الحديثُ الأوّل:
" الكتابُ": مَصْدر، واحدُ "الكُتب"، بضمّ "التاء" وسُكونها.
و"الكَتبُ": "الفَرْضُ والحُكْم". و"الكَتبُ" أيضًا: "الجمْعُ". (١) فكأنّ المَعنى: "هذا جَمْعُ أحاديث الطّهَارة". وبهذا سُمّيت الكتابةُ "كتابة"؛ لأنّه يُجمَع بها بعضُ الحُروف إلى بعْض. (٢)
ومنه: "الكتيبة"، وهي "الخيلُ المجْمُوعة". و"تكَتّب القَومُ": "تجمّعوا". (٣)
ويُقال: "كتبتُ الكتابَ"، "أكتُبه"، "كَتْبًا" [و"مكتبة"] (٤). (٥)
فـ "كتاب": مَرفُوعٌ، على أنه خَبَر مُبتدأ مَحْذُوف.
قوله: "الحديثُ الأوّل": يحتمل أنْ يكُون "الحديث" خَبَر مُبتدأ مَحْذُوف، أي: "هَذا الحَديث"، و"الأوّل" نَعْتٌ له.
ويحتمل أنْ يَكُون "الحديث" مُبتدأ، و"الأوّل" نعْته، والخَبَر [مُتعلق] (٦)
_________________
(١) انظر: الصحّاح للجوهري (١/ ٢٠٨)، مجمَل اللغة لابن فارس (ص ٧٧٨)، مَقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ١٥٨، ١٥٩)، القامُوس المُحيط للفيروز آبادي (ص ١٢٨)، أنيس الفُقهاء للقُونوي (ص ٥).
(٢) انظر: نيل الأوطار للشوكاني (١/ ٢٧)، شَمْس العُلوم ودواء كلام العرب من الكلوم لنشوان الحميري (٩/ ٥٧٥٩)، لسان العرب لابن منظور (١/ ٧٠١).
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٢٠٩)، لسان العرب لابن منظور (١/ ٧٠١)، القامُوس المحيط ص (١٢٩).
(٤) كذا بالنسخ.
(٥) انظر: الصحاح (١/ ٢٠٩)، لسان العرب (١/ ٦٩٨)، أنيس الفُقهاء (ص ٥).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٢٧ ]
بالمَجْرور، أي: "الحديثُ الأوّل ثابتٌ عن عُمَر".
ويحتمل أنّ "الحديث" مُبتدأ، و"الأوّل" نعته، والخبرُ قوله: "عن عُمر" إلى آخره. ولا يحتاجُ [إلى] (١) ما يتعلّق به حَرْف الجر [لأنه] (٢) كنَّى [عنه] (٣) على الحكاية. وهذا أحْسَن.
الرابع: يكُون "الحديث" مُبتدأ، والجبرُ مُقَدَّر مُتقدِّم، أي: "مما أذْكُره الحديث"، ويكُون "الأوّل" [نَعْت] (٤). ولو رُوي الحديثُ [بالنصب] (٥) جَاز، بتقْدير: " [اسْمَع] (٦) الحديث"، أو " [أقرأ] (٧) الحَديث".
إذا ثبت: [فإنّ "الحديثَ"] (٨) مُفرَدُ "أحاديث"، على غير قياس. وقد [وهم] (٩) بعضُ النَّاس أنّه (١٠) جَمعْ لـ "أُحْدوث"؛ فيكون قياسًا. (١١)
ورُدَّ هذا: بأنَّ "الأُحدوثة" [تختصّ] (١٢) بالشّر. يُقال: "صَار فُلانٌ أُحْدوثة"، أي: " [فضيحة يتحدّث] (١٣) به النّاس". و"الأحاديثُ" ليست مُختصّة بذلك؛
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، وتظهر كأنها: "الخبر". والمثبت من (ب).
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل، وبيض لها في (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) كذا بالنسخ.
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٩) في (ب): "روى".
(١٠) أي: "الأحاديث".
(١١) نقله "الجوهري" عن "الفراء"، كما في: لسان العرب لابن منظور (٢/ ١٣٣) وتاج العروس للزبيدي (٥/ ٢١١).
(١٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(١٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فضيحته يتحدث".
[ ١ / ٢٨ ]
[لقولك] (١): "أحاديثُ الرسُول". (٢)
وقيل (٣): اختصاصُ "الأُحْدُوثة" بـ "الشَّر" غير مُسَلّم؛ لأنَّ العَرَبَ تقول: "انتشَرَت له أُحْدُوثة حَسَنة"، [و"فُلانٌ] (٤) حَريصٌ على حُسْن الأُحْدُوثة". (٥) وأنشَد المُبرّد:
وكُنْتُ إِذا مَا زُرْتُ سُعْدَى بأَرْضِهَا أَرَى الأَرْضَ تُطْوى لي وَيدْنُو بَعِيدُهَا
مِنَ الخَفِراتِ البِيضِ وَدَّ جَلِيسُهَا إِذَا مَا انْقَضَتْ أُحْدُوثَة لَو تُعِيدُها (٦)
قالوا: فبناءُ الاسم الشَّهير الاستعمال على اسْم قَليل الاستعمال خِلافُ القياس؛ فجَمعُ "حديث" على "أحاديث" خِلافُ الشهير في الاستعمال.
إذا ثبت ذلك: فـ "أوّل" وَزْنه "أفْعَل"، فاؤه وعَيْنه واوان (٧).
