحو: "كُلي" و"كُلا" و"كُلوا"، ويبقى في الإناث سَاكِنًا، نحو: "كُلْن"، فليس فيها "نُون"
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٤)، اللباب لابن عادل (١/ ٥٥١)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٦٢ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢٧٧).
(٣) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٦٢)، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٤/ ٢٧٦، ٢٧٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١/ ٥٥١)، اللباب في علل البناء (٢/ ٣٦٣)، إيجاز التعريف في علم التصريف (١٩٥).
(٦) انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ٢٦٦)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٥٥١)، الأصول في النحو (٣/ ١٧١)، المفتاح في الصرف للجرجاني (ص ١٠٠)، المفصل (٤٩١)، لسان العرب لابن منظور (٤/ ٢٧).
(٧) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٤، ٢٥٥)، النحو الوافي (١/ ٨١).
(٨) كذا بالنسخ.
[ ١ / ٤٢٠ ]
تُحذَف للأمْر. (١)
نعَم، ما [ذكروه] (٢) يجري على طريقة الكُوفيين في أنه مُعْرَب، وأنَّ أصله: "لتأكلا"، و"لتأكلوا"، فحذف "النون" للجَازم. (٣)
قوله: "حتى تَسْمَعُوا": تقدّم الكَلامُ على "حتى" في ثاني حديث من أوّل الكتاب. و"تسْمَعُوا": فِعْل مُضارع - وفاعِل - منصوبٌ بإضمار "أنْ" بعد "حتى"، وعلامة نصبه حَذْفُ "النون" من آخره. (٤) وتقَدّم الكَلامُ على "سَمع" في أوّل حَديثٍ من الكتاب. وهو هُنا مُتعلق بصَوْتٍ؛ فيتعَدّى إلى واحد (٥)، وهُو "أذان".
و"ابن أم مكتوم": اسمه: "عمرو بن قيس". (٦)
و"حتى": يحتمل أن تتعلّق بـ"كُلوا"، وهو اختيارُ الكوفيين. ويحتمل أن تتعلّق بـ"اشربوا"، وهو اختيارُ البصريين. (٧)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٤، ٢٥٥).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٥).
(٤) راجع: شواهد التوضيح (ص ٢٤٣)، الصحاح للجوهري (١/ ٢٤٦)، التطبيق النحوي للراجحي (ص ٢٤).
(٥) انظر: عُمدة القاري (١/ ٢٣)، إرشاد الساري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، شواهد التوضيح (ص ١٨٢)، شرح التسهيل (٢/ ٨٤).
(٦) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٠٨).
(٧) انظر: إرشاد الساري (٢/ ٨٩)، عقود الزبرجد (٢/ ١٨١)، شواهد التَّوضيح (ص ٢٣٩)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٧٩)، شرح التسهيل (٣/ ٤٣)، الضرورة الشعرية ومفهومها (ص ٤٧٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ٧٦، ٢٥٠).
[ ١ / ٤٢١ ]
الحديث الرّابع
[٦٦]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ" (١).
تقدّم إعراب السّند، ومُتعلّقات حروف الجر. وتقدّم ذكرُ الجمل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل مختصرًا، وأنّ جملة "﵁" وجملة "ﷺ" لا محلّ لهما من الإعراب؛ لكونهما مُعترضتين.
وهن خمس، هذه أحدها، والثانية: جملة الصّلة، والثالثة: المفسّرة، والرابعة: جملة جَواب القَسَم، والخامسة: المستأنَفة. (٢)
فالمعترضة تقَدّمَت.
وجملة الصّلة: نحو: "جَاء الذي قام أبوه". (٣)
والمفسّرة هي: "الكاشفة حقيقة ما قبلها"، نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ (٤) [القصص: ٤٨]، فقالوا (٥): وما بعده جملة مُفسّرة لكُفرهم، ونحو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]، فـ"لهم" وما بعده مُفسّر للوَعْد (٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٦١١) في الأذان، ومُسلم (٣٨٣) في الصلاة.
(٢) انظر: جامع الدروس العربية (٣/ ٢٨٧ وما بعدها).
(٣) انظر: شرح الأشموني (١/ ١٤٧)، أوضح المسالك (١/ ١٦٨)، موصل الطلاب (ص ٤٨ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٣٢٧ وما بعدها).
(٤) بالنسخ: "ساحران". وهي قراءة، كما في المصادر.
(٥) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١٠٢٢)، البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٣١٢)، تفسير ابن عطية (٤/ ٢٩٠).
(٦) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٢٥)، البحر المحيط (١/ ٧٧)، (٤/ ١٩٧)، =
[ ١ / ٤٢٢ ]
وزَعَم الشّلوبين أنّ الجملة المفسّرة بحسب ما هي تُفسّره، فإن كان لا محلّ لها فلا محلّ لها، نحو: "زيدًا ضربته"، ألا ترى أنّ "ضربته" مُفسّر لـ"ضربت" محذوفة، وهي جملة مُستأنفة لا محلّ لها، وإن كان لها محلّ فلها محلّ بحسبه، نحو: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فـ"خَلَقناه" مُفسّر لـ"خَلقنا" مُقَدّرًا ناصبًا لـ"كُلّ شيء"، وذلك المقَدّر في محلّ رَفْع على الخبر، فكذلك مُفَسّره. (١)
مسألة:
قَد يُقَال: إنَّ المبتدأ إذا كَان مَوصُولًا مُضمّنًا معنى الشّرْط كَان خبره صِلته، كما أنّ جملة الشّرط هي الخبر، وهي نظيرة الصّلة. ويُؤيّد ذلك أنهم رُبما جَزَمُوا جَوابه (٢)،
كقوله:
كَذَاكَ الَّذِي يَبْغِي عَلَى النَّاسِ ظَالِمًا تُصِبْهُ عَلَى رَغْمٍ قَوَارِعُ مَا صَنَعَ (٣)
وهي مُشكلة يُحاجَي بها، فيُقال: أين تكُون الصّلة لها محلّ؟
وخبرُ المبتدأ إذا كان جملة لا محلّ لها، وذلك مثل قوله: "مَن يقوم أكرمه"، فـ"يقوم" جملة الصّلة، ولا محلّ لها، باعتبار أنّه جملة صِلة.
فيُقَال: أين تقع جملة لا محلّ لها خبر مُبتدأ؟
_________________
(١) = مغني اللبيب (ص ٥٢٥، ٥٢٦)، النحو الوافي (٢/ ١٤٠).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١١٩٦)، مغني اللبيب (ص ٥٢٦)، موصل الطلاب (ص ٦٣، ٦٤)، الصبان (٢/ ١٠٥)، النحو الوافي (٢/ ١٤٠).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٦)، (٩/ ٣٧٣)، شرح التسهيل (٤/ ٨٣)، شرح حدود ابن عرفة للرصاع (ص ٥٤١)، نفح الطيب للتلمساني (٥/ ٤٣١ وما بعدها).
(٤) البيت من الكامل. وهو لسَابق البَرْبَرِي. والذي فيه: "رُغمٍ عَوَاقِبُ". انظر: أمالي الزجاجي (ص ١٨٥)، شرح التسهيل (٤/ ٨٣)، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (٥/ ٤٣١ وما بعدها)، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٣/ ٣٧١).
[ ١ / ٤٢٣ ]
أو يُقال: أين تقع جملة الصّلة لها محلّ؟
***
وأمّا الجملة المستأنَفة: [فهي التي] (١) تقَع أوّل الكَلام، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. (٢)
والمعترضة تقَدّمَت.
[قوله] (٣): "إذا سَمعتم المؤذّن": المعنى: "إذا سمعتم صوت المؤذّن يُؤذّن فقولوا". تقَدّم الكَلامُ على "إذا" في الحديث [الثّاني] (٤) من أوّل الكتاب، وعلى "سَمِع" في أوّل حديثٍ من الكتاب.
قوله: "مثل ما يقول": نعتٌ لمصدر محذوف، أي: "فقولوا قولًا مثل ما يقول". وتقدّم قول أبي حيان (٥)، وأنّ مذهب سيبويه (٦) في هذا وأمثاله [النصب] (٧) على الحال من مصدر مفهوم من الفعل، محذوف بعد إضماره على سبيل الاتساع، أي: "قولوا القول في حال كونه مثل ما يقول"، وجعل له نظائر من الكتاب والشّعر. ويحتمل أن يكون مَفعُولًا بالقول؛ لأنّ "المثل" هو المقول.
قال الزّمخشري: يُقال: "مثل" و"مثيل" و"مَثَل"، كـ"شِبْه" و"شَبَه" و"شبيه".
قال: واستُعير للحَال أو الصّفة إذا كَان لها شَأنٌ، وفيها غَرَابة. (٨)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، وتظهر كأنها: "هاهنا". والمثبت من (ب).
(٢) انظر: موصل الطلاب (ص ٤٨).
(٣) بياض بالأصل. وسقط من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠، ٥٥٥).
(٦) انظر: الكتاب (١/ ٢٢٧، ٢٢٨).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ٧٢).
[ ١ / ٤٢٤ ]
ويجمَع على: "أمثال". (١)
وأعلم أنّ "مثل" [أو] (٢) "غير" إذا أضيف إلي "ما" و"أنْ" و"أنّ" يجوز بناؤهما؛ لأنهما أشبها الظروف لإبهامهما، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٣) [الذاريات: ٢٣]، فـ"مثل" مرفوع المحلّ صفة [لـ"حَقّ"] (٥)، وبناؤهما على الفتح لإضافتهما إلى "ما". وقيل: هو منصوبٌ على الحال. (٥)
وأمّا "غير": فنحو قول الشّاعر:
لَمْ يَمْنَع الشُّرْبَ منْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ حَمَامَةٌ فِي غُصُونٍ ذاتِ أَو قَالِ (٦)
فبني "غير" على الفتح، وهي فاعلة بـ"يمنع"؛ لإضافتها إلى "أن" المصدرية، ولو رفع لكان على الأصل. (٧)
_________________
(١) انظر: المصباح (٢/ ٥٦٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "و".
(٣) بالنسخ: "وإنه".
(٤) بالنسخ: "بحق".
(٥) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١١٨٠)، البحر المحيط (٤/ ١٠٤)، شرح التسهيل (٢/ ٢١)، (٣/ ٣٥، ٢٦٢)، شرح المفصل (٢/ ٢٨٧)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٩٢٢)، مغني اللبيب (ص ٦٧١)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ١٠٧)، الأصول في النحو (١/ ٢٧٥)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٣٥ وما بعدها)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٤١٧)، الخصائص (٢/ ١٨٤)، همع الهوامع (٢/ ٢٣٤ وما بعدها).
(٦) البيتُ من البسيط. وهو لأبي قَيْسِ بن رِفاعةَ، وقيل: لرجلٍ من كِنانَةَ، وقيل: لأبي قيس بن الأسلت في ديوانه. والشاهدُ فيه: أنّه بنى "غيرًا" على الفتح؛ لإضافتها إلى غير مُتمكّن، وإن كان في موضع رفع. انظر: شرح المفصل (٢/ ٢٨٧)، خزانة الأدب (٦/ ٥٣٢)، المعجم المفصل (٦/ ٤١٦).
(٧) انظر: الكتاب (٢/ ٣٢٩، ٣٣٠)، شرح التسهيل (٢/ ٣١٢ وما بعدها)، (٣/ ٢٦٤)، =
[ ١ / ٤٢٥ ]
فـ"مثل" ههنا يحتمل أن تكون الحركة فيها حركة إعراب، ويكون الفعل منصوبًا بـ"يقول"؛ لأنّه صفة لمصدر، كما تقَدّم. ويحتمل أن يكُون منفيًا، والحركة فيه فتحة، والمحلّ منصوبٌ [بالقول] (١).
وفرّق بعضهم بين "المثل" و"النحو" في قوله - ﷺ -: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُؤئِي هَذَا" (٢)، فقَال: إنّما عَدَل عن "مثل" إلى "نحْو"؛ لأنّ مثل وضوئه - ﷺ - يتعذّر على المكلّف. (٣)
_________________
(١) = شرح الكافية الشافية (٢/ ٩٢٢)، مغني اللبيب (ص ٢١١، ٦٧١، ٦٧٢)، سر صناعة الإعراب (٢/ ١٦٧)، شرح المفصل (٢/ ٢٨٧)، (٥/ ٧٤)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٣٣ وما بعدها)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٤١٧)، خزانة الأدب (٣/ ٤٠٦ وما بعدها)، (٦/ ٥٥٢ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٢٣٤ وما بعدها).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "كالقول".
(٣) متفقٌ عليه: البخاري (١٥٩) ومسلم (٣/ ٢٢٦) من حديث عثمان.
(٤) انظر: شرح صحيح مسلم (٣/ ١٠٨)، إرشاد الساري (٩/ ٢٤٨)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٤٧٤).
[ ١ / ٤٢٦ ]
باب استقبال القبلة
الحديث الأوّل
[٦٧]: عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِه، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِه، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ".
وَفِي رِوَايَةٍ: "كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ".
وَلِمُسْلِمٍ: "غَيْرَ أَنَّهُ لا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ".
وَللْبُخَارِيِّ: "إلَّا الْفَرَائِضَ".
قوله: "باب استقبال القبلة": تقدَّم الكَلامُ على اشتقاق "الباب" في أوّل حديث من الكتاب، مع إعراب السّند مُستوفى.
قوله: "كان يُسبّح": جملة في محلّ خَبر "أنّ".
و"حيث": تقدّم الكَلامُ عليها في الحديث العاشر من أوّل الكتاب.
وقد قال "المهدوي" غير المفسر (١): إنّ "حيث" لها حُكم الظروف، إلا إذا دَخَل عليها حرف جَر، كقَول ابن دُريد:
ثُمَّتَ راحَ في المُلبِّينَ إلى حيثُ تَحجَّى المأزَمينِ ومِنى (٢)
فقال: إنّ "إلى" تقلب "حيث" من باب الظروف إلى باب الأسماء؛ لأن أسماء الزمان وأسماء المكان إنما تكون ظروفًا إذا أفضي إليها الفعل ووصل إليها كما يصل إلى سائر مفعولاته، فإذا دخل عليها حرف الجر كانت كسائر الأسماء. ولما نقل
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٥٤٨)، وقال: هو شارح الدريدية.
(٢) الرجز من قول أبي بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي، المتوفى سنة ٣٢١ هـ. انظر: جواهر الأدب للهاشمي (٢/ ٤٠١، ٤٠٦)، المعجم المفصل (١٢/ ٣٥٤).
[ ١ / ٤٢٧ ]
بدخول الجار عليه إلى الاسمية؛ انتقل حكم الجملة التي بعدها؛ لأنها قبل أن تلحق بالأسماء على حكم ما يُضاف من الظروف إلى الجمَل. وتقدَّر الجملةُ التي بعدها مجرورة بإضافتها إليها.
وإذا لم تجر مجرى الظروف المضافة إلى ما بعدها من الجمل، وانتقلت إلى باب الاسمية؛ كان ما بعدها مُقدّرًا وَصْفًا لها.
فإن قيل: حُكم ما بعد الصفة أن يكون فيه ضمير يعُود إلى الموصوف، ونحن نرى ما بعد "حيث" لا يختلف حَاله، بل هو على حالة واحدة.
قيل له: هو محذوفٌ. والذي سَهّل حذفه: لزومُ الصفة للموصوف، ومُشابهتها للصلة، مع ما في الحذف من الاختصار.
وقدّر المحذوف في البيت في قوله: "إلى حيث " أي: "إلى المكان الذي تحجّى فيه المأزمان ومنى"، ثم حذف العَائد اختصارًا، على ما تقَدّم، وهذا حُكم سائر الأزمنة والأمكنة. انتهى. (١)
قلتُ: وقد أنكَر جمال الدّين بن هشام هذا التقدير الذي اختاره "المهدوي". (٢)
وجملة "كان" في محلّ الجر بالإضافة إلى "حيث". والعاملُ في "حيث": "يُسبّح".
و"كان" الثانية تامّة، أي: "حيث يُوجّه وجهه".
وتقدّر التامة بـ"حضر" و"وقع" و"وجد" (٣)، وهي ههنا بمعنى "وجد"، أي:
_________________
(١) الظاهر أنّ هذا النقل من شرح المهدوي على الدريدية، ولم أعثر عليها.
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٥٤٨).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٩/ ٢٥، ٦٠)، إرشاد الساري (٢/ ٢٢٦)، الهمع =
[ ١ / ٤٢٨ ]
"حيث وجد وجهه من الجهات".
ويكون "الوَجْه" هنا عبارة عن الذات، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]. (١)
قوله: "يُومئ برأسه": جملة في محلّ الحال من الضّمير في "يُسبّح"، أو من الضّمير المضاف إليه في "وجهه". والأوّل أبين.
ويُقَال: "أوْمَى" بغير همز، ومنه: "أوْمَت إليّ برأسها". (٢)
قوله: "وكان ابن عُمر يفعله": الضّميرُ في "يفعله" يعود على "التسبيح"، ويحتمل أن يعُود على "الإيماء".
قوله: "وفي رواية": يعني: "لمسلم والبخاري"، ويبيّنه قوله: "لمسلم". "كان يُوتر": فإنْ قدّرت: "ورُوي في رواية"؛ فالجمْلة في محلّ مفعُول لم يُسمّ فَاعله.
قوله: "ولمسْلِم: غير أنّه لا يُصلّي عليها المكتُوبة": هذه الرّواية انفرد بها "مُسلم". والضميرُ في "أنّه" يعُود على "النبي - ﷺ -".
ولفظ حديثه: "كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيَوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ" (٣). وتقَدّم مُتعلّق حرف الجر.
ومثله: "وللبخاري".
قوله: "غير أنّه": يحتمل أن يكون نصب "غير" على الاستثناء من الأحوال،
_________________
(١) = للسيوطي (١/ ٤٢٤، ٤٢٥).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٧٨)، (١٠/ ٧٢).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٨١)، الصحاح (١/ ٨٢)، المطلع للبعلي (ص ١٣٠)، تاج العروس (١/ ٥٠٠).
(٤) صحيحٌ: مسلم (٧٠٠/ ٣٩).
[ ١ / ٤٢٩ ]
أي: "يُصلّي في سفره على الرّاحلة في أحواله كُلها إلّا حالة صَلاة المكتوبة".
[وحُكم] (١) "غير" حُكم ما بعد "إلّا" في الاستثناء، إن كان مُوجبًا فهي منصُوبة، وإن كان غير مُوجب فهي مرفُوعة (٢). ويحتمل أن يكُون نصْبه على الاستثناء المنقَطع، كما قيل في قول طرفة بن العبد:
يَلُومُ وَمَا أدْري عَلامَ يَلُومُني كَما لامَني في الحَيِّ قُرْطُ بن أعبَدِ
على غَيرِ ذَنْبٍ قُلتُهُ غَيرَ أَنَّني نَشَدْتُ فَلَم أُغفِلْ حَمُولَةَ مَعبَدِ (٣)
قال ابنُ النحاس: "غير" ههنا نصب على الاستثناء المنقطع. (٤)
و"غير": مُفرد مُذكّر في جميع الأحوال. وذكر صاحب "الصّحاح" أنه يجمع على: "أغيار". (٥)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فحكم".
(٢) انظر: إعراب النحاس للنحاس (١/ ٢١٢)، (٢/ ١٣٤، ١٣٥)، شرح التسهيل (٢/ ٢٧١، ٢٩٨)، شرح المفصل (٢/ ٤٨)، شرح الأشموني (١/ ٥٠٢)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٣٣٧)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٠٣)، المفصل (ص ٩٩)، اللمحة (١/ ٤٧٣)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٣٦٤)، لسان العرب (٥/ ٣٩)، همع الهوامع (٢/ ٢٦٠، ٢٦٦).
(٣) البيتان من الطويل. ويُروى فيه: "قرط بن معبد". انظر: ديوان طرفة بن العبد (ص ١٩، ٢٦)، جمهرة أشعار العرب للقرشي (ص ٣٣٠، ٣٣١)، شرح المعلقات السبع للزوزني (ص ١١١، ١١٢)، شرح القصائد السبع الطوال (ص ٢٠٢ وما بعدها).
(٤) انظر: إعراب النحاس للنحاس (١/ ٢١٢، ٣٣٠، ٤٨٣)، (٢/ ١٣٤، ١٣٥)، البحر المحيط (٦/ ١٠٧)، (٧/ ٣١٠)، (٨/ ٢١٤)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٢٢)، إعراب القرآن للأصبهاني (ص ١٤٩)، شرح المعلقات السبع للزوزني (ص ١١١، ١١٢).
(٥) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٧٧٦، ٧٧٧)، لسان العرب (٥/ ٣٩، ٤١)، مختار الصحاح (ص ٢٣٢).
[ ١ / ٤٣٠ ]
وتُقطَع عن الإضافة في اللفظ، فيُقال: "ليس غير". وذكر ابنُ مالك في "ليس غير" الضم والفتح. قال: وقد يُنوّن، ولا يدخُله الألِف واللام، ولا [يتعرّف] (١) بإضافة إلى معرفة. انتهى. (٢)
قال [غيره] (٣): يجوز فيه الضم والفتح مع التنوين مع "ليس"، والحركة حركة إعراب؛ لأنّ المضاف مَنْوي، والتنوينُ لا يلحق إلا المعربات. (٤)
قوله: "وللبخاري: إلّا الفرائض": جملة "إلّا الفرائض" مبتدأ، والخبر: "للبخاري"، أي: "هذا اللفظ كائنٌ للبخاري". ويحتمل أن تكون في محلّ مفعُول لم يُسمّ فاعله بـ"رُوي"، أو فاعل بتقدير "جَاء".
و"الفرائض": منصُوبٌ بالاستثناء.
اختُلف في مَذْهب مالك إذا صَلّى على الدّابة بعد أن تُوقَف له وتُعلّق حتى لا تتغير، ثم يُؤدّي الفريضة عليها كما يُؤدّيها على الأرض، على قَولين، [بالجواز] (٥) والكراهة، ذكره الفاكهاني (٦).
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٣١٧ وما بعدها)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ١٣٢)، شرح المفصل (٢/ ٨٣)، شرح الأشموني (١/ ٥٢٢)، شرح التصريح (١/ ٦٩٢، ٧٢٣)، الهمع (٢/ ٢٠٠)، مختصر مغني اللبيب (ص ٦٣).
(٣) غير واضحة بالأصل، ولعلها: "وغيره"، كما في (ب).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٢١٠).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: شرح ابن بطال (٣/ ٨٨)، شرح مختصر خليل للخرشي، وحاشية العدوي، (١/ ٢٥٨، ٢٦٣)، منح الجليل شرح مختصر خليل (١/ ٢٤١).
[ ١ / ٤٣١ ]
الحديث الثّاني:
[٦٨]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: "بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ إذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّام، فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ".
قوله: "بينما": التقدير: "بين أثناء أزمنة كَون النّاس"؛ لأنّ "بين" يقتضي شيئين فصَاعِدًا، ويُقال: "بَيْنَا" بحذف "الميم" (١) قَال الشّاعر:
بَيْنَا نَحْن نَرْقُبُه (٢)
فـ"بين" هُنا ظَرْف، و"النّاس" مُبتدأ، و"بقُباء" يتعلّق بالخبر، أي: "مستقرون بقُباء".
و"قُباء": يجوز فيه الصّرف مع المدّ على أنّه مُذكّر، ويجوز المنع من الصّرف بتأويل البُقعَة، ويجوز فيه القصر. (٣)
_________________
(١) انظر: سر صناعة الإعراب (١/ ٣٩)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٣٩٩)، الجنى الداني (ص ١٧٦)، المحكم والمحيط الأعظم (١٠/ ٥٠٤)، تاج العروس (٣٤/ ٣٠٢).
(٢) صدرُ بيت من الوافر، وهو لنصيب في ديوانه، أو لرجل من قيس عيلان. والبيتُ هو: بينا نَحنُ نَرْقُبُه أتانَا مُعَلِّقَ وفْضَةٍ وزِنادِ راعِ ورُوي فيه أيضًا: "فبَيْنا نَحْنُ". ويروى فيه: "بينا نحن نطلبه". ويروى فيه: "وَبينا نَحن ننظره". ويروى فيه: "مُعلِّقَ شِكوة". ويروى فيه: "وزناد راعي". انظر: الكتاب (١/ ١٧٠، ١٧١)، الجمل في النحو (ص ١٢٦)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٤٢)، شرح المفصل (٣/ ١٢٣) وذكر محقّقه أنّه من الطويل، الصّحاح (٥/ ٢٠٨٤، ٢٠٨٥)، لسان العرب (١٣/ ٦٥)، شرح القصائد السبع الطوال (ص ٩٧)، المعجم المفصل (٤/ ٣٧٤).
(٣) انظر: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ٢٧)، علل النحو (ص ٤٧٠)، =
[ ١ / ٤٣٢ ]
ويأتي الكلامُ على لفظ "النّاس" في الثالث من "الخسوف".
وتتعلّق "في صلاة الصبح" بحال من الضمير في الخبر، أي: "كائنين في صلاة الصّبح".
والعاملُ في "بين": الخبر المقدّر في المجرور، وتقَدّم الكَلامُ على "بين" و"بينما" في الثّالث من "السّواك".
و"إذ جاءهم": "إذ" هُنا للمُفاجأة، كـ"إذا"، وهو من أقسَامها عند الأكثرين، ولا تقع إلّا بعد "بينا" و"بينما". وهل هي حرف أو ظَرف مَكان أو ظَرف زَمان؟ أقوال. (١)
والعامِلُ فيها فِعلها، وهو "جاءهم"، وليس هو في محلّ جر.
ولا يجوز أن يعمل في "بين": "جاءهم"؛ لأنّ الفعلَ لا يعمل في ظَرفين إلا على طريق البدل. (٢)
وسيأتي تمام الكلام على "إذ" مُستوفى في الحديث السّادس من "الجنائز".
وقد قَال ابنُ الحاجب: إنّ العَامِل في "إذا" الفُجائية معنى المفاجأة. (٣)
وينبغي أن يُقَال به هُنا؛ إذ هو أحسَن من تكلّف التقدير، خصوصًا إن كان
_________________
(١) = المخصص (٥/ ٢٦)، تاج العروس (٣٧/ ٤٢٠، ٤٢١).
(٢) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٢٧١ وما بعدها)، مُغني اللبيب (ص ١١٥)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٩ وما بعدها)، الجنى الداني (١٨٩، ١٩٠)، موصل الطلاب (ص ١٠٠).
(٣) انظر: إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٦٤ وما بعدها).
(٤) انظر: أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٤٣، ٣٤٤). وراجع: البحر المحيط (٧/ ٣٥٤)، (٩/ ٣٧٨، ٣٧٩)، عقود الزبرجد (١/ ٢٧١).
[ ١ / ٤٣٣ ]
تقديرًا لا يُعطي المعنى. (١)
ولما كانت "بينما" أو "بَيْنَا" تقتضي جَوابًا التزموا أن لا يقع بعدها [إلّا] (٢) جملة أو مُفرد مصدر، كقولك: "بينما الناس"، والمفرد كقولك: "بينما قيام زيد قام عمرو". (٣)
و"جَاء": يأتي الكَلام عليها في الثّامن من " [فصل] (٤) الصوم في السّفر".
قوله: "آت": فاعل، وعَلامة الرفع ضَمّة مُقدّرة، وهو اسمُ فاعل من "أتى، يأتي" صفة [لموصُوف] (٥) محذوف، أي: "رجُل".
وهذا من المواضع التي يجوز فيها حَذفُ الموصوف، لأنّ الإتيان بالخبر لا يكون إلّا من جنس الموصوف المحذوف. (٦)
قوله: "فقال: إنّ النبي": "إنّ" كُسِرت بعد القَول، وجَاء فتحها. (٧) وتقدّم ذكر مواضع كسرها وفتحها في الرّابع من أوّل الكتاب.
و"أُنزل" و"أمر": مبنيان لما لم يُسَمّ فَاعله. وتقَدّم الكَلامُ على "أمر" في الثالث من "فضل الجماعة".
_________________
(١) راجع: أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٤٣، ٣٤٤).
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) انظر: الهمع (٢/ ٢٠٦، ٢٠٧)، شرح المفصل (٣/ ١٢٦).
(٤) كذا بالنسخ. والوارد بالعُمدة (ص ١٣٤): "بابُ الصومِ في السَّفرِ وغيرهِ".
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١١٠، ٥٥٥)، الكتاب لسيبويه (١/ ٢٢٧، ٢٢٨)، الأصول لابن السراج (١/ ١٩٣ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٤)، همع الهوامع (٢/ ١٤٤ وما بعدها).
(٧) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٨ وما بعدها)، المقدمة الجزولية (ص ١٢١)، شرح ابن عقيل (١/ ٣٥٣ وما بعدها).
[ ١ / ٤٣٤ ]
و"أنْ" في محلّ نصب بـ"أمر". وتقدّم القَولُ على ذلك في أوّل "باب السواك".
قوله: "فاستقبلوها": يُروَى بكسر "الباء" على الأمر، ويُروَى بفتحها على الخبر. وضميرُ المفعول في "استقبلوها" بكسر "الباء" يعود على "أهل قباء"، وبفتحها يحتمل أن يعُود عليهم، ويحتمل أن يعُود على "أصحاب النبي - ﷺ - المصلّين معه".
قوله: "وكانت وجوههم إلى الشام": تحتمل الجملة أن تكون مُستأنفة لا محلّ لها من الإعراب. ويحتمل أن تكُون في محلّ الحال من ضَمير المفعول في "جاءهم"، وتُقَدّر معه "قد". ويحتمل أن تكون مُعترضة لا محلّ لها، وهو أظهر؛ لقوله "فاستداروا" عطفًا على "استقبلوها".
وقوله "إلى الشّام": يتعلّق بخبر "كان".
الحديث الثالث:
[٦٩]: عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: "اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنْ الشَّام، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْر، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي على [حِمَارِه] (١)، وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الْجَانِبِ - يَعْنِي: عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ - فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؟ ! فَقَالَ: لَوْلا أَنِّي رَأْيْتُ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - يَفْعَلُهُ [لم أفعله] (٢) " (٣).
قوله: "استقبلنا أنسًا": كان "أنس" في الشّام، فقَدم البصرة، فخَرَجُوا من البصرة إليه؛ فَرحًا بقُدومه (٤). وجُملةُ "استقبلنا" مَعْمُولة للقَول.
قوله: "حين قَدم من الشّام": تقَدّم الكَلَامُ على "حين" في السّادس من "صفة
_________________
(١) كذا بالنسخ. وفي مطبوعة "العُمدة" (ص ٦٦): "حمار".
(٢) كذا بالنسخ. وفي مطبوعة "العُمدة" (ص ٦٦): "ما فعلته".
(٣) رواه البخاري (١١٠٠) في تقصير الصلاة، ومسلم (٧٠٢) في صلاة المسافرين.
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٠٦).
[ ١ / ٤٣٥ ]
الصّلاة"، وفي الرّابع من "كتاب الصّلاة".
وجميع نُسَخ "مُسلم" (١): "حين قَدم الشّام". (٢)
قال القاضي عياض: وهو وَهْمٌ. وصَوَابه: "قَدم من الشّام" (٣).
قال الشّيخُ تقيّ الدّين: و"من الشّام" هو الصّواب. (٤)
وجُملةُ "قَدم": في محلّ جَرّ بالظرف.
قوله: " [فلقينا] (٥) ": معطُوفة على جملة ["استقبلنا"] (٦)، وكذلك "فرأيته".
والرؤيةُ بَصَريّة؛ فتتعَدّى لواحِد، وهو الضّميرُ. (٧)
و"يُصلّي": في محلّ حال من الضّمير المفعول.
قوله: "على حمَار": يتعلّق بـ"يُصلّي"، ويحتمل أنْ يتعلّق بـ"رأيته". ويجري فيه خِلاف البصريين والكُوفيين. (٨)
قوله: "ووجهه من ذا الجانب": "الوَاو" واو الحال، و"وجهه" مُبتدأ، و"من ذا"
_________________
(١) صحيحٌ: مُسلم (٧٠٢/ ٤١).
(٢) قال النووي: ورواية مُسلم صحيحة، ومعناه: "تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام"، وإنما حذف "في رجوعه" للعلم به. انظر: نيل الأوطار (٢/ ١٤٦).
(٣) انظر: إكمال المعلم (٣/ ٢٩).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢١٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٠٦).
(٥) كذا بالنسخ.
(٦) بالنسخ: "فاستقلبنا". والصّواب المثبت.
(٧) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٣٤).
(٨) انظر: إرشاد الساري (٢/ ٨٩)، عقود الزبرجد (٢/ ١٨١)، شواهد التَّوضيح (ص ٢٣٩)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٧٩)، شرح التسهيل (٣/ ٤٣)، الضرورة الشعرية ومفهومها (ص ٤٧٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ٧٦، ٢٥٠).
[ ١ / ٤٣٦ ]
يتعلَّق بخبره، و"الجَانب" صفته.
[و"ذا] من أسْماء الإشَارة] (١)، ثُنائي لَفْظًا، ثُلاثي وَضْعًا. قَالَ أبو البقاء: لقولهم في التصغير: "ذَيَّا"؛ فرَدّوه. (٢)
وقال الكُوفيون والسّهيلي: هو على حَرْفٍ واحد وَضْعًا، وألِفه زائدة. [قال] (٣) أبو البقاء: لقولهم: "ذه أمة الله". (٤)
وأجيب: بأنَّ "الهاءَ" بَدَلٌ من "الياء"، وبُني لشبهه بالحرْف لَفْظًا ومَعْنى.
وقيل: لافتقاره إلى مُشَار إليه. وتدلّ (٥) على قُرْب المشَار إليه. (٦)
قوله: "يعني عن يسار القبلة": جملة مُعترضة، لا محلَّ لها من الإعراب و"عن يسار القبلة" بدلٌ من "ذا"؛ فتتعلّق "عن" بما تعلّق به "من"، وهو الخبر. ويأتي الكلام على "عن" قريبًا في الحديث الثّالث من "باب الصفوف".
قوله: "فقلتُ: رأيتك": جُمْلة "رأيتك" مَعْمُولة للقَول. والرُّؤية بَصَرية. و"تُصلّي" في محلّ الحال. وحَرفُ الجر في "لغير" يتعلّق بـ"تُصلّي".
_________________
(١) مكررة بعد قوله: "يتعلق بخبره".
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٤)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٤٠٥)، الألغاز النحوية، وهو المسمّى (الطراز في الألغاز)، للسيوطي، ط المكتبة الأزهرية للتراث، (ص ٢٦).
(٣) مزادة لضبط المعنى.
(٤) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٤)، الكتاب (٣/ ٢٨٥)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٤٠٦).
(٥) أي: "الهاء"، أو: "ذا". راجع: شرح المفصل (٢/ ٣٦٥).
(٦) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٤، ١٥)، الكتاب (٣/ ٢٨٥)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٤٠٦).
[ ١ / ٤٣٧ ]
و"لولا": حرفُ امتناع لوجود. (١) وتقدّم [في] (٢) "باب السواك" من أحكامها جملة صالحة.
وتأتي "لولا" حَرْف تحضيض، كـ"هلّا"؛ فيليها الفعل، ظاهِرًا أو مُضْمَرًا. (٣)
وتكُونُ نافية، كقَوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨]. ورُدّ هذا، وضُعِّف. (٤)
ومتى جاءت حَرف "امتناع لوجُود" لزم بعدها اسم مرفوع بالابتداء عند البصريين. والخبر محذوف عند جمهورهم، خلافًا لأبي الحسن ابن الطراوة في أنَّ جملة الجواب خَبر. (٥)
وقال الفرّاء: الاسمُ بعدها مرفوعٌ بها، وقال الكسائي: بفعل محذوف. (٦)
ويقع بعدها ضمير مجرور، خِلافًا للمبرد في منعه ذلك، وهو في مَوضع جَرّ بها
_________________
(١) أي: "امتناع الشيء لوجود غيره". وانظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٥٥١)، الصاحبي (ص ١١٩)، المفصل في صنعة الإعراب (ص ٤٣٢)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٥٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٥٥١)، الصاحبي (ص ١١٩)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٥٢)، توضيح المقاصد (٣/ ١٣٠٨)، شرح التصريح (٢/ ٤٣٢).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٦٠٨)، حروف المعاني والصفات (ص ٥)، مغني اللبيب (ص ٣٦٢، ٣٦٣)، مختصر مغني اللبيب (ص ٩٩).
(٥) انظر: الجنى الداني (ص ٥٩٩، ٦٠١)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣٠٧)، مغني اللبيب (ص ٣٥٩، ٣٦٠)، شرح التصريح (٢/ ٤٣١)، شرح المفصل (٢/ ٣٤٢)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٨).
(٦) انظر: إعراب لامية الشنفري (ص ٨٩)، الجنى الداني (ص ٦٠١، ٦٠١)، توضيح المقاصد (١/ ١٧٣)، مُغني اللبيب (ص ٣٥٩)، شرح التصريح (٢/ ٤٣١)، شرح التسهيل (١/ ٢٨٣)، شرح المفصل (٥/ ٩٠)، تاج العروس (٤٠/ ٤٨٦).
[ ١ / ٤٣٨ ]
عند سيبويه، وفي موضع رفع عند الأخفش، من باب استعارة ضمير الجر للرفع، كما استعير ضمير الرفع للجَر في قولهم: "ما أنا كأنْت ولا أنت كأنا". (١)
قال الشيخُ تقيّ الدّين وغيره: في الحديث صَلاته إلى غير القبلة، ولا يُؤخَذُ منه أنه ﵇ صلّى على حمار. (٢)
قيل: وقد غَلَّط الدّارقطني وغيرُه [عَمرا] (٣) في نسبَةِ ذلك إلى النبي - ﷺ -، وإنما المعروفُ صَلاته على الرّاحلة. (٤)
قلتُ: وفي الموطّأ: عن عبد الله بن عُمَر، قَالَ: "رَأيتُ النّبي - ﷺ - يُصَلِّي وهُو على حمَارٍ، وهُو مُتَوَجّه إلى خَيْبَر" (٥).
إذا ثبت ذلك: فـ"لولا" هنا "حَرف امتناع لوجود".
و"أني": "أنّ" واسمها، وخبرها: جملة "رأيتُ رسول الله"، وجملة "أن" واسمها وخبرها في محلّ مبتدأ على القاعدة.
والخبرُ هنا واجبُ الحذف، على ما تقدَّم من تقدير ابن مالك (٦) في "باب
_________________
(١) انظر: المفصل (ص ١٧٧)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٥٦٦)، شرح الكافية الشافية (١/ ٧٨، ٤٦٥)، (٣/ ١٦٥٢)، اللمحة (١/ ٢٤٨)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٤٨٩)، الجنى الداني (ص ٦٠٣، ٦٠٤)، مغني اللبيب (ص ٣٦١)، موصل الطلاب (ص ١١٤)، شرح المفصل (٢/ ٣٤٥، ٣٤٦).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢١٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٠٦).
(٣) سقط من النسخ. والمثبت بالرجوع للمصادر. والمراد: "عمرو بن يحيى".
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم (٥/ ٢١١)، شرح سنن أبي داود للعيني (٥/ ٩٥)، الإلزامات والتتبع للدارقطني (ص ٢٩٩)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٥) صحيحٌ: أخرَجه الإمام مالك في الموطأ (ط إحياء التراث، ١/ ص ١٥٠، ١٥١) ومُسلم في صحيحه (٧٠٠/ ٣٥)، عن ابن عُمر.
(٦) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٨)، الجنى الداني (ص =
[ ١ / ٤٣٩ ]
السواك"، وسَدّ جَواب "لولا" عن ذكر الخبر، والتقدير: "لولا رؤيتي فعل رسُول الله - ﷺ -[موجودة] (١) لي ما فعلته".
و"ما فعلته" هو الجوابُ. ورُوي: "لم أفعله" (٢)، وهُو مثله.
قال ابنُ مالك: لو أتى المبتدأ بعد "لولا" مصدرًا بمعنى الخبر أغنى عنه، مثل: "لولا قيام زَيد لأكرَمتك". (٣)
قلتُ: وهَذا هُنا مثله، أي: "لولا رُؤيتي فعل رسُول الله - ﷺ - محقّقة - أو موجُودة - عندي ما فعلته" وذلك أنّ "أن" [مع] (٤) ما يليها مُقَدّر بمَصْدَر، مثل: "لولا قيام زَيد لأكرمتك".
وهذا أحَدُ المواضع الأرْبَعة التي يجب فيها حَذْف الخبر.
الثّاني: في: "لعَمْرُك لأفْعَلنّ".
الثّالث: في مثل: "ضربي زيدًا قائمًا"، و"أخْطَبُ ما يكُون الأمِيرُ قائمًا".
الرّابع: في مثل: "كُلُّ رَجُل وضَيعَته"، أي: "مَقْرونان" (٥)
_________________
(١) = ٥٩٩، ٦٠٠)، شرح التصريح (١/ ٢٢٤).
(٢) كذا بالأصل.
(٣) مُتفقٌ عليه: أخرجه البخاري (١١٠٠) ومسلم (٧٠٢/ ٤١)، من حديث أنس بن مالك. وانظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٠٥).
(٤) انظر: عقود الزبرجد (٣/ ١٧٢)، شرح الكافية الشافية (١/ ٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٨)، الجنى الداني (ص ٥٩٩، ٦٠٠).
(٥) في (ب): "يقع".
(٦) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٤٢٠ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (١/ ٣٥٤ وما بعدها)، توضيح المقاصد (١/ ٤٨٦ وما بعدها)، أوضح المسالك (١/ ٢١٧ وما بعدها)، شرح القطر (ص ١٢٥)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٤٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٢٢٤ وما بعدها)، المفصل (ص ٤٦)، الأصول في النحو (٢/ ٣٥٩، =
[ ١ / ٤٤٠ ]
ولهذا مَوْضع تُذْكَر فيه، وتقَدَّمَت في الأوّل من "السواك".
باب الصفوف
الحديث الأوّل
[٧٠]: عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيةَ [الصّف] (١) مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ" (٢).
قوله: "قَال" الأولى، في محلّ رَفْع، خبر "أنّ" المقَدَّرَة القَائِمَة مَقَام الفَاعِل.
و"سَوُّوا": أصله: "سَويوا"، اجتمعت "الياء" و"الواو"، وسُبقت "الواو" بالسّكون، فأُدغمَت "الياء" في "الواو"، واتصل بها الضَّمير؛ فصَار على هَذه الصيغة. وعَلامةُ البناء حَذْفُ "النّون" عند بعضهم، أو السّكون المتعَذَّر لأجْل الضّمير عند آخَرين (٣). وقد تقدّم.
قوله: "صفوفكم": مفعُولٌ به، وهو جَمْعُ: "صَف". ولو قال: "سَوّوا صفّكم" أفاد المعنى (٤)، كقوله:
كُلُوا في نصْف بَطْنِكُمُ تَعيشُوا (٥).
_________________
(١) = ٣٦٠)، اللمحة (١/ ٣٠٤)، شرح المفصل (١/ ٢٤٠ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٦٠ وما بعدها)، المنهاجُ المختَصر في علمي النَّحو والصَّرف (ص ٧٠).
(٢) كذا بالنسخ. وبالعُمدة المطبوعة (ص ٦٦): "الصفوف".
(٣) رواه البخاري (٧٢٣) في الأذان، ومسلم (٤٣٣) في الصلاة.
(٤) انظر: اللمحة (١/ ١٣٥)، شرح القطر (ص ٢٦)، جامع الدروس العربية (١/ ٣٠)، النحو الواضح (١/ ١١١)، (٢/ ١٧٨).
(٥) راجع: أمالي ابن الشجري (٢/ ٤٨، ٢١١، ٢٣٧)، خزانة الأدب (٧/ ٥٥٩، ٥٦٢)، الصاحبي (ص ١١٦)، المقتضب (٢/ ١٧٢)، شمس العلوم (٥/ ٣١٨٩).
(٦) صدر بيت من الوافر، وهو بلا نسبة. وعجزه: "فإنَّ زَمَانكمْ زَمَنٌ خَميصُ". انظر: =
[ ١ / ٤٤١ ]
و"التسوية": مَصْدَر "سَوَّى"، كـ"لبَّى تَلبية"، وهو مُضَافٌ إلى المفعول.
قوله: "من تمام الصّلاة": يتعلّق حَرف الجر بخبر "إن". و"تمام" مصدر "تمّ"، وهو مُضافٌ إلى الفاعل.
وتقدّم القول على التبويب.
و"الأوّل" صفة للحديث. و"الحديث" مبتدأ، خبره جملة الحديث على الحكاية.
وتقدّم مُتعلّق حرف الجر في الأحاديث الأُوَل، ومعنى "عن" في الثالث من "باب الصفوف".
الحديث الثاني
[٧١]: عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (١).
وَلِمُسْلِمٍ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا [يُسَوِّي] (٢) بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا [عَنْهُ] (٣)، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ، حَتَّى إذَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ، فَقَالَ: عِبَادَ الله، لتسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (٤).
قوله: "عن النعمان": يتعلّق بـ"روى" المقَدّر.
وقوله: "قال": في محلّ خَبر "أن" مُقَدّرَة. وجملة "يقُول" في محلّ حَال من
_________________
(١) = الكتاب (١/ ٢١٠)، خزانة الأدب (٧/ ٥٥٩، ٥٦٢)، الصاحبي (ص ١١٦)، المقتضب (٢/ ١٧٢)، شمس العلوم (٥/ ٣١٨٩)، المعجم المفصل (٤/ ١٢٥).
(٢) رواه البخاري (٧١٧) في الأذان، ومسلم (٤٣٦) في الصلاة.
(٣) بالنسخ: "نسوي". والمثبت من العمدة (ص ٦٦٧).
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من العمدة (ص ٦٦٧).
(٥) رواه مسلم (٤٣٦) (١٢٨) في الصلاة.
[ ١ / ٤٤٢ ]
"رَسُول الله - ﷺ -" على المختار. وقيل: في محلّ مفعول به. وقد تقدّم في أول حَديث من أوّل الكتاب تقدير ذلك مُستوفىً.
قوله: "لتُسوّنّ": "اللام" جواب قسَم مُقَدّر، أي: "والله لتسوّنّ"، وأكّد بـ"اللام" و"النون" (١)، وقد تقدّم في الحديث العاشر من "كتاب الصلاة" ذكر حروف القسم، فليُنظر هنالك.
واعلم أنَّ الجملة التي تقع جَوابًا للقسم، إمّا اسمية، أو فعلية.
أمّا الاسمية، فعلى قسمين: مُوجبة، ومنفية.
فالموجبة: باللام وبـ"إنّ" الثقيلة أو الخفيفة، نحو: "والله لزيد قائم"، و"إن زيدًا لقائم".
والمنفية: بـ"ما" و"إن" بمعنى "ما" وبـ"لا"، كقولك: "والله ما زيد قائم"، و"والله لا أحد أفضل منك".
وأمّا الفعلية، فعلى قسمين: مُوجبة، ومنفية.
فالموجبة: على ثلاثة أقسام: ماضية، وحال، ومُستقبلة.
فالماضية: بـ"اللام" و"قد"، نحو: "والله لقد قام زيد"، وبـ"اللام" وحدها، نحو: "والله لقام زيد". ومنه قول امرئ القيس:
حَلَفْتُ لهَا باللهِ حَلْفَةَ فاجِر لَنَاموا فَمَا إنْ مِنْ حَدِيثٍ ولا صَالِ (٢)
التقدير: "لقد ناموا".
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٢/ ٦٤)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥١٨).
(٢) البيتُ من الطويل، وهو لامرئ القيس. و"الصالي": "المستدفئ بالنار". انظر: ديوان امرئ القيس (ص ١٣٧)، خزانة الأدب (١٠/ ٧١ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ١٣٥)، حروف المعاني والصفات (ص ٤٢)، المعجم المفصل (٦/ ٤٠٠).
[ ١ / ٤٤٣ ]
وقد تحذف "اللام"، نحو: "والله قد قام زيد".
القسْم الثاني: الحال، ولا بُدّ معه من "اللام" وحدها، ولا تدخُلُ "النون"؛ لأنها تُفيد الاستقبال؛ فتقول: "والله ليقُوم زيد".
القسْم الثالث: المستقبل، فيحكى بـ"اللام" و"النون"؛ لأنها تُفيد الاستقبال، فتقول: "والله ليقومنّ زَيد" بتشديد "النون" وتخفيفها. وإنما لزمت "النون" للفرق بين فِعْل الحال وفِعْل الاستقبال. (١)
إذا ثبت ذلك: فقوله "لتسوّنّ" فعل مُستقبل؛ ولذلك جاء بـ"اللام" و"النون".
وقوله: "أو ليُخالفن" معْطُوفٌ عليه.
قوله: "بين": هي ظَرْف، وتقَدّم الكَلامُ عليها في الثالث من "باب السواك".
قوله: "ولمسلم": أي: "ورُوي لمسلم" فيتعلّق حَرْف الجرّ به. وقد تقدّم مثله.
و"كان" وما بعدها في محلّ رَفع به.
و"حتى": حَرْف ابتداء (٢).
و"كأنما": كافّة، ومكفوفة. ويحتمل أن تكُون "ما" هاهنا مَصْدَرية (٣)، أي: "كأنّ
_________________
(١) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٤٤٢) (٣/ ١٠١، ٢٧٨)، شواهد التوضيح (ص ٢٢٤، ٢٢٥)، الجنى الداني (ص ١٣٥)، شرح التسهيل (٣/ ٢١٣)، اللمحة ١/ ٢٦٩ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٣/ ٣٠٩)، الأصول في النحو (١/ ٢٤١ وما بعدها)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٥٢، ٥٣، ٦١، ٧٥، ٧١)، حروف المعاني والصفات (ص ٤٢)، مُغني اللبيب (ص ٢٢٩)، المفصل (ص ٤٥٠، ٤٥٨)، شرح المفصل (٥/ ١٤٠، ١٦٦، ١٧١، ٢٤٨، ٢٥٢)، شرح الشذور لابن هشام (١/ ٤٧١)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٦٥٧)، الهمع (١/ ٤٨٤ وما بعدها)، (٢/ ٤٩١ وما بعدها، ٦١٣).
(٢) انظر: مُغني اللبيب (ص ١٧٣ وما بعدها).
(٣) انظر: شرح المفصل (٥/ ٦٧ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٠٩)، النحو =
[ ١ / ٤٤٤ ]
تسويته بها تسوية القداح"؛ فالضّمير في "تسويته" يعود على "النبي - ﷺ -"، و"بها" يعُود على "الصفوف"، و"القداح" مرفوعٌ على أنه خبر "كان" على حَذْف مُضاف، أي: "كأنّ تسويته بها تسوية القداح"، هذا صَحيحٌ حَسَنٌ إن ساعدته الرّواية في رفع "القداح".
وأمّا على نصب "القداح" فيحتمل أن يجعل الباء في "بها" باء الآلة (١)، والضّميرُ يعود على "يد النبي - ﷺ -"، أي: "كأنما يسوي بيده القداح"، يعني: "في التقويم والاعتدال"، وفاعل "يسوي" ضمير يعود على "النبي - ﷺ -".
ويحتمل أن يكون الضّمير في "بها" يعود على "التسوية"، أي: "فكأنما يسوي بتلك التسوية القداح".
قوله: "حتى إذا رأى": "حتى" حرف ابتداء، واختار الزمخشري أنها حَرْف جَر مع "إذا" (٢)؛ فتتعلّق هنا بـ"يُسَوّي". و"إذا" جوابُها محذوف، يدلّ عليه الكَلام، أي: "حتى إذا رأى أنْ قد عقلنا التسوية تركنا".
ويحتمل أن يكون "أنْ" المخففة؛ فيكون التقدير: "أنّا قد عقلنا"؛ [فتكون] (٣) جملة "عقلنا" في محلّ خبر "أن"، و"أنا" مع اسمها وخبرها سَدّت مسَد مفعولين؛ لأنّ الرؤية عِلْمية؛ ولذلك جاء بعدها "أن" المخففة من الثقيلة، وفُصل بينها وبين الفعل
_________________
(١) = المصفى (ص ٢٨٩).
(٢) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٣٩)، أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٤١٧ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧٠٧).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٧١)، عُقود الزبرجَد للسيوطي (١/ ٢٤٠)، مُغني اللبيب (ص ١٧٣ وما بعدها).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٤٤٥ ]
بـ"قد"، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣] (١)، ولو كانت بصرية لقال: "رأى استواءنا"؛ لأنَّ العِلم والعَقل مُدرَكان لا بحاسة البصر.
ويجُوز أنْ تكُون الرّؤية بَصرية (٢)، و"أن" مصدَرية، ولا أثر للفاصل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] برفع الفاعل، على أنّ "أن" المخفّفة من الثقيلة، و"لا" الفاصلة، وقرأ أبو حيوة: "ألّا يَرْجِعَ" (٣) بنصب الفعل على أنَّ "أن" المصدرية الناصبة، ولا أثر للفاصل. (٤)
قال [النيلي] (٥) ﵀: الأفعالُ الداخلة على "أن" المخففة من الثقيلة أفعال القلوب، فمنها يقينٌ محض، كـ"علمتُ"، ومنها شكّ محض، كـ"ظننتُ"، ومنها مُترقّب، كـ"رجوتُ" و"أردتُ"، فهي مع الأوّل مخفّفة من الثقيلة؛ لملابسة معناها، ومع الثّالث ناصبة للفعل، ومع الثاني إن مال الترجيح للأوّل - وهو جانب اليقين -
_________________
(١) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٥٩، ٤٩٨)، الجنى الداني (ص ٢١٨)، توضيح المقاصد (١/ ٥٤٠)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٢٥).
(٢) انظر في كون الرؤية بصرية أو علمية: إرشاد الساري (٩/ ٧٤، ٤٤٦)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٥٦)، التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (٢/ ٤٨٠).
(٣) وقرأ بهذه القراءة أيضًا: مجاهد، والشافعي، وأبان، والزَّعفَرانيّ، وابن صبيح. والجمهور على الرفع. انظر: الدر المصون (٨/ ٩٠، ٩١)، البحر المديد في التفسير (٣/ ٤١٣)، الكامل في القراءات العشر والأربعين الزائدة عليها للهذلي اليشكري (ص ٥٩٩)، الحجة في القراءات السبع لابن خالويه (ص ١٣٤)، شرح التسهيل (٤/ ١٢).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٢٠)، الجمل في النحو (ص ٢٢٧)، شرح الكافية (٣/ ١٥٢٥)، الهمع (٢/ ٣٦٠)، شرح المفصل (٤/ ٥٥٥).
(٥) هو: إبراهيم بن الحسين بن عبيد الله الطَّائِي، تقيّ الدّين النيلي، شَارِح الكافية، مخطوط بالسعودية وبدار الكتب المصرية، وقد طبعت. وله أيضًا: الصفوة الصفية في شرح الدرة الألفية لابن معطي، طبع في (٤) مجلدات. توفي بالقرن السابع الهجري تقريبًا. راجع: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي (١/ ٤١٠).
[ ١ / ٤٤٦ ]
جاز الأمران، وإلّا فهي كالثالث. (١)
قال ابنُ هشام، في المخفَّفة من الثقيلة: يجب كون اسمها مضمرًا محذوفًا، ويجب كون خبرها جملة، فإن كانت اسمية أو فعلية وفعلها جامد أو دُعاء لم تحتج إلى فاصل، نحو: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور: ٩].
ويجب الفصل في غيرهن بـ"قد"، نحو: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٣]، أو تنفيس، نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، أو بنفي، بـ"لا"، أو "لن"، أو "لم"، نحو: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧]، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٥]، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد: ٧]، و"لو"، نحو: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠]. ويندر ترك الفاصِل. انتهى. (٢) وسيأتي تمامه في الحديث الأوّل من "الزكاة".
قوله: "ثم خَرَج يومًا": "ثم" لترتيب الأخبار (٣)، و"يومًا" تقدّم في الحديث الثالث من "باب الاستطابة".
قوله: "فقام": "الفاء" للعطف من غير تسبيب، كهي في قوله تعالى:
_________________
(١) انظر: الأصول لابن السراج (٢/ ٢٠٩)، المقتضب (٣/ ٧ وما بعدها).
(٢) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (١/ ٣٥٦ وما بعدها)، شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٥١٢ وما بعدها)، شرح الأشموني على الألفية (١/ ٣٢٤)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٥٠٨)، شرح التصريح على التوضيح (١/ ٣٣١)، الجنى الداني (ص ٢١٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٢٥ وما بعدها).
(٣) انظر: مغني اللبيب لابن هشام (ص ١٦٠، ٧١٣)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٩٩٨)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٥٧٨)، شرح القطر لابن هشام (ص ٣٠٣)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦٥).
[ ١ / ٤٤٧ ]
﴿فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢] (١)، وقد تقدَّم الكلامُ عليها في السادس من "باب الاستطابة".
قوله: "حتى إذا كاد أن يُكَبّر": ["حتى"] (٢) حَرْفُ ابتداء (٣)، وتقدّم القولُ عليها في ثاني حديث من الأوّل.
و"كاد" تقدّم الكَلام عليها في العاشر من "كتاب الصّلاة"، وهي هُنا على بابها، واسمها يحتمل أن يكون "ضمير النبي - ﷺ -"، و"أن يُكبر" خبرها.
ويحتمل أن تكون تامة، و"أن" وصلتها فاعلها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]. وجاء ضميرها مُقترنًا بـ"أن" حملًا على "عسى". (٤)
وجاء في رواية: "حتى إذا كاد" (٥)، وفي أخرى: "حتى كاد أن يُكبر" (٦). وقد
_________________
(١) انظر: شرح القطر لابن هشام (ص ٣٠٣)، شرح ابن عقيل (٣/ ٢٢٧)، نتائج الفكر للسهيلي (ص ١٩٦).
(٢) بالنسخ: "إذا". والصّواب المثبت. وقد تقدّم بالحديث الثّاني من أوّل "كتاب الطهارة" أن "حتى" تكون للابتداء مع الماضي، والمضارع المرفوع، ومع الجملة الاسمية، وإذا.
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٧١)، عُقود الزبرجَد (١/ ٢٤٠)، توضيح المقاصد (١/ ١٣١)، مُغني اللبيب (ص ١٢٨ وما بعدها، ١٧٣ وما بعدها)، الجنى الداني (٣٦٧ وما بعدها)، الهمع (٢/ ١٧٩).
(٤) راجع: عقود الزبرجد (١/ ٢٦٩)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٢٠).
(٥) انظر: العمدة (ص ٦٧).
(٦) كذا ورد في نُسخة "العُمدة"، المطبوعة بمكتبة المعارف بالرياض، (ص ٥٥)، وكذا في الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥١٧ وما بعدها). وقد رواه مُسلم، برقم (٤٣٦/ ١٢٨)، بلفظ: "حتى كَاد يُكبر".
[ ١ / ٤٤٨ ]
قيل بزيادة "إذا" [مع] (١) "حتى" حيث وَقَعَت (٢).
فإنْ قيل بذلك هُنا: اتفق الحديثان، وإلّا فـ"حتّى" حَرْف ابتداء معها ومع الفِعْل الماضي (٣)، وتبقى "إذا" على أصْلها من الظرفية (٤)، وجوابها محذوفٌ، أي: "أمسَك عن التسوية".
قوله: "فرأى رجلا باديًا صَدْره": هذه الرؤية بَصَرية، و"رَجُلًا" مفعولٌ به، و"باديًا": نعتٌ له، و"صَدْره" فاعل بـ"باد"؛ لأنه اسم فاعل من "بدا، يبدو"، ووقع مُعتمدًا على الصّفة (٥)، واسم الفاعل واسم المفعول متى اعتمدا على نفي أو استفهام أو بأن يكونا صفة لموصُوف أو خبرًا لذي خبر أو حالًا لذي حال أو صلة لموصول؛ عملا عمل فعلهما (٦).
ولو رُوي "باد صَدره" جاز في "صدره" الابتداء، وخبره "باد". وجاز في
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وسقط في (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٤٧١)، عُقود الزبرجَد (١/ ٢٤٠)، مُغني اللبيب (ص ١٧٣ وما بعدها).
(٣) انظر: البحر الحيط (٤/ ٤٧١)، عُقود الزبرجَد للسيوطي (١/ ٢٤٠)، مُغني اللبيب لابن هشام (ص ١٧٣ وما بعدها).
(٤) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٢٤٠، ٢٤١)، (٣/ ٢١٢)، الجنى الداني (ص ١٨٩، ٣٧١، ٣٧٣)، توضيح المقاصد (١/ ١٣١)، مغني اللبيب (ص ١٢٩).
(٥) ذهب الكوفيون إلى أن الظرف يرفع الاسم إذا تقدّم عليه، ويسمُّون الظرف المحلّ، ومنهم من يُسميه الصفة، وذلك نحو قولك: "أمامك زيد، وفي الدار عمرو"، وإليه ذهب أبو الحسن الأَخْفَش في أحَدِ قَوليه وأبُو العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد من البصريين. وذهب البصريون إلى أن الظرف لا يرفع الاسم إذا تقدم عليه، وإنما يرتفع بالابتداء. انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٤٤).
(٦) انظر: شرح المفصل (١/ ٢٤٣)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٤٤، ٤٧)، موصل الطلاب (ص ٨٢، ٨٣)، دليل الطالبين (ص ٨١، ٨٢).
[ ١ / ٤٤٩ ]
"صَدره" أن يكون فاعلًا سَدّ مَسد الخبر، وهذا مذهبُ سيبويه. (١)
وليس هو مثل قوله "خبيرٌ بنو لهب"؛ لأنّ "خبيرًا" لم يعتمد، ومع ذلك أوجبوا أن يكون مُبتدأ؛ لأنه لو جعل خبرًا مُقدّمًا لم يُطابق "بنو لهب"، لأنَّ "بنو لهب" جمعٌ، و"خبيرٌ" مُفرد؛ فوجب أن يكون "خبيرٌ" مبتدأ، و"بنو لهب" فاعل ساد مَسدّ الخبر، واستغنى بما في "خبير" من معنى الفعل عن وجُود ما يفوته من نفي أو استفهام. (٢)
وعجُز البيت:
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ، فَلا تَكُ مُلْغِيًا مَقالةَ لِهْبيٍّ إِذا الطيْرُ مَرَّتِ (٣)
[قوله] (٤): "فقال: عباد الله": معطوفٌ على "رأى"، و"عباد الله": مُنادى مُضاف، حُذف حرفُ النداء منه، وحَذفُ حرف النداء جائز إلا مع اسم الجنس والإشارة واسم الله والمستغاث والمندوب (٥).
_________________
(١) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ٤٥٧)، توضيح المقاصد (١/ ٤٧٣)، شرح ابن عقيل (١/ ١٩٤)، شرح المفصل (١/ ٢٤٣)، (٤/ ٧٧، ١٠٣)، النحو المصفى (ص ٢٠٧).
(٢) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ١٩٤، ١٩٥)، شرح الأشموني (١/ ١٨١)، شرح التصريح (١/ ١٩٤)، شرح التسهيل (١/ ٢٧٣)، (٢/ ١٧)، أوضح المسالك (١/ ١٩٠ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (١/ ٣٣٢، ٣٣٣)، شرح قطر الندى (ص ٢٧٠ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٧٠)، النحو المصفى (ص ٢٠٧).
(٣) البيتُ من الطويل، وهو لرجل من الطائيين. انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٣٣٣)، المعجم المفصل (١/ ٥٤٣).
(٤) بالنسخ: "فقال"، كتبت بالأصل بمداد أحمر كعادة الناسخ في "قوله".
(٥) انظر: اللمحة (٢/ ٦٢٥ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٢/ ١٠٥٦)، أوضح المسالك (٤/ ٧ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٨٤٠)، شرح ابن عقيل (٣/ ٢٥٦)، شرح الأشموني (٣/ ٣٠)، شرح التصريح (٢/ ٢٠٧)، الجزولية (١٨٨)، اللمع لابن جني (ص ١٠٨)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٤٠)، جامع الدروس (٣/ ١٥٦).
[ ١ / ٤٥٠ ]
قوله: "لتسَوّنّ صُفوفكم": قد تقدّم الكلامُ على "لام" القسَم، و"النون" المؤكّدة قريبًا في أوّل الحديث.
الحديث الثالث:
[٧٢]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا فَلأُصَلِّيَ مَعَكُمْ؟ " قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِماءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْن، ثُمَّ انْصَرَفَ - ﷺ - (١).
وَلِمُسْلِمٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّه، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِه، وَأَقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنَا" (٢).
قال صاحبُ "العُمدة": "اليتيمُ هو: ضُميرة، جَدّ حُسين بن عبد الله بن ضُميرة".
قلتُ: الرّاوي عن "أنس" هو: "إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك"، ولذلك اختلف في ضمير "جدّته"، فقيل: هي "جدّة أنس"؛ فيعُود على مذكُور. وقيل: على "إسحاق"؛ فيعُود على غير مذكُور، ويقوم منه اعتراضٌ على صاحب "العُمدة". (٣)
_________________
(١) رواه البخاري (٣٨٠) في الصلاة، ومسلم (٦٥٨) في المساجد.
(٢) رواه مسلم (٦٦٠) (٢٦٩) في المساجد.
(٣) رجّح النووي وابن عبد البر وعياض وغيرهم أنها جَدّة إسحاق. ورجّح غيرهم أنها جَدّة أنس، أمّ أمه. قال ابن دقيق العيد: "فعلى هذا: لا يحتاج إلى ذكر إسحاق. وعلى كل حال: فالأحسن إثباته"، وهو الظاهرُ من كلام صاحب "العُمدة" كما قال ابن حجر. انظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٥٨، ٤٨٩)، عُمدة القاري للعيني (٤/ ١١٠)، شرح النووي على مسلم (٥/ ١٦٢)، إحكام الأحكام (١/ ٢٢٠)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٢٥ وما بعدها)، نيل الأوطار للشوكاني (٣/ ٢١٨).
[ ١ / ٤٥١ ]
قلتُ: و"مُليكة" بضَم "الميم" وفتح "اللام"، وقيل: بفتح "الميم" وكسر "اللام". (١)
قوله: "أنّ جَدّته": فُتحت "أنّ" لأنها في محلّ معمول متعلق حرف الجر، و"مليكة" بدَل من "جدّته" أو عطف بيان.
وجملة "دَعَت" في محل خبر "أنّ". و"لطَعَام": يتعلّق بـ "دَعَت"، وجملة "صنعته" في محلّ صفة "لطَعَام". وهُنا محذوفٌ، أي: "فأجَابها إليه، فأكَل"، فجُملة "أكَل" معطُوفة على المحذوف.
و"منه": يتعلّق بـ "أكَل". و"مِن" للتبعيض (٢).
قوله: "ثُمّ قَالَ": فَاعِله ضَمير "النبي - ﷺ - ". وجملة "قُومُوا": معْمُولة للقول.
وتقَدّم أنَّ عَلامَة البناء فيه حَذْفُ "النون"، وقيل: السّكون المتعذّر لأجْل الضّمير (٣).
وتقدّم أنّ جُملة "ﷺ"، و"﵁" مُعترضتان، لا محلّ لهما من الإعراب.
قوله: "فلأصلي": "اللام" يحتمل أن تكُون لام "كي"، ويحتمل أن تكون "لام" الأمر. (٤)
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٢٠)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٢٥).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٣٠٩)، حروف المعاني والصفات (ص ٥٠)، اللمحة (١/ ٦٤)، المقدمة الجزولية (ص ١٢٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، أوضح المسالك (٣/ ١٨)، مغني اللبيب (ص ٤٢٠)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
(٣) انظر: اللمحة (١/ ١٣٥)، شرح القطر (ص ٢٦)، جامع الدروس العربية (١/ ٣٠)، النحو الواضح (١/ ١١١)، (٢/ ١٧٨).
(٤) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٣٠، ٥٣١)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (٢/ ٥٢٨).
[ ١ / ٤٥٢ ]
قال جمالُ الدين بن مالك: يحتمل الوَجْهين، فإن كانت "لام" الأمر كان مجزومًا، وزيدت "الياء"، كما زيدت في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ (١) في قراءَةِ "قنبل" (٢)، ووَجْهها: أنّه أجْرَى المعتَلّ مجرَى الصّحيح.
وإن كانت لام "كي": فتسكينُ ["الياء" تخفيفٌ] (٣)، وهي لُغَة مشْهُورة، ومنه قراءة الحسَن: "وذَرُوا مَا بَقيْ مِن الرِّبَا" (٤)، وقراءة الأعمش: "فنَسيْ وَلم نَجِدْ لَهُ عَزْما" (٥). (٦)
قال بعضُهم: "اللامُ" مفتوحة، وهي جَوابُ قَسَم. وذلك بعيدٌ؛ لأنّها لو كَانت للقَسَم لكان "لأُصلينّ لكُم" بـ "النون". (٧)
قلتُ: لا يلزمُ هذا؛ فقد قَال بعضهم في قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]: إنّ "اللام" جَوابُ قسَم، وليس هو مُؤكدًا بـ "النون". (٨)
قوله: "قَالَ أنس": جُملة مُستأنفة لا محلّ لها، وتقدّم الكَلامُ على الجمَل التي لا
_________________
(١) سورة [يوسف: الآية ٩٥].
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٦٢٦)، شرح طيبة النشر في القراءات العشر، للنويري، ط دار الكتب العلمية، (٢/ ٣٩٨).
(٣) بالنسخ: "الثاني تحقيقًا". والصواب المثبت، كما في المصادر. وفي شواهد التوضيح (ص ٢٤٤): "وسُكنت الياء تخفيفًا".
(٤) سورة [البقرة: ٢٧٨]. وانظر: المحتسب، لابن جني، ط وزارة الأوقاف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، (١/ ١٤١).
(٥) سورة [طه: ١١٥]. وانظر: المحتسب (١/ ١١٩)، (٢/ ٥٩).
(٦) انظر: شواهد التوضيح (٢١٦، ٢٤٣، ٢٤٤)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٣١)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٢٨)، عقود الزبرجد (١/ ١٢٣، ١٢٤).
(٧) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٣١)، عقود الزبرجد (١/ ١٢٤)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٢٨).
(٨) انظر: مُغني اللبيب (٢٧٨، ٧٥٦)، الهمع (٢/ ٤٨٤).
[ ١ / ٤٥٣ ]
محلّ لها في الحديث الرّابع مِن "الأذَان".
قوله: "فقمتُ إلى حَصير لنا": مَعْطوفٌ على قوله: "قوموا"، وحَرفُ الجر يتعلّق بصفة لـ "حَصير". وبين قوله: "حَصير لنا" و: "حَصيرنا" فَرقٌ يُدْرَك بالبديهة.
قال الشّيخُ أبو حيّان، في قوله تعالى، حكاية عن يوسف ﵇: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٥٩]: نَكّرَه ليُريهم أنّه لا يَعرفهم. وفُرّق بين "غُلام لك" و"غُلامك"؛ ففي الأوّل أنتَ جَاهَلٌ به، وفي الثّاني عَالم به؛ لأنّ التعريفَ به يُفيد نوع عَهْد في "الغُلام" بينك وبين المخاطَب. (١)
قوله: "قد اسْوَدّ": في محلّ صفة أخْرى، أو في محلّ الحال من ضَمير مُتعلّق المجرّد. وقوله: "مِن طُول": يتعلّق بـ "اسْوَدّ". و"ما" هنا مَصْدَريّة، أي: "من طُول لبسه".
قوله: "فنضحتُ": بفتح "الضَّاد"، ومُضَارعه في المعروف: "ينضح" بكسر "الضّاد". (٢)
قوله: "بماء": "الباء" للاستعانة (٣)، تقَدّم الكَلامُ على "الباء" وأقسامها في الرّابع من "باب الاستطابة".
قوله: "فقام عليه رسولُ الله - ﷺ -: معطوفٌ على "فنضحته".
قوله: "وصَففتُ أنا واليتيم وراءه": أكّد الضميرَ المرفوع بـ "أنا" ليصحّ العطفُ
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٣).
(٢) انظر: لسان العرب (٢/ ٦١٨)، تاج العروس (٧/ ١٨٠).
(٣) انظر: أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، الهمع للسيوطي (٢/ ٤١٧ وما بعدها).
[ ١ / ٤٥٤ ]
عليه. ويجوزُ نصب "اليتيم" على أنه مفعُولٌ معه، أي: "مع اليتيم". (١)
و"اليتيم": على وزْن "فَعيل"، جمعه "أيتام" و"يتامى". وقد "يتم"، "يأتم"، "يتمًا" فيهما. (٢)
وجاء "فعيل" هنا في الصفات من غير مُبالغة، وكذلك "عَجُوز"، وذلك خِلاف القياس، ومثله "حَصُور" للناقة الضَيّقة الإحليل. (٣)
وانظر ما الفرق بين "وراء" الأولى والثانية؟ إذ دخلت "مِن" في "وراء" الثانية دون الأولى؛ فيحتمل أنّ في "مِن" معنى المجاوَزَة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] (٤)، وذلك أنّ أنسًا لما صَفّ مع اليتيم وَرَاء النبي - ﷺ - جَاوَزَت المرأة مَقَامهما إلى مَقامها؛ فناسَب مَعْنى "مِن" معها.
ويحتمل أنّ "مِن" جَاءت مُخلّصَة لمعنى "خَلْف"؛ لأنّ "وَرَاء" يُستعمَل بمعنى "أمَام"، كما قيل في قَوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، قيل: هو بمعنى: "أمامهم" (٥). فـ "مِن" خَلّصتها لحقيقة معناها؛ إذ لو جاء: "والعجُوز وراءنا"
_________________
(١) راجع: البحر المحيط (٤/ ٦٨١)، عقود الزبرجد (١/ ١٢٤)، (٣/ ١٧٩)، الكافية في علم النحو (ص ٣٠)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٣٨٨ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٣١)، علل النحو (٢٤٢، ٣٢٠)، أوضح المسالك (٣/ ٣٥٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ٧٥).
(٢) انظر: العين (٨/ ١٤٠)، الصّحاح للجوهري (٥/ ٢٠٦٤)، المصباح (٢/ ٦٧٩)، لسان العرب (١٢/ ٦٤٥).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٣٥)، الصحاح للجوهري (٢/ ٦٣١)، تاج العروس (١١/ ٣٢).
(٤) أي: "من دار أهلك". وانظر: شرح المفصل (٤/ ٤٥٩).
(٥) انظر: البحر المحيط (٧/ ٢١٣)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١٦)، (٤/ ٤٧٤)، الصحاح (٦/ ٢٥٢٣)، المصباح المنير للفيومي (٢/ ٦٥٦)، لسان العرب (١/ ١٩٣)، تاج العروس (١/ ٤٨٦).
[ ١ / ٤٥٥ ]
لاحتمل معنى "أمامنا"، ولا يخرج عنه إلا بدَليل مِن خَارج؛ ولهذا قال - ﷺ - في الحديث بعد هذا: "فَإنّ مِن وَرَائِهِ الكَبِير وَالصَّغِير وَذَا الحاجَة" (١)؛ فأتى بـ "مِن" لهذا المعنى.
ويحتمل أن تكون "مِن" للتبعيض (٢)، تفيد معنى البَعْضيّة في المكان، بخلاف الكَلام إذا خَلا منها.
ولعَلّ غير ذلك من المعاني. والله أعلم.
وفي التاسع من "الجنائز" كَلامٌ مُستوفى في معاني هذا الظّرف.
وهو مُؤَنّثٌ، بدَليل قولهم في التصغير: "وُرَئِّيةٌ"، بـ "هاء" التأنيث، وكذلك "قُدام". وليس في الظّروف مُؤنّث غيرهما. (٣)
قوله: "فصلّى لنا رَكْعتين": تقدّم القَولُ على تعدّي "صلّى" في الحديث الخامس من "فضل الجماعة".
و"اللام" في قوله: "لنا" لام التعليل، أي: "لأجلنا"، كقوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣] (٤)، أي: "لأجل تعليمنا الصّلاة".
قوله: "ولمسْلِم": يتعلّق بفِعْل محذُوف، أي: "ورُوي لمسْلم عن أنس"، و"أنَّ
_________________
(١) متفقٌ عليه: رواه البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٦/ ١٨٢).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٣٠٩)، حروف المعاني والصفات (ص ٥٠)، اللمحة (١/ ٦٤)، المقدمة الجزولية (ص ١٢٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، أوضح المسالك (٣/ ١٨)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٤٢٠)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
(٣) انظر الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١٦)، (٤/ ٤٧٤، ٤٧٥)، المصباح المنير للفيومي (٢/ ٦٥٦).
(٤) وتحتمل الآية أن تكون: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥].
[ ١ / ٤٥٦ ]
رسُول الله" القَائم مقَام الفَاعِل.
وجملة "صَلّى به وبأُمّه" في محلّ خَبر "أنَّ".
وأعاد حَرْف الجر في قوله "بأمه"؛ لأنّه لا يُعْطَفُ على الضمير المجرور إلا بإعَادة الخافض، والعلّة في ذلك: شِدّة اتصال الضمير المجرور بالجار حتى صَار كالكَلمة الواحِدة؛ فلم يجُز العَطفُ من غير إعادة الخافض؛ لأنه يشبه العطف على بعض الكلمة. (١)
وجوَّز ذلك كثير من النحويين والكوفيين. (٢)
وجَعَلوا من ذلك: قوله تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرْحَامِ" (٣)
بالجر، وهي قراءة "حمزة". (٤) ومنه قوله:
_________________
(١) انظر: شواهد التوضيح (١٠٧، ٢٣٩)، عقود الزبرجد (٢/ ١٨١)، أوضح المسالك (٣/ ٣٥٢ وما بعدها)، الجزولية (٧٢)، الكافية لابن الحاجب (ص ٣٠)، توضيح المقاصد (٢/ ٦٦٦، ١٠٢٧) مغني اللبيب لابن هشام (٧٥٣)، شرح التصريح (١/ ٥٣٣)، جامع الدروس (٣/ ٧٦، ٢٥٠).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (١٠٧ وما بعدها، ٢٣٩)، عقود الزبرجد (٢/ ١٨١)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٧٩ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ٣٥٣)، الاقتراح في أصول النحو وجدله، للسيوطي، ط البيروتي، (ص ١٥٦)، اللمع في العربية (ص ٩٧)، شرح المفصل (٢/ ٢٨٢)، دليل الطالبين (ص ٥١)، جامع الدروس العربية (٣/ ٧٦، ٢٥٠)، الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين (ص ٤٧٩ وما بعدها).
(٣) سورة [النساء: ١].
(٤) وقرأ بها أيضًا ابن عباس والحسَن ومجاهد وقتادة والنخعي والأعمش ويحيى بن وثاب، وأبي رزين. وانظر: البحر المحيط (٣/ ٤٩٧)، الحجة في القراءات السبع لابن خالويه (ص ١١٨)، التيسير في القراءات السبع للداني (ص ٩٣)، الحجة للقراء السبعة للفارسي (٣/ ١٢١)، الكنز في القراءات العشر للواسطي (١/ ٨١)، شواهد=
[ ١ / ٤٥٧ ]
فَمَا بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَبِ (١)
قوله: "فأقامني عن يمينه": أي: "قال أنس: فأقامني" بالعطف على "صلى به وبأمه"، وفيه التفاتٌ؛ لأنّه لم يقُل: " [فأقامه] (٢) عن يمينه، وأقام المرأة خلفهم"؛ ففيه الخروج من الغيبة إلى التكلّم.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. وهو أسلوبٌ في علم البيان يُسمّى "الالتفات". (٣)
وقد يكون من الغيبة للخطاب، نحو قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، [ثُم] (٤) قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]. (٥)
_________________
(١) = التوضيح (١٠٨، ١٠٩)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٩٣ وما بعدها)، (٣/ ١٢٤٩)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ١٠٢٦)، شرح ابن عقيل (٣/ ٢٤٠)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٣٧٦)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٧٩، ٣٨٢)، أوضح المسالك (٣/ ٣٥٣)، الكامل للمبرد (٣/ ٣٠)، خزانة الأدب (٥/ ١٢٤)، جامع الدروس العربية (٣/ ٧٦).
(٢) البيتُ من البسيط، وهو بلا نسبة. والبيت هو: فاليوم قرَّبْتَ تَهْجُونا وتَشْتِمُنَا فاذْهَبْ فما بك والأيَّامِ من عَجَبِ والتقدير: "فما بك وبالأيام". انظر: الكتاب (٢/ ٣٨٣)، اللمع (ص ٩٧)، خزانة الأدب (٥/ ١٢٣)، شرح أبيات سيبويه (٢/ ١٩١)، المعجم المفصل (١/ ٣٩١).
(٣) بالنسخ: "فأمّه". ولعل الصواب المثبت.
(٤) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ١٣ وما بعدها)، الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني (٢/ ٨٥ وما بعدها)، بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة (١/ ١٣٧ وما بعدها)، كشاف اصطلاحات الفنون (١/ ٢٥١ وما بعدها)، الموسوعة القرآنية للإبياري (٣/ ٣٦ وما بعدها).
(٥) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٦) انظر في الالتفات وصوره وأمثلته: البحر المحيط (١/ ٤٢)، حاشية السيوطي على=
[ ١ / ٤٥٨ ]
وعكسه، من الخطاب إلى الغيبة: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]. (١)
ومما جاء في الخطاب قول النابغة:
يَا دار مَيّة بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الْأَبَدِ (٢)
و"عن": معناها "المجاوزة". (٣) ويحتمل هنا أن تكون بمعنى "من"، أي: "من جهة يمينه"، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، أي: "من عباده" (٤).
ولولا بُعْد التأويل لصح أن تكُون هنا بمعنى الباء، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، أي: "بالهوى"، ومنه: "رميتُ عن القوس"، أي: "بالقوس". (٥) قال امرؤ القيس:
_________________
(١) = تفسير البيضاوي (١/ ٢١٦)، الإيضاح في علوم البلاغة (٢/ ٨٩)، الأضداد لابن الأنباري (ص ١٣٤)، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات لابن الأنباري (ص ٣٠٠).
(٢) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ١٤)، الإيضاح في علوم البلاغة (٢/ ٨٨)، الأضداد (ص ١٣٤)، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات (ص ٣٠٠)، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير الكاتب، ط المكتبة العصرية، (٢/ ١٠ وما بعدها).
(٣) البيت من البسيط، وهو مطلع قصيدة للنابغة الذبياني مدح بها النعمان بن المنذر واعتذر إليه مما بلغه عنه. انظر: البحر المحيط (١/ ٤٣)، خزانة الأدب (٤/ ١٢٥)، (١١/ ٥٣)، شرح القصائِد العشر (ص ٣٠٨)، المعجم المفصل (٢/ ٣٥٨).
(٤) انظر: الكتاب لسيبويه (٤/ ٢٢٦)، الجنى الداني (٢٤٥)، أوضح المسالك (٣/ ٤٠)، مغني اللبيب (١٩٦)، شرح التصريح (١/ ٦٥٢).
(٥) انظر: مغني اللبيب (١٩٨)، شرح التصريح (١/ ٦٥٢، ٦٥٣)، شرح الأشموني (٢/ ٩٦)، الهمع (٢/ ٤٤٤)، اللمحة (١/ ٢٣٣).
(٦) انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ٣٥٢)، عقود الزبرجد (٣/ ١١٤)، الكتاب=
[ ١ / ٤٥٩ ]
تَصُدُّ، وَتُبْدِي عَنْ أَسِيْلٍ، وَتَتَّقِي بِنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ (١)
وعلى هذا يكُون المعنى: "أقامني يمينه": "في جهة يمينه". وليس في اللفظ ما يدلّ عليه.
[وتجيء] (٢) "عن" بمعنى "على"، كقوله:
لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لَا أفْضَلْتَ في حَسَبٍ عَنِّي وَلَا أنْتَ دَيَّانِي فتَخْزُوني (٣)
أي: "فتسوسُني، وتقهرني".
ويصلُح معناها هنا في الحديث، أي: "فأقامني عن يمينه".
وتجيء "عن" للبدَل، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨، ١٢٣]. (٤)
_________________
(١) = (٤/ ٢٢٦، ٢٢٧)، اللمحة (١/ ٢٣٣)، الجنى الداني (ص ٢٤٦)، مغني اللبيب (١٩٨)، شرح التصريح (١/ ٦٥٣)، أدب الكاتب (٥٠٩)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١٦٠)، حروف المعاني والصفات (٧٤).
(٢) البيتُ من الطويل، وهو لامرئ القيس. انظر: ديوان امرِئ القيس (٤٢)، الجنى الداني للمرادي (٢٤٩)، اللمحة (١/ ٢٣٣)، حروف المعاني والصفات (٧٤)، شرح الأشموني على الألفية (٢/ ٩٦)، أدب الكاتب (٥٠٩)، خزانة الأدب (١٠/ ١٢٥ وما بعدها)، المعجم المفصل (٦/ ٥٣١).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) البيت من البسيط. وهو لحرثان ذي الإصبع العدواني، شاعر جاهلي. والمعنى: "لم تفضل في الحسب عليّ". انظر: الحماسة البصرية (١/ ٦٦)، أدب الكاتب (٥١٢، ٥١٣)، إصلاح المنطق لابن السكيت (٢٦٣)، خزانة الأدب (٧/ ١٧٣)، شرح الكافية (٢/ ٨٠٩، ٨١٠)، المعجم المفصل (٨/ ٢٣٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٦).
(٥) انظر: الجنى الداني للمرادي (ص ٢٤٥)، شرح الأشموني (٢/ ٩٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٧).
[ ١ / ٤٦٠ ]
وتكُون للتعليل، نحو قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ [التوبة: ١١٤]. (١)
ومُرادفة ["بعد"] (٢)، نحو قوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]. (٢)
وتجيء حَرفًا مَصْدريًّا بمعنى "أنْ"، كقول بني تميم: "أعجبني عن تفعل". (٤)
وتكون اسمًا (٥)، كقوله:
. . . . . . . . . . . . . منْ عنْ يَمينِ الحُبيَّا نَظْرَةٌ قَبَلُ (٦)
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ٢٤٧)، شرح الأشموني (٢/ ٩٥)، مغني اللبيب (ص ١٩٧)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٧).
(٢) سقط بالنسخ. والمثبت من: "مغني اللبيب" (ص ١٩٧).
(٣) انظر: الجنى الداني (ص ٢٤٧)، مغني اللبيب (ص ١٩٧)، شرح التسهيل (٣/ ١٦٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٦).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٢٤٩، ٢٥٠)، مغني اللبيب (ص ١٩٨، ١٩٩)، تاج العروس (٣٥/ ٤٢٥)، الكليات للكفوي (ص ٦٣٥).
(٥) هو مذهب البصريين. وأما الكوفيون فيزعمون أن حرف الجر إذا دخل على "عن" و"على" والكاف، لم تكن أسماء، بل سادّة مسد الاسم ونائبه عنه. واحتجوا على ذلك بأن قالوا: لو كانت أسماء، كما يقوله البصريون، لقيل: "عنك مرغوب فيه"، تعني به: "ناحيتك مرغوب فيها". انظر: ضرائر الشعر (ص ٣٠٧).
(٦) عجُز بيت من البسيط، وهو للقُطاميّ. والشاهد فيه: استعماله "عن" اسمًا، بدليل دخول "من" عليها، فتكون بمعنى النَّاحية أو جانب، ويكون ما بعدها مجرورًا بالإضافة. وصدر البيتُ هو: "فقلتُ للرَّكبِ لمَّا أنْ علا بهمُ". وانظر في تخريج البيت وتوثيق المسألة: إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٣٢٦)، أسرار العربية (ص ١٩٠)، أدب الكاتب (٥٠٤)، ضرائر الشعر (ص ٣٠٦، ٣٠٧)، مفتاح العلوم للسكاكي (٩٩)، الكتاب (٤/ ٢٢٨)، شرح الكافية (٢/ ٨١٠)، الأصول في النحو (١/ ٤٣٧)، علل النحو (ص ٢٠٦)، المفصل (ص ٣٨٥)، شرح المفصل (٤/ ٥٠٠، ٥٠١)، =
[ ١ / ٤٦١ ]
وتختصُّ بجرّها "من". (١)
قوله: "وأقام المرأة خلفنا": أي: "في مكان خلفنا".
و"خلف": من ظُروف المكان المبهَمَة، وهي الجهات الست.
إذا ثبت ذلك: فـ "مالك" - ﵁ - أدْخَل هذا الحديثَ في "سُبحة (٢)
_________________
(١) = اللمحة (١/ ٢٣٥)، خزانة الأدب (٦/ ٤٨٢)، (١٠/ ١٥٨ وما بعدها)، المعجم المفصل (٦/ ١٨٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٧).
(٢) ذكر ابن هشام في "مغني اللبيب" أنَّ دخول "من" على "عن" كثير، وأنه تدخل عليها "على"، لكنه نادر، والمحفوظُ منه بيتٌ واحد: على عن يَمينِي مَرَّتِ الطَّيْرُ سُنَّحًا وكيف سُنوحٌ وَالْيَمِين قطيع انظر: مُغني اللبيب (ص ١٩٩)، خزانة الأدب (١٠/ ١٥٩). وقال المرادي: "عن": لفظ مُشترك؛ تكون اسمًا وحرفًا، فتكون اسمًا إذا دخل عليها حرف الجر. ولا تُجرّ بغير "من". وهي حينئذ اسم بمعنى: جانب وندر جرها بـ "على" في قول الشاعر: "على عن يَمينِي مَرَّتِ الطَّيْرُ سُنَّحًا ". وذهب الفراء ومن وافقه من الكوفيين، إلى أن "عن" إذا دخل عليها "من" باقية على حرفيتها فهي لابتداء الغاية وقال ابن مالك: إذا دخلت "من" على "عن" فهي زائدة. انظر: الجنى الداني (٢٤٢ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٦٣ وما بعدها).
(٣) التسبيح: صلاة النافلة. وسُميت صلاة الضحى بـ "سُبحة الضحى" لاشتمال الصلاة على التسبيح من تسمية الكل باسم البعض. قال ابن حجر: "التسبيح حقيقة في قول: سبحان الله، فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل، أو لأنّ المصلي مُنزّه لله ﷾ بإخلاص العبادة والتسبيح التنزيه؛ فيكون من باب الملازمة. وأما اختصاص ذلك بالنافلة فهو عُرفٌ شرعي". وقال الزرقاني: "سُبحة الضحى بضم السين، أي نافلته، وأصلها التسبيح، وخُصت النافلة بذلك لأنّ التسبيح الذي في الفريضة نافلة، فقيل لصلاة النافلة: سُبحة؛ لأنها كالتسبيح في الفريضة". انظر: فتح الباري (٢/ ٥٧٥)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٢٧)، تيسير العلام شرح عُمدة الأحكام للبسام (ص ٤٣٦، ٤٣٧).
[ ١ / ٤٦٢ ]
الضّحى" (١)؛ [لأنه] (٢) صلى لهم ضُحى. (٣)
واستدلّ به (٤) على صَلاة النافلة جماعة، وفيه نَظَر؛ لأنه أمَرَهم، فبأمره صارت واجبة عليهم (٥).
الحديث الرّابع:
[٧٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: "بِتُّ عِنْدَ خَالَتي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ؟ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِه، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، [وأقَامَنِي] (٦) عَنْ يَمِينِهِ" (٧).
قوله: " [بات] (٨) ": أصله: "بَيَتَ" (٩)، تحرّكت "الياء" وانفتح ما قبلها؛ فقُلبت
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٥٣) في (بَابُ جَامِعِ سُبْحَةِ الضُّحَى).
(٢) كذا بالنسخ.
(٣) انظر: المنتقى شرح الموطأ (١/ ٢٧٤)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٣٢)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٣٥، ٥٣٦).
(٤) انظر: فتح الباري (١/ ٤٩٠)، عمدة القاري (٤/ ١١١، ١١٢)، (٧/ ١٧٧)، شرح النووي لمسلم (٥/ ١٦٢)، (٦/ ٤١)، شرح سنن أبي داود للعيني (٥/ ٢٧٧)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٢٧٤)، إحكام الأحكام (١/ ٢٢١)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٢٨، ٥٢٩)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٣٢)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٠٣)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب الرعيني (٢/ ٧٣)، شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة (١/ ١٦٢)، الشرح الممتع على زاد المستقنع للعثيمين (٤/ ١٤٢).
(٥) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٣١).
(٦) كذا بالنسخ. وفي مطبوعة العمدة (ص ٦٨): (فأقامني).
(٧) رواه البخاري (٦٣١٦) في الدعوات، ومسلم (٧٦٣) في صلاة المسافرين.
(٨) كذا بالنسخ. ولعل الصواب: " (بتُّ): بات ".
(٩) انظر: المصباح (١/ ٦٧)، لسان العرب (٢/ ١٦)، تاج العروس (٤/ ٤٦٢)، كتاب الأفعال لابن القطاع (١/ ١٠٧). وفي (شمس العلوم) (١/ ٦٨٧): "بَيتَ يَبَاتُ، =
[ ١ / ٤٦٣ ]
ألِفًا، فلما اتّصل بالفِعْل ضَمير المتكلّم سكنت "التاء" الفعلية؛ لاتصال ضَمير المتكلم، فاجتمع المثلان، والأوّل سَاكن؛ فأُدغِما، وسَقَطت "الألف" المنقلبة عن "الياء"؛ لسكونها وسكون ما بَعْدها، ثم قُلبت فتحة "الباء" كَسْرة لتَدلّ على أنّ المحذوفَ بعدها كَان أصْله "ياء".
قوله: "عند": تقَدّم في الحديث الأوّل من "باب السواك". و"عند" تكون ظرف زمان، في نحو قولهم:
عنْدَ الصَّبَاح يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى . . . . . . . . . . . . . (١)
وظرفُ مَكَان، وهو الأصْلُ فيها. (٢)
وهي إحدَى الأنواع التسعة التي لا تُصغّر؛ لأنّهن لا يوصفن، والتصغيرُ وَصْف، ولا تتصرّف؛ [لأنّ] (٣) التصغيرَ تصرّف.
فمنها (٤): "عند"، و"غير"، و"سوى".
الثاني: الاسم المصَغّر؛ لأنَّ ذلك كالكتابة على السواد.
الثالث: ما هو غَني عن التصغير؛ صَوْنًا عن العَبَث، نحو: "ما أكرمه". ومنه: "حَبّذا".
_________________
(١) = بَيْتُوتَة، لغة في: بات يَبِيت".
(٢) البيتُ من الرجز، ونُسب لغير واحد من الرجاز، منهم خالد بن الوليد وعبد الله بن رواحة. وهو مَثلٌ يُضرَب في تقدير المجهود الذي يُؤدّي إلى تحقيق الغاية. انظر: المزهر في علوم اللغة وأنواعها للسيوطي (١/ ١٤٥)، شمس العلوم (٥/ ٣٠٦١)، لسان العرب (١٤/ ٤١٧)، معجم اللغة العربية المعاصرة (٢/ ١٠٦٣).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٥٥٢)، اللمحة (١/ ٢٨٥، ٤٥٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) وهو أوّل الأنواع التسعة التي لا تُصغّر ولا تُوصَف.
[ ١ / ٤٦٤ ]
الرابع: الأسماء العَامِلة، خِلافًا للكسائي في اسم الفَاعِل وفي المصدر.
وفيها ثلاثة مذاهب: جَواز التصغير، ونفيه، والفرق بين اسم الفاعل واسم المفعول والمصْدَر.
الخامس: "بعد"، و"قبل" و"مع".
أما قولهم: "بُعيدات بين" (١) فمَوضُوع على التصغير.
السادس: "قليل"، على أنه وُجد: "قُلَيِّلًا".
السابع: جموع الكَثرة.
الثامن: "أمس".
التاسع: أسْماءُ الشهور، وأسْماءُ الأسبوع. (٢)
قال بعضُهم: "ولا أعْلَمُ عِلّة ذلك".
_________________
(١) يُقال: "لَقيته بُعيدات بَين" إِذا كَان أحدهم يُمسك عن إِتْيان صاحبه الزَّمان ثمَّ يأتيه ثم يُمسك عنه نحو ذلك ثمَّ يأتيه. وانظر: المقتضب (٢/ ٢٧٨)، سر صناعة الإعراب (١/ ٣٢٢)، الهمع (٢/ ١٤٠)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ٤٢٥)، المحكم والمحيط (١/ ٤٥)، المستقصى للزمخشري (٢/ ٢٨٦)، الأزمنة والأمكنة (ص ١٢٢)، لسان العرب لابن منظور (٣/ ٩٣)، المعجم المفصل (٤/ ٨٧).
(٢) انظر في ما لا يصغر: الكتاب (٣/ ٤٧٧ وما بعدها)، المفصل (ص ٢٥٧)، شرح المفصل (٣/ ٤٣٢ وما بعدها)، المقتضب (٢/ ٢٧١ وما بعدها)، (٤/ ٣٥٣)، الأصول في النحو (١/ ١٠٠)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٩١٦)، شرح التسهيل (٣/ ٤٠)، شرح التصريح (٢/ ١٢، ٥٥٩، ٥٦٠)، شرح الشافية للرضي (١/ ٢٩٠ - ٢٩٤)، شرح الشافية للأستراباذي (١/ ٣٦٩)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٤٢٠)، شرح الشذور لابن هشام (ص ١٣٠)، الهمع (١/ ٣٦٣)، (٢/ ١٩٢، ١٩٣)، (٣/ ٣٨٧، ٣٩١)، النحو الوافي (٤/ ٦٨٦ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (١/ ٧٣، ٧٤)، (٢/ ٨٥، ٩٣).
[ ١ / ٤٦٥ ]
قوله: "ميمونة": بَدَلٌ من "خَالتي"، بَدَل كُلّ مِن كُلّ.
قوله: "فقَامَ النبي - ﷺ - ": "الفاءُ" لا سَببية فيها، بل لمجرّد العَطْف. (١) وقوله: "يُصلي": جملة، يحتمل أنْ تكُون في محلّ حَال من ضَمير "قام"، وتكُون حَالًا مُقَدّرة، كقَوله تعالى (٢): ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. و"من الليل": يتعلّق بـ "يُصلّي". ويحتمل أن تكُون "من" بمعنى "في" (٣)، أي: "في الليل".
قوله: " [فقمتُ] (٤»: "الفاء" سَببية عاطفة (٥).
وقوله: "عن يساره": [يحتمل] (٦) أن يتعلّق حَرْف الجر بـ "قمتُ"، ويحتمل أن يتعلّق بحَال، أي: "مُصَلّيًا".
قوله: "وأقامني عن يمينه": تعَدَّى "قَام" بالهمْزة إلى مفعُول به، وهي (٧) أحَد الأمُور المعَدِّية للفِعْل القاصر.
ومنه: "ذهبت [به"، في] (٨) "أذهبته"، قال تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].
_________________
(١) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٤٣)، شرح القطر (ص ٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٣٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٩٣).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٦٠٦)، شرح الأشموني (٢/ ٤٥).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ٤٢٤)، شرح الأشموني (٢/ ٧٢)، أوضح المسالك (٣/ ٢٤)، الهمع (٢/ ٤٦٣)، النحو الوافي (٢/ ٤٦٣)، جامع الدروس (٣/ ١٧٣).
(٤) بالنسخ: "همتُ". والصواب المثبت.
(٥) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٤٣)، شرح القطر (ص ٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٣٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٩٣).
(٦) بالنسخ: "ويحتمل". ولعل الصواب المثبت.
(٧) أي: الهمزة.
(٨) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "تريد".
[ ١ / ٤٦٦ ]
والثاني: تضعيفُ "العَين"، كقولك في "فَرح زيد": "فرّحته"، وفي "نزل المطر": "نزّل الله المطر".
الثالث: "ألِف" المفاعلة، نحو: "مشى زيد"، و"ماشيتُ زيدًا".
الرابع: "السين" و"التاء"، نحو: "حَسُن الشيءُ" و"استحسنته"، و"طعم زيد الخبز" و"استطعمته".