قال القاضي أبو بكر ابن العَربي -﵀-: لا خِلافَ أنّ وزنه "أفعل". لكن [البصريين] (٨) يقُولون: أصْلُه: "أوَل"، مِن "آل، يئُول"، إذا "رَجع". والآخَرون
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (٣/ ١٧٧)، لسان العرب لابن منظور (٢/ ١٣٣)، تاج العروس (٥/ ٢١١).
(٣) قوّاه "الزبيدي" في "تاج العروس" (٥/ ٢١١).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: تاج العروس (٥/ ٢١١).
(٦) الأبيات من البحر الطويل. ونُسبت لكُثير عزة ولذي الرمة وللحُسين بن مطير. ورجّح في "الحماسة البصرية" أنها لأبي العَوام بن كَعْب بن زُهَيْر بن أَبى سلمى. انظر: الحماسة البصرية لأبي الحسن البصري (٢/ ١٩١، ١٩٢)، الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (٩/ ٤٩)، اتفاق المباني وافتراق المعاني لابن بنين (ص ١٢٨)، تاج العروس (٥/ ٢١١)، المعجم المفصل في شواهد العربية لإميل يعقوب (٢/ ٣١٠).
(٧) انظر: المصباح المنير، للفيومي، (١/ ٣٠)، تاج العروس (٣١/ ١٠٣).
(٨) بالنسخ: "البصريون".
[ ١ / ٢٩ ]
يقُولون: "أوْأل" مِن "وَأل"، أي: "لجأ". (١)
قَالَ: والصّحيحُ قولُ البصريين. (٢)
قلتُ: والمعنى هنا على قول البصريين: "أنه يَرجع إلى معناه ما يأتي بعده من الأحاديث". وعلى قَول غيرهم: "أنه يُلجَأ إليه". وهُو قريبٌ من المعنى الأوّل. [ومنه] (٣): "الأوّل" في العَدَد، يَرجع إليه ما بعده.
وقال بعضُ النحويين: أصْلُه: "فَوْعَل". (٤)
ورُدّ: بأنَّ "أوّل" أفعَلُ [التفضيل] (٥)؛ لأنّه يُوصَل بـ "مَن"، يقُولون: "أوّل من كذا". ولهذا لا ينصرفُ إذا جَعَلْته صِفَة، تقُولُ: "لقيتُه عَام أوّل"، وإنْ لم تجعله صِفَة قُلتَ: "عَامًا أوّلًا". (٦)
وفي الحَديث الثّاني من "بَاب القِراءَة" كَلَامٌ كالتّتمة لهذا.
وأمّا "آخِر": بكَسر "الخاء"، فهو: "الذي بَعد الأوّل مَا لمَ يَعْقُبه شَيءٌ". وهُو صِفَة. تَقُول: "جَاء آخِرًا"، أي: "أخِيرًا". والأُنثى: "آخِرَة". والجمْعُ: "أَوَاخِر". (٧)
_________________
(١) انظر: المصباح المنير (١/ ٢٩، ٣٠)، تاج العروس (٣١/ ٥٦، ١٠٣)، اللباب في علل البناء والإعراب لأبي البقاء العكبري (٢/ ٢٣٥ وما بعدها)، الممتع الكبير في التصريف لابن عصفور (ص ٣٥٨)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي الإستراباذي (٢/ ٣٤٠)، المنصف لابن جني (ص ٣١١).
(٢) انظر: المصباح المنير (١/ ٣٠).
(٣) في (ب): "ومثله".
(٤) انظر: المصباح المنير (١/ ٣٠)، تاج العروس (٣١/ ٥٦، ٥٧، ١٠٣)، شرح الشافية للرضي (٢/ ٣٤٠).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: المصباح المنير للفيومي (١/ ٣٠)، لسان العرب (١١/ ٧١٧)، تاج العروس (٣١/ ٥٨)، شرح الشافية للرضي (٢/ ٣٤٠).
(٧) انظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٥٧٦)، المصباح المنير (١/ ٧، ٨)، لسان العرب لابن =
[ ١ / ٣٠ ]
[١]: قوله: "عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺتقُولُ: إنَّمَا الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ -وفي رِوَايَه: بِالنِّيَّهِ- وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِيٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ الى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ" (١).
الإعْراب:
"عَن عُمَر": حَرْفُ الجرّ تَقدّم فيه وَجْهَان. ويحتمل أنْ يتعلّق بفِعْل مَحذُوف، أي: "رَوى" أو "رُوي"، ببنائه للمَفعُول أو للفَاعِل. فإنْ بَنيتْه للمَفعُول الذي لم يُسَمّ فاعِلُه، قَدّرْت: "أنّه قَالَ"؛ ليَقُوم مَقَام المفْعُول. وإنْ بَنيتَه للفَاعِل، كَان "أنّه قال" في مَحَلّ نصْب، مَفْعُولًا به. (٢) وتقديرُ "روي" أرْجَح، لأنه جَاء مُصرّحًا به في بَعْض الأحاديث. وفي السَّادس من "الجنَابة": "رُوِي عن عَائشة -﵂- قَالت " (٣).
و"عُمَر": لا [ينصرَفُ] (٤)؛ للعَلَمية والعَدْل. (٥) (٦)
_________________
(١) = منظور (٤/ ١٣، ١٥).
(٢) رواه البخاري رقم (١) في بدء الوحي، ومسلم (١٩٠٧) في الإمارة.
(٣) راجع: شرح قطر الندى وبل الصدى لابن هشام (ص ١٩٠)، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٢٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٤٦ وما بعدها).
(٤) نصه هناك: "رُوي عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كُنْت أَغْسِلُ الجْنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهَ -ﷺ- فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلاةِ، وإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ في ثَوْبِهِ".
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "يصرف".
(٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري (٤/ ٥٨)، المصباح المنير (٢/ ٤٩٠)، لسان العرب (٢/ ٥٦٤)، تاج العروس (٧/ ٥٨)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٥٨٨)، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٣/ ٣٣٥).
(٧) أسبابُ منع الصرف تسعة: العَلمية، التأنيث، وزن الفعل، الوصف، العدل، الجمع، التركيب، العُجْمة في الأعلام خاصة، الألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث، متى اجتمع في الاسم اثنان منها، أو تكرر واحد لم ينصرف، وذلك في أحد عشر اسمًا خمسة =
[ ١ / ٣١ ]
قال ابنُ الخبّاز (١): من غَريب حَال "عُمَر" أنَّ [المازني] (٢) تجنّب تثنيته وجَمْعَه، وقَال: أقُول: "جَاءَني رَجُلان كِلاهُما عُمَر"، أو "رجَالٌ كُلّهم عُمَر". (٣)
_________________
(١) = حالة التنكير، وهو أفعل صفة، نحو: أحمر، وأحمد، وأصفر، ومثنى، وثلاث، ورباع، فيها العَدل والوصف، وقيل: العَدْل المكرّر؛ لأنها عدلت عن صيغها، وعن التكرير؛ لأنّ الأصل: أولي أجنحة اثنتين اثنتين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. وفعلان الذي مؤنثه فعلى، كعطشان وريان. وما فيه ألف التأنيث مقصورة، كحُبلى وبشرى، والدعوى، والفتوى، والفتيا. أو ممدودة، نحو: حمراء، وصحراء. والجمع الذي ليس على وزنه واحد، كمساجد، ومصابيح، ودعاوى، وفتاوى، وسراري، وعواري، ونحو: جوار، ومواش مما في آخره ياء يحذف ياؤه في الرفع، والجر، ويُنوّن الاسم لخروجه عن حد مساجد، وأما في النصب فلا يُنوّن بإثبات الياء فيه. وأمّا الستة التي لا تُصرف في العَلمية: فهي: "الأعجمي" كإبراهيم، وإسماعيل، وما فيه "وزن الفعل" كيزيد، وأحمد "والتأنيث" لفظًا كطلحة، وحمزة، أو معنى كعاد. "والمعدول" كعُمر، وزُفر، عن عامر، وزافر "والتركيب" كمعدي كرب، وبعلبك "والألف، والنون" كمروان، وسفيان، وهذه الست إذا نكرت انصرفت. وفي نحو: لوط وهند، يجوز الصرف استحسانًا، وتركه قياسًا. وكل ما لا ينصرف إذا أضيف أو دخله حرف التعريب انجر، تقول: مررتُ بالأحمر، والحمراء، وبعُمَركم، وبعثماننا. انظر: المفصل للزمخشري (ص ٣٥)، تاج العروس (٢٤/ ٢١، ٢٢)، المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٥١٩)، النحو المصفى لمحمد عيد (ص ٤٧).
(٢) هو: أحمد بن الحسين الإربلي، الموصلي، الضرير، المعروف بابن الخباز، شمس الدين. عالم في النحو، واللغة، والفقه، والعروض، والفرائض. توفي بالموصل سنة ٦٣٩ هـ، وله خمسون سنة. له: "النهاية في شرح الكافية" في النحو، "توجيه اللمع" شرح اللمع لابن جني، "شرح ميزان العربية"، "الغرة المخفية في شرح الدرّة الألفية" على ألفية ابن معط، مطبوع، و"النظم الفريد في نثر التقييد". انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (٦/ ٢٢٣)، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير وَالأعلام للذهبي/ ط دار الغرب (١٤/ ٢٨٥)، الأعلام للزركلي (١/ ١١٧)، معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (١/ ٢٠٠).
(٣) في (ب): "الماء".
(٤) انظر: همع الهوامع في شرح جمع الجوامع للسيوطي (١/ ١٥٨).
[ ١ / ٣٢ ]
قُلتُ: [ولَم] (١) يَقُل به غَيره. (٢)
إذا ثبت ذلك: [فالعَدْلُ] (٣) فِيه تقْديرٌ، لا تحقيق، لأنَّ وَزْن "فُعَل"- "صرَد"] (٤) و"زُحَل"- لم تنْطِق به العَرَب مع العَلَمية إلا غير مَصْرُوف، والعَلَميّة وَحْدَها لا تمنَعُ الصَّرْف، ولا يُمكِنُ في الموانع كُلّها [ما يُلائِم] (٥) هذا الوَزْن سوَى [ق: ٣] العَدْل، لأنّه لا وَصْفَ فيه ولا تأنيثَ ولا عُجْمَة ولا جَمعًا ولا تَرْكِيبًا ولا نُوْنًا زَائِدَة ولا وَزْن "فعل". (٦)
والجُملتان من قوله "﵁" و"ﷺ" جُمْلتا اعتراض، لا مَحلّ [لهُما] (٧) من الإعْرَاب (٨).
والجُمَلُ التي لا مَحَلَّ لها من الإعْرَاب: المستأنَفَة، والمعْترضَة، كهَذه، والمفَسِّرة، وجُمْلَة القَسَم، والصِّلة (٩). وسيأتي الكَلام عليها مُستَوفىً في الحَديث الرا بع من
_________________
(١) في (ب): "لا قائل بذلك".