الخامس: تغيرُ حَرَكة "العَين"، ذكَره الكُوفيون، نحو: "شَتِرَت عَينه" و"شَترَها الله" (١)، و" [كَسِي] (٢) زيد عمرًا الثوب".
السادس: التضمين، وذلك في حُروف الجر، كـ: "مَرَرتُ بزيد"، و"نَزَلتُ على عمرو"؛ لأنَّ هذه الحروف توصل معنى الفعل للمفعول.
ومنه (٣) قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: "على سر"، أي: "على نكاح سر".
ومنه قولهم: "مرَرْتُ بزيدٍ وعمرا"، بالنَّصب على المحَلّ (٤).
_________________
(١) "شَتِرت عينه": "انقلب جفنها". و"شتَرها": بالفتح: "قلبها". انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٤٩)، مغني اللبيب (ص ٦٨٣).
(٢) بالنسخ: "كسا". والمثبت هو الموافق للكلام. وانظر: الهمع (٣/ ١٢).
(٣) هذه هي الحالة السابعة للتعدية، وتكون بإسقاط حرف الجر. انظر: مغني اللبيب (ص ٦٨١).
(٤) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٤٩، ٢٧٣)، الكتاب (٤/ ٥٥ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٦٧٨ وما بعدها)، الأصول في النحو (٢/ ٦٥)، شرح المفصل (٤/ ٢٩٩ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٤٤٨ وما بعدها)، حاشية الصبان (٢/ ١٤٠ وما بعدها)، الحجة للقراء السبعة (١/ ١٥٧)، (٢/ ٢٤)، الهمع (٣/ ١١ وما بعدها)، مختصر مغني اللبيب للعثيمين (ص ١٤٨)، الجدول في إعراب القرآن الكريم (١١/ ١٠٦).
[ ١ / ٤٦٧ ]
باب الإمامة
الحديث الأوّل:
[٧٤]: عَنْ أَبِي هُريرَةَ - ﵁ -، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَو يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟ " (١).
تقَدّم الكَلامُ على "الحديث الأوّل"، والتبويب، ومُتعلّق "عَن" الأولى والثّانية.
قوله: "أمَا يخشى الذي يَرفَع رأسَه": "أمَا" المفتوحة المخفَّفَة، حَرفُ استفتاح بمَنزلة "ألَا"، وتكْثُر قَبْل القَسَم، كقوله:
أمَا وَالَّذِي أبْكى وأضْحَكَ، والّذي أمات وأحْيَا، وَالّذِي أمرهُ الأمْر (٢)
وقد تُبدَل همزتها "هَاءً" أو "عَينًا" قبل القَسَم، وكِلاهما مع ثبوت "الألِف" وحذفها، أو تحذف "الألِف" مع ترك الإبدال.
وإذا وَقَعَت "إنّ" بعْد "أمَا" هذه كُسرت، كما تُكسَر بعد "ألَا" الاستفتاحية.
وقد تأتي "أمَا" بمعنى "حَقًّا"؛ فيُفتح بعدها "أنّ"، كما تُفتح بعد "حقًّا"، نحو: "أمَا أنّه قائم"، كقولك: "إنه قائم"، فـ "أنّ" وما بعدها في محل رفع بالابتداء، وما قبلها مُقَدَّر بالظرف، وهو خبرها.
وتأتي "أما" للعَرض والتوبيخ والتهديد، كما هي هُنا في الحديث "أمَا يخشى"، و"ألَا" مثلها.
_________________
(١) رواه البخاري (٦١٩) في الأذان، ومسلم (٤٢٧) في الصلاة.
(٢) البيتُ من الطويل، وهو لأبي صخر الهذلي. ونُسب لقيس مجنون ليلي. انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/ ٥٤٩)، المفصل (ص ٤٠٩، ٤١٠)، شرح المفصل (٥/ ٤٢، ٤٤)، مُغني اللبيب (٧٨)، الهمع (٢/ ٥٨٨)، عقلاء المجانين للنيسابوري (ص ٥١)، المعجم المفصل (٣/ ٣٠٠).
[ ١ / ٤٦٨ ]
وتدخُل (أمَا) و(ألَا) على الجملة الاسمية، نحو قولك: "ألَا زيد قائم"، و"أمَا زيد قائم".
قالوا: والفرقُ بينهما أنّ "أمَا" للحَال و"ألَا" للاستقبال.
والأصْلُ في "أمَا": "مَا" النافية، ودَخَلَت عليها الهمزة، كما دَخَلت على "ليس". (١)
قوله: "يَخْشَى": فِعلُ مُضارع، إعرابه مُقَدّر في حالتي الرّفع والنّصب، وبحَذْف حَرف العلّة جَزمًا (٢).
والصّلة والموصُول في محلّ الفاعل، وقيل: ظرف، تقدّم في الحديث قبله القول فيها وأخواتها. والعاملُ فيه: "يَرْفَع".
قوله: "أن يُحوّل": في محلّ مفعول و"يخشى".
و"حَوّل" هنا بمعنى "صيّر". قال ابنُ مالك: خَفي هذا على أكثر النحويين، ومنه قوله - ﷺ -: "مَا أُحِبُّ أنْ يُحوَّلَ لِي أُحُدٌ ذَهَبًا" (٣).
ويجري مجراه ما صيغ منه، كـ "تحَوّل"، ومثله: "ارتَدّ". ومنه قوله ﵇ (٤):
_________________
(١) انظر في أحوال "أما" والمقارنة بينها وبين "ألا": مُغني اللبيب (٧٨، ٧٩، ٩٦، ٩٧، ٩٨)، شرح المفصل (٥/ ٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥)، الهمع (٢/ ٥٨٨، ٥٨٩)، الصاحبي (ص ٩٣)، البلاغة العربية (١/ ١٩٢).
(٢) انظر: الهمع (١/ ٢٠٣)، النحو الواضح (٢/ ١٨٢)، النحو الوافي (١/ ١٨٢ وما بعدها)، المنهاجُ المختَصر في عِلمي النَّحو والصَّرف (ص ٤٨).
(٣) صحيحٌ: أخرجه البخاري (١٤٠٨)، عن أبي ذر، وليس فيه: "يحول".
(٤) لم يعز ابنُ مالك في شواهد التوضيح (ص ١٢٥) هذا للنبي - ﷺ -، وإنما نقله كمثال، فليس هذا بحديث، وقد أشار الإمام أحمد في المسند (٣٧٤٧)، والحاكم في المستدرك (٣٢٥٤) إلى قصة مسخ بعض اليهود.
[ ١ / ٤٦٩ ]
"حَوَّلَ الله طَائفَة مِن اليَهُودِ قِرَدَة"، و"تحولت طائفة من اليهود قِرَدَة". فـ "حَوّل" جار مجرى "صَيّر" في نصب مفعولين هما في الأصل مُبتدأ وخبر. (١)
قال "ابنُ مالك": وقد خَفي هذا المعنى على مَن أنكر على "الحريري" (٢) قوله في الخمر:
ومَا شَيءٌ إذا فَسَدَا تحوّلَ غَيُّهُ رَشَدَا
وإنْ هُوَ رَاقَ أوْصَافًا أثَارَ الشرّ حَيثُ بَدَا
زَكيُّ العِرْقِ [وَالِدُهُ] (٣) وَلكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدَا (٤)
قلتُ: لم يذكر "الشّيخ" (٥) البيت الثّالث (٦)، وله معنى في بابه يحسُن التمثل به.
إذا ثبت ذلك: فـ "حَوّل" في الحديث بمعنى "صَيّر" مُتمَكّنة المعنى، ولم يذكُره ابنُ مالك فيما ذَكر من الأمثلة. وعلى هذا يكُون التقديرُ: "أن يُصيِّر الله رأسَه مثل رأس حمار"، فحَذَف المضَافَ، وأقَام المضَافَ إليه مَقامه.
قوله: "أو يجعل": تقدّم الكَلامُ على "جَعَل" في الحديث الرابع من أوّل الكتاب. ويحتمل أن تكُون بمعنى "صَيّر"، وهو أحَدُ أقسامها.
_________________
(١) انظر: شَوَاهد التَّوضيح (ص ١٢٥)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٢٤، ٣٢٥).
(٢) انظر: مقامات الحريري (٤٤٥).
(٣) بالنسخ: (والله). والمثبت الصواب.
(٤) انظر: مقامات الحريري (٤٤٥). وراجع: شَواهد التَّوضيح (ص ١٢٦)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٢٥)، التعريفات (ص ١٩٢).
(٥) أي: ابن مالك.
(٦) يريد: الثاني، وهو قوله: "وإنْ هُو رَاقَ أوصافًا ".
[ ١ / ٤٧٠ ]
و"أو" هنا للشَّكّ من الرّاوي، أو للتقسيم (١)، والمعنى [فيهما] (٢) يرجع إلى معنى واحد.
ويحتمل أن تكُون "الصُّورَة" هُنا عبارة عن الذّات، قال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤ والتغابن: ٣].
وقال بعضُ المفسرين: المعنى في الآية: "فأحْسَنَ إدراكهم وعقولهم" (٣). وهو هُنا له معنى، أي: "يَصير عَقْله وإدراكه في صفة عَقْل الحمار وإدراكه".
الحديث الثّاني [والثّالث] (٤):
[٧٥]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "إنَّما جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. [فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ] (٥). فَإذَا كَبَّرَ فكَبِّرُوا، وإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا. وإذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ" (٦).
[٧٦]: قال الشّيخ تقيّ الدّين (٧): وَمَا في مَعْنَاهُ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهَ - ﷺ - في بَيْتِه، وَهُوَ شَاكٍ، فصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فأشَارَ
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ٢٢٨)، توضيح المقاصد (٢/ ١٠٠٨، ١٠٠٩)، أوضح المسالك (٣/ ٣٤١، ٣٤٢)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٩٢)، الهمع (٣/ ٢٠٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٤٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١٠/ ١٨٩)، الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي (٥/ ٤٣٨).
(٤) مزادة لضبط الترقيم.
(٥) سقط من النسخ. والمثبت من العمدة.
(٦) رواه البخاري (٧٧٢) في الأذان.
(٧) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٢٣).
[ ١ / ٤٧١ ]
إلَيْهِمْ، أَنْ اجْلِسُوا، فلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إنَّما جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِه، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا ولَكَ الحْمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ" (١).
هكذا [جعله] (٢) الشّيخ تقيّ الدّين (٣)، وهو في "العُمْدة" (٤) "الحديث الثّالث"، قال فيه: "وعن عائشة ".
قوله: "قال": أي: "أنّه قَال".
"إنما جُعِل الإمامُ ليُؤتم به": [يحتمل] (٥) أن يكون "جُعل" هنا بمعنى "سُمِّيَ"؛ فيتعدّى إلى مفعولين، أحدهما "الإمام" القائم مقام الفاعل، والثاني محذوف، أي: "إنما جُعِل الإمامُ إمَامًا". ويحتمل أن يكُون بمعنى "صار"، أي: "إنما صُيِّر الإمام إمامًا". (٦) وتقدّمت معاني "جعل" في الرابع من أوّل الكتاب.
ويجوز أن يكون فاعل "جعل": ضَمير "الله"، أي: "جَعَل الله الإمام"، أو ضمير "النبي - ﷺ -".
واللام في "ليُؤتَمّ به" لام "كي"، والفعل منصوب بإضمار "أن"، ويجوز
_________________
(١) رواه البخاري (١١١٣) في تقصير الصلاة، ومسلم رقم (٤١١) في الصلاة.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٢٣).
(٤) كذا في نُسخة من العُمدة (ص ٥٧، ط المعارف)، لفظ: "عن عائشةَ - ﵂ - قالت: صلَّى "، وفي الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٥٤): "الحديث الثالث: عن عائشة - ﵂ -، قالت: صلى ". وفي نُسخَة من العُمدة (ص ٦٩، ط دار الثقافة): "وَمَا في مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ"، وكذا في إحكام الأحكام (١/ ٢٢٣)، وزاد بعد إيراد الحديث: "وهذا الحديث الثالث".
(٥) بالنسخ: "ويحتمل".
(٦) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٥٤، ٥٥٥).
[ ١ / ٤٧٢ ]
إظهارها. وقال بعضهم: هو منصوبٌ بـ "كي". (١)
وقيل: النّاصبُ نفس "اللام" بطَريق الأصَالة.
ويجب إظهارُ "أنْ" إذا دَخَلت "لا" على "أنْ" (٢).
واختار بعضهم أنْ يتلقّى بها (٣) القَسَم، وجَعَل منه قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]، وهي مَكْسُورة؛ لأنّها حَرف جَر، [وبنو] (٤) العَنبر يفتَحُونها، قال "مكّي". (٥)
والفَرقُ بينها وبين "لام" الجحود: أنّ "لام" الجحود مَسبُوقة بكَوْن منفي لا يكون إلّا ماضيًا وضعًا، أو بـ "لم"، ولا يكُونُ إلّا ناقصًا، لا تامًّا، ولا يقع بعده ظَرْف ولا مجرور، لا تقُولُ: "ما كان عندك زيد ليفعل" ولا: " أمس ليفعل".
ومن شرطها: أنّ فاعل الفعل الذي دَخَلت عليه "اللام" لا يكُون إلا ضَميرًا عائدًا على اسم "كَان"؛ لأنّ "اللام" وما بعدها في مَوضِع الخبر من "كَان"، فلا يجوز: "ما كان ليذهب عمرو". (٦)
_________________
(١) راجع: شواهد التوضيح (ص ٢٤٣).
(٢) قال ابن هشام: لك إظهار "أَن"، فتقول: "جئْتُك لِأَن تكرمني"، بل قد يجب، وذلك إِذا اقْترن الفعل بِـ "لَا"، نحو: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ لئلا يحصل الثّقل بالتقاء المثلين. انظر: مغني اللبيب (ص ٢٧٧).
(٣) أي: لام "كي".
(٤) بالأصل: "بنوا".
(٥) انظر: مُشكل إعراب القرآن لمكي (١/ ١٠٠)، تفسير القرطبي (٢/ ٤)، البحر المحيط (١/ ٤٤٧)، (٥/ ٤٥٠)، اللباب في علوم الكتاب (٢/ ١٩٩)، شواهد التوضيح (ص ٢٤٣)، مغني اللبيب (ص ٢٧٧، ٢٧٨، ٧٥٦)، همع الهوامع (٢/ ٤٨٣ وما بعدها).
(٦) انظر: نتائج الفكر (ص ١٠٦ وما بعدها).
[ ١ / ٤٧٣ ]
و"إنما" تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الأوّل من الكتاب. ومعناها: إثباتُ الحكم للمذكور، ونفيه عما عَدَاه. (١)
قوله: "فإذا كبّر فكبّروا، وإذا رَكَع فاركعوا": تقَدّم الكَلامُ على "إذا" في الحديث الثاني من أوّل الكتاب.
قوله: "وإذا قال: سَمِع الله لمن حمده، فقُولُوا": "سَمِع" هنا لفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر. وعُدّي "سَمِع" هُنا بـ "اللام"، كما عُدّي بـ "إلى" في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨]. (٢)
قَالُوا: وإنما تعدّى بـ "إلى"؛ لأنّه بمعنى "الإصغاء"، فهو مُتضمّن معنى فِعْل آخَر. (٣)
وأمّا هُنا فيحتمل أنْ يُضَمّن معنى "شَكَر"، كقوله في الحديث: "فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ" (٤)، ولا يُقَدّر "الإصغاء"؛ [لأنّه] (٥) لا يُوصَف به تَعَالَى، ولم يَرِد به [سَمع] (٦). (٧)
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (١٠/ ١٠٢)، فيض القدير (١/ ٣٠)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٥٢٢)، (٥/ ٦٧ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٠٩)، النحو المصفى (ص ٢٨٩).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٨٤)، مغني اللبيب (ص ٦٧٦، ٨٩٨).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٩/ ٩٢)، مغني اللبيب (ص ٦٧٦)، النحو الوافي (٢/ ٥٨١، ٥٨٠).
(٤) مُتفقٌ عليه: البخاري (٦٥٢) ومُسلم (١٩١٤/ ١٦٤) من حديث أبي هريرة.
(٥) مُزادة لضبط المعنى.
(٦) كذا بالنسخ. والمعنى: لم يَرِد به دَليل من السّماع. فلعلها: "سماع".
(٧) راجع: عُمدة القاري (٥/ ٢٧٠)، شرح صحيح مسلم (٤/ ١٩٣)، مُغني اللبيب (ص ٨٩٨)، النحو الوافي (٢/ ٥٨٠، ٥٨١).
[ ١ / ٤٧٤ ]
قوله: "فقُولوا: رَبّنا ولك الحمد": بزيادة "الواو"؛ لتَدلّ على محذُوف، تقديره: "ربنا استجب ولك الحمْد على ذَلك"؛ فيكُون مِن بَاب عَطْف الجُمْلة الاسمية على الفِعْلية، والإشارة في ذلك إلى المصْدَر المفْهُوم مِن الفِعْل، وهو "الاستجابة".
ويحتمل: "ولك الحمد مُطلقًا مِن غير تقييد"، وهو أحْسَن. (١)
وقيل: "الواو" هنا زائدة، كزيادتها في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر: ٧٣]. (٢)
وحَذفُ حرف النداء من "ربنا" هُو الذي وَرَد في جميع القرآن من حكاية دُعاء الأنبياء والأولياء، فحيث وَرَدَ نداؤه تعَالى جَاء بحَذف حَرف النداء، نحو: "رَبّ" أو "ربّنا"، وفي ذلك نوع من الأدَب؛ فإنّ "يا" لها مَعَان لا يجُوز تقديرها مع اسم الله تعالى، كالتنبيه ونداء البعيد. ومَا وَقَع من ذلك في الأدعية المأثُورة فهي فيه للاستفتاح، أو لتوهّم بُعد مَقَام الدّاعي من مَقَام القُرب. (٣)
قوله: "وإذا صَلّى جَالسًا": حَال مُقَدّرة؛ لأنّ "الجلوسَ" بَدَلٌ من "القيام"، فهو داخلٌ في ماهيّة الصّلاة، وشَرطُ الحال أن تكُون زائدة على الحقيقة،
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٢/ ٢٨٢)، عُمدة القاري (٥/ ٢٧٠)، شرح صحيح مسلم (٤/ ١٢١)، إرشاد الساري للقسطلاني (٢/ ١٠٨)، إحكام الأحكام (١/ ٢٢٤، ٢٣٨)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٥٩).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١١١٤)، شرح صحيح مسلم (٤/ ١٢١)، عمدة القاري للعيني (٥/ ٢٧٠)، (٦/ ٦٢)، إرشاد الساري (٢/ ١٠٩)، إحكام الأحكام (١/ ٢٢٤)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٤٨٠)، المقتضب (٢/ ٨٠)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٢٨٩)، همع الهوامع (٣/ ١٩٠).
(٣) راجع: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٥٩)، (٣/ ٤٣١)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٥١ وما بعدها)، علل النحو (ص ٣٤٨)، شرح المفصل (١/ ٣٦١ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ٢٨٢، ٢٨٣)، شرح الأشموني (٣/ ٣٠).
[ ١ / ٤٧٥ ]
[لكن] (١) تقَدّر كما قَدّرت في قولهم: "خَلَق الله الزّرافة يديها أطْوَل مِن رِجْليها". (٢)
وصيغة "جُلُوس" على صيغة المصْدَر؛ لأنّه مِن فِعْل لازم، كـ "قَعَد قُعودًا"، و"دَخَل دُخُولًا"، وإنما هو هُنا جمعُ "جَالس". ويمتنع هنا أنْ يكُون مَصْدرًا؛ لأنّه ليس من لفظ الفِعْل ولا مِن مَعْناه.
وإذا ثبت ذلك: ففي "جُلوسًا" ضَميرٌ مرفُوع يصحّ أنْ تكُون "أجمعون" تأكيدًا له. ويصحّ أن تكُون تأكيدًا للضّمير في "صَلّوا". ويترجّح الأوّل بعَدم الفَصْل بين التأكيد والمؤكد [بالحال] (٣). ويصح أنْ تكُون "أجمعون" خَبر مُبتدأ محْذُوف، أي: "وأنتم أجمعون"، وتكُون جُملة حالية. (٤)
وأمّا قول الشّيخ تقيّ الدِّين: "وما في معناه من حديث عائشة": فـ "ما" هنا موصُولة، و"في معناه" متعلّق بالاستقرار الذي هو صِلة لـ "ما"، والصِّلة والموصول في محلّ رفع على الابتداء، ويكون الخبر في جملة الحديث على الحكاية، ويحتمل غير هذا.
قوله: "في بيته": يتعلّق بـ "صَلّى". وجُملة: "وهُو شَاك" في محلّ حَال من ضَمير "صلّى". و"شَاك": مَنْقُوصٌ، لا يظهرُ إعرابه في حالتي الرفع والجر (٥).
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، وتشبه: "نكرة". والمثبت من (ب).
(٢) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٢٨)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ٥٠)، الكتاب (١/ ١٥٥)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٢٧، ٧٢٨)، مُغني اللبيب (ص ٦٠٥)، شرح الأشموني (٢/ ٥)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٣٢٢)، شرح التصريح (١/ ٥٧٢)، همع الهوامع (٢/ ٢٩٤).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٦٣، ٥٦٤)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ١٤٨، ١٤٩).
(٥) انظر: عُمدة القاري (٥/ ٢١٧)، إرشاد الساري (٢/ ٥٠، ٣٧٢)، شواهد التوضيح (ص ٢٤٤ وما بعدها)، عقود الزبرجد للسيوطي (٣/ ١٧٨)، مجمع بحار الأنوار (٣/ ٢٥٠)، اللمع لابن جني (ص ١٤)، اللمحة (١/ ١٧٥ وما بعدها)، شرح ابن=
[ ١ / ٤٧٦ ]
واختلف في "هار"؟ فقيل: هو مثله، وقيل: لا. (١)
قوله: "وصَلّى وَرَاءه قَوْم قِيَامًا": "وراءه" في محلّ حال من "قوم"، وجازت الحال من النكرة للصفة التي تقَدّمَت، ولا ينتفي التخصيصُ بتقَدّمها حَالًا. والأحسَنُ: أنْ يكُون العَامِلُ في الظّرف "صَلّى"، ويكُون "قيامًا" حَال من نَكِرة، على اختيار كثيرين، ومنه: "عليه مائة بيضاء". (٢)
قال ابنُ هشام: ومنه: "وصلّى وراءه قوم قيامًا". (٣)
قلتُ: وكونُ "وراءه" في الأصل صفة يُذهب معنى رتبة مقام المأموم، بخلاف تعلّقه بـ "صلى".
وقوله: "فأشار إليهم أنْ اجلسوا": "أنْ" هنا مُفسِّرة؛ لأنه قد تقدّمها معنى القول. قالوا: وهذا شَرْطُها، دون لفْظ القَول وحُروفه؛ لأنَّ معنى القول يحتاج إلى تفسير. (٤) ولفظ القول الواقع بعده منصوب به، ومعمول له. والتفسيرية لا محلّ لها.
_________________
(١) = عقيل (١/ ٨١ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٨٠ وما بعدها)، المنهاجُ المختَصر (ص ١٦٢)، أصول النحو (ص ٧٤).
(٢) انظر: لسان العرب (٥/ ٢٦٨)، تاج العروس (١٤/ ٤٤٧)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٤/ ٣٧١ وما بعدها)، شرح المفصل (٥/ ٤٤٨)، الهمع (٣/ ٣٨٢).
(٣) انظر: الكتاب (٢/ ١١٢)، شرح التصريح (١/ ٥٨٨)، شرح الكافية (٢/ ٧٤٠)، أوضح المسالك (٢/ ٢٥٩ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٥٦ وما بعدها)، المسائل السفرية (ص ١٤)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٣٢٥، ٣٢٦)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٦٠)، شرح الأشموني (٢/ ١٤)، الهمع (٢/ ٣٠٤)، ضياء السالك (٢/ ٢٢٠).
(٤) انظر: أوضح المسالك (٢/ ٢٦٥)، المسائل السفرية (ص ١٤)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٦٣)، ضياء السالك (٢/ ٢٢٠).
(٥) انظر: شرح أبي داود للعيني (٣/ ١١٩)، عقود الزبرجد (١/ ٧٦)، (٢/ ٢٩٣)، المفصل (ص ٤٢٨)، شرح الكافية (٣/ ١٥٢٢، ١٥٣٠)، الجنى الداني (٢٢٠، =
[ ١ / ٤٧٧ ]
قوله: "فلمّا انصرف": تقَدّم الكلامُ على "لمّا" في الرّابع من "المذي"، وتقدّم "وراء" في الثّالث من "باب صفة الصّفوف".
[٧٧]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الخِطْمِي الأَنْصَارِيِّ - ﵁ -، قَالَ: حَدّثَنِي الْبَرَاءُ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ - قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ" (٢).
قوله: "عن عبد الله بن يزيد". قيل: "يزيد" لا ينصرفُ للعَلمية ووَزْن الفعل، وهو بناء على أنّه مُفرَد من "يزيد المال". وقيل: هو جملة من قولهم: "المال يزيد"؛ فيُعرَب إعراب الجُمَل المسَمّى بها، مثل: "برق نحره" و"شاب قرناها"؛ فيُحكى على ما هو عليه.
فإذا قيل لك: "يزيد" مُعْرَب أو مبني؟ فجوابه: هل هو من "زاد المال" أو "المال يزيد"؟ فالأوّل مُعْرَب، والثّاني مبني. (٣)
_________________
(١) = ٢٢١)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٣٥)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٣٧٧)، مغني اللبيب (ص ٤٨)، شرح التصريح (٢/ ٣٦٣)، شرح المفصل (٥/ ٨٣)، الهمع (٢/ ٤٠٨)، اللباب في قواعد اللغة وآلات الأدب (ص ٤٠).
(٢) بالنسخ: "الثالث". لكن الناسخ كان قد كتب "الرابع" وكتب فوقها، وقد جاء الخطأ من أن الشارح "ابن فرحون" اعتبر حديث عائشة السابق هو الحديث الثالث، فلم يلحظ الناسخ هذا الترتيب، فاعتبر الناسخ الحديث هنا هو الثالث. وعليه فسيتم تغيير ما يأتي من ترقيم الناسخ للحديثين التاليين. فتنبه.
(٣) رواه البخاري (٨١١) في الأذان، ومسلم (٤٧٤) في الصلاة.
(٤) انظر: مُغني اللبيب (ص ٨١٧)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٤٠)، خزانة الأدب (١/ ٢٧٠)، أوضح المسالك (١/ ١٣١)، شرح الأشموني (١/ ١١٦)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٥٧ وما بعدها)، المفصّل (ص ٢٤)، شرح التصريح (١/ ١٢٩)، =
[ ١ / ٤٧٨ ]
قوله: "وهو غير كذُوب": جملة اعتراض لا محلّ لها (١)، وكذلك جملتا "ﷺ" و"﵁". وضمير "هو" يعود على "البراء".
والقائلُ له: قيل: هُو "عبد الله بن يزيد"، أي: "والبراء غير كذوب" تقوية للحديث، لا شَكًّا في "البراء".
وقال ابنُ معين: القائلُ: "وهو غير كذُوب" هو " [أبو] (٢) إسحاق"، ومُراده: "أنّ عبد الله بن يزيد غير كَذوب"؛ لأنّ "البراء" لا تحسُنُ تزكيته؛ لأنّه صَحابي، فلا يحسُنُ فيه ذلك. (٣)
قوله: "كان رسُولُ الله - ﷺ - ": جملة معمُولة للقول في اللفظ، وفي المعنى هي معمُولة و"حدّثني"، لأنّ "قال" تأكيدٌ لـ "حدّثني"، بدليل أنه لو قال: "حدّثني البراء، كان رسُولُ الله - ﷺ - " لصحّ عمَل "حَدّثني" فيه، ولو قال: "عن عبد الله بن يزيد، قال: قال البراء: كان رسُولُ الله - ﷺ - " لصحّ عمل القول فيه، فأحدهما مُؤكِّد للآخر.
وتقدّم الكَلامُ على "حَدّث" في الخامس من "فضل الجماعة"، وعلى "إذا" في الثاني من أوّل الكتاب، وعلى "سمع الله لمن حمده" في الحديث السابق قبل هذا.
وقوله: "لم يحن": جوابُ "إذا".
_________________
(١) = (٢/ ٣٣٩)، ضياء السالك (١/ ١٢٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢١٦)، التطبيق النحوي (ص ٤٢).
(٢) راجع: جامع الدروس العربية (٣/ ٢٨٧).
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من المصادر. والمراد به: "أبو إسحاق السبيعي"، وهو الرواي عن "عبد الله بن يزيد".
(٤) انظر: فتح الباري (٢/ ١٨١، ١٨٢)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ١٦٣)، شرح النووي على مسلم (٤/ ١٩٠ وما بعدها)، إرشاد الساري (٢/ ٥١)، إحكام الأحكام (١/ ٢٢٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٧٨ وما بعدها).
[ ١ / ٤٧٩ ]
ولا يمتنعُ ما بعد "لم" من العَمَل فيما قبلها؛ لأنها لا تستحقُّ [الصّدر] (١). (٢)
ويُقَال: ["حنى"] (٣) و"يحني" و"يحنو". وجَاء في الرواية الأخْرَى: "لَا يَحْنُو أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ" (٤). و"حَنيتُ" أكثر. (٥)
قوله: "منّا": يتعلّق بصفة لـ "أحَد"، و"من" للبيان.
و"حتى": هُنا بمعنى "إلى أنْ". (٦)
و"يقَع": أصله "يوقع"؛ لأنَّ فَاء مَاضيه واو، كـ "وَعَد، يَعِد"، وكان حقّه أن يُقال: "يَقِع" بكَسْر عَينه، كـ "وَجَب، يجِب" و"وَصَل، يَصل"، وهذا التصريفُ لازم لكُلّ ما كان فاؤه واوًا. (٧)
والجوابُ عما وقع مفتوح "العَين" مثل هذا - كـ "يهب" و"يضع" - عند الشّيخ أبي عمرو ابن الحاجب وغيره: أنّ الكَسْرة فيه مُقَدّرة؛ لأنّه حَرْفُ حَلْق، فهي فتحة أصلها كَسرة؛ فحُذفت "الواو"، لوقُوعها بين "ياء" وكَسرة أصلية، وذلك أنّه لو كَان أصلها الفتح لم تحذف "الواو"، كـ "وَجل، يَوْجَل". وإنما صحّ في "يَوْجَل": لأنه ليس
_________________
(١) كذا بالنسخ.
(٢) انظر: الأصول لابن السّراج (٢/ ٢٣٥)، علل النحو (ص ٣٥٢)، النحو الوافي (١/ ٦١)، (٢/ ١٤٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٨٣، ١٨٤)، (٣/ ٢٣).
(٣) مكررة بالأصل.
(٤) صحيح: مسلم (٤٧٤/ ٢٠٠).
(٥) انظر: شرح النووي على مسلم (٤/ ١٩١، ١٩٢)، شرح سُنن أبي داود للعيني (٣/ ١٤٧)، الإعلام لابن الملقن (٩/ ١٨٩)، لسان العرب (١٤/ ٢٠٢ وما بعدها)، تاج العروس (٣٧/ ٤٨٧).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٩)، الجنى الداني (ص ٥٥٤. ٥٥٥)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٥٠)، مُغني اللبيب (ص ١٦٩)، موصّل الطلاب (ص ١٠٦)، الهمع (٢/ ٣٨١)، حاشية الصبّان (٣/ ٤٣٥)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٨١).
(٧) انظر: المقتضب (١/ ٨٨ وما بعدها)، شرح المفصل (٥/ ٤٢٥، ٤٢٦).
[ ١ / ٤٨٠ ]
فيه حَرْف حَلق؛ فتجيء الفتحة لأجْله. وإنما أوجبوا الفتحة مع حرف الحلْق؛ للخفّة. (١) وموضعُ هذا كُتب التصريف؛ فليُنظر هنالك.
قوله: "سَاجدًا": حالٌ من الفاعل.
قوله: "ثم نقع سُجودًا": في العَطْف بـ "ثم" دلالة على أنّ سُجودهم بعد كَمال سُجوده، وأكّد ذلك بالبَعْدية.
والظّاهر في إعراب "ثُمّ [نقع"] (٢) الرّفع على الاستئناف. ولو كان معطوفًا على قوله: "حتى يقع ساجدًا" لوجَب نصب الفعل، وصار المعنى: "لم يحن أحَد منا ظهره حتى يقع ساجدًا ثم نقع سُجودًا بعده"، فيكون الانحناء واقعًا بعد وقوعه ووقوعهم، وهذا فاسدُ المعنى؛ فيتعين الاستئناف. ونظير ذلك: "إذا جاء زيد لم يتكلم منا أحَد حتى نأكل الطعام، ثم نأكل". إلا أن يكون الضمير في "بعده" يعود على "الانحناء"؛ فيكون التقدير: "لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي - ﷺ - ساجدًا ثم نقع نحن بعد الانحناء سُجودًا".
وفي قوله: "يقع" و"نقع" إشارة إلى سُرعة الانحطاط؛ لأنها الحالة التي يكون فيها العبدُ قريبًا من فضل الله وكَرَمه وجُوده.
_________________
(١) انظر: الإعلام لابن الملقن (١٠/ ٦٤)، المفصل (ص ٥٢٣)، شرح المفصل (٥/ ٤٢٦)، المقتضب (٢/ ١١١)، مغني اللبيب (ص ٨٧٩)، شرح التسهيل (٣/ ٤٤٦)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي (١/ ١١٧ وما بعدها)، اقتطاف الأزاهر (ص ٤٩ وما بعدها)، تصحيح الفصيح وشرحه، لابن درستويه، (ص ٥٢)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٣٧٧، ٤٣٣)، المنصف لابن جني، شرح به كتاب التصريف لأبي عثمان المازني، (ص ٢٠٧)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٢٨٠)، جامع الدروس العربية (١/ ٢١٦).
(٢) بالنسخ: "يقع".
[ ١ / ٤٨١ ]
الحديث [الخامس] (١)
[٧٨]: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينَهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٢).
قوله: "أنّ رَسُولَ الله": في محلّ رَفْع لمتعلّق حَرْف الجر.
و"قال": في محل خَبر "أنّ".
و"إذا": تقدّمت في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. والفاعلُ في "إذا": جوابها، وقيل: فعلها، وقد تقَدّم توجيه القولين.
قوله: "فإنه من وافق": "إنّ" واسمها و"مَن"، شَرْطيّة، في محلّ رَفع بالابتداء، والخبرُ في جوابها، وقيل: في فعلها، وقيل: حيث كان ضميرها، وقيل: الفعل والجواب معًا. (٣)
وقد تقدَّم الكَلامُ على "من" في الرابع من أول الكتاب. وتقدّم توجيه ما رُكّب من أسماء الأعلام - كـ "أبي هريرة" - في الثّاني من أوّل الكتاب. وتقدّم أنَّ من الجمَل التي لا محلّ لها جملة الاعتراض، كقوله: "ﷺ" و"﵁".
و"الهاء" في "الملائكة" لتأنيث الجمْع، وقيل: للمُبالغة. وقد وَرَدَ بغير "تاء". (٤)
_________________
(١) بالنسخ: "الرابع". لكن الناسخ كان قد كتب "الخامس" وكتب فوقها، وقد سبق نظيره بالحديث السابق، فراجعه.
(٢) رواه البخاري (٦٤٠٢) في الدعوات، ومسلم (٤٠٩، ٤١٠) في الصلاة.
(٣) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، عقود الزبرجد (١/ ١٥٥)، مغني اللبيب (ص ٦٠٨، ٦٤٨)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٨٦)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٥٥٤، ٥٦٦)، شمس العلوم (٩/ ٥٩٣٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٢٢)، فتح الباري (٦/ ٣٠٦)، عمدة القاري (١٥/ ١٢٣)، إرشاد الساري (١/ ١٣٩)، (٥/ ٢٦٢)، شرح المشكاة للطيبي (٢/ ٤٢٥).
[ ١ / ٤٨٢ ]
واختُلف في مُفرَد "الملائكة" على أقوال، انظرها في كتب التفسير. (١)
والصّحيحُ: أنّ الملائكة أجسامٌ متحيّزون. قال بعضهم: القولُ بأنّ الملائكة والجن والإنس والأرواح لا تتحيّزُ كُفْر؛ لأنَّ الدّلائلَ القطعية دَلّت على تحيّزها. (٢)
وأما "آمين": فقيل: اسمُ فعْل، ومعناه: "استَجب"، وبُني لوقوعه موقع المبني، وهو فِعْلُ الأمر، وحُرِّك بالفتح لسُكون "الياء"، والفتحُ فيه أقوَى؛ لأنَّ قبلَ "الياء" كسْرة، فلو كُسرت "النون" على الأصل لوقعت "الياء" بين كسرتين. (٣)
وفيه لُغتان: القَصْر، وهو الأصلُ. قال القاضي أبو بكْر بن العَربي: "القَصر أكثر وأشهَر، وعليه من الأمّة الأكثر". (٤)
وقال القاضي عياض: إنّ المعروف فيه المدّ، وتخفيف "الميم". وحَكَى القاضي الدّاوودي: "آمين" بالمدّ والتشديد، وقال: إنها لُغة شَاذّة. وذكَر ثعلب أنّها خطأ. وقيل: "أمين" بالقصر، والتشديد.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٢٢)، (١٠/ ٢٥٨ وما بعدها)، اللباب لابن عادل (١٩/ ٣٢٧)، تفسير الزمخشري (١/ ١٢٤)، حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي (٢/ ١٨٥)، تفسير الرازي (٢/ ٣٨٤)، تفسير النيسابوري (١/ ٢١٣)، الدر المصون (١٠/ ٤٢٩)، فتح القدير للشوكاني (١/ ٧٤)، فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٠٦)، عمدة القاري للعيني (١٥/ ١٢٣)، إرشاد الساري (١/ ١٣٩)، (٥/ ٢٦٢)، شرح المشكاة للطيبي (٢/ ٤٢٥)، المصباح المنير (١/ ١٩)، لسان العرب (١٠/ ٣٩٤).
(٢) انظر: تفسير النيسابوري (١/ ٢١٣ وما بعدها)، تفسير البيضاوي (١/ ٦٧)، تفسير ابن عرفة، ط دار الكتب العلمية، (٣/ ٩٣، ١١٣)، تفسير الرازي (٢/ ٤٤٨)، فتح الباري (٦/ ٣٠٦)، إرشاد الساري (٥/ ٢٦٢).
(٣) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٧/ ٦)، المنتقى شرح الموطأ للباجي (١/ ١٦٢)، نيل الأوطار للشوكاني (٢/ ٢٥٨)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (٢/ ٥٨٨ وما بعدها)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٨٦).
(٤) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٢).
[ ١ / ٤٨٣ ]
قال أبو البقاء: وليس هو من الأبنية العَرَبية، بل مِن العَجَمية، كـ "هابيل" و"قابيل". (١)
قال أبو محمد بن عطيّة: قيل: "أمين" اسمٌ من أسماء الله تعالى. وقيل: هو اسم خاتم يُطبع به كُتب أهْل الجنّة التي تُؤخَذ بالأَيمان. (٢)
الحديث [السّادس والسّابع] (٣):
[٧٩]: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ؟ فَإنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الحْاجَة، وَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ [فَلْيُطِلْ] (٤) مَا شَاءَ" (٥).
[٨٠]: وَمَا في مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ - وهو الحديثُ [السابع] (٦) - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: "إنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - غَضِبَ في مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدُّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ" (٧).
_________________
(١) انظر: عمدة القاري (٦/ ٤٧)، إرشاد الساري (٩/ ٢٢٦)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٦٢)، نيل الأوطار للشوكاني (٢/ ٢٥٨)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٨٨ وما بعدها)، تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٢، ١٣، ١٤).
(٢) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٧٩).
(٣) بالنسخ: "الخامس". لكن الناسخ أخذها عن خطأ في ترقيمه لما سبق، وقد سبق نظيره بالحديثين السابقين، فراجعه. وقد زدت: "والسابع" لضبط ترقيم الأحاديث.
(٤) كذا بالنسخ. وفي مطبوعة العُمدة (ص ٧١): "فَلْيُطَوِّلْ".
(٥) رواه البخاري (٧٠٣) في الأذان، ومسلم (٤٦٧) في الصلاة.
(٦) هذا يؤكد صحة التعديل في ترقيم الأحاديث السابقة.
(٧) رواه البخاري (٧١٥٩) في الأحكام، ومسلم (٤٦٦) في الصلاة.
[ ١ / ٤٨٤ ]
تقدّم القَولُ على "أبي هُريرة"، ومُتعلّق حَرف الجر، في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب، وتقدّم الكَلامُ على "أحدكم" فيه أيضًا.
و"للناس": يتعلّق بـ "صلّى"، و"اللام" لام التعليل، أو بمعنى "الباء". وجملة "فليُخفّف": جَوابُ "إذا"، وتقدّمت (١) في الحديث الثّاني من "الأوّل".
قوله: "فإنّ فيهم الضّعيف": لا يجوزُ تقديم خبر "إنّ" على اسمها، إلا إذا كان ظرفًا أو مجرورًا. "والسقيم وذا الحاجَة": معطُوفان على اسم "إنّ".
وعلامة النصب في "ذا": "الألِف"؛ لأنّه من الأسماء السِّتة المعتلّة المضَافة. (٢)
وجمعُ "حاجَة": "حاجٌ"، و"حاجَات"، و"حِوَجٌ"، و"حَوائج" على غير قياس، كأنّهم جمعوا: "حائجَة". وكان الأصمعي يُنكِره، ويقُول: "هو مُوَلّد". قال في "الصّحاح": وإنما أنكره لخروجه عن القياس، وإلّا فهو كثيرٌ في كلام العَرَب، ويُنشَد:
نهارُ المرءِ أَمْثَلُ حِينَ يقضى حَوائِجُهُ، مِنَ اللَّيْلِ الطَّويلِ (٣)
قال: و"الحوجاء": "الحاجة"، يُقال: "ما في صَدْري حوجاء ولا لوجاء"، و"لا شكٌّ ولا مِرْيَةٌ"، بمعنى واحد. (٤)
_________________
(١) أي: "إذا" والكلام عنها.
(٢) انظر: ملحة الإعراب (ص ١٥)، اللمحة (١/ ١٦٥)، شرح القطر (ص ٤٦)، اللمع (ص ١٨)، المقدمة الجزولية (ص ٤٦)، الهمع للسيوطي (١/ ١٣٥)، المنهاجُ المختَصر في علمي النَّحو والصَّرف (ص ٤٠).
(٣) البيت من الوافر. وهو بلا نسبة. ووَرَد في الصحاح: "يَقْضي"، وفي غيره: "تُقْضَى". انظر: الصحاح (١/ ٣٠٨)، لسان العرب (٢/ ٢٤٣)، خير الكلام في التقصي عن أغلاط العوام (ص ٢٩)، شرح ديوان المتنبي للعكبري (٢/ ٢٤٣)، تاج العروس (٥/ ٤٩٦)، المعجم المفصل (٦/ ٥٩٠).
(٤) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٣٠٧، ٣٠٨)، شرح ديوان المتنبي للعكبري=
[ ١ / ٤٨٥ ]
قوله: "وإذا صَلّى أحَدكُم لنفسه فليُطِل مَا شَاء": "اللام" الأولى "لام التعليل"، والثانية "لام الأمر"، وتقَدّم الكَلامُ على "لام الأمر" في الرّابع من الأوّل.
قوله: "مَا شَاءَ": "مَا" هُنا ظرفية مَصْدرية، وتقدّمت في الثّاني من "التيمم".
وهي مُقدّرَة بالمُدّة (١).
و"شاء": مَذهبُ سيبويه أنّ أصله "شَيِئَ"، على وَزْن "فَعِلَ" بكسر "العَين".
وإذا أُسند إلى ضَمير الفَاعِل، وهو "التّاءُ"، نحو: "شَيِئْتُ"، أو "النون"، نحو: "شَيِئْن"، أو "نا"، نحو: "شَيِئْنا"، سكن آخره، ونُقلت حركة المعتلّ - وهي الكسْرة - إلى "الشّين" - وهي "فاءُ" الكلمة - فسكن حرف العلّة، والآخر سَاكن للضّمير، فحُذف حَرْف العلّة؛ لالتقاء السّاكنين.
ومذهبُ المبرد: أنّ أصله "شَيَأ" بفتح "العَين"، فلما اتصل بالضّمير ذهبت "الألِف" المنقلبة عن "عَين" الكَلمة؛ لالتقاء السّاكنين، وكُسرت "الشّينُ" لتدلّ على أنّ المحذُوفَ "ياء"، كما في: "بِعْتُ". (٢)
_________________
(١) = (٢/ ٢٤٣)، لسان العرب لابن منظور (٢/ ٢٤٣)، خيرُ الكَلام في التقصي عن أغلاط العوام (ص ٢٩)، تاج العروس (٥/ ٤٩٦).
(٢) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٤١)، شرح الأشموني (١/ ٧٥)، العُمدة في إعراب البردة (ص ٦٦).
(٣) انظر: الكتاب (٤/ ٣٧٦ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٣٠٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٤٠)، شرح المفصل (٥/ ٢٨٠، ٢٩٢)، اللباب في عِلَل البناء والإعراب (٢/ ٢٩٥، ٣٦١، ٣٦٧ وما بعدها)، المقتضب (١/ ٩٦ وما بعدها، ١١٥، ١٥٢ وما بعدها)، سر صناعة الإعراب (١/ ١٥٨)، أسرار العربية (ص ٥٩)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢١٨)، الأصول لابن السراج (٣/ ٢٩٦ وما بعدها)، التعليقة على كتاب سيبويه (٥/ ٨١)، حاشية الصبان (١/ ٥٢)، تهذيب اللغة (١١/ ٣٠١، ٣٠٢)، تاج العروس (١/ ٢٩٢ وما بعدها)، دُستور العُلماء (١/ ٨٢)، فتح المتعال (ص ٢٣١ وما بعدها)، المخصّص (٤/ ٤٢٤ وما بعدها)، اللباب في قواعد اللغة وآلات الأدب (ص ١٢٧).
[ ١ / ٤٨٦ ]
ومفعولُ "شاء" محذوفٌ، أي: "ما شَاء إطالته".
قال الزمخشري: ولقد تكاثر هذا الحذْف في "شاء" و"أراد"، مع "لو"، حتى لا يَكَادون يُبرزونه، إلّا في الشّيءِ المستَغْرَب، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ [الأنبياء: ١٧]، و﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر: ٤]. (١)
قيل: سِرُّ ذلك أنّ السّامعَ مُنكِر لذلك، أو كالمنكر؛ فتقصِد [إلى] (٢) إثباته عنده، فإن لم يكن مُنْكِرًا لذلك فالحذف. (٣)
قال في "المجيد": تلخيصُ ذلك: أنّ حَذْفَ مفعُول "شاء" و"أراد" مع "لو" هو الغالبُ، وذكره لأحَد ثلاثة أوْجُه، إمّا الاستغراب، وهو قَولُ الزّمخشري، وإمّا كَونه مُنكِرًا أو كالمنكِر، قاله صَاحبُ "التبيان"، وإمّا لعَود الضّمير عليه، كما جَاء في الآية: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧]. (٤)
وأما قول الشيخ تقيّ الدّين: "وما في معناه، وهو الحديثُ السّابع": تقدّم الكلامُ في جُملة: "وما في معناه".
وأمّا قوله: "وهُو [في] (٥) الحدِيث السّابع": فمُبتَدأ وخَبَر، و"السّابع" صفة للحَديث. و"السّابع" صيغة اسم الفَاعِل مِن العَدَد (٦). وتقدّم ذِكْر العَدَد في الثّالث من "التيمم".
_________________
(١) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ٨٧)، البحر المحيط (١/ ١٤٥).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "في". والمثبت من المصدر.
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٥).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٥).
(٥) كذا بالنسخ.
(٦) انظر: شرح التصريح (٢/ ٤٦٥)، الجزولية (ص ١٧٥)، الأصول لابن السراج (٢/ ٤٢٦)، المفصل (ص ٢٧١)، الهمع (٣/ ٢٦١).
[ ١ / ٤٨٧ ]
قوله: "جاء رجلٌ إلى رسُول الله - ﷺ -": جملة محكيّة بالقَول.
وأصلُ "جَاء": "جيأ"، تحرّكَت "الياء"، وانفَتَح ما قبْلها؛ فقُلِبَت ألِفًا. ويجري فيه ما جَرى في "شَاء" عند اتّصَال الضّمير به. (١)
و"إلى" يتعَلّق بـ "جَاء".
والمعْروفُ تعَدِّي "جَاء" بنفسه، كقَوْله تعَالى: ﴿أَو جَاءُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وجَاءَ هُنا مُتعَدِّيًا بـ "إلى". وقَد لا يَتعَدّى، كقَوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ [الإسراء: ٨١]، ويحتمل أنْ يكُون محذُوفًا، أي: "جاءكم الحق". (٣)
قوله: "فقال: إنّي لأتاخّر": "إنّ"، واسمها، وخبرها: جملةُ الفعل و"اللام" الدّاخلة في الخبر. وكُسرت "إنَّ" بعد القَول، و" [بنو] (٤) سليم" تفتحها بعدها مُطلقًا (٥)، وتقدَّم الكَلامُ على مواضع فتْحها وكسرها (٦) في الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "مِن أجْل": "مِن" لابتداء الغَاية (٧)، أي: "ابتداء تأخّري لأجْل إطالة
_________________
(١) انظر: الأصول لابن السراج (٣/ ٢٩٧)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٣٢٦ وما بعدها)، شرح الشافية للرضي (٣/ ١٨٠)، لسان العرب لابن منظور (١/ ٥١ وما بعدها)، تاج العروس للزبيدي (١/ ١٨٣ وما بعدها)، المحكم والمحيط الأعظم (٧/ ٥٧٤)، كتاب الأفعال لابن القطاع (١/ ١٨٢).
(٢) بالنسخ: "وجاءوكم". ولعل المثبت هو الصواب.
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٦٠١).
(٤) سقط بالنسخ. والمثبت من المصادر.
(٥) انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٤١)، لسان العرب (١١/ ٥٧٥)، تاج العروس (٣٠/ ٣٠٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٨).
(٦) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٨ وما بعدها)، المقدمة الجزولية (ص ١٢١)، شرح ابن عقيل (١/ ٣٥٣ وما بعدها).
(٧) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٢، ١٨٩)، عقود الزبرجد (١/ ٢٩٨)، (٢/ ٣٧٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٢)، الكتاب (٤/ ٢٢٤)، المقتضب (١/ ٤٤)، الأصول=
[ ١ / ٤٨٨ ]
فُلان". (١) ولو جَاء الكَلامُ: "من فُلان" أغْنى عن ذكْر "أجْل".
و"أجْل": يُقال فيها: "أجَل، والأمر"، "أجَلًا" و"أجْلًا". ومعناه ومعنى "مِن جرّائك" واحد. ويجوز في "أجْل" فتح "الهمزة" وكَسْرها. (٢)
و"فُلان": كنايةٌ عن العَلَم. (٣)
قال ابنُ الحاجب: و"فُلان" و"فُلانة" كناية عن أسماء الأناسي، وهي أعْلامٌ.
والدّليلُ على عَلميتها: منعُ صَرْف "فُلانة"، وليس فيه إلّا التأنيث، والتأنيثُ لا يمنعُ إلا مع العَلَمية؛ ولأنّه يمتنع من دُخُول الألف واللام عليه. انتهى. (٤)
و"فُلانة" - كما قال - ممتنع، و"فلان مُنصرّف"، وإن كان فيه العَلَمية؛ لتخلّف السّبب الثاني (٥)، والألِف والنون فيه ليستا زائدتين، بل هو موضوعٌ هكذا. (٦)
وقال في المجيد: و"فُل" كناية عن نكرة الإنسان، نحو: "يا رجُل". وهو مُختَصٌّ بالنداء. و"فُلَة" بمعنى "يا امرأة"، ولام "فُل" ياء أو واو، وليس مُرَخّمًا من "فُلان"،
_________________
(١) = لابن السراج (١/ ٤٠٩)، علل النحو (ص ٢٠٨)، الفصل (ص ٣٧٩)، المقدمة الجزولية (ص ١٢٤)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧١).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٨).
(٣) انظر: العين (٦/ ١٧٨)، الصحاح (٤/ ١٦٢١)، إسفار الفصيح لأبي سهل الهروي (٢/ ٨٩٢)، لسان العرب (١١/ ١٢)، المعجم الوسيط (١/ ١١٩).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٨)، شرح التسهيل (١/ ١٨٥)، توضيح المقاصد (٣/ ١١٠٥)، التعريفات الفقهية للبركتي (ص ١٦٧)، لسان العرب (١٣/ ٢٣٢).
(٥) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٨)، (١٠/ ٤٧)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٨٣٠)، شرح الشذور لابن هشام (١/ ٥٨٦)، الهمع (١/ ٢٢٢)، التعريفات الفقهية (ص ١٦٧)، المعجم الوسيط (٢/ ٧٠٢).
(٦) أي: التأنيث.
(٧) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٨)، (١٠/ ٤٧).
[ ١ / ٤٨٩ ]
خِلافًا للفَرّاء. (١)
ووَهَم ابن عصفور، وابن مالك، وصاحب "البسيط"، في قولهم: "فُل" كناية عن العَلَم، كـ "فُلان". (٢)
وفي كتاب سيبويه: أنه كناية عن النكرة، بالنقل عن العَرَب. (٣)
قوله: "مما يُطيل بنا": "من" الأولى تتعلّق بـ "أتأخر"، والثّانية بدَلٌ منها، ويجوزُ ذلك في الفعْل الواحد على طريق البدَل. والتقدير: "من أجْل إطالة فلان"، ومعناها التعليل (٤). و"الباءُ" في "بنا": "باءُ" التعدية (٥).
قوله: "قال: فما رأيتُ": الرّؤية بَصَرية، ومفعولها: "النبي - ﷺ -".
وجملة "غضب": في محلّ حَال من "النبي - ﷺ -"، أي: "ما علمتُه غَضب". و"في مَوعِظَة": يتعلّق به.
و"قَطّ": بفتح القَاف، وتشديد الطاء مَضمُومة، ظرفُ زمان لاستغراق ما
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٨/ ١٠٢)، توضيح المقاصد (٣/ ١١٠٤، ١١٠٥)، شرح الأشموني (٣/ ٤٥)، لسان العرب (١١/ ٥٣٣)، المعجم الوسيط (٢/ ٧٠٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (٨/ ١٠٢)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١١٠٥)، شرح الأشموني (٣/ ٤٥)، لسان العرب (١١/ ٥٣٣).
(٣) انظر: البحر المحيط (٨/ ١٠٢)، الكتاب لسيبويه (٢/ ١٩٨، ١٩٩)، توضيح المقاصد (٣/ ١١٠٤)، شرح الأشموني (٣/ ٤٥)، لسان العرب (١١/ ٥٣٣).
(٤) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٦٦)، الجنى الداني (٣١٠)، شرح التسهيل (٣/ ١٣٤)، النحو المصفى (٤٤٥).
(٥) انظر: الجنى الداني (ص ٣٧، ٣٨)، أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٤١٧ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٩)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٥٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٦٩).
[ ١ / ٤٩٠ ]
مضى، يختصّ بالنفي. ولا يجوزُ دخُولها على فعل الحال، ولُحِّن مَن قال: "ما أفعله قط". وبُنيت؛ لتضمنها معنى "قد". ويجوز ضم "القاف" و"الطاء"، ويجوز فيه تخفيف "الطاء". (١)
وتجيء "قط" بمعنى "حَسْب"، وهَذه مفتُوحة "القَاف" سَاكنة "الطاء"، وبُنيت؛ لأنها على وَضْع الحروف.
و"حَسْب" اسم فعل بمعنى "يَكْفي" (٢)، ومنه:
امتلأ الإنَاءُ وَقَالَ: قَطْني مَهْلًا رُوَيدًا قَد مَلأتَ بَطْني (٣)
أي: "حَسْبي". (٤)
قال ابنُ مالك في "شَوَاهِد التّوضيح": قد تُستعمَل "قَطّ" غير مسبوقة بنفي، وهو مما خفي على كثير من النحويين؛ لأنّ المعهودَ استعمالها لاستغراق الزّمان الماضي بعد نفي، نحو: "ما فعلته قط". وقد جاء في حديث حارثة بن وهب: "صَلَّى
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٨)، اللمحة (١/ ٤٤٦)، مغني اللبيب (ص ٢٣٢)، الصحاح للجوهري (٣/ ١١٥٣).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٣٢)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ١٠٧)، شرح الأشموني (١/ ١٠٥، ١٠٦)، شرح التسهيل (١/ ١٣٧)، شرح المفصل (٢/ ١٤٦ وما بعدها)، الصحاح (٣/ ١١٥٣)، تاج العروس (٢٠/ ٣٧، ٣٨).
(٣) هذا الرجز بلا نسبة. ولكنه يُروى: "امتلأ الحوض". ويروى: "سَلًّا رُويدًا". انظر: شرح الأشموني (١/ ١٠٦)، شرح التسهيل (١/ ١٣٧)، شرح المفصل (٢/ ١٤٧)، الصحاح (٣/ ١١٥٣)، المخصص (٤/ ٢٣٦)، لسان العرب (٧/ ٣٨٢)، تاج العروس (٢٠/ ٣٨)، المعجم المفصّل (١٢/ ٢٨٩).
(٤) انظر: شرح الأشموني (١/ ١٠٥، ١٠٦)، شرح التسهيل (١/ ١٣٧)، التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه، لأبي عبيد البكري، (ص ٦١، ٦٢)، سمط اللآلي في شرح أمالي القالي، لأبي عبيد البكري، (١/ ٤٧٥).
[ ١ / ٤٩١ ]
بِنَا رسُولُ الله - ﷺ - وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ" (١). (٢)
قلتُ: يحتمل أن يكُون الكَلام بمعنى النفي، والتقدير: "ونحن ما كُنا قَطّ أكثر منا يومئذ". (٣)
قوله: "أشَدّ": منصوبٌ، صفة لمصدر محذوف، أي: "غضب غضبًا أشد"، أو حال، كما تقدّم في مثله. و"أشدّ": لا ينصرفُ (٤) للوزن والصّفة. واستُعمل بـ "من"، وهُو أحَد أحوَاله الثّلاثة. وتقدّم الكلامُ على "أفعل التفضيل" في الأوّل من "كتاب الصلاة".
والعامِلُ في الظرف: "غضب"، والعاملُ في "مما": "أشدّ". وتمييز "أشدّ" محذوف، أي: "أشَدّ غضبًا".
و"من" مع "أفعل التفضيل" للتبعيض. (٥)
و"ما" مع "من" هنا مَصْدرية، أي: "أشدّ من غضبه يومئذ". (٦)
_________________
(١) صحيحٌ: البخاري (١٦٥٦).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٤٨). وراجع: إرشاد الساري (٩/ ٦٨)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ١٧٧، ٣٢٥).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٨).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٨)، شرح المفصل (١/ ١٢٥).
(٥) ذكر في مواضع عدة أنه قد اختلف هل هي معه للتبعيض أو لابتداء الغاية؟ وانظر: البحر المحيط (٦/ ٤٤٧)، (٧/ ١٠٣)، الجنى الداني (ص ٣٠٩، ٣١١، ٣١٢)، حُروف المعاني والصفات (ص ٥٠)، اللمحة (١/ ٦٤، ٤٢٦ وما بعدها)، الجزولية (ص ١٢٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، توضيح المقاصد (١/ ١٣٩)، (٢/ ٩٣٤)، أوضح المسالك (٣/ ١٨)، مغني اللبيب (ص ٤٢٠)، شرح التسهيل (٣/ ١٣٦)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠، ٣٠١)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
(٦) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٨).
[ ١ / ٤٩٢ ]
قوله: "فقَال": معطُوفٌ على "غضب".
وقوله: "يا أيها الناس": "يا" حَرْفُ نداء، وجعلها بعضهم اسم فعل. و"يا" موضُوعة للبعيد، وقد يُنادى بها القريب توكيدًا. وقيل: هي مُشتركة بينها وبين المتوسط. وهي أكثرُ حُروف النداء استعمالًا؛ ولهذا لا يُقدَّر عند الحذف سواها، نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. ولا يُنَادَى اسمُ الله تعالى والمستغَاث و"أيها" و"أيتها" إلّا بها، وكذلك المندوب يُنادَى بها وبـ "وا". (١)
وزعَم بعضهم أنّ نصبَ المنادى بحرف النداء. والصّحيح: أنه بـ "ادعوا" مُقَدَّر.
ولم يُناد في جميع القُرآن إلّا بـ "يا". وقيل في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩]: إنّ "الهمزة" حَرْفُ نداء، وهُو ضَعيفٌ. (٢)
و"أي": مُنادَى، و"النّاس" صفته، و"ها" للتنبيه، ولها مَوْضعٌ تُذكَر فيه. وقيل: "أي" في باب النداء موصُولة بمعنى "الذي". وقيل: هي هنا صِلة لنداءِ مَا فيه الألِف واللام. (٣)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ١٥١)، الجنى الداني (ص ٣٥٤ وما بعدها)، أوضح المسالك (٤/ ٥ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٤٨٨ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٣٤).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٥١)، تفسير القرطبي (١٥/ ٢٣٨، ٢٤٠)، زاد المسير لابن الجوزي (٤/ ١٠)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٠٦)، الدر المصون (١/ ١٨٥)، تفسير ابن عرفة (٣/ ٣٨٢)، تفسير البغوي (٧/ ١١٠)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٥٢٠)، التحرير والتنوير لابن عاشور (٢٣/ ٣٤٥)، مغني اللبيب (ص ١٨).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٥١، ١٥٣)، (٨/ ٢٠٢)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٠٦، ٤٠٧)، الدر المصون (١/ ١٨٥، ١٨٦)، (٨/ ٥٦٧)، علل النحو (ص ٣٤٥)، نتائج الفكر (ص ١٥٧)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٨٣٥)، شرح التسهيل (٣/ ٣٩٩)، شرح المفصل (١/ ١٥٧).
[ ١ / ٤٩٣ ]
والألِف واللام في "النّاس" للجنس أو للعَهْد.
و"ناس": اسمُ جمع، لا واحِدَ له مِن لفْظه. و"أناسي" جمع "إنسان"، أو جمع "إنسي". وقيل: مادته من "نوس"، وقيل: من "نَسِيَ". ولا يكادُ يُقال: "الأناس". (١)
قوله: "إنّ منكم مُنفّرين": خبرُ "إنّ" تقدّم في المجرور، وبه يتعلّق حرف الجر.
قوله: "فأيكم أمّ النّاس فليُخفّف": تقدَّم الكلامُ على "أي" في الثّالث من "باب التيمم" وفي الأوّل من "كتاب الصلاة". وهي هنا اسم استفهام مبتدأ، ومُضاف إليه. و"أمّ" جملة في محلّ الخبر.
و"أي" مُعْرَبَة في سائر أحوالها، إلا إذا كانت موصولة وحُذف صَدْر صلتها (٢)، وقد تقدَّم حُكمها قريبًا.
قوله: "فليُوجز": "الفاءُ" جوابُ الشّرط. قال أهل اللغة: يُقال: " [وجزتُ] (٣) الكلام": "قصرته"، و"كلام مُوجز" - بفتح "الجيم" وكسرها - و"وَجْز" و"وَجيز". (٤)
وقيل: الظاهِرُ أنّ الإيجازَ والاختصارَ مُترادفان. وفي الصحاح: اختصارُ الكلام إيجازُه. (٥)
_________________
(١) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ٥٤)، البحر المحيط (١/ ٨٤، ٨٥)، اللباب لابن عادل (١/ ٣٢٨ وما بعدها)، الدر المصون (١/ ١١٨ وما بعدها)، إعراب القرآن وبيانه (١/ ٣٠)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٦٣).
(٢) انظر: الكتاب لسيبويه (٢/ ٣٩٨، ٣٩٩)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٦٠٧)، مُشكل إعراب القرآن لمكي (٢/ ٤٥٨).
(٣) كذا بالنسخ. وفي المصادر: "أوجزت".
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٦٠١، ٦٠٢)، الصّحاح للجوهري (٣/ ٩٠٠)، لسان العَرب (٥/ ٤٢٧)، تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٨٩).
(٥) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ٦٠٢)، الصحاح (٢/ ٦٤٦)، لسان العَرب=
[ ١ / ٤٩٤ ]
قوله: "فإنّ مِن ورائه": الفاءُ سَبَبية، و"من" لابتداء الغاية (١)، أو زائدة في الإثبات، وهو اختيارُ ابن مالك (٢) وغيره.
وقد تقدّم الكَلامُ على "وراء"، واقتران "مِن" بها، وعدم اقترانها لاختلاف محالها، في الثالث من "باب الصفوف".
قوله: "الكبير": منصوبٌ على أنه اسم "إنّ"، والخبر في المجرور، وفي المعنى هُو صفة لموصُوف محذوف، أي: "الشّيخ الكبير".
"والصبي": "الصغير الذي لم يُراهق"؛ لأنه مَظنّة القلق.
"وذا الحاجة": أي: "صاحب الحاجَة".
***
_________________
(١) = (٤/ ٢٤٣)، (٥/ ٤٢٧)، تاج العروس (١٥/ ٣٦٨)، كشاف اصطلاحات الفنون (١/ ٢٩١).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٢، ١٨٩)، عقود الزبرجد (١/ ٢٩٨)، (٢/ ٣٧٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٢)، الكتاب (٤/ ٢٢٤)، المقتضب (١/ ٤٤)، الأصول لابن السراج (١/ ٤٠٩)، علل النحو (ص ٢٠٨)، المفصل (ص ٣٧٩)، الجزولية (ص ١٢٤)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧١).
(٣) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٩٧ وما بعدها)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١٣٠ وما بعدها).
[ ١ / ٤٩٥ ]
باب صفه صلاة النبي - ﷺ -
الحديث الأوّل
[٨١]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﷺ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا كَبَّرَ في الصَّلاةِ سَكَتَ هُنيهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كما بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ" (١).
تقدّم في أوّل الكتاب إعراب السَّند.
و"إذا" وجوابها في محلّ خبر "كان"، والجوابُ: "سَكَت ".
قوله: "هُنَيهَة": أي: "سُكيتة".
قال في "الصّحاح" (٢): هو تصغيرُ "هَنُ"، و"هَنُ" منقُوصٌ، ويُقال: "هنية" أيضًا بغير "هاء"، وقد رُوي الحديثُ بهما، "هنيّة" (٣) بتشديد "الياء". وأصْلُ "هُنيّة": "هنيوة"، اجتمَعَت "الياء" و"الواو"، وسُبقت [إحداهُمَا] (٤) بالسّكُون؛ فقُلبَت "الواو" يَاءً، وأُدْغِمَت "الياءُ" في "الياء". و"الواو" من هَمَزَهَا فقَد أخْطَأ. (٥)
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٤) في الأذان، ومسلم (٥٩٨) في المساجد.
(٢) راجع: الصحاح (٦/ ٢٥٣٥ وما بعدها).
(٣) صحيح: مُسلم (٥٩٨/ ١٤٧).
(٤) بالنسخ: "إحديهما". والمثبت من المصادر.
(٥) انظر: فتح الباري (٢/ ٢٢٩)، عُمدة القاري (٥/ ٢٩٣)، إرشاد الساري (٢/ ٧٧)، شرح النووي لمسلم (٥/ ٩٦)، عقود الزبرجد (٣/ ١٧)، نيل الأوطار (٢/ ٢٢٢)، الصحاح للجوهري (٦/ ٢٥٣٥ وما بعدها)، لسان العرب (١١/ ٣١، ٣٢)، (١٥/ ٣٦٦)، تاج العروس (١/ ٥١٦)، (٤٠/ ٣١٥).
[ ١ / ٤٩٦ ]
قال في "الصّحاح": تردّها في التصغير إلى أصلها، تزيدها "الهاء"، كما تقول: "أُخيّة" و"بُنيّة". وقد تُبدَل من "الياء" الثّانية "هاء"؛ فيُقَال: "هُنَيْهَة". ومنهم من يجعلها بَدَلًا من "التاء" التي في "هَنْت". والجمعُ: "هنات". ومَن رَدّ قَالَ: "هنوات" (١). وجمعُ "هَن": "هنون" (٢).
قال القاضي عياض: "هُنيهة" تصغيرُ "هَنَة". (٣)
و"الهن": كنايةٌ عن كُلّ شَيءٍ، وتلحقُه "الهاءُ" أحيانًا. (٤)
إذا ثبت ذلك: فـ "هنيهة" كناية عن "سُكَيتة".
قال الزّمخشري: "هن" و"هنة" للكناية عن أسماء الأجناس. انتهى. (٥)
و"هُنيهة" مُنصَرفٌ؛ لأنّه ليس بعَلَم، بخلافِ "فُلان"، فإنّه عَلَم، لكن تخلّف عنه الشّرْط الثّاني؛ فلذلك انصرَف.
فتقرّر من هذا كُله أنّه مَنْصُوبٌ نصْب المكنَّي عنه، وهو المصْدَر.
_________________
(١) انظر: عمدة القاري (٥/ ٢٩٣)، الصحاح للجوهري (٦/ ٢٥٣٦ وما بعدها)، المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ٤٢٦، ٤٢٧)، لسان العرب لابن منظور (١٥/ ٣٦٦)، تاج العروس (٤٠/ ٣١٥)، شمس العلوم (١/ ٧١).
(٢) انظر: عقود الزبرجد (٣/ ٢٠٦)، الصحاح للجوهري (٦/ ٢٥٣٦)، المُحكم والمحيط الأعظم (٤/ ٤٢٧)، لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٩٦)، (١٥/ ٣٦٧)، تاج العروس للزبيدي (٤٠/ ٣١٤، ٣١٧).
(٣) انظر: مشارق الأنوار (٢/ ٢٧١)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٦)، عقود الزبرجد للسيوطي (٣/ ١٧)، سر صناعة الإعراب (١/ ١١٧)، المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ٣٥٨)، شمس العلوم (١/ ٧١).
(٤) انظر: فتح الباري (٣/ ٢١٧)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٦، ٧)، عقود الزبرجد (٣/ ١٧، ٢٠٦)، مشارق الأنوار (٢/ ٢٧١)، لسان العرب (١٥/ ٣٦٩).
(٥) انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ٦)، المفصل (ص ٣٢)، شرح المفصل (١/ ١٤٥ وما بعدها)، مفتاح العلوم للسكّاكي (ص ١٥٠).
[ ١ / ٤٩٧ ]
قوله: "قبل أن [يقرأ] (١) ": تقدّم الكلامُ على الأسماء التي تُصغَّر في الرّابع من "باب تسوية الصفوف"، ومنها "قبل" و"بعد". و"أن يقرأ": في محلّ جر بالإضَافة، أي: "قبل القراءة".
قوله: "فقُلتُ": معْطُوفٌ على "سَكَت"، وفيها معنى السّبب. و" [يا رسُول] (٢) الله": تقدَّم القولُ فيه قريبًا، وهو محكيّ بالقول.
قوله: "بأبي أنتَ وأمّي": تقديره: "أفديك بأبي وأمي"، فحرفُ الجر يتعلّق بالفعل المحذوف، وحُذف العاملُ اختصارًا؛ لدلالة الكَلام عليه.
وزاد المحذوف بيانًا ضمير "أنت"؛ لأنّه إمّا أن يكُون تأكيدًا لضمير المفعول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] (٣)؛ فمحلّه نَصْب، أو مُبتدأ؛ فمحلّه رَفع، ويكُون خبره في الجملة المحذوفة، وتقديرُ الكَلام: "أنت أفديك بأبي وأمي"، فلما حُذف الخبرُ قُدِّم المجرورُ على المبتدأ ليدلّ على مُتعَلّقه؛ إذ ليس في الكَلام ما يتعلّق به غيره.
وتوسّط "أنت" بين المجرور وما عطف عليه أحسَنُ من تأخّره، ولو أخّر لجاز، كقوله: "بأبي وأمي أنت"، والمعنى على أنّ "أنت" تأكيد للضّمير المنصوب، وهو من أوجُه الإعراب. والله أعلم.
ولا يصحُّ أن يكُون "أنت" تأكيدًا للضّمير المجرور في "بأبي" ولا بَدَلًا منه؛ لفسَاد المعنى، ولا مُبتدأ - والخبر في المجرور - لعَدَم الفَائِدة. (٤)
_________________
(١) بالنسخ: "تقرأ".
(٢) بالنسخ: "يرسول".
(٣) وكذا بسورة [غافر: ٨] وبسورة [الممتحنة: ٥].
(٤) انظر: عُمدة القاري (٥/ ٢٩٣ وما بعدها)، إرشاد الساري (٢/ ٣٧٦)، عقود الزبرجد للسيوطي (٣/ ١٢٥)، المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث للأصبهاني المديني (١/ ٢٥، ٢٦)، النهاية لابن الأثير (١/ ٢٠).=
[ ١ / ٤٩٨ ]
قال ابنُ مالك: يجوز في "بأبي" أربعة أوْجُه: -
إثباتُ "الهمزة" و"الياء".
الثاني: إبدالُ "الهمزة" ياء، "بيَبي".
الثالث: سَلامَة "الهمزة"، وإبدال "الياء"، "بأَبَا".
الرابع: إبدالُ "الهمزة" ياء، و"الياء" ألِفًا، "بيَبَا". (١)
قوله: "أرأيتَ سُكوتك": "الهمزة" للاستفهام. و"رأيت": هنا العِلْمية، بمعنى "أخبرني" (٢)؛ ولذلك يجُوز في "الهمزة" من "رأيت" التسهيل (٣)، وهو قولُ الشاعر:
أريت إن جاءت به أُمْلُودا مُرَجّلًا ويلبس البرودا
[أقائلن] (٤): أحضروا الشهودا (٥)
_________________
(١) = المديني (١/ ٢٥، ٢٦)، النهاية لابن الأثير (١/ ٢٠).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٥٧).
(٣) انظر: عقود الزبرجد (١/ ١٨٢، ١٨٣)، (٣/ ١٧)، نيل الأوطار (٢/ ٢٢٢).
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٧)، عقود الزبرجد (٢/ ٤١).
(٥) بالنسخ: "أقائلا". والمثبت من المصادر.
(٦) الرجز لرُؤبة بن العجَّاج. وقيل: لرجل من هذيل. وفي بعض المصادر: "جئت"، وفي بعضها: "معَّما ويلبسُ". وفي بعضها: "أقائلن"، وفي بعضها: "أقائلون". والأملود: الغصن الناعم. والمرجّل: الذي شعره بين الجعودة والسبوطة. يقول: أخبرني إن جاءت هذه بشاب يتزوجها مرجل الشعر حسن الملبس كالغصن الناعم؛ أآمِرٌ أنت بإحضار الشهود لعقد نكاحها عليه، ينكر وقوع ذلك منه. انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٥٠٤)، سر صناعة الإعراب (٢/ ١١٨)، الخصائص (١/ ١٣٧)، شرح التصريح (١/ ٣٥، ٣٦)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤١٢)، شرح التسهيل لابن مالك (١/ ١٤)، الجليس الصالح الكافي (ص ٦٧٨)، المعجم المفصل (٩/ ٣٩٦)، =
[ ١ / ٤٩٩ ]
قال بعضهم: مفعولها الثّاني لا يكُونُ إلّا جملة استفهامية، وبذلك جاء كثير القرآن، ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) أَعِنْدَهُ﴾ [النجم: ٣٣ - ٣٥]، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩]، فيكُون هنا "ما تقُول" في محلّ المفعول الثّاني. (١)
قال الفراء: تسهيل همزة "أرأيت" هو الفاروق بين "أرأيت" بمعنى ["أخبرني"] (٢) وبينها بمعنى "علمت"، فإذا [كان] (٣) بمعنى "أخبرني" جاز أن يدخلها "الكاف". وتختلف "التاء" باختلاف المخاطَب؛ فتُفتح وتُكسَر. (٤)
و"الكافُ" حَرفُ خطاب، لا محلّ له من الإعراب. و"التاء" عند البصريين فاعل. (٥)
ومذهبُ الفرّاء: أنّ "التاءَ" حرفُ خطاب كهي في "أنت"، و"الكاف" بعد "التاء" في "أرأيتك" في موضع الفاعِل، استُعيرت من ضمائر النّصب للرّفع. (٦)
_________________
(١) = شذا العرف في فن الصرف للحملاوي (ص ٤٤)، الموجز في قواعد اللغة العربية (ص ٥١).
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٥٠٨، ٥٠٩)، (١٠/ ٥١٠)، اللباب لابن عادل (١٥/ ٨٧)، حاشية الشِّهَاب على تفسيرِ البَيضَاوِي (٨/ ٣٧٩)، تفسير الألوسي (١٥/ ٤٠٧)، إعراب القرآن وبيانه (١٠/ ٥٣٢)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ١٨٢، ١٨٣)، (٢/ ٤١)، الكتاب لسيبويه (١/ ٢٤٠).
(٣) بالنسخ: "خبرني".
(٤) كذا بالنسخ.
(٥) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٣٣٣)، البحر المحيط (٤/ ٥٠٧، ٥٠٨)، عقود الزبرجد (٢/ ٤٠، ٤١)، شرح التسهيل (١/ ٢٤٧)، الكليات (ص ٧٩).
(٦) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٨)، عقود الزبرجد للسيوطي (٢/ ٤١)، شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٢٤٧)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٧٣، ١٧٩)، سر صناعة الإعراب (١/ ٣١٨)، الهمع (١/ ٣٠٢).
(٧) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٣٣٣)، البحر المحيط (٤/ ٥٠٨)، عقود الزبرجد =
[ ١ / ٥٠٠ ]
قال في "المجيد": نصَّ سيبويه والأخفش والفرّاء والفارسي وابن كَيْسَانَ وغيرُهم على أنّ "أرأيت" و"أرأيتك" بمعنى "أخبرني"، وهو تفسيرٌ معنوي. (١) قالوا: فتقول العَرَب: "أرأيتَ زيدًا ما صنع؟ " فيلزم المفعول الأوّل النّصب، ولا يُرفَع على تعليق "أرأيت"؛ لأنّها بمعنى "أخبرني"، و"أخبرني" لا تُعَلَّقُ. (٢)
والجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثّاني، بخلافها إذا كانت بمعنى "علمت"؛ فيجُوز تعليقها. (٣) انظر تمام الكَلام في "المجيد" لأبي حيان (٤) ﵀.
وقال الشيخُ تاج الدّين الفاكهاني: روايتنا في "أرأيت" ضَمّ "التاء". (٥)
قُلتُ: هذا غَريبٌ؟ فإنَّ جميعَ ما جَاء من "أرأيت" بمعنى "أخبرني" في القرآن "التاء" فيه مفتُوحة (٦)، وتقَدّم أنّها تجري مع المخاطَب.
إذا ثبت ذلك: فقوله "سُكوتك" منصُوبٌ على أنه مفعول بـ"أرأيت" بمعنى "أخبرني"، على أنه أسْقَط حَرْفَ الجرّ منه، أي: "أخبرني عن سُكوتك".
و"بين": ظرْف، تقَدّم الكَلامُ على "بين" في الثّالث من "باب السّواك".
قوله: "ما تقول؟ ": "ما" استفهامية، محلّها رفع بالابتداء، والخبر في الفعل
_________________
(١) = (٢/ ٤١)، شرح التسهيل (١/ ٢٤٧)، الهمع (١/ ٣٠٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٨)، عقود الزبرجد (١/ ١٨٢، ١٨٣)، (٢/ ٤١)، الكتاب لسيبويه (١/ ١٢٧، ٢٣٩، ٢٤٠).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٨)، عقود الزبرجد (٢/ ٤١، ٢٥٩)، سر صناعة الإعراب (١/ ٣١٨ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٩١)، الهمع (١/ ٣٠٢).
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٠٨)، عقود الزبرجد (١/ ٨٣ ١).
(٥) ليس كتاب "المجيد" لأبي حيان، بل هو للصفاقسي، كما سبق بيانه.
(٦) انظر: رياض الصالحين (٢/ ١٥١)، عقود الزبرجد (٣/ ١٨).
(٧) انظر: عقود الزبرجد (٣/ ١٨).
[ ١ / ٥٠١ ]
بعدها، وهو المفعول الثاني لـ"رأيت" على ما تقدّم. وتقَدّم الكَلامُ على "ما" في الحديث الأول من "باب التيمم".
قوله: "قال: أقول": فاعل "قال" و"أقول" ضمير"النبي - ﷺ -"، وجملة "أقول" معمولة للقول.
قوله: "اللهم": تقدّم الكلامُ عليها في الأوّل من"الاستطابة".
وأمّا "خَطَاياي": فأصله عند الخليل "خَطَائِءُ"، فـ" الهمزة" الأولى بدَل من "الياء" الزائدة في "خطيئة"، و"الهمزة" الثّانية هي "لام" الفعل، ووزنه "فعائل"، واستثقل الجمعُ بين همزتين في كَلمة، فقُدِّمت "الياءُ" الزائدة بعد "الهمزة" - التي هي "لام" الكلمة - فصار "خَطائي"، "الهمزة" بعدها "ياء"، ثم أبدلت "الياء" ألِفًا بدَلًا لازمًا مسمُوعًا من العَرب في هذا البناء من الجمع، وإذا أبدلت من "الياء" ألِفًا لزم أن تبدل من كسرة "الهمزة" التي قبلها فتحة، إذ "الألِف" لا يكون ما قبلها إلا مفتُوحًا، فلما انفتحت "الهمزة" صارت " [خطاءَا] (١) "، اجتمعت ألِفان بينهما "همزة"؛ فأبدل من "الهمزة" ياء، فصار "خطايا"، فوزنها "فعالى"، مقلُوبٌ من "فعائل".
وسيبويه يرى أنْ لا قلب فيه، لكنه أبدل من "الهمزة" الثانية - التي هي "لام" الفعل - "ياءً"؛ لانكسار ما قبلها، ثم أبدل منها ألِفًا، على ما تقدّم من مذهب الخليل؛ فوزنه عنده" فعالى" محوَّل من "فعائل". (٢)
_________________
(١) بالنسخ: "خطاءً". والمثبت من المصادر.
(٢) انظر: رياض الأفهام (٢/ ١٥٥، ١٥٦). وراجع: البحر المحيط (١/ ٣٥٢)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١)، العين (٤/ ٢٩٢)، الكتاب (٣/ ٥٥٢، ٥٥٣)، (٤/ ٣٧٧)، شرح المفصل (٥/ ٢٨٠، ٢٨١، ٥٠١)، الأصول لابن السراج (٢/ ٤٠٣)، شرح الشافية للرضي (١/ ٢٥، ٢٥٨)، (٣/ ٥٩، ٦٢، ١٨١)، شرح الشافية للركن الأستراباذي (٢/ ٧١٠، ٧١١، ٨٣٦)، توضيح المقاصد (٣/ ١٥٧٣).
[ ١ / ٥٠٢ ]
إذا ثبت ذلك: فالتقديرُ هُنا: "اللهم باعِد بيني وبين خَطَايَاي كَما بَاعَدْت بين المشْرق والمغرب"، فـ" ما" المحذُوفة موصُولة. (١)
وهنا بحثٌ ذكره الشيخ أبو حيّان عند قوله تعالى في "سورة المائدة": ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، قال أبو عبد الله الرّازي: التقدير: "شهادة ما بينكم". (٢)
قال: ونظيره قوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، أي: "ما بيني وبينك"، ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قراءة مَن نَصَب. (٣)
واعتُرض بأنّ "ما" الموصولة لا تحذَفُ عند البصريين، ولو سلم فلا يصح حذفها مع الإضافة البتة؛ لأنّ الإضافة إليه أخرجته عن الظرفية وصيرته مفعولًا به على السعة، وليس قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] نظيره، ولا قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] بالنّصب، لأنّ ذلك مُضَافٌ إليه، وهذا باق على ظرفيته، فيُمكن أن يتخيّل فيه تقدير "ما" دون الأوّل. انتهى. (٤)
وعلى ذلك: فـ"بين" في محلّ الصّلة، [ويتنزل] (٥) على ما قاله الرّازي من جَوَاز حَذْف الموصُول (٦)، وإلا فيجرى على ظاهره من غير تقدير.
قوله: " كما باعَدْت بين المشْرق والمغْرب": "كما" الكَافُ هنا نعْتٌ لمصدر محذوف، أي: "باعِد مُباعَدة مثل مُباعدة ما بين المشْرق والغْرب". وقيل: "الكَافُ"
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٢/ ٧٧)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٧١).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٩٠)، مفاتيح الغيب، تفسير فخر الدين الرا زي، ط دار إحياء التراث العربي، (١٢/ ٤٥٠).
(٣) انظر: تفسير الرازي (١٢/ ٤٥٠)، البحر الحيط (٤/ ٣٩٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٩٠).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فتنزل".
(٦) راجع: شواهد التوضيح والتصحيح لابن مالك (ص ٢٦)، الهمع للسيوطي (١/ ٣٤٣)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٨٣٥).
[ ١ / ٥٠٣ ]
هُنا - وحيث وَقَعَت مع "ما" - في محلّ نَصْب على الحال، أي: "باعد المباعدة مثل "، أي: "مثل هذه الحال". (١)
قال أبو حيان: "الكَافُ" حَرفُ تشبيه. وتختصّ اسميتها بالشِّعر على الأصح. وتجيء زائدة. وتُوافق "على"، " كخَير" في جَواب مَن قَال: "كيف أصبحت؟ ". وللتعليل، نحو قوله تعالى: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. (٢)
قال أبو حيّان في قوله تعالى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣]: مَوْضِعُ الكَاف نصب على الحَال من المصْدَر المفهُوم من الفِعْل المتقدّم المحْذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، أي: "آمنوا الإيمان على هذه الحالة". (٣)
ولا تكونُ عنده [نعتًا] (٤) لمصْدَر محذُوف؛ لأنه يُؤدّي إلى حَذْف الموصوف (٥) في غير المواضع المستثناة (٦) التي تقَدّم ذكْرها في الرابع من "كتاب الصّلاة"، وفي الثاني من " التيمم".
_________________
(١) راجع: إعراب لامية الشنفري (ص ٩٣، ١١١)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٧٨٢)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٢١١).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٢)، سر صناعة الإعراب (١/ ٣٢٥)، الجنى الداني (ص ٨٣ وما بعدها، ٨٦)، أوضح المسالك (٣/ ٤٢ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٢٣٢ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٥٤ وما بعدها)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١٦٩ وما بعدها)، الهمع للسيوطي (٢/ ٤٧٧).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠).
(٤) بالنسخ: "نعتٌ". والمثبت من المصادر.
(٥) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٣٥)، البحر المحيط (١/ ١١٠).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٠ ١١، ٥٥٥)، الكتاب (١/ ٢٢٧، ٢٢٨)، الأصول لابن السراج (١/ ١٩٣ وما بعدها)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٢٠٤)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ١٤٤ وما بعدها).
[ ١ / ٥٠٤ ]
وأجَاز الزمخشري في "كما" أنْ تكُون "مَا" كَافّة للكَاف عَن الجر. (١)
قوله: "اللهم نقّني": أصلُه: "نقيني"، فحُذِفَت؛ عَلامَة [للبناء] (٢). (٣) و"مِن": لبيان الجنس (٤).
والكَلامُ على "كما" [تقدّم] (٥).
وعَلامَةُ الجرّ في "خَطَايَاي": كَسْرَة مُقَدّرة؛ لأنّه مُضَافٌ إلى "يَاء" المتكَلِّم. (٦)
قوله: "بالثلج والماء والبرَد": استعارات في مُبالغة التنقية.
_________________
(١) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ٦٤)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٣٠)، البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١١٠).
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) انظر: اللمحة (١/ ١٤٠)، شرح المفصل (٤/ ٢٩٤)، شرح شذور الذهب للجوجري (١/ ٢٣١)، المنهاجُ المختَصر (ص ٢٠)، النحو الوافي (١/ ٨١).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٣٠٩)، حروف المعاني والصفات (ص ٥٠)، اللمحة (١/ ٦٤)، المقدمة الجزولية (ص ١٢٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، أوضح المسالك (٣/ ١٨)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٤٢٠)، شرح الأشموني (٢/ ٧٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
(٥) غير واضحة بالأصل.
(٦) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٨٣)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٨٧٩)، جامع الدروس العربية (١/ ٢٤).
[ ١ / ٥٠٥ ]
الحديث الثاني:
[٨٢]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِير، وَالْقِرَاءَةَ بـ "الحْمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ"، وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقُولُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشيْطَان، وَيَنْهَى أَنْ [يَفْتَرِشَ] (١) الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُع، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْلِيم" (٢). (٣)
قوله: "يستفتح الصَّلاة": جملة في محلّ خبر "كان"، وهي بمعنى"يفتتح"، و"بالتكبير" يتعلّق بـ "يستفتح".
قوله: "والقراءة": تُروَى بنصْب "التاء" وجَرِّها، والمعنى يختلف، فعلى النّصب يكون افتتاحُ الصّلاة بالتكبير وافتتاح القراءة بـ"الحمد لله"، ومُقتضاه لا يمنع دُعَاء الاستفتاح بين التكبير والقراءة. وعلى الجرّ يكُون معطُوفًا على التكبير؛ فيجمع بينهما في استفتاح الصّلاة، ومُقتضاه سُقوط دُعَاء الاستفتاح. (٤)
قوله: "وكان إذا ركَع لم يُشخص رأسه": "لم يشخص" جوابُ "إذا"، و"إذا" جوابُها (٥) خبرُ"كان".
_________________
(١) بالنسخ: "يفرش". والمثبت من " العُمدة" (ص ٧٢).
(٢) مسلم (٤٩٨) في الصلاة، وعند ابن ماجه (٨٩٣) في إقامة الصلاة.
(٣) هذا الحديث سها المصنف في إيراده في كتابه، فإنّه من أفراد مسلم، وشرطه إخراج ما اتفقا عليه. انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ١٩).
(٤) راجع: الإعلام لابن الملقن (٣/ ١٩)، عون المعبود شرح سُنن أبي داود للعظيم آبادي (٢/ ٣٣٤).
(٥) أي: جوابُ "إذا".
[ ١ / ٥٠٦ ]
و"يُشخص" بضم "الياء"، من "أشخص". يُقَال: "شخص الرجل" إذا "ارتفع"، غير مُتعَدّ، ثم نُقل بـ "الهمزة" إلى مفعول واحد. وإذا قلق الرجُل من شيء يُقال فيه: "شخص"، كأنه ارتفع عن الأرض لقَلقه. (١)
و"كان " تقدّمت في الحديث الأوّل من الكتاب، و" إذا" في الثّاني منه.
قوله: "بالحمد للَّه: حَرفُ الجر دخَل على الجملة، والجملة المحكيّة مبنية، لا أثر للعَامِل فيها. وقوله: "ولم يُصوبه " معْطُوفٌ عليه.
و"لكن " تقدّمت في الحديث الثّاني من "باب الاستطابة"، وهي هُنا حَرْف ابتداء، وليست عاطِفَة؛ لأنها وَلِيَت "الواو"، ولم يتقَدّمها نفي، ولا وَقَع بعدها مُفْرَد. (٢) والتقديرُ هُنا: "ولكن كَان بين ذلك"، أي: "كان وقوعه بين ذلك"، فـ" بين" معمولة لخبر "كان" المقَدَّرة.
وأضاف "بين" إلى "ذلك" وهو اسمُ إشارة مُفرَد، وحَقُّ "بين" أن لا تُضَاف إلّا إلى ما يُمكن فيه التثنية، ولهم عن ذلك جوابان: -
أحدهما: أنه مُثنّى في المعنى؛ لأنّ تثنية اسم الإشارة وجمعه ليس حقيقة، فالأصلُ إفراده وتذكيره لفظًا؛ فيكُون المرادُ هنا التثنية، وتكونُ الإشارة إلى الأوسَط بين الشّخوص والتصويب، وهو حَدّ الاعتدال.
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٣٤)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٣٨، ٣٩)، العين (٤/ ١٦٥)، مجمع بحار الأنوار (٣/ ١٨٥، ١٨٦)، المصباح المنير للفيومي (١/ ٣٠٦)، لسان العرب لابن منظور (٧/ ٤٦).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٥٩١)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ١٠١٨)، أوضح المسالك (٣/ ٣٤٦ وما بعدها)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٣٨٥)، شرح الأشموني (٢/ ٣٨٧)، شرح التصريح (٢/ ١٧٦)، شرح المفصل لابن يعيش (٥/ ٢٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٤٨، ٢٤٩).
[ ١ / ٥٠٧ ]
الجوابُ الثاني: أنّ التقدير: "بين ذلك وذلك"، فحُذف المعطوف؛ لدلالة المعنى عليه. (١)
و"بين": ظرفُ مكان، يزول عنها الاختصاص بالأسماء، فيليها إذ ذاك الجملتان (٢). وربما أضيفت"بينا" إلى مَصْدَر (٣)، نحو:
بَيْنَا تَعَانُقه الكُمَاة (٤)
بخَفْض: "تَعَانُقه". (٥)
وتقدّم الكَلامُ عليها في الحديث الثّالث من "السّواك".
قوله: "حتى يَستويَ": تقدم الكلام على "حتى" في الثاني من أول الكتاب. و" قائما": حالٌ من فاعِل "يستوي"، وهي حَالٌ مُقدَّرة، كقوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٣٨، ٤٠٦، ٤٠٧)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٣٩)، التعليقة على كتاب سيبويه (٣/ ٢٥٣ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ١١٨)، مغني اللبيب (ص ٢٦٨ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ١٥٤ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ١٤٦، ١٤٧، ٧٠٨)، شرح التسهيل (١/ ٢٤٩)، (٣/ ٢٤١)، شرح المفصل (٢/ ١٥٥)، سر صناعة الإعراب (١/ ٣٩)، توضيح المقاصد (١/ ٤٢٤)، الهمع (١/ ١٨٧)، (٢/ ٢٠٥).
(٢) أي: الاسمية، والفعلية.
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠١)، عقود الزبرجد (١/ ٢٧٠ وما بعدها)، (٢/ ٤٢١)، سر صناعة الإعراب (١/ ٣٩)، الهمع (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٦)، المنهاجُ المختَصر (ص ١٠٠)، النحو الوافي (٢/ ٢٨٦ وما بعدها).
(٤) البيتُ من الكامل، وهو لأبي ذؤيب الهذلي. والبيتُ هو: بَينا تَعانُقِهِ الكُماةُ ورَوْغِهِ يَومًا أتيحَ لَهُ جَرئٌ سَلْفَعُ انظر: جمهرة أشعار العرب (ص ٥٣٤، ٥٤٩)، مُغني اللبيب (ص ٦٧٧)، الجنى الداني (ص ١٧٦)، تاج العروس (٢١/ ٢١٩)، المعجم المفصّل (٤/ ٣١٥).
(٥) انظر: الجنى الداني (ص ١٧٦)، مغني اللبيب (ص ٦٧٧، ٦٧٨).
[ ١ / ٥٠٨ ]
غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (١) [النحل: ٩٢].
قوله: "وكان يقول في كُلّ ركعتين التحية": تقَدّم الكَلامُ على "كُلّ " في أول حديثٍ من الكتاب.
[قال ابنُ هشام: "كُل" اسمٌ موضوعٌ] (٢) لاستغراق أفراد المنكَّر، نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (٣)، والمعرّف المجموع، نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ [مريم: ٩٥]، وأجزاء المفرد المعرّف، "كُلّ زيد حَسَن".
فإذا قلت: "أكلتُ كُل رَغيف لزيد" كان لعُموم الأفراد. فإن أضفت "الرغيف" إلى "زيد" صارت لعُموم أجزاء فرد واحد.
ومن هنا وَجَب في قراءة غير "أبي عمرو" و"ابن ذكوان" (٤): ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] بترك تنوين "قلب"، تقدير "كُلّ" بعد "قلب"؛ ليعُم أفراد القلوب، كما عَمّ كُلّ أجزاء القلب.
وترد "كُلّ" باعتبار كُلّ واحد مما قبلها ومما بعدها. انظر تمام كلامه على "كُلّ" في "المغني". (٥)
والمتحصل من الذي ذكرناه: أنّ قوله في الحديث: "كُلّ ركعتين " - بإضافة "كُلّ" إلى النكرة المثنّاة - أفاد استغراق الأفراد، كما يستغرق أفراد النفوس في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وتقدّم الكلامُ على "كُل" في الأوّل وفي السّادس من "الاستطابة".
_________________
(١) انظر: تفسير البيضاوي (٣/ ٢٣٨)، إعراب القرآن وبيانه (٥/ ٣٥٩).
(٢) مكرّر بالأصل.
(٣) وكذا وردت في سورة [الأنبياء: ٣٥]، وفي سورة [العنكبوت: ٥٧].
(٤) انظر: الهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر (٣/ ١٩٩).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٥٥، ٢٥٦)، الهمع (٢/ ٥٩٧ وما بعدها).
[ ١ / ٥٠٩ ]
قوله: "التحية": إنْ كانت "التاء" مضْمُومة فالمرادُ لفظ مجمُوع "التحية" على الحكاية، وإن كانت "الياء" مفتوحة كان المرَاد لفظ الكَلمة وحدها. والظاهِرُ الأوّل، وهو من باب إطلاق الجُزء على الكُلّ. (١)
قال الشّيخ تقيّ الدّين: وهذا الموضعُ مما فَارَق فيه الاسم المسمّى، فإنّ "التحية": "الملك"، و"البقاء"، وذلك لا يُتصوَّرُ.
قال: وهذا بخلاف قولك: "أكلتُ الخبز"، فإنّ الاسم فيه المسمّى. (٢)
قلتُ: واسمُ "كان" في جميع مَوَاضعها هُنا ضَمير مُستتر يعُود على "النبي - ﷺ -".
قوله: "وينصب اليمنى": أي: "ينصب رجْله اليمنى"، فحُذف الموصُوف، لدلالة ما قبله عليه. (٣)
قوله: "وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشيْطَانِ": ويُروَى: "عن عَقِب الشّيطان" (٤).
قال الشيخُ تقيّ الدِّين: وفُسِّر بأنْ يَفْرش قَدَميه، ويجلس بأليتيه على عَقبيه، وقد سُمِّي ذلك: "إقعاءً". (٥)
قوله: "وأن يفترش": في محلّ نصْب أو جَر، على الخلاف في "أنْ" المصْدَرية إذا
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٣٥)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٤٢).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٣٥)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٤٢، ٤٣). وراجع: عُمدة القاري (١٤/ ٢٣).
(٣) هذا سهو من المصنف؛ فما في "العُمدة" بإثبات لفظ: "رجله"؛ فلا حذف هنا. ولكن الذي شرح عليه الشيخ ابن فرحون وارد في أحاديث أخرى عند ابن ماجه في سننه (١٠٦٢) والترمذي في سننه (٢٩٣) وابن أبي شيبة في مصنفه (٢٩٢٦).
(٤) كما في رواية ابن نُمَيْرٍ عن أبي خالد. صحيحُ مسلم (٤٩٨/ ٢٤٠).
(٥) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٣٥، ٢٣٦)، شرح سنن أبي داود للعيني (٣/ ٤٣٥)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٤٨ وما بعدها).
[ ١ / ٥١٠ ]
فُتحَت بعد حَرْف الجر. (١) و"يفترش": بضَم "الراء"، وكسرها. (٢)
و"افتراش": منصُوبٌ على أنّه مُضافٌ إلى نعْتٍ لمصدر محذوف، أي: "يفترش ذراعيه افتراشًا مثل إفراش [] (٣) " (٤).
و"يختم الصَّلاةَ بالتسليم": أي: بـ"السَّلام عليكم"، فالتسليمُ كناية عن اللفظ الموضوع في الشَّرْع للخُروج من الصّلاة. والباءُ فيها معنى الاستعانة، ويحتمل السببية والمصاحبة، كقولك: "خَرَج زيد بثيابه" (٥). أي: "مُصاحبًا للتسليم"؛ فيتعلّق بحَال.