(٢) انظر: همع الهوامع (١/ ١٥٨).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: المفصل للزمخشري (ص ٣٥)، تاج العروس (٢٤/ ٢١، ٢٢، ٢٨/ ٤٩٢، ٢٩/ ١٩٨)، المغرب في ترتيب المعرب (ص ٥١٩)، لسان العرب (١١/ ٣٣٤)، المخصص (٥/ ٧١)، النحو المصفى (ص ٤٧).
(٧) في (ب): "لهم". وكذا في الأصل، غير أنّ "الألف" مطموسة.
(٨) انظر: إرشاد الساري شرح صحيح البخاري للقسطلاني (٩/ ٣).
(٩) الجُمل التي لا محلّ لها من الإعراب تسع، هي: -
(١٠) الابتدائيةُ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١].
(١١) الاستئنافيّةُ، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣].
(١٢) التَّعليليَّة، مثل قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].=
[ ١ / ٣٣ ]
"الأذَان"؛ فليُنظَر هنالك.
قوله: "سَمعتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يقُول: إنّما الأعمالُ". جُملة "إنما" في مَحلّ مفعُول بالقَول، وجُملة "سَمِعتُ" مثلها، لـ "قَال".
و"سَمِع" مِن الأفعَال الصّوتية، إنْ تعلَّق بالأصْوات تعَدّى إلى مفعُول واحِدٍ، وإنْ تعَلّق بالذّوَات تعَدّى إلى [اثنين] (١)، الثاني جُمْلة مُصَدّرَة بفِعْل مُضَارع من الأفعَال الصّوتيّة. هذا اختيارُ الفارسيّ ومُوافقيه. (٢)
_________________
(١) الاعتراضيّةُ، نحو: "سعيتُ، وربَّ الكعبةِ، مجتهدًا"، وقولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦].
(٢) الواقعة صِلةً للموصولِ، الاسميّ، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]. أو الحرفيِّ، كقولهِ تعالى: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢].
(٣) التّفسيريةُ، كقوله تعالى: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣].
(٤) الواقعةُ جوابًا للقسمِ، كقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢، ٣].
(٥) الواقعةُ جوابًا لشرطٍ غيرِ جازمٍ، كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١، ٢، ٣].
(٦) التابعةُ لجملةٍ لا محلَّ لها من الإعراب، نحو: "إذا نَهضَتِ الأمةُ، بَلغت من المجد الغايةَ، وأدركت من السُّؤْدَدِ النهايةَ". انظر: جامع الدروس العربية للغلاييني (٣/ ٢٨٧ وما بعدها).
(٧) سقط من النسخ. والمثبت من "إرشاد الساري".
(٨) انظر: البحر المحيط لأبي حيّان (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٨/ ١٦٣)، عُمْدة القَاري شرح صحيح البخاري للعيني (١/ ٢٣)، إرشاد السّاري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٦٥، ١٦٦)، شَرْح التسهيل (٢/ ٨٤).
[ ١ / ٣٤ ]
واختار ابنُ مالك ومَن مَعه أنْ تكُونَ الجُملةُ الفعلية في محلّ حَالٍ إنْ كَان المتقدِّمُ مَعْرفة، كَما وَقَعَ هُنا، أو صِفة إنْ كَان المتقدِّمُ نَكِرَة. (١)
قَالُوا: ولا [يجُوزُ] (٢): "سَمِعْتُ زَيدًا يضْرب أخَاك"، وإنْ تعَدّى إلى ذَاتٍ؛ لعَدَم المسْمُوع. (٣)
قلتُ: قد يجُوز بتقدير: "سَمِعتُ صَوْت ضَرْب زَيد". (٤)
ومثله: "سَمِعْتُ عُمَر يتَوَضّأ [لِمَا تحْت] (٥) إزَاره".
قوله: "إنَّما الأَعْمالُ بالنّيات": "إنّما" حَرْفُ ابتداء، ويُقَال فيها: كَافّة [ومَكْفُوفة] (٦)، أي: كَفَّت "إنَّ" عن العَمَل. (٧)
واختُلِف، هَل هِي مُرَكّبة أو بَسيطَة؟ (٨)
ولم يُسْمَع النَّصْبُ فيما [دَخَلَت] (٩) عليه "مَا" من جَميع حُروف التأكيد، إلّا في نحْو قول النّابغَة:
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٧٢)، إرشاد الساري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، شواهد التوضيح والتَّصحيح (ص ١٨٢).
(٢) في (ب): "تجوز".
(٣) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٦٥).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: شرح المفصل لابن يعيش (٥/ ٦٧ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٠٩)، النحو المصفى (ص ٢٨٩).
(٨) قيل: كلمة "إنما" بسيطة. وقيل: مُركبة من "إنّ"، و"ما" الكافة، أو الزائدة للتأكيد. وقيل: مُركبة من "إنّ"، و"ما" النافية. انظر: مرقاة المفاتيح لملا علي القاري (١/ ٤١).
(٩) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٣٥ ]
أَلَا لَيْتَما هَذَا الحمَامُ لَنا إلى حَمَامَتِنا وَنِصْفُه (١)
فقد رُوي بنَصْب "الحمام" ورَفعه.