الحديث الثالث:
[٨٣]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنكبَيْهِ إذَا افتتَحَ الصَّلاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوع، [وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُما كَذَلِكَ، وَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". وَكَانَ لا يَفْعَلُ] (٦) ذَلِكَ في السُّجُودِ (٧).
جملة "أنَّ النبي - ﷺ - في محلّ رفع مفعول لم يُسَم فاعله لمتعلق حَرْف الجر.
_________________
(١) انظر: الصبان (٩/ ٣٥١)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٣٧٧)، شرح القطر (ص ٦١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٤٢، ٤٣)، شرح التصريح (٢/ ٣٦٢ وما بعدها)، شرح الأشموني (٣/ ١٨٢ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٢٢٠).
(٢) انظر: لسان العرب (٦/ ٣٢٦)، المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٤٨)، تهذيب اللغة (١١/ ٢٣٦)، تاج العروس (١٧/ ٢٩٩).
(٣) بالأصل بياض بقدر كلمة، ولعلها: "السبع". والعبارة مستقيمة بدونها.
(٤) راجع: مرقاة المفاتيح (١/ ٢١٢، ٢١٣)، شرح المشكاة للطيبي (٢/ ٥٩٥)، شمس العلوم (٨/ ٥١٦٨)، القاموس المحيط (ص ٦٠١).
(٥) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، الهمع للسيوطي (٢/ ٤١٧ وما بعدها).
(٦) سقط من النسخ. والمثبت من "العُمدة" (ص ٧٣).
(٧) رواه البخاري (٧٣٥) في الأذان، (٧٣٨)، ومسلم (٣٩٠) في الصلاة.
[ ١ / ٥١١ ]
قوله: " [كان] (١) يرفَع يَديه": تقدّم القولُ على "كان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وخبرها هنا جملة: "يرفع يديه".
و"يديه": تثنية "يَدّ"، وهو منقُوصٌ غير مَقيس، ولذلك لم يُرَد المحذوفُ فيه، ولا في "دَم"، فتقول: "يَدَان" و"دَمَان" على الأفصح.
بخلاف المنقوص المقيس، فإنك تَرُد فيه المحذوف، وهو الذي يكون إعرابه مُقَدّرًا على الحرف المحذوف، مثل: "قاض" و"داع"، فتقول: تثنيته: "قاضيان" و"داعيان". وخَرَج عن القياس في المنقوص غير المقيس: "أخ" و"أب" و"حم" و"هن". (٢)
قوله: "حذو منكبيه": "حذو" هنا بمعنى "إزاء" من ظرف المكان، يُقال: "داري حَذوة داره" و"حُذوة داره" بالضّم والفتح، و"حذاء داره". (٣)
وجوابُ "إذا" محذوفٌ يدلُّ عليه "يرفع" المتقدّم.
قوله: "وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك": "إذا" الثانية معطوفة على الأولى، والتقدير كالتقدير في "إذا" الأولى.
وأمّا "إذا" الثانية: فجوابها قوله: "رفعهما".
ويحتمل أن يكُون جواب "إذا" الثّانية: "رفعهما"، وجوابُ "إذا" الثّالثة محذوفٌ
_________________
(١) بالنسخ: "وكان".
(٢) انظر: العين (٤/ ٣٢٠)، لسان العرب (١٤/ ٢١)، علل النحو (ص ٥٥٢)، شرح المفصل (٣/ ٢٠٣ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٣/ ١٤٦١)، الهمع (١/ ١٦٤)، النحو الوافي (١/ ١٣٦)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٦).
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣١١)، المخصص (٣/ ٣١٨)، المحكم والمحيط الأعظم (٣/ ٤٩٥)، لسان العرب لابن منظور (١٤/ ١٧١)، (١٥/ ١٧١)، القاموس المحيط (ص ١٢٧٣)، تاج العروس (٣٧/ ٤١٢).
[ ١ / ٥١٢ ]
يدلُّ عليه [جواب] (١) الثّانية.
ويُضعفه العطف عليه بقوله: "وقال". والحقُّ: أنَّ جوابَ الثّالثة: "رفعهما" كما تقدَّم، ويدلُّ عليه جواب "إذا" الثانية.
وحَسّن ذكر "رفعهما" - مع الاستغناء عنه بجواب "إذا" الأولى - العطف عليه بقوله: "وقال: سمع اللَّه لمن حمده"؛ لأنّه لو لم يقُل: "رفعهما" لكان جواب "إذا": "قال"، مع احتمال أن يكون جَوابًا لـ"إذا" الثانية؛ ويفسُد المعنى، وإن أُثبتت "الواو" أوهمت الحال أيضًا؛ فإعادةُ الجواب مع "إذا" حماية لها من ذلك التوهّم.
والمرادُ هُنا: "ربنا لك الثناء ولك الحمد"، أو "ربنا استجب ولك الحمد".
وقيل: "الواو" زائدة. والأصلُ: عدمُ الزيادة. (٢)
الحديث الرابع:
[٨٤]: عَنْ عبد اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ على سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: على الْجبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَد إلى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْن، وَالرُّكْبَتَيْن، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ" (٣).
قوله: "أمَرْتُ أن أسْجُد": "أن" مفعول ثان لـ"أمرت"، والأصل ضمير مُستتر قائم مقَام الفاعل، وهذا المفعول مبني على إسقاط الخافض، أي: "بأنْ أسجد".
ولحذْف الحرْف هُنا مُسَوِّغان، أحدهما: أنه من الأفْعَال التي يُحْذَف معها حَرْف الجر، كما قال: "أمرتك الخير" و"أمرتك بالخير". والثاني: كونه مع "أنْ"،
_________________
(١) بالنسخ: "جوابه". ولعل الأصوب المثبت.
(٢) انظر: فتح الباري (٢/ ١٧٩)، شرح النووي (٤/ ١٢١)، إحكام الأحكام (١/ ٢٢٤)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٥٥٩)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٥١).
(٣) رواه البخاري (٨٠٩) في الأذان، (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠) (٢٣٠) في الصلاة.
[ ١ / ٥١٣ ]
ويجوز معها حَذْفُ حَرْف الجر إذا لم يُلْبِسْ. (١)
وتقَدّم الكَلامُ على"أمر" في"باب السّواك"، وفي الثالث من "باب فضل الجماعة".
قوله: "على سَبعة أعظُم": "على" هنا بمعنى "الباء"، وهو أحدُ أقسامها، كقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]، بتخفيف "الياء" من "عليّ"؛ فيكون التقديرُ: "أمرتُ أن أسجُد [ق ٦٧] بسبعة أعظُم".
ويصحّ أن تكُون على بابها؛ ويكُون التقدير: "أمرتُ أن أسجد مُعتمدًا على سبعة أعظُم"، أي: "في حال اعتمادي"؛ فتتعلّق "على" بالحال المقدَّرَة. (٢)
وتقدّم الكَلامُ على "على" في الخامس من "الجنابة"، وعلى أسماء العَدَد في الثّالث من "التيمم".
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠٣، ٤٥٦)، (٢/ ٣٤٣)، (٦/ ١١٢)، (٩/ ٤٣٨)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٤٩)، شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٨٢)، الكتاب (١/ ٣٧ وما بعدها)، المقتضب (٢/ ٣٥ وما بعدها، ٣٢١)، دليل الطالبين (ص ٧٤)، الأصول لابن السراج (١/ ١٧٧ وما بعدها)، المفصل (ص ٣٨٧، ٣٨٨)، شرح المفصل (٤/ ٥١٤ وما بعدها)، نتائج الفكر (ص ٢٥٩، ٢٦٠)، اللمحة (١/ ٣٢٥ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٧٧)، الهمع (٣/ ١٣ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٣ وما بعدها)، المنصوب على نزع الخافض (ص ٢٦١ إلى ص ٣٢٦)، النحو المصفى (ص ٦٣٥).
(٢) انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ٨٢)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٤٦٥)، الكتاب (١/ ٣٨)، الجنى الداني (ص ٤٧٨)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ١٩٢، ٩١٤)، شرح التصريح (١/ ٦٥١)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١٦٥)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٤٤٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٨).
[ ١ / ٥١٤ ]
وجعلها "أعْظُمًا" بمعنى "أعْضَاء". (١)
قوله: "على الجبهة": بَدلٌ من قوله: "سبعة أعظُم"، وهو بدَل مُفرّق من مجموع، كقولك: "مررتُ برجال، زيد وعمرو". (٢)
وقوله: "واليدين": معطوفٌ على ["جبهته"] (٣)، وكذلك ما بعده.
وجملة "وأشار بيده": مُعترضة.
الحديث الخامس:
[٨٥]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا قَامَ إلى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ تقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرَّكْعَة، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحمْدُ"، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَع رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ في صَلاتِهِ كُلِّهَا، حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ [الثِّنْتَيْنِ] (٤) بَعْدَ الْجلُوسِ (٥).
قوله: "حين يقُوم": جملةُ الفِعْل والفَاعِل في محلّ جَرّ بالظَّرْف.
و"حين": من ظُروف الزّمان.
ويجُوز فيه إذا أُضيف إلى جملة: الإعْرَاب على الأصل، والبناء. فإنْ كان ما وَلِيَه فعلًا مَبْنيًّا: فالبناءُ أرجَح، للتناسُب، كقوله:
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٣٩)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٤٦٥)، مجمع بحار الأنوار (٣/ ٦٢٣).
(٢) انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ٨٢)، الهمع (٣/ ١٨٤).
(٣) كذا بالنسخ. ولعل الصّواب: "الجبهة".
(٤) بالنسخ: "اثنتين". والمثبت من "العُمدة" (ص ٧٤)، وعليه شرح ابن فرحون.
(٥) رواه البخاري (٧٨٩) في الأذان، ومسلم (٣٩٢) (٢٨) في الصلاة.
[ ١ / ٥١٥ ]
على حينَ عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا فقُلْتُ ألمَّا أَصْحُ والشيْبُ وازعُ؟ (١)
وإن كان فعلًا مُعرَبًا - مثل ما وَقَع هنا - أو جملة اسمية: فالإعرابُ أحسَن. وأجاز الكوفيون البناء، وعليه قراءة نافع: "هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ" (٢) بالفتح. (٣)
و"ثم": هنا لترتيب الأخبار. (٤)
_________________
(١) البيتُ من الطويل. وهو للنابغة الذبياني. وقد سبق. انظر: سر صناعة الإعراب لابن جني (٢/ ١٦٦)، الأضداد (ص ١٤٠)، خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي (٦/ ٥٥٠، ٥٥١)، المعجَم المفصّل (٤/ ٢٩٢).
(٢) سورة [المائدة: ١١٩]. وانظر: غيث النفع في القراءات السبع للنوري (ص ٢٠٤)، الكنز في القراءات العشر (١/ ٧٩)، (٢/ ٤٦٢)، شرح طيبة النشر للنويري (٢/ ٢٩٣)، شرح التصريح على التوضيح (١/ ٧٠٦)، أوضح المسالك (٣/ ١١٤)، مُغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٧٢)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ١٣٢)
(٣) انظر: الفائق في غريب الحديث والأثر للزمخشري (١/ ١١٠)، الكتاب (٢/ ٣٢٩، ٣٣٠)، علل النحو (ص ٤٤٥)، مغني اللبيب (ص ٦٧٢)، شرح ابن عقيل (٣/ ٥٩ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ١٤٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٧٠٥ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٢٣٠ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ٢٥٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٢/ ١٧٩ وما بعدها، ٢٨٨)، (٣/ ١١٥)، سر صناعة الإعراب (٢/ ١٦٤ وما بعدها)، خزانة الأدب (٣/ ٤٠٨)، (٦/ ٥٥٠، ٥٥١، ٥٥٣)، توضيح المقاصد (٢/ ٨٠٦ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ١١١ وما بعدها)، المفصل (ص ١٦٣ وما بعدها)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٣٣ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٩٣، ١٠٢ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (١/ ٩٧)، (٣/ ١٤٨٠)، الأصول لابن السراج (١/ ٢٧٥ وما بعدها)، ديوان امرِئ القيس (ص ٢٦، ٢٧)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٧٥ وما بعدها)، شرح القصائد السبع الطوال للأنباري (ص ٣٣ وما بعدها)، الكامل للمبرد (١/ ١٤٩ وما بعدها)، شرح المعلقات السبع للزوزني (ص ٤٠)، الجليس الصالح الكافي (ص ٢٨٤)، لسان العرب (٤/ ٨٣)، اللباب في قواعد اللغة وآلات الأدب (ص ١١٢)، جامع الدروس العربية (٣/ ٦٩، ٧٠).
(٤) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٢٢)، الجنى الداني (ص ٤٢٨ وما =
[ ١ / ٥١٦ ]
قوله: "حين يرفع صُلبه": يقتضي بظاهره مُقارَنة رفعه لقوله؛ ولذلك قال: "ثم يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد". (١)
تقدّم الكلامُ على جُملة: "ربّنا ولك الحمد" قريبًا.
وجملة: "وهو قائمٌ": في محلّ الحال من ضمير" يقول".
قوله: "حتى يَهْوي": هو بفتح "الياء"، من "هَوَى" لا من "أهْوَى"، ويُقال: "أهْوَى بيده" أي: "مَدّها". قال الأصمعي: "أهْوَيتُ بالشيء" إذا "أوْمَأتُ به". (٢)
وإنما نبَّهتُ على ذلك؛ لأني رأيتُ نُسْخة قُرئت على "الشّيخ" ضَبَط "الياءَ" بالرّفْع، وصَحّح على ذلك. والظّاهرُ أنه وَهْم.
ويُقال: "هَوِي يَهْوَى"، إذا "أحَبّ"، بكسْر "الواو" في الماضي. (٣)
و"حتى": تقدّم الكلامُ عليها في ثاني حديث من "الأوّل".
و"يقضيها": منصوبٌ بإضمار "أن" بعد "حتى".
قوله: "ويُكبر حين يقوم من الثنتين": اعلم أنّ "التاء" في "اثنتان" للتأنيث، بدليل انفتاح ما قبلها. و"التاء" في "ثنتان" بدل من "الياء" التي هي "لام" الكلمة، وأصله: "ثنيان"، فأبدلوا من "الياء" تاء، وليست "التاء" فيه للتأنيث؛ لسُكون ما قبلها، ولذلك حُذفت "همزة" الوصل من "ثنتان"؛ لأنها في "اثنان" عوض من "لام"
_________________
(١) = بعدها)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٩٩)، مغني اللبيب (ص ١٦٠، ٧١٣)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦٦)، شرح التصريح (٢/ ١٦٤)، الهمع (٣/ ١٩٥).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٤٢)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ٩١).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٦١٢، ٦١٣)، (٣/ ٩٢، ٩٣)، المصباح (٢/ ٦٤٣، ٦٤٤)، لسان العرب (١٥/ ٣٧١، ٣٧٢)، تهذيب اللغة (٦/ ٢٥٩ وما بعدها).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٦١٢، ٦١٣)، (٣/ ٩٣)، المصباح المنير (٢/ ٦٤٣، ٦٤٤)، لسان العرب (١٥/ ٣٧١، ٣٧٢).
[ ١ / ٥١٧ ]
الكلمة، و"اللام" في "ثنتان" مُبدل منها "التاء"؛ فلذلك لم يعوض منها، فوزن "ثنتان": "فعلان"، ووزن "اثنتان": "افعتان". (١)
قوله: "ثم يفعل ذلك في صَلاته كُلّها حتى يقضيها": يُريد بـ "صَلاته": ركعاتها وسجداتها؛ ولذلك أكّد بـ"كلها"، ثم عَقّبه بقوله: "حتى يقضيها" تأكيدًا، أي: "حتى يتمّها". فالتأكيدُ بـ"كُلّ" ما كفي عن قوله: "حتى يقضيها"؛ لاحتمال أنْ يكُون اسم "الصّلاة" [وَاقِعًا] (٢) على "رَكعة من الصّلاة" أو "جُلّ الصّلاة"؛ لأنه يُسَمّى "صَلاة".
ولعلّه أرَاد: "ثُم يفْعَل ذلك في جنس صَلاته من فَرائِض ونوَافِل فيما شَاهَد من ذلك"، فيتمَكّن التأكيدُ من قوله: ["حتى يقضيها"؛ لأنَّ التأكيدَ بـ"كُلّ" رَاجعٌ إلى مجمُوع الصَّلَوات، وبقوله] (٣): "حتى يقضيها" راجعٌ إلى أفرَادِها.
_________________
(١) انظر: شرح التصريف للثمانيني (ص ٣٥٢)، المفتاح في الصرف للجرجاني (ص ٩٧)، المقتضب (٢/ ١٦٣، ٢٦٩)، شرح الأشوني (١/ ٥٧)، شرح التصريح (٢/ ٦٨٣)، شرح المفصل (٤/ ١٧)، (٥/ ٣٠٤)، تهذيب اللغة (١٥/ ١٠٣)، المحكم والمحيط الأعظم (١٠/ ١٩٤)، المصباح المنير (١/ ٨٦، ٨٧)، لسان العرب (١٤/ ١١٦، ١١٧، ١٢٢ وما بعدها)، تاج العروس (٣٧/ ٢٨٤)، دستور العُلماء (١/ ٢٥٩).
(٢) بالنسخ: "واقعٌ".
(٣) مكرّر في الأصل.
[ ١ / ٥١٨ ]
الحديث السادس:
[٨٦]: عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَان بْنُ حُصَيْنِ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -، [فكَانَ] (١) إذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْن حُصَيْنٍ، وَقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ محَمَّدٍ - ﷺ -. أَو قَالَ: صَلَّى بِنَا صَلاةَ محَمَّدٍ - ﷺ - (٢).
قوله: "أنا وعِمْرَان بن حُصَين": "أنا" هنا مُؤَكّدة لفَاعِل "صَلّيتُ"، وسَوَّغَت العطفَ على الضمير المتّصل. وقد تقَدّم الكَلامُ على ذلك في الثّاني من "باب الجنَابة". ويصحّ في "عِمْران" النَّصْب على أنّه مَفْعُولٌ معه. (٣)
قوله: "خَلْفَ [عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ - ﵁ -"] (٤).
قال الشيخُ أبو حيّان: اطّرَد إضَافَة هذه الظُّروف - وهي: "قَبْل"، و"بَعْد" ونحوهما - إلى أسْماء الأعيان، على حَذْفِ مُضَاف يَدُلّ عليه مَا قبْله. ففي نحو: "خِلافَكَ" في قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] يُقَدّر "خَلْف إخْرَاجِك"، و"جَاءَ زَيدٌ قبْل عمرو"، أي: "قبل مجيء عمرو"، و"ضَحِك بكْرٌ بعد خَالد"، أي: "بعد ضَحِكِ خَالد". (٥) انتهى.
_________________
(١) بالنسخ: "وكان". والمثبَت من "العُمدة" (ص ٧٤). وعليه شرح ابن فرحون.
(٢) رواه البخاري (٧٨٦) في الأذان، ومسلم (٣٩٣) في الصلاة.
(٣) انظر: عقود الزبرجد (١/ ١٥٣)، (٣/ ١٧٩)، علل النحو (ص ٣٢٠)، اللمع (ص ٩٦)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٧٩، ٣٨٨ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ٣٥٠)، توضيح المقاصد (٢/ ٦٦٥)، مغني اللبيب (ص ٨٢٤)، شرح الأشموني (٢/ ٣٩٤ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ١٨١ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٥٨٢)، جامع الدروس العربية (٣/ ٧٥ وما بعدها).
(٤) سها الشارح أو الناسخ هنا، فكتب: "رسُول الله - ﷺ -".
(٥) انظر: البحر المحيط (٧/ ٩٢).
[ ١ / ٥١٩ ]
وعلى هذا يكُون تقدير "صَلّيتُ خَلْف عَلِيّ": أي: "خَلْف صَلاته"، بمعنى أنّ صَلاةَ المأمُوم تابعةٌ صَلاة إمامه.
وهي (١) من ظُروف المكَان المقَدَّرَة بـ"في"، وتقطع عن الإضافة، فتُبنى على الضّم. (٢)
وتقدّم في أوّل حديثٍ من "الحيض" الكَلامُ على "ابن" و"ابنة"، وعلى هَمْزة الوَصْل في أوّل حَديثٍ من الكتاب.
قوله: "فكان إذا سَجَد": "الفاءُ" هُنا عاطفة، لا سَببية فيها (٣)، وجملة" إذا" وجَوَابها في محلّ خَبر "كان"، واسمُها ضمير يعودُ لـ "عَليّ - ﵁ -". وتقدّم الكَلامُ على "إذا" وفعلها وجوابها في ثاني حَديث من "الأوّل".
قوله: "فلما قضى": تقدَّم الكَلامُ على "لمّا" في الحديث الرّابع من "باب المذي" مُستوفىً. و"الفاءُ" عاطفة على "صَلّيتُ"، أي: "صَلّيتُ خلف عَليّ، فلما قضى صَلاته".
وجاء الجوابُ هنا مَاضيًا، ولا خِلافَ في ذلك. ويجيء جملة اسمية مقرونة بـ"إذا" الفجائية، أو بـ "الفَاء" عند ابن مالك. ويجيء فعلا مُضارعًا عند ابن عصفور.
مثال ما جاء بـ "الفاء" مع الجملة: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢]. وقيل: التقديرُ: "انقسموا، فمنهم مُقتصد"؛ فالجوابُ إذن
_________________
(١) أي: "خلف".
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٧٧٣)، شرح التصريح (١/ ٦٤٨)، اللمحة (١/ ٤٤٨)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ٤٢٨)، شرح الأزهرية (ص ٣٩)، المنهاجُ المختَصر في علمي النَّحو والصَّرف (ص ٩٧ وما بعدها).
(٣) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٤٣)، شرح القطر (ص ٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٣٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٩٣).
[ ١ / ٥٢٠ ]
ماضٍ.
ومثال مجيئه فعلًا مُضارعًا: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ [هود: ٧٤]. والجوابُ: أنه مُؤول بـ "جادلنا". وقيل: "الواو" زائدة في قوله: "وجَاءَته". (١)
قال ابنُ هشام: ومن مُشْكِل "لمّا" هذه قول الشاعر:
أَقُوُل لعَبْدِ اللَّهِ لَمَّا سِقَؤنَا ونَحْنُ بِوَادِي عَبْدِ شَمْسٍ وهاشِم (٢)
فيُقالُ: أين فِعْلاها؟
والجوابُ: أنّ "سقاؤنا" فاعلٌ بفِعْل محذُوف، يُفسّره "وها"، وهو بمعنى "سَقَط"، والجوابُ محذوفٌ تقديره: "قلتُ" بدليل قوله: "أقُول". وقوله: "شِم": أمْر من "شمتُ البرق"، إذا "نظرتُ إليه". والمعنى: "لما سَقَط سقاؤنا، قلتُ لعبد الله: شمه". (٣)
قوله: "وقال": معْطُوفٌ عليه. وجملة "ذكرني": معمولة للقول، ويحتمل مع ذلك [أنها] (٤) جَوابُ قَسَم، بتقدير: "لقد ذكّرني". و"هذا": فاعل "ذكّرني". و"صَلاة
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٦٩، ٣٧٠)، شرح الأشموني (٢/ ١٥٣)، حاشية الصبان (٢/ ٣٩١)، الهمع (٢/ ٢٢٢)، النحو الوافي (٢/ ٢٩٦ وما بعدها).
(٢) البيتُ من الطويل، وهو لتميم بن رافع المخزومي، ونسبه في "نفح الطيب" للمعري. انظر: المزهر في علوم اللغة وأنواعها (١/ ٤٥٨ وما بعدها)، زهر الأكم في الأمثال والحكم (٢/ ١٩٧)، العُمدة في محاسن الشعر وآدابه (١/ ١٦٢)، نفح الطيب (٥/ ٢٤٦)، شرح الأشموني (٢/ ١٥٣، وبالهامش)، حاشية الصبان (٢/ ٣٩١)، تاريخ آداب العرب للرافعي (٣/ ٢٦٧)، المعجم المفصل (٧/ ٣٧٦).
(٣) انظر: مُغني اللبيب (ص ٣٧٠).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "أنه".
[ ١ / ٥٢١ ]
رسُول الله": مفعولٌ ثان؛ لأنّ "ذَكَّر" يتعدّى إلى مفعول واحد، وبالتضعيف (١) يتعدّى إلى اثنين. والتقدير: "ذكّرني هذا بصَلاته صَلاة ".
و"أو": هُنا للشّك. (٢) ولها أقسَامٌ ذُكِرَت في الثّالث من "باب السّواك".
قوله: "صَلاة محمّد": منصوبٌ بتقدير مُضَاف، أي: "صَلى صَلاة مثل صَلاة محمّد"، فحَذَفَ المضَافَ، وأقَامَ المضَافَ إليه مَقَامه.
و"الباءُ" في قوله: "أخذ بيدي": "باءُ" الإلصاق، وتحتمل الزّيادة، وتقدّم الكَلامُ عليها في الرّابع من "باب الاستطابة". والإلصاقُ هنا حقيقة، وقد يكون مجازًا، نحو: "مَرَرتُ بزيد"، أي: "بمَكَان زَيد فيه". و"الباءُ" في "صَلّى بنا": "باءُ" التعدية. (٣)
_________________
(١) انظر: اللمحة (١/ ٣٢٩)، شرح المفصل (٤/ ٣٠٠)، الهمع (٣/ ١٢).
(٢) انظر في أقسام "أو": علل النحو (ص ٣٧٧)، الجزولية (ص ٧٢)، الأصول في النحو (٢/ ٥٦)، اللمع (ص ٩٢)، المفصل (ص ٤٠٥)، شرح المفصل (٥/ ١٩ وما بعدها)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٩٣)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٢٢ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٢٢٨)، أوضح المسالك (٣/ ٣٤٠)، شرح القطر (ص ٣٠٥)، مُغني اللبيب (ص ٨٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٣٧٨)، الهمع (٣/ ٢٠٣ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٤٦).
(٣) انظر في أقسام الباء، والإلصاق: الجنى الداني (ص ٣٦ وما بعدها)، الأصول في النحو (١/ ٤١٢ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٩)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٥٥ وما بعدها)، الهمع (٦/ ٤١٢ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٦٨ وما بعدها)، النحو الوافي (٢/ ٤٩٠ وما بعدها).
[ ١ / ٥٢٢ ]
الحديث السابع:
[٨٧]: عَنْ الْبَرَاء بْنِ عَازِبٍ - ﵁ -، قَالَ: "رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِه، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْن، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ: قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ".
وَفي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: "مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ" (١).
قوله: "مع مُحمّد": "مع" اسم، بدليل التنوين، ويجوز تسكين "العَين". ومعناها الاجتماع في الذوات، والاجتماع في الزّمان، نحو: "جئتُك مع العَصْر" (٢)، وتقدّم الكلامُ عليها في أوّل "المسح على الخفين".
وأفادَت "مع" هُنا زيادة معنى على قوله: "رَمَقْتُ صَلاة محمّد"؛ لاقتضاء "مع" معنى دخُوله معه في صَلاته مُؤتمًّا به. فـ"مع" تتعلّق بـ"الصّلاة "؛ لأنه مَصْدَر. ويحتمل أنْ تتعلّق بـ "رَمَقتُ"، ويُضعفه دُخولُ "النبي - ﷺ - في الرَّمْق معه؛ لما اقتضته "مع" من المشَارَكة.
ويحتمل أن تتعلّق بحَال من فَاعِل "رَمَقْتُ"، أي: "كائنًا مع النبي - ﷺ -"، أي: "في حَال كونه مع النبي - ﷺ -، وتكُون "مع" ظَرْفَ مَكَان؛ لأنّ ظُروفَ الزّمان لا تكُونُ أحوالًا عن الجثَث (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٧٩٢) في الأذان، (٨٠١)، (٨٢٠)، ومسلم (٤٧١) في الصلاة.
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٢١٦)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٨٧)، مغني اللبيب (ص ٤٣٩)، شرح التصريح (١/ ٧١٤)، ظاهرة التقارض في النحو العربي، لأحمد محمد عبد الله، نشر بمجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، (٥٩/ ٢٨٢).
(٣) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ٥٠٤)، الكتاب (١/ ١٣٦)، المقتضب (٣/ ٢٧٤)، (٤/ ١٣٢/ ١٧٢)، الأصول في النحو (١/ ٦٣، ٧٠)، علل النحو (ص ٢٣٣)، اللمع (ص ٢٨، ٢٣٣)، نتائج الفكر (ص ٣٢٨).
[ ١ / ٥٢٣ ]
ويحتمل أنْ تكُون حَالًا من "الصّلاة"، أي: "رمقتُ الصّلاة في حَال كونها مع النبي - ﷺ -.
ويتمكّن معنى "المعيّة" للصّلاة وللنبي - ﷺ -؛ فيكون التقدير: "رَمَقتُ الصّلاة مع النبي - ﷺ -، أي: "نظَرْتُ ذاتَه الكَريمة وفعله في صَلاته". والله أعلم. (١)
١ وهذه التعليقات لا تُؤخَذُ ببادي الرّأي (٢)، ولا بظاهر الصّناعة؛ فلو رأى المعْرِب مثل هذا التركيب [حين] (٣) يُقَال له: ما إعرابُ: "رأيتُ معك زيدًا"؟، فيتوَجّه له أنْ يُجيز تعَلّق "معك" بحَال من "زيد"، أو تعليقه بالفعل، وذلك صحيحٌ [في المعنى] (٤).
ثم يُقَال له: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ ﴾ الآية [الأنعام: ٩٤]، فيُجيز الوَجْهين المتقَدِّمين، فيُغَلّط؛ لأنه متى قَدّر "مع" مُتعلقة بحَال من "الشُّفعاء" فقد جَعَل معهم شُفَعَاء وأثبتهم لهم، ولكنه لا يَرَاهُم؛ فيفسُد المعنى، بخلافِ الأوّل. (٥)
قوله: "فوَجَدْتُ قيامَه": مَعْطُوفٌ على "رَمَقْتُ". [لـ"وَجَد"] (٦) مَعَان تقَدّمَت
_________________
(١) راجع: عُمدة القاري (٦/ ١٢٢)، كوثَر المعاني الدَّرارِي في كشف خبايا صحيح البُخَاري للشنقيطي (٩/ ٤٣٤).
(٢) بادي الرأي: ظاهره "الذي لا رَويّة فيه". وقد يجوز: "بادِئُ الرأْي". انظر: لسان العرب (١/ ٢٧)، تاج العروس (٣٧/ ١٤٥)، المعجم الوسيط (١/ ٤٥).
(٣) غير واضح بالأصل. وفي (ب): "حتى".
(٤) غير واضح بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٨٧ وما بعدها)، اللباب لابن عادل (٤/ ٤٣٨ وما بعدها)، (٨/ ٢٩٥)، (١١/ ٢٣٧)، مغني اللبيب (ص ٦٧٠، ٧٧٤)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٨٥، ٤٨٦)، المسائل السفرية في النحو (ص ١٦، ١٨).
(٦) كذا بالنسخ. ولعل الأصوَب: "ولوجد".
[ ١ / ٥٢٤ ]
في الثّاني من "باب الاستطابة"، وهي هُنا بمعنى: "أصَبْتُ"، وليسَت بمَعْنى العلم على هذا (١). و"قيامَه": مفْعُولٌ به.
و"قريبَا": نعْتٌ لظَرفٍ محذُوف، أي: "وَجَدتُ قيامَه زَمنًا"، أو تُقَدّر: "شيئًا قريبًا". (٢)
و"قريبٌ": أكثرُ ما يُستَعْمَل ظَرفًا، ويُستعْمَل غير ظَرف؛ تقُول: "إنّ قريبًا منك زيد". ويجوزُ هنا أن تكُون مفْعولًا ثانيًا، وتخرُج عن معنى الزّمَن؛ فتُقدّر "شيئًا"، فيتعَدّى "وَجَد" لمفعولين، المفعول الأوّل: "قيامه"، والثّاني: "قريب". (٣)
و"من الشّواء": يتعلّق بـ "قريب"؛ لأنّه اسمُ فاعِل من" قَرُب"، أي [قرب] (٤)، فهو "قريبٌ". (٥)
و"ما" في قوله: "ما بين التسليم والانصراف" يحتمل أن تكُون مَوصُولة، أي: "التي بين التسْليم والانصراف"، فمَحَلّها نعْتٌ و"جِلْسَتِهِ"، والتقديرُ: "فجِلْستِه التي شرعت - أو استقرّت - بين التسليم والانصراف". وفي الوصْف بـ"مَا" (٦) خِلاف.
_________________
(١) انظر: توضيح المقاصد (١/ ٥٥٥)، شرح الأشموني (١/ ٣٥٢)، شرح التصريح (١/ ٣٦٥)، الهمع (١/ ٥٤٠)، جامع الدروس العربية (١/ ٤٠).
(٢) راجع: البحر المحيط (١/ ٤٨٤)، (٤/ ٤٣٩)، (٧/ ٦٥)، (٨/ ٤٦٢، ٥٠٧)، (١٠/ ٢٦٤)، الإعلام لابن الملقن (٨/ ٢٨٧).
(٣) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٦٨)، (٥/ ٧٢)، (٨/ ٥٠٧)، اللباب لابن عادل (٩/ ١٦٢)، الكتاب (٢/ ١٤١ وما بعدها)، الأصول في النحو (١/ ٢٤٨ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٥٨٩)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ١٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ١٣٣)، الهمع للسيوطي (١/ ٤٣٥، ٤٣٦).
(٤) كذا بالنسخ. ولعل الصواب: "قَرُب قُربًا".
(٥) انظر: المصباح (٢/ ٤٩٥، ٤٩٦)، المعجَم الوسيط (٢/ ٧٢٣).
(٦) أي: أن تكون "ما" وصفية.
[ ١ / ٥٢٥ ]
ولك أن تجعل "ما" زائدة، ويكُون العاملُ في "بين جِلْسَته"؛ لأنّه مصْدَر.
ولك أنْ تجعلها ظَرْفيّة، ويكُونُ العَامِلُ صفَة لزَمَان محذُوف، أي: "مُدّةً" أو "زَمنًا كائنًا". (١)
والذي يظهَر: أنّ الإشَارَة إلى "جِلْسته" بعد خُروجه من الصّلاةِ بالتسليم؛ فإنّه كان لا يَستَقرُ في مُصَلّاه إلا يَسيرًا مُقَدّرًا بما بين الأرْكَان من الفصْل؛ فيكون "التسليمُ" يُرَاد به: "الذي خَرَج به من صَلاته".
ويحتمل أن يكون "التسليم" المشار إليه هو الذي في التشهّد قبل قوله - ﷺ - يقول] (٢): "السّلامُ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركَاته"، فـ "جِلْسَته فيما بينه وبين انصرافه من الصّلاة بالتسليم الثّاني مع ما تقدّم من أرْكَان الصلاة قريبًا من السّواء". (٣)
وجاءَت الجمَل المعْطُوفَات كُلها بـ"الفَاء"، ولم يقُل: "فوَجَدتُ قيامه وركعته واعتداله"؛ لتُفيد "الفَاء" معنى التعقيب والترتيب. (٤)
_________________
(١) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ٢٣٩)، شرح الكافية الشافية (١/ ٣٠٦)، مغني اللبيب (ص ٢٧٦ وما بعدها، ٣٩٠، ٣٩٨ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٧٥)، العُمدة في إعراب البردة (ص ٦٦)، التعليقة على كتاب سيبويه (١/ ٩ وما بعدها)، شرح المفصل (٢/ ٧٦، ٤٠٣)، الجزولية (ص ٥٤)، الهمع (٢/ ٢٨٥)، جامع الدروس العربية (١/ ٦٧).
(٢) كذا بالنسخ.
(٣) انظر: عُمْدة القاري (٦/ ١٢٢)، فتح الباري لابن رجب (٧/ ٤٣٦)، شرح النووي (٤/ ١٨٨)، كوثَر المعاني الدَّرَارِي (٩/ ٤٣٤)، مجمع بحار الأنوار (٤/ ٢٤٢).
(٤) انظر: نتائج الفكر (ص ١٩٦)، الجنى الداني (ص ٦١)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٩٨)، مغني اللبيب (٢١٤، ٨٧١)، أوضح المسالك (٣/ ٣٢٣)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦٤)، شرح التصريح (٢/ ١٦٠)، الهمع (٣/ ١٩٢)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٤٥).
[ ١ / ٥٢٦ ]
و"سَواء": اسمٌ بمعنى الاستواء، مَصْدَر "استَوَى"، ويجيء وَصْفًا بمعنى "مُسْتَو" مُتحمّلًا [للضّمير] (١)، قَالوا: "مَرَرتُ برَجُل سَواءٍ هو والعَدَمُ". (٢)
قال أبو حيّان: ولإجْرائه مجرَى المصْدَر لا يُثنّى ولا يُجمَع، وحُكي تثنيته عن بعض العَرب، فقالوا: " [سواءان] (٣) ". (٤)
وجاء جمعه: "سَواسوة". قالوا: يُقَال" قوم سواسوة"، واحِدهم ["سَواء"] (٥)، وهو جمْعٌ على غير قيَاس، وليس من كَلام العَرَب ["فعافلة"] (٦) إلّا قولهم: "قوم
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٧٥، ٥٥٧)، مشارق الأنوار (٢/ ٢٣١)، الكتاب لسيبويه (٢/ ٢٦، ٢٧، ٣١)، الأصول لابن السراج (٢/ ٢٨)، أمالي ابن الحاجب (١/ ١٧٣، ١٧٤)، حاشية الصبان وشرح الأشموني (٢/ ٢٣٩)، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي للهروي (ص ١٣٣)، لسان العرب (١٤/ ٤١٠، ٤١٢، ٤١٤)، المحكم والمحيط الأعظم (٦٤٠/ ٨، ٦٤١)، المخصص (٤/ ٤٣٨)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٨٨ وما بعدها، وبالهامش)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٢٤٥)، توضيح المقاصد (٢/ ١٠٢٤)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٥٨٢)، مغني اللبيب (ص ١٨٧، ٨٦٦)، شرح ابن عقيل (٣/ ٢٣٩)، شرح الأشموني (١/ ٥٢٢)، (٢/ ٣٩٣)، شرح التسهيل (٣/ ٣٧٣ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ١٨٢)، الهمع (٣/ ٢٢١)، النحو الوافي (٣/ ٦٣٢).
(٣) بالنسخ: "سوآن". والمثبت من البحر المحيط (١/ ٧٥) ومصادر أخرى.
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٧٥)، (٦/ ٣٥٨)، اللباب لابن عادل (١/ ٣١٢)، العين (٥/ ٣٢٧)، الصحاح (٦/ ٢٣٨٥)، لسان العرب لابن منظور (١٤/ ٤١٠، ٤١١)، المخصص (٣/ ٣٧٨)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٣٢٥)، مغني اللبيب (ص ١٨٦)، شرح التصريح (١/ ٦٥)، (٢/ ١٣٧)، شرح التسهيل (١/ ٩٠)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ١٥٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٣٤).
(٥) غير واضح بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضح بالأصل. وفي (ب): "فعاولة". والمثبت من بعض المصادر.
[ ١ / ٥٢٧ ]
سَواسوة". (١)
قوله: "وفي رواية البُخاري: ما خَلا القيام والقُعود": يتعلّق حَرْف الجر بفِعْل مُقَدّر، [أي] (٢): "وجَاء في رواية للبُخاري: ما خلا"؛ فأعل على الحكاية.
واللامُ في "للبُخاري" (٣) "لام" النسبة، كقولك: "لزيد [عَمّ] (٤) ". (٥)
[و] (٦) "خَلا" لها مَعْنيان: -
أحدهما: تكُون فيه حَرْفًا جَارًّا للمُستثنى، وذلك إذا لم تكُن معَها "ما". وتتعَلّق
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٧٥، ٥٩٦، ٥٩٧)، شرح الأشموني (٤/ ١٠٣)، شرح التصريح (٢/ ٧١٠، ٧١١)، ليس في كلام العرب لابن خالويه (ص ١٨٦ وما بعدها)، الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٨٥)، المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٦٣٨)، المخصص (١/ ٣٢٧)، (٣/ ٣٧٧)، لسان العرب لابن منظور (١٤/ ٤٠٨، ٤١٠)، (١٥/ ١٧٠)، تاج العروس (٣٨/ ٣٢٣ وما بعدها)، (٣٩/ ٢٧١)، المزهر في علوم اللغة وأنواعها (٢/ ٨، ٢٤، ٦٤، ٩١)، أصول النحو (ص ٢٢٠)، شذا العرف في فن الصرف (ص ١٢٨)، تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجَم، لعبد الرزاق بن فراج الصاعدي، ط عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، (٢/ ٧٢٢).
(٢) كشط بالأصل. وسقط في (ب).
(٣) هذا سهو؛ فما في المتن: "البخاري"، إلا إذا عاد الكلام على ما فيه الفعل المقدّر.
(٤) بالأصل: "عم" وكشط بعدها. وفي (ب): "عمرو". والمثبت بالرجوع للمصادر. وفي بعض المصادر: "لزيد عَم هُوَ لعَمْرو خَال". وانظر: البحر المحيط (١/ ٣٣)، شرح التصريح (١/ ٦٤٥)، الجنى الداني (ص ٩٧)، همع الهوامع (٢/ ٤٥٢).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٣)، (٦/ ٦٠٧)، نخب الأفكار للعيني (١١/ ٣٧)، شرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٧٥٩)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٤ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٩٧)، شرح الأشموني (٢/ ٧٧)، شرح التصريح (١/ ٦٤٥)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٧٠)، (٢/ ٧٥٤)، أوضح المسالك لابن هشام (٢/ ٧٠)، الهمع (٢/ ٤٥١، ٤٥٢.)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٨٣).
(٦) كشط بسيط بالأصل. ولعل مكانه: "و".
[ ١ / ٥٢٨ ]
بما قبلها؛ لأنها حَرْف جَرّ. وقيل: لا تتعلّقُ بشَيءٍ؛ لأنّها لا تُعَدّي الفِعْل إلى الاسم، ولا تُوَصّل مَعْنَاه، بل تُزيل مَعْنَاه عنه؛ فأشْبهَت في عَدَم التعْدية الحرْف الزّائد. هَذا أحَدُ مَعْنَييها.
والثاني: أن تكُون (١) فِعْلًا مُتعَدّيًا، وفاعِلُها ضَميرُ" البعض" المفهوم، أي: "خَلا بعضهم". (٢)
وموضعُ "ما خلا" نصبٌ على المصدر. وقيل: نصبٌ على الحال. وقيل: نصبٌ على الظرف. وأجَاز بعضهم [جَرّها] (٣) على تقدير زيادة: "ما". (٤)
قوله: "قريبًا من السّواء": تقَدّم أنه مُقَدّر بزَمَان محْذُوف، أي: "فوَجَدتُ زمن قيامه زمنًا قريبًا من السّواء". (٥)
و"القيامَ والقُعودَ": منصُوبان بـ"خَلا"، ويجُوز الجر - كما تقدّم - عند مَن أجاز ذلك. (٦)
_________________
(١) أي: "خلا".
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ١٧٨).
(٣) بالأصل: "ها". وفي (ب): "بها". والمثبت من مغني اللبيب (ص ١٧٩).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ١٧٨، ١٧٩).
(٥) راجع: البحر المحيط (١/ ٤٨٤)، (٤/ ٤٣٩)، (٧/ ٦٥)، (٨/ ٤٦٢، ٥٠٧)، (١٠/ ٢٦٤)، الإعلام لابن الملقن (٨/ ٢٨٧).
(٦) انظر: مغني اللبيب (ص ١٧٨).
[ ١ / ٥٢٩ ]
الحديث الثامن:
[٨٨]: عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيّ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵄ -، قَالَ: "إنِّي لا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَما [رأيتُ] (١) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَير بِنَا. قَالَ ثَابِتٌ: فكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، [وكَانَ] (٢) إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ؛ انْتَصَبَ قَائِمًا حَتى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ" (٣).
قوله: "لا آلُو": أي: "لا أُقصِّرُ".
قال الشّيخُ تقيّ الدِّين: وقد قيل: إنّ "الْأُلُوَّ" يكُون بمعنى "التقصير" وبمعنى "الاستطاعة" معًا. وَ"الأُلُوُّ" على مثال "العُتُوِّ"، ويُقَال: "الْأُلِيُّ" على مثال "الْعُتِيِّ". والماضي: ["أَلى"] (٤) بالتخفيف. وقد يُقَال: ["أَلَّى"] (٥) بالتشْديد، ["يُؤلّي"] (٦). انتهى. (٧)
قلتُ: ومن ذلك قَولهم في المثَل: "إلّا حظيّة فلا أَلِيَّة"، أي: "إن لم يكُن حَظيّة فما أنا مُقَصِّرة". (٨)
_________________
(١) كذا بالنسخ. وهي في "صحيح البخاري" برقم (٨٢١)، و"صحيح مُسلم" برقم (٤٧٢/ ١٩٥). وفي "العُمدة" (ص ٧٥): "كان".
(٢) كذا بالنسخ، وعليه شرح ابن فرحون، وأشار هناك إلى اختلاف نُسخ "العُمدة". وفي "العُمْدة" (ص ٧٥): "كان".
(٣) رواه البخاري (٨٠٠) في الأذان، (٨٢١)، ومسلم (٤٧٢).
(٤) بالنسخ: "ألَا".
(٥) بالنسخ: "ألّا".
(٦) بالنسخ: "يأليّ". ولعل الصواب المثبت، أو" تألّى". وراجع: لسان العرب (١٤/ ٣٩ وما بعدها)، الصحاح (٦/ ٢٢٧٠، ٢٢٧١).
(٧) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٤٦)، الإعْلام لابن الملقن (٣/ ١١٠، ١١١)، الصحاح (٦/ ٢٢٧٠)، مجمل اللغة (١/ ١٠١).
(٨) نظر: الكتاب (١/ ٢٦٠، ٢٦١)، المستقصى للزمخشري (١/ ٣٧٣، ٣٧٤)، الصحاح =
[ ١ / ٥٣٠ ]
واسمُ الفَاعِل منه: ["آلٍ"] (١)، مثل "قاض"، والمرآة: "آليّة". وجمعها: "أوال". وقد تُحْذَف "الوَاو" منْه؛ فيُقال: "لا آلُ"، كما حُذِفَت "اليَاءُ" من "أدْري"؛ قَالُوا: "لا أدْر". (٢)
وقد تكُون ["ألَى"] (٣) المخَفّفَة بمَعْنَى "استطاع"، "ألاه، يألُوه، ألْوًّا"، أي: "استطاعة". (٤)
قوله: "أنْ أُصَلِّي بكم": أي: "بأنْ أصَلّي بكُم"، فـ"أنْ" في محلّ نَصْبٍ أو جَرٍّ، على الخلافِ المتقدِّم. (٥)
_________________
(١) = (٦/ ٢٢٧٠)، العقد الفريد لابن عبد ربه (٣/ ٤١)، جمهرة الأمثال للعسكري (١/ ٦٧)، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال (ص ٢٣٧ وما بعدها)، مجمع الأمثال للميداني (١/ ٢٠)، زهر الأكم في الأمثال والحكم (١/ ١٠٠، ١٠١)، شرح المفصل (١/ ٢٢٠).
(٢) بالنسخ: "آلي". والمثبت من المصادر.
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١١)، الصحاح للجوهري (٦/ ٢٢٧٠)، مجمل اللغة (١/ ١٠١).
(٤) بالنسخ: "ألَا".
(٥) انظر: لسان العرب (١٤/ ٣٩ وما بعدها، ٤١).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ١٨١، ٤٠٣، ٤٥٦)، (٢/ ٣٤٣، ٤٧١، ٤٧٢)، (٦/ ١١٢)، (٩/ ٤٣٨)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٤٩)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٣)، إرشاد الساري (١/ ٧٨)، (٨/ ٢٧٥)، عُقود الزبرجَد (٢/ ٨٨)، الإعلام لابن الملقن (١/ ٦٤٥)، (٣/ ١١١)، شواهد التوضيح (ص ٢٥٣)، الكتاب (١/ ٣٧، ٣٨)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، الكشكول (١/ ٣٣٥)، المقتضب (٢/ ٣٥ وما بعدها، ٣٢١)، خزانة الأدب (١/ ٣٣٩)، (٩/ ١٢٣)، الصاحبي (ص ٩١)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤)، مُغني اللبيب (ص ٦٨٢)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٧٧)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥، ٢٥٩، ٢٦٠)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢، ٧١٣)، شرح التصريح (١/ ٤٦٩)، شرح المفصل (٤/ ٥١٤ وما بعدها)، الصبان (٢/ ١٣٣)، اللمحة (١/ ٣٢٥ وما بعدها)، الهمع (٣/ ١٣ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٣ وما بعدها)، المنصوب على نزع الخافض (ص ٢٧٦ وما بعدها)، النحو المصفى (ص ٦٣٥).
[ ١ / ٥٣١ ]
وقوله: "كما رأيتُ رسُولَ اللَّه - ﷺ -: ["الكافُ"] (١) للتشبيه (٢).
وجعَل سيبويه "الكَاف" هُنا وفي أمثاله نَصْبًا على الحال من المصْدَر المحذُوف بعد الإضمار على طريق الاتساع (٣)؛ فيكُون التقديرُ: "إني لا آلو أن أصَلّي بكُم الصّلاة على حَالٍ رأيتُ النبي - ﷺ - يُصلّيها عليه".
واختار كثيرٌ من النحويين أن تكُون (٤) في محلّ نَصْب على النّعْت لمصْدَر محْذوفٍ (٥)، أي: "إنّي لا آلو أنْ [ق ٦٩] أصَلّي بكُم صَلاةً مثل صَلاةِ رسُول اللَّه".
وتقَدّم الكَلامُ على "كما" في الثّاني من "باب الجنابة".
وإنّما أُكَرِّر قولهم فيه لغُمُوضه عند المعْربين المبتَدئين، ولم يُوجَد للمُتقَدِّمين تصريحٌ به.
و"مَا" في "كما" مَصْدَريّة حيث وَقَعَت (٦)، أي: "كصَلاة رسُول الله - ﷺ -. وأمّا
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٩٨)، الكتاب (٢/ ١٧١)، المفصل (ص ٣٨٥)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٦١)، الهمع (٢/ ٤٤٧).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠، ٥٥٥)، الكتاب لسيبويه (١/ ٢٢٧، ٢٢٨)، الأصول لابن السراج (١/ ١٩٣ وما بعدها)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٢٠٤)، الهمع للسيوطي (٢/ ١٤٤ وما بعدها).
(٤) أي: الكاف.
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠، ٥٥٥)، (٢/ ٩٣)، (٢/ ٢٩٨)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٣٠)، عقود الزبرجد (٢/ ١٦٠)، نتائج الفكر (ص ٢٨٢)، الأصول لابن السراج (١/ ١٩٣ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٤)، الهمع (٢/ ١٤٤ وما بعدها)، إعراب لامية الشنفري (ص ٩٣، ١٢٨)، المسائل السفرية (ص ١٣)، مغنى اللبيب (ص ٧٠٧، ٧٠٨)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٢١١).
(٦) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١١٠)، (٢/ ٩٣)، إعراب لامية الشنفري لأبي البقاء العكبري (ص ١٢٨).
[ ١ / ٥٣٢ ]
هنا: فقد دَخَلَت على "رأيتُ"؛ فيجُوزُ أنْ تُقَدِّر: "إنّي لا آلُ أنْ أُريكُم من صَلاتي كرُؤيتي صَلاة رَسُول الله - ﷺ -"، وأن تُقَدِّر: "إني لا آلُ أنْ أصَلّي بكُم كصَلاةِ رَسُول الله"؛ فيُقَدّر المصْدَر مِن لفْظ "مَا" قبل "مَا".
وعلى الأوّل: يُقَدّر المصْدَر من لفْظ "ما" بعْد "ما"، والمعنى يرد كُلّ واحدٍ منهما إلي الآخَر. (١)
قوله: "فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكُم تصنعونه": جملة "يصنع" في محلّ خبر "كان". وجملة "لا أراكم" في محلّ صفة لـ"شيء". و"شيئًا": يأتي الكَلامُ عليه في السّادس من "الزّكاة".
قوله: "وكان إذا رَفَع رأسَه من الركوع انتصب": في بعض النّسَخ: "كان" بلا "واو"، و[في] (٢) بعضها: "وكان" بـ "الواو".
وهذه "الواو" إذا ثبتت تكون عاطفة؛ تعطف "كان" على "كان"، ويكون الذي يصنعه "أنس" يحتمل أن يكونوا يصنعونه، ويحتمل أن لا؛ فهو غيرَ المفسَّر بـ"كان" الثانية؛ لما تقتضيه "الواو" العاطفة من التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه.
وإن لم تثبت "الواو": كانت الثّانية مع ما بعْدَها تفسيرًا للذي كَان يصنعه "أنس"، وتكُونُ الجُمْلة مُفَسّرة على هذا، لا محلّ لها.
وعلى الأوّل: محلّها نصْبٌ بالقَول.
قوله: "وكَان إذا رَفَع رَأسَه من الرّكُوع": تقدّم الكلامُ على "كان" في الحديث الأوّل من الكتاب، و"إذا" في الحديث الثّاني من الكتاب. والعامل" في "إذا" هنا: "انتصب"، أو فعلها، على الخلاف المتقدِّم بيانه (٣).
_________________
(١) راجع: البحر المحيط (٢/ ٤٦).
(٢) كشط بالأصل. وفي بـ: "وقال". ويصح المعنى على: "وبعضها".
(٣) انظر: حاشية الشِّهاب على تفسيرِ البيضَاوِي (٦/ ١٢١، ١٧١)، أمالي ابن الحاجب =
[ ١ / ٥٣٣ ]
و"حتى" هنا ناصبة، بإضمار "أنْ". (١) وتقَدّمت في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
وقوله: "مَكَث": الاسْمُ: "المكْث"، بضَمّ " الميم"، وكَسْرها. و"يمكُث": "يلبث". و"المكيثي"، مثل "الخصيصي": "المكث". و"سار الرجل [مُتمكثًا"] (٢). و" رَجلٌ مكيث"، أي: "رَزينٌ". (٣)
قوله: "حتى يقُول القَائل": أي: "حتى يظُنّ الظّانّ". وتقدّم أنّ القَولَ يأتي بمعنى "الظن"، ولذلك تُفْتَح بعْدَه "أن". (٤)
وجُمْلَة "قد نَسي": في مَحَلّ مَعْمُول القَوْل.
و"مَكث": يجُوزُ فيه ضَمّ "الكَاف"، وفتحها، الضّمُّ أشْهَر. وقَال أبو البقاء: "هُمَا لُغَتَان". (٥)
_________________
(١) = (١/ ١٨٧)، الجنى الداني (ص ٣٦٩ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٩٢، ٢٩٣)، الموسوعة القرآنية (٤/ ٤٧٤).
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٢٤٦)، لسان العرب لابن منظور (٢/ ٢٣، ٢٤)، الكليات للكفوي (ص ٣٩٥، ٣٩٦).
(٣) بالنسخ: "ممكثًا". وفي "الصحاح " (١/ ٢٩٣): "وسار الرجل مُتَمَكِّثًا، أي مُتَلَوِّمًا". وكذا في بقية المصادر.
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١٣)، الصحاح (١/ ٢٩١، ٢٩٣)، لسان العرب (٢/ ١٨٢، ١٩١)، المصباح (٢/ ٥٧٧)، النظم المستعذَب (١/ ١٦).
(٥) انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١٣)، شرح المفصل (٤/ ٣٢٥)، توضيح المقاصد (١/ ٥٦٩ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٣٠١)، النحو الوافي (١/ ٦٥٠).
(٦) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٥ ٨٣)، إملاء ما من به الرحمن للعكبري (٢/ ٩٧)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١٣)، الصحاح (١/ ٢٩١، ٢٩٣)، لسان العرب (٢/ ١٨٢، ١٩١)، المصباح (٢/ ٥٧٧)، النظم المستعذَب (١/ ١٦).
[ ١ / ٥٣٤ ]
الحديث التاسع:
[٨٩]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: "مَا صَلَّيْتُ [وَرَاءَ] (١) إمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلاةً، وَلا أَتَمَّ صّلاةً، مِنَ النَّبيِّ - ﷺ -" (٢).
قوله: "الحديث التّاسع": لا يُرادُ بـ "التاسع" اسمُ الفاعل الجاري على الفعل، وإنما هو مثل: "لابِنٌ" و"تَامِرٌ"، قاله أبو عَليّ؛ فيُضَافُ باعتبار كَونه واحدًا من العَدَد، فيُقَال: "تاسع عشر"، قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]، لا باعتبار كَونه مُتمّمًا، ويُقَال: "تاسع ثمانية"، و"عاشر تسعة"، بمعنى "التصيير". (٣) وقد تقَدّم الكَلامُ على ذلك مُستوفىً في حديث "ولوغ الكلب".
قوله: "ما صَليتُ": التقْديرُ: "أنه قال: ما صليت"؛ ليقوم مقام الفاعل. (٤) و"ما" في محلّ معمول القول، وهي نافية (٥). وأقسام "ما" تقدّمت في الحديث الأوّل
_________________
(١) كذا بالنسخ، وبـ "العُمدة" (ط المعارف، ص ٦٢)، وبالبخاري (٧٠٨)، وبمسلم (٤٦٩/ ١٩٠). وفي الطبعة الأخرى من "العُمدة" (ص ٧٥): "خلف".
(٢) رواه البخاري (٧٠٨) في الأذان، ومسلم (٤٦٩) (١٩٠) في الصلاة.
(٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١٠/ ٤٩٦)، عقود الزبرجد (١/ ٢٠٩)، الإعلام لابن الملقن (١٠/ ٢٩٣)، الكتاب لسيبويه (٣/ ٣٨١، ٥٥٩ وما بعدها)، المقتضب (٢/ ١٨١)، الأصول لابن السراج (٢/ ٣٣٢، ٤٢٦، ٤٢٧)، الهمع للسيوطي (٣/ ٢٦١، ٢٦٢)، شرح القطر (ص ٣١١)، شرح التصريح (٢/ ٤٦٧)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٤١٢ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٦٢، ١٦٨٥)، شرح ابن عقيل (٣/ ١٦٦٢)، شرح المفصل (٣/ ٣٧١)، (٤/ ٣١)، إصلاح المنطق لابن السكيت (ص ٢١٤، ٢١٥، ٢٥٦)، تصحيح الفصيح وشرحه (ص ٢٤٨)، كتاب العدد في اللغة لابن سيده (ص ٣٩)، المفصل (ص ٢٧١)، المصباح (١/ ٧٧)، المقدمة الجزولية (ص ١٧٥).
(٤) راجع: شرح القطر (ص ١٩٠)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٢٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٤٦ وما بعدها).
(٥) انظر: شرح التصريح (١/ ٣٧٢)، موصّل الطلاب (ص ١١٩).
[ ١ / ٥٣٥ ]
من "باب التيمم".
قوله: "وراء": ظَرفُ مَكَان (١)، تقدّمت في الثّالث من "باب الصفوف".
"قط" (٢): تقدّمت في السّادس من "الإمامة".
قوله: "أخَف": هو صفة لـ"إمام" (٣)، جَرَت على غير مَن هي له، والفتحة فيه علامة للجر؛ لأنه لا ينصرفُ، للصّفة والوَزْن. (٤) والتقدير: "ما صلّيتُ وَرَاءَ إمام مخفّف صلاته".
فـ"وراء" معمُول لـ "صَليتُ". ويلزَم على هذا نصْب "صَلاة" على التمييز؛ لأنه مخالفٌ لما قبله في الجنسية.
فإن قَدّرت "أخف" صفة لموصوف محذوف معمول لـ"صليت"، أي: "ما صليت صلاة أخف صلاة"؛ خفضت "صلاة"؛ لأنّه من جنس ما قبله. وتقدم تحقيق ذلك في السّادس من "فضل الجماعة"، وسيأتي توجيه امتناع الخفض.
وتقدّم الكَلامُ على "أفعل التفضيل" في الأوّل من "كتاب الصلاة".
و"صَلاة": تمييز. (٥)
و"أتمّ": أيضًا "أفعَل" التفضيل" من قَولهم: "تمّ الشيء"، "تمامًا". و"أتمّه غيره"، و"تمّمه"، و"استتمّه"، بمعنى واحد. (٦)
_________________
(١) انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١٦)، النحو الوافي (١/ ٤٧٦).
(٢) انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١٨).
(٣) انظر: عقود الزبرجد (/ ١٢٥).
(٤) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٦٨)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ١٢٥)، الهمع للسيوطي (١/ ١٣٢).
(٥) انظر: عقود الزبرجد (/ ١٢٥).
(٦) انظر: العين (٨/ ١١١)، لسان العرب (١٢/ ٦٧)، تاج العروس (٣١/ ٣٣١)، =
[ ١ / ٥٣٦ ]
قوله: "مِنْ [رَسُول الله] (١) ": يتعَلّق بـ"أتَمّ" على اختيار البصريين، أو بـ"أخَفّ" على اختيار الكُوفيين. (٢)
و"من": مَع "أفْعَل" للتبعيض. وقيل: لابتداءِ الغَايَة. (٣)
والعطفُ في قوله: "ولا أتَمّ" بـ "الواو". و" لا" مُؤَكّدة للنفي.
وكرّر التمييز تأكيدًا. ولو قَال: "أخَفّ وأتَمّ صَلاة" صَحّ، أو "أخَفّ صَلاة وأتَمّ" لصَحّ، وفُهم المعنى.
ولا يصحُّ أن تكُون "أخَفّ" صفة لموصُوف محذُوف، على أن يكُون التقدير: "ما صَلّيتُ صَلاة أخَفّ ولا أتَمّ من صَلاة رسُول الله - ﷺ -"؛ لأنّ "صَلاة رَسُول الله" ليست من فِعْل "أنس" حتى يكُون التفضيل، وإنما التفضيلُ بين صَلاة الأئِمّة مع صَلاةِ النبي - ﷺ -، إلا أنْ يكُون التقديرُ: "ما صَلّيتُ صَلاةً ورَاءَ إمَام أخَفّ من صَلاتي ورَاءَ النبي - ﷺ -، والتركيبُ لا يُعْطِي هذا المعنى إلّا بتكلّفٍ [كبير] (٤) وحَذْف ليس عليه دَليل. والله أعلم.
_________________
(١) = المحكم والمحيط الأعظم (٩/ ٤٦٩)، المعجم الوسيط (١/ ٨٩).
(٢) كذا بالنسخ، وهو ما في بعض نُسخ "العُمدة". والوارد بمتن الحديث: "من النبي". وانظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٤٧)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١١٥).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٢/ ٨٩)، عقود الزبرجد (٢/ ١٨١)، شواهد التَّوضيح (ص ٢٣٩)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٧٩)، شرح التسهيل (٣/ ٤٣)، الضرورة الشعرية ومفهومها (ص ٤٧٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ٧٦، ٢٥٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٤٧)، (٧/ ١٠٣)، الجنى الداني (ص ٣١١، ٣١٢)، اللمحة (١/ ٤٢٦ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٣٩)، (٢/ ٩٣٤)، شرح الأشموني (٢/ ٣٠١)، شرح التسهيل (٣/ ١٣٦).
(٥) في (ب): "كثير".
[ ١ / ٥٣٧ ]
الحديث العاشر:
[٩٠]: عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ الجْرْمِيِّ الْبَصْرِيّ، قَالَ: "جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحويرِثِ في مَسْجِدِنَا هَذَا، فَقَالَ: إنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي، فَقُلْتُ لأَبِي قِلابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَ: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنَا هَذَا، وَكَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ" (١). (٢)
قوله: "عن أبي قلابة": الرّاوي عن" أبي قلابة": ["وُهَيب"] (٣) كان حقّه أن يذكُره "الشيخ"؛ لأنّه قَال في الحديث: "فقُلتُ لأبي قلابة"، ولم يعْتَرض الشّيخ "تقيّ الدّين" على صاحب "العُمْدَة" هذا، واعترض عليه في إدْخَاله هذا الحديث في "العُمْدَة" بعد أنْ شَرَط أنْ يذْكُر ما اتّفَق عليه" مُسْلم" و"البُخَاري"، وهذا الحديثُ مما انفَرَد به "البخاري" (٤). (٥)
قوله: "عبد اللَّه بن يزيد": بَدَلٌ من "أبي قلابة، أو عَطْف بيَان. وتقدّم الكَلامُ على "يزيد" في الرابع من "الإمامة".
_________________
(١) رواه البخاري (٦٧٧)، (٨٢٤)، في الأذان، ومسلم (٣٩١) في الصلاة.
(٢) جاء في نُسخ "العمدة" بعدها: "أَرادَ بشيخِهمْ: أَبا بُريد، عَمرَو بنَ سَلمَة الجرْميَّ"، وفي بعضها: " أبا يزيد ". وانظر: العمدة (ص ٧٦)، صحيح البخاري (٨٠٢، ٨٢٤)، إحكام الأحكام (١/ ٢٤٧)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١٢٤).
(٣) هذا سهو من ابن فرحون، وكأنه نظر إلى شرح ابن دقيق العيد فرأى ذكره الرواية عن "وهيب"؛ فظنّ أنه هو الرواي عن "أبي قلابة". والصّحيحُ أنّ الراوي عنه هو: "أيوب السختياني"، وقد روى "وهيب" عن "أيوب". وانظر: عُمدة القارى (٥/ ٢٠١)، إرشاد الساري (٢/ ١٢٥)، إحكام الأحكام (١/ ٢٤٨)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١٢٢، ١٢٤).
(٤) صحيح البخاري (٦٧٧).
(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (٢/ ١٦٤)، إحكام الأحكام (١/ ٢٤٨)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١٢٢).
[ ١ / ٥٣٨ ]
و"الجرمي البصري": نعتان لـ "أبي قلابة"، على تقدير أن يكُون "عبد الله" [معطُوفًا] (١) عطْف بيان؛ لأنّ البَدلَ لا يتقَدّم على النّعت، وأمّا عَطفُ البيان فإنّه كالنّعت في البيان (٢).
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]: إنّ التقدير إذا نَصَبت "الرّاء": "غير صراط المغضوب عليهم"، على أنّه نعتٌ للصراط المعَرّف بالألِف واللام.
واعتُرض بالفَصْل بين الصّفة والموصُوف بالبَدَل الذي هو: "صراط الذين". وضَعّف "أبو حيّان" هذا الوجْه، أعني: تقدير "غير صراط المغضوب" نعتًا. (٣)
قال ابنُ عصفور: إذا اجتمعت التّوابع بدَأت بالنّعت، ثم التوكيد، ثم بالبدَل، ثم بالعَطْف.
وسببُ تقديم النّعت على التوكيد: [أنّك] (٤) لا تُؤكّد الشيء إلّا بعد معرفته واستقراره، ولذلك لا تُؤكّد النكرة، كما تقدّم.
وسَببُ تقدّم التوكيد على البدل: أنك لو قدّمت البَدَلَ لكُنت من حيث أبدَلْت قد نويتَ بالأوّل الطّرْح من جهة المعنى، والتأكيدُ بعد ذلك [ق ٧٠] يكُون بمنزلة المعتمَد عليه الذي لم [تنو به] (٥) الطَّرْحَ، وذلك [تناقضٌ] (٦).
_________________
(١) بالنسخ: "معطوف".
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢)، دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (٨/ ٧١٧)، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور، ط الموصل، (٢/ ٢٦٤)، مُغني اللبيب (ص ٦٥٩)، العُمدة في إعراب البردة (ص ٦٢)، المقتضب (٣/ ٢٧٢)، (٤/ ٣٩٩).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢، ٥٤).
(٤) بالنسخ: "لأنك". والمثبت من "شرح الجمل".
(٥) غير واضحة بالنسخ. والمثبت من "شرح الجمل".
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "نيل بعض".
[ ١ / ٥٣٩ ]
وقُدِّم البَدَلُ على العَطْف: لأنّ البَدَلَ على كُل حَال مُبيّن للأوّل، فكأنّه من كماله، ولا يُعْطَف على اسم إلّا بعد كماله. (١)
قوله: "قال: جَاءَنا مالك بن الحويرث": فاعلُ "قال": ضمير "أبي قلابة". و"ابن الحويرث": نعتٌ لـ"مالك". و" في مسجدنا" يتعلّق بـ "جاءنا". و"جاء" يأتي الكَلامُ عليه في الحديث الثّامن من "باب الصّوم في السفر وغيره".
قوله: "هذا": يصحّ أن يكون نعتًا لـ "مسجدنا"، وأسماءُ الإشارة تُنعَتُ ويُنعَت بها، بخِلافِ المضْمَر؛ فإنه لا يُنعَتُ ولا يُنعَتُ به. ويصحّ (٢) أنْ يكُون بَدَلًا أو عطف بيان. (٣)
قوله: "قال: إني لأُصَلّي بكم": "اللام" الداخلة في خبر "إنّ"، و"الباء" في "بكم" باء الإلصاق، أو "باء" التعدية. (٤)
_________________
(١) انظر: شرح جمل الزجاجي لابن عصفور (١/ ٢٧٣)، شرح الأزهرية (ص ٢١)، النحو الوافي (٣/ ٤٣٥).
(٢) أي: في قوله: "هذا".
(٣) انظر: شرح جمل الزجاجي لابن عصفور (١/ ٢٠٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٣٣٣)، شرح التصريح (٢/ ١١٣)، الجزولية (ص ٦٦)، تسهيل الفوائد (ص ١٧٠)، شرح التسهيل (٣/ ٣٢٠ وما بعدها)، المقتضب (٣/ ٢٧٢)، نتائج الفكر (ص ١٦٧)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٥٢، ٩٥٧)، شرح الأزهرية (ص ٣١)، همع الهوامع (٣/ ١٤٩)، دليل الطالبين لكلام النحويين (ص ٤٧).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٣٦، ٣٧، ٣٨)، الأصول في النحو (١/ ٤١٢ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٩)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٥٥ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٤١٦ وما بعدها)، جامع الدروس العربية ٣/ ١٦٨ وما بعدها)، النحو الوافي (٢/ ٤٩٠ وما بعدها).
[ ١ / ٥٤٠ ]
قوله: "وما أريد الصّلاة": "ما" نافية، والجملة لا محلّ لها؛ لأنها معترضة. أو تكُون "الواو" واو الحال (١)، أي: "وأنا ما أُريد الصّلاة"، بتقدير مُبتدأ؛ فتكُون الجُمْلة خَبرًا عنه، والمبتدأ والخبر في محلّ الحال من فَاعِل "أُصَلّي".
وعلى هَذا: فالحَالُ غيرُ مُقَارنة، وإنما هي حكَاية حَال إخباره؛ لأنّه لو قَارَن "الصّلاة" [نفي إرادتها] (٢) لم يَصِحّ، وكانت مجرّدَة للتعليم، والظاهِرُ أنه لا يفْعَلُ ذلك إلّا بنيةٍ صَحيحةٍ تنْعَقِد بها الصّلاة ويكُون في ضمْنها التّعْليم، وذلك لا يَضُرّ، خُصُوصًا إذا كانت غير فرْضه. (٣)
قوله: "أُصَلّي كيف رَأيتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يُصلّي": الجُمْلةُ بَدَلٌ من قَوله: "لأصَلّي". والتقديرُ: أي "أُصَلّي بكم كيف ". ويحتمل أنْ تكُون خَبرًا بعد خَبر، وجُملة "ما أُريد أنْ أُصَلي" مُعترضة (٤). وعلى أنّها بَدَلٌ: يكُون محَلُّها محَلّ المبْدَل منه.
قوله: "كيف": "كيف" هنا مُضَمّنة معنى الشّرْط، أي: "كيف رأيتُ النبي - ﷺ - يُصلّي أُصلّي". (٥)
والقَولُ فيها كالقَول في قَوْله تعَالَى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]،
_________________
(١) انظر: عمدة القاري للعيني (٥/ ٢٠١)، الجنى الداني (١٦٤)، شرح الكافية الشافية (١/ ٦٨)، اللمحة (١/ ٣٩٧ وما بعدها)، الفصول المفيدة في الواو المزيدة (ص ١٥٥)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٠٣).
(٢) في (ب): "بفي أراد بها".
(٣) راجع: فتح الباري لابن رجب (٦/ ١١٠، ١١١)، عُمدة القاري للعيني (٥/ ٢٠١)، إرشاد الساري للقسطلاني (٢/ ٤٢)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٢٤٨)، كوثر المعاني الدَّرَارِي (٨/ ٤٥٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣١٦).
(٥) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٠)، (٤/ ٣١٦)، عُمدة القَاري للعيني (٥/ ٢٠١)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٢٧٠).
[ ١ / ٥٤١ ]
و﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤٨]. والتقدير: "كيف يشاء أنْ يُنْفق يُنفِق"، "كيف يشاء أن يُصَوِّر صَوّركم". (١)
وأما العاملُ في "كيف" هنا فهُو: "أُصَلّي" الثانية، وقد جَاء على شَرط "كيف" الشّرْطية؛ لاقتضائها فِعْلين مُتفقي اللفظ والمعنى، غير مجْزُومَين. (٢)
قال أبو حيّان: وحُذفَ فعلُ الجزاء لدلالة ما قبله عليه - وهو "يُصَوِّركم" - كقَولهم: "أنتَ ظَالمٌ إن فَعَلت"، أي: [" إنْ فَعَلْت فأنتَ ظالمه"] (٣). ولا مَوضعَ لهذه الجُمْلة - أعني: "كيف يشاء" - وإن كانت مُتعلّقة بما قبلها في المعنى، [كتعَلّق] (٤) "إنْ فَعَلْت" بقوله: "أنتَ ظالمُ". (٥)
واعلم أنَّ "كيف" هُنا شَرْطيّة، كما تقدّم. ويحتمل (٦) أوجُهًا، منها: أنْ تكُون حَالًا، أي: "أُصَلّي على حَالةٍ رأيتُ النبي - ﷺ - يُصَلّي عليها"، ويكُون العَامِلُ في الحال: "أُصَلي"؛ لأنّ الحالَ من ضَميره (٧).
ورَدّ ابنُ عصفور وقُوعها حَالًا، وقال: الحالُ خَبر، و"كيف" استفهام؛ فلا يصحُّ وقوعها حَالًا. (٨)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٠)، (٤/ ٣١٦)، مُغني اللبيب (ص ٢٧١).
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٣١٦)، مُغني اللبيب لابن هشام (ص ٢٧٠، ٢٧١)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٨٩).
(٣) هي في البحر المحيط (٣/ ٢٠): "أَنْت ظالمٌ إنْ فعلتَ فأنت ظالمٌ".
(٤) هي في البحر المحيط (٣/ ٢٠): "فتعلُّقُها كتعلّقِ".
(٥) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٠)، (٦/ ٦٨، ٦٩)، مغني اللبيب (ص ٢٧١).
(٦) المراد: ويحتمل موضع "كيف" بالجملة.
(٧) راجع: البحر المحيط (٣/ ٢٠)، (٤/ ٣١٦)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٢٧١)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٠٥).
(٨) انظر: شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٠٥)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٠١).
[ ١ / ٥٤٢ ]
ومَذْهَبُ سيبويه في "كيف" أنها ظرْفٌ مُطلقًا؛ فتكُون في محل نصب على الظّرْفية، والعامِلُ فيها فعلُها. (١)
قال ابنُ مَالك ما معناه: لم يمل أحَدٌ إنها ظرْفٌ مُطلقًا؛ إذ ليسَت زَمانًا ولا مَكَانًا، ولكنّها لما كانت تُفَسر بقَولك: "على أي حَال" لكَونها سُؤالًا عن الأحْوَال العَامّة سُمّيَت ظَرْفًا؛ لأنّها في تأويل الجاز والمجرور، واسمُ الظرْف يُطلَقُ عليهما مجازًا. (٢)
قال ابنُ هشام: وهو حَسَن، ويؤيّده الإجماعُ على أنّه يُقَال في البَدَل: "كيف أنت؟ أصَحيحٌ أم سَقيمٌ" بالرّفع، ولا يُبدَلُ المرفُوعُ من المنصوب. انتهى. (٣)
وتحتمل "كيف" هُنا أنْ لا يكُون لها مَوضعٌ من الإعْراب، كما قيل في قَوله تعَالى: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦].
وإذا لم يكُن لها موْضِع: فلا بُدّ من عَامِل يُقَدّر بعدها؛ لما تضمّنته من معنى الاستفهام. (٤)
قال أبو حيّان: قد يَصْحَبها معنى التقْرير، نحو قَوله تعَالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]. (٥)
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٧٢)، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور (٢/ ٤٠٥)، الهمع للسيوطي (٢/ ٢١٨).
(٢) انظر: مغني اللبيب لابن هشام (ص ٢٧٢)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦)، الهمع للسيوطي (٢/ ٢١٩).
(٣) انظر: مُغني اللبيب (ص ٢٧٢)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٠٥)، الهمع للسيوطي (٢/ ٢١٩)، المدارس النحوية (ص ٣٥٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٠)، (٤/ ٣١٦).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ١٨٧)، الفصول المفيدة في الواو المزيدة (ص ١٥٨)، شرح التسهيل (٢/ ٣٧٢، ٣٧٣)، الصاحبي (ص ١١٥)، الهمع (٢/ ٣٢٢).
[ ١ / ٥٤٣ ]
ودُخُولُ حَرْف الجرّ عليها شَاذٌّ، والشَّرْطُ بها قَليلٌ، والجزْمُ بها غيرُ مَسْمُوع، فلا يُقَاسُ، خِلافًا للكُوفيين. (١)
قوله: "فقلتُ لأبي قلابة: كيف كان يُصلّي؟ ": "كيف" هنا في محلّ حَال من ضَمير "يُصلّي"، أي: "على أي حَال، مُطوِّلا يُصلّي أم مخففًا؟ ". والجملة وما بعدها معمولة للقول.
قوله: "قال: مثل صَلاةِ شيخنا هذا": التقدير: "يُصَلّي صَلاة مثل صَلاة شيخنا هذا". فـ "مثل" نعْتٌ لمصدر محذُوف، أو يكون منصوبًا على الحال، أي: "يُصلّي الصّلاة في حَال مُشَابهتها لصَلاة شَيخنا". و"هذا" نعتٌ لـ"شَيخنا"، وقد تقَدّم قَريبًا مثله في: "مَسْجدنا هذا".
"وكان يجلس": اسم "كان" يعُود على شيخهم " [أبي] (٢) بُرَيد" - بضم الموحَّدَة، وفتح "الرّاء" - عمرو بن سَلِمَة - بكَسْر "اللام" - الجرْميّ، بفتح "الجيم" وسُكون "الرّاء" المهمَلة [قاله] (٣) الشّيخُ "تقيّ الدّين". (٤)
قوله: "إذا رفع رأسه من السجود": جَوَابُ "إذا" محذُوفٌ، يدلُّ عليه ما قبله، أي: "إذا رَفَع جَلَس". والعاملُ في "قبل": "يجلس". و"أنْ" وما بعدها في محلّ جرّ بالإضَافة إلى "قبل".
_________________
(١) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١٣٩)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٢٧٣)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٠٥).
(٢) سقط من النسخ. وانظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٤٧).
(٣) بالنسخ: "قال". والصواب المثبت.
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٤٧، ٢٤٨).
[ ١ / ٥٤٤ ]
الحديث الحادي عشر:
[٩١]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، [ابْنَ] (١) بُحَيْنَةَ - ﵁ -: "أَن النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْه، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ" (٢).
ذكَرَ الشَّيخُ تقيّ الدّين وغيره أنّ "بُحينة" أمّ "عبد الله"، ولذلك تُكتب ["ابن"] (٣) بـ "الألِف"، وينَوّن "مالك". ومثله: "عبد الله بن أُبي، ابن سَلول"، فإنّ "سَلول" أمّه.
[وله] (٤) نظائر جُمع منها -[إذ رأيتُ] (٥) - جملة صَالحة، ذَكَرها الشيخُ تقيّ الدّين والنّووي. (٦) والله أعلم.
_________________
(١) بالنسخ: "بن"، وكذا بـ "العُمدة" (ص ٧٦). والصّواب المثبت.
(٢) رواه البخاري (٣٩٠) في الصلاة، ومسلم (٤٩٥) في الصلاة.
(٣) كشط بالأصل. والمثبت من السياق والمصادر.
(٤) في (ب): "ولها".
(٥) بموضعها كشط بالأصل، يظهر منها ألِف وشبه عين بالأوّل، وبآخرها يظهر شبه ياء ثم تاء. وقد تقرأ: "أفردت" رغم ضعف السياق. ولهذا أثبت ما في (ب). ولعل بالموضع سقطًا أو نحوه. وجعلتها جملة اعتراضية؛ لاستقامة العبارة بدونها. وعبارة ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (١/ ٢٥٠) هي: "ولذلك نظائر لو تتبعت لجمع منها قدر كثير وقد اعتنى بجَمعها بعض الحفاظ". وقال النووي في كتابه "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ٨٩): "ولهذا نظائر، وقد أفردتها في جُزء"، وذكَر ﵀ عَددًا منها في شرحه على صحيح مُسلم (٢/ ١٠٢). وأكثر مَن رأيته جمع في هذا هو "ابن الجوزي" في "كشف المشكل من حديث الصحيحين" (٢/ ١٠٣، ١٠٤)، فقد عَدّ أربعة عشر صَحابيًّا ممن نُسبوا إلى أمهاتهم.
(٦) انظر: فتح الباري (٢/ ١٥٠)، عمدة القاري (١/ ٥٧)، إرشاد الساري (١/ ١٦، ٤٠٩)، شرح النووي (٢/ ١٠٢)، (٤/ ٢١٠)، (٥/ ٥٩)، إحكام الأحكام لابن دقيق =
[ ١ / ٥٤٥ ]
قُلتُ: وهذا من المواضع التي يَتْبَع فيها الإعرابُ المعنى؛ لأنّ المعنى الأصلُ الذي يُبنى عليه الحُكْمُ.
ألا ترَى أنّ قَوْلَك: "سَمّيتُ أخَاك زَيْدًا الظّريف" أنّ "الظريفَ" صفَة لـ "أخ" لا لـ"زَيْد"؛ لأنّه اسْمٌ لا مُسَمّى. (١)
قوله: "كان إذا صَلّى فَرّجَ": جُملة "فَرّج" جَواب "إذا". وجملة "صلى" في محلّ جَر بالظّرْف. وجملة "كان" في محلّ خبر "أنّ"، و"أنّ" في محلّ رفْع مفعُول لم يُسَمّ فاعله لمتعلّق حَرْف الجرّ.
وتقدّم الكَلامُ على "بين" في الثّالث من "باب السواك".
وتقدّم الكَلامُ على "حتى" في الثّاني من أوّل الكتاب. وتأتي بمعنى " [كي] (٢) "، وبمعنى "إلى أنْ"، وبمعنى "إلا أنْ" قليلًا (٣). وهي هنا بمعنى "إلى أنْ".
قوله: "الحادي عشر": مبني؛ لتضمّنه "الواو". (٤)
_________________
(١) = العيد (١/ ٢٥٠)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١٣٣ وما بعدها)، عقود الزبرجد (٢/ ٨٣)، نيل الأوطار (٢/ ٣١٦)، تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٨٩).
(٢) راجع: أسرار العربية (ص ٢١٧)، المقتضب (١/ ٢٦)، الأصول في النحو (٢/ ٣٤٦)، الخصائص (٣/ ٣٣).
(٣) بالنسخ: (في). والصواب المثبت بالرجوع للمصادر.
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٥٥٤، ٥٥٥)، شرح شُذور الذهب للجوجري (٢/ ٥٢٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٢٤٥ وما بعدها)، موصل الطلاب (ص ١٠٤ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٣٧٩ وما بعدها).
(٥) المركَّبُ العَدَدي من المركّبات المزجيّة، وهو كُلّ عَددين كان بينهما حرفُ عطفٍ مُقدَّر. وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر، ومن الحادي عشر إلى التاسع عشر. أما واحد وعشرون إلى تسعة وتسعين، فليست من المركبات العدَدية؛ لأنّ حرف العطف مذكور، بل هي من المركبات العطفية. انظر: شرح شذور الذهب للجوجري =
[ ١ / ٥٤٦ ]
قوله: "يبدوأ" بالنصب، بإضمار "أنْ" بعد "حتى" (١)، وهو من "البُدو" (٢).
وقال القرافي في "القواعِد": يُروَى أنّ بعضَ الأدباء دَخَل على بعض الخُلفاء، فأنشده الخليفة البيت الثّالث من هذه الأبيات: -
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بمَقْتَل مَالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
يَجِدْ النِّسَاءَ [حَوَاسِرًا] (٣) يَنْدُبْنَهُ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الْأَسْحَارِ
قَدْ كُنَّ [يُخْبِئْنَ] (٤) الْوُجُوهَ تَسَتُّرًا فَالْآنَ حِينَ بَدَوْنَ لِلنُّظَارِ (٥)
فقال: كيف تقُول "بَدَأْنَ" بـ "الهمزة"، أو "بَدَيْنَ" بـ"الياء"؟
فقال: يا أمير المؤمنين، لا أقُولُ: "بَدَيْنَ" ولا "بَدَأْنَ"، بل: "بَدَوْنَ".
_________________
(١) = (١/ ٢٣٥)، جامع الدروس العربية (١/ ١٦، ١٧)، النحو الوافي (٤/ ٢٣١).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٥٥٤، ٥٥٥)، شرح شُذور الذهب للجوجري (٢/ ٥٢٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٢٤٥ وما بعدها)، موصل الطلاب (ص ١٠٤ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٣٧٩ وما بعدها).
(٣) انظر: جمهرة اللغة لابن دريد (١/ ٣٠٢)، (٢/ ١٠١٩)، اللسان (١/ ٢٧).
(٤) بالنسخ: "حواسر". والمثبت من المصادر.
(٥) هي وما يليها من أمثالها كتبت بالنسخ: "يخبأن". وكذا ببعض المصادر.
(٦) الأبياتُ من الكامل. وهي منسوبة للربيع بن زياد أحد بني عوف بن غالب بن قُطيعة بن عبس، يرثي بها مالك بن زهير العبسي. انظر: أمثال العرب للمفضل الضبي، ط دار الرائد، (ص ٨٨، ٨٩)، زهر الأكم في الأمثال والحكم (١/ ٣٢١)، نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب (ص ٥٣٤)، نزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص ١١٥)، شرح نقائض جرير والفرزدق لأبي عبيدة (١/ ٢٥٤، ٢٥٥)، وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٤٨٧)، الوافي بالوفيات للصفدي (١٦/ ١٤٤، ١٤٥)، المعْجم المفصّل (٣/ ٤١٧).
[ ١ / ٥٤٧ ]
فقال له: أصَبْت. (١)
وقد اختبره بوَجْهين: -
أحدهما: أنّ صدْرَ البيت بالهمز، في قوله: "يُخْبِئْنَ الوجوه"؛ فقياسه أن يقول: ["بَدَأْنَ"] (٢) مثل "يُخْبِئْنَ"، بالهمز فيهما، فخَطَر له أنّه يغترّ بذلك، فيُخْطئ، فلم يفعل ذلك.
وثانيهما في قصد التخطئة: أنّ "الواو" تكون ضمير الفاعل المذكّر، ولا يجوز أن "بَدَوْن" بـ "الواو" ضَمير النّسوة؛ لأنّ ضَمير النّسوة لا يكونُ بـ "الواو"، فما حمله ذلك على الخطَأ، بل نطق بالصّواب، وهي "الواو". (٣)
قلتُ: ومعنى ذلك أنّ أصْله: "بَدَوَون"، تحرّكَت "الوَاو"، وانفَتَح ما قبْلها، فقُلبت ألِفًا، ثم حُذِفَت "الألِف" لسكُونها وسُكون "الوَاو"؛ فصَار "بَدَون". (٤)
قَالَ ابنُ عَطيّة: هذا الشّعرُ للرّبيع بن زيَاد. (٥)
_________________
(١) انظر: الفروق، المسمّى (أنوار البروق في أنواء الفروق)، لشهاب الدّين أحمد بن إدريس القرافي (ت: ٥٦٨٤)، (٣/ ١٤٠). وكذا وردت في تهذيب الفروق (٣/ ١٧٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "يبدأن". والمثبت من المصدر.
(٣) انظر: الفروق للقرافي والتهذيب (٣/ ١٤٠، ١٧٦).
(٤) انظر: اللباب لابن عادل (١/ ٥٢٥)، الدر المصون (١/ ٢٧١)، الكتاب (٤/ ٢٣٨، ٣٧٦ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٣٠٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٤٠)، شرح المفصل (٥/ ٢٩٢)، المقتضب (١/ ٩٦ وما بعدها، ١١٥، ١٥٢ وما بعدها)، س صناعة الإعراب (١/ ١٥٨)، أسرار العربية (ص ٥٩)، المخصّص (٤/ ٤٢٤ وما بعدها)، المنصف لابن جني (ص ١٩٠)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٢٨٧)، ضياء السالك، مع أوضح المسالك (٤/ ٣٩٢ وما بعدها)، لسان العرب (١٢/ ٣٥٠).
(٥) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٤٥٤)، البحر المحيط (٣/ ٢١١).
[ ١ / ٥٤٨ ]
وفيه شَاهِدٌ على "التبلج"؛ إذ استَعْمَله في "الأسْحار". (١)
وفيه شَاهِدٌ على دُخُول "الفَاءِ" في جَوابِ الشّرْط، إذا كَان أمْرًا (٢).
وذكر ابنُ عطية سُؤالًا، فقال: كيف يُقَال للمَسرور بمَقتل مالك: تعال فانظر إلى نسائه كيف يندبنه وهن حواسر؟ ! وهل يزيده ذلك إلا تشفّيًا وشماتة؟
وأجاب: بأنّ العَرَب كَان من شأنها ألا تندب الميت المقتول ولا تبكي عليه إلا بعد الأخْذ بثأره، فكأنه يقُول: مَن سَرّه مقتل مالك فليأت لما يغُمّه من أخذ الثأر، إمّا بقتل القاتل أو غيره من جماعته. (٣)
الحديث الثاني عشر:
[٩٢]: عَنْ أَبِي [مَسْلَمَةَ] (٤) سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: "سَالْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - ﵁ -، أَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي في نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ" (٥).
قوله: "عن أبي [مَسْلَمة] (٦) ": "أبي" مخفُوضٌ بـ "الياء"، و" [مَسْلَمة] (٧) "
_________________
(١) لعل المراد: أنّ التبلج بمعنى الإضاءة والوضوح والظهور والإشراق، والأسحار جمع سحر، وهو الوقت الذي يكون قبل طلوع الفجر، وهو وقت لا يظهر، ففي التعبير عنه بالظّهور والإشراق غرابة. والله أعلم. راجع: المصباح (١/ ٦٠)، مجمل اللغة لابن فارس (ص ٤٨٨)، التعاريف (ص ٨٣)، تاج العروس (١/ ١٠٤)، (٥/ ٤٢٦).
(٢) انظر: شرح المفصل (٥/ ١١١)، الجنى الداني (ص ٧٣)، أمالي ابن الحاجب (١/ ١١٤ وما بعدها)، (٢/ ٧٣١ وما بعدها).
(٣) انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (١/ ٤٥٤)، الفروق للقرافي والتهذيب (٣/ ١٤١، ١٧٦).
(٤) بالنسخ: "سلمة". والمثبت من المصادر.
(٥) رواه البخاري (٣٨٦) في الصلاة، ومسلم (٥٥٥) في المساجد.
(٦) بالنسخ: "سلمة".
(٧) بالنسخ: "سلمة".
[ ١ / ٥٤٩ ]
مخفوضٌ بالفتحة.
أما الأوّل: فلأنّه من الأسماء السّتة، وفيها ثلاث لُغَات، هذه أشْهَر. والثانية: النقص؛ فيُقَال: "هذا أبُكَ"، و"رأيتُ أبَكَ"، و"مررتُ بأبِكَ". والثالثة: القصر، فيُقَال: "هذا أبَاك"، و"رأيتُ أبَاك"، و"مررتُ بأبَاك". (١)
وأمّا " [مَسْلمة] (٢) ": فإنه لا ينْصَرفُ، للعَلَمية والتأنيث. (٣)
وتقَدَّمَت هنا الكُنية على الاسم، وهذا هو الأصْلُ، بخلافِ اللقَب مع الاسم - المفْرَدَين - في جَواز الإضافة ووجُوبها، نحو: "زيد قفة". (٤)
واعلم أنّه ينقسم هذا الباب عند النحويين إلى: اسم، وكُنْيَة، ولَقَب.
فالكُنية: كُلُّ [اسم] (٥) مُرَكّب إضَافي صُدّر بـ"أب" أو "أم"، كـ"أبي بكر" و"أم كلثوم".
واللقبُ: [كُلُّ ما] (٦) أشْعَر برفْعَة المسمَّى أو ضعته، كـ"زين العابدين"،
_________________
(١) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ١٧ وما بعدها)، أسرار العربية (ص ٦٠)، الخصائص (١/ ٣٤٠)، شرح المفصل (١/ ١٥٣ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٢ وما بعدها)، أوضح المسالك (١/ ٦٩ وما بعدها)، همع الهوامع (١/ ١٣٩ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٢٦ وما بعدها).
(٢) بالنسخ: "سلمة".
(٣) راجع: المفصل (ص ٣٥)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٥٢)، اللمحة (٢/ ٧٥٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٣١).
(٤) انظر: المفصل للزمخشري (ص ٢٦)، شرح قطر الندى (ص ٩٨)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٤٧١)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ١٠٧)، عُمْدة الكتاب لابن النحاس (ص ٢١١)، أوضح المسالك لابن هشام (١/ ٣٣ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ١٣٢ وما بعدها)، الكُليات للكفوي (ص ٦٠٣، ٦٠٤).
(٥) بالأصل: "سم".
(٦) بالنسخ: "كلما".
[ ١ / ٥٥٠ ]
و"أنف الناقة" و"سعيد كرز"، و"زيد قفة".
والاسمُ: ما عداهما، وهو الغَالبُ، كـ "زيد"، و"عمرو". (١)
ويُؤخّر اللقبُ عن الاسم، كـ "زيد زين العابدين"، ورُبّما يُقَدَّم. (٢)
ولا ترتيبَ بين الكُنية وغيرها؛ تقُول: "أقسم بالله أبو حفص عمر"، و"أقسم بالله عمر أبو حفص". (٣)
قال ابنُ هشام: وفي نُسْخَة من "الخُلاصة" (٤) ما يقتضي أنَّ اللقبَ يجب تأخيره عن الكنية (٥)، كـ "أبي عبد الله أنف الناقة". وليس كذلك. (٦)
قال: ثم إنْ كَان اللقَبُ وما قبله مُضَافَين - كـ "عبد الله زين العابدين" -، أو كان الأوّل مُفْردًا والثاني مُضَافًا - كـ "زيد زين العابدين" -، أو كانا بالعكس - كـ "عبد الله كرز" -؛ أتبعت الثاني للأول، إما بَدَلًا أو عطف بيان، أو قطعته عن التبعية، إما برَفْعه خبرَ مُبتدأ محذُوف، أو بنصبه مفْعُولًا [الفِعْل] (٧) محذُوف.
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (١/ ١٣٣)، المفصل (ص ٢٦)، شرح قطر الندى (ص ٩٨)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ١٠٧)، شرح التصريح (١/ ١٣٢ وما بعدها)، الكُليات للكفوي (ص ٦٠٣، ٦٠٤).
(٢) انظر: أوضح المسالك (١/ ١٣٣).
(٣) انظر: أوضح المسالك (١/ ١٣٤ وما بعدها).
(٤) المراد بـ "الخلاصة": "ألفية ابن مالك". انظر: كشف الظنون (١/ ١٥٢)، أبجد العلوم للقنوجي (ص ٥٨٣)، ألفية ابن مالك منهجها وشروحها، غريب عبد المجيد نافع، ط بمجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، (العدد ٦٥، ٦٦/ ص ١٨٤ وما بعدها).
(٥) انظر: ألفية ابن مالك، ط دار التعاون، (ص ١٤).
(٦) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (١/ ١٣٦)، شرح ابن عقيل (١/ ١٢١)، شرح التصريح (١/ ١٣٤).
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "بفعل". والمثبت من المصدر.
[ ١ / ٥٥١ ]
وإن كانا مُفْرَدَين - كـ "سعيد كرز" - جَاز في ذلك وَجْه آخَر، وهو إضافة الأول إلى الثاني. (١)
إذا ثبت ذلك: ففي الحديث هنا تقديم الكُنية على الاسم، فيجُوز في الثاني أن يكُون بَدَلًا، وأن يكُون عَطْف بيان، ويجوزُ القَطْعُ على أنَّه خبر مُبتدأ، أو النصب على أنَّه مفْعُولٌ [الفعل] (٢) مُقَدّر.
قوله: "سألتُ": فعلٌ وفاعل، وهُو هُنا يتعَدّى لمفعولين، الأوّل "أنس"، والثاني جُملة "أكان"، والمعنى: "فقلتُ: أكَان ؟ ".
و"سَأل" يتَعَدّى بنفسه، ويتعَدّى بحَرْف الجَرّ، إمّا "عن"، وإمّا " [الباء] (٣) ".
وقد جُمع بينهما في الضّرورَة، نحْو:
فَأَصْبَحْنَ لَا يَسْأَلْنَنِي عَنْ بِما بِهِ (٤)
و"سَأل" هنا مُعَلّقة؛ فهي عَامِلَة في الجُمْلة، لا في اللفظ؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يَعْمَلُ فيه ما قبله سوى الجَارّ. وعُلّقَت "سَأل" - وإن لم تكُن من أفعال القلوب - لأنّها سَبَبُ العِلْم، فأجرَى السّبَبَ مجْرَى المسبّب، وقد قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (١/ ١٣٧).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب). وهي مثل سابقتها.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب)، والبحر المحيط (٢/ ٣٤٩).
(٤) البيت من الطويل، وهو للأسود بن يعفر. ويروى فيه: "يسألنه". وباقي البيت: "أَصَعَّدَ في عُلْوَ الهَوَى أَمْ تَصَوَّبَا". وفي رواية: "أصعَّد عن جَوَّ السّما أم تصوبا". وانظر: البحر المحيط (٢/ ٣٤٩)، (٧/ ١٢٧)، (٨/ ٢٣٠)، (١٠/ ٢٤٦)، تفسير الألوسي (٨/ ١٨١)، (١٠/ ١٨٦)، خزانة الأدب (٩/ ٥٢٧ وما بعدها)، لسان العرب (٣/ ٢٥١)، ضرائر الشِّعْر (ص ٧٠، ٣٠٣، ٣٠٤)، المعجم المفصل (١/ ١٣٦).
[ ١ / ٥٥٢ ]
بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠]. (١) وقالَ الشّاعِر:
سائِلْ بَنِي أسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ (٢)
قال ابنُ مَالك ما مَعْناه: ويُشَارك "سَأل" في التّعليق: "نظر" و"أبصر" و"تفكّر"، ومَا وافقهن، أو قاربهن. (٣) (٤)
قال: وقد تُعلّق "نَسِيَ". (٥)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٤٩)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث النبوي (ص ١٥٨، ١٩٣)، عقود الزبرجد (٣/ ١٥٥)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٨٦، ٨٧)، شرح المفصل لابن يعيش (٥/ ١٢٩).
(٢) البيتُ من البسيط. وهو لرويشد بن كثير الطائي. ومطلعه: "يا أيها الراكب المزجي مطيته". والشاهد: أنَّه أنّث الصوت؛ لأنه أراد: ما هذه الاستغاثة، أو الصيحة والجلبة والضوضاء؟ وهذا من قبيح الضرورة، أعني تأنيث المذكر؛ لأنه خروج عن أصل إلى فرع، وإنما المستجاز من ذلك رد التأنيث إلى التذكير؛ لأنَّ التذكير هو الأصل. انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٤٩)، سر صناعة الإعراب (١/ ٢٥)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ١٢٤)، شرح المعلقات السبع للزوزني (ص ١٨٥)، شرح المفصل (٣/ ٣٦٢ وما بعدها)، الصحاح (١/ ٢٥٧)، خزانة الأدب (٤/ ٢٢١)، المعجم المفصل (١/ ٥١٦).
(٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٣)، (١٠/ ٢٤٦)، تسهيل الفوائد لابن مالك (ص ٧٢)، شرح الأشموني (١/ ٣٧١).
(٤) التعليق: إبطالُ العمل لفظًا لا محلًّا، لمجيء ما له صدر الكلام بعد الفعل المعلَّق، والأصل اختصاصه بأفعال القلوب المتصرفة، وليس كلّ قلبيٍّ يُعلَّق. ومن الأدوات المعلِّقة: لام الابتداء، ولام القسم، وأدوات النفي (ما، ولا، وإنْ)، والاستفهام، وإنَّ المشدّدة التي في خبرها اللام. والجملة المعلَّقة في محلّ نصب على نزع الخافض إنْ كان الفعلُ قبلها لازمًا، وفي موضع نصب إن كان يتعدَّى إلى واحد، وسادَّة مَسَدَّ المفعولين إن كان يتعَدّى إلى مفعولين. انظر: تسهيل الفوائد (ص ٧٢، ٧٣)، المنصوب على نزع الخافض (ص ٣١٥ وما بعدها).
(٥) انظر: تسهيل الفوائد (ص ٧٢).
[ ١ / ٥٥٣ ]
وتجيء "سأل" بمعنى الطّلَب، قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]. (١)
وجملة "يُصلي " في محلّ الخبر.
قوله: "نعم": حَرْفُ تصديق. (٢) وتقَدّم الكَلامُ عليها في الرّابع من "الجنابة".
الحديث الثالث عشر:
[٩٣]: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصارِيِّ - ﵁ -، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ -[بِنْتَ] (٣) زَيْنَبَ، بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ - فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَها، وَإِذَا قامَ حَمَلَها" (٤). (٥)
قوله: "عن أبي قَتَادَة": أي: "رُوي". و"أبي": من الأسماء السِّتة (٦)، تقدَّم ذكرها آنفًا. و"قَتَادَة": لا ينْصَرفُ؛ للعَلَمية والتأنيث (٧). و"الأنصَاري" نعته.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير، ط دار طيبة، (١/ ٢٨٢)، البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٣٧٤، ٣٧٧).
(٢) انظر: مُغني اللبيب (ص ٤٥١)، اللمحة (٢/ ٨٩٧)، مُوصل الطلاب (ص ٩٣، ١٠٣)، دليل الطالبين لكَلام النحويين (ص ٨٥).
(٣) كذا بالنسخ. وفي نسخة "العُمدة"، المطبوعة مع "إعلام لابن الملقن" (٣/ ١٤٨): "ابنة".
(٤) رواه البخاري (٥١٦) في الصلاة، ومسلم رقم (٥٤٣) في المساجد.
(٥) وقع في بعض طبعات "العُمدة" وبعض شروحها عد هذه الحديث كحديثين، فاعتبروا قوله: "ولأبي العاص " حديثا مستقلًا، وهو خطأ.
(٦) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ١٧ وما بعدها)، أسرار العربية (ص ٦٠)، الخصائص (١/ ٣٤٠)، شرح المفصل (١/ ١٥٣ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٢ وما بعدها)، أوضح المسالك (١/ ٦٩ وما بعدها)، همع الهوامع (١/ ١٣٩ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٢٦ وما بعدها).
(٧) راجع: المفصل (ص ٣٥)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٥٢)، اللمحة (٢/ ٧٥٨)، =
[ ١ / ٥٥٤ ]
و"أنّ رَسُولَ الله": في محَلّ رَفْع، مفْعُول لم يُسَمّ فاعله للذي يتعلّق به حَرْف الجر أول الحديث. وجُملةُ "ﷺ" مُعترضة، لا محلّ لها.
وجملةُ "كان" مع اسمها وخبرها في محلّ خبر "أنّ".
وجملةُ "يُصلّي" في محلّ خبر "كان".
وجملةُ "وهو حَامِلٌ أمَامة": في مَوضع الحال من فاعل "يُصلّى". و"الواو" واو الحال. والجملةُ اسمية، جاءَت بـ"الواو" والضمير. (١)
و"أمَامة" لا [ينْصَرفُ] (٢)؛ للعَلَمية والتأنيث. (٣)
و" [ابنة] (٤) ": تقَدّم الكَلامُ عليها في أوّل حَديثٍ من "كتاب الحيض".
و"زينب": لا ينصَرفُ؛ للعَلَمية والتأنيث المعنوي. وجَاء على شَرْطه من الزيادة على ثَلاثَة؛ فعَلامَة جَرّه فتْحَة آخره. (٥)
_________________
(١) = جامع الدروس العربية (٢/ ٢٣١).
(٢) انظر: الجنى الداني (١٦٤)، شرح الكافية الشافية (١/ ٦٨)، اللمحة (١/ ٣٩٢، ٣٩٧ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧١٩)، الفُصول المفيدة في الواو المزيدة (ص ١٥٥، ١٦٩)، مُغني اللبيب (٧٨٩)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٧٩)، همع الهوامع (٢/ ٣٢٢)، النحو الوافي (٢/ ٣٩٨)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٠٣).
(٣) قد يصح أن تكون: "تنصرف".
(٤) راجع: المفصل (ص ٣٥)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٥٢)، اللمحة (٢/ ٧٥٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٣١).
(٥) الوارد بأصْل الحديث: "بنت". وأشرنا هناك إلى أنَّه ورد في نسخة "العُمدة"، المطبوعة مع "الإعلام لابن الملقن" (٣/ ١٤٨) لفظ: "ابنة".
(٦) انظر: المفصل (ص ٣٥)، تاج العروس (٢٤/ ٢١، ٢٢)، شرح شذور الذهب للجوجري (١/ ٢٥٦)، المغرب (ص ٥١٩)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٣٤)، النحو الوافي (٤/ ٢٣٦ وما بعدها)، النحو المصفّى (ص ٣٩، ٤٣).
[ ١ / ٥٥٥ ]
و"بنت رسُول الله - ﷺ -": نعتٌ و"زينب" مجرور اللفظ، ويجوز أن يكون بدَلًا أو عطف بيان، ويجوز الرّفع على القطع، والنصب بتقدير فعل. (١)
قوله: "ولأبي العَاص": معطوفٌ على "زينب". والتقديرُ: "ابنة لزينب ولأبي العاص"، فلما أضيف "زينب" سقطت اللام، وإنما ظهرت اللام في المعطوف للفصل. أو يكون التقدير: "وهي لأبي العاص"؛ فيتعلق حرف الجر بخبر مبتدأ محذوف.
وتقدّم الكَلام على "عبد شمس".
قال ابنُ مالك في "الخُلاصة" (٢):
وَشاعَ فِي الأَعْلامِ ذُو الإضَافَهْ كَعَبْد شَمْسٍ وَأَبي قُحَافهْ
وجَعَله "النيلي" (٣) ممتنعًا من الصّرف، واعترض به على "ابن الحاجِب" (٤)، [حتى] (٥) شَرَط (٦) في التأنيث المعنَوي الثّلاثي السّاكن الوَسَط أنَّه يتحتّم مَنْعه إنْ
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (١/ ١٣٧).
(٢) انظر: ألفية ابن مالك (ص ١٤).
(٣) راجع: الصفوة الصفية شرح الألفية، للنيلي، (١/ ٣٤٣).
(٤) قال ابنُ الحاجب: "التّأنيث بالتّاء: شرطه العلميّة، والمعنويّ كذلك، وشرط تحتّم تأثيره: الزّيادة على الثلاثة، أو تحرّك الأوسط، أو العُجمة، فـ (هند)، يجوز صرفه، و(زينب) و(سقر) و(ماه) و(جور) ممتنع، فإن سمّي به مُذكّر فشرطه الزّيادة على الثّلاثة، فـ (قدم) منصرف، و(عقرب) ممتنع". انظر: الكافية في علم النحو لابن الحاجب (ص ١٢، ١٣)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٠٦ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٣/ ٣٣٠ وما بعدها)، شرح الأشموني (٣/ ١٥٤ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٣٣٢).
(٥) كذا بالنسخ. ولعل الأصوب: "حيث".
(٦) أي: ابن الحاجب.
[ ١ / ٥٥٦ ]
كَان فيه العُجْمَة.
قال: وليس هذا بشَيءٍ؛ فإنّ العَدْل إذا انّضم إلى التأنيث تحتّم منع صَرْفه، نحو: "عبد شمس"؛ فيمتنع هنا صرفه للعَلَمية والتأنيث والعَدل، وإن كان ساكنَ الوسَط؛ لمقابَلة السكون بعِلّة. (١)
قلتُ: وهذا التركيبُ تركيب إضافة، كـ "أبي هريرة"، وتركيب الإضافة لا أثر له في معنى الصرف.
ويتعيّن في "شمس" المنع، كما قال النيلي ﵀، وصرفُ ابن مالك له في البيت لتقويم الوزن.
ونصّ ابن هشام على صرفه، فقال: يُقال: "هذا عبدُ شمس"، و"رأيت عبدَ شمس"، و"مررت بعبدِ شمس"، كما تقول: "هذا غلامُ زيد"، و"رأيت غلامَ زيد"، و"مررت بغلامِ زيد". (٢)
ولعلّه لم يعتبر العَدْل، ويلزمه أن لا يعتبره في "سَحَر" لـ "يوم" بعَينه؛ لأنَّ فيه العَدل عن الألِف واللام، والعَلَمية. والله أعلم. (٣)
_________________
(١) راجع: اللمحة (٢/ ٧٦٨)، المقتضب (٣/ ٣٥٢)، شرح الأشموني (٣/ ١٥١)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٠٣ وما بعدها)، شرح الكافية الشّافية (٣/ ١٤٦٩، ١٤٧٠)، همع الهوامع للسيوطي (١/ ٢١٠).
(٢) راجع: شرح ابن عقيل (١/ ١٢٦)، شرح الأشموني على الألفية (١/ ١١٦)، الأصول في النحو لابن السراج (٢/ ٩٢، ٩٣)، شرح المفصل لابن يعيش (١/ ١٨٥) (٣/ ١٦٣)، اللمع (ص ١٢، ١٣).
(٣) مذهب سيبويه أن كل معدول سُمِّي به فعدله باق إلا "سحر"، و"أمس"، في لغة بني تميم، فإن عدلهما يزول بالتسمية فينصرفان. بخلاف غيرهما من المعدولات، فإن عدله في التسمية باق؛ فيجب منع صرفه للعدل والعلمية. وذهب الأخفش وأبو علي، وابن برهان إلى صرف العلم، والمعدول مُسمى به، وهو خلاف مدهب سيبويه.=
[ ١ / ٥٥٧ ]
قوله: "فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها": تقدَّم الكَلامُ على "إذا" وجوابها في الحديث الثّاني من الأوّل.
الحديث الرابع عشر:
[٩٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "اعْتَدِلُوا في السُّجُود، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِراعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ" (١).
التقدير: "رُوي أنس أنّه قال: اعتدلوا".
وتحتمل "عن" الثانية أن تكون بدَلًا من الأولى. ويحتمل أن يكون التقدير: "أنّه" روى عن النبي". وقد تقدّم لهذه التقديرات نظائر في مواضع مُتعدّدة.
قوله: "اعتدلوا في السّجود": في محلّ نصْب بالقَول. والمراد: الاعتدالُ الشّرعي.
قوله: "ولا يبسُط": "لا" ناهية. (٢) تقَدّم الكَلامُ على أقْسام "لا" في الأوّل من
_________________
(١) = وقال المرادي: "إذا قصد بـ (سحر) سحر يوم بعينه، فالأصل أن يُعرف بأل أو بالإضافة. فإن تجرد منهما مع قصد التعيين: فهو حينئذ ظرف لا يتصرف، ولا ينصرف، نحو: (جئت يوم الجمعة سحر). والمانع له من الصرف: العدل والتعريف. أما العدل فعن اللفظ بأل وكان الأصل أن يعرف بها. وأما التعريف: فقيل: بالعلمية ". انظر: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٨٢، ١٤٨٣)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢١٧، ١٢٢٣)، شرح ابن عقيل (٣/ ٣٣٥ وما بعدها)، شرح الأشموني (٣/ ١٦٢ وما بعدها، ١٦٩)، شرح التصريح (٢/ ٣٤٢ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٥٩٠)، تسهيل الفوائد (ص ٢٢٢)، شرح المفصل (١/ ١٢٣).
(٢) رواه البخاري (٨٢٢) في الأذان، ومسلم (٤٩٣) في الصلاة.
(٣) انظر: الأصول في النحو (١/ ٤٠٠)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٦٥)، المنهاج المختصر في علمي النحو والصرف (ص ١٢٤).
[ ١ / ٥٥٨ ]
"باب الاستطابة".
وتقَدّم في الحديث الثّاني من "الأوّل" الكَلامُ على "أحدكم".
و"ذراعيه": تثنية "ذراع"، وتقَدّم في الحديث الرّابع من "الأوّل" ذكر الأعْضَاء المذكّرة والمؤنّثة من الإنسان.
قوله: "انبساط": مصدر "انبسط"، لا مصْدَر "بسط"، فجَرَى [ق ٧٢] المصْدَر على غير [المصدر] (١)؛ لاشتراكهما في المادّة، كقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. والمصدرُ [يعمل] (٢) فيه غير فعله؛ لاشتراكه معه في المادّة، كهذا. وقد يشترك معه في المعنى؛ فيعمل فيه (٣)، كقول امرئ القيس:
وآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ (٤)
_________________
(١) بالنسخ: "الصدر"، وكذا وقع في "تفسير الثعالبي" (١/ ٥٢١). والتصويب من "تفسير القرطبي" (٣/ ٣١٤)، المحرر الوجيز تفسير ابن عطية (١/ ٣٥٩)، الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي (٦/ ٤٢١١).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: تفسير الطبري، ط الرسالة، (٥/ ٥٣٤)، تفسير ابن عطية (١/ ٣٥٩)، تفسير الرازي (١١/ ٢٣٦)، تفسير القرطبي (٣/ ٣١٤)، الهداية إلى بلوغ النهاية (٦/ ٤٢١١)، الكتاب (٤/ ٨١)، المقتضب (١/ ٧٣، ٧٤)، (٣/ ٢٠٤)، الأصول لابن السراج (٣/ ١٣٤)، المفصل (ص ٥٥)، شرح المفصل (١/ ٢٧٤ وما بعدها)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ١٥٩)، شرح الأشموني (١/ ٤٧١)، شرح التصريح (١/ ٤٩٥، ٤٩٦)، الكليات (ص ٢٧٠)، شرح المعلقات السبع للزوزني (ص ٤٥)، شرح التسهيل (٢/ ١٨٠ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٩٩ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ٣٢، ٣٥).
(٤) البيتُ من الطويل، من مُعلقة امرئ القيس. والبيت هو: وَيَومًا على ظَهرِ الكَثيبِ تَعَذّرَتْ عَلَيّ وآلَتْ حَلْفَةً لم تحَلَّلِ =
[ ١ / ٥٥٩ ]
فائدة:
من هذا ما قيل في قَوْله - ﷺ -: "ماتَ حَتْفَ أنْفِه" (١)، فإنّ "حَتْف" مصْدَر، والناصبُ له "مات"؛ لأنه من معناه، لأنَّ "الموت" و"الحتف" واحد.
ومعنى "مات حتف أنف": [أنْ أُميت] (٢) على فراشه من غير قتل، يتنفس حتى ينقضي رمقه، فروحه تخرُج بتتابع نَفسه. وخصّ "الأنف" بذلك: لأنَّ الرّمق من جهته ينقضي. (٣)
***
وتظهر هنا فائدة، وهي أنّ النهي عن بسْط الذراعين حَصَل بقوله: "لا يبسط أحدكم ذراعيه"، فلما قال: "انبساط الكلب"، وهو مصدر "انبسط"، فكأنّه قال: "لا ينبسط في سُجوده انبساط الكلب"، ففي الحديث إيماء [إلى معنيين] (٤) مكروهين، أحدهما: بسط الذراعين، والآخر: بسط ظهره على فخذيه؛ فمصدر "يبسط، بسطًا" صُرف للذراعين، وفعلُ "انبساط" مصروفٌ إلى ما يقتضيه مَصْدَره، وهو الهيئة كُلّها.
ويجوزُ رفعُ "يبسط" على أنَّه خَبر في معنى النّهي، وهو أبْلَغُ.
_________________
(١) = انظر: ديوان امرِئ القيس (ص ٣٢)، جمهرة أشعار العرب (ص ١١٣، ١٢١)، شرح المعلقات السبع للزوزني (ص ٤٤، ٤٥)، همع الهوامع (٢/ ٩٩ وما بعدها).
(٢) رواه أحمد في "المسند" (٤/ ٣٦/ برقم ١٦٤٦١، ط قرطبة) من حديث عبد الله بن عتيك. ورواه عنه أيضًا الحاكم في "المستدرك"، (٢/ ٨٨/ برقم ٢٤٤٥، الطبعة الهندية) وصحَّحه، ووافقه الذهبي.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الفائق في غريب الحديث والأثر للزمخشري (١/ ٢٥٩)، المصباح (١/ ١٢٠)، القاموس المحيط (ص ٧٩٨)، لسان العرب لابن منظور (٩/ ٣٨)، المحكم والمحيط الأعظم (٣/ ٢٧٥)، تاج العروس (٢٣/ ١١٥).
(٥) في (ب): "بمعنيين".
[ ١ / ٥٦٠ ]
قوله: "أحدكم": ولم يقُل: "لا تبسطوا"؛ لأنَّ "أحدًا" يَعُمّ كُلّ فَرْد، ولا يخرجُ عن عُمُومها بعضُ إفرادها؛ لدلالتها على ماهية [المجموع] (١)، بخلاف خطاب [المجموع] (٢) بضميرهم؛ فإنّه قد يدخُله التخصيص، والعَرب لا تعْدلُ عن لفظٍ إلى لفظٍ إلا لفائدة، ولذلك أمثلة كثيرة ليس هذا محلّها.
***
_________________
(١) كذا بالنسخ.
(٢) كذا بالنسخ.
[ ١ / ٥٦١ ]
باب الطُّمأنينة في الرّكُوع والسُّجُود
[٩٥]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ على النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ". فَرَجَعَ، فَصَلَّى كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ على النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ " ثَلاثًا. فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ [ما أُحْسِنُ غَيْرَ هذا] (١)، فَعَلِّمْنِي. فَقَالَ: "إذَا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ: فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ [معك] (٢) مِنْ الْقُرْآن، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا. وَافْعَلْ ذَلِكَ في صَلاتِكَ كُلِّهَا" (٣).
قوله: "دَخَل المسْجدَ": جملة في محلّ خبر "أنّ". وجملة "فدَخَل رجُل" معطوف عليه، و"الفاءُ" هنا لا سَببية فيها (٤).
وللفَاء أقسام ومَعَان تقدَّمَت في السّادس من "الاستطابة".
_________________
(١) كذا بالنسخ، وفي "صحيح مُسلم" (٣٩٧/ ٤٥). وهي في "العُمدة" المطبوعة (ط دار الثقافة، ص ٧٩) و"إحكام الأحكام" (١/ ٢٥٦): "لَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ". وفي "صحيح البخاري" (٧٥٧) و"العُمدة" المطبوعة (ط مكتبة المعارف، ص ٦٤) و" الإعلام لابن الملقن" (٣/ ١٦٣): "ما أُحْسِن غيره".
(٢) ثابتة بالنسخ، وفي "صحيح البخاري" (٧٥٧) و"صحيح مسلم" (٣٩٧/ ٤٥) و"العُمدة" المطبوعة (ط مكتبة المعارف، ص ٦٤) و"الإعلام لابن الملقن" (٣/ ١٦٣). وغير موجودة بـ"العُمدة" المطبوعة (ط دار الثقافة، ص ٧٩)، و"إحكام الأحكام" (١/ ٢٥٦).
(٣) رواه البخاري (٧٩٣) في الأذان، ومسلم (٣٩٧) في الصلاة.
(٤) انظر: شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٤٣)، شرح القطر (ص ٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٣٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٩٣).
[ ١ / ٥٦٢ ]
و"الفَاءُ" في قوله ["فصَلَّى"] (١) فاءُ السّببية.
قوله: "ثم جَاء": أصلُ "جاء": "جيأ"، تحرّكَت "الياءُ"، وانفتح ما قبلها؛ فقُلبت ألِفًا. (٢) ويأت الكَلام على "جاء" في الثّامن من "فصل الصّوم في السّفر".
قوله: "ارجع": أمْرٌ من "رَجع". ويأتي لازمًا ومُتعدّيًا، فمن اللازم هذا. ومن المتعدّي: قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]. لكن مصدر اللازم: "رجوعًا"، ومصدر المتعدّي: "رَجْعًا". (٣)
"فإنّك لم تُصَلّ": لا بُدّ من مُقَدّر، أي: "لم تُصَلّ صَلاةً صَحيحة" أو "لم تُصَلّ صَلاةً كَاملة". (٤)
وقوله: "ثلاثًا": عَددُ المرات. فقيل: هو مصدر. وقيل: ظرف. (٥)
قال أبو البقاء: "المرّة" في الأصل مصدرٌ من "مَرّ يمُرّ"، ثمَّ استُعمل ظَرْفًا اتساعًا، وهذا يدلُّ على قُوة شبه الزمان للفعل. (٦)
_________________
(١) بالنسخ: "فصَلّ". والصّواب المثبت.
(٢) انظر: الأصول لابن السراج (٣/ ٢٩٧)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٣٢٦ وما بعدها)، شرح الشافية للرضي (٣/ ١٨٠)، لسان العرب لابن منظور (١/ ٥١ أو ما بعدها)، تاج العروس (١/ ١٨٣ وما بعدها)، المحكم والمحيط الأعظم (٧/ ٥٧٤)، كتاب الأفعال لابن القطاع (١/ ١٨٢).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (١٠/ ٢٩٤)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٣٦٠، ٣٦١)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٦٨١)، المصباح المنير (١/ ٢٢٠)، تاج العروس (٢١/ ٦٦)، الكليات (ص ٤٧٩).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ١٤٥، ٣٨٧).
(٥) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٢٢)، نتائج الفكر (ص ٣٠٠)، شرح المفصل (١/ ٤٢٥)، إعراب لامية الشنفري (ص ١٤٥).
(٦) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٢٢)، تفسير أبي السعود (٦/ ١٤)، روح البيان، لإسماعيل حقي، (٥/ ٣٨١، ٣٨٢)، شرح المفصل (١/ ٤٢٥).
[ ١ / ٥٦٣ ]
ولا يكونُ المراد بـ "المرّة" الفعل.
وعلى هذا الخلاف يجري الخلاف في "ثلاثًا"، إن جعلته [عَددَ المصدر] (١) فهو مَصْدر، وإن جعلته عَددَ ظرف فهو ظرف.
وقوله: "فقال": الفَاعِلُ ضَمير يعُود على "الرّجُل".
قوله: "والذي بعثك بالحقّ": "الواو" واو القَسَم، وهي بَدَلٌ من "الباء"؛ لأنّ "الباءَ" تدْخُل على المُظهَر والمضْمَر. (٢) وقد تقَدّمَت حُروفُ القَسَم في العاشر من "الصّلاة".
وجَوابُ القسم: "ما أُحْسِن غير هذا". وأجوبةُ القَسَم تقَدّم الكَلامُ عليها في الحديث الثاني من "باب الصفوف".
قوله: "بالحق": يتعلّق بـ "بعثك"، أو بحَال من ضمير المفعول، أي: "ومعك الحق"، أو بحَال من ضَمير الفَاعِل، أي: "ومعك الحقّ"، كما قيل في: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١١٩] [فاطر: ٢٤]. (٣)
قوله: "فعَلِّمْني": فعلُ أمر، ونُون الوقاية، ومفعول.
وتدخُل (٤) في الفعْل الماضي والمضَارع عَريًّا عن نُون الإعراب، والأمرُ (٥) مثْل ما هُو هُنا، وفي (٦) المتصَرّف والجَامِد، نحْو: "أكرمني"، و"عساني"، و"خَلاني"، و"ما عداني"، و"حاشاني"، إنْ قُدِّر فِعْلا. وتدخُل في اسم الفعل، نحو: "دراكني"
_________________
(١) يحتمل أن تُقرأ: "عددًا لمصدر".
(٢) انظر: شرح المفصل (٥/ ٢٥٧).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٨٨).
(٤) أي: نون الوقاية.
(٥) مُتعلّق بـ: "وتدخل في".
(٦) مُتعلّق أيضًا بـ: "وتدخُل في".
[ ١ / ٥٦٤ ]
و"تراكني"، و"عليكني"، [بمعنى: "أدركني"] (١). وتدخُل الحرف "إنّني" وأخواتها. ويختارُ إثباتها في: "ليت" و"من" و"عن" و"قد" و"قط". ويختارُ حذفها في: "لَعَلّ". (٢)
وجَوابُ "إذا قُمْتَ إلى الصّلاة" هو العَامِلُ فيها. وقيل: العَاملُ فيها فِعْلها. (٣) وإن كان "العاملُ جوابها" (٤) يُضعفه أنّ ما بعْد "الفَاء" لا يَعْمَلُ فيما قبلها، وضُعِّفَ بقَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ لأنَّ مَكَانَ إنْشاء "الإفاضة" غير مَكَان إنشاء "الذّكْر"؛ لأنَّ ذلك في "عرفات"، وهذا في "المشْعَر"، وإذا اختلف المكان لزم من ذلك اختلاف الزمانين؛ فلا يجوزُ أن يكُون "الذِّكْر" عند "المشْعَر". (٥)
[قوله] (٦): "ثمَّ اقرأ ما تيسّر مَعَك من القرآن": "ما" ها هنا موصولة، أو موصوفة. (٧)
_________________
(١) هذا راجعٌ إلى قوله: "دراكني".
(٢) انظر: مُغني اللبيب (ص ٤٥٠)، النحو الوافي (١/ ٢٨٠).
(٣) انظر: أمالي ابن الحاجب (١/ ١٨٧)، الجنى الداني (ص ٣٦٩ وما بعدها)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٦٤ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٩٢، ٢٩٣)، الموسوعة القرآنية (٤/ ٤٧٤).
(٤) أي: وكون "العامل جوابها" يضعفه
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٩٨)، تفسير ابن عرفة (١/ ٢٤٠)، اللباب في علوم الكتاب (٣/ ٤١٣)، الدّر المصون (٢/ ٣٢٩ وما بعدها)، التحرير والتنوير لابن عاشور (٢٦/ ٢٣)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٦٢)، الجنى الداني (ص ٣٧٧، ٥٢٦)، شرح قطر الندى (ص ١٩٤)، الكليات للكفوي (ص ٦٧٧).
(٦) بياض بالأصل بقَدر كلمة كبيرة. ولعل بموضعها: "الحرام، قوله".
(٧) انظر: شرح المفصل (٢/ ٧٦، ٤٠٣)، المقدمة الجزولية (ص ٥٤)، الهمع للسيوطي (٢/ ٢٨٥)، جامع الدروس العربية (١/ ٦٧).
[ ١ / ٥٦٥ ]
و"معك" يتعلّق بـ "تيسّر"، أو بحَال من "القُرآن". (١)
و"من" تبعيضية. (٢)
ويبعُد أن يتعلّق "من القرآن" بـ "اقرأ"؛ لأنه لا يجبُ عليه ولا يُستحَبّ له أن يقرأ جميع ما تيسّر له من القُرآن. (٣)
ولك أن تُعَلّق "معك" بحَال مِن ضَمير "تيسّر"، وتُعَلّق (٤) "من القُرآن" بحَال من ضمير الاستقرار [متعلّق] (٥) "معك". ويدخُل التنازع بين "اقرأ" و"تيسّر"، ومُتعلّق "معك".
قوله: "ثمَّ اركع حتى تطْمئن رَاكعًا": "حتى" مُقَدَّرَة بـ "إلى أنْ"، ولا يجوزُ تقديرُها بـ "كَي". (٦) وقد تقَدّم الكَلامُ على "حتى" في الثّاني من أوّل الكتاب. و"تطمئن" منْصُوبٌ بإضْمار "أنْ" بعْد "حتّى".
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٩/ ١٤٥، ٣٨٧).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٣٠٩)، حروف المعاني والصفات (ص ٥٠)، اللمحة (١/ ٦٤)، الجزولية (ص ١٢٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، أوضح المسالك (٣/ ١٨)، مغني اللبيب (ص ٤٢٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٢).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٩/ ١٤٥، ٣٨٧).
(٤) مُتعلق بـ: "ولك أن".
(٥) غير واضحة بالأصل. ولعل المراد: " بحال من ضمير الاستقرار الموجود في مُتعلق معك". ويحتمل في: "متعلق" أن تقرأ: "ومتعلق"، وحينها قد تكون "ومتعلق (معك) " في موضعها، وقد تكون مُكررة خطأ مع ما بعدها بآخر الجملة. والله أعلم.
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٩)، الجنى الداني (ص ٥٥٤، ٥٥٥)، مُغني اللبيب (ص ١٦٩)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٥٠)، شرح شُذور الذهب للجوجري (٢/ ٥٢٨)، موصل الطلاب (ص ١٠٤ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٣٨١)، الكُليات للكفوي (ص ٣٩٦)، حاشية الصبّان (٣/ ٤٣٥)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٨١).
[ ١ / ٥٦٦ ]
ومصْدرُ ["اطمأنّ": "اطمئنانٌ"] (١)، و"طمَأنينة"، أي: "سَكن". و"هو مُطمئنٌ إلى كذا"، و"ذاك مُطمَأن [إليه] (٢) ". و"اطبأنّ" - بـ"الباء" - مثله، على الإبدال. وتصغير "مُطمئن": "طُمَيْئِن"، بحذف "الميم " من أوّله، وحذف إحدى النونين من آخره. وتصغيرُ "طمَأنينة": ["طُمَيئينة"] (٣)، تُحذَف إحدى النونين لأنّها زائدة. (٤) انتهى من "الصحاح".
قوله: "راكعًا": حالٌ من فاعل "تطمئن". وكذلك "ساجدًا" و"قائمًا" و"جالسًا" أحوالٌ من ضمائر الأفعال قبلها.
قوله: "وافعَل ذلك في صَلاتك كُلّها": أكّدَ "الصّلاة" بـ"كُلّ"؛ لأنّها أرْكان مُتعدّدة. ويحتمل أنْ يُريد بقَوله: "في صَلاتك" جنس جميع الصَّلَوَات على اختلافِ أوْقَاتها وأسمائها.
***
_________________
(١) بالنسخ: "اطمئن: اطمئنانًا". وفي الصحاح: "اطمئن الرّجلُ اطمئنانًا".
(٢) سقط بالنسخ. والمثبت من الصحاح.
(٣) غير واضحة بالأصل. وقد تكون: "طُميئنة".
(٤) انظر: الصحاح (٦/ ٢١٥٨، ٢١٥٩).
[ ١ / ٥٦٧ ]
باب القراءة في الصلاة
الحديث الأوّل:
[٩٦]: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لا صَلاةَ لِمَنْ [لا] (١) يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" (٢).
قوله: "لا صَلاةَ": تقَدّم الكَلامُ على "لا"، واسمها المبني معها، في الحديث الأوّل من "باب التيمم".
و"لمن" تتعلّق بالخبر، أي: "لا صَلاة صحيحة - أو كاملة - لمن". ولا تُقدَّر: "موجودة"؛ لأنَّ فيه نفي الماهية، وليس هذا [محَلّ] (٣) نفيها. (٤)
ولا تتعلّقُ "لمن" بـ "صَلاة"؛ لأنه لو تعَلّق به كان اسمُ "لا" منْصوبًا، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣]، وكَذا قَولهم: "لا خَيرًا مِن زَيد"، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
ولا يتعلّقُ شيء مِن هَذه المجرورات [ق ٧٣] باسْم "لا"؛ لأنها غير مُنَوّنة، خِلافًا لمن أجَاز ذلك. (٥)
_________________
(١) بـ"العُمدة"، المطبوعة (ص ٧٩): "لم".
(٢) رواه البخاري (٧٥٦) في الأذان، ومسلم (٣٩٤) في الصلاة.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٦٩، ٣٧٠)، إرشاد الساري (١/ ٥١٠)، شرح النوويّ (٤/ ١٠٢)، شرح سنن أبي داود للعيني (٣/ ٥٠٤)، نخب الأفكار للعيني (٦/ ١٩٥)، فيض القدير للمناوي (٦/ ٤٢٨)، التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (٢/ ٥٠٠)، مرعاة المفاتيح (٣/ ١٠٥).
(٥) انظر: تفسير القرطبي (٩/ ٣٩)، التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٧٠٠)، الدر المصون (٦/ ٣٣٢، ٥٥٥)، اللباب في عُلوم الكتاب (١٠/ ٤٩٦)، (١١/ ٢٠٥ وما بعدها)، إعراب القرآن وبيانه (٤/ ٣٥٧)، شرح المُفصل (٢/ ٥٧، ٩٢ وما بعدها).
[ ١ / ٥٦٨ ]
قوله: "لمن لا": "مَن" هنا مَوصُولة، أي: "للذي لا يقرأ"، والعَائدُ: فاعل " يقرأ". ويحتمل أن تكون (١) نكرة موصُوفة، أي: "لإنسان لم يقرأ"، ويكون "لا يقرأ" في محلّ صفة لـ "مَن". (٢)
قوله: "بفاتحة الكتاب": تتعلّق بـ"يقرأ".
و"الباء" يحتمل أن تكُون للإلصاق، ويحتمل أن تكون للاستعانة، ويصحّ أن تكون زائدة (٣)، كما زيدت في قوله:
سُودُ المَحَاجِرِ لا يَقْرَأنَ بالسُّوَرِ (٤)
ولا بُدّ من تقدير محذوف، تقديره: "لا صَلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صَلاته".
_________________
(١) أي: "مَن".
(٢) انظر في أنواع "مَن": الجزولية (ص ٥٤)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٨٠)، توضيح المقاصد (١/ ٤٣٠)، مغني اللبيب (ص ٤٣٢).
(٣) انظر في أقسام الباء: عقود الزبرجد (١/ ٤٠٨)، الجنى الداني (ص ٣٦ وما بعدها)، الأصول لابن السراج (١/ ٤١٢ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها، ١٤٧)، المفصل (ص ٣٨١)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٩)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٥٥ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٤١٦ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٦٨ وما بعدها)، النحو الوافي (٢/ ٤٩٠ وما بعدها).
(٤) البيتُ من البسيط، وهو للراعي بن حُصَين بن مُعاوية بن جندل النميري. وقيل: للقتال الكلابي. وأوله: "هُنَّ الحَرَائِرُ لا رَبّاتُ أحْمِرَةٍ" أو: "أخمرةٍ". والمعنى: "هن خيرات كريمات يتلون القرآن، وليس بإماء سود ذوات حُمر يسُقنها". انظر: عقود الزبرجد (١/ ٤٠٨)، الحماسة البصرية (٢/ ٢٢٢)، فقه اللغة وسر العربية للثعالبي (ص ٢٣٩)، أدب الكاتب (ص ٥٢١)، شرح أدب الكاتب لابن الجواليقي (ص ٢٧٦)، شرح المعلقات السبع للزوزني (ص ٢٥٣)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٤٧٥)، لسان العرب (٣/ ٣٨٩)، خزانة الأدب (٩/ ١٠٧ وما بعدها)، المعجم المفصل (٣/ ٥٥٧).
[ ١ / ٥٦٩ ]
ويحتمل أن يُضَمّن "يقرأ" معنى "يُصلّي"، فلا يُحتَاجُ إلى تقدير المجرور. ولا يَصحُّ التضمينُ إذا قيل بزيادةِ "الباء".
وقد أُطلق لفْظُ "الصّلاة" على "القراءة" ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، المعنى: "بقراءتك". (١)
ويحتمل أنْ تتعلّق "البَاءُ" بحَال، أي: "لا صَلَاة لمن لا يُصَلّي قَارئًا بفَاتحة الكتاب"؛ فتكُونُ "البَاءُ" للمُصَاحَبة (٢).
الحديث الثاني
[٩٧]: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ - ﵁ -، قَالَ: "كَانَ [النبي] (٣) - ﷺ -، يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْن، يُطَوِّلُ في الأُولَى، وَيُقَصِّرُ في الثَّانِيَة، [يُسْمِعُ] (٤) الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ في الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْن، يُطَوِّلُ في الأُولَى، وَيُقَصِّرُ في الثَّانِيَة، [وَفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ] (٥). وَكَانَ يُطَوِّلُ في الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاةِ الصُّبْح، وَيُقَصِّرُ في الثَّانِيَةِ" (٦).
قال الشّيخ تقيّ الدِّين: "الأُولَيَان" تثنية "الأُولَى"، وكذلك "الأُخْرَيَان". وأمَّا
_________________
(١) انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي عياض (١/ ٢٤٤)، الفروق اللغوية للعسكري (ص ٢٨٦)، لسان العرب (٢/ ٣٠).
(٢) انظر: أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٤١٧ وما بعدها).
(٣) في "العمدة" المطبوعة (ص ٧٩): "رسول الله".
(٤) كذا بالنسخ، وفي "العُمدة" (ط المعارف، ص ٦٤)، وفي "العُمدة" (ط دار الثقافة، ص ٧٩) "ويُسمع".
(٥) بالنسخ: "وَكَانَ يُطَوِّلُ في الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاةِ الصُّبْح، وَيُقَصِّرُ في الثّانِيَة، وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ". والترتيب مثبت من المصادر. وانظر: البخاري (٧٧٦)، العُمدة (ص ٧٩، ٨٠)، إحكام الأحكام (١/ ٢٦٥).
(٦) رواه البخاري (٧٥٩) (٧٦٢)، ومسلم (٤٥١) في الصلاة.
[ ١ / ٥٧٠ ]
ما يسيغُ على الألسنة مِن " [الأوّلَةُ] (١) "، وتثنيتها بـ "الأولَتين": فمَرجُوحٌ في اللغة. (٢)
وتقَدّم في الحديثِ قبله ما يتعَلّق بالسّنَد من الإعراب.
قوله: "يقرأ": جملة في محلّ خبر "كان".
و"الأوليين": نعْتٌ للركعتين.
و"الأولى": تأنيثُ "أوّل". وكذلك "أخرى" تأنيثُ "آخِر"، مُقابلٌ للأوّل، وليس هو مُؤنّث "آخَر" بمعنى "غير".
ووزنه "أفعل" لم يُستَعْمَل منه فِعْل؛ لأنَّ فَاءه وعَينه واوان، فاستثقلوا اجتماعَ الواوين.
وقيل: هو "أفعل"، من "آل، يئول"، فأصله: "أأول"، ثمَّ قُلِب، فصار "أوأل"، كـ"أعْفَلُ" (٣)، ثمَّ خُفّف بإبدال "الهمْزة" واوًا، ثمَّ بالإدغام. (٤)
_________________
(١) بالنسخ: "الأوّل". والمثبت من إحكام الأحكام (١/ ٢٦٥). وفي "الإعلام لابن الملقن" (٣/ ١٩٣): "الأولى".
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢٦٥)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١٩٣)، المصباح المنير (١/ ٢٩، ٣٠)، درة الغواص (ص ١٥٠)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٥٠٠)، تصحيح التصحيف (ص ١٣٩)، خير الكلام في التقصي عن أغلاط العوام (ص ٢٠).
(٣) أي: على وزنها. كما في بعض المصادر.
(٤) انظر في معاني "الأولى" وما يتعلق بها: البحر المحيط (١/ ٢٧٩)، مشكل إعراب القرآن، لمكي، (١/ ٩١)، عقود الزبرجد (١/ ٣٥٦)، (٢/ ١٠٠)، الكتاب (٣/ ١٩٥)، العين (٨/ ٣٦٨)، الصحاح (٥/ ١٨٣٨)، المصباح المنير (١/ ٢٩، ٣٠)، لسان العرب (١١/ ٧١٦ وما بعدها)، تاج العروس (٣١/ ٥٦، ٥٧، ٥٨، ١٠٣)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٢٣٥ وما بعدها)، لسان العرب (١١/ ٧١٧)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٣٥٨)، الشافية في علم التصريف، لابن الحاجب (ص ٧١)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٢/ ٣٤٠)، المنصف (ص ٣١١)، =
[ ١ / ٥٧١ ]
قال أبو حيان: "وكِلا القَولين ضعيفٌ". (١)
قال "مَكّي": والكَلامُ على "أُولى" كالكَلام على "أوّل"؛ إذ هي مُؤَنَّثُه. (٢)
وله معنيان: -
أحدهما: أن يُجرَى مجرَى الأسْماء؛ [فيكون] (٣) مصروفًا، وتليه العوامل، كـ "أفكل"، وعليه قَول العَرَب: "ما تركتُ أولًا ولا آخرًا"، أي: "ما تركتُ له قديمًا ولا حديثًا".
والثاني: أن يُجرَى مجرى "أفْعَل التفضيل"؛ فيُستَعْمَل بـ "مِن" ملفُوظًا بها أو مُقَدَّرَة، أو بـ"ال"، أو بالإضافة. (٤)
وقالوا: "ابْدَأْ بهذا أَوَّلُ" مَبنيًّا على الضّم، اتفاقًا.
واختُلف في علّة بنائه؟
فقيل: لقَطْعه عن الإضافة، أي: "أوّل الأشياء". وقيل: لقطعه عن استعماله بـ "من"؛ فأشْبَه قطعه عن الإضافة، أي: "أوّل من كذا".
واختُلف فيه إذا بُني؟ فقيل: ظرفٌ. وقيل: اسم. والخلافُ مَبني على أنّ الذي
_________________
(١) = المقتضب (١/ ٢٢٢، ٢٢٣)، شرح التصريح (١/ ١٨٥)، شرح المفصل (٤/ ١٣١، ١٣٢)، الهمع (٢/ ٢٠٢). وانظر في معاني "الأخرى" وما يتعلّق بها: عقود الزبرجد (٢/ ٣٣٩)، الصحاح (٢/ ٥٧٦)، المصباح (١/ ٧، ٨)، لسان العرب (٤/ ١٣، ١٥).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٧٩).
(٣) انظر: مُشكل إعراب القرآن لمكي (١/ ٩١).
(٤) بالنسخ: "فتكون".
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٧٩)، المقتضب (٣/ ٣٤٠)، تهذيب اللغة (١٥/ ٣٢٩)، لسان العرب لابن منظور (١١/ ٧١٨).
[ ١ / ٥٧٢ ]
يُبنى على القَطْع، هَل شَرْطُه أن يكُون ظَرْفًا أم لا؟ (١)
وتقَدّم في الحديث الأوّل من الكتاب طَرَفٌ من ذلك.
إذا ثبَت ذلك: فـ" أُولَى" من الأسْماء المقْصُورة، ومتى ثُنّي المقْصُور وكَان زَائدًا على ثلاثَة أحْرُف قُلبت ألِفه "يَاءً"، فتقُول في "جمادى وجمادى": "جماديان"، وفي "حبارى وحبارى": "حباريان"، وفي "أُولَى وأُولَى": "أوليان".
وإن كان ثُلاثيًّا: رَدَدْت ألِفَه إلى أصلها، فتقول في "عَصىً" و"عَصى": "عصوان"، وفي "رَحىً" و"رَحى": "رحيان". (٢)
قوله: "في الرّكعتين": يتعلّق بـ "يقرأ".
و"من صلاة العَصْر": يتعلّق بـ"الأوليين"؛ لأنه "أفْعَل من".
و"بفاتحة الكتاب": يتعَلّق بـ "يقرأ" أيضًا.
و"من": للتبعيض، [أو لابتداء] (٣) الغَاية. (٤)
وجملة "يُطَوّل" وما يتعلّق به في محلّ الحال من ضمير الفَاعل في "يقرأ". وجاء المضارعُ بالضّمير وحده، كقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٧٩)، عقود الزبرجد (١/ ٣٥٦)، الكتاب (١/ ١٦)، (٣/ ٢٨٧)، الصحاح للجوهري (٥/ ١٨٣٨)، المقتضب (٤/ ٢٠٥)، لسان العرب (١١/ ٧١٧، ٧١٨)، الهمع للسيوطي (٣/ ١٠١).
(٢) انظر: التسهيل (ص ١٦)، شرح التسهيل (١/ ٩١، ٩٢)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٣٥١)، توضيح المقاصد (٣/ ١٣٦٦)، شرح المفصل (٣/ ١٩٦ وما بعدها)، المخصص (٤/ ٤٢٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٤ وما بعدها).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٣١١، ٣١٢)، اللمحة (١/ ٤٢٦ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ١٣٩)، (٢/ ٩٣٤)، شرح الأشموني (٢/ ٣٠١)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١٣٦).
[ ١ / ٥٧٣ ]
[يوسف: ١٦]. (١)
قوله: "يُسْمِع": جملةٌ أيضًا في محلّ الحال.
و"أحيانًا": جمعُ "حين"، ظرف زَمَان. (٢) وقد تقَدّم الكَلامُ عليه في الخامس من "صفة الصّلاة"، وفي الرابع من "كتاب الصّلاة".
والتقدير: "يُسمِعُنا الآية" (٣)، فحذف المفعول الأوّل.
وما بقي من الحديث إعرابه كإعراب الذي قبله.
الحديث الثالث:
[٩٨]: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ" (٤).
قوله: "قال: سمعتُ": سَمِع" عدَّها ابنُ مالك في "التسهيل" من أخوات "حسب" إذا تعلقت [بعين] (٥)، شرطَ أن يكُون الثّاني [فعلًا] (٦) يدلّ على صَوت (٧).
_________________
(١) انظر: عُقود الزَّبرجَد (٢/ ٤٣٢)، الفصول المفيدة (ص ١٦٩، ١٧٠)، توضيح المقاصد (٢/ ٧١٩، ٧٢٠، ٧٢٤)، مُغني اللبيب (٧٨٩)، اللمحة (١/ ٣٩٢، ٣٩٣)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٧٨، ٢٧٩)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٥٧ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٣٢٢، ٣٢٦)، موصل الطلاب (ص ٣٩)، حاشية الصبان (٢/ ٢٨٥)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٠١، ١٠٣، ١٠٩، ٢٨٦)، النحو الوافي (٢/ ٣٩٨).
(٢) انظر: إعراب لامية الشنفري (ص ١٢٤)، المصباح (١/ ١٦٠).
(٣) انظر: صحيح البخاري (٧٦٢، ٧٧٦، ٧٧٨)، صحيح مُسلم (٤٥١/ ١٥٤، ١٥٥)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١٩٢).
(٤) رواه البخاري (٤٨٥٤) في التفسير، ومسلم (٤٦٣) في الصلاة.
(٥) في الأصل: "بغير".
(٦) في الأصل: "فعل".
(٧) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٧٦، ٨٤).
[ ١ / ٥٧٤ ]
وقد تمّ الكلام عليها في أوّل حديث من الكتاب.
والفعلُ هنا متعدٍّ إلى الذّات، فيحتمل أن يكون "يقرأ" في محلّ المفعول الثّاني أو في محلّ الحال.
قوله: "في المغرب": أي: "في صلاة المغرب".
وتقدّم الكلام على "كان" في أوّل حديث من الكتاب، وتقدَّم أن جملة "ﷺ" و"﵁" لا محلّ لها من الإعراب، وذِكْرُ الجمل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "في المغرب": حرف الجر يتعلق بـ"يقرأ"، والمراد: "في صلاة المغرب". وتقدّم الكلام على "في" من حروف الجر في الحديث الرّابع من أول الكتاب.
و"الباء" في "بالطور" تتعلّق بـ"يقرأ" أيضًا، و"قرأ" يتعدّى بنفسه، وقد قيل: إنَّ الفعل هنا يتضمّن معنى فعل يتعدّى بـ"الباء"، فقيل: هو بمعنى في "يتبرك"، أو بمعنى "يُطوِّل المغرب بالطّور"؛ فتكون "الباء" سَببية، أي: "بسبب قراءتها فيها، أو تكون "الباء" زائدة، كما زيدَت في قوله:
سُودُ المَحَاجِرِ لا يقْرأْنَ بالسُّوَر (١)
وكقوله:
نَضْرِب بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بالفَرج (٢)
_________________
(١) عجز بيت من البسيط، وهو للراعي النميري، وقيل لغيره، وصدره: "هُنَّ الْحَرَائِرُ لا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ". انظر: تفسير القرطبي (١٢/ ١١٥، ٢٠/ ١١٩)، والبحر المحيط (٢/ ٢٥٢)، والمعجم المفصل (٣/ ٥٥٧).
(٢) عجز بيت من الرجز، وهو للنابغة الجعدي، وصدره: "نَحن بَنو جعدة أَرْبَاب الفلج". ويُروى فيه: "نضرب بالبيض". انظر: تفسير القرطبي (١٢/ ٣٥)، خزانة الأدب =
[ ١ / ٥٧٥ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. وقيل: ضُمِّن "تُلْقوا" معنى "تُفْضوا" (١). وأُوِّل "من يُرد فيه بإلحاد"، أي: "يَهِمّ".
وضُمِّن "نرجو بالفرج": "نطمع بالفرج"، "أي: بسَبب الفرج".
وضمِّن "يقرأن" معنى: ["يرقين"] (٢) و"يتبرّكن".
قال السّهيلي: يقال: "قرأتُ بالسّورة" على معنى "تبرّكت بها"، ولا يقال: "قرأتُ بكتابك" لفوات معنى "التبرك " (٣).
قلت: وعلى هذا يجري الحديث في التأويل.
وقال: "بالطور"، ولم يقُل: "بوالطُّورِ" على لفظ الآية، [أراد السّورة] (٤)، والتعريفُ بالبعض كافٍ، ولأنَّ "الواو" حرف قسَم زائد على الكَلمة.
واعلم أن أسماء السّور إن أردت بها "السّورة" المؤنثة منعتها من الصرف للتأنيث والعَلَمية، إلا أن يُنوَى المضاف فتصرف، فتقول: "قرأتُ محمدًا" أي: "سورة محمَّد".
وما كان ثلاثيًّا ساكن الوسط جاز لك فيه الوجْهان اللذان في "هند"، إلا أن يكون أعجميًّا، نحو: "هود" و"نوح"؛ فإنَّه [] (٥) ويمتنع؛ لأنَّ فيه ثلاث عِلل،
_________________
(١) = للبغدادي (٩/ ٥٢١)، والمعجم المفصل (٩/ ٢٢٤).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٥٣).
(٣) بالنسخ: "ترقين". والمثبت من مغني اللبيب (ص/١٤٧).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص/١٤٧)، خزانة الأدب (٩/ ١٠٧).
(٥) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٦) يظهر من السياق فقد كلمة أو أكثر في هذا الموضع. قال الزبيدي في تاج العروس (٧/ ١٩٩، ٢٠٠): "نوح، بالضم، اسم نبي، أعجمي، منصرف، مع المعجمة =
[ ١ / ٥٧٦ ]
تُقابل الخفةُ بعلَّة، ويمتنع بعِلّتين.
وأمَّا ما فيه الألِف واللام - كما وقع هنا - فإنَّه ينصرف؛ لأنَّ ما لا ينصرف إذا دَخَلته "اللام" أو أضيف انصرف.
الحديث الرابع:
[٩٩]: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، فَقَرَأَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُون، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا أَو قِرَاءَةً مِنْهُ" (١).
قوله: "أنَّ النبي": في محلّ رَفع [بمتعلّق] (٢) حرف الجر.
قوله: "كان في سفر": جملة في محلّ خبر "أنَّ"، وتقدّم الكلام على "كان" في أوّل حديث من الأوّل. و"في سَفر" [أيتعلّق بالاستقرار] (٣) المقدّر.
قوله: "بالتين والزيتون": أي: "بسُورة التين والزيتون"، ولو قال: "بالتين" كما قال: "بالطّور" (٤)، كفى في الدّلالة على السّورة.
ويأتي السّؤال المتقدّم في إسقاط "واو" القسَم.
وقد يُقال في الجواب هنا: إن عطف "الزيتون" يحقّق أنّ المعطوف عليه قسَم،
_________________
(١) = والتعريف؛ لخفته، أي بسكون وسطه. وكذلك كل اسم على ثلاثة أحرف أوسطه ساكن، مثل لوط، لأنَّ خفته عادلت أحد الثقلين وهذا ما لم ينقل فيصير عَلمًا على امرأة، فإنَّه حينئذ يمنع من الصرف لاجتماع ثلاث علل، كما قيد به جماعة من المحققين".
(٢) رواه البخاري (٧٦٩) في الأذان، ومسلم (٤٦٤) (١٧٧) في الصلاة.
(٣) بالأصل: "لمتعلق".
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الاستقرار". وأكمل من النظير.
(٥) في الحديث السابق.
[ ١ / ٥٧٧ ]
بخلاف ما تقدَّم في "الطور"، وقد تقدَّم الكلام عليه.
قوله: "فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا": "ما" نافية، وتقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "باب التيمم"، و"سمع" في أوّل [حديث] (١)، و"أَحَد" في الحديث الثّاني من الأوّل، و"أفعل التفضيل" في الأوّل من "الصّلاة".
و"صوتًا" هنا منصوبٌ على التمييز، وكذلك "قراءة"، وامتنع الجر بالإضافة إلى أفعل؛ لأنه من غير الجنس، وقد تقدَّم قريبًا.
قوله: "مِنْه": يتعلّق بـ"أحسن"، و"من" معه للتبعيض.
و"أوْ" هنا للشّك من الرّاوي، أو تكُون بمعنى "الواو". وتقدّمت "أو" في الثّالث من "باب السّواك".
الحديث الخامس:
[١٠٠]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بـ"قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ"، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يصنَع ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ ﷿، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ [بِهَا] (٢). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ". (٣)
قوله: "بعث رجُلًا": جملة في محلّ خبر "أنَّ"، و"على سريّة"، متعلّق بـ"بعث"، ولا يصح أن يتعلّق بصفة لـ"رجل" لفساد المعنى، ولا بحال لأنَّ "رجلًا" نكرة. ولم يقل: "في سرية" لأنّ "على" تفيد معنى الاستعلاء، وهو المتقدّم عليهم والآمِر فيهم.
قوله: "وكان يقرأ لأصحابه": جملة معطوفة على "بعث". وخبر "كان"، في جملة
_________________
(١) بالنسخ: "الحديث".
(٢) سقط من الأصل، وإثباتها من المتن المطبوع.
(٣) رواه البخاري (٧٣٧٥) في التوحيد، ومسلم (٨١٣) في صلاة المسافرين.
[ ١ / ٥٧٨ ]
"يقرأ". و"لأصحابه" يتعلّق بـ"يقرأ".
و"اللام" في: "لأصحابه" لام التعليل.
قوله: "في صلاتهم": "في" ظرفية مجازًا، كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨]، و: "في زيد خير" (١).
وتتعلّق بحال أي: "مُؤتمّين به في صلاتهم"، فيتعلّق حرف الجر بـ"مؤتمين"، وصاحب الحال: "أصحاب". ويحتمل أن يكون الحال من ضمير فاعل "يقرأ"، أي: "كان يقرأ لهم في حال كونه في صلاتهم".
قوله: "فيختم": معطوف على "يقرأ". وقوله: "بـ: قل هو الله أحد" حرف الجر يتعلّق بـ"يختم"، والجملة إلى آخر السّورة محكيّة مجرورة.
ويحتمل أن يكون ختمه للسّورة بعد "الفاتحة والسّورة"، ويحتمل أن يكون بعد "الفاتحة" فقط، فيجعلها عِوضَ السّورة.
وفي إعراب "قل هو الله أحَد" أوْجُه: -
أحدها: أنّ "هو" مبتدأ عائد على المسئول عنه؛ لأنَّ المشركين قالوا للنبي - ﷺ - "صِفْ لَنَا ربَّك"، فأنزَل الله السّورة (٢). فـ"هو" مبتدأ، و"الله" خبره، و"أَحَدٌ" خبر بعد الخبر.
وأجاز الزّمخشري أن يكُون "الله" بدَلًا من "هو"، و"أحد" خبر "هو". ويجوز أن يكون "هو" ضمير الأمر والشأن، مبتدأ، و"الله أحدٌ" جملة من مبتدأ وخبر في موضع خبره (٣).
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٣/ ١٥٥).
(٢) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" برقم (٦٠٦)، من حديث ابن عباس. وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٢٠٦).
(٣) انظر: الكشاف (٤/ ٨١٧).
[ ١ / ٥٧٩ ]
قوله: "فلما رجعوا": "لما" تقدَّم الكلام عليها في الرّابع من "باب المذي"، وهو هنا ظرف، واختار سيبويه أن يجعَلَها "حرف وجوب لوجوب" (١).
ولا بدّ لها من جواب، وجوابها هنا: "ذكروا ذلك"، وهو فعل ماض وفاعل. و"ذلك" مفعول به، وتقدّم الكلام على "ذا" من أسماء الإشارة في الثالث من " [باب] (٢) استقبال القبلة"، و"اللام" في "ذلك" لبُعد المشار إليه، و"الكاف" للخطاب.
قيل في تعليل كسر "اللام" من "ذلك": إنها لو فُتِحت [لالتبس] (٣) بـ"لام" المِلْك.
قوله: "فقال: سلوه" أي: "قال النبي - ﷺ -". [وجملة] (٤) "سلوه" معمولة للقول، وفيه حذف تقديره: "سلُوه عن فعله لأي شيء يصنع ذلك؟ ".
قوله: "لأيّ شيء يصنع ذلك؟ ": المجرور يتعلّق بـ"يصنع".
و"أيّ" هنا استفهامية. وقد جاءت شرطية، في نحو قوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] ". وجاءت موصولة، وصفة، وحالًا، ووصلة إلى نداء ما فيه الألِف واللام.
مثال الموصولة: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ﴾ [مريم: ٦٩].
والصفة: "مررت برجل أيِّ رجل".
والحال: "مررت بعبد الله أيَّ رجل" (٥).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٢)، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (٣/ ٢٩١).
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٣) كذا بالنسخ.
(٤) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٥) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٢٨٦)، شرح المفصل (٢/ ٤٢١)، شرح الأشموني =
[ ١ / ٥٨٠ ]
[وتقدّم] (١) الكلام عليها في الثّالث من "باب التيمم".
قوله: " [أفسالوه] (٢) ": تقدَّم الكلام على "سأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة الصلاة".
وهو هنا متعدٍّ إلى واحد، وإلى آخر بحرف الجر.
"فقال": الفاعل: ضمير "الرجل".
وهنا محذوف، أي: "قالوا له: لم تختم بقل هو الله أحد؟ فقال ".
"لأنها": أي: "أختم بها لأنها"، فتتعلّق "لأنّها" بـ"أختم".
و"الفاء" في قوله: "فأنا سَببية، أي: "بسبب ذلك أنا أحب أن أقرأ بها".
والمعنى يحتمل وجهين، أحدهما: أنّ محبته لها لأنَّ فيها صفة "الرحمن"، أو هي صفته؛ لأنها جواب للمُشركين إذْ قالوا: "صِفْ لنا ربّك".
وقوله "﷿": يحتمل أن يكون من كلام الرّاوي، أو من كلام المسئول، والتقدير: "عزَّ بها، وجلَّ عن غيرها من صفات النقص".
قوله: "أحبّ أن أقرأ بها": الجملة في محلّ خبر "أنا". و"أن أقرأ بها" في موضع نصب مفعول بـ"أحبّ"، أي: "أحبُّ القراءة بها".
قوله: "فقال رسول الله - ﷺ -": الكلام فيه حذف، أي: "فجاءوا فأخبروا النبي - ﷺ - فقال" العطف على ذلك المحذوف.
وتقدّم الكلام على "أخبر" وأخواتها في الخامس من "فضل الجماعة"، وهي
_________________
(١) = (١/ ١٥٣، ١٥٤)، شرح ابن عقيل (٣/ ٦٥).
(٢) غير واضحة بالأصل، وفي (ب): "بقية".
(٣) بالنسخ: "فسلوه".
[ ١ / ٥٨١ ]
تتعدّى إلى مفعولين، الثّاني منهما بحرف الجر.
وقد حُذف حرف الجر مع "أن"، والتقدير: "أخبِروه بأن الله يحبُّه".
وجملة "يحبُّه" في محلّ خبر "أن".
وحَسَّنَ حذفَ الباء كونُها. من "أن"، وكونها مع الأفعال التي تتعدّى بها.
الحديث السادس:
[١٠١]: عَنْ جَابِرِ بنِ عبد اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِمُعَاذٍ: "فَلَوْلا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى؟ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ" (١).
قوله: "فلولا صليت بسبح": "لولا" هنا حرف توبيخ، يلزم الفعل بعدها ظاهرًا أو مُقدّرًا.
ثمَّ إن كان الفعل مستقبلًا كانت تحضيضًا، وإن كان ماضيًا - كما هي هنا - كانت توبيخًا (٢). قال تعالى: ﴿لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: ١٢٢].
ومنه قول الفرذدق [في تقدير] (٣) الفعل:
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُمْ بَنِي ضَوْطَرَى لولا الكمي المقنعا (٤)
_________________
(١) رواه البخاري (٧٠٥) في الأذان.
(٢) انظر: أمالي ابن الشجري (١/ ٤٢٦)، (٢/ ٨٤، ٥٠٩)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢٥٦)، الجنى الداني (ص/ ٦٠٦).
(٣) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٤) البيتُ من الطويل، ونسبه البعض لغير الفرزدق. انظر: تفسير القرطبي (٢/ ٩١)، أمالي ابن الشجري (١/ ٤٢٦)، (٢/ ٨٤، ٥٠٩)، خزانة الأدب (٣/ ٥٦)، (١١/ ٢٤٥)، المعجم المفصل (٤/ ٢٤١).
[ ١ / ٥٨٢ ]
يريد: "لولا عددتم". وإن قدَّرت: "فلولا تعدون" كانت تحضيضًا، أي: "هلا تعدّون الكمى" (١).
وتقدّم الكلام على "لولا" في الثّالث من "باب استقبال القبلة".
وقوله: "بسبِّح": حرفُ الجر دخل على الجملة، فهي إذن محكيّة مبنية لا إعراب فيها، وكذلك: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، والمراد: "إلى آخرهن".
وأمَّا إعرابُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] غير محكيٍّ: فـ"سبِّح" فعل أمر. و"اسم ربك" قيل: بمعنى "مسمى اسم ربك"، وقيل: على بابه، أي: "نزِّه اسم ربك عن أن يُسَمَّى به صنم أو وثن"، أو"عن تذَكّره إلا وأنت خاشع" (٢). قال أبو البقاء: وقيل: لفظة "اسم" زائدة (٣).
و"الأعلى" يصح أن يكون صفة لـ"ربك"؛ فيكون [مخفوضًا] (٤)، أو صفة لـ"اسم" فيكُون منصُوبًا.
لكن هذا إنما يصحّ على أن يكُون "الذي" مقطوعًا [مرفوعًا] (٥) على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، أو منصُوبًا على المدْح.
وإمَّا أن يكُون صفة لـ"ربك"؛ فلا يجوز، [لما] (٦) يلزَم عليه من الفصْل بين الموصُوف - وهو "ربك" - وصفته - وهو "الذي" - بصفةِ غيرِه وهو "الأعلى"؛ لأنّه
_________________
(١) انظر أمالي ابن الشجري (١/ ٤٢٦)، (٢/ ٨٤، ٥٠٩)، خزانة الأدب (٣/ ٥٦)، (١١/ ٢٤٥).
(٢) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٥٥)، وتفسير القرطبي (٢٠/ ١٣، ١٤).
(٣) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١٢٨٣).
(٤) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
[ ١ / ٥٨٣ ]
صفة لـ"اسم"، ولا يجوز؛ إذ لو قلتَ: "رأيتُ غُلام هندٍ العاقلَ الحسنةِ" لم يَجُزْ (١).
وأمَّا إعراب قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، فهو قسَم ومعطُوف عليه، وكذلك: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١].
قال ابنُ الحاجب: الاتفاق على أنّ "الواو" الأولى للقَسَم، والخلاف في الثّانية (٢).
والعلّة في ذلك: أنها لو كانت واوات قسَم لكانت الأقسَام كُلّها مُستقلة، فيحتاج كُلّ واحد منها إلى الجواب، وليس فيما وقع من ذلك إلَّا جواب واحد. ولأنّ "الواو" الثانية لو وضع موضعها "الفاء" أو"ثمَّ" لكان المعنى على حاله (٣).
قوله: "فإنَّه يُصلي وراءك الكبير والضعيف": "إنّه": "إنّ" واسمها، وهو ضمير الأمر والشّأن.
ولضمير الأمر والشأن شرائط، أحدها: أن يكون غير عائد على مذكور.
والثاني: أن لا يجوز أن يُعطف عليه، أو يُبدل منه، أو يُؤكَّد.
والثالث: أن يُفسَّر بجملة، إمّا من مبتدأ وخبر، وإمّا من فعل وفاعل.
الرابع: أن لا تتقدّم عليه الجملة المفسّرة له.
الخامس: أن لا يكون في الجملة المفسّرة عائد يعُود على المبتدأ الذي هو ضَمير الشّأن (٤).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٥٥)، الدر المصون (١٠/ ٧٥٩).
(٢) انظر: إعراب القرآن وبيانه (٩/ ٣٢٨).
(٣) انظر: شرح المفصل (٥/ ٢٦٣).
(٤) انظر: مغني اللبيب لابن هشام (ص/٦٣٦، وما بعدها)، وشرح التسهيل لابن مالك (١/ ١٦٢، وما بعدها).
[ ١ / ٥٨٤ ]
فائدة:
جوَّز ابن الحاجب في قوله - ﷺ -: "وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ" (١) كون اسمها ضمير شأن، و"أجوَد" مبتدأ، و"في رمضان" حالًا سادًّا مسدَّ الخبر (٢).
وفيه نظَر من وجهين: -
أحدهما: أن الحال السادَّة مسدَّ الخبر شرطها أن لا تصلح للخبر (٣).
والثاني: أنّ ضمير الشّأن لا يخبر عنه إلَّا بجملة بُجُزْأَيْها.
***
وجملة "يُصلي" مفسِّرة لا محلّ لها من الإعراب. والجمل التي لا محلّ لها من الإعراب مذكورة في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "وراءك": ظرف مكان، تقدّمت في الثالث من "باب الصفوف".
و"ذو" هنا من الأسماء السّتة. وهي في كلام العرب على ضربين: -
أحدهما: أن تكون بمعنى "صاحب"؛ فتضاف إلى أسماء الأجناس، وهي هذه هنا، ورفعُها "الواو"، ونصبُها بـ"الألِف"، وجرُّها بـ"الياء"، على خلاف (٤). تقول: "جاءني ذو مال"، و"رأيت ذا مال"، و"مررت بذي مال". وتقدّم في الحديث الثّاني من الأوّل طرف من الكلام على "الأسماء السّتة".
_________________
(١) صحيحٌ: البخاري برقم (٦)، من حديث ابن عباس.
(٢) انظر: أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧٩٠، ٧٩١)، وفتح الباري (١/ ٣٠، ٣١).
(٣) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٢٥٣، ٢٥٤).
(٤) من العلماء من يرى أن الأسماء الستة تعرب بحركات مقدَّرة على هذه الحروف، وليس بالحروف ذاتها، وقيل غير ذلك. انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٤٤)، وأوضح المسالك (١/ ٦٧، وما بعدها).
[ ١ / ٥٨٥ ]
الضّرب الثّاني: أن تكون بمعنى "الذي"، وإنما تَستعمل هذه من العرب "طيِّء" خاصّة (١)، كقولهم:
وَبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ (٢)
والكلام على ذلك يُحال على موضعه من كتب [العربية] (٣).
***
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٤٥)، وشرح التسهيل (١/ ١٩٩).
(٢) عجز بيت من الوافر، وهو لسنان بن الفحل، وصدره: "فَإِنَّ الْمَاءَ مَاءُ أَبِي وَجَدِّي". انظر: تفسير القرطبي (٩/ ٣٠١)، والمعجم المفصل (١/ ٥٢٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٥٨٦ ]
بابُ ترك الجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"
الحديث الأوّل:
[١٠٢]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -: "أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - ﵄ - كَانُوا يَفْتتِحُونَ الصَّلاةَ بِـ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (١).
وَفِي رِوَايَةٍ: "صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". (٢)
وَلِمُسْلِمٍ: "صَلَّيْتُ خَلْفَ رسول الله - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلا فِي آخِرِهَا" (٣).
إعرابُ "باب" تقدَّم في "باب الاستطابة".
وقوله: "ترْك الجهْر" مصدر مُضاف إلى المفعول؛ لأنَّ التقدير: "أن يترك المصلى الجهر"، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
و"تَرَك" إذا كان بمعنى "طرح" و"خلَّى" تعدّى لواحد، وإن كان بمعنى "صيَّر" تعدَّى لاثنين (٤).
ومما أشكلت فيه قوله تعالى: ﴿أَصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَو
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٣) في الأذان، وابن ماجه (٨١٣) في إقامة الصلاة.
(٢) رواه مسلم (٣٩٩).
(٣) رواه مسلم (٣٣٩) (٥٢) في الصلاة.
(٤) انظر: الكشاف للزمخشري (١/ ٧٤، ٥٧)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٤٠، ٤١)، وجامع الدروس العربية (١/ ٤٤، وما بعدها).
[ ١ / ٥٨٧ ]
أَنْ نَفْعَلَ﴾ [هود: ٨٧]. ومنه قول الشّاعر:
ذَكَرتُكِ والحَجيجُ لَه ضَجِيجٌ بمَكّةَ والقُلُوبُ لهَا وَجِيبُ
وَقُلتُ وَنَحْنُ في بَلدٍ حَرَامٍ [بِه] (١) للهِ أخْلَصَت القُلُوبُ
[أَتُوبُ] (٢) إليْكَ يَا رَبّاه ممّا جَنَيتُ قَقَد تَعَاظَمَت الذّنُوبُ
وَأمّا عَن هَوَى لَيْلى وَتَرْكِي زِيارَتها فَإنّي لَا أتُوبُ (٣)
فمتى عطفتَ على "هوى ليلى": "ترْك زيارتها" فسَد المعنى؛ لأنه يكُون "لا يتوب من ترك زيارتها"، وذلك يدلُّ على بُعْده [منها] (٤)، وسواء قدّرت "أنْ" أو لم تقّدر.
وقد تؤولت الآية بأن يكُون عطف " [أو] (٥) أن نفعل" على قوله: "ما يعبد آباؤنا"، والتقدير: "أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، وتأمرك أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ ". (٦)
وأمَّا البيت: فلم يظهر لي فيه إلَّا وجهان، وهو أن يكون العطفُ على "ليلى"، والتقدير: "وأمَّا عن هوى ليلى وهوى ترك زيارتها فلا أتوب"؛ لأنه إذا رآها ولم تعطف عليه اشتد عليه الشّوق، وعظم عليه الجفَاء والقَلق، فهو يهوى ترك زيارتها
_________________
(١) سقط بالنسخ. والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) الأبيات من الوافر، وهي لقيس بن الملوح، المعروف بمجنون ليلى. انظر: عقلاء المجانين لابن حبيب النيسابوري (ص/ ٥٢)، والظرف والظرفاء للوشاء (ص/٧٣)، والحماسة البصرية (٢/ ١٧٨)، والمعجم المفصل (١/ ٣١٥).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) بالأصل: "و". والمثبت من (ب).
(٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٧)، المغني (ص ٦٨٦، وما بعدها).
[ ١ / ٥٨٨ ]
لذلك.
ويحتمل أن يكون "فلا أتوب" راجعًا إلى: "هوى ليلى"، ويكون الرّاجع إلى "الترك": "لا أفعل" محذوفًا يدلّ عليه المعنى، وذلك لأنَّ التقدير: "وأمَّا توبتي عن هَوى ليلى فإني لا أتُوب"، فـ"عن" يتعلّق بـ"توبتي"، وعليه عُطف "ترْكي"؛ فيتّفقان في فعل "أمَّا"، ويفترقان في جوابها، فجوابُ "أمَّا توبتي": "فإني لا أتوب"، وجوابُ "أمَّا تركي": "فإني لا أفعَل". (١)
ومثله: "علفتها ماء وتبنًا"، و"جاء مُتقلّدًا سيفًا ورمحًا"، وهذا هو الرَّاجح (٢). وقد اختاره شيخنا الإمام العلّامة شَمس الدّين، خطيب الرّوضة المشرّفة وإمامها.
وقد استغنت العرب بـ"تَرَك" عن "وَدَع" و"وَذَر"، وعن اسم فاعلها بـ"تارك"، وعن اسم مفعولها بـ"متروك"، وعن مصدَرها بـ"التَرْك". وسُمع: "وَذْر" و"وَدْع" (٣).
و"ببسم" مُتعلّق بالمصْدَر، ودخَل حرف الجر على "بسم الله" وهو مجرور بحرف جر؛ لأنّه أراد حكايته اللفظ على وضعه، فتنَزَّلت البسملة كُلّها منْزلة الكَلمة الواحدة.
قوله: "الحديث الأوّل": تقدَّم الكلام عليه في أوّل الكتاب، وعلى متعلّق "عن"، وجملتي "ﷺ" و"﵁"، وذِكْر الجمل التي لا محلّ لها، كُلّ ذلك في لحديث الأوّل من الكتاب.
_________________
(١) انظر: أمالي ابن الحاجب (٢/ ٦٤٥، ٦٤٦).
(٢) انظر: توضيح المقاصد (٢/ ١٠٣٠)، وشرح التصريح (١/ ٥٣٦)، وإيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٢٤٥)، والخصائص لابن جني (٢/ ٤٣٣).
(٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٩٦)، الكتاب لسيبويه (١/ ٢٥)، (٤/ ٦٧)، الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٩٦، ٣٩٧)، إسفار الفصيح (١/ ١٨٥، ٢٣٠، ٥٦٩)، شرح التصريح (٢/ ٤١)، الهمع (٣/ ٢٢)، جامع الدروس العربية (١/ ٦٤).
[ ١ / ٥٨٩ ]
قوله: "يفتتحون": جملة في محلّ خبر "كان".
ويحتمل أنْ يحمَل الافتتاح على ظاهره في الصّلاة، ولا يُعتدّ بالتكبير؛ لأنّه تحْريمها.
ويحتمل أن يكُون التقدير: "يفتتحون القراءة في الصّلاة"، فحذفه، وهو الظّاهر؛ لأنهم جعَلوا الحديثَ دَليلًا على ترك قراءة البسملة أو السر بها، فيترجّح هذا التقدير ليصحّ الاستدلال؛ لأنَّ افتتاح الصّلاة بـ"الحمد" لا يَلزَم منه ترك البسملة في أوّل الفاتحة؛ لاحتمال أن تكون "الحمد لله رب العالمين" كناية عن السّورة كُلّها، ما قبْل "الحمْدَلَةِ" وما بعدها.
قوله: "وفي رواية": يتعلّق بفعل محذُوف، أيْ: "وجاء في رواية عن أنس"، فتتعلّق "في" بـ"جاء"، و"عن" بـ"رواية"؛ لأنّه مصدَر، [أو بصفة] (١)، أي: "كائنةٍ عن أنس".
وجملة "صَلّيتُ إلى آخره" في محلّ فاعل "جاء" على الحكَاية.
و"مع" يتعلّق بـ"صلّيت"، وتقدّم الكلام على "مع" في أوّل "المسح على الخفين". و"أبي بكر" كـ"أبي هريرة" تقدَّم في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. و"عمر" تقدَّم في الحديث الأوّل من الكتاب.
و"عثمان" لا ينصرف؛ للعَلَمية والزّيادة.
قوله: "فلم أسْمَع": "الفاء" عاطفة، و"لم أسْمَع" مُضارع مجزوم بـ"لم"، وتقدّم الكلام على "لم" في الثّالث من "باب المذي"، و"سَمِع" في الأوّل من الكتاب. و"أحَدًا" مفعول "أسمع"، و"منهم" متعلّق بصفته، أو بحال من ضمير فاعل "يُصلّي". و"يقْرأ" جملة إمّا في محلّ صفة، أو مفعول، على الخلاف المتقدّم في أوّل
_________________
(١) يظهر بالأصل منها: "صفة". والمثبت من (ب).
[ ١ / ٥٩٠ ]
الكتاب.
وقد رُوي: "يُصَلّي"، وفيه إشْكَال؛ لأنّه لا يجوز أن تقُول: "سَمعتُ زيدًا يضرب عمرًا"، إلا أنْ تقَدِّر: "فلم أسْمَع صَوت أحَدٍ منهم يُصلّي"، فيكون "يُصلي" في محلّ صفة أخرى.
و"أحَد" هنا جاءت على [أصلها] (١) بعد نفي (٢).
قال ابنُ مالك: وقد جاءت في الإثبات في قوله - ﷺ -: "وَلَا أقُولُ: إنّ أحَدًا أفْضَل مِن يُونُسَ بْنِ مَتَّى" (٣). وإنما استعملت في الإثبات؛ لأنَّ فيه معنى النفي، وذلك بمعنى: "لا أحَد أفضل من يونس"، والشّيء قد يُعطى حُكم ما هو في معناه وإن اختلف فيه اللفظ (٤).
قلتُ: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، فأجري في دخول "الباء" على الخبر مجرى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ [يس: ٨١]؛ لأنّه في معناه (٥).
وقوله: "يقرأ ببسم الله": حرفُ الجر يتعلّق بـ"يقرأ"، أو بحال، أي: "مُستفتحًا
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) لا تأتي "أحد" إلا بعد نفي محض، أو شبهه، أو نهي. انظر: شرح التسهيل (٢/ ٤٠٤، ٤٠٥).
(٣) متفق عليه: البخاري (٣٤١٥)، ومسلم (٢٣٧٣، ١٥٩)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٧٢).
(٥) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٧٢).
[ ١ / ٥٩١ ]
صَلاته [ببسم] (١) الله"، أو يُضمَّن "يُصلي" معنى "يقرأ".
قوله: "ولمسلم": تقدَّم مثله. وجملة "صلّيت" في محلّ معمول متعلّق "لمسلم"، إمّا فاعل على الحكاية، أو مفعول لم يُسَمّ فاعله. و"خَلْفَ" تقدَّم في الحديث السّادس من "باب صفة الصلاة".
وجملة "لا يذكرون" في محلّ الحال من ضَمير "يستفتحون". و"بسم الله" إلى آخرها مفعول به على الحكاية.
***
_________________
(١) بالأصل: "باسم".
[ ١ / ٥٩٢ ]
باب سُجود السّهو
الحديث الأوّل:
[١٠٣]: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إحْدَى صَلاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْن، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِد، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِد، فَقَالُوا: أُقصرَتِ الصَّلاةُ؟ - وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - فَهَابَاه أَنْ يُكَلِّمَاهُ. وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَنَسِيتَ، أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاةٌ؟ قَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَو أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، [ثُمّ كَبّر]، (١) وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَو أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَنُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ" (٢).
قوله: "عن أبي هريرة": يحتمل أن يكُون بدَلًا من "عن محمَّد بن سيرين"، أو تقدّر: "رُوي عن ابن سيرين أنَّه رَوى".
وباختلاف التقديرين يختلف محلّ "قَالَ: صَلّى بنا"؛ فعلى الأوّل يكون محلّه رفعًا، وعلى الثّاني يكون محلّه نصبًا.
وقوله: "بنا" يتعلّق بـ"صلّى"؛ لأنه بمعنى: "أمّ بهم".
وجاء "صلَّى" متعدّيًا بـ"اللام"، نحو: "لأُصَلِّي لَكُم"، و"صَلَّى لَنَا" (٣). وجاء
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) رواه البخاري (٤٨٢) في الصلاة، ومسلم (٥٧٣) في المساجد.
(٣) اللفظان بعض حديث صحيح رواه البخاري برقم (٣٨٠)، من حديث أنس بن مالك، "أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ ".
[ ١ / ٥٩٣ ]
بـ"الباء"، وهي "باء" [التعدية] (١). وتقدّم الكَلام على "صلَّى" وتعدِّيها في الحديث الخامس من "فضل الجماعة".
و"إحْدَى": مفعول "صلَّى"، [على] (٢) تضمينه معنى "قضَى" و"أدَّى"؛ لأنّه لازم، [فلا] (٣) يتعدّى إلا إلى مصدره أو ظرفه.
وقد يُقال: إنّه إنّما [تعدّى إلى] (٤) "إحدى"؛ لأنها مضافة إلى مصدره، أو لأنّها عَدَده. و"إحْدَى" تأنيث: "أحَد".
قوله: "قال ابن سيرين": فعل وفاعل، ومُضاف إليه.
و"سيرين" مُعرَب بالحركات، غير مُنصرف للعَلَمية والعُجمة، وليس هو كـ"ثيرين" ولا "سنين".
قال ابنُ قُتيبة في كتاب "المعارف": محمَّد بن سيرين، كان سيرين عبدًا لأنس بن مالك، كاتَبَهُ على عشرين ألْفًا، فأدَّى الكتابة، وأمُّه صفيَّة مولاة أبي بكر - ﵁ -. (٥)
قوله: "قال ابن سيرين: وسمّاها أبو هريرة، ولكن نسيتُ أنا": هذه الجملة كلها مُعترضة بين قول أبي هريرة.
ففاعل "قال" الثانية: "ابنُ سيرين"، وفاعل "قال" الثّالثة: "أبو هريرة"، وهي مُؤكّدة للأولى حتى تتصل حكاية "أبي هُريرة".
قوله: "ولكن": تقدَّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "باب الحيض"،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب). والمثبت بالرجوع للمصادر. انظر: شرح المشكاة للطيبي (٤/ ١١٣٢)، إرشاد الساري (٩/ ٦٨)، عقود الزبرجد (١/ ٩٤).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل.
(٥) انظر: المعارف لابن قتيبة (ص ٤٤٢).
[ ١ / ٥٩٤ ]
ومتى وَليها كلامٌ فهي حرفُ ابتداء لمجرّد إفادة الاستدراك، كما هي هنا.
و"أنا" تأكيدٌ لضَمير الفاعِل [في "نسيتُ"] (١). ويجوز أن يكون "أنا"، مبتدأ، و"نسيتُ" خبر مُقدّم.
"قال: فصلى": فاعل "قال" ضمير "أبي هريرة".
وجملة "صلّى بنا ركعتين": تقدَّم الكلام عليها في الخامس من "فضل الجماعة". "ثمَّ سلَّم" معطوفٌ عليه. و"ثُمَّ"، لترتيب الأخبار؛ لأنَّ السّلام من [الصّلاة] (٢) داخلٌ في ماهيتها.
وإذا ضممت آخر كلام أبي هريرة إلى أوّله كان التقدير: "عن أبي هريرة قال: أراد الصّلاة بنا رسول الله - ﷺ - أو شرع في الصّلاة بنا - فصلى بنا ركعتين". وإنما احتيج إلى ذلك؛ لأنَّ "الفاء" تقتضي التعقيب، فيكون صلاته للركعتين عقيب صلاته إحدَى صلاتي العشي.
قوله: "ثمَّ قام إلى خشبة": "إلى" هنا يتعلّق بحال، أي: "قام مستندًا إلى خشبة"، أو يتعلّق بـ"قام". و"معروضة" صفة لـ"خشبة".
و"في المسجد" يحتمل أن يتعلّق بـ"معروضة"؛ لأنّه اسم مفعول من: "عرضت العود". ويحتمل أن يتعلّق بصفة لـ"خشبة".
ويحتمل النصب في "معروضة" على الحال من "خشبة" وإن كانت نكرة (٣)، ويكون "في المسجد" مُتعلّقًا بـ"معروضة"، أو بحال من الضمير فيها. ولا يتعلّق "في المسجد" بصفة لـ"خشبة" اللفصل بالحال بين الصّفة والموصُوف. ولا تنتصب
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح الأشموني (٢/ ١٠ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٥٦).
[ ١ / ٥٩٥ ]
"معروضة" على الحال من الضّمير الذي في "المسجد"؛ لأنَّ الحالَ لا يتقدّم على العَامِل المعنوي (١).
قوله: "فاتكأ عليها": أصله: "اوتكأ عليها" (٢). والأصل في هذا وما هو مثله مما "فاء" الكلمة فيه "ياء" أو"واو" وبُني منه "افتعل"، فإنهما يُبدلان "ياء"، ويُدغمان في "تاء" الافتعال (٣). وتقدّم في الثّالث من "الحيض".
قوله: "كأنه غضبان": في موضع الحال، أي: "مشبهًا".
و"غضبان" لا ينصرف؛ لأنه صفة، ومؤنثه "غَضْبَى" (٤)، وتقدّمت في الحديث الثّاني من "الأذان".
قوله: "ووضَع يَده اليمنى على اليسرى": معطوفٌ على "اتكأ". و"شبَّك بين أصابعه" و"خرَجَت السّرعان" معطُوفات.
قال ابنُ الأثير: "السّرعان" من النَّاس: "مُقدّموهم" و"أوائلهم" (٥)، بفتح "السّين" وضمها وكسرها.
قال الجوهري: ويلزم الإعراب نُونه في كُل وجْه. ويُقال: "سرعان ذا خروجًا"، أي: "سرع ذا خروجا"، نُقلت فتحة "العين" إلى "النون"؛ لأنه معدول من "سَرُعَ"؛ فبُنِيَ عليه. ويُقال: "لَسَرْعان ما صنعت كذا"، [أي: "ما أسرَع"] (٦).
_________________
(١) انظر: الكافية في علم النحو (ص ٢٤)، وشرح المفصل لابن يعيش (٢/ ٤٢)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٢٧ وما بعدها).
(٢) انظر: الصّحاح (١/ ٨٢)، لسان العرب (١/ ٢٠٠، ٢٠١).
(٣) انظر: شرح شافية ابن الحاجب (٢/ ٧٣٢)، وهمع الهوامع (٣/ ٤٧٦).
(٤) انظر: التعليقة على كتاب سيبويه (٣/ ٤٠ وما بعدها)، وشرح التصريح على التوضيح (٢/ ٣٢٢).
(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٦١).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٥٩٦ ]
انتهى (١).
قوله: "من أبواب المسجد": يتعلّق بـ"خرَجَت".
قوله: "فقالوا: أقصرت الصّلاة؟ ": أي: "قال بعضهم لبعض لأجل ما رأوا من فعل النبي - ﷺ - و"الهمزة" للاستفهام.
قال في "الصّحاح": "قَصُرَ" بالضم "يقْصُر"، "قصْرًا"، خلافُ "الطُّول". و"قَصَرْتُ" من الصّلاة" بالفتح "أقصُر"، "قَصْرًا". و"قَصَرْت الشيء على كذا" إذا "لم يجاوز به إلى غيره" (٢).
وجملة "أَقُصِرت؟ " معمول للقول، ويُروى: "قُصِرت الصّلَاة؟ " (٣) بـ"همزة" مُقدّرة، كما قُدّرت في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] أي: "أَوَتلك نعمة؟ " (٤).
قوله: "وفي القوم أبو بكر": "أبو بكر" مبتدأ، وخبره مُتقدّم في المجرور، و"عمر" معطوفٌ عليه. والجملة معطوفة على ما قبلها، أو في موضع الحال.
قوله: "فهاباه": رُوي بإثبات المفعول وحذفه. فـ"أنْ يُكلّماه" بدَل من ضمير المفعول في "هاباه". و"أنْ" هي المصدرية الناصبة. وعلامة النّصب في "يكلماه": حذفُ "النون".
والجملة كُلّها في الحقيقة مُفسّرة لمعنى [قوله] (٥): "وفي القوم أبو بكر وعمر"
_________________
(١) انظر: الصحاح (٣/ ١٢٢٨).
(٢) انظر: الصحاح (٢/ ٧٩٤).
(٣) متفق عليه: البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣/ ٩٧).
(٤) انظر: البحر المحيط (٨/ ١٤٨)، تفسير القرطبي (١٣/ ٥٩).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٥٩٧ ]
لأنّه لو لم يُقل: "فهاباه" لقيل: فما منعهما وهما أقرَب من غيرهما [وأدلّ عليه] (١) - ﷺ -؟ (٢).
قوله: "وفي القوم رجُلٌ في يديه طول": "رجل" مبتدأ، ومُسوّغ الابتداء بالنكرة تقدُّم الخبر في قوله: "في القَوم"، ومُسوّغٌ آخر، وهو وصفه بالجملة بعده، فـ"طولٌ" مبتدأٌ خبرُه في المجرور.
ويحتمل أن يرتفع "طُول" بالمجرور؛ لأنّه اعتمد على الصفة، والظّروف والمجرورات إذا اعتمدت على صفة أو حال أو صلة أو خبر عملت عند سيبويه (٣).
قوله: "يقال له: ذو اليدين": يجري في إعراب "ذو اليدين" ما قيل في: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠].
قال أبو حيان: في ارتفاع "إبراهيم" أقوال: -
أحدها: أنَّه خبر مبتدأ محذوف، أي: "هو إبراهيم"، وتكون الجملة المحكية بالقول في موضع نصب به.
الثاني: أنَّه مفعولٌ لم يُسمّ فاعله لـ "يُقال"، وهو من الإسناد للفظ لا لمدلوله، أي: "يُطلق عليه هَذا اللفظ". واختاره الزّمخشري وابن عطيّة.
وفيه خلاف ينبني على أنّ القول هل يعمَل في المفرَد المراد به مجرّد اللفظ، نحو: "قلت زيدًا"، فأجازه الزمخشري والزجاج وابن خروف وابن مالك بشرط أن لا يكُون مُنقطعًا من جملة، نحو قوله:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠).
(٣) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ١٤٣)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ٤٤ وما بعدها).
[ ١ / ٥٩٨ ]
إِذَا ذُقْتُ فَاها قُلْتُ: طَعْمُ مُدَامَةٍ (١)
ولا مُفردًا معناه معنى الجملة، نحو: "قلتُ خُطبة"، ولا مصْدَرًا، نحو: "قُلتُ قولًا"، ولا صفة له، نحو: "قُلتُ حقًّا"، بل مجرّد اللفظ، نحو: "قُلتُ زيدًا".
ومن النّحويين مَن منَع ذلك. وهو الصّحيح؛ إذ لا يحفَظ من لسَانهم: "قال فُلانًا"، ولا: "قال ضرب"، ولا: "قال ليت".
وإنما يعمل في الجملة؛ لأنّه موضوع لحكايتها، [أو ما كان مُفردًا بمعناها، نحو: "قلتُ حقًّا"] (٢).
الثالث: للأعلم، أنَّه مرفُوع بالإهمال؛ لأنه لم يتقدّم عامل يُؤثر فيه، إذ لا يُؤثر القول إلَّا في مفرد مُضمَّن معنى الجملة، فبقي مُهمَلًا، والمهملُ إذا ضُمَّ إلى غيره ارتفع، كقولهم: "واحدٌ، [اثنان] (٣) " إذا عَدُّوا ولم يُدخِلوا عَاملًا لفظيًّا ولا تقديرًا، وعَطَفوا بعضها على بعض (٤). انتهى.
وفي قوله: "أقصرت الصلاة؟ " و"أصدق ذو اليدين؟ " ما يُؤذِن بأنّ الشّك في الفعل، لأنّه إذا دخَل الاستفهام على القول يكُون الشّك في الفعل المستفهَم عنه، وإن دخَل على الاسم - نحو: "أأنت فَعَلت"، "أأنت قُلت" - فإنّ الاستفهام عن فاعل الفعل المشكُوك فيه (٥).
وجملة قوله: "يُقال له" في محلّ صفة لـ"رجل". و"ذو" من الأسماء الستة، تقدّم
_________________
(١) صدر بيت من الطويل، وهو لامرئ القيس، وعجزه: "مُعَتَّثَةٍ ممَّا تجيءُ به التجر". انظر: زهر الأكم في الأمثال والحكم (١/ ٣١٢)، المعجم المفصل (٣/ ١١).
(٢) كذا بالنسخ، والظاهر أنَّه تكرار، وليس هذا موضعه عن أبي حيان.
(٣) كذا بالنسخ. وفي البحر المحيط: "واثنان".
(٤) انظر: البحر المحيط (٧/ ٤٤٧).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٦)، الجمل في النحو (ص ٢٦٤).
[ ١ / ٥٩٩ ]
القول عليها في الثالث من "باب استقبال القبلة"، وتقدّم تثنية "يد" وما يتعلّق بالمنقوص غير المقيس في الرّابع من أوّل الكتاب.
و"أمْ" من حروف العطف، وهي على قسمين: متصلة ومنقَطعة، وهي هنا المتصلة؛ لأنها جاءَت على شرطها من تقدَّم الاستفهام والسّؤال بـ "أيّ" والجواب بأحَد الشّيئين المستفْهَم عنهما، أو الأشياء.
وأمَّا المنقَطعة: فشرْطها وقُوع الجملَة بعدها، ويتقدّمها الاستفهام والخبر، وتقدّر بـ"بل" و"الهمزة"، وجَوابها: "لا" أو "نعم" (١).
قوله: "لَمْ أنْسَ، ولم تُقْصَر": الجملة محكيّة بالقَول، وجُزم "أنْسَ" بحذف "الألِف"، وجزم "تُقصَرْ" بالسّكون، وهو مبني لما لم يُسمّ فاعله.
ولما كانت "أمْ" هنا المتصلة لم يحسُن في الجواب "لا" أو "نعم"، إنما نفى جملة المسئول عنه بناءً على ظنّه، أو بمعنى أنّ جملة ذلك لم يكُن، بل كان بعضه، ورُوي: "كُلُّ ذَلِك لَم يَكُن" (٢)، فأدْخَل في خبر "كُل" ما يقتضى السّلب عن كُلّ فرد.
قال ابن هشام: قال البيانيون: إذا وقعت "كُلّ" في حيِّز النفي كان النّفي موجَّها للشّمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبات الفعل لبعض الأفراد، كقوله: "ما جاء كُلّ القوم"، و"لم آخذ كُلّ الدراهم". ومنه:
مَا كُلُّ مَا يتَمنَّى المرَءُ يُدْرِكُهُ (٣)
وإن وقع النفي في حيِّز "كُلّ" اقتضى السّلب عن كُلّ فرد، كما تقدَّم من قوله
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٣٥٩، وما بعدها)، والجنى الداني في حروف المعاني للمرادي (ص/ ٢٠٥، وما بعدها).
(٢) صحيحٌ: مسلم (٥٧٣/ ٩٩).
(٣) صدر بيت من البسيط، وهو للمتنبي، وعجزه: "تأتي الرِّياحُ بما لا تَشتَهي السُّفُنُ". انظر: شرح ديوان المتنبي للعكبري (١/ ٦٣)، المعجم المفصل (٨/ ١١٨).
[ ١ / ٦٠٠ ]
"كُلّ ذلك لم يكُن" (١).
قوله: "أَكَما يقول ذو اليدين؟ ": "الهمزة" هنا للاستفهام، وهي داخلة على مبتدأ محذوف، أي: "آلأمر كما يقول؟ "، فـ "الكاف" بمعنى"مثل". و"ما" هي موصولة بمعنى "الذي"، والعائد محذوف، أي: "مثل ما يقوله"، إن جعلت "الكاف" اسمًا. وإن جعلتها حرف جرٍّ، فالخبر مُقدّر، أي: "كائن كما يقول"، فتتعلّق "الكاف" به.
وقال ابن عصفور في "شرح الجمل": لا تتعلّق "الكاف" بشيء. قال: وكذا الحروف الزائدة، و"لولا" الجارّة (٢).
وقال ابن عطيّة في مثل هذا: الخبر "الكاف"، وهي على هذا اسم، كما في قول الأعشى:
أَتَنتَهُونَ وَلَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ وَالْفُتُلُ (٣)
قالوا: يتعيّن في البيت أن يكون الفاعل "الكاف"، ولا يجوز أن يُقدَّر: "أتنتهون ولا يُنهى بشيء كالطعن"؛ لأنّ الفاعل لا يجوز حذفه عند جمهور البصريين، وجوّز الأخفش حذفه (٤).
قوله: "فقالوا: نَعم": تقدّم الكلام على "نَعَم" في الرابع من "الجنابة".
قوله: "فتقدّم": جملة من فعل وفاعل، فاعلها ضمير "النبي - ﷺ -". وجملة "فصلى" معطُوفة عليه. و"ما" موصولة مفعول "صلى" على السّعة، أو مصدَرية، أي: "صلى صلاته". و"ترك" صلةُ"ما"، والعائدُ محذوف، أي: "الذي تركه". "ثم سلم"،
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص/ ٣٦٥).
(٢) انظر: شرح جمل الزجاجي (١/ ٤٧٩ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٢٧٨).
(٣) البيت من البسيط، وهو للأعشى. انظر: خزانة الأدب للبغدادي (٩/ ٤٥٤)، المعجم المفصل (٦/ ١٩٢).
(٤) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٩٩).
[ ١ / ٦٠١ ]
"ثم كبر"، "فسجد" كُلّها معطوفات.
قوله: "مثل سُجُوده": نعت لمصدر محذوف، أي: "سجد سجودًا مثل سجوده". أو حال، أي: "سجد السّجود في حال كونه مثل سجوده"، فهو حال من المصدر بعد إضماره. واختير هذا؛ لأنّ في الأوّل حذف الموصُوف في غير المواضع المستثناة، وقد تقدّم ذكر ما استثنى من ذلك في الثّامن من "باب صفة الصلاة"، وفي الثّاني من "باب التيمم".
قوله: "أو أطول": شكّ من الرّاوي.
و"الهاء" (١) راجعة إلى "النبي"، أي: "مثل سُجُود النبي - ﷺ - في الصّلاة أو أطْوَل".
قوله في الثّانية: "مثل سُجُوده": يحتمل أنْ يُريد: "مثل سُجوده في السّجدة الأولى من سُجود السّهو"، ويحتمل أنْ يُريد: "مثل سُجوده في صلاته".
والكَلام على "أفعَل التفضيل" تقدّم في الأوّل من "الصّلاة". وقد استُعمل هنا بـ "من" مُقدّرة.
قوله: "فربّما سألوه": "رُبَّ" حرفُ تقليل عند الأكثرين، والكوفيون ادَّعوا اسميتها، ويجب تصديرها - فلا يُقال: "جاءني رُبّ رَجُل" - وتنكيرُ مجرورِها، ونعتُه إن كان ظاهرًا إمَّا باسم أو فعل أو بظرف أو جملة. ولا يجوز أن تقول: "رُبَّ رجُل" وتسكت، حتى تقول: "رُبّ رجل صالح"، أو "رُبّ رجل يقول"، أو "رُبّ رجل عندك"، أو "رُبّ رجل أبوه عالم".
ومن أحكامها: أنها تأتي لما مضى، وللحال دون الاستقبال، تقول: "رُبّ رجل قام"، و"يقوم"، ولا تقول: "رُبّ رجل سيقوم"، و"ليقومن غدًا"، إلا أن تريد: "رُبّ رجل
_________________
(١) أي: في قوله: "سجوده".
[ ١ / ٦٠٢ ]
يوصف بهذا"، كما تقول: "رُبّ رجُل مسيء اليوم محسن غدًا، أي: "يُوصَف بهذا".
ومن أحكامها: أنها تدخُل على المضمر قبل الذّكْر على شريطة التفسير، وينصب ما بعد ذلك المضمر على التفسير، كقولهم: "رُبَّهُ رجلًا جاءني"، وهذا الضّمير عند البصريين لا يُثنى ولا يُجمع؛ لأنّه ضمير مُبهَم مجهُول.
ومن أحكامها: أنها توصَل [بـ"ما"] (١)، فيبطل عملها، ويُستأنف الكلام بعدها. قالوا: ويجوز: "رُبَّ رجُل وأخيه مُنطلقين"، ولا تقول: "رب رجل وزيد منطلقين"، وإنما جَاز في الأوّل لأنّ "وأخيه" يُقدّر نكرة بِينَّةِ الانفصال، أي: "وأخ له" (٢).
وتنفرد "رُبَّ" بغَلَبة حذْف مُتعلَّقها، نحو: "رُبّ رجُل لقيته أكرمني"، فيحذفون "أكرمني" في كثير من الكلام، وشرطه أن يكُون ماضيًا.
ومن أحكامها: إعمالها محذُوفة بعد "الفاء" و"الواو" و"بل"، نحو:
فمثلك حبلى قد طرقت (٣)
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ (٤)
بَلْ [بَلَدٍ] (٥) ذِي صُعُدٍ وَآكَام (٦)
_________________
(١) بالأصل: "بها"، والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الكتاب لسيبويه (٢/ ٥٤، ٥٥)، شرح التسهيل (٣/ ١٧٥ وما بعدها)، الأصول في النحو لابن السراج (١/ ٤١٦ وما بعدها).
(٣) صدر بيت من الطويل، وهو لامرئ القيس، وبقيته: "ومُرضِعا فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تمَائِمَ مُغْيَلِ". انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٢)، المعجم المفصل (٦/ ٥٨٣).
(٤) صدر بيت من الطويل، وهو لامرئ القيس، وبقيته: "أَرْخَى سُدُولَهُ علَيَّ بأَنْواعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِي". انظر: زهر الأكم (٢/ ١٧٤)، المعجم المفصل (٦/ ٤٦٣).
(٥) سقط بالنسخ. والمثبت من المصادر.
(٦) الرجز لرؤبة بن العجاج. ويُروى فيه: "وأصباب". انظر: غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ١٢٢)، مفتاح العلوم للسكاكي (ص ١٠٠)، خزانة الأدب (١٠/ ٣٢ =
[ ١ / ٦٠٣ ]
ومحلّ مجرورها في قولك: "ربّ رجل صالح عندي" رفع على الابتداء، لأنّ التقدير: "رجل صالح عندي". ومحلّه في نحو: "رب صالح لقيته" رفعٌ أو نصبٌ، كما في قولك: "هذا لقيته"، فالرّفع على الابتداء، والخبر: "لقيته"، والنّصب على إضمار فعل، أي: "لقيتُ رجُلًا صالحًا لقيته"، فتكُون الجملة مفسِّرة.
قال ابنُ هشام: وزَعَم الزّجّاج وموافقوه أنّ مجرورها لا يكون إلّا في محلّ نصب. قال: والصّواب ما قدّمناه (١).
وفي "رُبَّ" ستة عشر لُغة: ضم "الراء" وفتحها، وكِلاهما مع التشديد، ومع التخفيف، والأوْجُه الأربعة مع "التاء" ساكنة أو متحرّكة، ومع التجرد منها، فهذه اثنا عشر، والضّم والفتح مع إسكان "الباء"، وضمّ الحرفين مع التشديد ومع التخفيف ومع التجرّد منهما (٢).
و"ربَّ" هنا موصولة بـ "ما"؛ فلذلك لا عَمَل لها، والكَلامُ بعدها مُستأنَف.
قوله: "ثُم سَلّم": يحتمل أن يكون المعنى أنّ النبي - ﷺ - لما كَمل السّجدتين، لم يذْكُر الرّاوي سَلامه من سَجْدتي السّهو؛ فقال الرّاوي، وهو ابنُ سيرين: "فرُبّما سألُوه"، يعنى "سألوا أبا هريرة"، بمعنى أنه لم يتحقّق سُؤال أصحاب أبي هريرة لأبي هُريرة قبل أنْ يخبر أبو هُريرة بسَلام النبي، فأتى بـ "رُبّ" بمعنى تقليل ذلك عنده.
_________________
(١) = ٣٣)، مغني اللبيب (ص ١٨٢)، ولسان العرب (٧/ ٥١١)، المعجم المفصل (٩/ ٢٦).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص/ ١٨٢).
(٣) انظر للاستزادة من أحكام (رب) ومسائلها: تفسير القرطبي (١٠/ ٢)، والكتاب لسيبويه (٢/ ٥٤، ٥٥)، مغني اللبيب (ص/١٧٩ - ١٨٤)، وشرح المفصل (٤/ ٤٨١ وما بعدها)، الصّحاح (١/ ١٣٢، ١٣١)، والكافية لابن الحاجب (ص/ ٥١)، وشرح التسهيل (٣/ ١٨٦)، شرح الأشموني (٢/ ١٠٤ وما بعدها).
[ ١ / ٦٠٤ ]
[قال] (١): "ثم سَلّم": من تتمّة كلام أبي هُريرة، وحكايته عن فعل النبي - ﷺ - في السّجدتين. والله أعلم.
قوله: "فنُبِّئْتُ": القائلُ لهذا: "محمّد بن سيرين" عن أبي هريرة.
و"نبَّأ" يتعدّى إلى ثلاثة إذا كانت بمعنى "أعلم" (٢)، فالأوّل هنا الضّمير المتصل القائم مقام الفاعل، وسَدَّت "أنَّ" مسدّ المفعولين الآخرين، وإن كانت المتعدّية لاثنين سدّت مسدَّ مفعُول واحد.
قوله: "فتقدّم": أي: "النبي - ﷺ -"، "فصلى ما ترك": أي: "الذي ترك"، والعائدُ ضمير مفعول محذُوف، و"م" وصلتها في محل مفعول "يصلي"؛ لأنّه مُضمَّن معنى "أدَّى"، كما تقدّم بيانه قريبًا.
الحديث الثاني:
[١٠٤]: عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْن بُحَيْنَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَن النَّبِيَّ - ﷺ - "صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ، فَقَامَ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْن، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ" (٣).
قوله: (عن عبد الله): وهو "ابن بحينة"، تقدّم الكَلام عليه في الحادي عشر من "صفة الصّلاة"، وأنّه منسوبٌ إلى أمِّه؛ ولذلك ثبتت [ألِف] (٤) "ابن" مع "بُحينة".
قوله: "وكان من أصحاب النبي - ﷺ - ": جملة معترضة.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "يقال". والمثبت من (ب).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٠٠)، وهمع الهوامع للسيوطي (١/ ٥٧٢)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص/ ٦٨١).
(٣) رواه البخاري (١٢٢٤) في السهو، ومسلم (٥٧٠) في المساجد.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٦٠٥ ]
والمعترضة هي: المفيدة تقوية ما يتوسّط بين أجزائه.
وجملة "أنّ النبي - ﷺ -" في محلّ رفع بمتعلّق حرف الجر، وقد تقدّم نظائره.
قوله: "صلى بهم" في محلّ خبر "أنَّ"، و"الظهر" مفعول بـ "صلي"، أي: "صلاة الظهر"، فتعدّى إلى مصدره.
قوله: "فقام": معطوفٌ على "صلَّى".
و"في الركعتين": "في" بمعنى "من"، كقوله:
ثَلَاثِينَ شَهرًا فِي ثَلَاثَة أَحْوَال (١)
وهو أحَد وجوهها. ويحتمل أن تكون على بابها، أي: "قام في جلوس الركعتين قبل أن يتمها". و"الفاء" ليست سببية.
قوله: "الأوليين": تقدّم في الحديث الثّاني من "باب القراءة".
قوله: "ولم يجلس": معطوف عليه. وكذلك: "قام الناس معه". تقدّم الكلام على "مع" في أوّل "المسح على الخفين". ويحتمل هنا أن يكون في محلّ حال من النّاس، أي: "مجتمعين معه".
[قوله] (٢): "حتى إذا قضى الصلاة" تقدم الكلام على "حتى" في الحديث الثاني من الأول، ويتعلّق بهذا الموضع الكلام على "حتى" مع "إذا".
قال أبو حيّان: "حتى" مع "إذا" حرف ابتداء، وليست جارَّة لـ "إذا" ولا لجملة الشرط والجزاء. ومعنى الابتداء فيها: أن يصلح وقوع المبتدأ بعدها، لا أنه يلزم
_________________
(١) عجز بيت من الطويل، وهو لامرئ القيس، وصدره: "وَهل يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أحدثُ عصره". انظر: مغني اللبيب (ص ٢٢٥)، الهمع (٢/ ٤٤٦)، المعجم المفصل (٦/ ٤٣٩).
(٢) بياض بالأصل بقدر كلمة.
[ ١ / ٦٠٦ ]
وقوعه بعدها، ألا ترى أنها في نحو: "ضربتُ القوم حتى زيدًا ضربتُ" حرفُ ابتداء، [وإن] (١) كان ما بعدها منصوبًا.
و"حتى" إذا وقع بعدها "إذا" احتمل أن تكون بمعنى "الفاء"، أي: "فإذا"، أو بمعنى "إلى أن"، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، فكونه بمعنى "إلى أن" يكون التقدير: "إلى أن يقولوا: إنْ هذا إلّا أساطير الأولين، في وقت مجيئهم لمجادَلتك"؛ لأنّ الغَاية لا تؤخَذ إلّا من جواب الشرط، لا من الشرط. وعلى هذا يتخرّج جميع ما جاء من هذا النحو، ولا بدّ أن يتقدّمه كلام ظاهر، كالآية، وكقوله: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا﴾ [الكهف: ٧٤]، أو مُقدّر، كقوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] (٢).
قلت: فيكون التقدير هنا: "فصلى بهم الظهر إلى أن كبَّر وهو جالس وقت انقضاء الصلاة وانتظارهم تسليمه".
قال الشّيخ أبو حيان: وجوَّز الزمخشري أن تكون "حتى" جارَّة لـ "إذا"؛ فقال: ويجوز أن تكون الجارَّة، وتكون "إذا جاءوك" في محلّ الخبر، بمعنى: "حتى وقت مجيئهم"، و"يجادلونك" حال. وأوجب ابن مَالك ذلك؛ فقال في التسهيل: "وقد تفارقها" (٣). يعني أنّ "إذا" تُفارقها الظّرفية، فتجيء مفعولًا به ومجرورة بـ "حتى" ومُبتدأ.
وما [ذهَب] (٤) إليه ليس بصَواب، والحقّ ما قاله الحوفي وأبو البقاء وغيرهما
_________________
(١) بالنسخ: "أو". والمثبت من البحر المحيط.
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٧٠، ٤٧١).
(٣) انظر: التسهيل (ص ٩٤).
(٤) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "ذهبا". والمثبت من (ب).
[ ١ / ٦٠٧ ]
أنّ "إذا" في موضع نصب بجوابها، وليس لـ"حتى" هنا عَمَل، وإنما أفادت معنى الغاية، كما لا تعمَل في الجمَل (١). انتهى.
فعلى ما اختاره أبو حيّان تكون "حتى" حرف ابتداء، و"قضى الصّلاة" في محل جر بإضافة "إذا" إليه، والعاملُ فيها جوابها وهو "كبَّر".
ومعنى الابتداء فيها: وقوعها مع ما بعدها جملة. قاله الزمخشري، وصوَّبه أبو حيان (٢).
قوله: (وهو جالس): جملة حاليّة من فاعل "كبَّر"، وجاءت بـ "الواو" والضّمير.
قوله: "فسَجَد": معطُوفٌ. و"سَجْدَتين" مصدر مُثنى، مثل: "ضرب ضربتين".
قوله: "قبل أنْ يُسلِّم": تقدّم الكَلام على "قبل" في الرّابع من الأوّل. و"أن يسلم" في محلّ جَر بالإضَافة إلى "قبل".
* * *
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٧١).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٧٠).
[ ١ / ٦٠٨ ]
بابُ المرور بين يدي المصَلّي
الحديث الأوّل
[١٠٥]: عَنْ أبِي [جُهَيْمِ] (١) بْنِ الْحارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِي - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: "لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيْ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمِ؟ لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ".
قَالَ أبُو النَّضْرِ: لا أدْرِي، قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ شَهْرًا أَو سَنَةٌ (٢).
تقدّم إعراب التبويب، وما بعده من السّند [جملة] (٣) تقدّم الكَلام عليها في الأوّل من "كتاب الصّلاة".
قوله: "يعلم": يحتمل أن يكُون بمعنى "يعرف"؛ فيتعدّى لواحد، وهو الظّاهر فيها هنا. ويحتمل أن تكون العِلْمية؛ فيتعدّى إلى اثنين. وهو على كِلا الوجْهين [مُعلّق] (٤) بـ "ماذا". فجُملة "ماذا" في محلّ مفعول "عَلم".
قال أبو حيان: و"ماذا" إذا أفردت كُلّ واحدة منهما فهي على حالها، فـ "ما" للاستفهام، و"ذا" للإشارة.
وإن دخل التجوّز: فـ "ذا" موصولة بمعنى "الذي" و"التي"، وتفتقر إلى صلة، و"ما" على أصلها استفهامية.
ولك أن تجعل دلالتها دلالة "ما" الاستفهامية لو انفردت "ما"، ولذلك قالت العرب: "بماذا تسأل؟ "، بإثبات ألِف "ما" مع حرف الجر.
_________________
(١) بالنسخ: "جهم". والمثبت من مصادر التخريج ونسخ العمدة.
(٢) رواه البخاري (٥١٠) في الصلاة، ومسلم (٥٠٧) في الصلاة.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) بالنسخ: "معلقة".
[ ١ / ٦٠٩ ]
ولك أن تجعل "ذا" مركّبة مع "ما" الموصولة، أو "ما" النكرة الموصوفة، فدلالة مجموعهما دلالة "ما" الموصولة أو الموصوفة لو انفردت دون "ذا". وهذا الأخير عن الفارسي (١). انتهى.
إذا ثبت ذلك: فقوله في الحديث: "ماذا عليه؟ " يجوز أن تجعل "ذا" موصولة بمعنى "الذي"، وتكُون "عليه" في محلّ الصّلة، وتقدّر متعلّق حرف الجر: "استقر" لا "مستقر"؛ لأنّ الصلة لا تكُون مُفردًا.
ولك أن تجعل "ذا" زائدة، والتقدير: "ما عليه؟ "، فتكون "ما" مبتدأ، و"عليه" في محلّ الخبر، أي: "ما كان عليه"، أو "ثابت عليه".
ولك أن تجعل - عند قوم - "ذا" موصُولة، صِلتها "عليه" وتكُون في محلّ رفع بالابتداء، والخبر "ما" مُقدّمًا، قُدِّم الخبُر لأنّه استفهام.
وذكر ابن عطيّة في مثل: "ماذا صنعت؟ " إذا جُعلت مُركّبةً، أنها في محلّ نصب حيث وقعت، إلّا في مثل:
وَمَاذَا عَسَى الْوَاشُونَ أَنْ يَتَحَدَّثُوا [سِوَى] (٢) أَنْ يَقُولُوا إِنَّنِي لَكِ عَاشِقُ (٣)
لأنّ "عسى" لا تعمل فيما قبلها. فـ "ماذا" في البيت في محلّ رفع، وليست "ذا" بمعنى "الذي"؛ إذ لا صِلة لها؛ لأنّ "عسى" لا تقع صِلة للموصُول الاسمي (٤).
وتعقّب عليه أبو حيّان قوله: "إذا كانت مركّبة فهي في موضع نصب إلا في
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٦١، ٣٦٢).
(٢) سقط بالأصل. والمثبت من المصادر.
(٣) البيتُ من الطويل، وهو لجميل بُثينة. انظر: خزانة الأدَب (٦/ ١٥٠)، المعجم المفصل (٥/ ١٥٦).
(٤) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٢٨٨).
[ ١ / ٦١٠ ]
هذا البيت"، وقال: بل يجوز أن تقول: "ماذا محبوب"، و"ماذا قائم؟ "، و"ماذا" مُركّب؛ فيكون في موضع رفع بالابتداء، كأنك قلت: "ما محبوب؟ "، و"مَن قائم؟ " (١).
قال ابنُ الحاجب: وفي "ماذا صنعت؟ " وجهان، أحدهما: "ما الذي"، وجوابه رفع. والآخر: "أي شيء"، وجوابه نصب (٢).
يريد: إذا جعلت "ذا" بمعنى "الذي" رفعت الجواب؛ لأنّ "صنعت" صِلة "الذي"، فلم يبق له سبيل إلى العَمل في "ما" الاستفهامية؛ لأنّ الصّلة لا تتقدّم على الموصُول، ولا شيئًا منها؛ فلا يتقدّم معمولها (٣).
ولابُد للموصُول في صِلته من عائد، والعائدُ هنا ضمير محذُوف، فموضع "ما" رفع، وجوابه مرفوع؛ ليطابق الجواب السّؤال.
فإذا قلت: "ماذا صنعت؟ "، فجوابه: "خيرٌ"، بالرّفع، إذا جعلت "ذا" موصُولة، والرّفع في الجواب على أنّه خبر مُبتدأ محذُوف، أي: "هو خير"، ويجوز النصب، لكن الرّفع أولى لما ذكَرنا من المطابقة بين الجوَاب والسّؤال.
والوَجْه الآخر أن يجعل "ما" و"ذا" بمنزلة الاسم الواحِد، كأنّه قد ركّب إحدى الكلمتين مع الأخرى، فيكون الفعل المذكور بعد "ماذا" مُسلطًا على "ما"؛ فيكون في موضع نصب بـ "صنعتَ"، ويكون جوابه منصوبًا، كما تقول: "ما أكلت؟ "، فتقول في الجواب: "خبزًا"، أي: "أكلتُ خبزًا"، والنصب أولى لمطابقة الجواب للسّؤال، ويجوز الرفع.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٧٧).
(٢) انظر: الكافية في علم النحو (ص/٣٥).
(٣) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ٣٠٨)
[ ١ / ٦١١ ]
ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] بالرّفع، ولم يُقرأ بالنصب، قالوا: لأنّ النّصب يقتضي تقدير: "أنزل"، ولو أقروا بأنه أنزل أساطير الأولين كان منهم إيمانًا، وإنما قالوه بالرفع؛ لأنه مُقدّر بإضمار مُبتدأ، أي: "هو أساطير الأولين".
وجاء الوجْهان في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] بالنصب والرفع، على ما تقدّم (١)، ولا مُعارض لأحدهما يُوجب المنع. والله أعلم.
قوله: "خيرٌ": تقدّم الكلام عليه في الثّامن من "باب الجنابة"، ويجوز فيه الرّفع، والنّصب أوْجَه، لأنّه اسم "كان" مبتدأ، أو "أنْ" مع الفعل كالمضمر، فكان أولى.
قوله: "قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة": "أربعين" ظرفُ زمان؛ [لأنّه] (٢) عَدَد الظّرف.
وهو هنا مفعول لـ "وقف". و"وقف" مُتعدٍّ، قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤].
ولا يجوز أن يكُون ظرفًا، لأنّه ليس المراد أن يقف في أربعين يومًا ولا في أربعين سنة، وإنّما المراد جميعها.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] (٣)، فهي بجملتها الموعود.
قالوا: ويحتمل أن يكون التقدير: "تمام أربعين"، ومثله محتمَل هنا، ويكون قد
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (٣/ ٦١)، والبحر المحيط (٢/ ٤٠٨).
(٢) في الأصل: "لأن".
(٣) انظر: البحر المحيط (٥/ ١٦٠).
[ ١ / ٦١٢ ]
حذف المضَاف، وأقام المضَاف إليه مقامه.
والمعدُود هنا منصوبٌ على التمييز، والعاملُ فيه اسم العَدَد، شبّه بـ "ضاربين".
وقيل: منصوب على التشبيه بالمفعول به؛ لأنّه مُقدّر بـ "من"، والمفعول به قد يكون كذلك، كقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ولا يتقدّم التمييز عليه إجماعًا، ولا يُفصل بينهما إلّا في ضرورة، كقوله:
ثَلاثُون لِلْهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلَا (١)
ولا يتعرّف التمييز، خِلافًا لبعض الكوفيين، كقولهم: "ما فعلت العشرون الدرهم"، وحمل على زيادة "ال" (٢).
قوله: "لا أدري": هو أحَد الأربعَة التي تقع بعدها "همزة" التسوية غالبًا، وهذا الوضع جاء خليًّا عن "الهمزة" في اللفظ. والأربعَة: "لا أدري"، و"لا أبالي"، و"ليت شعري"، و"سواء" (٣).
قالوا: ولا يجوز أن يقع بعد (همزة) التسوية المبتدأ والخبر، فتقول: "سواء عليّ أدرهم مالك أم دينار؟ "، ولا الفعل المضارع، نحو: "لا أدري أتقوم أم تقعد؟ ". وعلى هذا جرَى جميع ما في القرآن، فتأمّله.
ومعنى هذا عندهم: أنها لا تدخُل إلا على جملة يصحّ تقديرها بالمصدَر (٤)؛ فلذلك لم يوقُعوا بعدها الاسمية؛ لأنها لا تقدّر بالمصدَر، وأجروا الجملة المصدّرة
_________________
(١) عجز بيت من المتقارب، وهو للعباس بن مرداس. انظر: خزانة الأدب للبغدادي (٦/ ٤٧٠)، المعجم المفصل (٦/ ١٣٤).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٢٢).
(٣) انظر: شرح الأشموني (٢/ ٣٧٥)، وتوضيح المقاصد والمسالك (٢/ ١٠٠٦)، والجنى الداني للمرادي (ص/ ٣٢).
(٤) انظر: النحو الوافي (٣/ ٥٨٥، ٥٨٩).
[ ١ / ٦١٣ ]
بالمضارع مجرَى الاسمية لرجُوعها إليها عندهم، لأنّك إذا قلت: "لا أدري أيقوم زيد أم لا؟ "، كان التقدير: "لا أدري أقيام يكون منه أم لا؟ ".
قال بعضهم: وإذا عُطف بـ"أو" عِوَضَ "أم" لم يجز.
قال: وقد قال صاحب "الصّحاح" بجوازه، فقال: يُقال: "سواء عليّ أقُمت أو قعدت" (١).
قال ابنُ هشام: وقد قُرئ: "سَوَاءٌ عَلَيهِم أأَنْذَرْتَهُم أَو لَم تُنْذِرْهُم" (٢).
قلت: وهذا الحديث جاء بـ "أو" فهي تقوّي ما قاله صاحب "الصّحاح"، وجاء في الحديث بعد هذا في الصيد: "فَإنّ أحَدِكُم لَا يَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَو سَهْمُكَ" (٣).
وفي الحديث حُجّة من وجهين، أحدهما: حذف "همزة" التسوية. والثاني: كون المعادل لها "أو". والله أعلم.
الحديث الثاني:
[١٠٦]: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاس، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْه، فَلْيَدْفَعْهُ. فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّما هُوَ شَيْطَانٌ" (٤)
تقدّم الكلام على "سمع" في الحديث الأوّل من الكتاب، و"إذا" في الحديث
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٨٦)، ولسان العرب (١٤/ ٤١٤).
(٢) سورة [البقرة: ٦]. وهي قراءة ابن محيصن من طريق الزعفراني. وأشار ابن هشام إلى شذوذها. انظر: الكامل للهذلي (ص / ٤١٣)، مغني اللبيب (ص/ ٦٣، ٦٤).
(٣) صحيحٌ: مسلم (١٩٢٩/ ٧)، من حديث عَدِيِّ بن حَاتِم.
(٤) رواه البخاري (٥٠٩) في الصلاة، و(٣٢٧٤) في بدء الخلق، ومسلم (٥٠٥).
[ ١ / ٦١٤ ]
الثّاني من أوّل الكتاب، و"صلى" وعملها في الخامس من "فضل الجماعة"، و"أحدكم" في الثّاني من أوّل الكتاب.
قوله: "إلى شيءٍ": يتعلّق بـ "يصلي". ويحتمل أن يتعلّق بحال، أي: "متوجهًا إلى شيء". و"يستره" جملة في محلّ صفة لـ"شيء".
وتصغيرُ "شيء": "شُيَيْء" و"شِيَىء" بكسر"الشين"، والجمع: "أشياء"، غير مصروف. ويُجمَعُ ال"شيء" أيضًا على: "أشايا" و"أشياوات" (١).
قال القرطبي: لما ذكر أسماء الله الحسنى بدَأ من أسمائه بـ "شيء"؛ لأنّه أوّل أوصاف البارئ في الإثبات، ومعناه أنه موجود.
قال: ولا يختلف فيه.
قال: واختُلف في اشتقاقه على قولين، فقيل: هو "فعْل" بإسكان "العين"، مصدر "شاء، يشاء، شيئًا"، ثم سُمي بالمصدر. الثّاني: وزنه "فعيل"كـ "نصيب"، وأصله: "شَيِيء"، وكثر استعماله في الكلام، واستثقل اجتماع الياءين مع كسْرة.
وقيل: هو "فعيل" بمعنى "مفعول"كـ "جريح" بمعنى "مجروح".
قالوا: وإنما قُلنا ذلك لأنَّا رأينا جمعه لا ينصرف، لأنّه لو كان "شيء" فعلًا بإسكان "العين" وجمعُه "أفعال" لصُرِف الجمع كما يصرف "أكلاب" و"أشياخ".
قال: ويصغَّر على: "شُيَيء" و"شِيَيْء" بضم "الشّين" وكسرها.
و"شُوى" لُغة، سمعتها عن شيخنا أبي العَلاء إدريس بن مُوسى النحوي ﵀. انتهى. (٢)
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٥٨)، ولسان العرب (١/ ١٠٥).
(٢) راجع: الصحاح (١/ ٥٨)، ولسان العرب (١/ ١٠٥).
[ ١ / ٦١٥ ]
وتقدّم الكلام على "شاء" و"شئت" في الحديث السّادس من "باب الإمامة".
قوله: "من الناس": يتعلّق بـ"يستره". و"مِن" سببية، ويحتمل أن تكون هنا بمعنى "عن"، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] أي: "عن أهلك" (١).
قوله: "فأراد [أحَد] (٢) ": قال الزمخشري: تكاثر حذف مفعول "شاء" و"أراد" مع "لو" حتى لا يكادوا يبرزونه (٣).
قال الأَسْفَاقُسِيُّ: حذف مفعول "شاء" و"أراد" مع "لو" هو الغالب (٤)، وقد يُذكَر لأحَد ثلاثة أشياء، إمّا للاستغراب، وهو قول الزمخشري (٥). وإمّا لكونه منكرًا أو كالمنكر، قاله أصحاب البيان. وإمّا لعوْد الضمير عليه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧] (٦). انظر الحديث السّادس من "باب الإمامة".
وقد فقد هنا شرط حذف المفعول، وهو دخول "لو" على "أراد" و"شاء"؛ فلا يكون حذف المفعول راجحًا، كما هو مع "لو". والفعل والمفعول هنا جملة: "أن يجتاز"؛ لأنها مقدَّرة بمفرد، أي: "الجواز".
و"بين يديه": تقدّم الكلام على "بين" في "باب السواك".
قوله: "فليدفعْه": "الفاء" جواب "إذا"، و"اللام" لام الأمر، والفعل معها
_________________
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٩٤).
(٢) بالنسخ: "أحدكم".
(٣) انظر: الكشاف (١/ ٨٧).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٥).
(٥) انظر: الكشاف (١/ ٨٧).
(٦) انظر: المُجيد في إعراب القرآن المجيد (ص/ ١٤٦).
[ ١ / ٦١٦ ]
مجزوم، وعلامة الجزم السكون. وتقدّم الكلام على "لام" الأمر في السّادس من "الإمامة"، وفي الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "فإن أبَيَ": تصريفه: "أبى"، "يأبى" بفتح "العين" ماضيًا ومُستقبلًا (١).
قال أبو القاسم السّعدي: ولا خِلاف فيه (٢).
وحكى صاحب "المحكم": "أَبِيَ"، "يأبَى" بكسر "الباء" في الماضي، وفتحها في المستقبل (٣).
و"الفاء" في قوله: "فليقاتله" جوابُ الشرط.
قوله: "فإنما هو شيطان": "إنما" تقدّم الكلام عليها في أوّل حديث من الكتاب.
و"شيطان" قيل: وزنه "فيعال"، وقيل: "فعلان".
فإنْ كان فيعالا فنونه أصلية، وإن كان "فعلان" فنونه زائدة، وهو إذَن من "شطن" أو من "شاط" (٤).
وهو مُنصرف على كُلّ حال، لأنَّا إن قدَّرنا نونه أصلية فظاهر، وإن قدَّرناها زائدة فشرط منعه مفقود، وهو وجود "فَعْلى" (٥).
وادَّعى السّجاوندى أنّ "شيطان" ممتنع، وأنشد عليه، وذلك مردُود.
وهل "شيطان" مُشتقّ من المصدر أو من الفعل؟ قولان، الأصح أنه من
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٥٩).
(٢) انظر: كتاب الأفعال (١/ ١١).
(٣) انظر: المحكم والمحيط الأعظم (١٠/ ٥٥٨).
(٤) انظر: الصّحاح (٥/ ٢١٤٤، ٢١٤٥)، ولسان العرب (١٣/ ٢٣٨)، وشمس العلوم (٦/ ٣٤٦٥، ٣٤٦٦)، والكتاب لسيبويه (٣/ ٢١٧، ٢١٨).
(٥) انظر: التعليقة على كتاب سيبويه (٣/ ٤١)، وشرح المفصل (١/ ١٨٦).
[ ١ / ٦١٧ ]
المصدر (١).
الحديث الثّالث:
[١٠٧]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: "أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ. فمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتانَ [تَرْتَعُ] (٢)، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفّ، فَلَمْ يُنكرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ". (٣)
قوله: "قال: أقبلتُ": جملة "أقبلتُ" معمولة للقول.
و"قال" تقدّر بـ "أنْ" المصدَرية لتكون في محلّ المفعول الذي لم يُسمّ فاعله لمتعلّق حرف الجر.
و"على حمار" يتعلق بـ"أقبلت" أو بـ "راكبًا"، فيكون من باب التنازع.
و"أتان" بدَل أو عطف بيان، و"راكبًا" حال من فاعل "أقبلتُ". ويقال: "أتان"، ولا يُقال: "أتانة".
قوله: "وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام": "أنا" مبتدأ، وهو من الضمائر المرفوعة المنفصلة، وخبره جملة "قد ناهزت". و"الاحتلام" مفعول به. و"يومئذ" معمول لـ"ناهزت". والجملة كُلها حال من فاعل "أقبلت".
ولا يجوز أن يكون الخبر في "يومئذ"؛ لأنّ ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجُثَث، إلّا حيث سُمع.
وجملة "ورسول الله - ﷺ -": في محلّ الحال من فاعل "أقبلتُ"، أو من فاعل
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٧٥)، ولسان العرب (١٣/ ٢٣٩)، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٢/ ١٩٩).
(٢) بالنسخ: "يرتع".
(٣) رواه البخاري (٤٩٣) في الصلاة، ومسلم (٥٠٤) في الصلاة.
[ ١ / ٦١٨ ]
"راكبًا". وجملة "يُصلي بالناس": في محلّ خبر المبتدأ، وجاءت الحال بـ "الواو" وحدها، وكذلك الجملة الأولى. و"بالنّاس" يتعلّق بـ"يُصلي"، و"الباء" للإلصاق.
قوله: "بمنى": "الباء" ظرفية، وتتعلّق بـ"يُصلي" أيضًا، ولما اختلف معنى الباءين جاز تعلّقهما بفعل واحد (١).
وكذلك قالوا في قول امرئ القيس:
وَيوْمًا عَلَى ظَهْرِ الْكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَليَّ وَآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تَحَلَّلْ (٢)
إنَّ "على" الثانية مجاز، والأولى حقيقة في الاستعلاء. وقيل: الأولى اسم، والثانية حرف. وتقدّم الكلام على "على" في الخامس من "الجنابة".
قوله: "إلى غير جدار": يحتمل أنْ يتعلّق بحَال من ضَمير "يُصلي"، أي: "متوجهًا إلى غير جدار"، أو يتعلّق بـ"يصلي".
قوله: "فمررتُ بين يدي بعض الصّف": "بين" يتعلّق بـ "مررت"، وتقدّم حكم "بين" في الثّالث من "باب السّواك".
و"بعض" هي أحَد الأسماء التي لا تنتهي.
قوله: "فنزلت فأرسلت": معطوفٌ، ومعطوف عليه. و"الأتان" مفعول به. وجملة "ترتع" في محلّ الحال من "الأتان"، وهي حالٌ مُقدَّرة؛ لأنّ وقوعها بعد إرسال "الأتان". ومثله قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] (٣). أو تكُون حَالًا مُقارنة، أي: "تركها في حال رتوعها".
_________________
(١) راجع: الدر المصون (٩/ ٦٢٥).
(٢) البيت من الطويل. انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني (ص/ ٤٤)، والمعجم المفصل (٦/ ٥٤٣).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (١٠/ ١٧١).
[ ١ / ٦١٩ ]
و"دخلت" معطوفٌ على "أرسلت".
واختُلف في الواقع بعد "دخل" أهو ظرفٌ أو مفعول به؟ والصّحيح: أنه ظرف، ويؤيّد ذلك تعدّيه (١)، يعني هنا.
قوله: "فلم يُنكر [ذلك] (٢) عليّ أحد": تقدّم الكَلام على "لم" في الثّالث من "باب المذي". و"ذلك" مفعولٌ به، وتقديمه على الفاعل جَوازًا. و"عليّ" يتعلّق بـ "يُنكر". و"أحدٌ" فاعل. ولا يتعلّق "عليّ" بحال من ["أحَد"] (٣) على أنّه صفة؛ لفسَاد المعنى.
وتقدّم الكَلام على "أحَد" في الحديث الثّاني من الأوّل.
الحديث الرّابع:
[١٠٨]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: "كُنْتُ أنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَرِجْلايَ فِي قِبْلَتِه، فَإذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْليَّ. وإذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ". (٤)
قوله: "قالت" أي: "أنها قالت".
وجملة "أنام" في محل خبر "كان". و"كنتُ" وما تعلّق بها في محلّ نصب بالقول.
و"بين" تقدّم الكَلام عليها في الثّالث من "السّواك".
و"يدي النبي - ﷺ -" مخفوضٌ بالظرف، ومُضاف إليه.
وجملة "ﷺ" مُعترضة لا محلّ لها. والجملُ التي لا محلّ لها
_________________
(١) انظر: عقود الزبرجد (١/ ١٣٥)، وشرح الأشموني (١/ ٤٨٥، ٤٨٦).
(٢) سقط من النسخ.
(٣) بالأصل: "واحد". والمثبت من (ب).
(٤) رواه البخاري (٣٨٢) في الصلاة، ومسلم (٥١٢) (٢٧٢) في الصلاة.
[ ١ / ٦٢٠ ]
مذكورة في الحديث الأوّل من الكتابْ
قوله: "ورِجْلاي في قِبْلَته": مبتدأ وخبر، الخبر مُتعلّق المجرور، أي: "كائنتان في قبلته". والجملة في موضع الحال من ضَمير الفاعل في "أنام". والعامل في "بين": "أنام". والمراد: "في جهة قبلته".
قوله: "فإذا سَجَد غَمزني": "إذا" تقدّم الكلام عليها في الحديث الثّاني من الأوّل. والعامل في "إذا": جوابها، أو فعلها، على الخلاف.
وقولها: "فقبضت": معطوفٌ على "غمزني". و"رجليَّ" مفعول بـ"قبضت"، وعلامة نصبه "الياء" المدغمة في "ياء" الإضافة. ولم تُدغَم علامة الرّفع في "رجْلاي" كما أدغمت علامة النّصب "رجليَّ" لأنّ "الألف" لا تُدغَم ولا يُدغَم فيها.
قوله: "إذا قام": معطوفٌ على "إذا سجد".
قوله: "والبيوت يومئذ": "البيوت" مبتدأ، خبره جملة قوله: "ليس فيها مصابيح". وخبر "ليس": الاستقرار في المجرور، وبه يتعلّق حرف الجر. و"مصابيح" اسمها، وهو لا ينصرف؛ للجَمع الذي لا نظير له في الآحَاد.
و"يومئذ" ظرف، العامل فيه: "ليس". ويجوز أن يتقدّم الظّرف على "ليس"، وفي تقدّم خبرها عليها خِلاف مشْهُور (١)، ويجوز أن يعمل في "يومئذ" الاستقرار المتعلّق [بالخبر] (٢).
* * *
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٧)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٧٧، ٢٧٨).
(٢) بالأصل: "الخبر".
[ ١ / ٦٢١ ]
تَأليفُ
الشّيخ الإمَام العَلامَة بَدر الدّين أبي محمَّد عبد الله ابن الإمَامِ العَلامَة أبي عَبد الله محمَّد بن فرحُون المدَني
رَحمَةُ الله عليهِ
تحِقيق
مَكتَب الهدي لِتَحقِيق التُّراث
أبو عبد الرّحمن عَادل بن سَعد
[ ٢ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٢ / ٢ ]
الجُزْءُ الثَّانِي
[ ٢ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حُقُوق الطبع مَحفُوظة
الطبعة الأولى
رقم الإيداع:
الرقم الدولي (ردمك):
دار الإمام البخاري
الدوحة - قَطر
الدوحة - قطر - طريق سلوى - بجوار إشارة الغانم الجديد
ص. ب ٢٩٩٩٩ - هاتف: ٩٧٤٤٤٨٤٨٤٨ ٠٠ - فاكس ٩٧٤٤٤٦٨٥٥٨٨ ٠٠
albukhariboos@gmail.com
[ ٢ / ٤ ]
بَاب جَامِع
الحديث الأول:
[١٠٩]: عَنْ أَبِي قتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ - ﷺ -: "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ المَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ" (١).
قوله: "باب جامع": التقدير: "هذا باب جامع"، أي: "جامع لأحاديث من كتاب الصّلاة". و"الحديث الأوّل" تقدّم في الحديث الأوّل. وتقدّم الكلام على متعلّق "عن". وتقدّم في الحديث الثّاني من الأوّل أنّ "أبا قتادة" و"أبا هريرة" من الأسماء المركّبة تركيب إضافة، ولها حُكمٌ يختصّ بها.
و"الأنصاري": صفة لـ "أبي قتادة".
وتقدّم في الثّاني من الأوّل حُكم "إذا"، وحُكم "أحدكم".
و"المسجد": ظرف، أو مفعول به، على الخلافِ المتقدّم.
قوله: "فلا يجلس": "لا" ناهية، و"يجلس" مجزوم بالنهي. وتقدّم الكلام على "لا" في الثّالث من "باب الاستطابة"، وتقدّم الكلام على "جلس" في السّابع من "الجنابة". والعامل في "إذا": فعلها، وقيل: جوابها، ويضعُف عمل الجواب هنا فيها؛ لأنّه جاء مقترنًا بـ "الفاء"، وما بعد "الفاء" لا يعمل فيما قبلها (٢).
وقالوا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]: لا يصحّ أن يعمل هنا جوابها؛ لأنّ مكان إنشاء "الإفاضة" غيرُ مكَان إنشاء "الذّكْر"، لأنّ ذلك "عرفات"، وهذا "المشْعَر"، وإذا اختلف المكان
_________________
(١) رواه البخاري (١١٦٣) في التهجد، ومسلم (٧١٤) (٦٩)، (٧٠).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٥)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (٥/ ٧٧)، وإيجاز البيان عن معاني القرآن (٢/ ٧٧٥)، الكليات للكفوي (ص/٦٧٧).
[ ٢ / ٥ ]
لزم من ذلك ضرورة اختلاف الزمانين، فلا يجوز أن "يكون" "الذّكر" عند "المشْعَر" (١).
وتقدّم الكلام على "حتى" في الحديث الثّاني من الأوّل.
قوله: "يُصلي رَكعتين": تقدّم أنّ "صلَّى" يتعدّى إلى مصْدَر أو ظرْف. و"ركعتين" عَدَد مصدر، حذف المضاف وأقيم المضَاف إليه مقامه، والتقدير: "صلَّى صلاة ركعتين"، فهو منصوبٌ على السّعة. أو يُضمَّن "صلى" معنى "أدّى"؛ فيتعدّى إلى مفعول به، أو"ركع" فتكون "ركعتين" عَدَد مصدَر "ركع". والله أعلم.
الحدِيث الثاني:
[١١٠]: عَنْ زيدِ بنِ أَرقَمَ قَالَ: "كُنَّا نَتكَلَّمُ في الصَّلاة، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إلَى جَنبِهِ فِي الصَّلاة، حَتَّى نَزَلَت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوت، وَنُهِينَا عَن الكَلام". (٢)
قوله: "عن زيد بن أرقم": "أرقم" لا ينصرف؛ للعلمية ووزن الفعل، فإن كان اسما للحَيَّة (٣) امتنع؛ للصّفة والوزن؛ فإذَن لا ينصرف معرفة ولا نكرة. قال سيبويه: ولم تختلف في ذلك العَرَب (٤).
بخلاف "أفعى" و"أخيل" و"أجدل"، فإنه اختلف في منع صرفها لعدم تحقّق الوصفية الأصلية (٥).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٩٨)، وتفسير ابن عرفة (١/ ٢٤٠)، والدر المصون في علوم الكتاب المكنون (٢/ ٣٣٠).
(٢) رواه البخاري (٤٥٣٤) في التفسير، ومسلم (٥٣٠) في المساجد.
(٣) انظر: الصّحاح (٥/ ١٩٣٦)، ولسان العرب (١٢/ ٢٤٩).
(٤) انظر: الكتاب (٣/ ٢٠١)، والكافية في علم النحو (ص/ ١٢).
(٥) انظر: الكافية في علم النحو (ص/ ١٢)، وشرح الأشموني (٣/ ١٤٠).
[ ٢ / ٦ ]
قوله: "قال: كُنَّا": أصل "كان": "كَوَن"، تحركت "الواو"، وانفتح ما قبلها، [فقُلِبت] (١) ألِفًا (٢)، ثم اتصل بها ضمير المتكلّم، وهو "نا"، فاجتمع المثلان، فأُدْغم أحدُهما في الآخر بعد تسكين "النون" الأولى لأجْل الضمير، وضُمَّت "الكافُ" لتدل على "الواو" المحذوفة.
وجملة "نتكلّم" في محلّ خبر "كان".
و"في [الصّلاة"] (٣) يتعلّق بـ "نتكلّم".
ويحتمل أن يتعلّق [بـ "يكلّم"] (٤) بعده، ويُضعفه قوله: "يُكلّم أحَدنا صَاحبه في الصّلاة"؛ لأنّ "في الصّلاة" يتعلّق بـ "يُكَلّم"، فيُؤدّي إلى أن يتعلّق حرفا جر لمعنى واحد بفعل.
وقد [ينفصل] (٥) عن هَذا [بأنْ] (٦) يتعَلّق "في الصّلاة" الثّاني بمتعلّق الخبر في قوله: "وهو إلى جَنبه".
ويحتمل أن يكُون "يُكَلمُ" بَدَلًا من قَوله: "كُنّا نتكَلّم"، إلّا أنّ جملَة البدَل لا ضَمير فيها يعُود على خبر "كَان"، مثل مَا هُو في قوله: ["نتكَلّم"] (٧)، ويُقَدَّر: "يُكلّم الرجل منّا" حتى تصحّ البدلية.
قوله: "وهو إلى جنبه": جملة في محلّ الحال. وضَمير "هو" يحتمل أنْ يعُود على
_________________
(١) بالنسخ: "قلبت".
(٢) انظر: الشّافية لابن الحاجب (ص/ ٨٩)، والنحو الواضح (٢/ ٤٠).
(٣) بالنسخ: "صلاة".
(٤) بالأصل: "بتكلم".
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) طمس بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٧ ]
"الرّجُل"، أي: "وهو إلى جَنب صاحبه"، ويحتمل أن يعُود على "صاحبه"، وباختلاف عوده يختلف الضمير في "جنبه".
قوله: "وهو إلى جنبه في الصّلاة": "هو" مبتدأ، وخبره في قوله: "في الصلاة"، وبه يتعلّق حرف الجر. و"إلى جنبه" يتعلّق بالاستقرار المقدّر متعلّق الخبر، أو يكون الخبر في قوله: "إلى جنبه"، أي: "وهو كائن إلى جنبه"، ويكون "في الصلاة" متعلّق الخبر، أو يتعلّق بحال من ضمير الخبر.
ولا يجوز أن يتعلّق "إلى جنبه" بحال من ضَمير الخبر الذي تعلّق به "في الصّلاة"؛ لأنّ الحال لا تتقدّم على عامِلها المعنويّ، بخلاف الظرف، فإنه يجُوز أنْ تقول: "كُلّ يوم لك درهم"، فـ "درهم" مبتدأ، والخبر في المجرور، و"كُلّ" ظرفٌ معمول لمتعلّق حرف الجر (١).
وقوله: "في الصّلاة": الألِف واللام في "الصّلاة" للجنس، وقد تقدَّم أقسام الألِف واللام في السّابع من الأوّل.
ومتى قدّرت "هو" عائدًا على "صاحبه"، و"في الصّلاة" متعلّقها "نتكلّم"؛ احتمل أن يكُون "صاحبه" المكلّم في صَلاة وفي غير صَلاة.
وإن جعلت "في الصلاة" مُتعلقًا بحال من "صَاحبه" كان "صاحبه" في الصّلاة، واحتمل أن يكون "المكلّم" في غير صَلاة، ويبقى النهي على أنْ يُكلّم من ليس في صَلاة مَن هو في صَلاة.
واحتمل أن يكُونا في صَلاة. وهو الظّاهر.
قوله: "حتى نزلت": تقدّم الكَلام على "حتى".
وجملة: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] هي الفَاعل على الحكاية،
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٢).
[ ٢ / ٨ ]
والتقدير: "حتى نزلت آية: وقوموا"، على حَذف مُضاف. و"قانتين" منصوبٌ على الحال من ضَمير الفاعل في "قومُوا".
قوله: "فأُمِرْنا": مبني لما لم يُسمّ فاعلُه، ومفعوله الذي لم يُسمّ فاعله: ضَميره المتصل به، و"الفَاء" سَببية، و"بالسكوت" يتعلّق بـ "أُمرنا".
و"السّكوت": مصدَرُ "سَكَت" لازمًا (١).
الحديث الثّالِث
[١١١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَة - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ: "إذَا اشَتدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عن الصَّلاة، فَإنَّ شِدَّةَ الحَرَّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" (٢).
قوله: "عن رسول الله - ﷺ -": يحتمل البَدَل، ويحتمل تقدير فعل يتعلّق به حرف الجر.
قوله: "فأبرِدوا": "الفاء" سَببية، و"عن الصّلاة" يتعلّق بـ "أبرِدوا".
و"عن" هنا بمعني "الباء"، كما هي في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، أي: "بالهوى" (٣). وتقدّم الكلام على "عن" في الثّالث من "باب الصّفوف". ويُروَى هنا: "بالصّلَاة" (٤) بـ "الباء"، وهو "باء" السّبب.
قوله: "فإنّ شَدّة الحرِّ": "الفاء" جوابُ الأمر المضمَّن معنى الشّرط، وهو "أبردوا"، أو جَوابُ شرط مُقدّر، وتقدير الشّرط لا يجري مع ظَاهر اللفظ إلّا بتقدير، فيقدّر: "إن لم تُبردوا تمنعْكم شدّة الحر كمال الصّلاة".
_________________
(١) انظر: لسان العرب (٢/ ٤٣)، وتاج العروس (٤/ ٥٥٩).
(٢) رواه البخاري (٥٣٣)، (٥٣٦)، (٥٣٩)، ومسلم (٦١٦) في المساجد.
(٣) انظر: تفسير القرطبي (١٧/ ٨٤).
(٤) متفقٌ عليه: البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦١٥/ ١٨٠).
[ ٢ / ٩ ]
ومثلُه: "لاطِف زيدًا، فإنَّ الغَضَب من الشّيطان"، أي: "إن لم تُلاطفه غضب".
قوله: "من فيح جَهنّم": يتعلّق بخبر "إن"، و"مِن" هنا للتبعيض، وقد تقدّم الكلام على "من" الجارّة في الحديث العاشر من أوّل الكتاب.
و"شدّة الحر" مصْدَر من "اشتدّ"، مُضافٌ إلى فاعله، والمصدَر قد يُضاف إلى فاعله وإلى مفعوله إن كان فعله مُتعدّيًا (١)، والأصلُ إضافته إلى الفاعل، وهو مذهب سيبويه (٣).
قيل: إنّ رجُلين كان لهما دِرَاية في هذا العِلم، فأحوَجهما الزّمان إلى أنْ يخدما عند بعض أهل العلم [في خيمته] (٣) بالأجرَة، فلما حضر الغَداء جَلسا للأكْل، ومع أحدهما الخبز وحْده، والآخر معه خُبز وجبن، فسَأَل الذي ليس معه جبن صاحبه أن يُعطيه من جُبنه، فأعطَاه منه شيئًا يسيرًا جدًّا. فقال له بعد أن أخَذه منه: "عَطيَّة الرّجُل على مقداره". فقال له المعطي: "صَدَقت". فقال له الآخذ: "ليس هذا مذهَب سيبويه".
قلت: أراد الآخذُ أنّ ["عطية"] (٤) وإن لم يكُن مَصْدرًا فهو اسم مصدَر، يجري مجرَى المصدَر. فالمعطي إنما أعْطى على قَدْره، لا على قَدْر الآخِذ. فهو يصلح أن يكُون مُضافًا إلى الفاعل، ويصلح أن يكون مُضافًا إلى المفعول، وهو الآخِذ، فلما قال الآخذ: "عطيّةُ الرجُل على قدْره"، قال له المعطي: "صدقت"، بمعنى أنّ المصدر مُضاف إلى المفعول، فقال الآخذ: "ليس هذا مذهب سيبويه، بمعنى أنّ اختيار سيبويه إضافة المصدَر إلى الفاعل. هذا تلخيص ما ذكره في شرح ابن الحاجب (٥)
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (٣/ ٩٣ - ٩٨)، وشرح المفصل (٤/ ٧٢).
(٢) عبارة سيبويه يُفهَم منها استواء الأمرين. انظر: الكتاب (١/ ١٨٩ - ١٩٤).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) يقصد: شرح مختصر ابن الحاجب في فروع المالكية.
[ ٢ / ١٠ ]
الشيخُ الإمامُ ابنُ عبد السّلام، وأتى بهذه القصّة في "كتاب الذّبائح" على تفسير قوله - ﵇ -: "أكلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِن السِّبَاع حَرَامٌ" (١)، فـ "أكْل" مَصدَر مُضاف إلى المفعول، ويحتمل أن يُضاف إلى الفَاعل.
ومن مُوافقة اسم المصْدَر في العَمَل ما ذكَره أبو البقاء في قوله تعالى ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]، قَال: "خَرابها": اسمٌ للتخريب، كـ "السّلام" اسمٌ للتسليم، فهو يعْمَل عَمَل المصْدَر، فـ "خرابها" مُضَافٌ إلى المفعول. (٢)
الحديث الرّابع
[١١٢]: عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، لا كَفَّارَةَ لها إلَّا ذَلِكَ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] " (٣)
وَلمُسلِم: "مَنْ نَسِيَ صَلاةً، أَو نَامَ عَنْهَا فكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا" (٤).
قوله: "مَن نسي": "مَن" شَرط، مرفُوعة المحلّ على الابتداء. وأسماء الشرط مبنية لتضمّنها معنى حَرف الشّرط. وقد تقدّم الكلام على (من) الشرطية في السّابع من أوّل الكتاب، وفي العَاشر منه.
والخبرُ في فعل الشّرط. وقيل: في جوابه. وقيل: فيهما. وقيل: حيث كان الضّمير العَائد على "مَن".
قوله: (فليصلِّها): "الفاء" جوابُ الشّرط، و"اللام" لام الأمر. و"يُصلِّها" فعل مُضارع مجزوم بـ "لام" الأمر، وعلامة الجزم حذفُ "الياء". وتقدّم الكلام على "لام"
_________________
(١) صحيحٌ: مسلم (١٩٣٣/ ١٥)، من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ١٠٧).
(٣) رواه البخاري (٥٩٧) في مواقيت الصلاة، ومسلم (٦٨٤) في المساجد.
(٤) رواه مسلم (٦٨٤) (٣١٥) في المساجد.
[ ٢ / ١١ ]
الأمر في الرابع من الأول.
وتقدّمت "إذا" وجوابها والعامل فيها. وجَوابها هنا محذوفٌ، يدلّ عليه ما قبله، أي: "إذا ذَكَرها صلّاها".
قوله: "لا كَفارة لها إلّا ذلك": "لا" نافية، و"كفّارة" اسمها، و"لها" يتعلق بخبر "لا"، و"إلا" إيجاب للنفي، و"ذلك" بدَل من محلّ "لا كفارة" (١). ويحتمل أن يكون "لها" صفة لاسم "لا"، و"ذلك" خبر "لا".
والقولُ هنا كالقول في الحديث الأوّل من "باب التيمم" على قوله: "ولا ماء" و"لا إله إلا الله"؛ فانظره هناك.
والمعنى هنا: "لا كفّارة لها إلّا صَلاتها".
و"ذلك" من أسماء الإشارة، والاسم "ذا"، و"اللام" [لبُعد] (٢) المشار إليه، و"الكاف" للخطاب. وتقدّم الكلام على "ذلك" في الحديث الثّالث من "استقبال القبلة".
قوله: "أقِم الصّلاة لذِكْرى": جاء في هذه الرواية: "أقِم" مُنقطعًا مما قبله، وجاء في غيرها: "ثُمّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣)؛ فهذه الرواية مُفسِّرة للمُقدَّر هنا، أي: "فقرأ رسُول الله - ﷺ -: أقم"؛ فيكون "أقِم" مفعول "قرأ" مُقدّرًا.
قوله: "لذكرى": مجرور، ومُضاف إليه. و"ذكرى" مصدَر مُضاف إلى فاعل،
_________________
(١) محل "لا" النافية للجنس مع اسمها هو الرفع بالابتداء. انظر: شرح قطر الندى (ص / ١٦٩ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٣٥).
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٣١٧٩)، من فعل قتادة.
[ ٢ / ١٢ ]
أي: "لذكر الله له"، بمعنى: "فضله وجزاءه". ويحتمل أن يكون التقدير: ["لأوقات ذكْري"] (١).
قال أبو حيان: و"اللام" هنا مثلها في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (٢).
ويحتمل أن يكُون مُضافًا إلى [المفعول، أي] (٣): " [لأذكرك] (٤) أنا"، ثم حذف الفاعل، وأضافه إلى المفعول. (٥)
قال ابن عطيّة: يحتمل أن يكون: "لتذكرني فيها"، [أو يكون] (٦): "لأذكرك في عليين بها"، فالمصدر يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول (٧).
قوله: "ولمسلم: مَن نسي صَلاة": أي: "وجاء لمسلم" أو "رُوي لمسلم"، ويكون قوله: "مَن نسي" في موضع الفاعل على الحكاية، أو مفعول لم يُسمّ فاعله؛ فيختلف المحلّ باختلاف التقديرين.
و"مَن" الشّرطية تقدمت قبل هذا قريبًا.
قوله: "فكفارتها": مبتدأ، خبره جملة: "أن يصليها"، أي: "فكفارتها صلاتها".
قوله: "إذا ذكرها": يحتمل أن تكون "إذا" شَرطية، وجوابها محذوف يدلّ عليه
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٧/ ٣١٨).
(٣) كشط بالأصل. والمثبت بالاستعانة بالمصادر والسياق.
(٤) بالنسخ: "لذكرك". والمثبت من المصادر.
(٥) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٣١٧، ٣١٨)، إكمال المعلم (٢/ ٦٧٠)، رياض الأفهام للفاكهاني (٢/ ٤٣٨).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) تفسير ابن عطية (٤/ ٣٩)
[ ٢ / ١٣ ]
ما قبله (١)، أي: "إذا ذكرها فليصلّها، وذلك كفارتها". ويحتمل أن تكون لا شرط فيها؛ فلا تحتاجُ إلى جَوابٍ، لأنها بمعنى الزّمان والوَقت (٢).
الحديث الخامس
[١١٣]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - "أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ - ﵁ - كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عِشَاءَ الآخِرَة، ثُمَّ يَرْجعُ إلَى قَوْمِه، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ" (٣).
قوله: "كان يُصلي" في محلّ خبر "أنَّ"، واسمها: "مَعَاذ بن جبل".
و"أنّ" في محلّ معمول متعلّق "عن جابر".
وجملتا - ﵄ -، و"ﷺ" مُعترضتان، لا محلّ لهما. والمعترضة: هي [التي] (٤) تُفيد قُوّة ما يتوسّط بين أجزائه.
و"مع" تقدّمت في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين".
قوله: "عشاء الآخرة": هذا من باب إضَافة الموصُوف إلى صفته (٥)؛ لأنّ التقدير: "العشَاء الآخرة".
وقد منع النّحويون (٦) من ذلك، وتأوّلوا ما وقَع منه مثل هَذا بحَسب ما
_________________
(١) انظر جواز حذف الجواب إذا علم، في: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين (٢/ ٣٧٧، ٣٧٨).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٨١)، وهمع الهوامع (٢/ ١٧٨)، وحاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك (١/ ١٩٦).
(٣) رواه البخاري (٧٠٠) في الأذان، ومسلم (٤٦٥) (١٨١) في الصلاة.
(٤) سقط من النسخ. وقد سبق نظيره.
(٥) انظر مسألة إضافة الموصوف إلى صفته في: شرح المفصل (٢/ ١٦٧ - ١٦٩)، وشرح ابن عقيل (٣/ ٤٩)، وشرح التصريح (١/ ٦٩٠).
(٦) انظر: توضيح المقاصد (٢/ ٧٩٧)، والمقصود البصريين.
[ ٢ / ١٤ ]
يقتضيه المعنى. فأمّا هنا فالتقدير: "صلاة عشاء الفريضة الآخرة"، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
وإنما احتاجوا إلى ذلك لأنّه يلزمه منه إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأنّ الذّات المفهومة من الصّفة هي ذات الموصُوف، ويلزم من ذلك تعريف الشّيء بنفسه، [وذلك] (١) محالٌ، فإذا وقع من ذلك شيء وجَب تقدير موصُوف قبل الصّفة، كما قالوا في "مسجد الجامع"؛ إذْ قدروه بـ "مسجد الوقت الجامع".
هذا مذهب البصريين، وخالفهم الكوفيون، فأجازوه (٢).
و"العشاء" منصوبٌ على السّعة (٣)، كما تقدّم، أي: "صلاة عشاء". ولا يجوز أن يكُون "العشاء" مفعول "يُصلي"؛ لأنّه لا يتعدّى إلّا إلى مصدَره أو ظَرفه.
قوله: "تلك الصّلاة": مفعول بـ "يُصلي" على السّعة، كما تقدّم، و"الصّلاة" صفته. ويجوز أن تكون "الصّلاة" عطف بيان.
فإن قيل: اسم الإشارة أعْرَف ممّا فيه الألِف واللام، فكيف صحّ [إذا جعلته] (٤) عطف بيان لتعريف الحضُور، وبذلك سَاوى اسم الإشارة في التعريف، وزاد بأنّ الإشَارة لا تُعطي جنس المشَار إليه، وعطف [التماس] (٥) يُعطي أنّ الحاضر من "جنس الرجال"، فصار إذن أعْرَف.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) أجاز الكوفيون ذلك بناء على أن الصفة ذُهب بها مذهب الجنس ثم أضيف الموصوف إليها كما يضاف بعض الجنس إليه في نحو: "خاتم حديد"، وعلى هذا فلا حذف. انظر: توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٩٧).
(٣) انظر: الكتاب (١/ ٤١٠، ٤٠٩)، والتعليقة على كتاب سيبويه (١/ ٧٣)، شرح المفصل (١/ ٤٣١) وما بعدها، واللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٧٤).
(٤) كذا بالنسخ. ولعل العبارة: "إذن جعله".
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ١٥ ]
فإن قيل: إذا قدّرته أعرَف من المشار إليه، فكيف أجَزت أن يكُون نعته، والنعتُ لا يكون أعرَف من المنعوت؟ (١)
فالجواب: أنك إن قدّرته نعتًا فلا بُد أن تكُون الألِف واللام فيه للعَهد، كأنّك قلت: "مررتُ بهذا" للرجُل الذي بيني وبينك، [فهي] (٢) فيه للعَهد، فصار اسم الإشارة أعْرَف بخلاف الأوّل.
[قال] (٣) ابن عصفور: وهذا معنى كلام سيبويه (٤).
الحديث السّادس
[١١٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: "كُنا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي [شِدَّةِ الحَرِّ، فَإذَا لم] (٥) يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ؛ بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ". (٦)
قوله: "كنا": تقدّم أنّ أصل "كان": [كوَن (٧)، فلما] (٨) تحرّكت "الوَاو" وانفتح ما قبلها قُلبت ألِفًا (٩). ولما اتصّل الضمير بـ "كان" سكنت "النون" وأُدغِمَت في "نون" [الكون بعد حذف] (١٠) "الألف"؛ لالتقاء الساكنين، ثم ضُمّت "الكاف"
_________________
(١) انظر: شرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٧٧٤).
(٢) مزادة لضبط العبارة. والله أعلم.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الكتاب لسيبويه (٢/ ٨٨)، شرح التصريح (٢/ ٢٢٨، ٢٢٩)، مغني اللبيب (ص/٧٤، ٧٤٢)، شرح ابن عقيل (١/ ١٨٠).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) رواه البخاري (٣٥٩) في الصلاة، ومسلم (٥١٦) في الصلاة.
(٧) انظر: لسان العرب (١٣/ ٣٦٣)، تاج العروس (٣٦/ ٦٩).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٩) انظر: ضياء السالك (٤/ ٣٩٢).
(١٠) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ١٦ ]
لتدلّ على "الواو" المحذوفة.
وجملة: "نُصلى": في محلّ خبر "كان". و"كان" مع اسمها وخبرها في محلّ نصب بالقَول. وتقدّم الكَلام على "كان" وأقسامها في الحديث الأوّل من الكتاب، و"مع" في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين"، وتقدّم القول على "في" [في] (١) الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "في شدّة الحر": "شدّة" اسم مصدَر، مُضافٌ إلى فاعله، وتقدّم قبل هذا في الحديث الثّالث من هذا الباب الكَلام على المصدَر المضَاف إلى الفاعل وإلى المفعول. والمعنى هنا على حذف مُضاف، أي: "في وقت شدّة الحر".
قال في "الصّحاح": يُقال: "شدّ النّهار"، أي "ارتفع". و"اشتدّ الشيء" من "الشِّدة". ويُقال: "شَديد"، من "الشّدّة". و"الشَّدة" بفتح "الشّين": " [الحملَة] (٢) الواحدة". (٣)
قال: ويقال: "شَده": "أوثقه"، "يشده". وهو من النوادر؛ فإنه ما كان من "فعُل، يفعُل" من ذوات التضعيف غير واقع، فإنّ "يفعِل" منه مكسور "العين" مثل "عفِف، أعِف". وما كان واقعًا مثل "رددت" و"مددت"، فإن "يفعُل" منه مضموم "العين"، إلا ثلاثة أحرف جاءت [نادرة] (٤) جاء فيها الضّم والكسر، وهي: "شدّه يشدّه" و"علّه يعلّه" من "العَلَل"، وهو "الشرب"، و"نمّ الحديث ينمّه". (٥)
و"بثّه يبثّه"، زادها ابن الحاجب (٦).
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) بالنسخ: "الجملة". والمثبت من "الصحاح".
(٣) انظر: الصحاح (٢/ ٤٩٢).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: الصحاح (٢/ ٤٩٢، ٤٩٣).
(٦) انظر: الصّحاح (١/ ٣٩٠).
[ ٢ / ١٧ ]
وقال الزّمخشري: قُرئ في الشّاذ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] بضم "الصاد" وكسرها، وتشديد "الرّاء" المفتوحَة، أمر من "صرَّ يصرّ". (١).
قلتُ: فيكون خامسًا.
قال الفرّاء: فإنْ أتى مثل هذا مما لم نسمعه فهو قليلٌ، وأصلُه الضّم، وهو "حبَّه، يحبُّه" (٢).
قوله: "فإذا لم يستطع أحَدنا أن يُمكِّن": تقدّمت "إذا" في الحديث الثّاني من الأوّل، و"لم" في الثّالث من "باب المذي"، و"أحَد" في الثاني من الأول، و"أنْ" مخفّفة في الرابع من الأول.
و"استطاع" يجوز فيه: "تسطيع" بحذف ["التاء"]، (٣) الاستفعال. وبعض العرب يقول: "استاع، يستيع" بغير "تاء" ولا "طاء" (٤).
وفاعل "يمكِّن": ضمير "أحدنا". ومحل "أنْ" مع الفعل مفعول "يستطيع".
قوله: "من الأرض": يحتمل أن تكون "من" بمعنى "في"، كقوله: ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤] (٥)
ويحتمل أن تكون بمعنى التبعيض، أي: "أن يمكن جبهته بمكان من الأرض".
_________________
(١) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ٣١٠).
(٢) انظر: شرحان على مراح الأرواح في علم الصرف (ص/ ٨١).
(٣) كذا في الأصل.
(٤) في "استطاع" أربعُ لغات: "اسطاعَ يُسْطِيع"، واللغة الثانية: "اسْتَطاعَ، يَسْتَطِيع"، واللغة الثالثة: "اسْطاعَ يَسْطِيع"، واللغة الرابعة: "اسْتاعَ"، بحذف "الطاء". انظر: شرح المفصل (٥/ ٥٦٣)، ولسان العرب (٨/ ٢٤٢)، وتاج العروس (٢١/ ٤٦٦).
(٥) انظر: تفسير القرطبى (٣/ ٩٠).
[ ٢ / ١٨ ]
قوله: "بسط ثوبه": جواب "إذا"؛ فمحله جزم بها، على رأي من جزم بها في النثر (١). ومنه الحديث لعليٍّ وفاطمة - ﵄ -: "إذا أخذتما مضاجعكما تُسبِّحا وتَحْمَدا وتكبِّرا" (٢). (٣)
قوله: "فسجد عليه": معطوفٌ على "بسط".
الحديث السابع
[١١٥]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِد، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (٤)
تقدّم الكلام على متعلّق حرف الجر، والاسم العَلَم المضاف في الحديث الثّاني من أول الكتاب، كـ"أبي هريرة". وتقدّم الكلام على بناء "فاعل" من العدد كـ "السّابع" و"الثّامن" في التاسع من "باب صفة صلاة النبي - ﷺ -".
و"قال" الأولى في محلّ رفع خبر "أنَّ" المقدرة، و"قال" الثّانية [معمول القول] (٥).
قوله: "لا يصلي": جاء بـ "الياء" وبحذفها، فإثباتها يحتمل أن يكون معه "لا" نافية؛ فتقدر خبرًا في معنى النهي (٦)، كقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، أي:
_________________
(١) هذا رأى الكوفيين والفراء خلافا للبصريين. انظر: شرح شذور الذهب (٢/ ٦٠٢) حاشية ٧، الجنى الداني (ص/٣٦٨).
(٢) متفق عليه: البخاري (٣١١٣) ومسلم (٨٠/ ٢٧٢٧) عن علي بن أبي طالب.
(٣) في الحديث أُعملت "إذا" عمل "متى"، فجزمت الجزاء. انظر: شواهد التوضيح والتصحيح (ص/ ٧١)، وفتح البارى (٢/ ٢٠٥).
(٤) رواه البخاري (٣٥٩) في الصلاة، ومسلم (٥١٦) في الصلاة.
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: عمدة القارى (٤/ ٦٦، ٦٥)، خلاصة الكلام (ص/٩٣).
[ ٢ / ١٩ ]
"لا ترتابوا فيه" (١).
ويحتمل أن تكون ناهية، وثبتت "الياء"، كما ثبتت [في قوله] (٢): ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] في قراءة قُنبل (٣)، وهي لُغة مشهورة (٤).
ومتى قدّرت "لا" ناهية فلا إشكال في [حذف "الياء"] (٥). والله أعلم.
قوله: "في الثوب الواحد": يتعلق بـ "يصلي"، ويحتمل أن يتعلق بحال من "أحدكم"، أي: "لا يصلي [مشتملًا] (٦) بالثوب"، فيتعلق حرف الجر بالمقدر.
قوله: "الواحد": نعت للثوب.
و"الواحد" أول العَدَد، قاله الفارابي (٧). ولم يجعله بعضهم داخلًا في العدد، وإن كان مبدأ العدد وأصلًا له، وإنما العَدد تكرير الواحد [وما يبنى] (٨) عليه.
قوله: "ليس على عاتقه منه شيء": "ليس" من أخوات "كان"، ترفع الاسم وتنصب الخبرَ (٩)، الخبرُ مقدرٌ، يتعلق به "على". واسم "ليس": "شيء"، وصح أن يكون اسمها نكرة، لأنّ الخبر تقدّم عليه (١٠).
_________________
(١) وقيل أيضًا: إنها للنفى العام. انظر: تفسير القرطبى (١/ ١٥٩)، تفسير ابن كثير (١/ ١٦٢).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح طيبة النشر للنويرى (٢/ ٣٩٨).
(٤) انظر: همع الهوامع (١/ ٢٠٥)، حاشية الصبان (١/ ١٥٣).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: معجم ديوان الأدب (٣/ ٢٢٩)
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٩) انظر: المقدمة الجزولية (ص/ ١٠٢)، شرح الأشمونى (١/ ٢١٩).
(١٠) ليس كل خبر يتقدم على المبتدأ يكون مسوغا للابتداء بالنكرة، وإنما إذا أفاد =
[ ٢ / ٢٠ ]
و"منه" يتعلّق بصفة لـ "شيء" تقدّمت [فانتصبت] (١) على الحال، وهو مسوّغ أيضًا لأنّ أصله صفة، والنفي الذي في "ليس" مسوّغ آخر أيضًا (٢).
ويحتمل أن يتعلّق "منه" بـ "ليس"، وهذا فيه خلاف، أعني عمل "كان" وأخواتها في غير اسمها وخبرها.
فإن قلت: فهل يتعلّق "منه" بخبر "ليس"، ويتعلّق "على عاتقه" بصفة لـ "شيء" تقدّم فانتَصَب على الحال؟
قلت: هذا التركيب جاء على وَزَان قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، فاختار سيبويه أن يكون "كفوًا" [خبرًا مُقدّمًا]، (٣)، ولم يجعل المجرور [في] (٤) محل الخبر (٥).
واعترض عليه المبرد؛ فقال: سيبويه يختار أن يكون المجرور والظرف خبرًا إذا تقدّم، وقد تقدّم هنا، ولم يجعله خبرًا.
وأجاب مكي عن هذا الاعتراض بأنْ قال: سيبويه لم يمنع إلغاء الظرف، بل يصح أن يكون في الآية خبرًا على اختيار سيبويه، ويكون "كفوًا" [حالا] (٦) من النكرة، وهو "أحد"؛ لتقدّمه عليها، فلا يبقى للمُبرد على سيبويه إذن حُجّة، ووافقه
_________________
(١) = تخصيصا، كما لو كان ظرفا أو جارا ومجرورا، كما هو الحال هنا. انظر: مختصر مغنى اللبيب (ص/ ١٤١)، والكافية في علم النحو (ص/ ١٥)، نتائج الفكر في النحو (ص/٣١٥).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "وانتصبت".
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص/ ١١٢)، وشرح شذور الذهب (١/ ٣٥٨).
(٤) في الأصل: "خبر مقدم".
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: الكتاب (١/ ٥٦).
(٧) بالنسخ: "حال".
[ ٢ / ٢١ ]
على ذلك ابن عطيّة وأبو البقاء (١).
قال الزّمخشري في الجواب أيضًا عن سيبويه: الكلام العربي الفصيح يقتضي أن الظرف الذي هو لغوٌ لا يكون إلا مُؤخّرًا، ولم يأت هنا الظرف لغوًا، إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مَحَطّهُ وتَرَكُّزُه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه وأحقّه بالتقديم وأحراه (٢).
قال الشّيخ أبو حيّان: يرتفع هذا السؤال من أصله بأنّ الظرف المتقدّم على النكرة إنما يختار أن يكون خبرًا إذا صلح لذلك، نحو: "ليس فيها أحد خير منك"؛ لأنّ "فيها" يصلح أن يكون خبرًا على حدة؛ لأنّه تام، و"له" في الآية لا يصلح أن يكون خبرًا لـ"كان"، بل هو متعلّق بـ "كفوًا"، وتقدّم على "كفوًا" للاهتمام به؛ لأنّ فيه ضمير الباري تعالى. فالمجرور هنا ناقص لا يصلح أن يكون خبرًا و"كان"، وعلى هذا فيبطل سؤال المبرد وإعراب مكي وابن عطيّة وسؤال الزمخشري وجوابه، ويصحّ كلام سيبويه - ﵀ -، لأنّه إنما اختار الخبرية مع التقديم في الظرف التام، لأنه مثَّل بقوله: "ما كان فيها أحد خير منك"، و"ليس فيها أحد خير منك"، إذا جعلت "فيها" مستقرًا، ولم [يجعله] (٣) على حد قولك: "فيها زيد قائم"، إذا أجريت الصفة على الاسم، فإن جعلته على حد قولك: "فيها زيد قائم" أجزت الصفة ونصبت، فتقول: "ما كان فيها أحد خيرًا منك"، لأنك إذا أردت الإلغاء كان "التأخير" (٤) أحسَن، وإذا أردت أن [تكون] (٥) مستقرًا كان تقديمه أحسَن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عَربي جيّد كثير. قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٦)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٥٧٢).
(٢) انظر: تفسير الزمخشري (٤/ ٨١٨، ٨١٩).
(٣) في (ب): "تجعله".
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) بالأصل: "لم يكن".
[ ٢ / ٢٢ ]
[الإخلاص ٤]. (١)
قلت: فيتلخّص من هذا فوائد يهتدي المعرب بمنارها، ويستضيء [بنور] (٢) برهانها، وذلك أنّ المعرب ينظر إلى ظاهر الكلام حتى [يُساعده] (٣) المعنى.
ووجْه التنظير بالآية: أنّ في الحديث مجروران متقدّمان على الخبر، وهو نكرة، فمتى جعلت أحدهما [متعلقًا بالخبر] (٤) جعلت الآخر صفة متقدّمة حالًا، وفي الآية مجرور واسم ظاهر يصلح للخبر، ويصلح أن يكون [صفة للاسم] (٥) متقدّمًا حالًا، فهذا الجامع بينهما.
ثم نقول في قوله: "ليس على عاتقه منه شيء": إنَّ جَعْل الخبر في ["منه" ضعيفٌ] (٦)؛ لأنّ الخبر حيث تستقر الفائدة، والفائدة هنا في قوله: "على عاتقه" أقوَى، لأنها محطّ الفائدة، [إذ التقدير: "ليس] (٧) شيء مستقرًا على عاتقه منه"، وعلى هذا المعنى.
وأما إن جعلت "منه" الخبر كان التقدير: "ليس شيء موجودًا على عاتقه كائنًا منه"، فيتعلّق "على عاتقه" بحال من "شيء" على أنّه صفة في الأصل، فيقتضي نفي وجوده حال وجوده على عاتقه، وليس كذلك، فترجّح الأوّل بجريانه مع المعنى.
فإن قلت: فهل يصحّ أن تكُون جملة "ليس على عاتقه" في محلّ صفة للثّوب،
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٥٧٣، ٥٧٢)، والكتاب (١/ ٥٥، ٥٦).
(٢) في الأصل: "بنو".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٢٣ ]
ويكون كقوله:
وَلَقَدْ أمُرَّ على اللئِيمِ يَسُبُّني (١)
قلتُ: قياسه أن يصحّ، لولا أنّ وصف "الثوب" بالوحدة يخرجه من الجنس (٢). والله أعلم.
الحديث الثامن:
[١١٦]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَو بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا - أوْ ليَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا - وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ. وَأُتِيَ بِقِدْرِ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ؟ فَأُخْبِرَ بِما فِيهَا مِنْ الْبُقُولِ. فَقَالَ: قَرِّبُوهَا إلَى بَعْضِ [أَصْحَابه] (٣)، فَلَمَّا رَآه كَرِه أَكْلَهَا، قَالَ: كُلْ، فَإنِّي أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي" (٤).
قوله: "عن النبي - ﷺ - ": يحتاج إلى تقدير محذوف، أي "أنّه رَوَى عن النبي - ﷺ -"، فتتعلق "عن" الأولى بـ "روي" المقدّر، ويكون الفعل المقدّر بـ "أن" المتعلّق
_________________
(١) البيتُ من الكامل، وهو لرجل من بني سلول، أو لشمر بن عمرو الحنفي، أو لعميرة بن جابر الحنفي. ونهاية البيت: "فَمَضَيْتُ ثَمَّتَ قَلْتُ: لَا يَعْنِينِي". انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٢)، (٩/ ٦٤)، الكتاب (٣/ ٢٤)، البصائر والذخائر للتوحيدي (٨/ ١١١)، الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني (٣/ ١٤٧)، أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٢٧٦)، شرح ابن عقيل (٣/ ١٩٦)، شرح الأشموني (٢/ ٣١٨)، خزانة الأدب (١/ ٣٥٧)، (٧/ ١٩٧)، المعجم المفصل لابن يعيش (٨/ ٢٧١).
(٢) تقع الجملة نعتا كما تقع خبرا وحالا وهي مؤولة بالنكرة ولذلك لا ينعت بها إلا النكرة، ولا تنعت بها المعرفة، وزعم بعضهم أنه يجوز نعت المعرف بالألف واللام الجنسية بالجملة، واستشهدوا بالبيت المذكور. انظر شرح ابن عقيل (٢/ ١٩٥، ١٩٦).
(٣) في بعض نسخ العمدة: "أصحابي".
(٤) رواه البخاري (٨٥٥) في الأذان، ومسلم (٥٦٤) / (٧٣) في المساجد.
[ ٢ / ٢٤ ]
به "عن" الثّانية في محلّ رفع. و"قال: مَن أكَل" في محلّ نصب بـ "روى"، أي: "أنّه روى".
قوله: "من أكل ثومًا": و"مَن" هنا شرطية مبتدأ، وجوابها: "فليعتزلنا"، وخبر المبتدأ فعل الشرط، وقيل: جوابه (١). ولاماتُ الأمر كلها ساكنة بعد "الواو"، وقد جاء كسرها، وجاء تسكينها مع "ثم" (٢).
قوله: "وأُتي بقِدْر": يحتمل أن يكون الراوي أخبر عن النبي - ﷺ - في زمن غير الزمن الذي أتي فيه بالقدر ويحتمل أن يكون ذلك في وقت واحد وتكون الجملة في محلّ حال، أي قال: "وقد أُتي"، ولا يكون فيه ترتيب؛ لأنّ "الواو" لا ترتيب فيها (٣).
ويُروى: "بِبَدْر" (٤) يعني "بطبق" (٥)، وهو الصّواب عندهم (٦).
والفعلُ هنا مبني للمفعول، والمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير "النبي - ﷺ -".
قوله: "فيه خَضِرات": مبتدأ، ومسوغه [تقدّم] (٧) الخبر في المجرور (٨)،
_________________
(١) تكون "من" الشرطية مبتدأ، وخبره هو جملة الشرط وحدها أو جملة الجواب وحدها أو الجملتان معًا. انظر: الإنصاف في بيان مسائل الخلاف (١/ ٤٧) حاشية (١٠٧).
(٢) انظر: لسان العرب (١٢/ ٥٦١)، والصّحاح للجوهري (٥/ ٢٠٣٦)، والجنى الداني (ص/١١٢، ١١١).
(٣) انظر: لسان العرب (١٥/ ٤٨٧)، الصحاح (٦/ ٢٥٥٦).
(٤) صحيح: البخاري (٨٥٥).
(٥) سمى بدرًا لاستدارته كاستدارة القمر ليلة البدر. انظر: الفائق في غريب الحديث (١/ ٨٧).
(٦) انظر: صحيح البخاري (٨٥٥)، إحكام الأحكام (١/ ٣٠٣)، المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح (١/ ٤٢٢).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) تقدم بيان هذا في شرح الحديث السابق. انظر: مختصر مغني اللبيب (ص/ ١٤١)، والكافية (ص/١٥)، نتائج الفكر في النحو (ص/٣١٥).
[ ٢ / ٢٥ ]
والجملة في محلّ الصفة لـ "بدر"، وهو مسوّغ ثان.
و"خضرات": جمع "خَضِرة". و"الخضرة": "العشب [الناعم"] (١) (٢).
و"من بقول": متعلق بصفة لـ"خضرات".
قوله: "فوجد [لها] (٣) ريحًا": تقدّم الكلام على "وجد" في الحديث الثاني من "باب الاستطابة"، وهي هنا بمعنى "أصاب" (٤)، تتعدّى إلى واحد. و"لها" يتعلّق بصفة لـ"ريح"، تقدّم؛ فانتصب على الحال، ويحتمل أن يتعلّق بـ "وجد".
قوله: "فسأل": "الفاء" سَببية، أي: "بسبب ما وجد من الريح سأل"، وفاعل "سأل" ضمير "النبي - ﷺ -".
"فأُخبر بما فيها من البُقول": "أُخبر" مبني لما لم يُسمّ فاعله، و"أخبر" تقدّم الكلام عليها مع أخواتها (٥) في الخامس من "فضل الجماعة"، والمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير "النبي - ﷺ -"، وهو هنا يتعدّى إلى الثّالث بحرف الجر، وهو قوله: "بما فيها"، و"ما" هنا موصولة بمعنى "الذي"، و"فيها" يتعلّق بالصّلة، والعائد ضمير الاستقرار.
وضَمير "فيها" يعود على ["القِدْر"؛ لأنه] (٦) مؤنث بدليل تصغيره على "قُدَيْرة" (٧)، وهذا يُرجّح أنّ الرّواية "بقِدْر"، ولو كانت "ببَدْر" وهو "الطبق" لقال:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: لسان العرب (٤/ ٢٤٣).
(٣) بالنسخ: "بها".
(٤) انظر: شرح التصريح (١/ ٣٦٥).
(٥) انظر: شرح الأشموني (١/ ٣٨٢)، وشرح التسهيل لابن مالك (٢/ ١٠٠)، وأوضح المسالك (٢/ ٧٢).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: شرح المفصل (٣/ ٣٥٨)، واللمع في العربية (ص/٢١٧).
[ ٢ / ٢٦ ]
["فأُخبر بما فيه"] (١).
ويحتمل أن يعود الضّمير على "الخضرات"، أي: "أُخبر بما أُحضر (٢) فيها"، ويكون "في" مجازًا في الظرفية.
ويحتمل أن يعود على "ما"؛ فإنّ لفظها مُذكّر، ومعناها يؤنّث ويذكّر، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، فأَنَّث على معناها، وذَكَّر على لفظها (٣).
ويحتمل أن يعود الضّمير على "بقول"؛ لأنّه فسّر "الخضرات" بـ "بقول"، فهي تذكّر باعتبار الجمع، وتؤنّث باعتبار الجماعة.
قوله: "فقال: قرِّبوها": أي: "قال النبي - ﷺ -: قرِّبوها". وفي الكلام حذف، أي: "قال: قرّبوها إلى فُلان"؛ "فقربوها إلى بعض أصحابه"، فيتعلّق حرف الجر بـ "قربوها" الثّاني. ويحتمل أن يكون التقدير: "فأشار إلى بعض أصحابه"، أي: "قال قربوها إشارة وقولًا إلى فلان من أصحابه".
قوله: "فلما رآه كره أكلها": "لمَّا" تقدّم الكلام عليها في الرابع من "باب المذي"، وفي السّادس من "باب صفة الصّلاة"، وهي عند سيبويه حرف وجوب لوجُوب، أو وجود لوجُود، وعند الفارسي وموافقيه ظرف بمعنى "حين"، وعند ابن مالك بمعنى "إذ" (٤).
وفاعل "رآه" يعود على "النبي - ﷺ -"، وضمير المفعول يعود على الذي قُدِّم
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٧/ ٩٥)، الكشاف (٢/ ٧١).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص/ ٥٩٤)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص/٣٦٩)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٤٢).
[ ٢ / ٢٧ ]
إليه الطّعام، وضمير "كره" يعُود على "الرجُل"، وجملة "كره" في محلّ الحال من مفعول "كره"؛ لأنّ الرؤية بصرية (١)، وجوابُ "لما": "قال"، وضمير "قال" يعود على "النبي - ﷺ -"، وضمير "كُل" يعُود على "الرجل"، والجملة معمولة للقول.
قوله: "فإني أناجي مَن لا تُناجي": "إنَّ" واسمها وخبرها، الخبر في الجملة. و"مَن" يحتمل أن تكون موصولة، ويحتمل أن تكون موصوفة، أي: "شخصًا لا تناجيه".
الحديث التاسع:
[١١٧]: عَنْ جَابِرِ بنِ عبد اللهِ أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإنَّ الملائِكَةَ تَتَأذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإنْسَانُ".
وفي روايةٍ: "بني آدمَ" (٢).
قوله: "من أكل": "مَن" هي الشرطية، وقد تقدّمت قريبًا.
وجوابها: "فلا يقربن"، ومحلّها رفع بالابتداء، والخبر في فعلها، وقيل: في جوابها، وقد تقدّم الكلام عليها مستوفى في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب، وفي العاشر منه. و"لا" هنا ناهية، وقد تقدّم الكلام على أقسام "لا" في الثّاني من "باب الاستطابة،، وعلى مواضع النّون المؤكّدة في الحديث الخامس من أوّل الكتاب.
قوله: "يقربن": فعل مُضارع مُؤكّد بنون التأكيد الشديدة، وهي مختصّة بالنهي والأمر والاستفهام والتمني والعَرض والقَسَم (٣).
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ٦٦)، شرح التوضيح (١/ ٣٦٤).
(٢) رواه مسلم (٥٦٤) / (٧٤) في المساجد.
(٣) انظر: الجنى الداني (ص/ ١٤٣)، وعبارته تدل على الجواز، وليس على الاختصاص كما ذكر المصنف.
[ ٢ / ٢٨ ]
وأما قوله: "مسجدنا": ويروى: "مَسَاجِدَنا" (١)؛ فمفعول: "يقربنّ". والنهي عن القُرب أبلَغ من النهي عن نفس الشّيء، وإنما تعدّى هنا ولم يتعدّ في نحو: "قرُبت منك"؛ لأنّ هذا ضُمّن معنى "يغشى"، وهو من "فَعِل" بكسر "العين" في الماضي، وفتحها في المستقبل.
وأمّا "قرُب، يقرُب" بضم "العين": فمصدره ["قُرْبًا"] (٢) (٣) بمعنى "الدنوّ" الأوّل مصدره: "قِربانًا" (٤) بكسر "القاف"، مثل "غِشيانًا" (٥).
وعُدِّي الفعلُ بنفسه، لا بحرف الجر، كما عُدِّي "غشِيت" و"مسِسْت"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: أي ["ولا] (٦) تمسُّوهن" و"لا تغْشُوهن". (٧)
وقوله: "وفي رواية": حرفُ الجر يتعلّق بمحذوف، تقديره: "وجاء في رواية"، فيكون "بنو آدم" الفاعل [على الحكاية] (٨)، ومتى قدَّرت عامله "رُوي" فهو مفعول لم يُسمَّ فاعله.
و"من" هنا لبيان الجنس، و"ما" موصولة، [وصلتها: "يتأذى"] (٩)، و"من" الثانية سببية، كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، والضّمير في "منه"
_________________
(١) متفقٌ عليه: البخاري (٨٥٤)، ومسلم (٥٦١/ ٦٩).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: مقاييس اللغة (٥/ ٨٠).
(٤) انظر: لسان العرب (١/ ٦٦٥)، ومعجم اللغة العربية المعاصرة (٣/ ١٧٩٢).
(٥) انظر: العين (٤/ ٤٢٩)، ومقاييس اللغة (٤/ ٤٢٥).
(٦) غير واضحة بالأصل. وتظهر كـ"لا"، والمثبت من (ب).
(٧) انظر: تفسير القرطبي (٣/ ٨٦)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤٤٠).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٩) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٢٩ ]
يعود على "ما". و"الإنسان" [اسم جنس] (١).
قال ابنُ الحاجب: و"إنسان"، "فِعلان" من "الأنس"، وقيل: ["إفعان"] (٢) من "نسي"؛ لمجيء "أُنيسيان" (٣).
قلتُ: [تصغيره] (٤) على أنّ وزنه "فِعلان"، "أنيسان"، و"أنيسيان" شاذ، ولا يُقَاس عليه (٥).
قوله: "بنو آدم": اعلم أنّ "بنو" جمع "ابن"، [وهو] (٦) جمع تكسير، حمل على جمع المذكّر السالم في علامة إعرابه، فرَفْعُه بـ "الواو"، ونصبُه وجرُّه بـ "الياء"، ومثله: "حرون" جمع "حرة"، و"أرضون"، و"سنون" وبابه.
قال ابن هشام: وهذا الجمع مُطرّدٌ في كُلّ ثلاثي حُذفت لامه وعوض منها "هاء" التأنيث ولم تكسر، نحو: "عِضَة" و"عِضِين"، و"عِزَة" و"عِزِين"، و"ثُبَة" و"ثُبِين".
قال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢]، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧] (٧).
ولا يجوز ذلك في نحو "ثمَرَة"؛ لعَدَم الحذف، ولا في نحو "عِدَة" و"زِنَة"؛ لأن المحذوف "الفاء" (٨) ولا في نحو "اسم" و"أخت" و"بنت"؛ لأنه عُوِّض عن "الهاء"،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) في الأصل: "إفعال". والمثبت من الشافية في علمي التصريف والخط (ص/ ٨٢).
(٣) انظر: الشافية لابن الحاجب (ص/ ٨٢).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: الشافية لابن الحاجب (ص/ ٦٩)، وشرح المفصل (٣/ ٤٢٦)، وشذا العرف في فن الصرف (ص/١٠١، ١٠٢).
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "وله".
(٧) انظر: شرح قطر الندى (ص/٤٩، ٥٠).
(٨) انظر: شرح التصريف للثمانيني (ص/ ٣٧٧)، والكتاب (٤/ ٣٣٧).
[ ٢ / ٣٠ ]
ولا في نحو "شاه" و"شفة"؛ لأنهما كُسِّرا على نحو: "شِياه" (١) و"شِفاه" (٢)، وقد تقدّم شيء من ذلك.
باب التشهّد
الحديث الأوّل:
[١١٨]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - التَّشَهُّدَ - كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ. أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" (٣).
وَفِي لَفْظٍ: "إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ للهِ" وَذَكَرَهُ.
وَفِيهِ: "فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ".
وَفِيهِ: "فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ" (٤).
قوله: "علمني رسول الله - ﷺ -: جملة في محلّ مفعول القول، والتقدير: "أنه قال"؛ ليقوم مقام فاعل متعلّق حرف الجر.
و"علَّم" هنا يتعدّى لمفعولين، أحدهما الضّمير المتصل بالفعل، والثّاني "التشهد"، وقد يتعدّى إلى ثلاثة، كقولك: "علَّمت زيدًا عمرًا قاعدًا"، ودخلت
_________________
(١) انظر: شرح التصريف (ص/٤١٨)، والتعليقة على كتاب سيبويه (٣/ ٢٤١).
(٢) انظر: شرح التصريف (ص/٤٢٣)، وشرح التسهيل (١/ ٨٣).
(٣) رواه البخاري (٧٩٧) في الصلاة، ومسلم (٤٠٢) في الصلاة.
(٤) رواه البخاري (١٢٠٢) في العمل في الصلاة، و(٦٢٣٠) في الاستئذان، ومسلم (٤٠٢) في الصلاة.
[ ٢ / ٣١ ]
"نون" الوقاية في "علّمني"، وقد تقدّم الكلام على "نون" الوقاية في الحديث الأوّل من "الطمأنينة".
قوله: "كَفِّي بين كفَّيه": مبتدأ وخبر في محلّ حال من ضمير المفعول في "علمني"، وجاءت الحال جملة [اسمية] (١) بالضّمير وحده، ومثله: "كلمته فوه إلى فيّ"، وقد يأتي الحال بـ "الوا و" والضّمير، مثل: "جاء زيد وعليه عمامة"، ويجيء بـ "الواو" وحدها، نحو: "جاء زيد وعمرو قائم" (٢)، وقد تقدّم أقسام الحال في الثّالث من "المذي"، و"بين" في [الثّالث] (٣) من "السّواك".
قوله: "كما يعلِّمني السورة": "ما" ههنا مصدرية (٤)، و"الكاف" نعت لمصدر محذوف، أي: "يعلمني التشهد تعليمًا مثل ما يعلمني السورة".
واختار ابن مالك ومَن تبعه أن تكون "الكاف" حالًا من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، تقديره: ["يعلمني] (٥) التعليم مثل ما يعلمني".
وتقدّم الكلام على "كما" في الحديث الثّاني من "باب الجنابة".
قوله: "من القرآن": "من" للتبعيض، أو لبيان الجنس؛ لأنّ كُلّ "سورة" منه [قرآن] (٦).
ويتعلّق حرف الجر بحال من "السورة"، أي: "السورة كائنة [من القرآن] (٧).
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: حاشية الصبان (٢/ ٢٧٨)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٢٧٨).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص/ ٤٨٠ - ٤٨٣).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) بالأصل: "قرآنا". والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٢ ]
ويحتمل أن يتعلّق بـ"يعلمني"، والأوّل أحسن. ويحتمل أن يتعلّق بـ "السورة؛ لأنّ فيها معنى الفعل.
قال الزّمخشري في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]: يتعلّق حرف الجر بـ "سُورة"، قيل: لأنّ في السّورة معنى الطّائفة [من القُرآن] (١)، وأقلّ الطائفة منه ثلاث آيات.
واختلف في "واو" السّورة (٢)، قيل: أصل، مأخوذ من "سور البلد"؛ لأن "السّورة" محدودة محوزة. وقيل: "الواو" منقلبة عن "همزة"، من "السؤر" الذي هو "البقية من الشيء" (٣).
وعلى كِلا الوجْهين: يجوز أن يتعلّق حرفُ الجر به، سواء قدّرتها بـ "محوزة محدودة" أو بـ "بقية".
وقد يُعلَّق حرفُ الجر بما فيه رائحة الفعل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣]، فقالوا: "في السموات" يتعلّق بلفظ الجلالة؛ لأنه بمعنى "المعبود"، والاسم العَلَم إذا ضُمِّن معنى الفعل عمل في الظّرف والمجرور، كما قيل في قوله:
أنا أبو المنهال بعضَ الأحيان (٤)
فـ "بعضَ" منصوب بما تضمنه "أبو المنهال" أي: "أنا المشهور".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: لسان العرب (٤/ ٣٨٦).
(٣) انظر: الكشاف (١/ ٩٧).
(٤) البيت من الرجز، وهو لأبي المنهال. وتمام البيت: "ليس علي حسبي بضؤلان". انظر: لسان العرب (١٢/ ٩٣)، التمام في تفسير أشعار هذيل (مما أغفله أبو سعيد السكري)، (ص / ١٦٣)، المعجم المفصل (١٢/ ١٩٣).
[ ٢ / ٣٣ ]
قوله: "التحيات لله": "التحيات" مبتدأ، و"لله" الخبر، والجملة إلى آخرها محكيّة بدَلًا من "التشهد"، أعني: مفعول "علمني".
ويحتمل أن يكون مفعولًا بفعل مُقدّر على الحكاية يدلّ على ما قبله، أي: "علَّمنا التحيات لله إلى آخره"، أي: "هذا اللفظ". ويُقَدَّر: "قال" قبل: "التحيات لله"، فتكون الجملة إلى آخر الحديث معمولة للقول المقدَّر.
و"التحيات": جمع "تحية".
و"التحية" هنا: "البقاء"، فتكون "اللام" في "لله" للاختصاص. وقيل: المراد: " [كُلّ ما] (١) تُعظم به الملوك، لله"، فتكون "اللام" للاستحقاق. وقيل: المراد: "العظمة"؛ فتكون "اللام" للاختصاص أيضًا، أي: "العظمة الكاملة لله". وقيل: المراد: "السلام"، بمعنى أن "التحيات التي تعظم بها الملوك إذا سُلِّم عليهم"، فتكون "اللام" للاستحقاق كما تقدّم، أي: "التحيات مستحقة لله" (٢).
قال ابن قتيبة: وإنما جمعت "التحيات"؛ لأن واحدًا من ملوكهم كان له تحية يُحيَّا بها، فقال لنا: "قولوا: التحيات لله"، أي: "الألفاظ الدالة على الملك مستحقة لله". (٣)
قوله: "والصلوات": قيل: "المعهودات في الشرع"، فيقدَّر: "واجبة لله"، وإن أريد بها رحمته التي تفضل بها على عباده؛ فيقدر: "كائنة أو ثابتة لعباد الله"، فيقدَّر مُضاف محذوف.
قوله: "الطيبات لله": معنى "الطيبات": "الكلمات الطيبات كلها مستحقة لله"، فهذه الألفاظ كُلّها في نفسها مبتدأ وخبر.
_________________
(١) في الأصل: كلما.
(٢) انظر: لسان العرب (١٤/ ٢١٦، ٢١٧)، والصحاح (٦/ ٢٣٢٥).
(٣) انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ١٦٨).
[ ٢ / ٣٤ ]
قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته": "السلام" مبتدأ، و"عليك" في موضع خبره، وبه يتعلّق حرف الجر، وجاء في رواية: "سلام عليك أيها النبي". والأول أعمّ؛ لأنّ الألف واللام تقتضي الجنس، ويدخل فيه المعهود، وأمّا "سَلام" مع التنكير فينصرف لـ "سلام ما" قليلًا أو كثيرًا، ولو وَرَد منصوبًا صحّ بمعنى "سلمنا سلامًا".
و"السلام" هو اسم من أسماء الله تعالى، لا يجوز أن يسمى به أحد غيره.
ومعنى قوله: "السلام عليك": "السلامة عليك ولك"، وقيل: معناه "التسليم"، وقيل: معناه "التعوذ"، أي: "الله معك"، أي: "الله متوليك وكفيل بك"، وقيل: معناه "الانقياد لك" (١).
قال الشيخ تقيّ الدّين: وليس يخلو بعض هذا من ضَعف؛ لأنه لا يتعدّى "السّلام" لبعض هذه المعاني بكلمة "على" (٢). انتهى.
ويحتمل أن يكون "السلام عليك" مبتدأ خبره [محذوف] (٣)، أي: "السلام عليك موجود"، ويتعلّق حرف الجر بـ "السلام"؛ لأنّ فيه معنى الفعل. وأمّا "سلام [عليك" بالتنكير] (٤) فمسوّغ الابتداء به معنى "الدّعاء".
قوله: "أيُّها النبي": "أيُّها" مرفوعٌ على الاختصاص، [والاسم في] (٥) الاختصاص معمول لـ "أخُصُّ"، [واختير] (٦) الحذف إلّا في باب "أيها" و"أيتها"، فإنه
_________________
(١) انظر هذه الأقوال وتوجيهها في: إحكام الأحكام (١/ ٣٠٧).
(٢) إحكام الأحكام (١/ ٣٠٧).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ولا خير".
[ ٢ / ٣٥ ]
يُستعمل في النّداء على [ما هو] (١) عليه؛ فيضمان، ويوصَفان لزومًا باسم لازم الرّفع محكي بالألِف واللام، كما تراه هنا، [ونحو: "أنا أفعل] (٢) كذا أيها الرجل"، و"اللهم اغفر لنا أيتها العصابة". (٣)
وأما إن كان المخصوص غير "أي" و"أيَّه"؛ فإنه ينصب، نحو قوله: "نحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ" (٤)، قاله ابن هشام. (٥)
فتحصّل من هذا أن "أيّ" و"أيّه" مضمومة اللفظ في باب الاختصاص، منصوبة المحلّ بـ "أخصّ" المقدّر.
قوله: "ورحمة الله وبركاته": معطُوفان على "السّلام".
و"رحمت" كتب في القرآن بـ "التاء" في: البقرة ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٨]، وفي الأعراف ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [الأعراف ٥٦]، وفي هود ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ﴾ [هود ٧٣]، وفي مريم ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢]، وفي الزخرف ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [الزخرف ٣٢]، وفي الروم: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ (٦) [الروم ٥٠] (٧).
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من المصادر.
(٣) انظر: الكتاب (٢/ ٢٣٢)، أوضح المسالك (٤/ ٦٧)، شرح المفصل (١/ ٣٦٩)، شرح الأشموني (٢/ ٨٣).