فمنهُم من [قَاس] (٢) عليها أخوَاتها، ومنهُم من قَاس عليها "لعَلّ" و"لكن" لا
_________________
(١) البيت من البسيط. وهو للنابغة الذبياني ضمن أبيات وصف بها الزرقاء أو ابنة الخُسِّ، وذلك أنها رأت حمامًا في الجو، فقالت: ليت لنا هذا الحمامَ ومثلَ نصفه إلى حمامتنا، تم الحمامُ مئةً. فعُدّت فإِذا هي ستّ وستون، ومثلُ نصفها وحمامتُها تمامُ المئة. قال النابغة الذبياني: واحْكُمْ كَحُكْم فتَاةِ الحَيِّ إِذْ نَظَرَتْ إلى حَمَام سِرَاع وَارِدِ الثَّمَدِ قَالَتْ أَلَا لَيْتَما هَذَا الحمامُ لَنا إلى حَمَامَتِنا أوْ نِصْفُه فَقَد فَحَسَّبُوهُ فأَلْفَوْهُ كَمَا حَسَبَتْ تِسْعًا وتِسْعِين لم تَنْقُصْ ولَمْ تَزِدِ قكَمَّلَتْ مئةً فيها حَمامتُها وأَسْرَعَتْ حِسْبَةً في ذَلِكَ العَدَدِ أي: "مع حمامتنا". و"ما" زائدة. و"أو نصفه" أي: "ونصْفَه". و"قَدِ": بمعنى "حسب". والشاهد: أنه إذا لحقت "ما" الزائدةُ الأحرفَ المُشبّهةَ بالفعل كفّتها عن العمل، فيرجعُ ما بعدها مبتدأً وخبرًا. وتُسمّى "ما" هذه "الكافةَ" لأنها تَكُفُّ ما تلحقُهُ عن العمل. ورُوي في البيت: "ونصفه". ورُوي برفع "الحمام" ونصبه، فالنصب على أنّ "ليتما" عاملة، و"هذا" في محل نصب اسمها، و"الحمام" بدل منه، فهي منصوبة، والجار والمجرور خبر "ليت". والرفع على أن "ليتما" مُهمَلة مكفوفة بما، و"هذا" مبتدأ، و"الحمام" بالرفع بدل منه، والجار والمجرور بعده خبر. وكذا "نصفه" إن نصبت الحمام نصبته، وإن رفعته رفعته. انظر: غريب الحديث للخطّابي (١/ ٤٧٤)، شمس العلوم (١/ ٣٠٤، ٥٧٠، ٢/ ٨٧٩، ٨٨٠)، شرح القصائِد العشر للتبريزي (ص ٣١٦)، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي (١٠/ ٢٥١)، شرح التصريح على التوضيح للأزهري (١/ ٣١٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩)، النحو المصفى (ص ٢٩٠)، المعجم المفصل (٢/ ٤٢١).
(٢) في (ب): "قال فأتين".
[ ١ / ٣٦ ]
غير. ومنهم من لم يقِس بحَال (١).
و"إنّما": من أدوات الحصْر (٢).
قال "السكّاكي" في "إعْجاز القُرآن": إنَّ الوَاقعَ بعد "إنّما" إذا كان [مُبتدأ] (٣) وخبرًا؛ [المحْصُور] (٤) الثاني. (٥)
فإذا قُلت: "إنما المالُ لزيد"، فالمالُ لـ "زيدٍ" لا لغيره. وإذا قُلت: "إنما لزيد المال"، فالمحصورُ "المال"، وتقديره: "لا غيره". (٦)
وأدواتُ الحصْر، على خِلافٍ فيها، ستة: -
١ - إنَّما.
٢ - وتقَدُّم النفي قبل "إلا".
٣ - والمبتدأ والخبر.
٤ - وتقديمُ المعمُول.
٥ - ولام ["كي"] (٧)؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]. قاله " [الباجي] (٨) ".
_________________
(١) ندر الإعمال في "إنّما"، نحو: "إنما زيدًا قائم"، بنصب "زيد"، رواه الأخفش والكسائي عن العرب سماعًا. وهل يمتنع قياس ذلك المسموع في الباقي مُطلقًا؟ خلاف. انظر: شرح التصريح (١/ ٣١٨، ٣١٩).
(٢) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٠٢)، فيض القدير للمناوي (١/ ٣٠).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) كذا بالنسخ. وفي "الإعلام لابن الملقن" (١/ ١٧١): "فالمحصور".
(٥) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٠٢)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٧١).
(٦) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٠٢)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٧١).
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "كن". والمثبت من: "الإعلام بفوائد عُمْدة الأحكام" لابن الملقن (١/ ١٧٣).