(٤) متفق عليه: البخاري (٣٠٩٣)، ومسلم (١٧٥٨/ ٥١)، من حديث عائشة.
(٥) انظر: أوضح المسالك (٤/ ٦٨).
(٦) في الأصل: "انظر".
(٧) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٣٩٥)، غيث النفع في القراءات السبع للنوري الصفاقسي (ص ١٠٩، ١١٠)، منظومة المقدمة فيما يجب على القارئ أن يعلمه (الجزرية)، (ص ٢١).
[ ٢ / ٣٦ ]
وهذا جاء على [لغة] (١) مَن يقف بـ "التاء"، أو باعتبار الوصل.
ويحتمل قوله (٢): "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" الخبرَ والدّعاءَ.
قوله: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين": إنما أعاد حرف الجر ليصح العطف على الضمير المجرور (٣).
و"عباد": جمع "عبد"، ويجمع على "عبيد"، وعلى "أعبد" و"عبدان" بضم العين وكسرها، و"عباديد"، وله جموع أُخَر. (٤)
و"الصالحين": نعت لـ "عباد".
قال ابن عطية: طريق ما وقع في القرآن من "عباد" يكون محلّ شرف ورفعة، إلا أن يقترن به قرينة. وما وقع على "عبيد" يكون محلّ ضِعة وحَط منزلة إلا أن يقترن به قرينة (٥).
هذا معنى كلامه، وهو صحيحٌ، وانظر هنا جاء "على عباد" لهذا المعنى، ولذلك وصفهم بـ "الصالحين".
قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله": جملة "أن لا إله" في محل نصب أو جر على تقدير "الباء"، و"أنْ" [هنا المخفّفة] (٦) من الثقيلة، واسمها ضمير منصوب محذوف،
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) كتب بعدها في الأصل: "عليه"، ثم وضع فوقها علامة الحذف والإسقاط.
(٣) منع جمهور النحاة العطف على الضمير المجرور، من غير إعادة الجار، وأجازه ابن مالك. انظر: شرح الأشموني (١/ ٤٩٩)، وجامع الدروس العربية (٣/ ٧٦)، الاقتراح في أصول النحو وجدله (ص/ ٦٩).
(٤) انظر: القاموس المحيط (١/ ٢٩٦)، تهذيب اللغة (٢/ ١٤٠).
(٥) انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ٤٧١)، (٤/ ٥٤).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٧ ]
والجملة بعدها خبرها، والتقدير: "أشهد [أنه] (١) لا إله إلا الله"، وقد تقدّم الكلام على "أنْ" المخففة في الثّاني من "باب الصّفوف"، فانظره هنالك. وتقدّم الكلام على إعراب "لا إله إلا الله" في الحديث الأوّل من "باب التيمم".
قوله: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله": معطوفٌ على ما قبله.
و"رسول": "فعول" بمعنى "مرسل"، و"فعول" بمعنى "مُفْعَل" قليل (٢).
قال القاضي أبو محمد بن عطيّة: العَرَب تجري "رسول" مجرى المصدر، فتصف به الجمع والواحد والمؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) الشعراء ١٦] (٤).
قوله: "وفي لفظ": أي: "وجاء في لفظ"، [و"روي] (٥) في لفظ"، فيتعلق حرف الجر بالمحذوف، ويكون "إذا قعد أحدكم في الصّلاة" إمّا فاعل بـ "جاء"، أو مفعول لم يُسمّ فاعله بـ "رُوي" المقدّر بـ "أن".
قوله: "قعد": من "القعود"، ضد "القيام"، وفيه محذوف، أي: "قعد للتشهد في [الصلاة"] (٦).
وليست "قعد" هذه التي بمعنى "صار" في قولهم: "شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة"، فإنّ تلك [تعمل عمل] (٧)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: لسان العرب لابن منظور (١٢/ ٤٣٨)، وتاج العروس (٣٣/ ١٧٣)، المحكم والمحيط الأعظم (٥/ ٣٩٨).
(٣) في الأصل ذكر قوله تعالى: ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم ١٩] وأثبتنا آية سورة الشعراء من تفسير ابن عطية. والله أعلم.
(٤) انظر: تفسير ابن عطية (٤/ ٢٢٧).
(٥) كذا بالنسخ، ولعل الصواب: "أو: روي".
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٣٨ ]
"صار" (١)، وجعل منها الزمخشري: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء ٢٢].
قال أبو حيّان: وجَعْلُ "قعد" بمعنى "صار" [عند] (٢) الأصحاب مقصور على المثال المذكور. وذهب الفرّاء إلى اطراده بمعنى "صار"، ومنه قول الراجز:
لا يقنع الجارية الخضابُ ولا الوشاحان ولا الجلبابُ
من دون أن تلتقي الأركابُ وتلتقي الأسباب والأسبابُ
ويقعد الأيرُ له لُعَاب (٣)
قلت: وأمّا "قعد" في الحديث فلا يصحّ منها معنى "صار" إلّا على تمحُّل بعيد.
قوله: "في الصّلاة": يريد "قعودًا خاضًّا"، وتقدّم الكلام على "أحدكم"، و"إذا" وفعلها وجوابها في ثاني حديث من الأوّل. و"في الصّلاة" يتعلّق بفعل، ويحتمل أن يتعلّق بحال، أي: "متشهدًا في الصّلاة".
قوله: "فليقل": جواب "إذا"، وجملة"التحيات" هنا معمولة للقول.
قوله: "فإنكم إذا فعلتم": خبر "انَّ": "إذا" وفعلها، وجوابها "فقد سلَّمتم".
وعلى كلٍّ: "عبد" يتعلّق بـ "سلَّمتم"، والتقدير: "فإنكم مسلِّمون على كل عبد إذا فعلتم ذلك". وتقدّم الكلام على "كُلّ" في أوّل حديث من أول الكتاب، والثّاني من "صفة الصّلاة".
_________________
(١) انظر: لسان العرب لابن منظور (٣/ ٣٦٣)، وتاج العروس (٩/ ٥٨)، والقاموس المحيط (١/ ٣١١).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) الأبيات من الرجز، وهي بلا نسبة في لسان العرب (٣/ ٣٦٣). والأركاب: جمع "رَكَب" بفتحتين، وهو ظاهر الفرج أو العانة أو منبتها، و"يقعد" معناها هنا يصير، أي يصير "الأير" وهو "الذكر" ذا لعاب. انظر: زهر الأكم في الأمثال والحكم (١/ ٢٨٨).
[ ٢ / ٣٩ ]
قوله: "لله": يتعلّق بصفة لـ "عبد"، و"صالح" صفة أخرى. وقدّم الصفة المقدّرة على الظاهرة، وقد تقدّم أنَّ ابن عصفور منعه (١).
قوله: "في السماء والأرض": يتعلّق بـ "صالح" أو بصفة لـ "عبد".
قوله: "وفيه": يعني: "وفي اللفظ المتقدّم".
"فليتخير [من] (٢) المسألة": تقدّم الكلام على "لام" الأمر في السّادس من "الإمامة"، و"من المسألة" يتعلّق بـ "يتخير". و"من" للتبعيض.
و"ما شاء" في محلّ مفعول للخبر، و"شاء" فعل ماض في محلّ الصّلة، وفاعله ضمير يعُود على "المصلِّي". وهنا ضمير محذُوف يعود على "ما"، أي: "ما شاءه"، ويجوز أن يكون نكرة موصُوفة، أي: "فليتخير من المسألة دعاءً شاءه". وتقدّم الكلام على "شاء"، والكلام على حذف مفعوله، وأنه تكاثر معه ومع "أراد" حتى صاروا لا يكادُون يبرزون، في السّادس من"باب الإمامة".
الحديث الثاني:
[١١٩]: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، قَدْ عَلَّمَنَا اللهُ كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهم بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". (٣)
قوله: "لقيني": جملة في محلّ مفعول القول.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٩)، واللباب في علوم الكتاب (٧/ ٣٩١)، (١٤/ ٤٦٢)، وشرح ابن عقيل (١/ ٤٥٤) وما بعدها.
(٢) سقط من النسخ.
(٣) رواه البخاري (٦٣٥٧) في الدعوات، ومسلم (٤٠٦) في الصلاة.
[ ٢ / ٤٠ ]
وقوله: "فقال": معطوف على "لقيني".
وقوله: "ألا": حرف عرض وتحضيض.
والفرقُ بين العرض والتحضيض: أنّ العرض معه لِين، بخلاف التحضيض فإنه بِحَثٍّ (١).
و"ألا" لها أقسام خمسة (٢): -
الأُولى: للتنبيه، وتدخُل على الجملتين نحو ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة ١٣]، ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ [هود ٨]. ويُقال لها: استفتاح وتنبيه.
الثاني: التوبيخ والإنكار، كقوله:
أَلا طِعَانَ أَلا فرْسَانَ عَادِيةٍ (٣)
الثالث: التمني، كقوله:
ألا عُمْر ولَّى مُستطاعٌ رجوعه (٤)
الرابع: الاستفهام عن النفي، كقوله:
ألا اصطبار لسلمى أم لنا جلد (٥)
_________________
(١) يعني أنه طلب فيه حَثٌّ.
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ١٩٥ - ١٩٧).
(٣) صدر بيت من البسيط، وهو لحسان بن ثابت - ﵁ -، وعجزه: "إلّا تجشّؤكم حول التنانير". انظر: خزانة الأدب للبغدادي (١/ ٦٤)، الكتاب (٢/ ٣٠٦).
(٤) صدر بيت من الطويل، وعجزه: "فيرأب مَا أثأت يَد الغفلات". وهو بلا نسبة في خزانة الأدب للبغدادي (٤/ ٧٠)، وشرح التسهيل (٢/ ٧١).
(٥) صدر بيت من البسيط، وعجزه: "إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي"، ونسب هذا البيت لمجنون بني عامر قيس بن الملوح، ويروى في صدره: "ألا اصطبار لليلى أم لها جلد" =
[ ٢ / ٤١ ]
الخامس: العرض والتحضيض، ومعناهما: طلب الشيء.
وتختص "ألا" هذه بالفعل، نحو: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور ٢٢]، ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التوبة].
واعلم أنّ حروف التنبيه ثلاثة: "ها" و"ألا" و"أمَا".
فـ "ها" أعمُّ لدخولها على المفرد والجملة، فإنهما لا تدخلان إلا على الجملة.
والفرق بين "ألَا" و"أمَا": أنَّ "أمَا" للحال والاستقبال.
وتحذف ألِف "أمَا" نحو: "أَمَ والله لأفعلنَّ"؛ لكثرة الاستعمال، وقد فتحوا "أنَّ" بعدها فقالوا: "أما أنك قائم؟ "، بمنزلة قولك: "أحَقّ أنك قائم؟ "، فـ "أنَّ" وما بعدها في محلّ مبتدأ، وما قبلها مُقدَّر بالظرف، وهو خبرها، كذا قرّره النيلي ﵀ وغيره (١). وتقدّم الكلام على باقي الحديث.
فقوله هنا: "ألا أهدي لك هدية؟ " عرض، و"أن النبي - ﷺ - لما التقدير: "هي أن النبي - ﷺ -"؛ فتفتح "أنَّ" لأنها معمُوله (٢). ويحتمل أن تكون مكسورة على الاستئناف. ويحتمل أن تكون بدَلًا من "هَدّية"، أي: "ألا أهدي لك أن النبي"، فتكون مفتوحة.
و"هدية": اسم مصدر، والمصدر: "إهداء"؛ لأنّه من "أهدى". و"المِهدى" بكسر "الميم": ما يهدى فيه، كالطبق ونحوه، ولا يُسمّى "مِهدى" إلّا وفيه ما يُهدَى. و"المهداء" بالمد: "الرجل الذي عادته الهدية" (٣).
_________________
(١) = انظر: المعجم المفصل (٦/ ٣٨٠)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٢).
(٢) انظر المسألة في: الكتاب (٣/ ١٣٧)، والأصول في النحو (١/ ٢٧٤).
(٣) انظر: الجنى الداني (ع/ ٤٠٧، ٤٠٨)
(٤) انظر: لسان العرب لابن منظور (١٥/ ٣٥٨)، وتاج العروس (٤٠/ ٢٨٨)، =
[ ٢ / ٤٢ ]
قوله: "فقلنا": معطوفٌ على "خرج"، وجملة "يا رسول الله" معمولة للقول.
وتقدّم الكلام على لفظ "ما" في السّابع من "الإمامة".
قوله: "قد عَلِمْنا": من تمام المفعول، و"عَلِم" بمعنى "عرف"، يتعدّى لمفعول واحد (١).
و"كيف": سؤال عن [حال] (٢)، وتقدّم الكلام على "كيف" في العاشر من "صفة الصّلاة"، وفي الرّابع من "كتاب الصّلاة". وهي عند سيبويه [ظرفية] (٣) في كل أحوالها، وعند غيره تجري فيها وجوه الإعراب (٤).
ولا يجوز أن تكون "كيف" مفعول "علم"؛ لأنّ "كيف" لا تأتي إلا اسم استفهام أو اسم شرط، وكلاهما لا يعمل فيه ما قبله، إلّا ما روي شاذًا: "انظر إلى كيف تصنع"، وقولهم: "على كيف تبيع الأحمَرَين؟ " (٥).
وأمَّا "كيف" هنا فكما تقدّم سؤالٌ عن حال، في موضع نصب بـ "نسلِّم"، و"كيف" الثانية في موضع نَصب بـ "نُصلي عليك"، وهي هنا على حدّها في قوله تعالى: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم ٤٥].
و"كيف" وما بعده في محلّ مفعول "علِم".
_________________
(١) = والصحاح (٦/ ٢٥٣٤).
(٢) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٢/ ٤٣)، وشرح شذور الذهب (١/ ٤٧٠)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٥٢).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) سقط بالأصل. والمثبت بالرجوع إلى مذهب سيبويه وغيره كما نقله المصنف في إعرابه للحديث العاشر من صفة الصّلاة. وانظر: شرح المفصل (٣/ ١٣٩ - ١٤٢).
(٥) انظر: شرح المفصل (٣/ ١٣٩ - ١٤٢).
(٦) انظر: التبيين عن مذاهب النحويين (ص/ ١٣٠)، وشرح المفصل لابن يعيش (٣/ ١٣٩ - ١٤٢).
[ ٢ / ٤٣ ]
ويحتمل أن تكون "كيف" مفعولًا مطلقًا، أيْ: "قد علِمنا أيَّ سلام نسلِّم عليك، فعلِّمنا أيَّ صَلاة نُصلي عليك". وعلى هذا يكون "علِم" [معلقة] (١) عن العَمل.
قوله: " [قال] (٢) ": ما بعد "قال" معمول له، وما بعد "قولوا" معمول له.
قوله: "اللهم صلِّ": تقدّم الكلام على "اللهم" في الحديث الأوّل من "الاستطابة".
قوله: "كما صلّيت": تقدّم الكلام على "الكاف" من "كما" في الحديث الثاني من "باب الجنابة". و"على محمّد": يتعلّق بـ " [صلِّ] (٣) "، و"على آل محمّد" معطوفٌ على ["محمد"] (٤).
و"آل" قيل: بمعنى "أهل"، وألِفه بدَل من "هاء"، وتصغيره: "أهيل". وقال بعضهم: ألِفه بدَل من "همزة" ساكنة، و"الهمزة" بدَل من "الهاء".
وقيل: ليس بمعنى "أهل"؛ لأنّ "الأهل": "القرابة"، و"آل" من "آل"، "يؤول" إليك [في قرابة] (٥) أو رأي أو مذْهَب. فأصلُه: "أوْل"، فانقلبت واوه ألِفًا، ومن ثَمّ قَال يونس في تصغيره: "أُوَيْل" (٦)، حكاه الكسائي عن العرب (٧).
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) بالنسخ: "فقال".
(٣) بالنسخ: بـ "صلِّي".
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل.
(٦) انظر: شرح التصريف للثمانيني (ص/ ٣٣٩)، وشمس العلوم (١/ ٦٥)، والمخصص (١/ ٣١٥).
(٧) انظر: فتح المتعال (ص / ١٧٧)، ولسان العرب لابن منظور (١١/ ٣٨)، وتهذيب اللغة (١٥/ ٣١٥).
[ ٢ / ٤٤ ]
وقد خصُّوا "آل" بالإضافة إلى ذوي الخطر ممن يُعلم، فلا يُقال: "آل" الإسكاف" و"الحجام" (١)، قالوا:
نحنُ آلُ اللهِ في بلدتِنا لم نَزَلْ آلا على عهدِ إِرَم (٢)
ونحوه للأخفش.
قال: لا يُضاف "آل" إلا إلى الرئيس الأعظم.
واعتُرض بأنه سُمع: "آل المدينة" و"آل البصرة".
ومنع الكسائي ذلك، فقال: لا يُقال: "فلان من آل البصرة"، بل: "من أهل" (٣).
وقد سُمعت إضافتُه إلى اسم الجنس وإلى الضّمير. واختلف [في قياس] (٤) إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي وأبو جعفر النحاس والزبيدي، وأجازه غيرهم (٥).
ويُجمع بـ "الياء" و"النون" نصبًا وجرًّا، وبـ "الواو" و"النون" رفعًا، كما جُمع "أهل"، فيقال: "آلون" (٦).
قال مكي: فأمَّا "الأَوْل" بمعنى "السّراب": فجمعه: "أَاْوَال"، على
_________________
(١) انظر: تاج العروس (٢٨/ ٣٧)، والقاموس المحيط (١/ ٩٦٣).
(٢) البيت من الرمل، ونسب إلى عبد المطلب بن هاشم جد النبي - ﷺ -. انظر: المعجم المفصل (٧/ ١٨)، ونهاية الأرب في فنون الأدب (١٦/ ١١٤).
(٣) انظر: شمس العلوم (١/ ٣٧٧، ٣٧٨)، والكليات للكفوي (ص / ١٧١، ١٧٢)، تفسير القرطبي (١/ ٣٨٢، ٣٨٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: شرح الأشموني (١/ ١٨)، تفسير القرطبي (١/ ٣٨٢، ٣٨٣).
(٦) انظر: تفسير القرطبي (١/ ٣٨٢، ٣٨٣)
[ ٢ / ٤٥ ]
"أفعال" (١).
إذا ثبت ذلك: فمعاني توجيه التشبيه في هذا الحديث بين نبينا - ﷺ - وإبراهيم ﵇ تنيف على العشرين قولًا، وأحسنها: أن يكون التشبيه راجعًا إلى أصل الصّلاة بأصل الصّلاة، لا إلى القَدْر بالقَدْر (٢)، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣]، وضعّفه الشيخ تقيّ الدّين (٣)، والمعنى عليه قوي.
قوله: "إنك حميد مجيد": كُسرت "إنّ" لأنها في ابتداء الكلام (٤)، ولو فتحت جاز بمعنى: "لأنّك حميد" (٥).
و"حميد" بمعنى: "محمود" (٦)، و"مجيد" بمعنى: "ماجد"، وصُرّفا لِبِناء المبالغة (٧).
قال الشّيخ تقيّ الدّين: كأنّ ذلك للتعليل لاستحقاق الحمد بجميع المحامد. ويحتمل أن يكُون "حميد" مبالغة من "حامد"؛ فيكون ذلك كالتعليل للصّلاة
_________________
(١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي (١/ ٢٥٩)، وتفسير القرطبي (١/ ٣٨٣)، وشمس العلوم (١/ ٣٧٧).
(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ١٦١)، شرح أبي داود للعيني (٤/ ٢٥٩)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٧٠).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٠٩).
(٤) انظر: ضياء السالك (١/ ٣٠١).
(٥) انظر: ضياء السالك (١/ ٣٠٨).
(٦) انظر: تاج العروس (٨/ ٣٩)، لسان العرب (٣/ ١٥٦)، تحرير ألفاظ التنبيه للنووي (ص/٧٢).
(٧) انظر: لسان العرب (٣/ ٣٩٥)، تاج العروس (٩/ ١٥٣)، تحرير ألفاظ التنبيه للنووي (ص/ ٧٢)، شذا العرف في فن الصرف (ص/ ٦٢)، همع الهوامع (٣/ ٧٤).
[ ٢ / ٤٦ ]
المطلوبة، فإنّ "الحمد" و"الشّكر" يتقاربان، فـ "حميد" قريب من معنى "شكُور"، وذلك مُناسبٌ لزيادة الإفضال والإعطاء لما يُراد من الأمور العظام، وكذلك المجد والشّرف مناسبته لهذا المعنى ظاهرة. و"البَرَكة": "الزيادة والنماء من الخير" (١).
قوله: "اللهم بارك على محمد": قال في "الصّحاح": يُقال: "بارك الله لك وفيك وعليك"، و"باركك"، وقال تعالى: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل ٨]، و﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف ٥٤]، و"بارك" مثل "قاتل وتَقاتَل"، إلا أنّ "فاعل" يتعدّى، و"تفاعل" لا يتعدّى (٢).
قال أبو حيان: "تبارك" تفاعل، مُطاوِعُ "بارك"، لا يتصرّف؛ فلا يجيء منه مُضارع، ولا اسم فاعل، ولا مصْدَر، ولا يُستعمَل في غيره تعالى (٣).
وقد تقدّم أنّ "إبرا هيم" اسم أعجمي لا ينصرف، فعلامة الجر فيه الفتحة للعَلَمية والعجمة. وفيه لُغات ستّ: "إبراهيم"، "إبراهام"، "إبراهوم"، "إبراهيم" بضم "الهاء" وفتحها وكسرها من غير "ياء". وجمعُه: "براهم" و"أباره" (٤)، ويُجمع بـ "الواو والنون"؛ لتوفر الشروط فيه (٥).
وقيل: معناه "أب رحيم" (٦).
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٠٨)، لسان العرب (١٠/ ٣٩٥)، تاج العروس (٢٧/ ٥٧)، القاموس المحيط (ص/ ٩٣٢).
(٢) انظر: الصحاح (٤/ ١٥٧٥).
(٣) انظر: البحر المحيط (٨/ ٧٩).
(٤) انظر: المطلع على ألفاظ المقنع (ص/١٠٣، ٥١٧).
(٥) انظر: توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٤٣٧)، تفسير القرطبي (٢/ ١٤١)، البحر المحيط (١/ ٦٣٤).
(٦) انظر: المطلع للبعلي (ص/١٠٣).
[ ٢ / ٤٧ ]
الحديث الثالث:
[١٢٠]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْعُو: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر، وَمن عَذَابِ النَّار، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَات، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" (١).
وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: "إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ" ثم ذكر نحوه (٢).
جملة "كان" في محلّ مفعول القول، وجملة "يدعو" خبر "كان". والكلام على "كان" تقدّم في أوّل حديثٍ من الكتاب. وكذلك مُتعلّق "عن".
قوله: "اللهم": معمول لقولٍ مُقدّر، أي: "يقول: اللهم". أو يكون التقدير: "يدعُو باللهم"، ثم حُذف حرفُ الجر، وعُدِّي الفعلُ إليه، فمحلّه نصبٌ على السّعة. أوْ يُضمَّن "يدعُو" معنى "يقول"؛ لأنّ الدعاء قَول، فيكون مفعولًا به.
والكلام على "اللهم" تقدّم في الحديث الأوّل من "الاستطابة".
و"إني أعوذ": "إن" واسمها وخبرها. و"أعوذ" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الاستطابة" أيضًا.
و"الباء" في "بك" للإلصاق، وتتعلّق بـ "أعوذ".
قال فخر الدّين الرازي: جاء "الحمد"، و"لله الحمد"، وتقدُّم المعمول يفيد الحصر عند طائفة، فما الحكمَة في أنّه جاء "أعوذ بالله" ولم يأت "بالله أعوذ"؟ وأجيب بوجُوه تقدّمت في الأوّل من "باب الاستطابة".
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٧٧) في الجنائز، ومسلم (٥٨٨) (١٣١) في المساجد.
(٢) رواه مسلم (٥٨٨) / (١٢٨).
[ ٢ / ٤٨ ]
قوله: "من عذاب": "العذاب": "اسم للعقوبة"، والمصدر: "التعذيب"، فهو مضاف إلى الفاعل على طريق المجاز، وكذلك "من عذاب النار"، وكذلك "من فتنة المحيا".
"الفتنة": "اسم للامتحان، والاختبار".
و"القبر": واحد "القبور"، و"المقبُرة" بضم "الباء" وفتحها (١) [وكسرها] (٢) (٣)، لُغات. وجاء "المقبر" في قوله:
لكل قوم مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد (٤)
و"قبرت الميت"، أقبره" بضم "الباء" وكسرها "قبرًا". و"أقبرته": "أمرت بأن يُقبَر".
وقال ابن السّكيت: ""أقبرته": "صيرت له قبرًا"، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] (٥) " أي: "أكرمه بالقبر ولم يجعله ملقى للكلاب" (٦).
و"الدجّال": بدَل من "المسيح"، أو نعتٌ للمسيح، أو عطف بيان.
و"المحيا" و"الممات" مصدران مجروران بالإضافة، على وزن "مَفعل"، ويصلحان للزّمان والمكَان والمصدَر (٧).
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٧٨٤).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: تحرير ألفاظ التنبيه (ص/٥٨)، تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٧٨).
(٤) البيت من الطويل، وهو لعبد الله بن ثعلبة الحنفيّ، ويروى بلفظ: لكل أناس البيت. انظر: شرح ديوان الحماسة للأصفهاني (ص/ ٦٢٩)، والتذكرة الحمدونية (١/ ٢٠٨)، والمعجم المفصل (٢/ ٣٠٥).
(٥) انظر: إصلاح المنطق (ص/ ١٧٢)
(٦) انظر: تفسير القرطبي (١٩/ ٢١٩)، والبحر المحيط (١٠/ ٤٠٩).
(٧) انظر: لسان العرب (١٤/ ٢١٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٧١).
[ ٢ / ٤٩ ]
قوله: "وفي لفظ لمسلم": يتعلّق "في لفظ" بفعل مُقدّر، أي: "وجاء في لفظ"، و"لمسلم" يتعلّق بـ "لفظ"؛ لأنّه مصدر، ويحتمل أن يتعلّق بصفة.
وجملة "إذا تشهّد أحدكم" الفاعل لـ "جاء" على الحكاية.
قوله: "فليستعذ": "الفاء" جواب الشرط، و"اللام" لام الأمر، و"بالله" يتعلّق بـ "يستعذ". وتقدّم في ثاني حديث من الأوّل الكلام على "إذا" وفعلها وجوابها والعامل فيها، وعلى "أحدكم"، والكلام على "لام" الأمر في الرّابع من أوّل الكتاب.
و"من أربع" يتعلّق بـ "يستعذ" أيضًا. و"أربع" على وزن "أفعل"، إلا أنه منصرف؛ لأنه ليس صفة في الأصل (١).
قوله: "يقول: اللهم": جملة "يقول" يحتمل أن تكون حالًا، أي: "فليستعذ [قائلًا"] (٢)، ويحتمل أن تكون بَدَلًا (٣) من "يستعذ"؛ فتجزم، كما جزم في قوله:
متى تأتنا تلمم بنا (٤)
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩]، والتقدير: "إذا تشهد أحدكم فليقل: اللهم"، فإن لم يُرو مجزوما فهو حال كما [تقدّم] (٥)، أو مُستأنف.
و"جهنم": لا ينصرف؛ للعَلَمية والتأنيث المعنوي، وشرط التأنيث المعنوي [زيادة] (٦) على ثلاثة أحرف أو تحرك الوسط، وقد زَاد هنا.
_________________
(١) انظر: الكافية (ص/ ١٢)، وحاشية الصبان (٣/ ٣٤٧).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: خزانة الأدب (٥/ ٢٠٤).
(٤) مطلع بيت من الطويل، وهو لعبد الله بن الحر، وباقيه: "في ديارنا تجد حطبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجَا". انظر: خزانة الأدب (٥/ ٢٠٤)، والمعجم المفصل (٢/ ٥).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٥٠ ]
قال صاحب "الصّحاح": هو مُلحقٌ بالخماسي. وقيل: هو فارسي، أصله: "جِهنام" بكسر "الجيم" و"الهاء"، في قولهم: "ركية جهنام"، أي: "بعيدة" (١).
قلت: فيمتنع، والعُجمة (٢).
الحديث الرابع:
[١٢١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي. قَالَ: "قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (٣).
قوله: "عن عبد الله": أي: "روي عن عبد الله"، و"ابن عمرو" نعت لـ "عبد الله"، و"ابن العاص" نعت لـ "عمرو".
"عن أبي بكر" يتعلّق بمُقدّر، أي: "أنه روي عن أبي بكر"، أو يكُون بدلًا عن "عبد الله"، فإن جعلته بدَلًا كان محلّ "أنه قال لرسول الله - ﷺ -" رفعًا مفعولًا لم يُسمّ فاعله؛ لأنّ البدَل يحلّ محلّ المبدَل [عنه] (٤).
وإن قدّرت "أنه روي" كان جملة "أنه قال" مفعول به لـ "روي".
و"لرسول الله - ﷺ -" يتعلّق بـ "قال". ومفعول "قال": جملة "علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي". و"علمني دعاء": جملة من فعل وفاعل [ومفعولين] (٥)، الفاعل ضمير
_________________
(١) انظر: الصحاح (٥/ ١٨٩٢).
(٢) اخلف النحاة في سبب منع كلمة "جهنم" من الصّرف، وذهب المصنف إلى رأي أبي حيان على أنّ سبب منعها من الصرف هو العلمية والتأنيث. انظر: البحر المحيط (٢/ ٣١٧)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٥٩)، والمجموع المغيث (١/ ٣٨٢).
(٣) رواه البخاري (٨٣٤) في الأذان، ومسلم (٢٧٠٥) في الذكر والدعاء.
(٤) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "منه"، والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. وتظهر كأنها: "ومفعول من"، والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٥١ ]
مستتر. و"علِّم" هذا يتعدّى لمفعولين، المفعول الثاني: "دعاءً" والمعنى: "حفِّظْني".
ولو قال الشّيخ: "عن أبي بكر"، ولم يذكر عبد الله بن عمرو، كما جرت به عادته في الاقتصار على الرّاوي [الأخير] (١) لكَفَاه ذلك، كما عمل في الحديث الأوّل من الكتاب عن عُمر - ﵁ - ولم يذكُر علقمة الرّاوي عنه.
قوله: "أدعو به": جملة في محلّ صفة لـ "دعاء"، والعائد: "به"، والضّمير يعود على "دعاء"، و"في صلاتي" يتعلّق بـ "أدعو"، ولا يتعلّق بـ "علمني"؛ لفسَاد المعنى، ولا بصفة لها لفسَاده أيضًا.
[قوله] (٢): "قال: قل": فاعل "قال" ضمير يعود على "النبي - ﷺ -"، و"قل" معمُول للقول، و"اللهم" معمول للقول الثاني، وتقدّم الكلام على لفظ "اللهم" في الحديث الأوّل من "باب الاستطابة".
و"إني": "إنَّ" واسمها وخبرها، وجملة "ظلمت نفسي"، و"ظلمًا" مصدر، و"كثيرًا" نعتٌ له، وبه حصلت الفائدة، لا بالمنعوت.
قوله: "ولا يغفر الذّنوب إلا أنت": لما كان المعنى في غير النبي - ﷺ -: "ظلمت نفسي باكتساب الذّنوب"، جاء: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت" توطئة لقوله: "فاغفر لي"، فـ "الفاء" فاء السببية.
و"اغفر" لفظه لفظ الأمْر، ومعناها الدّعاء. و"إلا" إيجاب للنفي، [و"أنت"] (٣) فاعل "يغفر". والاستثناء مُفرغ (٤).
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) بياض بالأصل بقدر كلمة.
(٣) بالأصل: "وأ".
(٤) الاستثناء المفرغ هو الذي لم يُذكر فيه المستثنى منه، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران ١٤٤]، ولا عمل لـ"إلا" فيه. انظر: أوضح المسالك (٢/ ٢٢٢).
[ ٢ / ٥٢ ]
ولـ "إلّا" مواضع ستة: -
١ - تكون استثناء، كقولك: "قام القوم إلا زيدًا"، و"مررت بالقوم إلا زيدًا، فتنصب ما بعد "إلا" على الاستثناء (١).
٢ - وتكون نعتًا بمعنى "غير" (٢)؛ فيجري ما بعدها على ما قبلها، كما تجري "غير" إذا أردْت بها النعت (٣)، فتقول: "قام القوم إلا زيد"، و"مررت بالقوم إلا زيد"، فترفع وتخفض [ما] (٤) بعد "إلا" في الموجب؛ لأنها نعت بمعنى "غير"، كما تقول: "قام القوم غير زيد"، فترفع "غير" بعد [الموجب] (٥) إذا أردت به النّعت لا الاستئناف (٦)، قال الله ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢] (٧)، معناه: "غير الله".
وقيّد ابنُ الحاجب هذا القسم في "إلا"، فقال: وتكون [صفة] (٨) إذا كانت تابعة لجمع منكور غير محصُور، كالآية. (٩)
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (٢/ ٢٢٤).
(٢) انظر: همع الهوامع (٢/ ٢٦٨ - ٢٧٠).
(٣) انظر: توضيح المقاصد (٢/ ٦٧٦، ٦٧٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت بالرجوع للمصادر.
(٦) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٢٧١، ٢٩٨)، شرح المفصل لابن يعيش (٢/ ٤٨)، شرح الأشموني (١/ ٥٠٢)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٣٣٧)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٠٣)، المفصل (ص ٩٩)، اللمحة (١/ ٤٧٣)، مغني اللبيب (ص ٣٦٤)، لسان العرب لابن منظور (٥/ ٣٩)، همع الهوامع (٢/ ٢٦٠، ٢٦٦).
(٧) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٢٩٨).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٩) انظر: الكافية في علم النحو لابن الحاجب (ص/٢٦).
[ ٢ / ٥٣ ]
قلت:
وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوه لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرقدانِ (١)
فرفع "الفرقدان" بعد "إلا" في الوا جب؛ لأنه جعلها نعتًا لـ "كل" بمعنى "غير" (٢)، وهذا كان في الجاهلية (٣).
وقيل: "إلا" هنا بمعنى "الواو"، أي: "والفرقدان" (٤).
٣ - قال الهروي: وتكون "إلا" تحقيقًا وإيجابًا بعد الجحْد، كقولك: "ما قام القوم إلا زيد"، وكقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٦٦] (٥)، و"ما مررت بالقوم إلا زيد" و"ما في الدار إلا زيد"، و"ما أعطيت زيدًا إلا درهمًا"، و"ما قُبض من زيدٍ إلا درهمٌ". فـ "إلا" في هذه المواضع تحقيق وإيجاب بعد الجحد.
٤ - وتكون بمعنى "لكن"، نحو قولك: "إنَّ لفلانٍ واللهِ مالا إلا أنه شقي"، معناه: "لكنه شقي". ومن كلام العرب: "ما نفعَ إلا ضرَّ، ولا زادَ إلا نقصَ"، تقديره: "لكن زادَ"، و"لكن نقصَ". ومنه قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
_________________
(١) البيت من الوافر، وهو لعمرو بن معد يكرب، أو سوار بن المضرب. والفرقدان: نجمان مضيئان بينهما قدر ذراع، يُهتدى بهما في السَّير ليلا. انظر: البيان والتبيين (١/ ٤٩٤)، الأمثال المولدة (ص/ ٥٩٩)، وجمهرة أشعار العرب (ص/ ١٤)، لسان العرب (١٥/ ٤٣٢)، تاج العروس للزبيدي (٩/ ٧٨).
(٢) انظر: شرح المفصل (٢/ ٧٢، ٧٣).
(٣) لعل المصنف ﵀ أراد أن ينوِّه إلى خطأ المعنى الذي قصده الشاعر في هذا البيت، حيث يفهم منه أنه كان يؤمن بعدم فناء الدنيا.
(٤) انظر: الجمل في النحو (ص/١٧٧).
(٥) ويسمى استثناء غير موجب. وانظر: تفسير القرطبي (٥/ ٢٧٠)، البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٦٩٦)، تهذيب اللغة (١٥/ ٣٠٥)، معاني القراءات للأزهري (١/ ٣١١)، المنهاج المختصر (ص / ١٠٩).
[ ٢ / ٥٤ ]
الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ١ - ٣]، معناه: "لكن أنزلناه تذكرة لمن يخشى" (١).
٥ - وتكون "إلا" بمعنى "واو" النَّسَق، كقوله تعالى: ﴿شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة ١٥٠]، معناه: "والذين ظلموا منهم" (٢).
٦ - وتكون "إلا" بمعنى "إمَّا"، كقوله: "إمّا أن تكلمني وإلا فاسكت"، المعنى: "إما أن تكلمني وإما أن تسكت".
إذا ثبت ذلك: فقوله "مغفرة" مصدر "غفر"، يقال: "استغفر الله لذنبه ومن [زلته]، (٣)، فغفر له مغفرة" و"غفرا" و"غفرانًا" (٤).
قوله: "من عندك": يتعلق بصفة لـ "مغفرة"، و"ارحمني" معطوف [عليه] (٥)، وفائدة قَوله: "من عندك" وإنْ كان الكُلُّ من عند الله أنَّ فضل الله ومغفرته لا في [مُقابلة] (٦) عمل، ولا بإيجاب على الله تعالى. وتفيد "العندية" معنى القرب في المنزلة.
قوله: "إنك أنت الغفور الرحيم": "إنك" "إن" واسمها، و"أنت" تأكيد للكاف، وموضعه نصب. ويحتمل أن تكون مبتدأ؛ فموضعه رفع، وخبره "الغفور"،
_________________
(١) انظر: الجمل في النحو (ص/١٧٨).
(٢) هذا رأي الكوفيين والأخفش. انظر: همع الهوامع (٢/ ٢٧١)، والتبيين عن مذاهب النحويين (ص/ ٤٠٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: العين (٤/ ٤٠٧)، ولسان العرب (٥/ ٢٦)، وتاج العروس (١٣/ ٢٤٩).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٥٥ ]
و"الرحيم" خبر بعد الخبر عند من يقول بتعدّد الخبر (١)، أو صفة للصّفة عند من يقول [بجواز] (٢) صفة الصفة (٣).
ويحتمل أن تكون "أنت" فصلًا، فلا موضع له من الإعراب على رأي البصريين، وله موضع عند الكوفيين، فعند الفرّاء موضعه على حسب الاسم قبله، وعند الكسائي على حَسب الاسم بعده (٤).
و"الغفور": "فعول" بمعنى "فاعل"، و"الرحيم" بمعنى "راحم"، ويزيدان لمعنى المبالغة والتكثير [بالنسبة] (٥) إلى مخلوقاته.
وفي الكلام لَفٌّ ونَشْرٌ؛ [لأنّه] (٦) طلب المغفرة والرحمة [بقوله] (٧) "اغفر لي وارحمني"، وأثبت له سبحانه أنه الغفور الرحيم، فالتقدير: "اغفر لي إنك الغفور، وارحمني إنك الرحيم". (٨)
وفي الكلام حذفٌ؛ لدلالة ما [تقدّم] (٩) عليه، فالتقدير: "ولا يغفر الذنوب إلا
_________________
(١) انظر: الكافية (ص ١٦)، شرح التسهيل (١/ ٣٢٦)، شرح المفصل (١/ ٢٤٩).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) يجوز نعت النعت عند سيبويه، ومنعه جماعة منهم ابن جني. انظر: حاشية الصبان (٣/ ١٠٦)، نتائج الفكر (ص/١٦٣، ١٦٤).
(٤) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٥٧٩)، والكافية في علم النحو (ص/٣٣)، وشرح المفصل (٢/ ٣٢٨).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "لأن".
(٧) بالأصل: "لقوله". وفي (ب): "كقوله".
(٨) عبارة إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ١٩٠) هي: "وفي الكلام لف ونشر مرتب؛ لأن طلب المغفرة بقوله: اغفر لي، وطلب الرحمة بقوله: ارحمني، فالتقدير: اغفر لي إنك أنت الغفور وارحمني إنك أنت الرحيم".
(٩) بالأصل: "يقدم"، والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٥٦ ]
أنت، ولا يرحم العباد إلا أنت"، فحذف " [ولا] (١) يرحم العباد" [لدلالة] (٢) " [وارحمني] (٣) ".
ويحتمل أن يكون التقدير: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي، ولا يرحم العباد إلا أنت فارحمني". (٤)
الحديث الخامس:
[١٢٢]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: "مَا صَلَّى النبي - ﷺ - صلاة بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، إلَّا يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي".
وَفِي لَفْظٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" (٥).
قوله: "ما صلى صلاة": "ما" نافية، و"صلى" تقدّم الكلام عليه في الحديث الخامس من "فضل الجماعة"، و"صلاة" مصدَره (٦) يتعدّى الفعل إليه، فإن ضمَّنت "صلى" معنى فعل آخر يتعدّى إلى مفعول به، كـ "أدّيت" و"قضيت" تعدَّى بنفسه، فيكون المعنى: "ما أدى صلاة أو قضاها".
قوله: "بعد أنْ نزلَتْ": "أنْ" والفعل في محلّ جر بالإضافة إلى "بعد"، أي: "بعد نزول"، فـ "أنْ" هنا مصدرية، و"عليه" يتعلق بـ "نزلت"، و"إذا جاء نصر الله" فاعل
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) بالنسخ: "فارحمني". والمثبت من المصدر.
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ١٩٠).
(٥) رواه البخاري (٧٩٤) في الأذان، ومسلم (٤٨٤).
(٦) انظر: تاج العروس (٣٨/ ٤٣٧، ٤٣٨)، والصحاح (٦/ ٢٤٠٢).
[ ٢ / ٥٧ ]
"نزلت" على الحكاية، والمراد: "جميع السورة".
قوله: "إلا يقول": "إلا" إيجاب للنفي، و"يقول" في موضع الحال، أي: "إلا قائلًا"، وسيأتي الكلام على "إلا" إذا وقع بعدها الفعل، في الثّامن من "اللعان". و"فيها" يتعلّق بـ "يقول".
و"سبحانك": اسم موضوعٌ موضعَ المصدر بإضمار فعل من معناه لا يجوز إظهاره (١)، وهو من الأسماء الملتزم فيها النصب على المصدرية.
وذهب الكسائي إلى أنه مُنادى مُضاف (٢).
ورُدَّ بأنه لم يُسمَع دخول حرف النداء عليه.
ويُستعمَل مضافًا، كما في الحديث، ومفردًا منونًا، كقوله:
سبحانه ثم سبحانًا نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والجمد (٣)
فقيل: ضرورة (٤).
وهو ممنوع من الصّرف للعَلمية، وزيادة الألِف والنون (٥).
قال الشيخ أبو حيان: وزعم بعضهم أنَّ لفظه لفظ تثنية، [ومعناه] (٦) كذلك،
_________________
(١) انظر: مجمع بحار الأنوار (٣/ ١٢).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (١/ ٢٨٧).
(٣) البيت من البسيط، قيل: هو لزيد بن عمرو بن نفيل، وقيل: لورقة بن نوفل، وقيل: لأمية بن أبي الصلت. وهو من شواهد سيبويه على أن "سبحان" ليس ممنوعًا من الصرف، حيث جاء في البيت مفردًا منوّنًا. انظر: الكتاب (١/ ٣٢٦)، والمعجم المفصل (٢/ ٢٧٠)، وأمالي ابن الشجري (٢/ ١٠٧)، خزانة الأدب (٣/ ٣٨٣).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٢٤).
(٥) انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ١٠٧)، شرح المفصل (١/ ٢٩٥).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٥٨ ]
كـ"لبيك"، وهو غريب (١).
و"الكاف" في "سبحانك" مفعول به، أضيف إليه.
وأجاز بعضهم أن يكون فاعلًا؛ لأنّ المعنى: "تَنَزَّهْتَ". (٢)
قوله: "ربَّنا": منادى محذوف حرف النداء، أي: "يا ربنا"، ويجوز فيه الخفض والنصب على البَدَل من "الكَاف"؛ لأنها في محلّ نصب، [ولذلك] (٣) يجوز في قوله: "سُبحانك اللهم ربِّنا" الوجْهَان.
قوله: "وبحمدك" أي: "وبحمدك استعنت"، فيتعلَّق حرفُ الجر بـ "استعنت" المقدر، وتكون "الباء" للاستعانة، ويحتمل أن تكون "الباء" سببية، أي: "بحمد الله سبَّحتُ".
قال الشيخ تقيّ الدّين: ويكون المراد بالسبب هنا: "التوفيق والإعانة على التسبيح واعتقاد معناه". ومثله قول عائشة - ﵂ -: "بِحَمْدِ اللهِ لَا بِحَمْدِكَ" (٤)، أي: "وقع هذا بسبب حمد الله"، أي: "بفضله وإحسانه وعطائه" (٥).
وأما قوله في السّورة: "فسبح بحمد ربك": فقال الشّيخ تقيّ الدّين: فيه وجهان: -
أحدهما: أن يكون المراد "أن يُسبّح بنفس الحمد"، لما يتضمّنه "الحمد" من معنى "التسبيح" الذي هو "التنْزيه"؛ لاقتضاء "الحمد" نسبة الأفعال المحمود عليها إلى الله تعالى وحده، وفي ذلك نفي الشَّرِكة.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٣٧).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٣٨).
(٣) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "وكذلك"، والمثبت من (ب).
(٤) رواه الإمام أحمد (٢٧١١٥)، من حديث أم رومان.
(٥) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣١٤، ٣١٥).
[ ٢ / ٥٩ ]
الثاني: أن يكون المراد: "فسبح متلبسًا بالحمد"، فتكون "الباء" دالة على الحال، وهذا يترجّح؛ لأنّ النبي - ﷺ - قد سبّح وحمد بقوله: "سبحانك وبحمدك". وعلى القول الأول: يكتفي بـ "الحمد" فقط، وكان تسبيح رسُول الله - ﷺ - على هذا الوجْه دليلًا على ترجيح المعنى الثّاني (١).
قال ابن هشام: اختلف في "الباء" في قوله: "فسبح بحمد ربك"؛ فقيل: للمُصاحبة، و"الحمد" مضاف إلى المفعول، أي: "سبِّحه حامدًا له"، أي: "نزِّهْه عما لا يليق به، وأثبت له ما يليق به". وقيل: للاستعانة، و"الحمد" مضاف إلى الفاعل، أي: "سبّحه بما حمد به نفسه"، إذْ ليس كل تنْزيه حمدًا، ألا ترى أن تنْزيه المعتزلة أفضى إلى تعطيل كثير من الصفات.
واختُلف في "سبحانك اللهم وبحمدك": فقيل: جملة واحدة، على أن "الواو" زائدة. وقيل: جملتان، على أنها عاطفة.
ومتعلّق "الباء" محذوف، أي: "وبحمدك سبّحتُك".
وقال الخطابي: المعنى: "وبمعونتك التي هي نعمة توجب عليّ حمدَك سبَّحتُك، لا بحولي وقوتي". يريد: "أنه أقيم فيه المسبَّبُ مقام السبب" (٢).
وقال ابن الشجري في قوله تعالى: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٥٢]: "الباء" متعلّقة بحال محذوفة، أي: "معلنين بحمده" (٣).
وتقدّم الكلام على "اللهم" في الحديث الأوّل من "الاستطابة".
* * *
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣١٤).
(٢) انظر: فتح البارى (١٣/ ٥٤١)، شرح القسطلاني (١٠/ ٤٨٤).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص/ ١٤٠)، وأمالي ابن الشجري (١/ ٩٦).
[ ٢ / ٦٠ ]
باب الوتر
[الحديث الأوّل] (١):
[١٢٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر، مَا ترَى فِي صَلاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: "مَثْنَى، مَثْنَى، فَإذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى".
وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا". (٢)
جملة "سأل رجل" معمولة للقول، وتقدّم القول على "سأل" في الحديث الثاني عشر من "باب صفة صلاة النبي - ﷺ -".
و"النبي" مفعول بـ "سأل".
وجملة "وهو على المنبر": في موضع الحال من "النبي - ﷺ -".
و"ما ترى": "م" ههنا استفهام في موضع نصب بـ "ترى"، أيْ: "أيَّ شيء ترى؟ ". و"ترى" من الرأي؛ فيتعدّى لواحد، وهو "ما"، والجملة مفعول لـ "سأل". ومتى كان المفعول اسم استفهام، أو اسم شرط، أو "كم" الخبرية وجَب تقديمه (٣).
وتقدّم أن "سأل" - وحكمها حُكم أفعال القُلوب - تُعلَّق عن العمل بالاستفهام، وإنما كان ذلك؛ لأنها سبب العلم، فأجرى السّبب مجرى المسبَّب (٤)، قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠].
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) رواه البخاري (٩٩٨) في الوتر، ومسلم (٧٥١) في صلاة المسافرين.
(٣) انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ٩٧)، والتعليقة على كتاب سيبويه (١/ ٣٠٠)، وتفسير القرطبي (٣/ ٢٧).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٥٥، ٢/ ٣٤٩، ١٠/ ٢٤٦).
[ ٢ / ٦١ ]
قوله: "قال: مَثْنَى مثنى": خبر مبتدأ، أيْ: "هي مثنى"، و"مثنى" الثاني تأكيد للأوّل، ولو اكتفى بأحَد اللفظين أجزأ عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، ولكنه أكَّد، كقولك: "ضربتُ زيدًا زيدًا"، فجَمَع بين الاختصار في العَدل، والتأكيد بالتكرار، والله أعلم. وهو لا ينصرفُ للعَدْل الحقيقي عن اثنين اثنين، وللصّفة (١).
وأجاز صرْفه الفرّاء، وصرَفَها الخليل وأبو عمرو إذا كانت نكرات، وأنشَدُوا [على ذلك] (٢):
وَإنَّ الغُلامَ المُسْتَهَامَ بذِكْرِهِ قَتَلْنَا بِهِ مِنْ بين مَثْنًى وَمَوْحَدِ (٣)
أي: "الذي يستهام بذكْره".
وقيل: هذا شاذ، لا يقاس عليه. والمنع أولى.
واختلف في علّة منع الصّرف: فمذهب سيبويه ما تقدّم. وقال الفراء: يمتنع للعَدل والتعريف بنية "ال". وقال الزَّجَّاج: والمنع؛ لأنها معدولة عن مؤنث؛ لأنّ الأصل: "اثنين اثنين"، و"ثلاثة ثلاثة"، و"أربعة أربعة"، وهذه كُلها مؤنثات. وقيل: المنع؛ لتكرار العَدل؛ لأنّه عدل عن لفظ "اثنين" وعن معناه؛ لأنه لا يُستعمل في موضع يُستعمل فيه الأعدَاد غير المعدولة؛ ولهذا تقول: "جاءني اثنان"، ولا تقول: "جاءني مثنى"، حتى يتقدّمه جمع؛ لأنّه وأخواته جعل بيانًا لترتيب الفعل، فإذا قلت: "جاءني القوم مثنى"، أفاد أنّ ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين، بخلاف غير المعدولة فإن الغرض منها إنما هو الإخبار عن مقدار المعدود دون غيره، فقد بان اختلافهما في المعنى.
وذكر أبو حيان وجوهًا أخرى في العدل. وهذه الألفاظ إنما تأتي أخبارًا كما
_________________
(١) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٥١٤)، واللمع (ص/١٥٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٢٥٤)، تفسير الطبري (٧/ ٥٤٤).
[ ٢ / ٦٢ ]
جاءت هنا، أو أحوالا كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ [النساء ٣]، فـ "مثنى" حال من "ما" وهو الصحيح، وقيل: حال من النساء. وتأتي صفات نحو قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾ [فاطر ١] (١).
قوله: "فإذا خشي الصبح" فاعل "خشي" مقدر مفهوم، أي: خشي أحدكم الصبح، وهنا محذوف آخر تقديره: إذا خشي أحدكم على وتره ظهور الصبح.
قوله: "صلى واحدة" جواب "إذا"، وهو العامل فيها عند الأكثرين، وقيل: فِعلُها إنْ قدرتها شرطًا عاملًا في الفعل (٢). وتقدّم الكلام على "إذا" وفعلها وجوابها والعامل فيها في الحديث الثّاني من الأوّل.
قوله: " [واحدة] (٣) ": أي: "صلى ركعة واحدة".
وتقدّم أنّ "صلى" يتعدّى إلى مصدر هو ظرفه، أو يتضمّن معنى ما يتعدّى إلى مفعول. وتقدّم ذكر المواضع التي لا يجوز فيها حذفُ الموصوف، في الثّاني من "باب التيمم".
قوله: "فأوترَتْ": "الفاء" سَببية، أي: "صلى واحدة فصلاتها أوترت ما صلى"، فالمقدَّر مبتدأ، وجملة "أوترت" خبره.
ويحتمل أن تكون "أوترت" في محلّ "توتر"، فأوقَع الماضي موضع المستقبل، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل ١]، وفي ذلك تحقيق للحُكم.
و"ما" موصُولة، وجملة "صلى" صِلتُها، والصِّلة والموصُول في محلّ مفعول "أوترت"، والعائد محذوف، تقديره: "أوترت ما صلاه"، والفاعل مستتر يعود على
_________________
(١) انظر تفصيل أقوال النحاة حول "مثنى" في: البحر المحيط (٣/ ٤٨٨ - ٤٩٠)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (٢/ ٩)، والكتاب (٣/ ٢٢٥)، والصبان (٣/ ٣٤٩).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص/ ٣٦٩).
(٣) غير واضحة بالأصل.
[ ٢ / ٦٣ ]
"المصلِّي"، ويقدَّر قبل العائد، ولا يقدَّر بعده، لأنّ العائد هو آخر ما يأتي من الصّلة.
قوله: "وإنه كان يقول": معطوفٌ على معمول متعلّق حرف الجر، أي "روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: سأل رجل عن صلاة الليل، فقال: مثنى". و"إنه (١) قال" اسم "إنَّ"، واسم "كان"، وفاعل "قال" (٢) ضمائر "النبي - ﷺ -"، أي: "وإنَّ النبي كان يقول بعد قوله: مثنى مثنى"، أو قال ذلك في وقت آخر؛ فرواه ابن عمر عنه.
قوله: "اجعلوا آخِر صلاتكم بالليل وترًا": تقدّم الكَلام على "جعل" في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب، و"جعل" هنا بمعنى "صيَّر" يتعدّى إلى مفعولين (٣).
و"آخِر" بكسر "الخاء"، ضد "الأوّل" (٤)، وليس هو من باب "أفعل" التفضيل، وسيأتي في الثّالث من "باب العيدين"، والعاشر من "الجهاد".
الحديث الثاني:
[١٢٤]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: "مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ - ﷺ -، مِنْ أَوَّلِ اللَّيْل، وَأَوْسَطِه، وَآخِرِه، فانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ" (٥).
قوله: "من كلِّ الليل": يتعلّق بما بعده، وهو "أوتر". وتقدّم أن تقديم المعمول على عامله يقتضي الحصر (٦).
قوله: "في أول الليل وأوسطه وآخره": بدَلٌ من "كلِّ الليل"، بدَلُ مُفرَّقٍ من
_________________
(١) بالنسخ: "قوله: وأنه". و"قوله" هنا زائدة.
(٢) أي: "قال" الثانية في قوله: "قال: مثنى" بالتقدير.
(٣) انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ٤٠)، وضياء السالك (١/ ٣٧٣).
(٤) انظر: تاج العروس (١٠/ ٣٣)، والقاموس المحيط (ص/ ٣٤٢).
(٥) رواه البخاري (٩٩٦) في الوتر، ومسلم (٧٤٥) في صلاة المسافرين.
(٦) لم يتفق العلماء على ذلك، بل أيده الزمخشري وخالفه أبو حيان. انظر البحر المحيط (١٠/ ٤٦٦)، والكشاف (١/ ١٣).
[ ٢ / ٦٤ ]
مجموع؛ لأنّ أوّله وأوسطه وآخره "جميع الليل".
وتقدم الكلام على "أوَّل" في الحديث الأول.
وجاء هنا: "وأوسطه"، والمراد: "الوسط". وقد جاء "أوسط" بمعنى "خيار" في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم ٢٨]، أي: "خيارهم" (١)، وجاء "الوسط" بمعنى "الخيار" أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣] (٢).
وقد يجيء "الأوسط" عبارة عن "جملة [التوسط] (٣) بين اثنين". و"الوسط" عبارة عن "نقطة النصفين". ويأتي ذكر "الوَسَط" و"الوَسْط" بالسّكون والتحريك (٤) في التاسع من "الجنازة".
ولو قال: "من أوّله وأوسطه" جاز، لكنّه لما طال الفصل أعاد اللفظ بعينه.
قوله: "فانتهى وتره إلى السحر": أي: "فانتهى فعل وتره إلى وقت السَّحر". و"سَحَر" إذا أريد به "سحر" يوم بعينه امتنع من الصّرف؛ للتعريف والعَدل عن الألِف واللام (٥).
و"إلى" حرفُ جر، ومعناها: انتهاء الغاية، كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٤٣).
(٢) قال الشيخ أبو حيان: "الوسط: اسم لما بين الطرفين وصف به، فأطلق على الخيار من الشيء، لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل". انظر: البحر المحيط (٢/ ٦، ١٠/ ٢٤٣)، وتفسير القرطبي (٢/ ١٥٤).
(٣) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "المتوسط"، والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الصحاح (٣/ ١١٦٨)، لسان العرب (٧/ ٤٢٧).
(٥) انظر: التعليقة على كتاب سيبويه (٣/ ٩٥، ٩٦، ١٠٧)، وتسهيل الفوائد (ص/ ٩١)، وشرح التسهيل (٢/ ٢٠٢).
[ ٢ / ٦٥ ]
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].
وتأتي للمُصاحبة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي: "مُضَافة إلى أموالِكم".
وتأتي لموافقة "في"، كقوله:
لا تتركني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلى به القار أجرب (١)
وتكون للتبيين، كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣].
ولموافقة "اللام"، كقوله: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣].
ولموافقة "من"، كقوله:
تقولُ وقد عاليتُ بالكورِ فوقَها فتُسْقَى فلا يُروَي إليَّ ابنُ أحمرا (٢)
أي: "مِنِّي".
[وأجاز الفرّاء] (٣) زيادتها، ومنه قوله: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، أي: "تهواهم".
وتأتي لموافقة "عند" (٤)، كقول الشاعر:
أم لا سبيل إلى الشباب ورده أشهى إليّ من الرحيق السلسل (٥)
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو للنابغة الذبياني، وهو بلفظ (فلا" بدل (لا). انظر: المعجم المفصل (١/ ٩٨)، وشرح التسهيل (٣/ ١٤٣).
(٢) البيت من الطويل، وهو لابن احمر، ويروى بلفظ (أيُسقى) بدل (فتسقى). انظر المعجم المفصل (٣/ ١٤١)، وشرح التسهيل (٣/ ١٤٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب)، والمصادر.
(٤) انظر في معاني "إلى": مغني اللبيب (ص ١٠٤ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٢)، وشرح الأشموني (٢/ ٧٣)، وهمع الهوامع (٢/ ٤١٤).
(٥) البيت من الكامل، وهو لأبي كبير الهذلي، ويروى بلفظ: "أم لا سَبِيل إِلَى الشَّبَاب =
[ ٢ / ٦٦ ]
وقد تقدّم الكَلام على "من" في الحديثِ العَاشر من أوّل الكتاب.
الحديث الثالث:
[١٢٥]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا". (١)
تقدّم الكلام على الأعْدَاد، وبناء اسم الفاعل منها في الحادي عشر من "باب صفة الصّلاة".
وجملة "كان رسول الله" معمولة للقول، والقول في محلّ معمُول متعلّق حرف الجر، وجملة "يصلي من الليل" في محلّ خبر "كان".
و"ثلاث عشرة ركعة": عَدَد لاسم مصدر، وهو: "الركوع"، يقال: "ركع ركوعًا"، و"ركع ركْعة" (٢).
و"صلى" يتعدّى إلى مصدره، واسم مصدره، وهو هنا بمعنى: "ركع"، وبهذا الاعتبار يكُون "يُصلي" يتعدّى إلى عَدَد المصدر.
و"ثلاث عشرة": من الأعدَاد المركّبة، المبنية؛ لتضمّنها حرف العَطف (٣)، وتقدّم الكَلام عليها في "باب صفة الصّلاة".
قوله: "يُوتر من ذلك": أي: "منها"، فأوقع اسم الإشارة موقع الضّمير؛ لأنه إشارة إلى العَدَد، والإشارة فيها تنصيص، بخلاف المضمَر.
_________________
(١) = وَذكره أشهى إِلَيّ من الرَّحِيق السلسل". وانظر: خزانة الأدب (٩/ ٥٣٧). وقد سبق تخريجه.
(٢) رواه مسلم (٧٣٧) في صلاة المسافرين.
(٣) انظر: لسان العرب (٨/ ١٣٣)، وتاج العروس (٢١/ ١٢٢).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٤٠٠)، وشرح ابن عقيل (٤/ ٧٢).
[ ٢ / ٦٧ ]
وجملة "يوتر" يحتمل أن تكون خبرًا بعد الخبر، ويحتمل أن تكُون حالًا مُقدّرة.
قوله: "لا يجلس إلّا في آخرها": جملة منفيّة في محلّ صفة لـ "خمس". و"لا" نافية، وتقدّم الكلام على "شيء" في الثّاني من "باب المرور"، وهنا ضمير عائد على الموصوف، تقديره: "في شيء منها"، فـ "منها" تتعلّق بصفة لـ"شيء".
قوله: "إلا في آخرها": هذا الاستثناء مُفرغ؛ لأنّ حرف الجر يتعلّق بـ "يجلس". وجاز تعلّق حرْفي جرٍّ من جنس واحد بعَامل واحد؛ لأنّ ذلك على طريق البدَل، نحو: "لا أمرُّ بأحَدٍ إلا بزيد"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة ٢٥٥] (١).
وهذا الحديث يُعارضه قوله - ﷺ -: "صلاة الليل مثنى مثنى" (٢)، فيُحمَل على بيان الجواز (٣)، أو نقول: هو مخصوصٌ بغيره من الأحاديث. والله أعلم.
وإذا جعلنا الاستثناء مُتصلًا، وقدّرنا الضّمير في قوله: "إلّا في آخرها" عائدًا على "آخر [كُل] (٤) ركعتين من جملة الصلوات": انتفى دَليل التنفل بواحِدة (٥)، ودليل جلوس الاستراحة، ولم تقَع مُعارَضَة بين الأحاديث. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦١٢).
(٢) متفقٌ عليه: البخاري (٤٧٢)، ومسلم (٧٤٩/ ١٤٥)، عن ابن عمر.
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم (٦/ ٢٠)، وإحكام الأحكام (١/ ٣١٦).
(٤) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٥) انظر: سبل السلام للصنعاني (١/ ٣٤٠).
[ ٢ / ٦٨ ]
باب الذّكْر عقيب الصّلاة
الحديث الأوّل:
[١٢٦]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: "أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ" (١).
وَفِي لَفْظٍ: "مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلا بِالتَّكْبِيرِ" (٢).
قوله: "عن عبد الله": يحتمل أن يكُون إلى آخر الحديث في محلّ خبر عن "الحديث" على الحكاية، ويكُون "الأوّل" [نعتًا] (٣) للحَديث.
ويحتمل أن يكون "الحديث" خبر مبتدأ محذوف، التقدير: "هذا الحديث الأول". أو "الحديث" مبتدأ، والخبر محذوف، أي: "من أحاديثه الحديث الأوّل".
وقد تقدّم في أوّل الكتاب ما يُغني عن إعادته.
قوله: "رفْعَ الصّوت": اسم "أنَّ"، ومُضاف إليه، وهما مصدَران، الأوّل مُضاف إلى مفعوله. و"بالذّكْر" يحتمل أن يتعلّق بـ "رفْع"، ويحتمل أن يتعلّق بـ "الصّوت"، ويجري فيه الخلاف الذي في التنازُع (٤).
و"حين": مُضافٌ إلى فعل مُعرب، وتقدّم الكلام عليه في الخامس من "صفة الصّلاة". وهو ظرفُ زَمَان، العامل فيه: "رفْع"، أو "الصوت"، أو يكون العَامل فيه:
_________________
(١) رواه البخاري (٨٤١٩ في الأذان، ومسلم (٥٨٣) في المساجد.
(٢) رواه مسلم (٥٨٣) (١٢١) في المساجد.
(٣) بالنسخ: "نعت".
(٤) ضابط باب التنازع: أن يتقدّم عاملان أو أكثر، ويتأخر معمول أو أكثر، ويكون كُل من المتقدّم طالبًا لذلك المتأخر، كقوله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]. انظر: شرح قطر الندى (ص/ ١٩٩)، شرح الأشموني (١/ ٤٥٠).
[ ٢ / ٦٩ ]
خبر "كان" مُتقدّمًا عليها، والتقدير: "أنّ رفع الصّوت كان مُستقرًا حين ينصرف"؛ فيعمل فيه استقرار [مُقدّر] (١).
و"كان" واسمها وخبرها في محلّ خبر "أنّ".
و"على عَهْد" يتعلّق بـ "كان" على القَول بعمل الأفعال الناقصة في الفضلات (٢).
ويحتمل أن يكُون خبر "كان": "على عَهْد رسُول الله"؛ فيتعلّق حرف الجر بالاستقرار المقدّر، ويكون "حين" في محلّ حال من ضَمير الاستقرار، أيْ: "كان مستقرًا على عهد رسول الله حين ينصرف الناس". وفيه ضعف؛ لأنّ الحال لا يتقدّم على عاملها المعنوي (٣).
ويحتمل أن تكون "حين" في محلّ خبر "أنّ"، والتقدير: "أنّ رفْع الصوت بالذكر استقر حين"، ويكون "كان" بدَلًا منه، والبدَل مُبيِّن للمُبدل منه.
ويحتمل أن يتعلّق "حين" بـ "الذّكْر" ويبقى الخبر في قوله: "كان" وما بعده.
ويحتمل أن يكُون "الذّكْر" مُتعلقًا بحَال من "رفْع الصّوت"، فيتعلّق بالاستقرار، وتكون "كان" في محلّ خبر "أنّ".
وجملة "كنتُ أعْلَم" في محلّ معمول القول.
وخبر "كان": "أعْلَم" وفاعله. ومفعُوله محذوف، أي: "كنت أعلم انصراف
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "قدر".
(٢) الفضلة: ما يجوز الاستغناء عنها إلا لعَارض. وهو كالمفعول به والظرف والمفعول له والمفعول معه والمصدر والحال والتمييز والاستثناء، وغيرها. وممن منع عملها في الفضلات: ابن الصائغ. انظر: توضيح المقاصد (٢/ ٦٩٢)، الخصائص (١/ ١٩٨)، (٢/ ٢٧٦)، اللمحة (٢/ ٥٧٧)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٧٦)، الهمع (١/ ٤٩٠).
(٣) انظر: شرح الأشموني (٢/ ١٥)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٢٦٤).
[ ٢ / ٧٠ ]
النّاس إذا انصرفوا بذلك". فـ "بذلك" يتعلّق بالمحذوف، أي: "أعلم الانصراف بذلك".
وجوابُ "إذا" الأولى محذُوف يدلّ عليه: "أعلم"، التقدير: "إذا انصرفوا علمت ذلك".
و"إذا" الثانية يصحّ أن تكون بدَلًا من الأولى، والعامل فيهما واحد. ويحتمل أن تكُون "إذا" الثّانية بمعنى "الوقت"، لا شرط فيها، والعَامِل فيها جَواب "إذا" الأولى. ويحتمل أن تتعلّق "بذلك" بـ "أعلَم"، ولا تتعلّق بـ "انصرفوا"؛ لفسَاد المعنى.
قوله: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ"، أو "جاء في لفظ"، فيتعلّق به حرف الجر، وتكون الجملة بعده محكيّة، إمَّا في محلّ مفعول مرفوع (١)، أو فاعل، على اختلاف التقديرين.
و"ما" نافية. و"كنا": "كان" واسمها. وتقدّم ذكر هذا التركيب في الخامس من "باب جامع".
و"نعرف" في محلّ الخبر، و"انقضاء" مفعولُ "نعرف"، وهو مصدَر مُضَاف إلى الفاعل. و"إلّا" إيجابٌ للنفي. و"بالتكبير" يتعلّق بـ "نعرف"؛ فيكون الاستثناء مُفرغًا.
_________________
(١) يعني: أنه نائب فاعل.
[ ٢ / ٧١ ]
الحديث الثّاني:
[١٢٧]: عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ في كِتَابٍ إلَى مُعَاوِيةَ: إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ. اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ". ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ (١).
وَفِي لَفْظٍ: "وكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَال، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَات، وَوَأْدِ الْبَنَات، وَمَنْعِ وَهَاتِ" (٢)
قوله: "مَولى المغيرة": "المغيرة" بضم "الميم" وكسرها إتْباعًا للعَين، و"مولى" بدَل، أو عطف بيان.
و"شعبة" لا ينصرف؛ للعلمية والتأنيث. وفاعل "قال": ضميرُ "وراد".
و"المغيرة" فاعل: "أمْلَى". و"عليّ" يتعلّق بـ "أمْلَى".
ويُقال: "أملَّ" لأهل الحجاز وبني أسد، و"أملَى" لبني تميم. وأصله في اللغة الإعادة. وقيل: "الياء" في "أمليتُ" بدَل من "اللام"؛ لأنها أخفُّ (٣).
قوله: "في كتاب": يتعلّق بـ "أملى". و"إلى معاوية" يتعلّق بصفة لـ "كتاب".
قوله: "أنّ النبي - ﷺ - ": في محلّ مفعول بـ "أملى" على الحكاية.
قوله: "وكان يقول": جملة في محلّ خبر "أن"، و"يقول" خبر "كان".
و"في دبُر" يتعلّق بـ "يقول"، ويجوز ضم "الباء" وتسكينها (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦١٥) في القدر، ومسلم (٥٩٣) في المساجد.
(٢) رواه البخاري (٧٢٩٢) في الاعتصام، ومسلم (٥٩٣) في الأقضية.
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٧٢١)، وتفسير القرطبي (٣/ ٣٨٥).
(٤) انظر: الصحاح (٢/ ٦٥٣)، تاج العروس (١١/ ٢٥١).
[ ٢ / ٧٢ ]
و"مكتُوبة" نعتٌ لـ"صَلاة".
وتقدّم الكلام على "كان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وعلى "لا إله إلا الله" في الحديث الأوّل من "باب التيمم".
و"وَحْدَه": حَالٌ مؤكّدة، وتُؤَوَّلُ بـ "مُنفَرد"؛ لأنّ الحَال لا يكُونُ معرفة (١).
قوله: "لا شريك له": حالٌ ثانية مُؤكّدة لمعنى الأولى. و"لا" نافية. و"شريك" مبني مع "لا" على الفتح. وخبرُ "لا": مُتعلّق "له".
قوله: "له الملك": جملة من مبتدأ وخبر، الخبر في المجرور. وكذلك: "له الحمد"، وكذلك: "وهو على كُلّ شيء قدير"، كُلّها جمل حاليّة.
ومَن منع تعدّد الحال (٢) جَعَل "لا شريك له" حَالًا من ضَمير "وحْده" المؤوّل بـ "مُنفرد" (٣)، وكذلك: "له الملك" حالٌ من ضَمير المجرور في "له"، وما بعد ذلك معطُوفات.
قوله: "اللهم": تقدّم في أوّل "باب الاستطابة".
و"لا مانع" اسم نكرة مبنيٌّ مع "لا"، وخبر "لا" الاستقرار المتعَلّق به المجرور، أو يكُون الخبر محذُوفًا وجُوبًا على لُغَة بني تميم، ووافَقهم كثير مِن الحجازيين، فيتعلّق حرف الجرّ بـ "مانع".
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٢/ ٢٥٨)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٥٥)، شرح التصريح (١/ ٥٧٨).
(٢) أجاز ابن مالك تعدّد الحال، ومنعه ابن عصفور. انظر شرح التسهيل (٢/ ٣٤٨، ٣٤٩)، وهمع الهوامع (٢/ ٣١٥).
(٣) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٢/ ٢٥٨)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٥٥)، شرح التصريح (١/ ٥٧٨).
[ ٢ / ٧٣ ]
قيل: فيجب نصبه وتنوينه؛ لأنّه مُطول (١).
والرّواية على بنائه من غير تنوين، فيُتمحَّل له بأنْ يعلَّق بخبر لـ "مانع" محذوف، أي: "لا مانع لنا لما أعطيت"، فيتعلّق بالكَون المقَدّر، لا بـ "مانع"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ﴾ [لأنقال: ٤٨].
ويحتمل أن يكون أصله: "لا مانعًا" بالتنوين، ثم حذف التنوين بعد أن أُبدل منه "ألِف"، ثم حذفت "الألِف"؛ فصار على صُورة المبني.
ويجوز أن يكُون "لما أعطيت" في محلّ صفة لـ "مانع"، والخبر محذوف.
ويحتمل أن يُقدّر: "لا مانع لما أعطيت يمنع"، فيتعلّق بـ "يمنع"، ويكون "يمنع" خبر "لا" على إحْدَى اللغتين.
واختار الزّمخشري في قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] أن يكون "اليوم" معمول بـ "تثريب" (٢).
ورَدَّ عليه الشّيخ أبو حيّان لأجْل الفصل بين المصدَر ومعموله بـ "عليكم"، وهو إمّا خبر أوصفة، وأيًّا ما كان فلا يجُوز، وكان يلزَم تنوين "تثريب" (٣).
والقول في "ولا مُعطيَ" مثله. و"ما" موصُولة، وجملة "أعطيتُ" صِلتها، والعائد محذوف، أي: "لما أعطيته".
_________________
(١) يلقب الاسم المشبَّه بالمضاف بـ "المطوَّل" أو "الممطول"، والمراد به: كل اسم له تعلق بما بعده إما بعمل نحو: "لا طالعًا جبلا ظاهر"، و"لا خيرًا من زيد راكب"، وإما بعطف نحو: "لا ثلاثة وثلاثين عندنا". انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢١)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٨).
(٢) انظر: الكشاف (٢/ ٥٠٢).
(٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢١).
[ ٢ / ٧٤ ]
قوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد": "ذا" مفعول بـ "ينفع"، وعلامة نصبه "الألِف". و"منك" يتعلّق بـ "ينفع"، أي: "من عذابك".
قال الشّيخ تقيّ الدّين: الذي ينبغي: أن يُضمَّن "ينفع" معنى "يمنع" أو ما يُقاربه. ولا يعُود "منك" إلى "الجد" على الوجْه الذي يُقال فيه: "حَظِّي منك كثيرٌ أو قليلٌ"، بمعنى: "عنايتك بي" أو "رعايتك لي"، فإنّ ذلك نافع (١). انتهى.
وإنما قال ذلك: لأنّ العناية من الله تعالى تنفع، ولا بُدّ.
وأمّا "الجدُّ" الثّاني: فإنه فاعل "ينفع"، أي: "لا ينفع صاحب الحظِّ من نزول عذابك حظُّه، وإنما ينفعه عمله الصالح"، فالألِف واللام في "الجد" الثّاني عوض عن الضّمير، وقد سَوّغ ذلك الزّمخشري، و[كذا] (٢) اختار كثير من البصريين والكوفيين في نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. (٣)
قوله: "ثُم وفدتُ بعدُ على مُعاوية": الفاعلُ ضَمير "وَرَّاد" راوي الحديث. و"بعد": ظرف زمان، مبني على الضم؛ لقطعه عن الإضافة، والعامل فيه: "وفدت". وسيأتي الكلام على قولهم: "أمّا بعد" في الحديث الأوّل من "باب الشّروط في البيع".
قوله: "فسمعته يأمُر النّاس بذلك": أي: "سمع وَرَّادٌ معاويةَ يأمرُ الناس بالذِّكر المتقدّم". والكَلام على "سمع" تقدّم في أوّل حديث من الكتاب، وتقدّم الكلام على "أَمَر" في أوّل حديثٍ من "باب السواك".
قوله: "وفي لفظ: كان ينهى": أي: "وجاء في لفظ"، فيتعلّق حرف الجر بـ "جاء"، أو بـ "روي". وجملة "كَان ينهى" في محلّ الفاعِل على الحكَاية، والتقدير:
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢١٥).
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من "إرشاد الساري".
(٣) انظر: إرشاد الساري (٩/ ١٩٣) نقلًا عن ابن فرحون، (١٠/ ٣١٠)، مغني اللبيب (ص ٧٧)، شرح التسهيل (١/ ٢٦٢).
[ ٢ / ٧٥ ]
"يُروَى في لفظ أنّ النبي - ﷺ - كان ينهى عن ذلك".
قوله: "عن قيل وقال": يُروَى بجرِّ "قيلٍ" و"قالٍ"، وتنوينهما، ويُروى ببنائهما على الفتح على وضعهما وحكايتهما كما يقوله القائل. والتنوين والجر فيه إعراب؛ لأنّه بدخُول حرف الجر عليهما صارا أشْهر، فيجران كغيرهما، كما لو سَمّيت بـ "سار" منقُولًا من "سار"، و"أحمد" إذا نكّرتهما.
قال ابنُ الأثير في "جامع الأصول": قال أبو عبيد في "قيلٍ" و"قالٍ": [نحوٌ] (١) وعربيةٌ، وذلك أنّه جعل "القال" مصدرًا، كأنه قال: "نهى عن قيلٍ وقولٍ" (٢).
قال ابنُ الأثير: "قولًا" و"قالًا" و"قيلًا" بمعنى.
قال غيره: لو كان هذا لقلَّت الفائدة؛ لأنَّ الثاني هو الأوّل، لأنهما إذا كانا بمعنى واحدٍ، فأيّ معنى للنهي عن شيءٍ واحد بلفظين؟ !
والأحسَن أن يكون على الحكاية، فيكُون النهي عن "قيلَ" فيما لا يصحّ ولا يُعلم حقيقته، فيقول المرء في حديثه: "قيل كذا"، كما جاء في الحديث الآخر: "بِئْسَ مَطيّةُ الرّجُلِ: زَعَمُوا" (٣). وإنما كان النّهي عن ذلك لإشغال الزّمان في التحدّث بما لا يصحّ ولا يجوز.
ويكُون النّهي عن "قال" فيما يشكّ في حقيقته وإسناده إلى غيره، لأنّه يشغَل الوَقت بما لا فائدة فيه، بل قد يكُون كَذبًا، فيأثم، ويضر نفسه وغيره.
أمَّا من تحقّق الحديث ويتحقّق مَن يُسنده إليه مما أباحَه الشّرع؛ فلا حرَج في
_________________
(١) انظر: غير واضح بالأصل. والمثبت من جامع الأصول.
(٢) انظر: جامع الأصول (١١/ ٧٢٢، ٥/ ٥٥).
(٣) صحيح: سنن أبي داود (٤٩٧٢)، من حديث حذيفة أو أبي مسعود، وصحّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٨٦٦).
[ ٢ / ٧٦ ]
ذلك" (١). هذا معنى الكلام. والله أعلم.
قوله: "وإضَاعَة المال": يعني "فيما لا يحلّ".
وكذلك: "كَثرة السّؤال". ويُقال: "كِثرة" بكسر "الكاف" على قِلَّة، قال في الصحاح: لُغَة رديئة (٢).
و"إضَاعَة" مصدَر مُضاف إلى المفعول، و"كَثْرة" مثله.
قوله: "وكان ينهى عن عُقوق الأمّهات": جمع "أمهة"، قال الشّاعر:
أُمَّهَتي خِنْدِفُ، وإلياسُ أَبي (٣)
إلا أنّ "أمهة" لمن يعقل، [و"أمّ"]، (٤) لمن يعقل ولمن لا يعقل (٥).
واسم "كان" مستتر فيها، وخبرها في جملة "ينهى"، والجملة كُلّها معطوفة على ما قبلها.
يُقال: "عقَّ"، "عقوقًا" و"معقَّة"، فهو "عاقّ" و"عُقَق"، مثل "عامر" و"عمر". والجمع: "عققة"، مثل "كفرة". و"أعقت الفرس" إذا "حملت"، فهي "عقوق"، ولا
_________________
(١) انظر: جامع الأصول (١١/ ٧٢٢، ٥/ ٥٥).
(٢) انظر: الصحاح (٢/ ٨٠٢).
(٣) عجز بيت من الرجز، وهو لقصي بن كلاب، جد النبي - ﷺ -، وصدره: "عِنْدَ تَناديهمْ بِهالٍ وَهَبِي". انظر: لسان العرب (١٢/ ٣٠)، وسمط اللآلي في شرح أمالي القالي (١/ ٩٥٠).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) في مسألة اختصاص إحدى الكلمتين بالعاقل أو بغيره في حالتي الجمع والإفراد تفصيل واختلاف. انظر: الصحاح (٥/ ١٨٦٣، ١٨٦٤)، ولسان العرب (١٢/ ٣٠، ١٣/ ٤٧٢)، وتاج العروس (٣٦/ ٣٢٨)، والمصباح المنير (١/ ٢٣)، وتسهيل الفوائد (ص ١٨).
[ ٢ / ٧٧ ]
يُقال: "مُعق" إلّا في لُغة رديئة، وهو من النّوادر، والجمع: "عُقُق" مثل "رسُول" و"رُسُل" (١).
و"وَأْدِ البنات": معطوفٌ عليه، و"البنات" جمع "بنت"، وقد تقدّم في أوّل حديث من "الحيض".
قوله: "ومنع وهات": يحتمل أوجُهًا، منها الكسر في "منع" والتنوين، والكسر بلا تنوين، والفتح مع التنوين، والفتح بلا تنوين.
فأمّا الكسر مع التنوين إذا ثبت رواية: فالقول فيه كالقول في "قيل وقال".
وأمّا الكسر بلا تنوين: فعلى نية مُضاف، أي: "ومنْع خير" أو "إحسان"، ثم حذف المضَاف إليه. وقد وُجد كثيرًا، [ومنه] (٢):
بين ذراعي وجبهة الأسد (٣)
وأمّا الفتح بلا تنوين: فوجَّهها ابنُ مالك في حديث: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَات، وَوَأْدَ البَنَات، وَمَنَعَ وَهَاتِ" (٤) بوجهين: -
أحدهما: أن يكون الأصل: "ومنعًا" بالتنوين، ثم استعمل فيه اللغة الربيعية، فإنهم يقفُون على المنوَّن المنصوب بالسّكون (٥)، فلا يحتاج الكاتب على لُغتهم إلى "ألِف"؛ لأنَّ مَن أثبتها في الكتابة لم يُراع إلَّا جانب الوقْف، فإذا كان يحذفها في
_________________
(١) انظر: الصحاح (٤/ ١٥٢٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) عجز بيت من المنسرح، وهو للفرزدق، وصدره: "يا من رأى عارضًا أُسَر به". انظر: المعجم المفصل (٢/ ٣٩٦)، وخزانة الأدب (٢/ ٣١٩).
(٤) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٢٤٠٨)، ومسلم برقم (٥٩٣).
(٥) انظر: خزانة الأدب (١٠/ ٤٧٨)، وتاريخ آداب العرب (١/ ٩٨)، حاشية شرح ابن عقيل بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (١/ ٨٣).
[ ٢ / ٧٨ ]
الوقْف كما يحذفها في الوصْل لزمه أن يحذفها خطًّا في "منع" لهذا.
والوجْه الثاني: أنّ تنوين "منعًا" أُبدِل واوًا، وأدغِم في "الواو"، فصار اللفظ بـ "عين" تليها "واوٌ" مشدّدة، كاللفظ "يعوّل" وشبهه، فجُعلت صُورة الخط مُطابقة للَّفظ، كما فُعل بكَلِمٍ كثيرةٍ في المصحَف.
ويحتمل أن يكُون الأصل: "ومنع حَقّ"، فحذف المضَاف [إليه] (١) (٢).
ويتخرّج النّصب في الحديث هنا إن ثبت روايةً على تقدير فِعْلٍ، أي: "وحرَّم منعًا وهاتِ"، أو على أنّه مفعول معه، أي: "نهى عن كذا مع نهيه عن كذا".
وينظر إلى التقدير الأوّل قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، إذ التقدير: "أمدح المقيمين" (٣). وذكر فيه أوجُه أُخَر.
و"هات" على أصله في الكَسر، ولا يُستعمَل إلا هكذا، بكسر "التاء" للمُذكّر والمؤنّث.
قال ابنُ مالك: "هات" فعل أمر، وليس باسم فعل، كما قال الفارسي والزّمخشري، بدليل اتصال الضّمائر بها في قولك: "هاتا"، و"هاتوا"، و"هاتي" (٤).
قال غيره: وللمرأتين: "هاتيا"، كالمذكرين، وللنساء: "هاتين"، مثل "عاطين" (٥). ولا يُقال منه: "هاتيتُ". ولا يُنهى بها، لا يُقال: "لا تهات"، وهذا
_________________
(١) سقط بالنسخ. وانظر: شواهد التوضيح (١٠٣).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (١٠٢، ١٠٣).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ١٣)، والكتاب لسيبويه (٢/ ٦٢).
(٤) انظر: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٣٨٩)، والبحر المحيط (١/ ٥٤١)، والكشاف (١/ ١٧٨)، والدر المصون (٢/ ٧١).
(٥) انظر: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٣٨٩).
[ ٢ / ٧٩ ]
راجعٌ إلى السّماع (١).
الحديث الثالث:
[١٢٨]: عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ به مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ ". قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً".
قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ".
قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَهِمْتَ، إِنَّمَا قَالَ لك: "تُسَبِّحُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ". فَرَجَعْتُ إِلَى أبِى صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ. (٢)
قوله: " [مولى] (٣) أبي بكر": بدَلٌ، أو عطْف بيان من "سُمَي".
وذُكر في الحديث "سُميّ" و"أبو صالح السمان" و"أبو هريرة"، وكان ذِكرُ "أبي هريرة" يغني عند الاختصار، إلا أنّه ذَكَرهم لأنّ لهم ذِكْرًا في الحديث، والتقدير:
_________________
(١) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٢٧١)، وعقود الزبرجد للسيوطي (١/ ١١٤)، والموسوعة القرآنية (٨/ ٦١٩).
(٢) رواه البخاري (٨٤٣) في الأذان، ومسلم رقم (٥٩٥) في المساجد.
(٣) غير موجود بالأصل.
[ ٢ / ٨٠ ]
"رُوي عن سُمَي أنّه رَوى عن أبي صالح ما رواه أبو هريرة".
قوله: " [أنّ] (١) فُقراء المسلمين": في محلّ نصب، مفعول بفعل مُقدّر، أيْ: "رُوي عن سُمَي أنّه رَوى عن أبي صالح. . .". و"عن أبي هريرة" بدَلٌ من "عن أبي صالح"، أو يتعلّق بفعل مُقدّر بـ "أن" مثل ما تقدّم، أي: "أنه روي"، كما تقدّم من إعراب ذلك.
و"فقراء المهاجرين" أو "المسلمين" من باب إضافة الصّفة إلى موصُوفها، أي: "الفقراء المسلمين"، فيُتأوَّل بأنْ [يُقال] (٢): "فقراء الجماعة المسلمين".
قوله: "أتَوْا رسُول الله - ﷺ -" جملة في محلّ خبر "أن".
قوله: "فقالوا": معطوفٌ على "أتوا".
وجملة "قد ذهب": مفعولُ القول، وتقدّم القول على "ذَهَبَ" في الثّاني من "باب الاستطابة".
و"أهلُ": فاعل "ذَهَب". ويجمع على: "أَهْلات" و"أَهَلات"، و"أهالي" زادوا فيه "الياء" على غير قياس (٣).
قوله: "الدُّثور": هو جمع "دَثْر"، و"الدَّثْر": "المال الكثير"، و"الدُّثور" أيضًا: "الدُّروس"، يُقال: "دَثَر الرسْم"، و"تداثر". و"الدَّثور" بالفتح: "الرجُل الخامل، النؤوم" (٤).
قوله: "بالدرجات": يتعلّق بـ "ذهب".
_________________
(١) في الأصل: وان.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت كما في (ب).
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (٤/ ١٦٢٩)، لسان العرب (١١/ ٢٨)، وتاج العروس (٢٨/ ٤٠، ٤١).
(٤) انظر: لسان العرب (٤/ ٢٧٦، ٢٧٧)، وتاج العروس (١١/ ٢٧٠، ٢٧١).
[ ٢ / ٨١ ]
و"العُلَى" تأنيث "أعلى"، صفة للدّرجات. وفي الحديث: "إنَّ أهل الجنة ليتراءون أهل عليين كما ترون الكوكب [الدُّريّ] (١) في أفق السماء" (٢). قيل: "عليون" اسم للسّماء السّابعة، وقيل: لديوان الملائكة الحفَظة، تُرفع [إليه] (٣) أعمال الصالحين. وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرفها وأقربها من الله في الدّار الآخرة (٤). ويُعرَب بالحروف والحركات.
وأمّا "العلى" بمعنى: "المنزلة" و"الرفعة"، نحو قول ابن دريد:
. . . . . . قَالَ الْعُلَى بفي امرئ فآخركم عَفْرُ الْبَرَى (٥)
فهو جمع "العَلاء" بالفتح (٦).
وتُليت بـ "الألِف" عند البصريين؛ لانقلابها عن "الواو" في قولهم: "علوت"، وبـ "الياء" عند الكوفيين؛ لضم أوّله.
وتقدّم في [الثّالث] (٧) من "السّواك" [الكَلام] (٨) على "الرّفيق الأعلى" بزيادة بيان في الفرق بين "عُلَى" و"أعلى".
_________________
(١) في الأصل: "الدي". والمثبت من المسند.
(٢) صحيح لغيره: رواه أحمد بلفظ "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَرَوْنَ أَهْلَ عِلِّيِّينَ، كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وإنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمِنْهُمْ وَأَنْعَمَا". انظر: "المسند" بتحقيق شعيب الأرنؤوط، حديث رقم (١١٥٨٨).
(٣) في الأصل: "الله". وكذا في (ب)، وتم ضبطها بالرجوع للمصادر.
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٩٤)، ولسان العرب (١٥/ ٩٤)، وتاج العروس (٣٩/ ٨٨).
(٥) البيت من الرجز. وهو من مقصورة ابن دريد. انظر: شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٤/ ٥٠٧)، المطالع النصرية (ص/ ٣١٢)، وجواهر الأدب (٢/ ٤٠١، ٤٠٨).
(٦) انظر: لسان العرب (١٥/ ٨٥)، وتاج العروس (٣٩/ ٩٧).
(٧) غير واضح بالأصل.
(٨) غير موجود بالأصل.
[ ٢ / ٨٢ ]
قوله: "فقال": أي: "النبي - ﷺ -".
"وما ذاك": "ما" استفهامية مبتدأ، و"ذاك" الخبر، و"الكاف" للخطاب، وحقّها في خطاب الجماعة بـ "الكاف والميم" (١). والجواب: أنّه أراد خطاب واحد منهم؛ لأنّ الكلام قد يكُون من واحد لمصلَحة جماعته (٢).
وجملة: "يصلُّون" معمُولة للقول، و"كما نصلي" تقدّم أنّ "ما" مصدَريّة، والكاف نعت لمصدر محذوف عند الفارسي (٣) وموافقيه، واختار ابن مالك أن تكون حالًا من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم بعد الإضمار على طريق الاتساع، أي: يصلون الصلاة في حال كونها مثل ما نصلي (٤).
قوله: "ولا نتصدق"، "ولا نعتق": أي: "ونحن لا نتصدق"، فتكون الجملة في محلّ خبر مبتدأ محذُوف، كما تقدّم.
قوله: "أفَلا": "الفاء" عاطفة، وكان حقّها أن تكُون مُتقدّمة على "همزة" الاستفهام، إلا أنّ الاستفهام له الصَدْر. وقيل: "الفاء" زائدة مُؤكّدة. وقيل (٥) في مثل هذا: يُقدَّر محذُوف من معنى الجملة قبلها [يعطف] (٦) عليه، فيكون التقدير هنا: "إذ قلتم ذلك فأُعَلِّمُكم". و"أَلَا" حرفُ عَرْض (٧). ويأتي الكَلام على "الفاء" بعد الاستفهام في الحديث [الثّالث] (٨) من "كتاب النّكاح"، وتقدّم الكلام على "أَلَا" في
_________________
(١) انظر: همع الهوامع (١/ ٣٠٠)، والمعجم الوسيط (١/ ٣٠٧).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٩/ ١٩١).
(٣) انظر: الحجّة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (١/ ٢٢).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ١٩١)، والبحر المحيط (١/ ١١٠).
(٥) نسب أبو حيان هذا القول إلى الزمخشري، وقال أيضًا: إن الزمخشري عدل عن هذا القول ورجع إلى رأي الجماعة في بعض تصانيفه. انظر: البحر المحيط (١/ ٢٩٦).
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فعطف".
(٧) انظر: شرح القسطلاني (٩/ ١٩١).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٨٣ ]
الثّاني من "التشهد".
و"أُعلِّم" يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما الضّمير المتصل، والآخر: "شيئًا"، وتقدّم الكلام على [شيء] (١) في الثّاني من "باب المرور".
قوله: "تُدركُون به مَن سَبقكم": "تدركُون" فعل مضارع وفاعل، و"النون" علامة الرفع. والجملة في محلّ صفة لـ "شيء"، والعائد الضّمير في "به". و"مَن سَبقكُم" في محلّ مفعول "تُدركُون".
و"مَن" موصُولة بمعنى "الذي"، ولفظها مُفرد، ومعناها الجمع، أي: "الذين سبقوكم". ولو قال: "من سبقوكم" صحَّ، لكنه أعاد على اللفظ.
وجملة "وتسبقون" معطُوفة على "تُدركُون"، والعائدُ محذوف، أي: "وتسبقون به". قوله: "مَن بعدكم" أي: "مَن يأتي بعدكم".
قوله: "ولا يكُون أحَد أفضَل منكُم": يحتمل أن يكُون في محلّ حال من ضمير "تسبقون"، [ولكنها] (٢) جاءت بـ "الواو" (٣)، وقد تجيء الحال المنفيّ بـ "لا" كالمثبت في قلّة مجيئه حالًا بـ "الواو".
فالأصحُّ أنّه خبر مبتدأ محذوف، [وهو] (٤) عند ابن عصفور بخلاف المثبت، أي أنّه يجيء بـ "الواو" فصيحًا.
وتقدّم الكلام على "لا" وأقسامها في الثّاني من "باب الاستطابة"، وعلى "كان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وعلى "أحَد" في ثاني حديث من أوّل الكتاب، وعلى
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وبيَّض لها في (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) يمتنع اقتران جملة الحال بالواو في سبع صور منها: المضارع النفي بـ (لا). انظر: أوضح المسالك (٢/ ٢٨٨ - ٢٩١).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٨٤ ]
"أفعل" التفضيل في الحديث الأوّل من "الصّلاة".
واستُعمل "أفعل" التفضيل هنا بـ "مِن"، فمنهم مَن جَعَلَها للتبعيض، ومنهم مَن جعلها للابتداء (١).
قوله: "إلّا مَن صنع مثل ما صنعتم": "مَنْ" موصولة، والعائد عليها الفاعل في الصّلة، ومحلّها رفع بدَلًا من "أحَد". ويجوز النّصب على الاستثناء.
قوله: "مثل": منصوبٌ على الحال من مصدر مفهوم من الفعل المتقدّم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، أي: "إلا من صنع الصنع في حال كونه مثل صنعكم". هذا اختيار أبي حيّان وابن مالك فيما [وَرَد من] (٢) هذا، كقولهم: "سار شَديدًا" و"حثيثًا"، وحكَوا هذا عن مذهب سيبويه، وعَدَلوا عن إعراب المتقدّمين، إذ جَعلوه نعتًا لمصدَر محذُوف، أي: "سار سيرًا شديدًا"، و"سيرًا حثيثًا" (٣)، لأنّه يلزَم من تقدير الموصُوف حذفه في غير المواضع المستثناة (٤)، مذكُورة في الثّامن من "باب صفة الصّلاة".
"قالوا: بلى": "بلى" حرفٌ لإيجاب النفي مجردًا عن الاستفهام ومقرونًا به، وقد جاء هنا مقرونًا بالاستفهام. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾
_________________
(١) وقيل: إنها للمجاوزة، فإن القائل "زيد أفضل من عمرو"، كأنه قال: "جاوز زيد عمرا في الفضل". انظر: توضيح المقاصد (٢/ ٩٣٤)، وشرح التسهيل (٣/ ١٣٤، ١٣٥).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠)، شرح التسهيل (٢/ ١٨٣).
(٤) قال أبو حيان: "وتلك المواضع أن تكون الصفة خاصة بجنس الموصوف، نحو: مررت بكاتب ومهندس، أو واقعة خبرًا، نحو: زيد قائم، أو حالًا، نحو: مررت بزيد راكبًا، أو وصفًا لظرف، نحو: جلست قريبًا منك، أو مستعملة استعمال الأسماء، وهذا يحفظ ولا يقاس عليه، نحو: الأبطح والأبرق". انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠).
[ ٢ / ٨٥ ]
[الأعراف: ١٧٢].
ومما جاء مجرّدًا عن الاستفهام: قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى﴾ [التغابن: ٧].
وهذا هو الفرقُ بين "بلى" و"نَعَم"، لأنّ "نَعَم" يبقى الكَلام معها على ما هو عليه من إيجاب أو نفي؛ لأنها وضعت لتصديق ما قبلها (١) من غير أنْ ترفَع ذلك المنفيّ أو تُبطله، ولهذا موضع تُذكَر فيه. وقد تقدّم ذِكر "نَعَم" في الرّابع من "الجنابة"، وفي السّابع من "الإمامة".
قوله: "قال: تُسَبِّحون": هذه الجملة وما بعدها بدَل من "شيئًا"، أي: "ألا أعلِّمكم تسبيحًا وتكبيرًا وتحميدًا تدركون به".
قوله: "دُبر كُلّ صَلاة": ظرف زمان. و"ثلاثًا وثلاثين مرّة" ظرفُ زمان؛ لأنّه عَدَد الظّرف.
قال أبو البقاء: "مرّة" يقع مصدرًا، واستُعمل ظَرفًا اتساعًا (٢).
قال: وهذا يدلّ على قُوّة شبه الزّمان بالفعل، ولا يكُون المراد بـ "المرّة" الفعل. (٣)
قوله: "قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين": تقدم أن "رجع" يستعمل لازمًا ومُتعَدّيًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]. وفي الحديث: "ليرجع قائمكم" (٤). ومصدر اللازم: "رجوعًا"، ومصدر المتعدّي: "رَجْعًا" (٥).
_________________
(١) انظر: الكتاب (٤/ ٢٣٤)، والكافية (ص/ ٥٤)، وشرح المفصل (٥/ ٥٥).
(٢) انظر: إعراب لامية الشنفري (ص/ ١٤٥).
(٣) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٢٢)، تفسير أبي السعود (٦/ ١٤)، روح البيان لإسماعيل حقي (٥/ ٣٨١، ٣٨٢)، شرح المفصل (١/ ٤٢٥).
(٤) متفقٌ عليه: رواه البخاري برقم (٦٢١)، ومسلم برقم (١٠٩٣).
(٥) انظر: الصحاح للجوهري (٣/ ١٢١٦)، ولسان العرب لابن منظور (٨/ ١١٤)، =
[ ٢ / ٨٦ ]
و"فُقَراء": جمع "فَقِير"، ولم يُسمَع له فِعْل، ولا يُقَال: "فَقُر" وإن كَان قياسه أنْ يُقال: "فَقُر" فهو "فَقير" (١).
قوله: "فقَالُوا": معطوفٌ على "رجع"، والمراد: "قالوا للنبي - ﷺ -".
قوله: "فقالُوا له: سمع إخواننا": تقدّم الكلام على "سمع" في أوّل حديث من الكتاب. و"أهْل الأمْوال" بدَل من "إخواننا"، ويجوز أن يكُون عطف بيان.
قوله: "بما فعلنا": يتعلّق بـ "سمع"، أو "الباء" زائدة، أي: "سمعوا خبر ما فعلنا". و"ما" موصُولة، والعائد مفعول فعل محذُوف، أي: "بما فعلناه"، أو مصدرية؛ فلا عائد.
قوله: "ففعلوا مثله": معطوفٌ على "سمع".
قوله: "مثله": تقدّم قبلُ إعرابُه، وهو إمّا نعت لمصدَر محذُوف، أي: "فعلوا فعلًا مثله"، وإمّا حال، أي: "ففعلوا الفعل في حال كونه مثل".
قوله: "فقال": معطوفٌ، و"رسُول الله - ﷺ -" فاعل، و"ذلك فضلُ الله" مبتدأ وخبر في محلّ مفعول القَول.
و"ذلك" من أسماء الإشارة: الاسم "ذا"، و"الكاف" للخطاب، و"اللام" لبُعد المشَار إليه (٢).
وجملة "يُؤتيه" في محلّ خبر بعد الخبر. أو يكُون في محل الحال من اسم "الله" تعالى. والعاملُ فيه: معنى الإضافة.
_________________
(١) = وتاج العروس (٢١/ ٦٥، ٦٦).
(٢) انظر: لسان العرب (٥/ ٦٠، ٦١).
(٣) الكاف وإن كانت للخطاب إلا أنها تدل على البعد أيضًا. انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (١/ ١٣٣ - ١٣٥)، وشرح قطر الندى (ص ١٠٠).
[ ٢ / ٨٧ ]
ويحتمل أن يكون العامل معنى الإشارة. وفيه بحث؛ لأنّ العامل في الحال العامل في صاحبها، ولأنّ الحال من المضَاف إليه ضَعيفة (١)، إلا بشروط مذكُورة في أوّل حديث من "باب الجمعة".
ويحتمل أن تكون مُستأنفة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة: ٤]، و"مَن" هنا في موضع مفعول ثانٍ لـ "يؤتيه"، و"يشاء" صِلته، والعائد محذوف، أي: "من [يشاؤه"] (٢). وتقدّم أنّه اطرد حذف مفعول "شاء" و"أراد" حتى إن ذكره قليل.
قوله: "قال سُمَي": انظر كيف جاءت الجمَل هنا متعدّدة، مُفتتحة بالقَول، فمنها ما هو مُرتّب بـ "الواو"، ومنها ما هو بغير "واو"، وقد قيل: إنّ الجمل المفتتحة بالقول الأفصَح فيها أن لا يُؤتى فيها بحَرف يُرتِّبُ؛ اكتفاء بالترتيب المعنوي.
قال أبو حيّان: [وقد] (٣) جاء من ذلك عشرون موضعًا في "الشّعراء" في قصّة موسى - ﵇ - بغير عَطف، [دون] (٤) ثلاثة جاء منها اثنان جوابًا، وواحد كالجواب، ومثله في القُرآن كثير (٥). انتهى.
قلتُ: وقد جاء من ذلك هنا ثلاثة عشر موضعًا منها ما هو بـ "الواو"، ومنها ما هو بغيرها.
_________________
(١) جوز بعض البصريين جعل المضاف إليه صاحب حال مطلقًا، ومنعه الجمهور مطلقًا، وجوزه الأخفش وابن مالك بشروط. انظر: همع الهوامع (٢/ ٣٠٤، ٣٠٥)، شرح الأشموني (٢/ ١٩ - ٢١)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٩).
(٢) انظر: اللباب لابن عادل (٩/ ٢٧٢)، والتبيان في إعراب القرآن للعكبري (١/ ١٠٢)، والموسوعة القرآنية (١١/ ٢٤٧).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) بياض بالأصل. والمثبت من نصّ كلام أبي حيان في تفسيره (١/ ٢٤٠).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٤٠).
[ ٢ / ٨٨ ]
قوله: "فحدّثت بعض أهلي هذا الحديث": "حدَّث" هنا يتعدّى لمفعولين، أحدهما: "بعض"، والثّاني: "هذا". وقد تقدّم الكلام على "حدَّث" وأخواته في الخامس من "فضل الجماعة".
قوله: "فقال: وَهِمتَ": قال في "الصّحاح": يُقال: "وَهِمْتُ في الحساب"، "أوْهَمُ"، "وَهْمًا"، إذا "غلطتُ فيه" و"سهوتُ"، و["وَهَمْت] (١) - بفتح "العين" - في الشيء"، "أَهِم"، "وَهْمًا" بسكون "الهاء"، إذا "ذهب وهمك إليه"، وأنت تريد غيره (٢).
قلت: وهذا في الحديث بالمعنى الأوّل، أي: "غلطتُ". فمصدره: "وَهَمًا" بفتح "العين".
قوله: "إنما قال لك": تقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب. وفي قوله "لك" نوع إنكار، لأنّه لو قال: "إنما قال كذا" تمّ المعنى، وبهذا المعنى فرّقوا في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف: ٧٥]، و﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ [الكهف: ٧٢]، لأنّ الأوّل كان يحتمل السّهو، والثّاني بعيد من السّهو. و"اللام" في "لك" تُسمّى "لام" التبليغ (٣).
قوله: "تسبح الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين": هذه الجمَل كُلّها معمولة للقول، وقد تقدّم إعراب العَدَد أوّل هذا الحديث.
يقال: "سبَّح" إذا قال: "سبحان الله"، و"حَمِد" إذا قال: "الحمد لله"، و"هلَّل" إذا قال: "لا إله إلا الله". ويقال أيضًا: "سَبْحَلَ" و"حَمْدَلَ". ومنه "أيَّهَ" إذا قال: "يا
_________________
(١) غير واضح بالأصل. والمثبت من نص كلام الصحاح (٥/ ٢٠٥٤).
(٢) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠٥٤).
(٣) انظر: التحرير والتنوير (١٦/ ٥).
[ ٢ / ٨٩ ]
أيُّها"، و"حَوْقَلَ" (١) و"حَيْعَلَ"، وله نظائر كثيرة (٢).
قوله: "فرجعت": تقدّم آنفًا، وبه يتعلّق حرف الجر.
و"أبي صالح": مجرورٌ بـ "الياء" (٣).
وجملة: "فقلتُ" معطوفة على "رجعت". و"له" كما تقدّم يتعلّق بـ "قلت"، و"اللام" لام التبليغ. و"ذلك" مفعول بالقول، لأنّ القول يتعدّى إلى المفعول، نحو: "قُلتُ كَلامًا"، و"ذلك" إشَارة إلى القول.
قوله: "فقال": أي: "قال أبو صالح".
قوله: "الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله": لا بُدّ من مُقدّر تتعلّق به "حتى"، وتقديره: "قال: قُل".
وقدَّم هنا التكبير، ثُم [السَّبْحَلة] (٤)، ثم الحَمْدَلَةَ، إمَّا [لأنّ] (٥) "الواو لا ترتيب فيها، أو ليُعلِّمه أنّ الترتيب فيها غير مطلُوب، إنما المراد أنْ يأتي بهذا المجموع على أي حالٍ كان من ترتيب أو تفريق.
قوله: "حتى يبلغ": الفعل منصوبٌ بإضمار "أنْ" بعد "حتى". و"حتى" هنا مُقدّرة بـ "إلى أن" لا بـ "كي" (٦).
_________________
(١) انظر: المزهر في علوم اللغة وأنواعها (١/ ٣٧٣)، الصحاح للجوهري (٥/ ١٨٥٤)، ولسان العرب (١١/ ٧٠٥).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (١/ ٩٧)، والمزهر في علوم اللغة وأنواعها (١/ ٣٧٣)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ١١٦).
(٣) يعني: علامة جره الياء لأنه من الأسماء الستة، وهو مجرور بـ "إلى".
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل.
(٦) انظر: شرح ابن عقيل (٤/ ١٠، ١١)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٤٨ - ١٢٥٠).
[ ٢ / ٩٠ ]
قوله: "من جميعهن": يتعلّق بـ "تبلغ".
قوله: "ثلاثًا وثلاثين": مفعول بـ "تبلغ"؛ لأنّ الفعل يسلَّط عليه، بخلاف الأوّل.
الحديث الرابع:
[١٢٩]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: "أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ، فَنَظَرَ إلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي" (١).
قوله: "صلى في خميصة": جملة في موضع خبر "أنَّ".
وجملة "لها أعلام" من مبتدأ وخبر، الخبر متعلَّق المجرور، وهو مُسوّغ للابتداء بالنّكرة، ومحلّ المبتدأ والخبر صفة لـ "خميصة".
قوله: "فنظر إلى [أعْلامها] (٢) ": أراد "النبيَّ - ﷺ -". والجملة معطوفة على "صلى"، والمراد: "شرع في الصلاة، فنظر بعد دخُوله فيها"، لا بعد الصّلاة، لقوله: "فإنها ألهتني آنفًا عن صَلاتي".
و"الخميصة": "كِسَاء مُربع له أعْلام" (٣).
و"الإنبجانية": "كساء غليظ"، يُقال بفتح "الهمزة" وكسرها، وكذلك في "الباء"، وكذلك "الياء" تخفّف وتشدّد. وقيل: هي "الكساء من غير عَلَم"، فإن كان فيه عَلَم فهو "خميصة".
_________________
(١) رواه البخاري (٣٧٣) في الصلاة، ومسلم (٥٥٦) في المساجد.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٣٨)، ولسان العرب (٧/ ٣١)، وتاج العروس للزبيدي (١٧/ ٥٦٦).
[ ٢ / ٩١ ]
قال ابنُ الأثير: المحفوظ بكسر "الباء"، ويُروى بفتحها، وهو منسوب إلى "مَنبِج" المدينة المعروفة، وهي مكسورة "الباء"، ففتحت في النّسب، وأُبدَلت "الميمُ" همزة. وقيل: إنها منسوبة إلى موضع، واسمه "انبجان"، وهو أشبه؛ لأنّ الأول فيه تعسّف. وهو "كساء يتّخذ من الصّوف، وله خُمل، ولا عَلَم له"، وهي من أدوَن الثّياب الغَليظة (١).
وإنما بعَث "الخميصة" إلى أبي جهم؛ لأنّه كَان أهْدَى للنبي - ﷺ - خميصة ذات أعْلام، فلما أشغَلته في الصّلاة قال: "ردّوها عليه، وائتوني بأنبجانيته"، وإنما طَلَبها منه لئلا [يُؤثر] (٢) رَدُّ الهَديّة في قلبه.
و"الهمزة" فيه زائدة في قَول (٣).
و"إلى أعْلامها" يتعلّق بـ "نَظَرَ".
و"نَظْرَة" مصدَر مُؤكِّد، ويُفيد وحْدة العَدَد، ولا يتعلّق بـ "نظرة"؛ لأنّ معمُول المصدَر لا يتقَدّم عليه (٤). وتقدّم الكلام على عمل المصدَر في الثّاني من أوّل الكتاب.
ويحتمل أن يتعلّق بصفة لـ "نظرة"، أي: "فنظر نظرة كائنة إلى أعْلامها"، فلما تقدّم انتَصَب على الحال.
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١/ ٤٨٣)، وشرح النووي على مسلم (٥/ ٤٣)، وغريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٤٣)، والمخصص (١/ ٣٩١)، ولسان العرب (٢/ ٢٠٩)، وتيسير العلام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٢٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٧٣).
(٤) هذا إذا لم يكن ظرفًا ولا جارًا ومجرورًا، فإنه يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما. انظر: حاشية الصبان على شرح الأشموني (١/ ٣١٥). وقال ابن هشام: "إنما يمتنع تقدم معمول المصدر عليه إذا قُدِّر المصدر بحرف مصدري وفعل". انظر: مغني اللبيب (ص ٥٦٩)، وحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٤/ ١٧).
[ ٢ / ٩٢ ]
وفي قوله: "نظرَة" تنبيه على قِلَّتها، وأنَّ النّظر لم يتكرّر منه.
وأفادَت "إلى" معنى الانتهاء، أي: "انتهاء نظره - ﷺ - فيها إلى أعلامها"، فكأنّ الذي كَره منها - ﷺ - إنما هو تزينها بالأعلام، ولولا ذلك لقال: "فنظر أعلامها".
ومن تغيُّر المعنى مع حروف الجر: ما ذَكَره الثعالبي، قال: سمعتُ والي خوارزم أبو العبّاس مأمون بن مأمون يقول: "همّتي كتاب أنظر فيه، وحبيب أنظر إليه، وكريم أنظر له" (١).
قوله: "فلمّا انصرف": "لمّا" حرفُ وجوب لوجوب، أو وجُود لوجود، عند سيبويه ومَن تبعه. وذَهَب الفَارسيُّ ومَن تبعه إلى أنها ظرف بمعنى "حين"، وتقدّم الكلام عليها في الحديث الرّابع من "باب المذي".
قوله: "قال اذهبوا": جملة "اذهبوا" مفعُول القَول، والقَول جوابُ "لمَّا".
و"الباء" في قوله: "بخميصتي" باء الحال، أي: "اذهبوا مصحوبين بخميصتي". ويحتمل أن تكون "باء" التعدية، أي: "أذْهِبوا خميصتي".
ذَكَر الوجْهين أبو حيّان عند قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣] (٢).
و"هذه" (٢) نعتٌ للخميصة، ويحتمل البَدَلية.
قوله: "وائتوني بأنبجانية أبي جهم": أوقَع الظّاهر موقع المضمَر، ولو قال: "وائتوني بأنبجانيته" صحّ، كما جاء في بعض طُرق هذا الحديث (٣).
قوله: "فإنها": الضّمير يعود على "الخميصة"، وجملة "ألهتني" خبر "إنَّ".
_________________
(١) انظر: المقتطف من أزاهر الطُرف (ص/ ٩٦).
(٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢٢).
(٣) رواه أبو داود (٩١٤)، وابن ماجه (٣٥٥٠).
[ ٢ / ٩٣ ]
و"آنفًا" جاء فيه القصر والمدّ، وهما اسما فاعل، ولم يُستَعمل فعلهما، والمستعمل: ["ائْتَنف"] (١) (٢).
قال أبو حيّان في قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]: تقديره: أي: "مؤتنفا"، أي: "مبتدئًا"، وهذا منصوبٌ على الحال، وأعرَبَه الزّمخشري ظرفًا (٣)، أي: "السّاعة" (٤).
قال أبو حيان: ولا أعلم أحَدًا من النّحويين عدَّه من الظروف (٥).
قلت: وإن لم يعدَّه أحَد، فالمعنى عليه هنا، لا يصحّ خلافه، إلا أنْ تُقدّر: "أنها ألهَت عند ابتداء الصلاة"، فيكون حَالًا، أي: "ألهتني عن صلاتي مؤتنفًا للصلاة"، وفيه خروجٌ عن الظّاهر، وتكلُّف لا يخفى.
والعاملُ في "آنفًا": "ألهتني".
ويحتمل أن تكون "صلاتي" المجرور بعد "آنفًا". وحرف الجر يتعلّق بـ "ألهتني". ولا يمتنع عمَل المصدَر غير المنحلّ إلى "أنْ" والفعل فيما قبله، على المختار عند أبي حيّان ومُوافقيه (٦)، وتقدم ذلك في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب، لكنه عامِلٌ معنوي، والعاملُ المعنوي لا يتقدّم عليه الحَال عند البصريين، بخلافِ الظّرف (٧).
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ائتنفت".
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٩/ ٤٥٦)، واللباب في علوم الكتاب (١٧/ ٤٤٧)، والدر المصون (٩/ ٦٩٥، ٦٩٦).
(٣) انظر: الكشاف (٤/ ٣٢٢).
(٤) انظر: البحر المحيط (٩/ ٤٦٧، ٤٦٨).
(٥) انظر: البحر المحيط (٩/ ٤٦٨).
(٦) قال أبو حيان - ﵀ -: "ومعمول المصدر المنحل لحرف مصدري والفعل لا يتقدّم على عامله". انظر: البحر المحيط (٢/ ٤١).
(٧) انظر: الكافية في علم النحو (ص ٢٤)، وشرح ابن عقيل بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (٢/ ٢٧١ - ٢٧٣)، وشرح المفصل (٢/ ٤٢).
[ ٢ / ٩٤ ]
ويحتمل أن يتعلّق بـ "ائْتوني" أو "اذهبوا"، أي: "اذهبوا السّاعة"، أو: "ائتوني السّاعة". ولولا الفصل الكبير يُضعِفه لكَان حَسَنًا، وكذلك [يضعفه الفصْل] (١) بين متعلّق معمول "إن" بأجنبي، ويُسوّغه كوْنه ظَرفًا، والعَرَب تتّسع في الظّروف بالتقديم والتأخير.
والوَجْه ما تقدّم من تعلّقه بـ "ألهتني". ومتى علّقت بـ "ائْتوني" أو بـ "اذهبوا" دخَل التّنازع بين الفعلين، وإن أُدخل في التنازع "صلاتي" جَرَى على الخلافِ في تنازع عَوامل المعمُول مُتقدّمًا عليها. والله أعلم.
***
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٩٥ ]
باب الجمْع بين الصّلاتين في السّفَر
[١٣٠]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَجْمَعُ فِي السَّفَرِ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ". (١)
قوله: "كَان": تقدّم الكلام عليها في أوّل حديث من الكتاب. ومحلّها هنا نصبٌ بالقول. وجملة "يجمع" في محلّ خبر "كان". و"بين" تقدّم الكَلام عليها في الثّالث من "السّواك".
قوله: "على ظهر سير": قال ابن الأثير في "النهاية": جاء في الحديث: "خَيرُ الصَّدقة مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى" (٢): "الظهر" قد يُزاد في مثل هذا إشباعًا للكَلام وتمكينًا له، كأنّ [صَدَقته] (٣) مُستندة إلى ظَهر قَويّ من المال (٤). انتهى.
[و"الظَّهر"] (٥) هنا في الحديث صِلة، يتمّ معنى الحديث بدُونه، ويكون معنى الحديث أنه "يجمع بين الظّهر والعَصر [إن] (٦) كان على سير".
ويحتمل أن يكون "الظّهر" هنا "البعير الشّديد"، فيكُون المعنى "أنّه يُقصر إذا كان على ظهر"، أي: "على ظهرٍ ذي سير"، أي: "يُسار عليه".
ويحتمل أن يكون المراد: "على ظَهر طريق يُسار عليها".
وأضاف "الظّهر" إلى "السّير" إضافة تخصيص، أي: "ظهر يختصّ بالسّير".
_________________
(١) رواه البخاري (١١٠٧) في تقصير الصلاة.
(٢) متفق عليه: رواه البخاري برقم (١٤٢٦)، ومسلم برقم (٩٥/ ١٠٣٤).
(٣) بالأصل: "صدقة". والمثبت من "النهاية".
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٦٥).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الظهر".
(٦) بياض بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ٩٦ ]
قال ابنُ الأثير: جاء في الحديث: "ظهرانيهم"، و"أظهرهم"، وتكرّر ذلك في الحديث، والمراد بها الاستظهار والاستناد إليهم، وزيدت فيه "ألِف ونون" مفتوحة تأكيدًا. ومعناه: "أنّ ظهرًا منهم قُدَّامه وظهرًا وراءه"، فهو مكنوف من جانبيه، ومن جوانبه إذا قال: "بين أظهرهم"، ثم كثُر [حتى] (١) استُعمل في "الإقامة بين القوم" ومطلقًا (٢).
وتقدّم الكلام على متعلّق حرف الجر، وجملتي: "ﷺ"، و"﵁" في أوّل حديثٍ من الكتاب. وتقدّم الكلام على "إذا"، والعامل فيها، وجوابها في ثاني حديثٍ من الأوّل. وتقدّم الكَلام على "كان" في أوّل حديثٍ من الأوّل.
***
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من "النهاية" لابن الأثير.
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ١٦٦)، جامع الأصول (١/ ٢١٣).
[ ٢ / ٩٧ ]
باب قَصْر الصّلاة
[١٣١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: "صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَكَانَ لا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ - ﵃ -". (١)
قوله: "صحبتُ": جملة من فعل وفاعل، في محلّ معمول للقول.
و"قال" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر.
قوله: "فكَان": معطوفٌ على "صحبتُ".
و"الفاء" هنا عاطفة، لا [تعقيب] (٢) فيها ولا تسبيب، ولها مواضع ثلاثة (٣): -
التسبيب، كقولك: "سَها فسجد".
والتعقيب من غير تسبيب، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦].
وتكون مجرّدةً عنهما، كما تقدّم، وكقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢].
وتقدّم الكلام على "الفاء" في السّادس من "باب الاستطابة"، وعلى "لا" وأقسامها في الثالث منه، وعلى "في" وأقسَامها في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب، وتقدّم القول على "على" في الخامس من "الجنابة"، وتقدّم القول على "ركعتين" في الخامس من "صَلاة الجماعة".
والمراد: "على ركعتين من صلاته، إلا المغرب".
_________________
(١) رواه البخاري (١١٠٢) في تقصير الصلاة.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح قطر الندى (ص ٣٠٢، ٣٠٣).
[ ٢ / ٩٨ ]
قوله: "وأبا بكر وعمر وعثمان": كذلك الرّواية، بالنّصب فيها كُلّها، فالنّصب في الأوّل بـ "الألِف"؛ لأنّ الاسم من الأسماء السّتة، وهو مُركّب تركيب إضافة، وتقدّم الكلام عليه في ثاني حديثٍ من الأوّل.
و["عمر"] (١) لا ينصرف؛ للعَلَمية والعَدل التقديري، وتقدّم الكلام عليه في الحديث الأوّل من الكتاب.
و"عثمان" لا ينصرف؛ للعلمية وزيادة الألِف والنون.
وكلها معطوفة على "رسول الله - ﷺ -".
ولو رُوي برفعها على الابتداء، والخبر "كذلك"، أي: "صلوا كذلك"، جاز. وعلى النصب فيها يَحتَمِلُ "كذلك" أن تكون "الكاف" مبتدأً، اسم بمعنى "مثل"، والخبر محذوف، أي: "كذلك صلاتهم".
ويجوز الرّفع فيها بالعَطف على اسم "كان"، أو بالعطف على فاعل "يزيد"، ويكون التقدير: "كان النبي - ﷺ - لا يزيد هو وأبو بكر وعمر على ركعتين"، ويكُون "كذلك" إمّا منصوب بفعل، أي: "كُلّهم فعلوا كذلك"، أو مرفوع بتقدير: "كذلك فعلوا".
ويجوز فيها النصب على المفعول معه، أي: "كان النبي - ﷺ - لا يزيد هو مع أبي بكر وعمر وعثمان على ركعتين"، ويجري في ذلك ما تقدّم.
ويجوز أن يكون "عثمان" [مرفوعًا] (٢) بالابتداء مقطوعًا عما قبله، ويُقدَّر خبره مثل ما قبله، أي: "وعثمان فعل مثل ذلك".
***
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) بالنسخ: "مرفوع".
[ ٢ / ٩٩ ]
باب الجُمعَة
الحديث الأوّل:
[١٣٢]: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ [قال: رأيت] (١) النبي - ﷺ - قام [عليه] (٢) فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى، [حتى سجد] (٣) فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاتِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلمُوا صَلاتِي".
وَفِي لَفْظٍ: صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى". (٤)
قوله: "رأيت النبي": جملة معمولة للقول.
قوله: "قام": جملة في محلّ الحال من "النبي - ﷺ -"، والتقدير: "وقد قام". وتقدّم الكلام على الحال إذا وقعت فعلًا ماضيًا في السّابع من أوّل الكتاب. وثبت في رواية هذا الحديث: "قال: رأيتُ النبي - ﷺ - وقام عليه، فكبّر، وكبّر الناس". وهذا الحديثُ اقتضبه الشّيخ من حديث سَهل بن سعد: "وهو من طرفاء الغابة، ولقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - قام عليه، فكبر، وكبر النّاس" (٥).
والضّمير في "عليه" يعود على "المنبر"، وعلى ما ذكره الشّيخ يكون الضّمير يعود على مذكُور في ذِهنه، ويكون اكتفى عنه بقوله: "وهو على المنبر" لأنها في محلّ
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من متن "عمدة الأحكام".
(٢) لم يذكر شيء يعود عليه الضمير في "عليه"، وهي مثبتة في بعض الروايات مع ذكر "المنبر" قبلها. انظر: صحيح مسلم، حديث رقم (٤٤/ ٥٤٤)، وقد أثبتت في بعض النسخ من "عمدة الأحكام" وهي النسخة المطبوعة بمكتبة المعارف سنة ١٤١٩ هـ.
(٣) بياض بالأصل. والمثبت من متن عمدة الأحكام (١٠٣).
(٤) رواه البخاري (٩١٧) في الجمعة، ومسلم (٥٤٤) في المساجد.
(٥) متفق عليه: البخاري (٩١٧)، ومسلم (٥٤٤/ ٤٤).
[ ٢ / ١٠٠ ]
حال من "النبي - ﷺ -".
ويحتمل أن يعود الضّمير على المفهوم من السياق، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] (١)، والأوّل أبينُ لمن عَلم أصْل الحديث.
قوله: "فكبرّ": "الفاء" للتعقيب من غير تسبيب، و"كبّر الناس" معطوفٌ عليه. وتقدّم الكلام على "وراء" في الثّالث من "باب الصفوف".
قوله: "وهو على المنبر": جملة في محلّ الحال من ضمير "النبي" في "كبَّر"، ويحتمل أن يكون في محل الحال من "النّاس". ويكون الحال على التقدير الأوّل بـ "الواو" والضّمير، وعلى الثّاني بـ "ـالواو" وحدها.
ولا يكُون الحال من [ضمير] (٢) "وراءه"؛ لأنّ الحال من المضاف إليه ضعيفة، إلّا في مواضع مذكورة تقدّمت في الحديث الرّابع من "الحيض".
قوله: "ثم رفع": أي: "رفع من الركوع".
"ثم نزل": إنما نزل؛ لأنّ أعلى المنبر لا يسَع السّجود عليه.
قوله: "ثم عاد": اعلم أنّ "عاد" أحَد الأفعال الأربعة التي هي "غدا"، وراح"، و"آض"، و"عاد" (٣)، وقد جاءت متعدّية بحرف الجر، وجاء بعدها منصوبٌ يحتمل أن يكون خبرًا لها، على إعمالها عمل "كان".
فإذا قلت: "عاد زيدٌ راكبًا"، كان "زيد" اسمها، و"راكبًا" خبرها، يُجْرونها
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (١٥/ ١٩٥)، والبحر المحيط (٩/ ١٥٤)، وفتح الباري (٢/ ٤٣)، نخب الأفكار للعيني (٣/ ٢١١)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٤٥)، عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٤٤٥)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٨٠)، همع الهوامع (١/ ٢٦٥).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت حسب ما فهم من السياق، والله أعلم.
(٣) انظر: المقدمة الجزولية في النحو (ص/ ١٠٤).
[ ٢ / ١٠١ ]
مجرى "صار" (١). ومنهم مَن لا يلحقها بـ "كان"؛ لما رأى من قصورها عنها، فيجعل انتصاب ما بعدها على الحال؛ لأنها تتعدّى بحرف الجر؛ لأنّ خبرها لا يصحّ أن يكُون معرفة، بخلاف "صار".
والتقدير في الحديث هنا: "ثم عاد إلى مكانه الذي كان فيه قبل نزوله". وعلى هذا، فلا يكون من أخوات "كان".
وإن قدّرتها بمعنى "صار": كان اسمها ضَمير "النبي - ﷺ -"، وخبرها مُقدَّر، أي: "ثم عاد فاعلًا ذلك حتى فرغ". وسيأتي الكلام عليها وأخواتها في السّادس من هَذا الباب.
قوله: "القهقرى" (٢): مصدَر لبيان النوع، من المصادر المختصّة، ومنه: "اشتمل الصمّاء"، وهو "يعدو الجَمَزَى".
والتقدير: "فنزل يمشي مشى القهقرى"، أي: "متقهقرًا".
واختلف الناس في نصبها، فقيل: هي منصوبة بفعل مُقدّر من لفظها، والتقدير: "رجع قهقرا القهقرى"، ويحتمل هو صفة لموصوف محذوف، أي: "رجع الرجعة القهقرى"، والثّالث تقدّم، ومثله: "قعد القرفصاء"، و"اشتمل الصماء"، والخلاف في الكُلّ واحد (٣).
قوله: "حتى سَجَد": "حتى" حرف ابتداء متعلّقة بـ "يمشي" المقدّر.
قوله: "في أصل المنبر": أي: "إلى أصل المنبر".
_________________
(١) انظر: الكافية في علم النحو (ص ٤٧)، وشرح الكافية (١/ ٣٨٨).
(٢) القهقرى: الرجوع إلى خلف. انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٨٠١)، والقاموس المحيط (ص/ ٤٦٧).
(٣) انظر: أوضح المسالك (٢/ ١٨٤، ١٨٥)، وشرح المفصل (١/ ٢٧٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٦٤، ٢٦٥).
[ ٢ / ١٠٢ ]
وقد جاءت "في" بمعنى "إلى" ومُرادفة لها في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] (١).
ويحتمل أن يتعلّق "في" بحال، أي: "فسجد مُستقرًا في أصل المنبر"، أي: "جعل سُجوده بين قوائم المنبر".
قوله: "ثُم عَاد إلى محلّه من المنبر": فتعدّى الفعل بـ "إلى".
قوله: "حتى فرغ من صلاته": يتعلّق بـ "عاد". وتقدّم الكلام على "حتى" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. و"فرغ" لازم، لا يتعدّى.
يُقال: "فَرَغ من الشغل"، "يفْرُغ" بضم "العين"، "فُروغًا" و"فراغًا". ويُقال: "فَرِغ الماءُ" بالكسر "يَفْرَغ"، "فراغًا"، مثل: "سَمِع، يسمَع، سماعًا"، أي: "انصبَّ" (٢).
قوله: "من آخر صلاته": لو قال: "من صلاته" أدَّى المعنى، ولكنه ضمَّن "فرَغ" معنى "انتهى"، [أي: "حتى انتهى] (٣) إلى آخر صلاته".
ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الأحوَال والانتقالات في الصّلاة؛ [إذْ] (٤) كان منها ما هو على المنبر، ومنها ما هو أسفل منه، وآخر صلاته - ﷺ - كان على الأرض أسفَل المنبر، فقال: "من آخر صلاته" مُراعاة لهذا المعنى. والله أعلم.
قوله: "ثُم أقبَل على الناس": "ثُم" هنا على بابها من الترتيب.
وذكر الإقبال؛ لأنّ قبله كان ظهره إليهم. يُقال: "أقبل" و"قبل على الناس"
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (٩/ ٣٤٥)، والبحر المحيط (٦/ ٤١٢).
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٤/ ١٣٢٤)، ولسان العرب (٦/ ٤٤٥)، وتاج العروس (٢٢/ ٥٤٤).
(٣) مكررة في (ب).
(٤) في الأصل "إذا" ومكررة فيه.
[ ٢ / ١٠٣ ]
بمعنى (١).
"فقَال: يا أيها النّاس": تقدّم الكلام على "يا" في النّداء في الرّابع من "الجنابة"، والسّابع من "الإمامة". و"النّاسُ" صفة لـ "أيّ" لازمة للرّفع، خلافًا للمازني ومَن وافقه، فإنهم أجَازوا النّصب، وقد قُرئ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، وتقدّم الكلام على "ناس" في السّابع من "الإمامة".
قوله: "إنّما صنعت هذا لتأتموا بي": "إنما" كافَّةٌ ومكفوفة، وتسمّى: "مُهيِّئة" (٣)، وتقدّم الكلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "لتأتموا بي": "اللام" لام "كَيْ" (٤). و"تأتَمُّوا" فعل مضارع وفاعل. و"بي" متعلّق بالفعل. "ولتعلَّموا صلاتي" معطوفٌ عليه، و"اللام" الثّانية مُشدّدة، ويجوز تخفيفها.
قوله: "وفي لفظ": تقدّم أنه يجوز في مُتعلَّقه وجهان: -
أحدهما: "جاء"؛ فيكون جملة "صلَّى" - عليها - فاعلُهُ على الحكاية.
والثاني: "روي"؛ فتكون الجملة [مفعولا] (٥) لم يُسمَّ فاعلُه.
_________________
(١) انظر: لسان العرب (١١/ ٥٣٧)، والمصباح المنير (٢/ ٤٨٨).
(٢) سورة [الكافرون: ١]. وانظر: تفسير القرطبي (١/ ٢٢٥)، وتفسير النسفي (١/ ٦١، ٦٢)، والكشاف للزمخشري (١/ ٨٩)، حاشية الصبان (٣/ ٢٢٣)، وشرح شذور الذهب لابن هشام (ص/ ٥٨٤).
(٣) في قوله: "إنما" تسمى "ما" كافَّة لأنها تكف "إنَّ" عن العمل، و"إنَّ" هي المكفوفة، وأما "المهيِّئة" فهي "ما" لأنها هيَّأت "إنَّ" للدخول على الجملة الفعلية. انظر: شرح المفصل (٤/ ٥٢٢)، ونتائج الفكر للسهيلي (ص/ ١٤٥)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص ٤٠٤)، وهمع الهوامع للسيوطي (١/ ٥٢١).
(٤) انظر: لسان العرب (١٢/ ٥٥٨)، وتاج العروس (٣٣/ ٤٤٨)، وتهذيب اللغة (١٥/ ٢٩٣)، وتوضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٤٣).
(٥) في الأصل: مفعول.
[ ٢ / ١٠٤ ]
ويجوز أن يكون في محلّ خبر لما بعده على الحكاية.
والضّمير عائد على "أعواد المنبر" لأنّه جاء في الحديث: "مُرِي غلامَكِ النّجَارَ يَصْنَع لي أعْوَادًا" (١)، كما تقدّم أوَّل الحديث، فتارة أعاد الضمير على "المنبر"، وتارة أعاده على "أعواد".
قوله: "فنزل القهقرى": تقدّم قريبًا.
الحديث الثاني:
[١٣٣]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَر - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (٢).
قوله: "قال": تقدّم الكلام على القول وعمله في أوّل حديث من "باب السّهو"، وتقدّم الكلام على "مَن" الشرطية في العاشر من أوّل الكتاب، وفي الرّابع منه، وفي السّابع منه. ومحلّ "مَن" هنا رفع بالابتداء، والخبر في فعل الشرط، وقيل: في جوابه، وقيل: فيهما.
و"الجمعة" هنا مفعول به، لأنها يجمع النّاس لها.
ولها عند العرب ثلاثة أسماء، أشهرها: "جمعة"، والثاني: "العَروبة" بالألِف واللام، وفيها لُغة شاذة: "عروبة" بغير "لام"، وبغير صَرف. وتُسمّى أيضًا: "حربة" بـ "الحاء" و"الراء" و"الباء" الموحدة من تحت.
و"الجمعة": بتسكين "الميم" وضمها وفتحها، لُغات، الضّم على أنّه مصدَر بمعنى "الاجتماع". وقيل في المسكَّن أنه بمعنى: "المجمع فيه"، مثل: "رجل ضحْكة"، أي: "يُضحك منه".
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٤٤٨)، ومسلم (٥٤٤/ ٤٤).
(٢) رواه البخاري (٨٩٤) في الجمعة.
[ ٢ / ١٠٥ ]
ووجْه الفتح: أنه بمعنى "الفاعل"، أي: "يوم المكان الجامع"، مثل "ضُحَكة"، أي: "كثير الضحك".
والجَمْعُ: "جُمَع" و"جُمُعات"، ويجوز الفتح والتسكين.
وإنما سُميت: "العَروبة" من ["أعرَب"] (١) إذا "بَيَّن"؛ لأنه يومٌ بَيِّن عندهم. وإنما سمَّوه: "حربة"؛ لأنه يوم عال، كـ "الحربة"، بمعنى أنّه مُرتفع عال. وقد قيل: من هذا اشتُق "المحراب".
وقيل: إنما سُمّي "جمعة"؛ لأنّه جمع فيه خلق السّماء والأرْض (٢).
واعلم أنّ أيام الجمعة تُجمَع وتُثنَّي، فجمع "السَّبت" في القلّة: "أَسْبُت" و"سَبَتات" بالتحريك لا غير؛ لأنّه ليس بنعت، وفي الكثرة: "السُّبوت"، ويجوز: "السِّبات"، مثل: "فَرْخ" و"فِراخ" (٣).
ويجمع "أحَد" على "آحَاد" و"أحدات" و"أحود"، وحُكي "أُحد" بضم "الهمزة".
وأمّا "الاثنان" فسبيله ألا يُثنَّى ولا يجمع، وأن يُقال فيه: "مضت أيام الاثنين"، إلّا أن يقول: "ذوات"، وحكوا: "أثن". وجمعه: "ثني". وقيل: جمعه: "أثانين" و"آثان".
وأمّا "الثلاثاء": فجُمع على: "ثلاثوات" و"أثالث" و"أثاليث".
وأمّا "الأربعاء": فيُجمع على: "أربعاوات" و"أرابيع".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٥٤)، الصحاح (٣/ ١١٩).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٧/ ٣٠٥)، والهداية إلى بلوغ النهاية (١/ ٣٠٠)، والصحاح للجوهري (١/ ٢٥٠).
[ ٢ / ١٠٦ ]
وأمّا "الخميس": فيجمع على: "أخمسة"، وفي الكثرة: "خمس" و"خمسان"، كـ "رغيف" و"رغف" و"رغفان". ويُقال: "أخمساء" كـ "أنصباء"، و"أخامس" (١).
وهنا محذوفٌ، التقدير: "مَن جاء منكم صلاة الجمعة".
قوله: "فليغتسل": "اللام" لام الأمر، وتقدّمت في الرّابع من الأوّل، وفي السّادس من "الإمامة".
قوله: "منكم": يتعلّق بـ "جاء"، و"من" لبيان الجنس، وتقدّم الكلام عليها وأقسامها في العَاشر من أوّل الكتاب.
[الحديث الثالث] (٢):
[١٣٤]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: "صَلَّيْتَ يَا فُلانُ؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ: "فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ" (٤).
قوله: "جاء رجل": في محلّ نصب، معمول القول.
وجملة "والنبي - ﷺ - يخطب" مبتدأ وخبرٌ، في محلّ الحال من "رجُل"، وإن كان نكرة؛ لأنّه معلوم لجابر، ومشهورٌ بين الصّحابة (٥)، كان اسمه: "سُلَيْك الغَطَفانِيّ"،
_________________
(١) انظر مسألة جمع أيام الأسبوع في: عمدة الكتاب لأبي جعفر النحاس (ص/ ٩٣ - ٩٥)، والأزمنة وتلبية الجاهلية (ص/ ٣٤، ٣٥).
(٢) سقط ترقيم هذا الحديث من النسخ، وبالتالي وقع الخطأ في ترقيم بقية أحاديث الباب، وتم ضبط ذلك، مع الرجوع إلى فهرس الكتاب لابن فرحون.
(٣) رواه البخاري (٩٣٠) في الجمعة، (٩٣١)، ومسلم (٨٧٥) في الجمعة.
(٤) رواه مسلم في (٨٧٥) (٥٥).
(٥) يمكن أن يقال هنا: جاء صاحب الحال نكرة لأن الحال وقعت جملة مقرونة بالواو، وهذا من مسوغات مجيء صاحب الحال نكرة، غير أن هذا المسوغ ليس مما اتفق عليه =
[ ٢ / ١٠٧ ]
فهو كِناية في معرفة (١).
وتقدّم الكلام على "فلان" و"فلانة" في السّادس من "الإمامة"، وهما من الأسماء التي لا تثنى؛ لأنهما لم يُستعمَلا نكرة؛ بسبب أنهما كناية عن الأعْلَام، والاسم العَلَم لا يثنى حتى ينكَّر (٢).
قوله: "يخطُب النّاس": تعدّى "خطب" إلى مفعول؛ لأنّه تضمَّن معنى: "يعظ الناس"، و"يذكِّر النّاس". والعَاملُ في "يوم": "يخطب".
وتقدّم أنّ "يوم" و"يوح" الفاء فيهما و"العين" حرفا علَّة، وذلك لا يوجد في غيرهما، يعني [تتقدم] (٣) "الياء" فيهما (٤).
وزاد بعضهم: "ويل" و"ويح" و"ويس" (٥)، وهذه مصادر.
وتقدّم ما قيل في "اليوم"، وعلى [ما يقع] (٦) عليه في الثّالث من "باب الاستطابة".
_________________
(١) = النحويون، فيمكن أن يقال: إن هذا ليس ممتنعًا، بل هو قليل. انظر: تسهيل الفوائد (ص ١٠٩)، وشرح التسهيل (٢/ ٣٣٤)، شرح الأشموني (٢/ ١٤)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٥٥ - ٢٦٣)، والكتاب لسيبويه (٢/ ١١٢).
(٢) يعني بهذه العبارة، والله أعلم: أنّ الراوي كنَّى عن "سُلَيكٍ" - ﵁ - بلفظ: "رجل"، برغم أنه معرفة بالنسبة له.
(٣) للتثنية شروط أربعة: الإفراد، والتنكير، والإعراب، وعدم الإضافة. انظر: الحدود في علم النحو (ص ٤٦٠)، وهمع الهوامع (١/ ١٥٤ - ١٥٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: المجيد في إعراب القرآن المجيد للصفاقسي (ص ٥٨)، طبعة: كلية الدعوة الإسلامية بطرابلس ليبيا، وتاج العروس (٧/ ٢٢٢، ٢٢٣).
(٦) انظر: شرح المفصل (٥/ ٤١٩)، وشرح الشافية للرضي (٣/ ٧٢).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ١٠٨ ]
قوله: "فقَالَ": يعني: "النبي - ﷺ -". "صلَّيْتَ؟ ": أي: "أصليتَ؟ "، فحذف "همزة" الاستفهام، وحذفُها فصيح، جاء منه كثير، منه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] قال ابن مالك: الأصل: أَوَتلك نعمةٌ؟ " (١). وقول الشّاعر:
. . . . . . . . . . بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمانِ (٢)
قالوا: والسّر في ذلك كثرة استعمال الاستفهام في ذلك الكلام، حتى قيل: إنّ الاستفهام أكثر من الخبر. وقيل: "الاستفهام دهليز العلم".
"قال: لا": "لا" حرفُ جواب، تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "كتاب الحيض". وفاعل "قال": ضمير المكنى عنه بـ "فلان".
وفاعل "قال" الثّانية ضمير "النبي - ﷺ -". وجملة "قُم فارْكَع" معمولة للقول. و"ركعتين" مصدر "ركع"، وتقدّم الكلام على ذلك في الخامس من "صلاة الجماعة".
قوله: "وفي رواية: فصلِّ ركعتين": جملة "فصلِّ ركعتين" يحتمل محلُّها في الإعراب ما يقتضيه العاملُ في حرْف الجر، فإن قُدِّر "جاء" فهي في محلّ فاعل، وإن قُدر "رُوي" فهي في محلّ مفعول لم يُسمَّ فاعله، وإن قُدر مبتدأً فَالمجرور في محلّ الخبر، والكُلّ على الحكاية.
وهذا الحديث مع الذي بعده مرتَّب في "العُدّة" بتقديم البعدي وتأخير القبلي، وهي في "العمدة" على أنّ راويهما واحد؛ فقال: "وعنه" يعني: "عن عبد الله بن عمرو". وفي شرح الشّيخ تقيّ الدّين رواية جابر بن عبد الله، كالذي قبله في الشّرح، فليُتأمَّل ذلك، فإنّ نُسَخ الشّرح على هذه المخالَفَة، وقد اتَّبعتُ في الإعراب شرح
_________________
(١) انظر: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٢١٥ - ١٢١٧)، وتفسير القرطبي (١٣/ ٩٦)، والبحر المحيط لأبي حيان (٨/ ١٤٨).
(٢) عجز بيت من الطويل، وهو لعمر بن أبي ربيعة، وصدره: "لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وإِنْ كُنْتُ دَارِيًا". انظر: المعجم المفصل (٨/ ١٨٦)، وخزانة الأدب (١١/ ١٢٢).
[ ٢ / ١٠٩ ]
الشّيخ - ﵀ -.
الحديث [الرّابع] (١):
[١٣٥]: عَنْ جَابِرٍ بن عبد الله قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ". (٢)
جملة "يخطب" خبر "كان". وجملة "كان" معمولة للقول. والقول في محلّ خبر "أن" المقدّرَة، المعمولة لمتعلَّق حَرْف الجر.
قوله: "يخطُب خُطبتين": عَدَد مصدَر، مثل: "يركع ركعتين".
و"خَطَبَ" إذا تعدّى يُضمَّن معنى "وَعَظ" و"حَثَّ"، يُقال: "خطب"، "يخطُب"، "خُطبة"، فهو "خاطب"، و"خطيب" (٣).
قال الشّيخ تقيّ الدّين: هذا الحديث لم أقف عليه بهذه الصّيغة في الصحيحين، فمَن أراد تصحيحه فعليه إبرازه (٤).
قوله: "وهو قائم": في محلّ الحال من فاعل "يخطب"، وجاءت جملة الحال اسمية بـ "الواو" والضّمير وحده.
قوله: "يَفصِل بينهما بجلوس": جملة فعلية في محلّ الحال من الضّمير في "قائم"، فتكون الحال مُتداخلة. ويُحتمل أن يكُون حالًا من ضمير "يخطب" إن قلنا: بتعدّد الحال (٥)، وتكون هذه الحال بالضّمير وحده؛ لأنّ المضارع متى وقع حالًا لم يكن
_________________
(١) بالنسخ: "الثالث". وقد مر سبب التغيير.
(٢) رواه البخاري (٩٢٠) في الجمعة، (٩٢٨)، ومسلم (٨١٦) في الجمعة.
(٣) انظر: لسان العرب (١/ ٣٦١)، وتاج العروس (٢/ ٣٧٢).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٣٤).
(٥) أجاز ابن مالك تعدّد الحال، ومنعه ابن عصفور. انظر شرح التسهيل (٢/ ٣٤٨، ٣٤٩)، وهمع الهوامع (٢/ ٣١٥).
[ ٢ / ١١٠ ]
بـ "الواو"، فإن صحبتْه صيَّرتْه جملة اسمية بتقدير مُبتدأ، فلو قال: "ويفصل بينهما بسلام"، كان التقدير: "وهو يفصل بينهما".
[وإنما] (١) قالوا ذلك؛ لأنّ المضارع يجري مجرى اسم الفاعل، فكما لا يحتاج الأصل إلى "واو"، فكذلك ما هو بمنزلته. [فإذا] (٢) قلت: "جاء زيد يضحك"، معنا: "ضاحكًا" (٣).
وتقدّم الكلام على "بين" في الثّالث من "باب السواك".
و"الباء" في قوله: "بجلوس" باء الاستعانة، أو "باء" الحال، أي: "ملتبسًا بجلوس".
و"الفصل" في اللغة: "القطع" (٤)، فالمعنى هنا: "أنه كان يقطع ما بين الخطبتين بجلوس"، ومنه: "لَا رضَاعَ بَعْدَ فصَالٍ" (٥).
الحديث [الخامس] (٦):
[١٣٦]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ". (٧)
قال الشّيخ تقيّ الدّين: يُقال: "لغا، يلغو"، و"لغا، يلغي"، و"اللغا": "رديء
_________________
(١) في الأصل: "إنما"، والمثبت كما في (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٦٢، ٧٦٣)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٢٧٩، ٢٨٠)، وشرح التسهيل (٢/ ٣٦٧)، وهمع الهوامع (٢/ ٣٢٢، ٣٢٣).
(٤) انظر: الصحاح (٥/ ١٧٩٠)، ولسان العرب (١١/ ٥٢١).
(٥) إسناده حسن: رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (٩٥٢)، والبيهقي في الكبرى (١٤٨٨٠)، وحسَّنه المقدسي في "الأحاديث المختارة" برقم (٦٨٣).
(٦) بالنسخ: "الرابع".
(٧) رواه البخاري (٩٣٤) في الجمعة، ومسلم (٨٥١) في الجمعة.
[ ٢ / ١١١ ]
الكلام" (١).
زاد ابن الأثير: "لَغَا، يَلْغَا". (٢)
وقال غيره: يُقال: "لغا الرجل يلغو" إذا "تكلّم بلغته" (٣)، وليس هذا مما جاء في الحديث.
قال ابن عطيّة: "اللغو": "السّقط من القول" (٤).
وفي حديث أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة أنّه قال: "فَقَد لَغَيْتَ" (٥)، والأفصح: "لَغَوت".
وعدَّ بعضهم "لَغَيت" لحنًا من بعض الرّواة.
تقدّمت "إذا" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب، وتقدّم الكَلام على القول وعمله في الأوّل من "السّهو".
و"اللام" في قوله: "لصاحبك" لام التبليغ.
قال أبو حيّان: ومنه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. (٦)
قوله: "أنصت": يُقال: "أنصت"، "ينصت" إذا "سكتَ سُكوت مُستمع"، وقد "نصت". و"أنصته"، أي: "أسكته"، فهو لازم ومُتعدّ.
قال الهروي: قال: "أنصته" و"أنصت له" مثل "نصحته" و"نصحت له" (٧).
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٣٥).
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥٧).
(٣) انظر: رياض الأفهام (٣/ ٧).
(٤) انظر: تفسير ابن عطية (٥/ ١٩٠).
(٥) صحيحٌ: مسلم (٨٥١/ ١٢).
(٦) انظر: البحر المحيط (٢/ ٤٥٧).
(٧) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٦٢)، ومجمع بحار الأنوار (٤/ ٧١١)، =
[ ٢ / ١١٢ ]
قال الزّمخشري: يُقَال: "أنصتوني" من "الإنصات"، وأصله: "أنصتوا إليَّ"، فحذفوا "إلى"، وتعدّى بنفسه بمعنى "استمعوا إليَّ"" (١).
و"يوم الجمعة": ظرفُ زمان، تقدّم. والعاملُ فيه: "قلت"، ولا يعمل فيه "أنصت"؛ لفساد معناه؛ لأنه ليس المراد أن يقول: "أنصت لي في يوم الجمعة"، إلا أن تكون جملة: "والإمام يخطب" حالًا من الضّمير في "قُلت". ولا يتعلّق بـ "صاحبك"؛ لأنه ليس المراد تقييد الصّحبة بيوم الجمعة.
قوله: "والإمام يخطب": جملة من مبتدأ وخبر، في محلّ حال من ضَمير الفاعل في "قلت". ولا يصحّ أن يكون حالًا من "صاحبك"؛ لفسَاد المعنى، ولا حالًا من ضمير "أنصت".
و"يوم" معمول لفاعل "قلت"؛ لأنه يلزم أن يكون القائل "لاغيًا" بقوله: "أنصت"، وإن كان القول مُتقدّمًا على ساعة الخطبة، وليس كذلك.
قوله: "فقد لَغَوت": "الفاء" جواب "إذا"، و"الفاء" في جواب الشرط تفيد التسبيب، وتقدّم الكلام على "الفاء" في السّادس من "الاستطابة"، وتقدّم الكلام على جواب الشّرط إذا كان ماضيًا لفظًا مُستقبلًا معنى، كما هو هنا، كُلّ ذلك في الحديث السّابع من "الجنابة".
_________________
(١) = والصحاح (١/ ٢٦٨)، ولسان العرب (٢/ ٩٨، ٩٩).
(٢) انظر: لسان العرب (٢/ ٩٩).
[ ٢ / ١١٣ ]
الحديث [السّادس] (١):
[١٣٧]: وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ [في الساعَةِ الأُولى] (٢) فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً. وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً. فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتمعُونَ الذِّكْرَ" (٣).
قوله: "من اغتسل": تقدّم الكلام على "مَن" مستوفَى في الرّابع من أوّل الكتاب، والعاشر منه.
وتقدّم في الحديث قبله "يوم الجمعة"، والكلام عليها.
قوله: "ثم راح": تقدّم الكلام على "ثم" في الثّاني من "باب الجنابة"، وهي تفيد الترتيب، ورُوي: "ورَاحَ" (٤) بـ "الواو"، كلاهما لا تفيد معنى التعقيب المطلوب في اتصال "الغُسل" بالسّير إلى الجمعة، فلا يكُون فيه دليلٌ على اشتراط الاتصال بالسّير.
قوله: [فكأنما] (٥): هو جوابُ الشرط.
و"كأنما" كافَّة ومكفوفة. والكافَّة: ما كفَّت "كأنَّ" عن العمل، وتسمَّى: مهيِّئة، هيَّئتْ "كأنَّ" للدخُول على الفعل. وتقدّم الكلام على "كأنَّ" في الحديث الثّاني من "الأيْمان".
_________________
(١) بالنسخ: "الخامس".
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) رواه البخاري (٨٨١) في الجمعة، ومسلم (٨٥٠) في الجمعة.
(٤) رواه النسائي في السنن الكبرى (١٧٠٨).
(٥) في الأصل: "فإنما"، والمثبت من (ب).
[ ٢ / ١١٤ ]
ويحتمل أن تكون "ما" هنا موصولة بمعنى "الذي" لو ثبت رفع "بدنة" في الرّواية، أي: "كأن الذي قربه بدنة"، فتكون "ما" مع صلتها اسم "كان"، و"بدنة" خبرها، والعائد على "ما" ضمير محذوف، لكن يتوقف ذلك على الرّواية.
وفي الكلام محذوف، أي: "من اغتسل يوم الجمعة، وراح إلى الصلاة".
قال في التسهيل: يلحق بمعنى "صار": "كان"، و"أصبح"، و"أضحى"، و["أمسى"] (١)، و"ظل".
ويلحَق بها ما رادفها من: "آض"، و"عاد"، و"آل"، و"رجع"، و"استحال"، و"تحول"، و"ارتد"، و"قعدت كأنها حربة".
قال: والأصحّ أن لا يلحَق بها "آل" ولا "قعد" مُطلقًا، وأن لا يجعل من هذا الباب: "غدا" و"راح" ولا "أسحر" و"أفجر" و"أظهر" (٢).
قال ابنُ مالك في "تحفة الراغب" (٣): التحقيقُ أنّ "غدا" و"راح" ليسا من هذا الباب، بل هي أفعال تامة، والمنصوبُ بعدها على الحال؛ لأنّ خبرها لا يصحّ أن يكون معرفة، وخبر أفعال هذا الباب يصلح أن يكُون معرفة، فلا تكون حالًا؛ لأنّ شرطها التنكير (٤).
فـ "راح" هنا متعدٍّ بحرف الجر، فلا يكُون لها اسم وخبر إلّا عند مَن جعل لها ذلك، فيكون خبرها محذوفًا، أي: "من راح قاصدًا للمسجد في الساعة الأولى".
قوله: "قَرّب بدنة": المعنى: "أهدَى بدنةً"، ومنه: "القُربان".
_________________
(١) في الأصل: "فإنما"، والمثبت من (ب).
(٢) انظر: تسهيل الفوائد (ص ٣٥، ٥٤).
(٣) لم يذكر أحد فيما طالعت من كتب اسم هذا الكتاب من كتب ابن مالك.
(٤) انظر: شرح التسهيل (١/ ٣٤٧، ٣٤٨)، وشرح الكافية الشافية (١/ ٣٩٢).
[ ٢ / ١١٥ ]
قوله: "في السّاعة الثّانية": تقدّم بناء اسم الفاعل من أسماء العَدَد في التّاسع من "باب صفة الصلاة".
قوله: "أقرن": صفة لـ "كبش"، وليس هو "أفعل من"، وإنما المراد: "ذا قرنين"، كـ "أبطح"، و"أبرق" مما استُعمل دون موصوفه.
و"السّاعة الثّانية" و"الثّالثة" و"الرّابعة": حكمها جارٍ على القَاعِدة الأصلية المرفوضة، فتؤنّث مع المؤنث، وتذكّر مع المذكّر (١)، قالوا: لأنّه جرى مجرى "ضارب" و"ضاربة"، وقد تقدّم ذلك.
قوله: "فإذا خرج الإمام": تقدّم حُكم "إذا" والعامل فيها في الثّاني من أوّل الكتاب. وجواب "إذا": "حضرت الملائكة".
يجوز في "حضر" فتح عينه وكسرها، يُقال: "حضر القاضي اليوم امرأة"، بكسر "الضاد" وفتحها.
و"الملائكة": جمع "ملك"، على وزن "فَعَل"، من "الْمُلْك"، وهو "القوة"، ولا حذف فيه، وجُمع على: "فعائلة" شذوذًا. وقيل: مُفرده "فَعْأل" كـ "شَمْأل". وقيل: مفرد "مَلْأَك" على وزن "مَفْعَل"، قال:
فَلَسْتَ لَإِنْسِيٌّ وَلَكِنْ لَمَلْأَكٌ تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (٢)
وقيل: مفرده "مألك" من "الألوكة"، وهي: "الرّسالة" (٣).
_________________
(١) انظر: توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣٣٠)، وإعراب القرآن وبيانه (٥/ ٥٧٠)، ضياء السالك (٤/ ١١٤، ١١٥).
(٢) البيت من الطويل، وهو لعلقمة الفحل، وقيل لغيره. انظر: المعجم المفصل (١/ ٢٨٩)، وشرح ديوان المتنبي للعكبري (٢/ ٣٧٤).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٢٢)، وتفسير القرطبي (١/ ٢٦٢، ٢٦٣).
[ ٢ / ١١٦ ]
قوله: "يستمِعُون الذّكْر": الجملة في محلّ الحال من "الملائكة". و"الذِّكر" مفعول "يستمعون". و"استمع": "افتعل"، من الاستماع.
الحديث [السّابع] (١):
[١٣٨]: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النبي - ﷺ - الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ. وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ" (٢).
وَفِي لَفْظٍ: "كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ النبي - ﷺ - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ، فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ". (٣)
قوله: "وكان من أصحاب الشّجرة": جملة معترضة لا محلّ لها من الإعراب، والجمل التي لا محلّ لها من الإعراب تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من الكتاب. والمراد هنا: "من أصحاب بيعتهم تحت الشجرة".
وجاء أنّ "شجرة البيعة من الجنّة" (٤) لأنّ أهلها استوجبوا الجنة بما حصل لهم من رضا الله.
وتقدّم الكلام على "مع" في الحديث الأوّل من "المسح على الخفين".
قوله: "ثُم ننصرف" يعني: "من الصّلاة"، والجملة معطوفة على "نصلي".
_________________
(١) بالنسخ: "السادس".
(٢) رواه البخاري (٤١٦٨) في المغازي، ومسلم (٨٦٠) (٣٢) في الجمعة.
(٣) وهو لمسلم في "صحيحه" (٨٦٠) في الجمعة.
(٤) لا ينبغي أن يُعتقد مثل هذا إلا بنص صحيح، ولو صح ذلك ما قطعها عمر بن الخطاب - ﵁ -، وقد ثبت أن الناس كانوا يأتون هذه الشجرة فيصلون عندها تبركًا بها، فلما بلغ ذلك عمرَ بن الخطاب - ﵁ - أمر بها فقُطعت. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٧٦)، وروح البيان (٩/ ٣٤)، ودراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية (٢/ ٨٢٦).
[ ٢ / ١١٧ ]
قوله: "وليس للحيطان ظِلّ": الجملة في محلّ الحال من فاعل "ننصرف"، وجاءت الحال بـ "الواو"، من غير ضمير.
و"ظِلّ" اسم "ليس"، وخبرها في المجرور، وبه يتعلّق حرف الجر. وتقدّم الكلام على "ليس" في الأوّل من "الحيض".
قوله: "نَستَظل به": جملة في محلّ الصّفة.
قوله: "وفي لفظ": يتعلّق بفعل محذوف، أي: "وجاء في لفظ"، وجملة "كنّا" في محلّ الفاعل على الحكاية. ويُقدَّر: "رُوي في لفظ"، فتكون الجملة كُلّها في محلّ مفعول لم يُسمّ فاعله.
قوله: "كنا نُجَمِّع": تقدّم الكلام عليه في الخامس من "باب جامع".
وفي قوله: "إذا زَالَت الشّمس" تجوُّز؛ لأنّ وقت الزّوال ليس هو وقت الصّلاة، إنما وقت الصّلاة بعد الزّوال.
قوله: "ثُم نرجع": يعني: "بعد الصلاة إلى بيوتنا"، وهو معطوفٌ على "نُجمِّع". و"نُجَمِّع" بفتح "الجيم" وتشديد "الميم" المكسورة، أي: "نقيم الجمعة" (١).
قوله: "نتتبع الفيء": معطوفٌ على "نرجع".
وجواب "إذا" محذوف يدلّ عليه ما قبله، أي: "إذا زالت الشمس جَمَّعنا".
و"الفيء" مخصوص بـ "الظِّلّ بعد الزّوال"، فإن أُطلق على مُطلق الظلِّ فمجاز، لأنه من: "فاء الفيء"، إذا "رجع"، وذلك فيما بعد الزّوال. وسُمِّي فيئًا لرجوعه من جانب إلى جانب.
قال ابنُ السّكيت: "الظّلّ": "ما نسخته الشمس"، و"الفيء": "ما نسخ
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٣٩)، وتيسير العلام (ص ٢٤٦).
[ ٢ / ١١٨ ]
الشمس" (١). وجمعه: "أفياء"، و"فيوء" (٢).
الحديث [الثامن] (٣):
[١٣٩]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ، وَ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. (٤)
الإعراب:
جملة "يقرأ" في محلّ خبر "كان".
و"كان" واسمها وخبرها معمول القول.
وجملة "ﷺ" و"﵁" معترضتان.
وجملة "قال" في محلّ خبر "أن" المقدّرة، وهي ومعمولها في محلّ معمول متعلّق حرف الجر.
وجملة "يقرأ" في موضع خبر "كان"، و"في صلاة" يتعلّق بـ "يقرأ". و"يوم": ظرفُ زمان، العاملُ فيه: "صلاة"؛ لأنّه مصدَر، وعليه المعنى.
و"الم تنْزيل": مفعول "يقرأ"، مبني على الحكاية. و"السّجدة" منصوبٌ بدَلًا، ويحتمل أن يكُون عطف بيان.
وأمّا إعراب "الم تنزيل" في محلّها من الكتاب العزيز، فقد قيل في الحروف المقطّعة في أوائل السور: إنها أقسَام (٥)، ومحلّها نصب على أنها مفعول بفعل مُقدّر،
_________________
(١) انظر: إصلاح المنطق (ص/ ٢٢٨).
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٦٣، ٦٤)، ولسان العرب (١/ ١٢٤، ١٢٥)، وتاج العروس (١/ ٣٥٤، ٣٥٥).
(٣) بالنسخ: "السابع".
(٤) رواه البخاري (٨٩١) في الجمعة، ومسلم (٨٧٩) و(٨٨٠) في الجمعة.
(٥) جمع: "قَسَم".
[ ٢ / ١١٩ ]
أي: "اتل". أو على تقدير حذف حرف القَسَم، كما تقول: "الله لأفعلن"، والنّاصب فعل محذوف تقديره: "التزمت الله"، أي: "اليمين به".
وقيل: محلّها رفع على الابتداء، والخبر فيما بعدها. وقيل: محلّها خبر مبتدأ على إضمار "هذه" (١).
وأمّا "تنْزيل الكتاب": فقيل: مبتدأ، و"لا ريب" خبره.
ويجوز أن يكون "تنزيل" خبر مبتدأ محذوف، أي: "وهذا المتلوّ تنزيل"، أو "هذه الحروف تنزيل"، [و"الم"] (٢) يدلّ على [الحروف] (٣).
وقال أبو البقاء: "الم" مبتدأ، و"تنزيل" خبر بمعنى "المنَزَّل"، و"لا ريب فيه": حالٌ من "الكتاب"، والعامل فيه: "تنزيل" (٤).
قوله: "وهل أتى على الإنسان حين": معطوفٌ عليه، وهو مثله في البناء على قصد [الحكاية] (٥)، وهذا من باب تسمية الكُلّ بالجزء.
وتقدّم الكلام على "عن" وأحكامها في الثّالث من "باب الصفوف"، وتقدّم الكلام على "في" في الرّابع من أوّل الكتاب.
***
_________________
(١) انظر: اللباب لابن عادل (١/ ٢٥٢)، وتفسير القرطبي (١/ ١٥٦، ١٥/ ١٤٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) بالنسخ: "المحذوف". والمثبت من المصادر.
(٤) انظر: تفسير القرطبي (١٤/ ٨٤، ٨٥)، البحر المحيط (٨/ ٤٢٨).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ١٢٠ ]
باب العيدين
[الحديث الأوّل] (١):
[١٤٠]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ". (٢)
تقدّم إعراب السَّند في الذي قبله.
و"أبو بكر" من الكُنى المركّبة تركيب إضافة، تقدّم الكلام عليه في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. و"عمر" في الحديث الأوّل من الكتاب.
و"العيد": مُشتق من "العَوْد"، وهو "الرجوع"، وقيل: "لعَوْدِه بالفرح"، وقيل: تفاؤلًا لأنْ يعود على مَن أدرَكه، كـ "القافلة". وهو من ذوات "الواو"، وأصله "عوِد" بكسر "الواو"، فقلبت "الواو" ياء، كـ "الميقات" و"الميزان". وجمعُه: "أعياد".
قالوا: وإنما جُمع بـ "الياء"، وإن كان أصله "الواو"؛ للزومها في الواحد. وقيل: للفرْق بينه وبين "أعواد الخشب" (٣).
قوله: "يصلون العيدين": جملة في محلّ خبر "كان".
و"العيدين": المراد: "صلاة العيدين".
وقد تقدّم أنّ "صلَّى" لا يتعدّى إلى مفعول به، ويتعدّى إلى مصدَره وظرفه، في الخامس من "فضل الجماعة".
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) رواه البخاري رقم (٩٦٣) في العيدين ومسلم (٨٨٨) في صلاة العيدين.
(٣) انظر: الصحاح (٢/ ٥١٥)، ولسان العرب (٣/ ٣١٨، ٣١٩)، وتفسير القرطبي (٦/ ٣٦٨)، وتحرير ألفظ التنبيه (ص/ ٨٧، ٨٨).
[ ٢ / ١٢١ ]
وأصل "يُصلّون": "يُصليون" بـ "ياء" قبلها كسرة، والعَرَب تَعاف الانتقال من الكَسر إلى الضّم، فحذفوا الضّم؛ لثقله، وحذفت "الياء" لسكونها وسكون "الواو"، وحرّكت "اللام" بالضّم لأجْل "الواو". وقيل: نُقلت ضمَّة "الياء" إلى "اللام" بعد تسكين "الياء"، ثم حذفت.
قوله: "قبل الخطبة": تقدّم حُكم "قبل" و"بعد" وما لا يقبل التصغير من الأسماء في الثّالث من "التيمم"، والرّابع من الأوّل. والعاملُ في "قبل": "يُصلّون".
الحديث الثّاني:
[١٤١]: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ - قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلا نُسُكَ لَهُ".
فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي نَسَكْتُ بشَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي؛ فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَدّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاةَ. فَقَالَ: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدَنَا عِنَاقًا هِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" (١).
قال الشّيخ تقيّ الدّين: "النسك" هنا يُراد به "الذبيحة"، وقد استُعمل فيها كثيرًا، واستعمله بعض الفقهاء في نوع خاص من الدّماء المراقة في الحج، وقد [استُعمل] (٢) فيما هو أعمّ من ذلك من العبادات، ومنه: "فلان ناسك"، أي: "مُتعبّد" (٣). انتهى
_________________
(١) رواه البخاري (٩٥٥) في العيدين، ومسلم (١٩٦١) في الأضاحي.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٤٢).
[ ٢ / ١٢٢ ]
قوله: "خطبنا النبي - ﷺ -": تقدّم الكلام على "خطب" ومعناه وتعدّيه في الحديث الثّالث من هذا الباب.
وإنما يتعدّى "خَطَب" من "الخِطْبة" بكسر "الخاء". وأمّا من "الخُطبة" بضمّها: فيتعدَّى إذا ضُمِّن معنى "حثَّ" و"وعَظ"، فهو هنا مُتعدٍّ؛ لأنّ معناه: "حثَّنا على أفعال، أو على آداب، فقال كذا". ويدلُّك على هذا أنّه لا يُقال: "خطب زيدٌ عمْرا" إلّا بمعنى "وعظه" أو "حثَّه".
قوله: "مَن صَلى صَلاتنا": أي: "صَلاة مثل صَلاتنا"، فهو مُضافٌ لنعت مصدَر محذُوف، وكذلك: "نَسَك نُسُكَنا".
و"مَن" اسم شَرط، تقدّمت مع أقسَامها في الرّابع مِن أوّل الكتاب، ومحلّها الرّفع بالابتداء، وفعلها في محلّ جَزم بها، ويكُون الخبر في جوابها، ويحتمل أن يكون الخبر في فعلها؛ لأنّ في كُلٍّ منهما ضميرًا يعود عليها.
و"النُّسُك": يجوز فيه الضم والسكون، وقد قُرئ: "ففدية من صيام أو صدقة أو نُسْك" (١) بسكون "السّين".
قوله: "فقد أصَاب النّسك": جوابُ الشرط هنا: "فقد أصاب" إن قُدِّر "مَن صلى مثل صلاتنا" في المستقبل.
وإن قدِّر الفعل ماضيًا، أي: "من صلى هذه الصلاة معنا ونسك كنسكنا"، فالجوابُ محذوف يدلّ عليه سياق الكَلام، أي: "فذلك على سُنتنا".
وإنما لم يُجعل "فقد أصاب" جوابًا للشرط؛ لأنّ الجوابَ إذا كان ماضيًا لفظًا ومعنى، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر: ٤]، وكقوله
_________________
(١) سورة [البقرة: ١٩٦]. وانظر: تفسير القرطبي (٧/ ١٥٢)، والبحر المحيط (٢/ ٢٦١)، وتفسير ابن عطية (٢/ ٣٦٩).
[ ٢ / ١٢٣ ]
تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]، و﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]؛ فالجوابُ محذوف؛ لأنّ الشرط يقتضي الاستقبال في فعله وجَوابه، فلو وَقَع بعده فعل مَاض [قلبه] (١) الشّرط مُستقبلًا. فلو قلت: "إن قام زيد أكرمته"، و"من قام أكرمته"، انقلب المعنى إلى الاستقبال، يصح الجواب؛ لمطابقته معنى الشّرط (٢).
قال أبو حيّان: ومنه ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، الجواب: "فقد أوتي"؛ لأنّ معناه الاستقبال (٣).
قلت: ولو جاء ههنا: "مَن يصلي صَلاتنا وينسك" علمنا أنّ الماضي بمعنى المستقبل؛ فيصحّ جوابًا، ولكنهما جاءا ماضيين؛ فوَجَب تقدير الجواب، لما تقدّم.
ولو جاء الأول مستقبلًا والثاني ماضيًا معنى: لم يصحّ جَوابًا، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
ولو كان فعل الشرط "كان": فاختلف فيها: فقيل: تنقلب إلى الاستقبال. وقيل: لا تنقلب؛ لأنها خرجت عن الأفعال بعدم التصرّف (٤)، وقد تقدّم ذلك مُستوعبًا في الحديث السّابع من "الجنابة".
قوله: "فلا نُسك له": جملة اسمية منفيّة بـ "لا".
و"لا" لنفي المستقبل (٥)، فلا يقَع موقعها "ما"؛ لأنّ "ما" لنفي
_________________
(١) في النسخ: "قبله". ولا يستقيم المعنى إلا بالمثبت.
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٦٨)، (٢/ ٦٨٥)، (٥/ ٤٢٠، ٤٢١)، والكشاف (٢/ ٢٧٢)، همع الهوامع (٢/ ٥٥١، ٥٥٢).
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٨٥).
(٤) انظر: تفسير القرطبي (٩/ ١٧٤)، شرح التسهيل (٤/ ٩٢، ٩٣).
(٥) انظر: تفسير ابن عرفة (٢/ ١٩٥)، المفصل (ص ٤٠٦)، شرح المفصل (٥/ ٣٣).
[ ٢ / ١٢٤ ]
الحال (١)، وكذلك جاء في الماضي في قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [يس: ٢٣]، ولم يقل: "ما تغن" لهذا المعنى.
و"نسك" اسم مبني مع "لا"، مثل: "لا ريب". وقد تقدّم الكلام على "لا" مع اسمها المبني معها في الحديث الأوّل من "باب التيمم".
و"له" يتعلّق بخبر "لا"؛ لأنها مع اسمها في موضع رَفع بالابتداء.
قوله: "قال أبو بردة بن نيار": "بردة" لا ينصرف للعَلَمية والتأنيث، والكَلام عليه كالكلام على "أبي هريرة"، وقد تقدّم في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
قوله: "خال البراء بن عازب": هو مرفوع، صفة لـ "أبي بردة"، ويصحّ أن يكون بدَلًا أو عطْف بيان. وجملة: "يا رسُول الله": معمولة للقول.
وجملة: "إني نَسَكت شَاتي": كسرت "إنّ"؛ لأنها في ابتداء الكلام، وتقدّم الكلام على "إنّ" ومواضع كسرها وفتحها في الرّابع من أوّل الكتاب. والأصل: "إنني"، فحذفت إحْدَى النّونات تخفيفًا.
قوله: "نسكت شاتي": أي: "ذبحتُ شاتي".
و"النسيكة": "الذبيحة"، وجمعها: "نُسُك" (٢).
ويحتمل أن يكون المعنى: "نسكتُ [بشاتي] (٣) "، أي: "تقرّبتُ بها"، و"تعبّدتُ بها"، ثم حُذف حرف الجر، وعُدِّى الفعل بنفسه.
قوله: "قبل الصّلاة": الألِف واللام في "الصّلاة" لمعهود في الذّهن، وهو
_________________
(١) انظر: المفصل (ص ٤٠٥)، وشرح المفصل (٥/ ٣١).
(٢) انظر: لسان العرب لابن حجر (١٠/ ٤٩٩)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ١٩٤)، وعمدة القاري (٣/ ٢٧٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "شاتي".
[ ٢ / ١٢٥ ]
"صلاة العيد".
قوله: "وعرفت أنّ اليوم": فتحت "أنّ"؛ لأنها معمولة لـ "عرف" (١)، فهي واسمها وخبرها في محلّ نصب بـ "عرف". و"اليوم" اسم "أنّ". وخبرها: "يوم أكْل".
وقال: "يومُ أَكْل": أي: "يُؤكل فيه".
و"اليوم" يُطلق على الزّمان من غير تحديد، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وتقول: "اليوم يفعل فلان كذا".
ويُطلق على المدّة، نحو: "يوم حنين".
ويُطلق على الدّولة، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. (٢)
ومن معنى قوله: "يوم أكل" قوله تعالى: ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] أي: "العسر فيها"، فيضاف "اليوم" إلى ما يقع فيه، فإضَافته مُقدَّرة بـ "في".
قوله: "وأحببتُ أن تكُون شَاتي": جملتا "عرفت" و"أحببت" معطوفتان على "نَسَكت" و"عَرفت"، ويحتمل أن يكُونا في محلّ الحال، أي: "وقد عرفت"، و"قد أحببت".
يُقال: "أحبَّه" فهو "محبّ". و"حبَّه"، "يَحِبُّه" بالكسر، فهو "محبوب"، قال الشّاعر:
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٣٥٠ وما بعدها)، والجنى الداني في حروف المعاني (ص/ ٤٠٧ وما بعدها).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (٧/ ١٠٤)، والبحر المحيط (٣/ ٣٥٤)، وفتح البيان في مقاصد القرآن (٢/ ٣٤٠)، وإعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١١٨)، ورياض الأفهام (٥/ ٣٢٢)، وتاج العروس (٣٤/ ١٤٣).
[ ٢ / ١٢٦ ]
أُحِبُّ أبا مروان من أجل تمرِهِ وأعلُم أنّ الرِفقَ بالمرء أَرْفَقُ
وَوَاللهِ لَوْلَا تَمْرُهُ مَا حَببْتُهُ وَلَا كَانَ أَدْنَى مِنْ عُبَيْدٍ وَمُشْرِقِ (١)
قال: وهذا شاذّ؛ لأنه لا يأتي في المضاعف بـ "فعل" بالكسر إلّا ويشركه بـ "فعل" بالضّم [إذا] (٢) كان مُتعدّيًا، ما خلا هذا [الحرف] (٣). (٤)
قوله: "أوّل": تقدّم الكلام عليه في أوّل حديثٍ من الكتاب، وهو هنا "أفعل"، [وصُرِف] (٥) للإضَافة. و"ما" هنا نكرة موصوفة، ويحتمل أن تكون موصُولة، والعائد على الصّلة أو الصّفة ضمير "يُذبح". و"في بيتي" يتعلّق بـ "يُذبح". و"يُذبح" فعل مضارع مبني لما لم يُسمّ فاعله.
قوله: "فذبحتُ شاتي وتغديتُ": المراد: "تغدّيت منها".
قوله: "قبل أنْ آتي الصّلاة": "أنْ" وما بعدها مقدّرة بمصدّر مخفُوض بالإضافة، أي: "قبل إتيان الصّلاة". والعامل في "قبل": "تغدَّيت" أو "ذبحت"، ويجري فيها التنازع.
قوله: "قال": أي: "النبي - ﷺ -". "شاتك شاة لحم" أي: "غير نسك"، سيأتي الكلام على تصريف "الشّاة" في الثّاني من "كتاب الحدود".
والإضافة في "شاة لحم" بتقدير محذوف، أي: "شاة طعام لحم"، أي: "لا طعام نُسك"، أو "شاة مَطعَم لحم"، أو ما أشبه ذلك. يعني: " [شاة] (٦) لحم غير نسك"،
_________________
(١) البيتان من الطويل، وهما لغيلان النهشلي. انظر: شرح ديوان المتنبي للعكبري (٤/ ٢٨٣)، ومجمع الأمثال (١/ ٣٩٧)، وخزانة الأدب للبغدادي (١/ ٨١).
(٢) بالأصل: "إذ". والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الصحاح (١/ ١٠٥).
(٥) غير واضحة بالأصل. ولعلها: "وصرفه". والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ١٢٧ ]
فهي مُضافة إلى محذُوف أقيم المضَاف إليه مقامه.
قوله: "فإنّ عندي عناقًا": منصوب بـ "إن"، وخبر "إنّ" في الظّرف.
قوله: "هي أحبُّ إليَّ مِن شاتين": جملة من مبتدأ [وخبر] (١) في محلّ صفة لـ "عناقًا". و"أَحَبُّ" أفعل التفضيل، وتقدّم الكلام على "أفعل" التفضيل في الحديث الأوّل من "الصّلاة". و"من" مع "أفعل" للتبعيض.
ويتوَجّه نصب "أحَبّ" على الصّفة لـ "عناقًا" إنْ توجَّه أن تكُون "هي" [فصلًا] (٢)، أو مُقحَمة، أو تأكيدًا.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]: إنّ "هو" فاصِلة. وقاله القاضي أبو محمد بن عطيّة (٣).
قوله: "أفتجزئ عني": "الهمزة" للاستفهام، و"الفاء" عاطفة.
وتقدّم قول أبي حيّان: [إذا دَخَل] (٤) حرفُ الاستفهام على الفعل لا يكون فيه إشعار بوقُوع الفعل، وأمّا إن دخَل على الاسم ففيه إشعار بوقوع الفعل في الوجُود، والاستفهام عن صُدور ذلك الفعل (٥).
فإذا قلت: "أهي تجزئ؟ "، أشعرَ وقوع فعل الذَّبح، فجاء التركيب على القاعدة في عدم الوقوع، وإنما تأخّرت ["الفاء"] (٦) عن "همزة" الاستفهام؛ لاستحقاق الاستفهام الصّدْر. وجعل بعضهم "الفاء" عاطفة على محذوف تقديره:
_________________
(١) سقط بالنسخ. والسياق يقتضي ذكرها.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: تفسير ابن عطية (١٧٥).
(٤) في الأصل: "ادخل". والمثبت من: البحر المحيط (٤/ ٤١٦).
(٥) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤١٦).
(٦) في الأصل: "الواو".
[ ٢ / ١٢٨ ]
"أفأذبحها فتُجزئ عني؟ ".
قوله: "عنِّي": تقدّم الكلام على "عن" في الثّالث من "باب الصفوف"، و"نون" الوقاية في أوّل حديثٍ من "باب الطّمأنينة"، وإثبات "نون" الوقاية في "عني" أَوْلى من حَذفها.
قوله: "نَعَم": تقدّم في الرّابع من "باب الجنابة".
قوله: "ولن تجزي عن أحَد بعدك": "لن" من حروف النّصب، وهي لنفي المستقبل. واختُلف: هل هي مُركّبة أو بسيطة؟ (١). وهي لنفي "سيفعل"، ولا يقتضي تأبيد النّفي ولا تأكيده، خلافًا للزّمخشري (٢).
وتقع دُعامة، كما أتت "لا" دُعامة عند جماعة، منهم ابن عصفور. (٣)
وليس أصلها: "لا"، فأبدلت ألِفها نونًا، خلافا للفرّاء (٤)، ولا "لا أن" فحُذفت "الهمزة" تخفيفًا، و"الألِف" للساكنين، خِلافًا للخليل (٥).
وقد جاء الجزم بها في قوله في منامة ابن عمر: "لَنْ تُرَعْ، لَنْ تُرَعْ" (٦). (٧)
وتقدّم الكلام على "أحَد" في الحديث الثّاني من الأوّل.
و"بعدك" يتعلّق بصفة لـ "أحَد".
_________________
(١) انظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٥)، وشرح التسهيل (٤/ ١٤)، والمفصل في صنعة الإعراب (ص ٤٠٧)، وشرح المفصل (٥/ ٣٧)، والمدارس النحوية (ص ٢٠٢).
(٢) انظر: الكليات (ص ٧٩١)، المفصل (ص ٤٠٧)، وشرح المفصل (٥/ ٣٧).
(٣) انظر: الهمع (١/ ٢٧٥).
(٤) انظر: شرح المفصل (٥/ ٣٨).
(٥) انظر: العين (٨/ ٣٥٠)، والكتاب (٣/ ٥).
(٦) متفقٌ عليه: البخاري (١١٢١)، ومسلم (٢٤٧٩).
(٧) انظر: تفسير القرطبي (١/ ٢٣٤)، وتفسير ابن رجب الحنبلي (٣٧٠، ١)، وتفسير ابن عطية (١/ ١٠٧)، شواهد التوضيح (ص ٢١٧)، إرشاد الساري (١/ ٤٥٢)، (٦/ ١٣٠)، عقود الزبرجد (٢/ ٣١)، الجمل في النحو (ص ٢١١، ٢٢٦).
[ ٢ / ١٢٩ ]
قال الشّيخ تقيّ الدّين: المختار فتح "التاء" في "تجزي"؛ لأنّه بمعنى "تقضي"، يُقال: "جَزَى عني كذا"، أي: "قضى"، وذلك أنّ الذي فَعَله لم يقَع نُسكًا، فالذي يأتي به لا يكُون قضاء عنه (١).
الحدِيث الثّالِث:
[١٤٢]: عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ - ﵁ - قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَقَالَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ" (٢).
قوله: "يوم النحر": العاملُ فيه: "صلى".
وجملة "صلى" في محلّ معمول بالقول. و"قال" في محلّ معمول [متعلّق] (٣) حرف الجر، بتقدير: "أنه قال".
قوله: "خَطب ثُم ذَبح": "ثم" للترتيب والمهلة. وتقدّم الكلام عليها في ["باب] (٤) الجنابة"، وبذلك حصل الترتيب بين الخُطبة والذَّبح. وتقدّم القول على "خطب" في الحديث الرّابع من "باب الجمعة".
قوله: "وقال": جاء العطف بـ "الواو" المقتضية للجمع من غير ترتيب؛ لأنّه أراد الإخبار، وقد يستدلّ بوقوعها هنا مُرتّبة على أنها للترتيب، وهو مذْهَب الكوفيين (٥).
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٤٣). وراجع: شرح القسطلاني (٨/ ٣٠٥)، وأساس البلاغة (١/ ١٣٦).
(٢) رواه البخاري (٥٥٦٢) الأضاحي، ومسلم (١٩٦٠) في الأضاحي.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) في الأصل: "الباب".
(٥) ذكر ابن هشام أن هذا مذهب بعض الكوفيين وليس جميعهم. انظر: شرح قطر الندى =
[ ٢ / ١٣٠ ]
قوله: "مَن ذبح قبل أن يُصلي": "مَنْ" شرطية، محلّها رفع بالابتداء، وتقدّم الكلام عليها في مواضع، فلتُنظر في الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "فليذبح أخرى": "الفاء" جواب الشرط، و"اللام" لام الأمر، وتقدّمت "لام" الأمر في الرّابع من الأوّل. و"أخرى" صفة لمحذوف تقديره: شاة أخرى. و"أخرى": تأنيث "آخر"، و"أَأْخَر" أفعل التفضيل، فهو لا ينصرف للصّفة والوزن، و"أخرى" لا تنصرف للتأنيث اللازم.
قال ابنُ هشام: "أخر" في نحو: "مررت بنسوة أُخَر" جمع لـ "أخرى"، و"أخرى" تأنيث "آخر" بالفتح، بمعنى "مغاير"، وهو من باب اسم التفضيل، واسم التفضيل قياسه أن يكون في حالة تجرّده من "ال" والإضافة مُفردًا مُذكّرًا، نحو: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ﴾ [يوسف: ٨]، ونحو: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ﴾ [التوبة: ٢٤]، فكان القياس أن يُقال: "مررت [بآخر"] (١)، و"بنساء آخر"، و"برجال آخر"، و"برجلين آخر"، ولكنهم قالوا: "أُخرى"، و"أُخَر"، و"آخرين"، قال الله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ [التوبة: ١٠٢]، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾ (٢) [المائدة: ١٠٧]، فهذا هو حقيقة العَدْل عن صيغته الأصليّة (٣).
وإنما خصّ النحويون "آخر" بالذّكر: لأنَّ في "آخر" وزن الفعل، وفي "أخرى" ألِف التأنيث، وهما أوضَح من العَدْل.
وأمَّا "آخِرون" بكسر "الخاء"، و"آخِران" فمعربان.
_________________
(١) = (ص ٣٠٢)، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٢٠٦).
(٢) في الأصل: "اخر". والمثبت من (ب).
(٣) بالأصل: "وآخران".
(٤) انظر: شرح قطر الندى (٣١٦).
[ ٢ / ١٣١ ]
وإن كانت "أخرى" بمعنى: "آخِرة"، نحو: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩] جمعت على "أُخر" مصروفًا؛ لأنَّ مُذكّرها "آخِر" بالكسر، بدليل: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧]، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، فليست من باب اسم التفضيل (١).
قوله: "مكانها": ظرفُ مكان.
قال في التسهيل: "مكان" كثير التصرف، لا بمعنى "بدل" (٢).
يعني: أنها إذا كانت بمعنى "بدل" تنزلت منزلة "غير"، وهذا المعنى هنا، فيكون صفة لـ "أخرى"، أو بَدَل، أو صفة لـ "شاة" المحذُوف.
وسُمّي "المكان" مكانًا: لتمكُّن الجسم فيه وثبُوته، ووزنُه: "فَعال"، لقولهم: "أمكنة"، فـ "الميم" أصل، و"الألِف" زائدة (٣).
قوله: "ومَن لم يَذبَح فليَذْبح": "لم" تقدَّم الكَلام عليها في الثّالث مِن "المذي"، وفي الثّالث من "الجنَابة"، وهي لنفي الزّمان الماضي المنقِطع من زَمَان الحال، والجوابُ جاء مُستقبلًا على قاعدته. و"يذبَح" مجزوم بـ "لم"، لا بـ "مَن"، لأنَّ ["لَم"] (٤) لا تدخُل إلَّا على الفعل المستقبل، و"مَن" تدخُل على الماضي. وذَهَب بعضهم إلى أنّ التنَازع يقَع في سَائر العَوامِل (٥)، والصّحيح الأوّل.
قوله: "باسم الله": حرفُ الجر يتعلّق بحَال، أي: "قائلًا بِاسْمِ الله"، أو "مُتبرّكًا
_________________
(١) انظر: شرح التصريح (٢/ ٣٢٧، ٣٢٨).
(٢) انظر: تسهيل الفوائد (ص ٩٦)، وشرح التسهيل (٢/ ٢٢٩، ٢٣٠).
(٣) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤١٤)، والعين (٥/ ٥٢٠).
(٤) في الأصل: "لا".
(٥) انظر مسألة أنواع وشروط العاملين المتنازعين في باب التنازع في: حاشية شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك (٢/ ١٥٧ - ١٥٩).
[ ٢ / ١٣٢ ]
بِاسْم الله". وقيل: المراد: "فليذبح لله". وقيل: "لسُنَّة الله". وقيل: "بتسمية الله على ذبيحته". والأوّل عندي أظْهَر؛ لأنَّ القَولَ يُحذَف كثيرًا.
[الحدِيث الرّابع] (١):
[١٤٣]: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِلا أَذَانٍ وَلا إقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتكِّئًا عَلَى بِلالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ". فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ". قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ مِنْ أَقْرَاطِهِنَّ وَخَوَاتِيمِهِنَّ. (٢)
قوله: "يوم العَيد": ظرفُ زمان، مُقدّر بـ "في"، أي: "شهدت الصلاة مع النبي - ﷺ - في يوم"، فالمفعولُ محذوف. ويحتمل أن يكون "يوم" مفعول "شهدت"، ويكون التقدير: "حضرت يوم العيد". "فبدأ فيه بالصّلاة"، وتقدّم الكلام على "بدأ" في الحادي عشر من "باب صفة الصّلاة".
و"قبل": ظرف، العاملُ فيه: "بدأ"، ويحتمل أن تعمل فيه: "الصّلاة"، وتقدّم الكَلام على "قبل" في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب، و"الخُطبة" بضَمّ "الخاء" تقدَّم في الرّابع من "صلاة الجمعة".
قوله: "بلا أذَان": "الباء" حرف جر، وهي "باء" الحال من ضمير "النبي - ﷺ -"، أي: "مبتدئًا بلا أذان"، أو تتعلّق "الباء" بحال من "الصّلاة" إن كان العامل في "قبل": "الصّلاة". ولا يجوز إن كان العامل في "قبل": "بدأ"، للفَصل بين المصدر ومعموله بأجنبي.
_________________
(١) بياض بالأصل. وسقط من (ب).
(٢) رواه البخاري (٩٧٨) في العيدين، ومسلم (٨٨٥) في صلاة العيدين.
[ ٢ / ١٣٣ ]
و"لا" هنا عند الكُوفيين اسم بمعنى "غير" لدُخُول حرف الجر عليها (١). و"أذانٍ" مخفوضٌ بالإضافة إليها، ومثله قوله: "خرجت بلا زاد"، و"جئت بلا شيء". والصّحيح: أنّ "أذان" مجرور بـ "الباء"، و"لا" دَخَلت بين حَرف الجر والاسم لمعناها من النفي، فهي زائدة [بين "الباء"] (٢) ومعمولها، وعلى هذا يكون الزّائد مُعترضًا بين شيئين مُتطالبين (٣)، وإن لم يصحّ المعنى بإسقاطه، كما قيل في: ["زيد كان فاضل"] (٤)، فـ "كان" تفيد معنى المضي والانقطاع، ويُسمونها: زائدة، وكذلك قالوا في نحو: "ما جاءني زيد ولا عمرو": ["لا"] (٥) زائدة، وإن كان المعنى يختلّ بإسقاطها.
فإذا قلت: "ما جاءني زيد وعمرو"، احتمل أنّ المراد نفي مجيء كُلّ واحد منهما على حال، وأن يُراد نفي اجتماعهما في وقت المجيء، فإذا جيء بـ "لا" صَار الكلام [نصًّا] (٦) في المعنى الأوّل (٧).
قال الزّمخشري في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦]: حال، و"إلّا" لغو (٨).
قال أبو حيان: لا يريد أنها زائدة، وإنما يريد أنَّ ["يولهم"] (٩) وصلة إلى العمل فيما بعدها، كما قالوا في: "جئت بلا زاد": إنَّ "لا" لغو باعتبار العَمل، لا المعنى،
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٢٢).
(٢) غير موجود بالأصل.
(٣) فـ "الزائد" هنا ليس على حقيقته، وإنما هو اللفظ المعترض بين شيئين. . . .
(٤) بالنسخ: "كان زيد فاضل". وانظر: مغني اللبيب (ص ٣٢٢).
(٥) في الأصل: "ولا".
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٢٢).
(٨) انظر: الكشاف (٢/ ٢٠٦).
(٩) في النسخ: "قولهم". والمثبت من "البحر المحيط".
[ ٢ / ١٣٤ ]
والاستثناء من حال محذوفة، أي: "ومن يولهم [متلبِّسًا] (١) بأيّ حال كان إلَّا في حال كَذا". ولو لم يُقدّر حالًا محذوفة لم يصحّ دخُول "إلا"؛ لأنَّ الشّرط عندهم واجب، والتفريغُ لا يكُون في الواجب (٢).
قال ابنُ هشام: نعم، هي في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢] لمجرد التأكيد، وكذا: "لا يستوي زيد ولا عمرو" (٣).
إذا ثبت ذلك: فـ "الباء" تتعلّق بـ "بدأ"، ولا تتعلّق بـ "الصلاة"، وإن كانت مصْدرًا؛ للفصل بين المصْدَر وما عمل فيه بمعمول لغيره، لأنَّ "قبل الخطبة" معمول لـ "بدأ".
ويحتمل أن تتعلّق "الباء" بحال من "الصّلاة"، وتكون "باء" المصاحبة.
ولـ "لا" أقسام تقدّمت في الثاني من باب الاستطابة.
قوله: "ثُم قام مُتكئًا على بلال": "ثُم" حرفُ عطف ومُهلة، فيحتمل أن يكُون بين الصّلاة والخطبة مُهلَة لِمَشيه إلى مَكَان الخطبة.
ويحتمل أن تكُون "ثم" لا مُهلة فيها، كقوله:
كهَزِّ الرُّدَيْنيِّ تَحتَ العَجَاج جَرَى فِي الأَنَابِيبِ ثُمَّ اضْطَرَبْ (٤)
ليس المراد في البيت: "تأخُّر اضطراب الرّمح عن زَمَن جريان الهَز في أنابيب".
قوله: "مُتكئًا": حالٌ من ضمير الفاعل في "قام"، أصله: "موتكئًا"، أُبدلت
_________________
(١) بالنسخ: "ملتبسًا".
(٢) انظر: البحر المحيط (٥/ ٢٩٣).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٢٢، ٣٢٣).
(٤) البيتُ من المتقارب، وهو لأبي دؤاد الإيادي. انظر: همع الهوامع (٣/ ١٩٥)، وشرح الأشموني (٢/ ٣٦٥)، والمعجم المفصل (١/ ٨٢).
[ ٢ / ١٣٥ ]
"الواو" ياءً، وأُدغمت في "التاء"، وتقدّم الكلام على مثل هذا في الحديث الثّالث من "الحيض". و"على بلال" يتعلّق بـ "متكئًا".
قوله: "فأمر": الفاعِل ضَمير "النبي - ﷺ -".
قوله: "بتَقوَى الله": يتعلّق بـ "أمر"، و"على طاعَته" يتعلّق بـ "حَثَّ".
و"تقوَى": "فَعْلَى"، من "وَقَى"، "يَقِي"، فعله الماضي: "اوتقَى"، ومُضارعه: "يوتقِي". و"التقوى" اسم المصْدَر، والإضَافة فيه إلى المفعول. (١)
ومفعول "أمر" محذوف، أي: "أمر النَّاس". وتقدّم الكلام على "أمر" في أوّل "باب السواك".
قوله: "وحثّ ووَعَظ الناس وذكّرهم": معطوفات على ما قبله، و"النَّاس" يحتمل أن يعمل فيه "حثَّ" أو "وعظ"؛ فيجري فيه حُكم التنازع، وكونه لم يجيء، "ووعظهم" دلَّ على إعمال الثاني.
قوله: "ثم مضى حتى أتى النّساء": تقدَّم الكلام على "ثُم".
و"مضى": مصدره: "مُضِيّا" بضم "الميم"، وقرأ الكسائي (٢) بكسرها اتباعًا لحركَة "الضّاد" (٣)، [كـ "العُتِيّ" و"العِتِيّ"]، (٤)، ووزنه: "فعول"، "مُضوي"، فالتقَت
_________________
(١) انظر: رياض الأفهام (٣/ ٥٨)، الصّحاح (٦/ ٢٥٢٧).
(٢) أي: في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ [يس: ٦٧].
(٣) انظر: البحر المحيط (٩/ ٧٩)، اللباب لابن عادل (١٦/ ٢٥٧)، الكامل في القراءات والأربعين الزائدة عليها (ص ٦٢٦)، الوافي في شرح الشاطبية (ص ٣٤٩)، وشرح طيبة النشر لابن الجزري (ص/ ٣٠٢)، تفسير أبي السعود (٧/ ١٧٧)، وروح البيان (٧/ ٤٢٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. ويظهر أنها: "كالعتبى والعتبي". والمثبت من (ب). وما في المصادر يورد: "الصلي" و"العتي" و"العتبي" و"القتبي". وانظر: اللباب لابن عادل (١٦/ ٢٥٧)، البحر المحيط (٩/ ٧٩)، وتفسير القرطبي (١١/ ١٣٥).
[ ٢ / ١٣٦ ]
"واو" ساكنة و"ياء" فأُبدلت "الواو" ياء، وأدغمت في "الياء"، وكُسِر ما قبلها لتصحَّ "الياء" (١).
وقُرِئ بفتح "الميم" مصْدَرًا (٢).
قوله: "فوعظهن": فعل ومفعول، معطُوف على "مضى"، و"ذكّرهن" و"قال" كلهن معطُوفات.
و"تَصَدَّقْن": أمْر من "تصدَّق"، و"النون" فاعلة ضمير جماعة المؤمنات.
"فإنَّكنَّ": "الفاء" عاطفة. و"إنَّكنَّ": "إنَّ" واسمها. و"أكثرُ حطبِ" خبرها، و"أكثر" أفعل التفضيل، استُعمل بالإضافة، وقد تقدَّم الكلام عليه في الأوّل من "الصّلاة". ولما كان "حَطَب جهنّم" - نعُوذ بالله منها - أنوَاعًا، حَسُن إضافة "أفعل" بمعنى: أكثر تلك الأنوَاع.
و"جَهنم" لا تنصرف، للعَلمية والتأنيث.
قوله: "فقامَت امرَأة": "التاء" علامَة التأنيث، وجاء: "قام امرأة" (٣)، والعَلامَة أشْهَر.
قوله: "مِن سطة النساء": قال الشّيخ تقيّ الدّين: لهم في هذه اللفظة وجهان: -
أحدهما: ما ذهَب إليه بعض الفُضلاء الأدباء من الأندلسيين أنه تغيير - أي: تصحيف - من الرّاوي، وكأنّ الأصل: "من سَفَلة النّساء"، فاختلَطَت "الفاء"
_________________
(١) انظر: اللباب لابن عادل (١٦/ ٢٥٧)، البحر المحيط لأبي حيان (٩/ ٧٩)، وروح البيان (٧/ ٤٢٧).
(٢) انظر: تفسير أبي السعود (٧/ ١٧٧).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٢/ ٢٥٨)، وتفسير ابن عطية (١/ ٢٤٧)، شرح الأشموني (٢/ ١٣٥)، وشرح التصريح (١/ ٦٨٩)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٩٢).
[ ٢ / ١٣٧ ]
بـ "ـاللام"، فصارت "طاءً"، ويُؤيّد هذا أنّه ورَد في كتاب ابن أبي شيبة والنّسائي: "مِن سَفَلَةِ النّسَاء" (١)، وفي رواية: "فقَامَت امْرَأة مِن غَير عِلْيَة النّسَاء" (٢).
الوجْه الثّاني: تقدير اللفظ على الصّحة، وهو أن تكُون اللفظة أصلها من "الوسط" الذي هو "خيار"، وبهذا فَسَّره بعضهم: "مِن عِلْيَة النّساء و[خيارهنّ"] (٣)، وعند بعض الرواة (٤): "مِن وَاسِطَةِ النّسَاء" (٥).