(٨) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الناجي". والمثبت من: "الإعلام بفوائد عُمْدة =
[ ١ / ٣٧ ]
٦ - والسَّبر والتقسيم، نحو: "إن لم يكُن [زيدٌ] (١) مُتحركًا فهو ساكِن". (٢)
فـ "الأعمالُ" مُبتدأ، بتقدير مُضَاف، أي: "إنما صِحّة الأعمال"، والخبرُ الاستقرارُ الذي يتعلّق به حَرْف الجر. (٣)
فإنْ قُلت: العاملُ المقَدَّر في المجرور يقتضي النّصب، وقد حَكَمت بأنّه الخبر، فكيف يكُون في مَحَلّ نصْب؟
والجوابُ: أنّ الذي في مَوضع النصْب قوله: "بالنيات" لأنه المفعولُ الذي وَصَل إليه العَامِل بوسَاطة "الباء"، والذي في مَوْضع الرفع مجمُوع "بالنيات"؛ لأنّه الذي نَاب عن الاستقرا ر، [وكذلك] (٤) القَول في كُلّ مُبتدأ خَبره ظَرْف أو مَجْرور، نَحْو قولك: "زيدٌ في الدار"، أو"عندك" (٥). (٦)
والباء في قوله "بالنيات" للتسبيب، أي: "إنّما الأعْمالُ ثابتٌ ثوابها بسَبب النيات". وتحتمل الإلصاق (٧)؛ لأنَّ كُلَّ عَمَل تلصق به نيته. (٨)
_________________
(١) = الأحكام، لابن الملقن (١/ ١٧٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١٠/ ٤٦٦)، إرشاد الساري (٨/ ٢٨٧)، (٩/ ٢٠٩)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٧٢، ١٧٣)، حاشية الصبان (٢/ ١٦٤).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٠٢)، إحكام الأحكام شرح عُمدة الأحكام لتقي الدين ابن دقيق العيد (١/ ص ٦١)، والإعلام لابن الملقن (١/ ١٨٣).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) أي: "أو: زيد عندك". وانظر: إرشاد الساري (٨/ ٨).
(٧) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٨).
(٨) انظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام (ص ١٣٧ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٨٨ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، همع الهوامع (٢/ ٤١٧ وما بعدها).
(٩) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (١/ ١٣)، إرشاد =
[ ١ / ٣٨ ]
و"النيات": جَمْعُ "نية" (١)، [فيُرفَع] (٢) بالضَمّة، ويُنصَب ويُجَرّ بالكَسْرة. [جَرَّه] (٣)؛ لأنه جَمْعُ مُؤنّث سَالِم. (٤)
ورُوي "بالنِّيَّةِ" (٥)، أفرَدَها؛ لأنَّ المصْدَرَ المفْرد يقُوم مَقَام الجمْع، وإنما يجمعُ لاختلاف الأنواع.
وأصلها: "نَوْيَة"، فقُلبت "الواو" يَاءً، ثم أُدْغِمَت في "الياء" بعدها (٦)، ومنهم من خَفّف، فقال: "نِيَة"، وهو من "وَنِي، يني" (٧) إذا "أبطأ وتأخّر" (٨). قال امرؤ القيس (٩):
مِسَحٌّ إِذا مَا السّابِحَاتُ على الوَنَى أثرْنَ الغُبارَ بالكَدِيد المُرَكَّل (١٠)
_________________
(١) = الساري (٨/ ٨)، (٩/ ٤٠١)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٧٦)، عُقود الزَّبَرجَد على مُسْند الإمام أحمد للسيوطي (٢/ ١٦٤).
(٢) انظر: عُمدة القاري (١/ ٢٣)، المصباح (٢/ ٦٣١)، المعجَم الوسيط/ وضعه: مجمع اللغة العربية بالقاهرة (٢/ ٩٦٦)، القاموس الفقهي لُغة واصطلاحًا (ص ٣٦٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (١/ ٧٤)، المنهاجُ المختَصر في علمي النَّحو وَالصَّرف للجديع (ص ٣٣، ٣٤).
(٦) متفق عليه: البخاري (٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨) ومسلم (١٩٠٧/ ١٥٥).
(٧) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١).
(٨) قال العيني: "هذا بعيدٌ؛ لأنّ مصدر ونى يني: ونيًا. قال الجوهري: يُقال: ونيتُ في الأمر أنى ونيًا، أي ضعفتُ؛ فأنا وَان". انظر: عُمدة القاري (١/ ٢٣).
(٩) انظر: تاج العروس (٤٠/ ١٣٩).
(١٠) البيت من الطويل. انظر: المعجَم المفصل (٦/ ٤٤٣).
(١١) المسَحّ: الكثيرُ الجري. وفَرس مِسَحٌّ: سريعٌ، يُشبّه عَدْوه بسَحِّ المطر. والونى: الضَّعف والفتور والكَلال والإعياء. والكديد: الترابُ الناعم، فإذا وطئ ثار غُباره. وكديد: فعيلٌ بمعنى مفعول. والمركَّل: الذي أثرت فيه الحوافر. انظر: العين =
[ ١ / ٣٩ ]
أي: "على الإبْطَاء". (١)
قالوا: ولذلك احتاجَت النّية في تصحيحها إلى إبطاء. (٢)
والألِف واللام في "الأعمال" للعَهْد [في] (٣) العبادات المفتَقرة إلى نية، فيخرُج من ذلك إزالة النجاسة، والمتروكات كُلها والمعاصي؛ لأنّه يُعاقَب عليها، وإنْ لم تكُن بنية ولا قَصْد. (٤)
والألِف واللام في "النيات" للعَهْد أيضًا؛ لأنَّ المراد: "ما يختصّ بتلك الأعْمَال، دون غيرها". (٥)
و"الأعْمالُ": جَمْعُ قِلّة (٦)،
_________________
(١) = (٣/ ١٦)، شمس العلوم (٥/ ٢٩١١)، لسان العَرب لابن منظور (٣/ ٣٧٨)، تاج العَروس (٤٠/ ٢٥٧).
(٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢٥٣١)، تاج العروس (٤٠/ ٢٥٧)، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات للأنباري (ص ٨٦).
(٣) انظر: عُمدة القاري (١/ ٢٣)، الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام (١/ ١٧٦)، تاج العروس (٤٠/ ١٣٩).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: فتح الباري (١/ ١٣)، إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، عُقود الزَّبَرجَد (٢/ ١٦٣، ١٦٥)، دُستور العُلماء للأحمد نكري (٣/ ٢٩٦).
(٦) انظر: عُقود الزَّبَرجَد (٢/ ١٦٣، ١٦٥).
(٧) جمعُ القلَّة: جمعٌ يُطلق على ثَلاثة وعَشرة وما بينهُما. ويكُون على وزن: "أفعُل" و"أفعال" و"أفْعِلة" و"فِعْلة"، كـ "أفلس" و"أفراس" و"أرغفة" و"غِلْمة"، جمع "فلس" و"فرس" و"رغيف" و"غُلام". ومن جمع القلة: جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم، بلا ألف ولام، مثل: "مُسْلِمُوْنَ" و"مُسْلِمَات". فالمجموعُ ستة أوزان. انظر: شواهِد التَّوضيح والتَّصحيح (ص ١٤٩)، دُستور العُلماء (١/ ٢٨٠)، نحو مِير المعروف بـ: مبادئ قواعد اللّغة العَرَبية للشَّريف الجُرجاني المعروف بسيد مير شريف (ص ١٤). وليس من جموع القلة: "فُعَل"، بضم الفاء وفتح العين، كـ "غُرَف"، ولا: "فِعَل"، =
[ ١ / ٤٠ ]
وجَمْعُ المُؤنّث السّالِم (١) جَمْعُ قِلّة أيضًا؛ فحَسُن التَّقابُل. (٢)
وجُمُوعُ القِلّة [تجْمَعُها] (٣) أبياتٌ ثلاثة، أنشَدنيها الشَّيخُ الأَدِيب سِرَاج الدِّين الدّمنهُوري -﵀-، لنفْسه:
جمُوع قِلَّة: أجْمَالٌ وأحْمِرةٌ [وأَفْلُس] (٤) غِلْمَة، والسَّالمان مَعَا
كَتبَة لابن دَهّان، وقَد نَقَلَ الفَرّا ثَلاثًا: حِجَج [حِبَبَة ترعَا] (٥)
وأصْدِقَاء عَن التبريز، وابْن سَرى (٦) فِعْلَة عَنْه فِي اسْم الجُمُوع (٧)
_________________
(١) = بكسر الفاء وفتح العين، كـ "نِعَم". ولا: "فِعَلَة"؛ بكسر الفاء وفتح العين؛ كـ "قِرَدَة". خلافًا للفراء. ومنه: قول عائشة -﵄-: "ثم يصُب على رأسه ثلاث غُرف"، فالقياس عند البصريين أن يُقال: "ثلاث غرفات"؛ لأنَّ الجمع بالألف والتاء جمع قلة، والجمع على "فُعَل" عندهم جمع كثرة. والكوفيون يخالفونهم، فيرون أن فُعَلًا وفِعَلًا من جموع القلة. ويُعضد قولهَم قول عائشة -﵂-: "ثلاث غُرَف"، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]. ويعضد قولهم في "فِعَل" قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧]. فإضافة "ثلاث" إلى "غرف" و"عشر" إلى "سورط و"ثماني" إلى "حجج" مع إمكان الجمع بالألف والتاء دليل على أن فُعَلا وفِعَلا جمعا قلة، للاستغناء بهما عن الجمع بالألف والتاء. انظر: عُمدة القاري (٣/ ١٩٢)، شواهد التَّوضيح والتَّصحيح (ص ١٥٠)، شرح التصريح (٢/ ٥٢١).
(٢) يقصد: "النيات".
(٣) انظر: فتح الباري (١/ ١٢).
(٤) في (ب): "يجمعها".
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالنسخ.
(٧) كُتب بحاشية الأصل: "ابن سرى: هو ابن السّرّاج".
(٨) من أبنية القلة: "فِعْلة" بكسر أوله وسُكون ثانيه، ولم يَطّرد في شيء من الأبنية والأوزان، ولا يُقاسُ عليه، بل هو سماعي محفوظ في ستة أوزان: "فَعَل" بفتحتين نحو: "ولد وولدة" و"فتى وفتية"، "وفَعْل" بفتح أوله وسُكون ثانيه، نحو: "شيخ =
[ ١ / ٤١ ]
وَعَا (١).
_________________
(١) = وشيخة، و"ثور وثيرة"، و"فِعَل" بكسر أوله وفتح ثانيه، نحو: "ثنى وثنية". "وفعال" بفتح أوله، نحو: "غزال وغزلة"، "وفُعَال"، بضم أوله، نحو: "غُلام وغِلْمة" و"شجاع وشجعة"، "وفعيل" بفتح أوله وكسر ثانيه، نحو: "صبي وصبْية" و"خصي وخصية" و"جليل وجِلّة" و"عليٌّ وعلْيةٌ" ولأنه لا قياسَ فيه ولا اطّراد؛ قال أبو بكر بن السرَّاج: "هو اسمُ جمع، لا جمع". وما قوله ببعيد من الصواب. قال أبو حيان: وشُبهته أنه رآه لا يطّرد، قال: وهذه شُبْهة ضعيفة؛ لأنَّ لنا أبنية جموع بإجماع، ولا تطّرد. انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢١٨)، المصباح (٢/ ٦٩٥)، همع الهوامع (٣/ ٣٥١)، شرح التصريح (٢/ ٥٢٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٥).