قال ابنُ الأثير: "من خيارهم حسبًا ونسبًا". وأصلُ "سِطَة" من "الوسط" بـ "الواو"، وهو فاؤها، و"الهاء" فيها عِوَضٌ من "الواو"، كـ "عدة" و"زِنة" من "الوعد" و"الوزن" (٦).
قوله: "سفعاء الخدّين": "الأسفع" و"السفعاء": "من أصَاب خدَّه لونٌ يخالف لونه الأصليّ من سَواد وحمرة أو غيرهما" (٧)، انتهى.
قوله: "سفعاء": هو مرفوعٌ على الصّفة عند مَن أجَاز تقدّم الصّفة المقدّرة على الصّفة الظاهرة (٨)، ومَن منع جعله خبر مبتدأ محذوف، وإن رُوي منصوبًا فهو حال أو مفعُول بفعل مُقدّر. وهو لا ينصرف للتأنيث اللازم.
_________________
(١) رواه النسائي في الكبرى (١٧٩٧)، وأحمد في المسند (١٤٤٦٠).
(٢) رواه النسائي في الكبرى (٩٢١٣)، والحاكم في المستدرك (٢٧٧٢).
(٣) بالنسخ: "خيارهم". والمثبت من نص كلام الشّيخ تقيّ الدّين.
(٤) انظر: مطالع الأنوار (٥/ ٤٨٦)، ونسبه للطبري.
(٥) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٤٥، ٣٤٦). وراجع: شرح النووي على مسلم (٦/ ١٧٥)، ومطالع الأنوار (٥/ ٤٨٦)، وذخيرة العقبى (١٧/ ١٩٨).
(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٦٦).
(٧) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٤٦).
(٨) يعني بـ "الصفة المقدرة" هنا: غير الصريحة، أو المؤوَّلة. انظر: اللباب في عُلوم الكتاب (٧/ ٣٩١)، والبحر المحيط (٤/ ٢٩٩).
[ ٢ / ١٣٨ ]
قوله: "فقالت: لم يا رسُول الله": الأكثرون على لزوم [حذف] (١) ألِف "ما" الاستفهامية إذا دَخَل عليها حرف جرٍّ وأضيف إليها (٢)، وتقدّم الكَلام عليه في السّادس من "الاستطابة". ومن الإثبات قوله:
عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ في رماد (٣)
[ويُروى: "في دَمان"]. (٤) (٥)
وفي الحديث: "بما أهْلَلَت؟ " (٦).
قوله: "قال: إنَّكنّ تُكثرن": أي: "قال النبي - ﷺ -".
"إنّكن": "إنَّ" واسمها. وجملة "تُكثرن" في محلّ خبرها.
و"الشّكَاة" مفعول بـ "تكثرن"، و"الشّكاة": "الشّكوى"، مصدر "شَكَى".
و"أكثر" يتعدّى بـ "من"، يُقال: "أكثر من الأكْل"، ويتعدّى بنفسه، كما هو هنا، ويتغير هذا المعنى إذا تعدّى بـ "على"، نحو: "أكثر على الناس"، بمعنى: "استطال".
و"الشّكاة": مصدر "شَكَا" (٧).
_________________
(١) غير موجودة بالأصل. وأثبتناها من كلام المصنف في السادس من الاستطابة، حيث قال: "ويجب حذف ألفها - يعني ما الاستفهامية" إذا جُرَّت".
(٢) انظر: إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٣٨٢، ٣٨٣)، وشرح الأشموني (٤/ ١٦)، وخزانة الأدب (٦/ ٩٩)، وشرح القصائد السبع الطوال (١/ ٢٠٣).
(٣) البيت من الوافر، وهو لحسان بن ثابت. انظر: المعجم المفصل (٢/ ٣٤٣)، وخزانة الأدب (٦/ ٩٩)، وشرح القصائد السبع الطوال (ص/ ٢٠٣).
(٤) مكتوب بهامش الأصل.
(٥) انظر: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١١٤)، أمالي ابن الشجري (٢/ ٥٤٧)، خزانة الأدب (٦/ ١٠٢)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص ٣٩٤)، والمعجم المفصل (٨/ ١٨٧). والدمان كالرماد وزنًا ومعنى.
(٦) صحيح: البخاري (١٥٥٨).
(٧) انظر: تاج العروس (٣٨/ ٣٨٩)، والقاموس المحيط (١/ ١٣٠٠).
[ ٢ / ١٣٩ ]
قوله: "وتكفُرن العَشير": أي: "فَضْل العشير"، وهو "الزّوج".
و"الكُفر" هنا بمعنى "الجحد".
قال ابنُ الأثير: "العَشير": "المعاشر"، [كـ "المصادق"] (١) في: "الصديق"، لأنها تُعاشره ويُعاشرها، فهو "فعيل" من "العِشْرة"، وهي "الصّحبة" (٢). انتهى.
قال الحريري: "وأفي [للعَشير] (٣) وإن لم يُكَافئ بالعَشير" (٤). أراد بالأوّل: "المعاشر"، وبالثّاني: "العُشْر"؛ فإنَّه يُقال: "عُشْر" و"عَشِير" و"مِعْشار"، بمعنى (٥).
قوله: "قال: فجعلن يتصدّقنّ" أي: "قال جابر". و"جعل" هنا من أفعَال المقارَبة بمعنى "طفقن"، اسمها الضّمير المتصل بها، وخبرها: الجملة الفِعْلية. ولـ "جعل" أقسَام تقدّمت في الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "من حُلِيِّهنَّ": يتعلّق بـ "تصدّقن".
قوله: "يلقين" بَدَل من "يتصَدّقن"، و"من أقراطهن" يتعلّق بـ "يلقين". و"الأقراط": جمع "قرط".
قال القاضي عياض: الصّواب: [قِرَطَتُهُنَّ] (٦) بحَذف "الألِف"، وهو المعروفُ في جمع "قُرْط"، كـ "خُرْج" و"خِرَجَة"، ويُقال في جمعه: "قِراط"، كـ "رُمْح" و"رِماح"،
_________________
(١) في الأصل: "كالصادق". والمثبت من نص ابن الأثير.
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٢٤٠)، وتاج العروس (١٣/ ٤٤).
(٣) في الأصل: "العشير". والمثبت من نص كلام الحريري.
(٤) انظر: مقامات الحريري (ص ٤١).
(٥) انظر: الصّحاح (٢/ ٧٤٦)، ولسان العرب (٤/ ٥٧٠).
(٦) في الأصل: "قرطهن". والمثبت من نصّ كلام القاضي كما نقله عنه النووي، وهو الذي يصح قياسًا على المثال المذكُور.
[ ٢ / ١٤٠ ]
[ولعلّ "أقراط" جمعُ الجمع] (١) (٢).
و"الخواتيم": جمع "خاتم" بكسر "التاء" وفتحها، ويقال: "خيتام"، و"خاتام"، أربع لُغات معروفة.
و"في ثوب" يتعلّق بـ "يلقين"، و"من" لبيان الجنس، وتحتمل التبعيض.
الحدِيث [الخَامس] (٣):
[١٤٤]: عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ" (٤).
وَفِي لَفْظٍ: "كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى تخْرُجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى الْحُيَّضُ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيِرهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ". (٥)
قوله: "نسيبة": بدَل من "أم عطيّة"، أو عطف بيان، ويجوز فيه الرّفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.
و"الأنصارية" صفة لـ "أم عطية".
وجملة: "أن نخرج" في محلّ نصب بإسقاط الخافض، أو محلّ جَر على الخلاف
_________________
(١) اختلفت عبارة المصنفين في النقل عن القاضي عياض بشأن جمع الجمع المذكور، فذكر بعضهم عنه "أقرطة"، مثل: النوويّ في شرحه على مسلم (٦/ ١٧٦)، والسيوطي في شرحه على مسلم (٢/ ٤٥٨)، وكذا في مطالع الأنوار (٥/ ٣٤٨). وبعضهم ذكر "أقراط"، كما هو مثبت، مثل ابن الملقن في: التوضيح (٢/ ٤٨١)، وكذا في: إكمال المعلم (٣/ ٢٩٢).
(٢) انظر: شرح النوويّ على مسلم (٦/ ١٧٦).
(٣) بالنسخ: "الرابع"، وقد سبق بالحديث السابق سبب التغيير.
(٤) رواه البخاري (٩٧١) في العيدين، ومسلم (٨٩٠) في صلاة العيدين.
(٥) رواه البخاري (٩٧١٩) في العيدين، ورواه البخاري (١٠٦٦) في الكسوف.
[ ٢ / ١٤١ ]
في ذلك. وجملة "أُمِرْنا" في محلّ معمُول القول، والقول معمُول لمتعلّق حرف الجر.
وصُرِف "العَواتق"، وهو على صيغة منتهى المجموع للألِف واللام، وهو جمع "عاتق" (١).
و"ذوات": جمع "ذات" بمعنى: "صواحبات" (٢).
قوله: "وأَمر الحُيَّض": تقدم حكم "أَمَر" و"أَنْ" بعدها، و"أَمر" هنا بفتح "الهمزة" لا غير.
قوله: "نُخْرج": بـ "النون" المضمومة، من "أَخرَج".
و"مُصلى": مفعول "يعتزلن".
و"المصلى": "موضع الصّلاة". وإنما ذلك مُبالَغة في النّهي عن الصّلاة معهم، وعن مخالَطتهم، كقوله - ﷺ -: "مَنْ أكَلَ مِن هَاتَين الشّجَرَتَين الخَبِيثَتَين فَلَا يَقْرَب مَسْجِدَنَا" (٣).
قوله: "وفي لفظ": أي: "وجاء في لفظ"، فتكون جملة: "كنا نُؤمر" في محلّ الفاعِل على الحكَاية، ويتعلّق حرْف الجر بـ "جاء".
تقدَّم الكلام على "أمر" في "باب السّواك"، و"أن" النّاصبة المقَدّرة بمصْدر في العَاشر من الأوّل، وتقدّم حُكمه في الرّابع من الأوّل، وتقدّم "كنَّا" في الحديث [السّادس] (٤) من "جامع الصّلاة"، وتقدّم "يوم" في الثّالث من "الاستطابة"،
_________________
(١) العاتق: قيل: هي الجارية حين تدرك. انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٤٧).
(٢) انظر: الصّحاح (٦/ ٢٥٥١).
(٣) صحيح: أخرجه النسائي في السنن الكبرى برقم (٦٦٤٧) بلفظ: "فلا يقربن"، والطبراني في الكبير (٦٠٧٤) بلفظ: "فلا يقربنا"، والروياني في مسنده (٩٥٢) بلفظه. وصحَّحه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٣١٠٦).
(٤) بالنسخ: "الخامس". والمثبت هو موضع الإحالة الصحيح.
[ ٢ / ١٤٢ ]
وتقدّمت "حتى" في الثّاني من الأوّل.
قوله: "وفي لفظٍ": تقدَّم قريبًا، و"كنّا" كذلك.
قوله: "أن نَخرُج" و"حتى تَخرُج البكر": "النون" و"التاء" مفتوحتان، وجَرَت "حتى" هُنا على قاعِدتها من الغَاية والنّصب، بإضمار "أنْ"، وهي هنا مُقدّرَة بـ "إلى أنْ"، بتقدير: "كنا نُؤمَر أن نَخْرج يَوم العيد، حتى أُمِرنا أنْ تَخرج البِكرُ".
قوله: "حتى تخرُج البِكْر": الجملَة بعدها في موضِع جرٍّ بها، وقياسُ "حتى" أن لا تعمل شيئًا؛ لأنها لم تختصّ بالأسماء ولا بالأفعَال.
فإن دَخَلت على الفعل المضَارع نَصبته بإضمار "أن" الخفيفة.
وإنْ دَخَلت على الجمَل لم تُؤثّر فيها، وصارَت معها حرْف ابتداء.
وإن دَخَلت على المفرَدات خفضتها بمعنى: "إلى".
وإن دَخَلت على الماضي لم تُؤثّر فيه، وكان الفعل بعدها في محلّ جر بها.
وجَرَت "حتى" هنا على القَاعِدة في كَون ما بعدها وقَع عليه الحُكم الذي وقَع على ما قبلها، وفي كَون ما بعدَها جزءًا مما قبلها، وأقلّ منه في الكمية، وبهذا حصل الفرق بين "إلى" و"حتى"، فإن "إلى" تجرُّ ما بعدها، ويجوز أن يكون من جنس ما قبلها ومن غير جنسه، تقول: "قام زيد إلى عمرو"، و"قام القوم إلى منزلهم". والعِلّة في ذلك: أنّ "حتى" لم تتمكّن في الغاية تمكّن "إلى" (١).
قوله: "حتى الحُيَّض": بدَل من قوله: "حتى تخرُج البكْر"، ويصحّ أن تكون "حتى" عاطفة، أي: "وتخرج البكْر".
و"الحُيَّض": جمع "حائض"، ويجمع على: "حوائض".
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ٥٤٢، وما بعدها).
[ ٢ / ١٤٣ ]
قوله: "فيُكبِّرن بتكبيرهم": "الباء" باء السّببية، أو "باء" المصاحبة، أي: "مُقيّدين بتكبيرهم".
قوله: "ويدعُون": فعل مُضارع، وفاعله: "النون" لا "الواو"؛ [لأنّ] (١) "الواو" من نفس الكَلمة، والفَاعل ضمير جماعة النسوة، والفِعل معها مبنيّ. وتقدّم الكلام على النّونات التي يُبنى معها الفعل في الحديث الخامس من الأوّل.
قوله: "يرجُون بَرَكَة ذلك اليوم": مثل "يدعُون"، والجملة في محلّ الحال، أي: "راجين بركة ذلك اليوم". و"اليوم" نعت لـ "ذلك".
"وطهرته": معطوفٌ على "بركة"، فيكُون منصوبًا. ويجوز أن يكون معطوفًا على "ذلك"؛ فيكون مجرورًا.
ويحتمل أن يكون التقدير: "يرجون بركة صلاة ذلك اليوم"، لأنَّ الكَلام تعليل لإخراجهن في مُصلى المسلمين للصّلاة وحضور الدّعوة، وأمَّا "اليوم" فبركته شَاملة لمن خَرج ولمن لم يخرُج.
***
_________________
(١) بالأصل: "ولأن". والمثبت من (ب).
[ ٢ / ١٤٤ ]
باب صَلاة الكُسُوف
[الحديث الأوّل] (١):
[١٤٥]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قالت: "خَسَفَتْ الشَّمْسَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ [في] (٢) رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ" (٣).
قوله: "خسفت الشمس": قيل: "الخسوف" و"الكسوف" بمعنى، والأكثر استعمال "الخسوف" في "القمر"، و"الكسوف" في "الشّمس" (٤). وسيأتي في الحديث الثّالث الكلام على ذلك.
قوله: "فبعث": معطوفٌ على ما قبله، و"على عَهْد" يتعلّق بـ "خسفَت"، والمراد "زمَن رسُول الله - ﷺ -"، كأنّه سُمَّى الزّمان بما وَقَع فيه من عَهد النبي - ﷺ -، أو مَا عَاهَدهُم عليه.
وفي الحديث: "وَأنَا عَلى عَهْدِكَ وَوَعْدِك" (٥) وجاء: "حُسْنُ العَهْدِ مِن الإِيْمَان" (٦). وللعَهْد مَعانٍ كَثيرة ليس هذا مَوضع عَدِّها.
و"على" هنا يحتمل أن يكُون بمعنى "في"، كما هي في قوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: "في ملك" (٧).
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) بالنسخ: "في كل". والمثبت ما في نسخ "العمدة" والشرح.
(٣) رواه مسلم (٩٠١) في الكسوف.
(٤) انظر: الصّحاح (٤/ ١٣٤٩)، لسان العرب (٩/ ٦٧).
(٥) صحيحٌ: أخرجه البخاري برقم (٦٣٠٦).
(٦) صحيحٌ: رواه الحاكم برقم (٤٠) / (١/ ٦٢)، وصحَّحه.
(٧) انظر: تفسير القرطبي (٢/ ٤٢).
[ ٢ / ١٤٥ ]
قوله: "فبَعَث مُناديًا" أي: "أرسَل مُناديًا". ويحتمل أن يكُون بمعنى: "أمر مُناديًا"، ويكُون "بَعَث" بمعنى قولهم في حديث عائشة - ﵂ -: "فَبَعَثْنا البَعِيرَ" (١)، أي: "أقمناه" و"أثرناه" (٢).
و"مُناديًا": مفعول "بَعَث".
وسُمِّيَ "مُناديًا" باسم مَا آل إليه، من "النّداء"، أي: "بَعَث رجُلًا"، فحذف الموصُوف، وأقام الصّفة مقامه.
وقد تقدَّم أنه لا يجُوز حَذف الموصُوف إلَّا في مواضِع محصُورة، وإنما جاز هنا لأنَّ معنى الصّفة يدلّ على الموصُوف، وذِكْرُ ذلك تقدَّم في الثّامن من "باب صفة الصّلاة"، وفي الثّاني من "التيمم".
وجملة "يُنَادي" في موضع صِفَة لـ "مُناديًا"، وإعرابه مُقدّر، وتُقدّر حَركات إعراب الفِعل إذا كان مُعتلّ الآخر في حال الرّفع مُطلقًا، وفيما آخِره ["ألِف"] (٣) في حال النّصب لا غير.
وأمَّا "مناديًا": فمنقوصٌ، إعرابه في حالة النّصب لَفظًا، وفي حالتي الرّفع والجرّ تقديرًا (٤).
قوله: "الصّلاة جَامعة": استحسن الأكثرون النّصب في "الصّلاة" (٥) بتقدير: "احضروا الصّلاة". و"جامعة" حال من "الصّلاة" أي: "ذات جمع لكم"، ويكُون من
_________________
(١) متفق عليه: رواه البخاري برقم (٣٣٤)، ومسلم برقم (١٠٨/ ٣٦٧).
(٢) انظر: لسان العرب (٢/ ١١٧)، وتاج العروس (٥/ ١٦٨).
(٣) غير واضحة بالأصل. وتشبه: "ألفه". والمثبت من (ب).
(٤) انظر: همع الهوامع (١/ ٢٠٨)، وشرح الأشموني (١/ ٧٧، وما بعدها).
(٥) انظر: شرح النوووي على مسلم (١٨/ ٨٠)، وحاشية السندي على سنن ابن ماجه (٢/ ٤٦٧)، وحاشية السيوطي على سنن النسائي (٣/ ١٢٧).
[ ٢ / ١٤٦ ]
باب الإغرَاء، نحو: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣]، وقوله - ﷺ -: "دِيَارَكُم تُكْتَبْ آثَارُكُم" (١).
وفي مثل هذا: لو صُرِّح بالعَامل لجاز، بخلاف باب التحذير، وسيأتي منه عند قول: "إيّاكَ وَكَرَائِم أمْوَالهِم" (٢).
واختار بعضهم فيه الرّفع، أي: "الصّلاةُ جامعةٌ لكُم"، على الابتداء والخبر. وهو إمّا بمعنى الأمْر، أو بمعنى حكاية الحال الذي تضمَّن معنى الطّلب. وعلى الأول الحُذَّاق.
قوله: "وتقدّم": يحتمل أن تكُون الجملة في محل الحال، أي: "وقد تقَدّم النبي - ﷺ -"، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]. وقد تقدَّم ذكر المواضع التي يُشترط فيها "قد" وما لا يُشترَط فيه في الحديث السّابع من أوّل الكتاب.
ويحتمل أن تكون الجملَة معطوفة على الجملة قبلها.
و"الفاء" في قوله: "فاجتمعوا" فاء السّببية، أي: "بسبب النّداء اجتمعوا"، ويلزم من العطف بهذا المعنى أن يكُون تقدَّم النبي - ﷺ - بسبب النّداء أيضًا؛ لأنَّ المعطوفَ في حُكم المعطوف عليه، وليس كذلك؛ لأنّه ما تقدَّم إلَّا بسبب اجتماعهم، فيضْعُف العَطف.
وقد يُقال: لا يَلزَم في المعطوف ما ثبت للأوّل (٣)، بدليل قولهم: "رُبَّ شاة وسخلتها بدرهم".
_________________
(١) صحيحٌ: رواه مسلم بهذا اللفظ عن أنس برقم (٢٨٠/ ٦٦٥)، ورواه البخاري بمعناه عن جابر برقم (٦٥٥).
(٢) متفقٌ عليه: رواه البخاري برقم (١٤٩٦)، ومسلم برقم (٢٩/ ١٩).
(٣) انظر: الكليات (ص ١٠١٩)، والكشكول (١/ ٣٤٤).
[ ٢ / ١٤٧ ]
ويجوز أن يكُون معطوفًا على "بَعَث"؛ فينتفي السّؤال.
قوله: "فكبّر وصلى": معطُوفان.
و"أربع رَكعات": "أربع" منصُوبٌ على المصدَرية؛ لأنّه عَدَد مصدر، ويكون "صلى" بمعنى: "ركع أربع ركعات".
قال أبو البقاء: "أربع ركعات" عَدَد مُضاف إلى المصدر؛ فينتصب انتصابه، كقولهم: "ضربته ثلاث ضربات"، أي: "ضربات ثلاثًا"، فقدّم وأضاف، وإذا أضيف صفة المصدَر انتصب نَصْب المصادر (١).
وتقدّم الكلام على ذلك في الخامس من "فضل الجماعة".
و"أربَع" عَدَدُ مؤنثٍ، فلذلك سَقَطت العَلامَة، قال الله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧].
قوله: "في ركعتين": يدلّ على أنّ المراد بـ "الرّكعات": "وضْع اليدين على الركبتين"، وأنّ المراد بـ "الركعتين" الشرعيتين اللتان تمامهما سُجودهما، فالتسمية الأولى حقيقة لغوية، والثانية حقيقة شرعية.
قوله: "وأربع سَجَدات": معطوفٌ على "أربع ركعات"، يعني: "في جميع الصّلاة"، وهذه السّجدات وإن دَخَلت في مُسمّى الركعتين الشّرعيتين، فلها اسم يخصها [لُغة، فذكرها] (٢) زيادة في البيان.
و"في رَكعتين" يتعلّق بصفة لـ "أربع".
_________________
(١) انظر: إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص/ ١٧٧)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٦٤).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ١٤٨ ]
الحديث الثّاني:
[١٤٦]: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، وَإِنَّهُمَا لا يَنْكسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ". (١)
قوله: "إن الشمس": معمول للقول الثاني، و"قال" الثانية معمولة لـ "قال" الأولى، وجملة "قال" الأولى معمولة لمتعلق حرف الجر بتقدير "أن"، و"عقبة" بدلٌ من "أبي مسعود" أو عطف بيان، وعلامة جرِّه فتحة آخره لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث.
و"الأنصاري" صفة لـ "أبي مسعود"، و"البدريّ" صفة أخرى له.
ويبقى في ذلك الفصل بين الصفة والموصوف بالبدل، وهو خلاف الأصل (٢)، فإن جعلتها صفة لـ "عقبة" انتفى الاعتراض من هذا الوجه، ويبقى اعتراض آخر، وهو أن الصفة بعد متعدد تكون للأول (٣).
قوله: "إنّ الشمس والقمر آيتان": ثنى الخبر لتثنية المبتدأ بالعطف؛ لأن العامل واحد، والإعراب واحد.
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٤١) في الكسوف، ومسلم (٩١١) في الكسوف.
(٢) حكم البدل إذا اجتمع مع الصفة أن تكون الصفة مقدَّمَة على البدل. انظر: شرح جمل الزجاجي لابن عصفور (٢/ ٢٦٤)، وشرح التصريح (١/ ٣٥١).
(٣) ههنا أمران: الأول: يعني المصنف بـ "المتعدد" هنا، والله أعلم "البدل، والمبدل منه" واعتبرهما شيئين مختلفين رغم أنهما لشخص واحد. الأمر الثاني: قول المصنف: "الصفة بعد متعدد تكون للأول" قد نُقِل خلافه، وأنّ الصفة بعد متعدد تكون للجميع اتفاقًا. انظر: التفسير المنير للزحيلي (٢/ ١١١)، ونيل الأوطار (٧/ ١٥)، وتحفة الأحوذي (٤/ ٥٥٨).
[ ٢ / ١٤٩ ]
قوله: "من آيات الله": صفة لـ "آيتان" أي: "كائنتان من آيات الله".
وإنما قلت ذلك لأن "من" إما أن تكون بيانًا لمعرفة، أو بيانًا لنكرة، فإن كانت بيانًا لمعرفة قُدِّرت بـ "الذي" والضمير، نحو قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] التقدير: "فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان".
وإن كانت بيانًا لنكرة - كما هي هنا - قدّرت بضمير عائد عليها، فإذا قلت: "من يضرب من رجل؟ " قدّرت: "من يضرب هو رجل".
قال الشيخ أثير الدين: أكثر المحققين لم يُثبتوا "من" الثانية (١).
قوله: "يخوف الله بهما عباده": يحتمل أن تكون الجملة صفة ثانية إذا قلنا بتعدد الصفة (٢)، ويحتمل أن تكون في محل الحال من "آيتان" لأنه وصف. و"بهما" يتعلق بـ "يخوف"، و"عباده" مفعول "يخوف"، و"الباء" سببية، ويحتمل أن تكون جملة [في] (٣) يخوف حالًا من ضمير متعلق المجرور.
قوله: "وإنهما لا ينكسفان": معطوف على "إن الشمس"، وجملة "لا ينكسفان" في محل خبر "إن". و"الانكساف" من أفعال المطاوعة، أي: "كسفته، فانكسف" (٤).
قوله: "لموت أحد": يتعلق بالفعل، و"اللام" لام التعليل، و"من الناس" يتعلق بصفة لـ "أحد"، و"مِن" فيه لبيان الجنس. وسيأتي الكلام على "الناس" في الحديث الذي يلي هذا.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ١٨٥)، نواهد الأبكار وشوارد الأفكار (٢/ ١٣٠).
(٢) انظر: شرح الأشموني (٢/ ٣٢٦، وما بعدها)، وحاشية الصبان (٣/ ٩٩، وما بعدها)، وأوضح المسالك (٣/ ٢٨١، وما بعدها).
(٣) كذا بالنسخ.
(٤) أفعال لا تتعدّى إلى مفعول لأنها إخبار عما تريده من فاعلها. انظر: المقتضب (٢/ ١٠٤).
[ ٢ / ١٥٠ ]
قوله: "فإذا رأيتم": تقدم الكلام على "إذا" في الحديث الثاني من أول الكتاب. و"رأيتم" الرؤية بصرية، و"شيئًا" مفعول بها، و"منها" يتعلق بصفة لـ "شيء"، تقدّمت؛ فانتصبت على الحال.
و"من" للتبعيض، ويحتمل أن يرجع التبعيض إلى "الشمس والقمر"، ويحتمل أن يرجع إلى "آيات الله"، وعلى هذا الثاني يكون الأمر بالصلاة عند رؤية كل آية من آيات الله.
وجواب "إذا": "فصلوا". و"ادعوا" معطوف على الجواب. و"حتى" غاية ونصب، تقدر بـ "إلى أن"، ويحتمل تقديرها بـ "كى"، ويتعلق بـ "ادعوا" أو بـ "صلوا"، ويجري في ذلك الخلاف في التنازع.
قوله: "ينكشف": بالياء والنون، فتتعلق "حتى" بـ "صلوا". ولو تعلق بـ "ادعوا" لناسبه: "حتى يكشف"؛ لأن التقدير: "وادعوا الله حتى يكشف ما نزل بكم". و"ما" موصولة بمعنى "الذي". و"بكم" يتعلق بالصلة، أي: ما استقر أي: نزل بكم، ولا يُقدَّر "كائن" ولا "مستقر"؛ لأن الصلة لا تكون مفردًا إلا مع الألف واللام.
والباء في "بكم" باء الإلصاق. وتقدم حكم الباء في الرابع من الاستطابة، وكذلك الكلام على "ما" وأقسامها في الأول من باب التيمم.
و"ما" الموصولة هي المفتقرة إلى صلة وعائد، وتقع على ما لا يعقل كقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ [النحل: ٩٦]، وعلى أنواعِ مَنْ يَعْقِلُ، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] (١).
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ١٤٧)، وما بعدها.
[ ٢ / ١٥١ ]
الحديث الثالث:
[١٤٧]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالنَّاسِ، فأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ - وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ - ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ - وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ - ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا". ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" (١).
وَفِي لَفْظٍ: "واسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ". (٢)
قوله: "خسفت الشمس": مبني للفاعل، وجاء مبنيًا للمفعول، وقرئ في الشاذ: "وخُسِف القَمَر" (٣) ببنائه للمفعول (٤).
والخسوف والكسوف بمعنى واحد، قال ابن أبي أويس: الكسوف ذهاب بعض الضوء، والخسوف ذهاب جميعه (٥).
قال ابن الأثير: المعروف في اللغة: "الكسوف" للشمس، و"الخسوف" للقمر،
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٤٤) في الكسوف، ومسلم (٩٠١) في الكسوف.
(٢) رواه مسلم (٩٠١) (٣) في الكسوف.
(٣) سورة [القيامة: ٨].
(٤) انظر: تفسير القرطبي (١٩/ ٩٦)، والبحر المحيط (١٠/ ٣٤٦).
(٥) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٤٦)، والدر المصون في علوم الكتاب المكنون (١٠/ ٥٦٩)، واللباب في علوم الكتاب (١٩/ ٥٥٢).
[ ٢ / ١٥٢ ]
وجاء في الحديث كثيرًا، وأمَّا إطلاقه في قوله: "لا يخسفان لموت أحد" فمن باب التغليب، غلب تذكير القمر على تأنيث الشمس، وللمُطاوعة جاء: "لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ" (١).
قال: ومتى أطلق "الخسوف" على الشمس فلاشتراكهما في ذهاب ضوئهما، أو إظلامهما. و"الانخساف" مطاوع "خسفته" فانخسف (٢).
وقوله: "على عهد رسول الله": "على" هنا تقدَّم أنها بمعنى في، أي: "في زمن النبي - ﷺ -"، كقوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: "في زمن ملك سليمان" (٣).
ويحتمل أن تكون هنا فيها معنى المصاحبة، كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي: "خسفت مصاحبة عهد رسول الله - ﷺ -".
قوله: "بالناس": "الباء" تتعلق بـ "صلى"، و"الناس" تقدم ذكر طرف منه في السابع من "الإمامة".
وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، وحكى ابن خالويه: "ناس من الجن"، وهو مجاز؛ لأنَّ أصله في بني آدم.
ومادته عند سيبويه: همزة ونون وسين، حُذفت همزتُه شذوذًا، ثم عُوِّض منها "ال"، فلا يكاد يُستعمل بغيرهما (٤)، وقد نطق بالأصل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ﴾ [الإسراء: ٧١].
_________________
(١) متفقٌ عليه: البخاري (١٠٤٠)، ومسلم (٩٠٤/ ١٠).
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣١).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٢/ ٤٢).
(٤) انظر: الكتاب (٣/ ٤٥٧).
[ ٢ / ١٥٣ ]
ومادته عند الكسائي: نون وواو وسين، قُلبت واوه ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وهو مُشتق من "النوس" بمعنى "الحركة" (١).
وقيل: مادته من: نون وسين وياء، مِن "نسي"، ثم قلب فصار: "نَيَس"، ثم قلبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها (٢).
وتقدم الكلام على "الباء" في الرابع من "باب الاستطابة"، وعلى "الفاء" في السادس من "باب الاستطابة".
وجملة: "فأطال": معطوف على "صلى"، وكذلك "ثم ركع فأطال الركوع"، وتقدم الكلام على "ثم" في الثاني من "باب الجنابة".
قوله: "وهو دون القيام": هو مبتدأ، والخبر في الظرف، وبه يتعلق، أي: وهو كائن دون. و"دون" من ظروف المكان.
وجعلها ابن مالك في "التسهيل" من القسم النادر التصرف كـ "حيث" و"وسط" (٣). قال: وقد تجيء "دون" بمعنى "رديء" فلا تكون ظرفًا (٤). هذا معنى كلامه.
ومعنى "رديء" أن يستعمل في التحقير للشيء، فيقال: "هذا ثوبٌ دون"، أي: "رديء" (٥).
قوله: "وهو دون القيام الأول": جملة من مبتدأ وخبر في محل الحال من القيام،
_________________
(١) انظر: إعراب القرآن وبيانه (١/ ٣٠)، والتفسير القيم (ص ٦٨٠)، وتفسير أبي السعود (١/ ٣٩).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٨٤، ٨٥)، تفسير أبي السعود (١/ ٣٩).
(٣) انظر: تسهيل الفوائد (ص ٩٦).
(٤) انظر: تسهيل الفوائد (ص ٩٦).
(٥) انظر: تاج العروس (٣٥/ ٣٧).
[ ٢ / ١٥٤ ]
وكذلك "وهو دون الركوع الأول" جملة حالية من الركوع.
قوله: "ثم فعل في الركعة الأخرى": "الأخرى" تأنيث "آخر"، و"أخرى" أفعل التفضيل (١). ولو قال: "في الركعة الآخرة" صحَّ، ويختلف المعنى؛ لأنه لا يلزم من الأخرى أن تكون آخرة.
وقوله: "مثل": نعت لمصدر محذوف، أي: "فعل فعلا مثل ما فعل في الأول"، وإنما قدّر هذا لأن الفعل لم يقع على المثل.
ويحتمل أن تكون "مثل" هنا مبنية لأنها أضيفت إلى "ما". و"مثل" إذا أضيفت إلى "ما" أو "أن" أو "إن" جاز فيها البناء كـ "غير"، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٢) [الذاريات: ٢٣]، وعلى هذا تكون الحركة حركة بناء لا حركة إعراب (٣).
ويحتمل أن تكون "مثل" حال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتساع، أي: "ثم فعل الفعل في الركعة الآخرة"، أي: "في حال كونه مثل".
و"ما" مصدرية، أي: "مثل فعله في الأولى"، أي: "في الركعة الأولى".
قوله: "ثم انصرف وقد تجلت الشمس": فاعل "انصرف": "النبي - ﷺ -"، وجملة "قد تجلت" في محل الحال من الضمير.
وجملة "فخطب الناس" معطوفة، وتقدّم الكلام على "خطب" في الحديث الرابع من "صلاة الجمعة".
_________________
(١) يعني أنها تأنيث لما هو على صيغة أفعل التفضيل، قال في شرح التصريح (٢/ ٣٢٧): "و(أخرى) أنثى (آخر)، بالفتح للخاء، بمعنى مغاير، و(آخر) بالفتح، من باب اسم التفضيل".
(٢) بالنسخ: "وإنه".
(٣) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٢٦٢)، وهمع الهوامع (٢/ ٢٣٤).
[ ٢ / ١٥٥ ]
"ثم قال"، و"حمد الله"، و"أثنى عليه" [و] (١) كلها معطوفات.
قوله: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله": تقدَّم أوّل الحديث.
وقوله: "إذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبِّروا، وصلوا، وتصدقوا": كلها أفعال أمر، وعلامة البناء فيها حذف النون، وقيل: السكون المتعذّر لأجْل الضمير.
قوله: "ثم قال: يا أمة محمد": أي: "قال النبي - ﷺ -: يا أمة محمد". تقدَّم الكلام على "يا" في الرابع من "الجنابة".
ولم يقع في القرآن نداء [بغير] (٢) "يا".
قال الأسفاقُسيّ: وقع بالهمزة في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ (٣) على قراءة التخفيف (٤).
وقد تتجرّد "يا" للتنبيه، فيليها المبتدأ أو الأمر، نحو: "ألا يا اسقياني"، أو التمني نحو: "يا ليتني"، أو التقليل، نحو:
فيَا رُبَّ يَوْمٍ. . . . . . . . . . . . (٥)
ومنهم مَن قدّر المنادي بعد "يا". (٦)
قوله: "والله": قسم، جوابُه: "ما أحد"، و"من" زائدة في المبتدأ، و"أغيرُ" خبره، ويجوز إعمال الحجازية، فيكون "أحد" اسمها و"أغير" خبرها، وتقدم الكلام
_________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) غير واضحة بالأصل. وتظهر كأنها: "بعد". والمثبت من (ب).
(٣) سورة [الزمر: ٩].
(٤) انظر: تفسير القرطبي (١٥/ ٢٤٠)، والبحر المحيط (٩/ ١٨٨، ١٨٩).
(٥) مطلع بيت من الطويل، وهو لامرئ القيس، وبقيته: "قد لَهَوْتُ وليلةٍ. . . بآنسةٍ كأنها خطُّ تِمْثالِ". انظر: المعجم المفصل (٦/ ٣٨١)، وهمع الهوامع (٢/ ٤٣٢).
(٦) انظر: المجيد في إعراب القرآن المجيد (ص ١٤٦، ١٤٧).
[ ٢ / ١٥٦ ]
على "ما"، وشرط عملها أن لا ينتقض نفيها بإلا، ولا يزداد "أنْ" بعدها، ولا يتقدم خبرها على اسمها (١)، وقد جاء تقدم خبرها على اسمها في قول الفرزدق:
فَأَصْبَحُوا قَدْ أعَادَ اللهُ دَوْلَتَهُمْ إذْ هُمْ قُرَيِشٌ وإذْ ما مِثْلَهُمْ بَشَرُ (٢)
وتُؤوِّل ذلك، فانظره في موضعه
وكذلك تُؤوِّل:
. . . . . . . . . . وَمَا صَاحِبُ الْحَاجَاتِ إلَّا مُعَذَّبا (٣)
والله أعلم.
قال ابن عصفور: و"مثل" مرفوع، [لكنه] (٤) مبنيٌّ؛ لأنه أضيف إلى مبني (٥).
وزاد بعضهم في موانع العَمَل: أن [تتكرّر "ما"] (٦)، نحو قوله: ما ما زيد قائم، وأن لا يُبْدل من خبرها بمُوجب، نحو: "ما زيد بشيء إلا شيء لا يُعبأ به"، فـ "بشيء" في موضع رفع خبر عن المبتدأ الذي هو "زيد"، ولا يجوز أن يكون في موضع نصب خبرًا عن "ما" (٧).
_________________
(١) انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ٦٠، وما بعدها)، وشرح التسهيل (١/ ٣٦٨، وما بعدها)، وشرح الأشموني (١/ ٢٥٤، وما بعدها).
(٢) البيت من البسيط، وهو للفرزدق، وقد جاء بلفظ "نعمتهم" بدل "دولتهم". انظر: المعجم المفصل (٣/ ٢٥٨)، وشرح الأشموني (١/ ٢٥٦)، وخزانة الأدب (٤/ ١٣٣).
(٣) عجز بيت من الطويل، وصدره: "وَمَا الدَّهْرُ إلَّا مَنْجَنُونًا بِأهْلِهِ". انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ١٧٦)، وشرح التصريح (١/ ٢٦٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. وقد تُقرأ: "لما بني"، وكذلك في (ب).
(٥) انظر: شرح جمل الزجاجي (١/ ٥٩٥ وما بعدها). وراجع: البحر المحيط (٨/ ٥٦٧)، شرح التسهيل (٣/ ٢٦٢)، وهمع الهوامع (٢/ ٢٣٤).
(٦) بالنسخ: "لا تتكرر ما". وهو غير المراد، بدليل المثال الذي ساقه المصنف.
(٧) انظر: همع الهوامع (١/ ٤٥٠)، وشرح ابن عقيل (١/ ٣٠٦).
[ ٢ / ١٥٧ ]
وأجاز النحويون الفصل بين "ما" وما عملت فيه معمول الخبر إذا كان ظرفًا أو مجرورًا (١).
و"من الله" يتعلق بـ "أغير"، وهو أفعل التفضيل، و"من" للتبعيض،
وما ورد من أحاديث الصفات يُنَزِّه البارئ سبحانه عن سمات [الحدوث] (٢) وصفات المخلوقين بالتأويل، ويُحمل مثل هذا على أن "الغائر" (٣) على الشيء مانع له وحام عنه (٤)، فيطلق لفظ "الغيرة" عليهما من مجاز الملازمة.
وقد تقدم جواب القسم في العاشر من "كتاب الصلاة"، وفي الثاني من "كتاب الصفوف".
قوله: "أن يزني عبدُه أو أن تزني أَمَتُه": تقدير الكلام: "ما من أحد أغيَر على عبده من أن يزني من الله على عباده"، فقوله: "أن يزني" في محل نصب أو جرٍّ على الخلاف. و"من الله" مُتعلّق بـ "أغير".
وكان فعل "يزني" مسندًا إلى ضمير العبد فأخَّره في تركيب الحديث، وقدّم اسم الله تعالى لشرفه والتبرك به، مع إحراز الفائدة وثبوت المعنى، وهذا في التقديم والتأخير من فصيح الكلام وبليغه. والله أعلم.
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (١/ ٣٦٨، وما بعدها).
(٢) بالأصل: "الحدث". والمثبت من (ب).
(٣) هذا لفظ الشيخ تقيّ الدين، في إحكام الأحكام (١/ ٣٥٣)، وقد جاء اسم الفاعل من "غار": "غاير"، كما قال مسكين الدارمي: ألا أيّها الغاير المستشيط على من تغار إذا لم تغر انظر: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء (٢/ ٢٥٣).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٥٣)، ومقاييس اللغة (٣/ ١٧٩)، ومجمع بحار الأنوار (٤/ ٨١، ٨٢).
[ ٢ / ١٥٨ ]
و"على عبده": يتعلق في هذا التركيب بـ "أغير".
وتقدم الفرق بين: "كرهت خروجك"، و"كرهت أن تخرج"، في الحديث العاشر من أوّل الكتاب.
قوله: "يا أمة محمد، والله": تقدَّم مثله.
وجاء بعد القسم هنا "لو"، والقَسَم يحتاج إلى جواب كما تحتاجه "لو"، فهذا الموضع اجتمع فيه قَسَم وشرط، والقسم "والله" والشرط "لو"، غير أنها عكس "إنْ" في كونها تعلِّق الماضي بالماضي، بخلاف "إنْ" فإنها تعلِّق المستقبل بالمستقبل، وقد اختلفوا في الجواب لأيِّهما؟
فالذي عليه الجمهور: أن الجواب يكون للمتقدّم منهما، والجواب هنا لا يصلح للقسم، ويصلح لـ "لو"، فإذا جعلناه لـ "لو" قدَّرنا جواب القسم محذوفًا لدلالة جواب "لو" عليه، أي: "والله لو تعلمون لتضحكن قليلًا، ولتبكُنَّ كثيرًا".
وإنما قلت: إنه لا يصح أن يكون جواب القسم لأنه إذا اجتمع القسم والشرط وجعلت الجواب للقسم وجب أن يكون فعل الشرط ماضيًا لفظًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ [التوبة: ٦٥]، أو ماضيًا معنى، نحو: "والله إن لم تأتني أتيتك".
وهنا في الحديث جاء الفعل مضارعًا، فتعين الجواب لـ "لو"، وإنما قلت إن "لو" حكمها حكم "إنْ" مع القسم؛ لأنها معدودة من حروف الشرط، إلا أنها تعلق الماضي بالماضي.
وقد حرر الشيخ أبو حيان الإعراب على قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥] في هذه المسألة، وفي ضمن كلامه فوائد تتعلّق بما نحن فيه، فقال: "اللام" في "لئن" مؤذنة بقَسَم محذوف مقدم على
[ ٢ / ١٥٩ ]
"إنْ"، ولهذا كان الجواب له، وهو "ما تبعوا قبلتك"، ولو كان للشرط لدخلت "الفاء"، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، ومن ثم جاء فعل الشرط ماضيًا؛ لأنه إذا حذف جوابه وجب مُضيُّ فعله لفظًا أو معنى (١).
وقال الفراء: "إنْ" هنا بمعنى "لو" ولهذا أجيبت بما كان يجاب "لو" وعلى هذا: فجواب القسم عنده محذوف يدل عليه جواب "إن"، وهذا خلاف مذهب البصريين في استعمال "إن" بمعنى "لو"، وهو قليل؛ فلا ينبغي المصير إليه إذا أمكن بقاؤها على بابها، وفيه جعل الجواب للشرط، وإنْ تقدم القسم عليه، وهو مذهب الفراء والأخفش والزجاج، فالكلُّ من "لو" و"إنْ" تقوم إحداهما مقام الأخرى، ويجاب بما يجاب به (٢).
ومذهب سيبويه أن كلًّا منهما لا يجاب بما تجاب به الأخرى لاختلاف معناهما، والماضي الواقع جواب "لئن" يُقدَّر مستقبلا، أي: "لا يتبعُن"، [و"ليظلُّن"] (٣).
وقال ابن عطية: جاء جواب "لئن" كجواب "لو" وهي ضدها؛ لأن "لو" تطلب الماضي والوقوع، و"إن" تطلب الاستقبال، لأنهما جميعًا يترتب قبلهما القَسَم، والجواب إنما هو للقسم لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، هذا قول سيبويه (٤).
وتُعقِّب (٥) أنّ في كلامه تثبيجًا وعدم نصّ على [المراد] (٦)؛ لأنَّ أوله يقتضي أن الجواب لـ "إنْ".
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦).
(٣) بالنسخ: "وليضلن". ويقصد التقدير في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١].
(٤) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٢٢٢).
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٧).
(٦) في الأصل: "أن المراد".
[ ٢ / ١٦٠ ]
وقوله: فالجواب إنما هو للقسَم يدلّ على أن الجواب ليس لـ "إنْ".
وقوله: لكن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، لا يصلح أن يعلّل به قوله: إن الجواب للقسم، بل يصلح تعليلًا لكون الجواب لـ "إنْ".
وقوله: هذا مذهب سيبويه، ليس في كتابه إلا أن "ما تبعوا" جواب القسم، ووقع فيه الماضي موقع المستقبل.
قال: وقالوا: "لئن فعلت ما فعل"، يريد معنى: "ما هو فاعل"، و"ما يفعل" (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]، أي: "ما يمسكهما" (٢).
قوله: "وفي لفظ" أي: "وجاء في لفظ"، ويكون الفاعل جملة، فاستُعمل على الحكاية. وإنْ قَدَّرت: "وروي في لفظ" كانت الجملة في محل ما لم يسم فاعله.
الحديث الرابع:
[١٤٨]: عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ على زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَامَ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ. فَقَامَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وركوع وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلاتِهِ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللهُ - ﷿ - لا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ - ﷿ - يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ". (٣)
تقدَّم الكلام على قوله: "خسفت".
قوله: "على زمان": يحتمل أن تكون "على" بمعنى "في"، كهي في قوله تعالى:
_________________
(١) انظر: الكتاب (٣/ ١٠٨).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٦، ٢٧).
(٣) رواه البخاري (١٠٥٩) في الكسوف، ومسلم (٩١٢) في الكسوف.
[ ٢ / ١٦١ ]
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في ملك سليمان (١).
ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة، أي: "كسفت الشمس [مقارنة] (٢) عهد النبي"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: "محبًّا"، ويكون العامل فيها: "كسف"، وإن لم يجر على ظاهر اللفظ؛ لأنك لا تقول: "كسفت الشمس مقارنة على عهد"، كما [تقرّر] (٣) ذلك في سائر المتعلقات، فالنظر إلى تعلق المعنى لا إلى اللفظ.
قوله: "فقام": فاعله ضمير النبي - ﷺ -، و"فزِعًا" منصوب على الحال، ومعناه "خائفًا من قيام الساعة"، والمراد: "ذا فزَع".
ويكون "الفزع" بمعنى الاستغاثة والالتجاء، ومنه: "فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ" (٤)، أي: "استغيثوا بها".
وجملة "يخشى" في محلّ الحال إن قلنا بتعدّد الحال (٥)، وإلا فهي حال من ضمير الفاعل في "فزعًا"؛ لأن المراد: "فازعًا".
وهو من الأمثلة الخمسة على وزن "فرِح".
و"أن تكون" في محلّ نصب مفعول "يخشى"، أي: "يخشى قيام الساعة"، ويحتمل أن يكون التقدير: "من أن تكون"، فتكون "أن" في محل جر أو نصب على
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (٢/ ٤٢).
(٢) بالأصل: "مقاربة". والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "تقدر".
(٤) صحيحٌ: البخاري (١٠٤٦)، من حديث عائشة.
(٥) أجاز ابن مالك تعدد الحال ومنعه ابن عصفور. انظر شرح التسهيل (٢/ ٣٤٨، ٣٤٩)، وهمع الهوامع (٢/ ٣١٥).
[ ٢ / ١٦٢ ]
الخلاف،
و"كان" يحتمل أن تكون التامة، بمعنى "وقع وحدث"، و"الساعة" فاعل، وتقدم الكلام على "كان" في الحديث الأول من الكتاب.
ويحتمل أن تكون الناقصة، واسمها وخبرها محذوف، أي: "تكون الساعة الآية". والإعراب ينبني على الرواية، فإن كان روي: "الساعةَ" بالنصب جاء هذا التقدير، وإلا فلا.
قوله: "حتى أتى": أي: "إلى أن أتى"، فيتعلق "حتى" بـ "مشى".
و"المسجِد": أصله ظرف، وتتعدّى إليه بعض الأفعال [مثل] (١) "أتى، وجاء، ودخل"، ولا يعمل فيه إذا انتصب على الظرفية، مثل: "عمل"، و"صلى"؛ لأنَّ تقدير "في" ممتنع معها (٢).
قوله: "فقام فصلى": معطوفات على "أتى"،
وحرف الجر في "بأطول": يتعلق بـ "صلى"، ويحتمل أن يتعلق بـ "قام"، والأول أقعد بالمعنى. و"الباء" للمصاحبة، أي: "صلى متلبسًا بأطول قيام".
و"أطول": أفعل التفضيل، من "طال" اللازم، وأصله: "طَوُل"، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألِفًا.
وأما قولهم: "طلت زيدًا"، فأصله: "طَوُلت" بضم الواو، لا تقول: "طُلت زيدًا، فهو طويل"، فتنقل الضمة إلى "الطاء"، فتسقط الواو لاجتماع الساكنين، ولا يجوز أن تقول منه: "طلته"؛ لأن "فَعُل" لا يتعدّى، وإن أردت تَعْدِيَتَه قلت: "طوَّلته" و"أَطَلته" (٣).
_________________
(١) في الأصل: "متى".
(٢) انظر: همع الهوامع (٢/ ١٤٩، وما بعدها).
(٣) انظر: البحر المحيط (٥/ ١٧٥٣).
[ ٢ / ١٦٣ ]
وتقدم الكلام على أفعل التفضيل في الحديث الأوّل من "الصلاة".
وقد جاء "أفعل" هنا مضافًا إلى نكرة، ومتى جاء هكذا وجب فيه المطابقة، نحو: "الزيدان أفضل رجلين"، و"الزيدون أفضل رجال"، و"هند أفضل امرأة".
قال أبو حيّان (١): إذا أضيف "أفعل" إلى نكرة غير صفة بقى مفردًا مذكّرًا، وطابقت النكرة ما قبلها، فتقول: "زيد [أفضل] (٢) رجل".
قال: وأجاز أبو العباس: "إخوتك أفضل رجل"، بالإفراد، ومنعه الجمهور.
وإن كان صفة: فقد جاء المطابقة والإفراد، وأنشد الفرّاء:
وَإِذَا هُمْ طَعِمُوا فَأَلْأَمُ طَاعِمٍ وَإِذَا هُمْ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ (٣)
قلت: اجتمع في البيت إضافة "أفعل" إلى مفرد وجمع
قال أبو حيان: والإفراد مع تقدم الجمع في الصّفة مُتأوَّل.
قال الفراء: تقديره: "ألأم مَن طعم".
وقال غيره: يُقدَّر وصفًا لمفرد يؤدي معنى جمع، أي: "ألأَمُ فريق طاعم"، حُذف الموصوف، وقامت الصفة مقامه في المعنى.
وقد تأولوا ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ﴾ [البقرة: ٤١] بـ "مَن كفر" أو "أوّل حزب" (٤)، انتهى.
وعلى هذا يكون التقدير في الحديث: "فصلى بقيام أطول"، ويبقى: "وركوع وسجود".
ويحتمل أن يكونا معطوفين على "قيام" المذكور، ويكون التقدير: "وركوع
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٨٦، ٢٨٧).
(٢) بالأصل: "أأفضل". وفي (ب): "لأفضل".
(٣) البيت من الكامل. انظر: اللباب في علوم الكتاب (٢/ ١٥)، وتفسير الطبري (١/ ٦٠١)، والتفسير البسيط (٢/ ٤٣٦).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٨٧).
[ ٢ / ١٦٤ ]
أطول ركوع، وسجود أطول سجود".
ويحتمل أن يكونا معطوفين على "قيام" المقدر، فيكونان كالتفسير له، ويكون التقدير: "بقيام أطول قيام، وركوع وسجود أطول ركوع وسجود"، والأول أبين.
قوله: "ما رأيته يفعله في صلاة قط": الجملة في محل صفة لـ "قيام" و"ركوع" و"سجود"، وأعاد الضمير على الجنس من الفعل، أي: ما رأيته يفعل ذلك الفعل. و"في صلاة" يتعلق بـ "يفعله" ويحتمل أن يتعلق بـ "رأيته"، وفيه الخلاف الذي في التنازع.
قوله: "قط": تقدم القول على "قط" في السادس من الإمامة، وهي ظرف زمان لاستغراق ما مضى، وتختص بالنفي، ولا يجوز دخولها على فعل الحال، ولحن من قال: ما أفعلُه قط، وعلى هذا: فهي ظرف لـ "رأيته" لا لـ "يفعله"؛ لأنه مستقبل، ولأنه في محل حال من ضمير المفعول في "رأيته"، ولو كانت الرؤية علمية لكانت الجملة في محل المفعول الثاني.
قوله: "ثم قال": معطوف على "قام فصلى".
قوله: "إن هذه الآيات": الجملة من "إن" واسمها وخبرها في محل نصب بالقول، والآيات صفة لـ "هذه".
وجمع "الآيات" على الأصل الفصيح في جمع ما هو مثنى (١).
_________________
(١) انظر في التعبير عن المثنى بلفظ الجمع: البحر المحيط (٤/ ٢٥٤)، إرشاد الساري (١/ ٢٨٦)، مرعاة المفاتيح (٥/ ٧٤)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٢٩، ١٣٠، ٢٠٦)، شواهد التوضيح (ص ١١٥، ١١٦، ٢٥٥، ٢٥٦)، عقود الزبرجد (١/ ٣٢٤، ٤٥٥)، (٣/ ٢٧٢)، الكتاب (٣/ ٦٢١، ٦٢٢)، أمالي ابن الشجري (١/ ١٦)، (٢/ ٤٩٦)، شرح التسهيل (١/ ١٠٦ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٧٨٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٣٣٥ وما بعدها)، شرح =
[ ٢ / ١٦٥ ]
قوله: "التي يرسلها الله": صفة للآيات.
وجملة "لا تكون لموت أحد": في محل خبر "إن"، واللام في "لموت" لام التعليل، والعطف في قوله: "ولا لحياته" بـ "الواو".
و"لا" زائدة، قد تقدَّم قريبًا الكلام عليها.
وتقدم الكلام على "أحد" في ثاني حديث من الأوّل.
و"الموت" مصدر "مات" معتل العين، أصله: "مَوت"، تحركت "الواو"، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألِفًا.
و"الحياة" ضد "الموت"، و"الحي" ضد "الميت" (١).
وحرف الجر في "لموت" يتعلق بخبر "يكون"، واسمها ضمير "الآيات".
قوله: "ولكنَّ الله": بتشديد "النون"، حرف استدراك، وجاءت بعد نفي على الأصل، واسمها اسم "الله"، وخبرها جملة "يرسلها"، وجملة "يخوِّف" بدل منها، ويحتمل أن يكون في محل الحال من فاعل "يرسلها"، و"بها" يتعلق بـ "يخوِّف"، و"عباده" مفعول [بـ "يخوِّف"] (٢)
ولو روي "ولكنْ" بالتخفيف كانت حرف استدراك، ويجب رفع ما بعدها على الابتداء والخبر، وأعملها يونس.
وتقدّم الكلام على "لكنْ" المخففة في الأول من "باب الحيض"، والثاني من "الاستطابة"، وسيأتي الكلام على "لكنَّ" المشددة في السادس من "الزكاة"، وتقدّم
_________________
(١) = المفصل لابن يعيش (٣/ ٢١٠ وما بعدها)، خزانة الأدب (٤/ ٣٠٢)، (٧/ ٥٤٤ وما بعدها).
(٢) انظر: لسان العرب (٢/ ٩١)، الصحاح (١/ ٢٦٦، ٢٦٧).
(٣) كذا بالأصل. وفي (ب): "يخوف".
[ ٢ / ١٦٦ ]
شيء من ذلك عند ذكر الخفيفة.
قوله: "فإذا رأيتم منها شيئًا": تقدم الكلام على "إذا" في الحديث الثاني من أول الكتاب، وفعلها والعامل فيها، وتقدّم الكلام على "شيئًا" في الثاني من "باب المرور".
وجملة "﷿" معترضة، وجملة "فافزعوا" جواب "إذا"، وبه يتعلق "إلى ذكر الله"، و"ذِكْر" مصدر مضاف إلى المفعول، ولا يصحُّ أن يكون مضافًا إلى الفاعل بمعنى: "إلى تذكير الله لكم بآياته ودعائه لهم واستغفاره"؛ فإن الضمير هنا لله - ﷿ -، وكذلك يكون لمن قبله.
وقد قيل الوجهان في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧].
***
[ ٢ / ١٦٧ ]
باب الاستسقاء
الحديث الأوّل:
[١٤٩]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ" (١).
وَفِي لَفْظٍ: "إلَى الْمُصَلَّى". (٢)
جملة "خرج" معمولة بالقول، والقول معمول بالمحذوف متعلق حرف الجر، وجملة "يستسقي" في محل حال من "النبي - ﷺ -"، أي: مستسقيًا، ويحتمل أن يكون حالًا مقارنة، ويحتمل أن يكون حالًا مقدرة، ويحتمل أن يكون "يستسقي" [مقدرًا] (٣) بلام "كي"، فحذفت، أي: "خرج ليستسقي".
ومِن حذف الناصب:
ألا أيها ذا الزاجري أحضرُ الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ [مُخْلِدِي] (٤)
والفعل مرفوع على كل تقدير، ولو نصب لجاز كما روي: "أحضر" بالنصب (٥).
قوله: "يستسقى": "يستفعل"، من "استسقى"، "استفعل"، وله اثنا عشر معنى:
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٢٤) في الاستسقاء، ومسلم (٨٩٤) (٤) في الاستسقاء.
(٢) رواه البخاري (١٠٢٧)، ومسلم (٨٩٤).
(٣) في الأصل: "مقدر".
(٤) البيت من الطويل، وهو لطرفة بن العبد. وقد كتب بنسخ العُدة: "هل أنت مخلد". انظر: المعجم المفصل (٢/ ٤٣١)، خزانة الأدب للبغدادي (٨/ ٥٨٥).
(٥) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٤٨ - ٥٠)، وشرح ابن عقيل (٤/ ٢٠، وما بعدها)، وشرح التصريح (٢/ ٣٨٨، وما بعدها).
[ ٢ / ١٦٨ ]
١ - للطلب، ومنه: "يستسقى".
٢ - و[للاتخاذ] (١) كـ "استعبده".
٣ - وللتحوُّل كـ "استنسر".
٤ - ولإلفاء الشيء - بمعنى ما صيغ منه - كـ "استعظمه".
٥ - ولعَدِّه كذلك (٢) وإن لم يكنه كـ "استحسنه".
٦ - ولمطاوعة "أفعل" كـ "استشلى" (٣).
٧ - ولموافقته كـ "استنبل".
٨ - ولموافقة "يفعل" كـ "استكبر" موافق "تكبَّر".
٩ - ولموافقة "افتعل" كـ "استعصم" موافق "اعتصم".
١٠ - ولموافقة "فعِل" المجرد بكسر العين كـ "استغنى" موافق "غنى".
١١ - وللإغناء عنه، كـ "استبدّ".
١٢ - وللإغناء عن "فعَل" بفتح العين كـ "استعان" أي: حلق عانته (٤).
ومعنى "يستسقى" هنا: "طلب السقيا"، وهو أحد المعاني المتقدّمة.
و"ألِف" "استسقى" منقلبة عن "ياء"، لأنه من "السَّقي".
ومفعوله محذوف، أي: "يستسقى الله"، كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠].
وقال بعضهم: حذف مفعول آخر، وهو "المستسقَى"، أي: "يستسقى الله
_________________
(١) في الأصل: "للايجاب".
(٢) أي: ظنِّه كذلك.
(٣) شلي: أشليت الكلب واستشليته، إذا دعوته. انظر: العين (٦/ ٢٨٥).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٤٥٨، ٤٥٩)، وشرح المفصل (٤/ ٤٤٢)، والمنصف لابن جني (ص/ ٧٧)، والممتع الكبير في التصريف (ص/ ١٣٢).
[ ٢ / ١٦٩ ]
ماءً". قالوا: ومنه قوله:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثُمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ (١)
قال أبو حيان: وقد ثبت تعدِّيه مرة إلى المستسقى منه، ومرة للمستسقي، فيحتاج تعديه إليهما معًا إلى ثَبْت (٢).
قلت: ويقال: "سقاه" و"أسقاه" بمعنى. وقيل: "سقاه": "ناوله ليشرب"، و"أسقاه": "حصل له شربًا".
قوله: "فتوجه إلى القبلة": معطوف على "خرج"، و"إلى القبلة" يتعلق به، وجملة "يدعو" في محل الحال من ضمير الفاعل، و"حوَّل رداءه" معطوف عليه.
وتقدم الكلام على "حوَّل" بمعنى "صيَّر" في الحديث الأول من "الإمامة"، وليس هنا معنى "صيَّر" ظاهر فيها، وإنما معناها: "نقل رداءه من جهة إلى جهة أخرى" (٣).
و"رداءه" مفعول به. و"رداء" مهموز، همزته منقلبة عن "ياء"، وكذلك "كساء" همزته منقلبة عن "واو"، فإذا ثنيتهما جاز لك وجهان فيهما، فتقول: "كساءان" و"كساوان"، و"رداءان" و"رداوان" (٤).
قيل: كان طول رداء النبي - ﷺ - أربعة أذرع في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسهما يوم الجمعة والعيد.
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لأبي طالب عم النبي - ﷺ -. انظر: المعجم المفصل (٦/ ٥٤٩)، وخزانة الأدب للبغدادي (٢/ ٦٧).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٦٥، ٣٦٦).
(٣) انظر: التمهيد (١٧/ ١٧٤، ١٧٥)، وشرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٦٤٨).
(٤) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٥٤، ٢٣٥٥)، ولسان العرب (١٤/ ٣١٦).
[ ٢ / ١٧٠ ]
قال الواقدي: كان طوله ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عُمان، طوله أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسهما يوم الجمعة والعيد ثم يطويهما (١).
قوله: "ثم صلى": تقدم الكلام على "ثم"، وعلى "صلَّى"، وأفادت "ثم" ترتيب الصلاة على الدعاء.
و"ركعتين" تقدَّم أنهما عدد "ركعة" فيتعدى إليه "صلى" متضمنًا معنى "ركع"، وقد تقدم ذلك.
قوله: "جهر فيهما بالقراءة": في محل الحال من ضمير النبي - ﷺ -، أي: "جاهرًا فيهما بالقراءة".
قوله: "وفي لفظ": يتعلق بمحذوف، أي: "وروي في لفظ"، أو: "جاء في لفظ". و"إلى المصلى" معمول المقدر منهما، والتقدير: "وفي لفظ: خرج النبي - ﷺ - إلى المصلى يستسقي"، فيتعلق "إلى" بـ "خرج".
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٢/ ٤٩٨)، وعمدة القاري (٧/ ٢٥)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٨/ ٢٣٩).
[ ٢ / ١٧١ ]
الحديث الثّاني:
[١٥٠]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللهَ تَعَالَى [يُغِثْنا] (١). قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا".
قَالَ أَنَسٌ: فَلا وَاللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ.
قَالَ: فَلا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا.
قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يَخْطُب، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ".
قَالَ: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ.
قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: لا أَدْرِي (٢).
"الظراب": "الجبال الصغار"، جمع "ظَرِب" بفتح "الظاء"، وكسر "الراء" (٣)، وب "الظاء": " [الناتئة] (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بالنسخ: "يغيثنا"، وهو لفظ البخاري، والمثبت هو لفظ مسلم، وعليه جاء الإعراب والشرح.
(٢) رواه البخاري (١٠١٣) في الاستسقاء، ومسلم (٨٩٧) في صلاة الاستسقاء.
(٣) انظر: الصحاح (١/ ١٧٤).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب). والذي يفهم من المصادر أن المراد بالظراب عند البعض: الجبال الصغار، وعن آخرين: ما نتأ من الجبال وحُدّ طرفه، وقيل: الجبل =
[ ٢ / ١٧٢ ]
الممدودة". (١)
و"الآكام": جمع "أُكُم"، مثل "أعناق" جمع "عُنُق"، و"الأُكُم" جمع "إكام"، مثل "كُتُب" و"كِتَاب"، و"الإكام": جمع "أَكَم" مثل جَبَل وجبال، و"الأكم" و"الأكمات" جمع "أكمة" وهي "التل المرتفع" (٢).
قوله: "ما بيننا وبين سلع من دار": تأكيد لقوله: "وما نرى في السماء من سحاب ولا قزَعة"؛ لأنه أخبر أن السحابة طلعت من وراء سلع، فلو كان بينه وبينهم دار لأمكن أن تكون القزَعة موجودة، لكن حال بينهم وبينها ما بينهم وبين سلع.
قوله: "أن رجلًا دخل المسجد": جملة "دخل" في موضع خبر "أن"، و"أن" فتحت لقيامها مقام معمول لمتعلق حرف الجر.
تقدم الكلام على "دخل" وتعديها في الحديث الرابع من الاستطابة.
و"المسجد" يجري فيه الخلاف في تعدي "دخل" إلى مفعول به أو إلى ظرف، والصحيح أنه ظرف (٣)،
والجملة صفة لـ "رجل"، والعامل في "يوم" "دخل"، و"جمعة" تقدم الكلام عليها في الحديث الثاني من "باب الجمعة".
قوله: "من باب": يتعلّق بـ "دخل"، وجملة "كان" في محل صفة لـ "باب"، وتصريف "الباب" تقدم في "باب الاستطابة".
_________________
(١) = المنبسط. وانظر المصادر التالية.
(٢) انظر: إكمال المعلم (٦/ ٣٧٦)، المحكم والمحيط الأعظم (١٠/ ١٩)، لسان العرب (١/ ٥٦٩)، وتاج العروس (٣/ ٢٩٣).
(٣) انظر: الصحاح (٥/ ١٢٦٢)، وتاج العروس (٣١/ ٢٢٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٥٩).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٢٤٤)، وشرح الشذور للجوجرى (٢/ ٤٣٨ - ٤٤٠).
[ ٢ / ١٧٣ ]
و"نَحْوَ" تقدم الكلام عليه في الحديث السابع من الأول، وهو هنا ظرف بمعنى الجهة معمول خبر "كان"، أي: "كائنًا جهة دار القضاء".
ولو كان "النحو" بمعنى المثل (١) أُعرب، فلو قُلتَ: "داري نحوُ دارك"، بمعنى: "مثل دارك"، رفعتهما لخروج "النحو" عن الظرفية.
قوله: "دار القضاء": قال ابن الأثير: قيل: هي دار الإمارة، وقال بعضهم: هو خطأ، وإنما هي دار كانت لعمر بن الخطاب بيعت بعد وفاته في دَيْنه، ثم صارت لمروان، وكان أميرًا بالمدينة، ومن ههنا دخل الوهم على من جعلها دار الإمارة (٢).
قلت: كان عمر - ﵁ - أوصى به لبيت مال المسلمين، أوصى أن يباع فيه ماله، وما فضل عليه بعد بيع ماله يستعان في قضائه ببني عدي، ثم بقريش، فباع عبد الله بن عمر داره هذه من معاوية، وباع ماله في الغابة، وقضى دينه، فكان يقال لها: دار القضاء لذلك، وهي دار مروان.
قلت: ولعل الباب الذي أشار إليه هو "باب السلام"، ولم يكن يومئذ الباب هناك، بل حَدَث بعد ذلك، وهو ملاصق لدار مروان، فيكون قوله: "نحو دار القضاء" أشار إليه في الزمان الذي كان الرّاوي فيه، لا في زمانه - ﷺ -.
وسُمي: "باب السلام"؛ لأنه يُقابل الرّوضة الشريفة، ويُسلِّمُ الداخل منه على رسول الله - ﷺ -، وليس كذلك ما عَدَاه من الأبواب.
قيل: كان دَيْنُه ستةً وثمانين ألفًا. وقيل: ثمانية وعشرين ألفًا. والأوّلُ أصحُّ.
قوله: "ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، فاستقبل رسول الله": جملة "ورسول الله" في محلّ الحال من فاعل "دخل"، ويحتمل أن يكون حالًا من "رجلًا"؛ لأنَّ
_________________
(١) انظر: اللطائف في اللغة (١/ ١٩٤).
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٧٨).
[ ٢ / ١٧٤ ]
النكرة تخصَّصت بالصفة (١)، وهي جملة "دخل المسجد".
و"قائم" خبر عن المبتدأ، وجملة "يخطب" في محل الحال من الضمير في "قائم"، ويجوز أن تكون الجملة خبرًا بعد الخبر.
وفاعل "استقبل" ضمير "الرجل"، و"رسول الله" مفعوله، و"قائمًا" حال من ضمير "الرجل"، أو من "النبي - ﷺ -".
قوله: "ثم قال": أي "الرجل".
وجملة: "يا رسول الله، هلكت": معمولة للقول.
وأنَّث "الأموال"، وإن كان جمع مذكر لأن جمع التكسير إذا أسند الفعل إليه جاء بالعلامة وبغيرها (٢)، و"الأموال" جمع "مال"، وجُمِع لاختلاف أنواعه.
قوله: "فادعُ الله": "الفاء" سببية و"ادع" فعل أمر، وعلامة بنائه حذف "الواو"، ولغة بني عامر "فادعِ" بكسر "العين"، جعلوه من ذوات "الياء" كـ "رمَى، يرمي" (٣).
قوله: "يُغِثْنا": بضم "الياء"، من "أغاث". والمشهور في العربية إنما يقال في المطر: "غاث الله الناسَ، يَغيثُهم"، بفتح "الياء".
قال عياض: هو هنا بمعنى "الإغاثة"، وليس من "طلب الغيث"، أي: "اللهم هب لنا غيثًا، وارزقنا غيثًا"، كما يقال: "سقاه" و"أسقاه" (٤).
وهو فعل مضارع مجزوم على جواب الأمر، وقيل: بشرط مقدر، أي: "إن تدع
_________________
(١) حق صاحب الحال أن يكون معرفة، ولا يُنكر غالبًا إلا عند وجود مسوغ، والمسوغ هنا هو تخصيص النكرة بالوصف. انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ٢٥٨).
(٢) انظر: شرح ابن عقيل (٢/ ٩٤، ٩٥)، وشرح الأشموني (١/ ٤٠١)، وشرح شذور الذهب (١/ ٣٤٥).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٧٥)، وتفسير القرطبي (١/ ٤٢٣).
(٤) انظر: شرح النوويّ على مسلم (٦/ ١٩١)، وعمدة القاري (٧/ ٣٩).
[ ٢ / ١٧٥ ]
الله لنا بالإغاثة يغثنا".
ويجوز - لو رُويَ - الرفع على الاستئناف، وعلامة الجزم السكون على "الثاء"، فلما اتصل الضمير سكنت "الثاء"، فاجتمع ساكنان: الياء والثاء، فحذفت "الياء" لالتقاء ساكنين.
قوله: "قال: فرفع": فاعل "قال" ضمير أنس بن مالك، وفاعل "رفع" "رسول الله - ﷺ -"، ومفعوله "يديه".
قوله: "ثم قال: اللهم أغثنا": تقدَّم الكلام على "اللهم" في الأول من "الاستطابة".
قوله: "قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب": الفاء هي العاطفة، و"لا" زائدة لتأكيد معنى القسم، ولو سقطت لصحَّ الكلام، ويُروَى: "ولا والله" بالواو، وهي عاطفة أيضًا، وقد تقدم الكلام على زيادة "لا" في الرابع من العيدين، ومن زيادتها قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] (١)، ومنه:
فلا والله لا يُلْفَى لما بي ولا لِلِما بهم أبدًا دواء (٢)
وهذا نظير الحديث.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] (٣)، "لا" في ذلك كله زائدة.
قوله: "ما نرى": جواب القسم، وقد تقدم الكلام على جواب القسم في الثاني
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ١١٧)، والكشاف (١/ ٥٢٩).
(٢) البيت من الوافر، وهو لمسلم بن معبد الوالبي. انظر: المعجم المفصل (١/ ٥٥)، وخزانة الأدب للبغدادي (١١/ ٣٣١).
(٣) انظر: الكشاف (١/ ٥٢٩)، والبحر المحيط (٣/ ٦٩٥).
[ ٢ / ١٧٦ ]
من باب الصفوف، و"نرى" من رؤية البصر، يتعدى إلى مفعول واحد، وهو "من سحاب" أي ما نرى سحابًا، و"من" زائدة في النفي، و"في السماء" متعلق بحال، كان أصله صفة لـ "سحاب".
قوله: "ولا قزعة": بالجر عطف على "سحاب"، ويجوز فيه النصب بالعطف على المحل، و"لا" زائدة أيضًا لتوكيد النفي، كقولك: "لا يستوي زيد ولا عمرو" (١).
قوله: "وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار": إنما كرر "بين" ليصح العطف على [الضمير] (٢) المجرور (٣).
وليس هذا مثل قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] و﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] (٤). ولو قال: "بيننا" كفى.
وإنما كرّر "بين" هنا ولم يكرّرها في قوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ [الشورى: ١٥] ليعم ما أضيف إلى كل واحد منها في المسافة (٥)، وسيأتي بيان ذلك في السادس من "الأيْمان".
قوله: "من بيت ولا دار": "من" زائدة في المبتدأ، والخبر في "بين"، أي: وما بيننا وبين سلع دارٌ، فتتعلق "بين" الأولى بالخبر، و"بين" الثانية معطوفة عليها، و"بين" الأولى مضافة إلى الضمير، والثانية مضافة إلى "سَلع".
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٤/ ١٦٥)، مغني اللبيب (ص ٣٢٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح ابن عقيل (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠)، معجم الصواب اللغوي (١/ ١٩٩).
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٩٠).
(٥) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٨٨)، والدر المصون (٥/ ٥٤ وما بعدها)، تفسير القرطبي (٧/ ٤٣)، والكشاف (٢/ ٧٤٦)، وشرح المفصل (١/ ٤٢٢)، وشرح ابن عقيل (٢/ ١٩١ - ١٩٣)، وجامع الدروس العربية (٣/ ٤٨).
[ ٢ / ١٧٧ ]
و"البيت" معروف، والجمع "بيوت" و"أبيات" و"أباييت"، وتصغيره "بُيَيْت" و"بِييت"، بضم الباء وكسرها.
قال في "الصحاح": والعامة تقول "بويت"" (١) بضم "الباء" وبالواو.
قوله: "فطلعَتْ": أي: "قال أنس: فطلعت".
"من ورائه سحابة": "سحابة" فاعل "طلعَتْ" و"من ورائه" يتعلق بـ "طلعت"، أو بحال من "سحابة" على أنها صفة له تقدّمت فصارت حالًا.
قوله: "مثل التُّرس": صفة لـ "سحابة"، ويحتمل أن تكون منصوبة على الحال من الضمير في الصفة المتقدمة، أو من "سحابة" لأنها وصفت، أو نعتًا لمصدر محذوف.
قوله: "فلما توسطت السماء": "لما" حرف وجوب لوجوب، أو وجود لوجود، واختار الفارسيُّ ومن تبعه أنها مع الماضي ظرف بمعنى "حين"، وتقدم الكلام عليها في الرابع من "باب المذي".
وجملة "توسّطت" على مذهب الفارسي في محل جر، و"انتشرت" جوابها، "ثم أمطرت" معطوف عليه.
قوله: "لا والله ما رأينا الشمس سبتًا": قوله: "قال: فلا والله" تقدم أنه كقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥]، وتقدم الكلام على ذلك، و"ما رأينا" جواب القسم.
و"سبتًا" ظرف زمان، أي: "في مدة سبت"، والمراد: "الجمعة كلها".
و"السبت" في الأصل مصدر، يقال: "سبت، يسبت، سبتًا"، إذا "قطع"، ثم سمي اليومُ "سبتًا"، وقد يقال: "يوم السبت" فيخرج مصدرًا على أصله، وقد قالوا:
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٢٤٤).
[ ٢ / ١٧٨ ]
اليوم السبت، وجعلوا "اليوم" خبرًا عن "السبت"، كما يقال: "اليوم العيد"، و"السبت" يطلق في اللغة على السير الشديد، و"السبت" برهة من الدهر، وقد أطلق هنا على أيام الجمعة كلها، فهو هنا واقع على مدة من الزمان (١).
قال ابن الأثير: كما يقال: "عشرون خريفًا"، ويراد: "عشرون سنة".
قال: وقيل: أراد مدّة من الزمان؛ لأنَّ "السبت" يقع بمعنى "القطع"، فيقع على زمان قليلًا كان أو كثيرًا. (٢)
قلت: ومقتضى هذا أنه يقع على زمان من الجمعة قليلًا كان أو كثيرًا، ولا يتحدّد بالجمعة كلها.
والذي عليه الجمهور: أنّ المراد الجمعة كلها.
قال بعضهم: جمع "السبت": "أسبت" و"سبتات" بالتحريك، وجمع الكثرة: "سبوت" و"سبات"، مثل: "فَرْخ" و"فِراخ" (٣).
واعلم أن كل ظرف وقع خبرًا عن أسماء أيام الأسبوع، فإنه يكون مرفوعًا إلا "الجمعة" و"السبت"، تقول: "الأحد اليومُ"، و"الإثنان اليومُ"، برفع "اليوم" فيهما، وتقول: "الجمعة اليومَ"، و"السبت اليومَ"، بالنصب فيهما.
قالوا: وعلة ذلك أن "الجمعة" و"السبت" مصدران فيهما معنى الاجتماع والقطع، فكما يقال: "الاجتماع اليومَ"، بالنَّصب، و: "القَطْعُ اليومَ"، بالنصب، كذلك ما هو بمعناهما، لأن الثاني غير الأول، وليس كذلك باقي الأيام (٤).
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٢٥٠).
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٣١).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٧/ ٣٠٥)، والهداية إلى بلوغ النهاية (١/ ٣٠٠)، والصحاح (١/ ٢٥٠).
(٤) انظر: رياض الأفهام (٣/ ١٣٥، ١٣٦)، الكتاب (١/ ٤١٨)، شرح التسهيل (١/ ٣٢٣)، الأصول في النحو (١/ ١٩٤)، الهمع (١/ ٢٩٢)، النحو الوافي (١/ ٤٨٣).
[ ٢ / ١٧٩ ]
قوله: "ثم دخل رجل من ذلك الباب": تقدم أن النكرة إذا كررت كان الثاني غير الأول، وإذا عُرِّف الثاني كان هو الأوّل، وإذا عُرِّف الأول ونُكِّر الثاني كان الأول غير الثاني، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦]، قيل: "لَن يَغْلِب عُسْرٌ يُسْرَيْن" (١)، فلو جاء هنا: ثم دخل الرجل، كان هو الأوّل.
قوله: "ورسول الله قائم يخطب": إعرابه كإعراب ما تقدم إلى قوله: "فادع الله يمسكها عنا": في بعض النسخ: "يمسكُها" برفع، وفي بعضها: "يمسكْها" مثل "يُغثْنا" في الجزم (٢)، والتقدير كالتقدير.
وأمّا رواية "أنْ يمسِكَها" (٣): فبنصب "يمسكها" ويقدر محلها نصب أو جر بتقدير حرف الجر، أي "بأن يمسكها".
قوله: "قال: فرفع رسول الله يديه": تقدم مثله.
قوله: "ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا": تقدّم الكلام على "اللهم" في أول حديث من "الاستطابة".
قوله: "حوالينا": منصوب على الظرفية، وهو من الظروف المكانية المبهمة؛ لأنه بمعنى "الناحية"، ولا يخرجه عن الإبهام اختصاصه بالإضافة، كما تقول: "جلست مكان زيد"، أي: قعدت موضعَه، و: هو مكانَ عبد الله، و: موضعَه. وهذا بخلاف "الدار" و"المسجد" فإنهما مختصان؛ لأن ذلك لا يطلق على كل موضع، بل هو بأصل وضعه لمعنى مخصوص.
_________________
(١) ضعيفٌ: أخرَجَه البخاري مُعَلقًا (٦/ ١٧٢). ورواه الحاكم بالمستدرك من كلام عُمر (٣١٧٦)، ومُرسَلًا (٣٩٥٠). وضعّفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٤٣٤٢).
(٢) انظر: رياض الأفهام (٣/ ١٣٦).
(٣) رواه النسائي في الكبرى (١٨٣٧)، وكذا هو بالعمدة (ط الثقافة، ص ١١٣).
[ ٢ / ١٨٠ ]
والناصب لـ "حوالَينا" فعل مقدر، أي: اللهم اجعلها حوالينا، ولا تجعلها علينا. فـ "علينا" يتعلق بالمقدر كالظرف، و"حوالينا" يقال فيه: "قعدوا حواله"، و"حوله"، و"حواليه".
قال ابن مالك: "حوالي" و"حولي" و"أحوال" (١).
قال في الصحاح: ولا يقال "حوالِيه" بكسر اللام، ويقال: "قعد حياله"، و"بحياله"، أي: "بإزائه"، وأصله "الواو" (٢).
وجعل ابن مالك "حواليك" من الظروف التي لا تتصرف كـ "فوق، وتحت، وعند، ولدن، ومع، وبين بين دون إضافة" (٣).
قوله: "اللهم على الآكام": تقدم كلام الشيخ تقي الدين عليه.
قوله: "وبطون الأودية": جمع "بطن" ويجمع على "بطنان"، وبطنان الجنة: وسطها، ويقال: بطنت الوادي دخلتُه (٤). و"الأودية" جمع "واد"، قالوا: وليس في كلام العرب جمع "فاعل" على "أفعلة" إلا في هذه الكلمة خاصة، وهي من النوادر (٥).
قوله: "فأقلعت": وجاء في بعض الروايات لمسلم: " [فَانْقَطَعَتْ] " (٦) وهما بمعنى، أي: كفَّت.
والإقلاع: الكفّ، ويقال: أقلع فلان عما كان عليه، و: أقلعت عنه الحمى.
_________________
(١) انظر: تسهيل الفوائد (ص/ ٩٦).
(٢) انظر: الصحاح (٤/ ١٦٧٩).
(٣) انظر: تسهيل الفوائد (ص/ ٩٦)، وشرح التسهيل (٢/ ٢٢٩)
(٤) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠٧٩، ٢٠٨٠).
(٥) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٨١)، تاج العروس (٤٠/ ١٧٩)، المخصص (١/ ٥٠٩).
(٦) الوارد بالنسخ: "فقطعت". والمثبت من المصدر. وقد ذكر النووي اختلاف النسخ في صحيح مسلم، وأن الأكثر على "فانقلعت". انظر: شرح النووي (٦/ ١٩٣).
[ ٢ / ١٨١ ]
وعطف عليه "وخرجنا نمشي"، وجملة "نمشي" في محل الحال، وهي حال مؤكدة؛ لأن خروجهم من المسجد لا يكون إلا لمشي.
وتشبه هذه الحال قوله:
إذَا كُنْتَ رَبًّا للقَلُوصِ فَلَا تَدَعْ رَفِيقَكَ يَمْشِي خَلْفَها غَيرَ رَاكِبِ (١)
لكن المؤكّدة في البيت: "غير راكب".
قوله: "فسألت": الضمير في "سألتُ" للراوي عن أنس. وتقدم الكلام على "الأول" في الحديث الأول من الكتاب.
وتقدم أن همزة الاستفهام إذا دخلت على الاسم كما هي هنا وجاء الفعل بعده أشعر بوقوع الفعل في الوجود، والاستفهام عن صدور ذلك الفعل من المخاطب أو من غيره.
بخلاف ما إذا ولى الاستفهام الفعل فإنه ليس فيه إشعار بوقوعه.
فإذا قلت: "أنت ضربت زيدًا؟ "، أشعر بوقوع الضرب بزيد، لكنك استفهمت عن إسناده للمخاطب.
وإذا قلت: "أضربت زيدًا؟ "، استفهمت عن إسناده له، ولا إشعار فيه بالوقوع.
قال أبو حيان: ونص على هذا أبو الحسن الأخفش (٢).
وهذا التركيب في الحديث من القسم الأول؛ لأن تقدير الكلام: "الرجل الأول دخل ثانيًا؟ "، فالدخول معلوم، والرجل عند المستفهم مجهول، هل هو الأول
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لحاتم الطائي. انظر: الحماسة البصرية (١/ ١٢٨).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤١٦).
[ ٢ / ١٨٢ ]
أو غيره؟ وجاء في البخاري أنّ الرجُل الأوّل هو الثاني.
قوله: "لا أدري": يجوز فيه حذف "الياء" تخفيفًا، كـ "لا أُبالي"، وكما حذفوا من "يكن" لكثرة الاستعمال (١).
وهمزةَ التسوية مقدرة، أي: "أهو هو أم لا؟ وتقدّم ذكر "همزة" التسوية.
***
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٣٥)، ولسان العرب (١٤/ ٢٥٤)، والعين (٨/ ٥٨).
[ ٢ / ١٨٣ ]
باب صلاة الخوف
[الحديث الأوّل] (١):
[١٥١]: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵄ - قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآخَرُونَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، وَقَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً، رَكْعَةً". (٢)
قوله: "قال: صلى": في محلّ معمول متعلق حرف الجر، وجملة "صلى" معمولة للقول.
وجملة "ﷺ"، و"﵄" معترضتان، لا محلّ لهما من الإعراب، والجمل التي لا محل لهما تقدم ذكرها في أول حديث من أول الكتاب.
قوله: "صلاة الخوف": مصدر لـ "صلى"، و"صلى" لا يتعدى إلى مفعول به، وقد تقدم الكلام عليه مبسوطا في الحديث الخامس من فضل الجماعة.
والخوف لا يكون إلا مما يأتي بخلاف الحزن فإنه لما مضى.
قوله: "في بعض أيامه": [المراد: في بعض ساعات أيامه] (٣).
قوله: "فقامت": معطوف على "صلَّى". (٤)
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) رواه البخاري (٩٤٢) في الخوف، ومسلم (٨٣٩) (٣٠٦) في صلاة المسافرين.
(٣) تكرار بالأصل.
(٤) ما بعد هذا إلى آخر شرح الحديث ساقط.
[ ٢ / ١٨٤ ]
[الحديث الثّاني] (١):
[١٥٢]: [عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، صَلاةَ الْخَوْفِ: "أَنَّ طَائِفَةً صُفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصُفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ"] (٢). (٣)
["صَفّت"] (٤): في محلّ خَبر "أنَّ"، و"معه" يتعلّق بالفعل.
قوله: "وطائفة [وِجَاه] (٥) العدو": بضم الواو وكسرها، مبتدأ وخبر، وصحَّ الابتداء بالنكرة؛ لأنّ الكَلام فيه تفصيل.
و"وجاه" ظرف مكان، يتعلق بالاستقرار، مأخوذ من "المواجهة" بمعنى: المقابلة، يقال: "قعدتُ وُجاهك"، بالضم والكسر، وأبدلوا من الواو تاء فقالوا: "تجاهك"، والأصل الواو.
قوله: "فصلى بالذين معه ركعة": "ركعة" تقدم أنه مصدر "ركع"، أي: عقد بالذين معه ركعة، و"معه" ظرف في محل الصلة، والعامل فيه الاستقرار، والصلة والموصول في محلّ جرٍّ بالباء، وحرفُ الجر يتعلق بـ "صلَّى"، والفعلُ معطوفٌ على ["صَفّت"] (٦).
_________________
(١) سقط من النسخ. وعليه سيتغير ترقيم الحديث التالي.
(٢) رواه البخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢).
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من نُسَخ العُمدة.
(٤) سقط من النسخ.
(٥) بالأصل: "وجا".
(٦) بالأصل: "صفة". والمثبت من (ب).
[ ٢ / ١٨٥ ]
قوله: "ثم ثبت قائمًا": أي: "ثبت النبي - ﷺ -"، و"قائمًا" حال من ضمير "ثبت".
قوله: "وأتموا لأنفسهم": الضمير في "أتموا" يعود على الطائفة التي صلت الركعة، ومفعول "أتموا" محذوف، أي: "أتموا صلاتهم"، يعني بالسلام منها، والنبي - ﷺ - قائم. و"انصرفوا" [معطوف] (١) على "أتموا"، وكذلك "وصفُّوا وِجاه العدو".
قوله: "وجاءت الطائفة الأخرى": الجملة معطوفة على ما قبلها، وكذلك "فصلى بهم" معطوف على "جاءت"، وجملة "بقيت" في محل الصلة، والعائد فاعل "بقيت"، والصلة والموصول صفة للركعة.
قوله: "ثم ثبت جالسًا": مثل "ثبت قائمًا"، وهي حال مصاحبة.
قوله: "وأتموا لأنفسهم": مفعوله محذوف، أي: أتموا صلاتهم، ومعنى "لأنفسهم": بغير إمام.
قوله: "ثم سلم بهم": أي: "سلم بهذه الطائفة الثانية"، وهو خلاف ما اختاره مالك (٢)، ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا على الطائفتين، أي: "سلم بالطائفة الأولى وبالثانية"، بناء على أنّ الطائفة الأولى انصرفت وجاه العدو وهي في الصلاة حتى سلّموا بسلام النبي - ﷺ -، وهو اختيار أبي حنيفة (٣) - ﵁ -.
_________________
(١) غير موجود بالأصل.
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٣٦١).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٢٤٣).
[ ٢ / ١٨٦ ]
الحديث [الثالث] (١):
[١٥٣]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: "شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - صَلاةَ الْخَوْفِ فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فكَبَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفٌّ الَّذِي يَلِيهِ؛ وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ؛ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - ورَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ - الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى - فَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ؛ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النبي - ﷺ - وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا".
قَالَ جَابِرٌ: "كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلاءِ بِأُمَرَائِهِمْ".
ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ (٢).
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ (٣) طَرَفًا مِنْهُ: "وَأَنَّهُ صَلَّى صَلاةَ الْخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْغَزْوَةِ السَّابِعَةِ، غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ".
قوله: "شهدت": معناه: حضرت، مفعوله: "صلاة"، و"صففنا" معطوف على "شهدت" أو على محذوف، أي: "شهدت فأقيمت الصلاة فصففنا"، و"صفَّيْن" تثنية "صفّ"، وهو مصدر مثنى، لأنه أريد به العدد، ولو أريد به [التأكيد] (٤) لم يُثنَّ ولم
_________________
(١) بالنسخ: "الثاني".
(٢) رواه مسلم (٨٤٠) في صلاة المسافرين.
(٣) رواه البخاري (٤١٢٥، ٤١٢٩، ٤١٣٦)، بالمغازي.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٢ / ١٨٧ ]
يجمع، وهو منصوب على الحال، كقوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] (١).
ويُروى: "وصفَّنا صفَّين" (٢)، بمعنى: "جعلنا صفين"، من باب التضمين، و"خَلْف" ظرف مكان، العامل فيه "صفَفْنا".
قوله: "والعدوّ بيننا وبين القبلة": تقدم قريبًا تحرير القول في تكرير "بين" في الحديث الثاني من "الاستسقاء".
قوله: "فكبَّر النبي - ﷺ -": معطوف على قوله: "فصففنا"، وجملة "والعدو بيننا وبين القبلة" في موضع حال من ضمير "الطائفة"، أو معترضة لا محل لها من الإعراب، وتقدم ذكر الجمل التي لا محل لها في الحديث الأول من الكتاب.
قوله: "وكبَّرنا جميعًا": قال أبو حيان: ""جميعًا" يرادف "كلا" في العموم، ولا تفيد الاجتماع في الزمان، بخلاف "معًا"" (٣).
وعدها ابن مالك من ألفاظ التأكيد، قال: وأغفلها النحويون، وقد نبَّه سيبويه على أنها بمنزلة "كُلّ" معنى واستعمالا (٤)، ولم يذكر لها شاهدًا من كلام العرب.
قال: وقد ظفرتُ بشاهد له، وهو قول امرأة من العرب ترقّص ابنها:
فِدَاكَ وَفْدُ خَوْلانَ جَميعُهُم وهَمْدانْ
[وكُلُّ آل] (٥) قَحْطانْ والأكرمَون عَدْنَانْ (٦) " (٧)
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (١٠/ ١٧١).
(٢) صحيحٌ: رواه مسلم برقم (٣٠٨/ ٨٤٠).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٣، ٢١٦).
(٤) انظر: تسهيل الفوائد (ص/ ١٦٦)، وشرح التسهيل (٣/ ٢٩٦ - ٢٩٩).
(٥) بالأصل: "وكذلك".
(٦) البيتان من الهزج، وهما لامرأة من العرب. انظر: المعجم المفصل (٨/ ٤)، همع الهوامع (٣/ ١٦٥)، وأوضح المسالك (٣/ ٢٩٦)، وشرح التصريح (٢/ ١٣٥).
(٧) انظر: همع الهوامع للسيوطي (٣/ ١٦٥)، وأوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٢٩٦)، =
[ ٢ / ١٨٨ ]
قلت: فيكون "جميعًا" هنا تأكيدًا، وحيث تكرّر كذلك.
قوله: "ثم انحدر": أي: "النبي - ﷺ - بالسجود". الانحدار يقتضي السرعة في الهَوْي.
و"بالسجود" يتعلق بـ "انحدر"، و"الباء" باء المصاحبة، أي: "متلبسًا بالسجود"، ويحتمل أن تكون "الباء" بمعنى اللام، أي: "لأجل السجود"، وتسمى: باء التعليل (١)، وتقدمت الباء وأقسامها في الرابع من باب الاستطابة.
قوله: "والصف الذي يليه": معطوف على فاعل "انحدر"، وسوغ العطفَ على الضمير المرفوع الفصلُ بالسجود، ويجوز فيه النصب على أنه مفعول معه، و"الذي" وصلتُها وعائدُها صفةٌ للصف، وأراد الأقرب إليه.
قوله: "وقام الصف المؤخَّر": معطوف على "انحدر" ويجوز أن تكون في محل الحال بتقدير "قد"، أي: وقد قام.
قوله: "في نحر": يتعلق بـ "قام"، ويحتمل أن يتعلق بحال، أي: "محاذيًا"، بمعنى كائنًا في نحر العدو، أي: "في جهة العدو".
ويطلق على الواحد والجمع، قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، و"العِدَى" بكسر العين: الأعداء، وهو جمع لا نظير له، حتى قال بعضهم: لم يأت "فِعَل" في الصفات إلا "عِدَى" (٢).
وقد ذكرت ما جاء من ذلك كـ "زِيَم"، و"سِوَى"، و"قِوَم"، و"ثِنَى"، أي: "ثنيت مرتين"، و"ماء صِرى"، و"لحم زِيم"، و"وادي طوى" في "إعراب قصيدة
_________________
(١) = وشرح التصريح (٢/ ١٣٥).
(٢) انظر: التسهيل (١٤٥)، والهمع (٢/ ٤١٩، ٤٢٠)، والجنى الداني (٣٩، ٤٠).
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٤٢٠).
[ ٢ / ١٨٩ ]
كعب بن زهير".
قوله: "فلما قضى النبي - ﷺ - السجود": "لما" تقدم الكلام عليها في الحديث الرابع من المذي، و"قضى" هنا بمعنى الانفصال منها.
قال الأزهري: "القضاء" على وجوه مرجعها إلى "انقضاء الشيء وتمامه" (١)، ومنه: القضاء المعروف بالقدر.
والمراد بالسّجود هنا الجنس حتى يعم السجدتين. و"قام" معطوف على "قضى"، وإعراب هذه الجملة كالتي قبلها.
قوله: "بالسجود": تحتمل الباء الوجهين المتقدمين: إما الحال، وإما التعليل.
قوله: "ثم تقدّم الصف المؤخّر وتأخّر الصف المقدّم": "ثم" في هذه المواضع منها ما هو للترتيب والمهلة، ومنها ما لا مهلة فيه، فقوله: "ثم ركع النبي" يحتمل أن لا مهلة فيها بعد تقدم الصف المؤخر؛ لأنه عمل كثير.
قوله: "وركعنا جميعًا": هذا بناء على أنّ الحراسة إنما كانت في السجود لا غير، ومقتضى الحديث أنّ العدو كان في جهة القبلة.
قوله: "ثم رفع رأسه من الركوع": أي: "النبي - ﷺ -"، وهو معطوف، وكذلك قوله: "فرفعنا".
المراد من "الركوع" و"جميعًا": تقدّم آنفًا.
قوله: "ثم انحدر بالسجود": فاعل "انحدر" ضمير "النبي - ﷺ -"، وتقدّم إعراب الجملة.
قوله: "الذي يليه": الصّلة والموصول في محل صفة للصف، و"الذي كان
_________________
(١) انظر: نواهد الأبكار وشوارد الأفكار (٣/ ١٩٦)، وحاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٣/ ١٧٣).
[ ٢ / ١٩٠ ]
مؤخرًا" صفة أخرى للصف، ويحتمل أن يكون صفة أخرى لـ "الذي" أو [بدلا] (١) منها. و"في الركعة" يتعلّق بـ "مؤخر"، و"الأولى" نعت للركعة. وتقدم ذكر "الأولى" ومعناها في الحديث الثاني من باب القراءة في الصلاة.
قوله: "فقام الصف المؤخر في نحر العدو": أي: جهة العدو.
وقال ابن الأثير: "نحر العدو": أي: في موازاتهم ومقابلتهم (٢)، ونسق هذه الجمل على وضعها هنا، وتقدم الكلام عليها.
قوله: "فسجدوا ثم سلم النبي - ﷺ - وسلمنا جميعًا": الفاعل في "سجد" و"سلّم" ضمير النبي - ﷺ -، و"سلمنا" معطوف عليه، و"جميعًا" تقدم ذكره قريبًا.
قوله: "قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم": أي: يحرس بعضهم بعضا في الصلاة، كما يصنع حرس هؤلاء بأمرائهم، فالكاف نعت لمصدر محذوف.
و"حرسكم" مصدر "حرس، يحرس"، ومنه "الحَرَسِىّ": واحد الحُرَّاس" (٣).
و"ما" مصدرية أي: "كصنع"، أو تكون الكاف حالًا كما تقدم، فهي حال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم بعد الإضمار على طريق الاتساع، و"حرسُكم" فاعل "يصنع"، و"هؤلاء" نعت لـ "حرسكم"، فهو في محلّ رفع، وأسماء الإشارة تُنعت ويُنعت بها.
قوله: "وذكر البخاري": من كلام صاحب "العمدة"، و"طَرفًا" مفعول به، و"أنه" معطوف على "طرفًا"، و"منه" متعلق بصفة لـ "طرف".
و"صلى صلاة الخوف" تقدّم قبل هذا، و"مع النبي - ﷺ -" يتعلق بحال،
_________________
(١) في الأصل: "بدل".
(٢) انظر: جامع الأصول (٥/ ٧٣٣).
(٣) انظر: لسان العرب (٦/ ٤٨).
[ ٢ / ١٩١ ]
والضّمير في "صلى" ضمير "جابر"، و"في الغزوة" يتعلق بحال ثانية، و"السّابعة" صفة للغزوة، و"غزوة ذات الرقاع" بدل من "الغزوة"، و"ذات الرقاع" تقدّم.
***
[ ٢ / ١٩٢ ]