(٢) قال المرادي في شرح الألفية: جمعُ التكسير على ضربين: ضربٌ للقلة، وضربٌ للكثرة. فمدلولُ جمع القلة بطريق الحقيقة من ثلاثة إلى عشرة، ومدلولُ جمع الكثرة بطريق الحقيقة ما فوقَ العَشرة إلى ما لا نهاية له. وبدأ بأبنية القلة، فقال: أفْعِلَةٌ أفَعُلُ ثم فِعْلَهْ ثُمَّت أفعالٌ جموعُ قِلَّهْ أمثلتها على الترتيب: "أرغفة"، "أبحُر"، "فتية"، "أجمال". وقد فُهم من هذا أنّ ما بقي من أبنية جمع التكسير فهو للكثرة. وليس من أبنية القلة "فُعَل" نحو: (ظُلَم)، ولا "فِعَل" نحو: "نِعَم"، ولا "فِعَلة" نحو: "قِرَدة"، خِلافًا للفرّاء. ولا "فَعَلة" نحو: "بَرَرة"، خلافًا لبعضهم، نقله عنه ابن الدهّان. ولا "أفعِلاء" نحو: "أصدقاء"، خلافًا لأبي زيد الأنصاري، نقله عنه أبو زكريا التبريزي. والصحيحُ: أنّ هذه كلها من جموع الكثرة ذهبَ ابن السّرّاج إلى أنّ "فِعْلة" اسم جمع، لا جمع تكسير، وشُبهته أنه لم يَطّرد. انظر: توضيح المقاصد والمسالك للمرادي (٣/ ١٣٧٨). وقال الشنقيطي: "الفِتية": جمعُ "فتى"، جمعُ تكسير، وهو من جموع القِلّة، ويدلّ لفظ "الفتية" على قلّتهم، وأنهم شباب، لا شيب، خِلافًا لما زعمه ابن السَّرَّاج من أنّ "الفتية" اسم جمع، لا جمع تكسير. وإلى كون مثل "الفتية" جمع تكسير من جموع القلة أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله: أَفْعِلَة أَفْعُل ثُمَّ فِعْلَهْ كَذَاكَ أَفْعَالٌ جُمُوعِ قِلَّةْ =
[ ١ / ٤٢ ]
قوله: "وإنما لكُلِّ امرئٍ مَا نَوَى".
قال الشّيخُ تقيّ الدِّين (١): يقتضي أنَّ من نَوَى شَيئًا حَصل له، وما لم ينوه لم يحصل له. (٢)
[ثم قال: فرقٌ بين قولنا: "مَن نوى شيئًا لم يحصل له غيره"، وبين قولنا: "مَن لم ينو شيئًا لم يحصل له"] (٣). (٤)
قال: والحديثُ [محتَمِل] (٥) للأمرَين -يعني: قوله: "إنما الأعمَالُ بالنّيات"- وآخِرُه يشير إلى المعنى الأوّل (٦).
قوله: "وإنما لكُلّ امْرئ ما نوى". "ما": مَوصُولة، بمَعنى "الذي" (٧)، وجُمْلة "نوَى" صِلة لا مَحَلّ لها، والعَائِدُ ضَمير مَفْعُول محذُوف، تقديره: "مَا نَوَاه". وإنّما حُذِف؛ لأنه ضَمير مَنْصُوب مُتَّصل بالفِعْل، ليس في الصِّلة ضَمير غيره. (٨) وسيأتي
_________________
(١) = انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (التوفى: ١٣٩٣ هـ)، ط دار الفكر (٣/ ٢٠٧). وراجع: الكتاب (٣/ ٥٧٧)، المصباح المنير (١/ ٧٤)، شذا العُرف في فن الصرف للحملاوي (ص ٨٨).
(٢) هو الشيخُ تقيّ الدِّين، ابن دقيق العيد، وليس هو "تقي الدّين" المصنف.
(٣) انظر: إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ص ٦١)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٩٦، ١٩٧، ١٩٨).
(٤) سقط من (ب).
(٥) انظر: إحكام الأحكام (١/ ص ٦٣).
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "يحتمل". والمثبت من المصدر.
(٧) انظر: إحكام الأحكام (١/ ص ٦٣).
(٨) انظر: شرح المفصل (٢/ ٧٦، ٤٠٣)، المقدمة الجزولية (ص ٥٤)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٢٨٥)، جامع الدروس العربية (١/ ٦٧).
(٩) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام (١/ ١٩٦)، عُقود =
[ ١ / ٤٣ ]
الكَلامُ على الصِّلة والموصُول في الأوّل من "باب الأيمان والنذور".
وفاعلُ "نوى" ضَميرُ "امرئٍ". ومَحَلُّ الصّلة مع الموصول مُبتدأ، والخبر في المجرور. وتقَدَّم ما قاله "السَّكّاكي" في الحصْر؛ فيكُونُ المحْصورُ: "ما نَوى".
ولو جاءَ الكَلامُ: "وإنما لامرئٍ ما نوى" صَحّ، إلا أنه يُبطِل فائِدة عُمُوم "كُلّ"؛ لأنّ التقديرَ: " [إنما] (١) لكُلّ امْرئٍ مُكَلَّف جَزَاء مَا نَوَى".
ويجُوز أنْ تكُون ["ما" مَوصُوفة] (٢)؛ فيكُون التقدير: "وإنّما لكُلّ امْرئٍ جزاء شَيءٍ نَوَاه"، [فترجع] (٣) الصِّلة صفَة، والعَائِدُ على حَاله. (٤)
ويجُوزُ أن تكُون "ما" مَصْدَرية [حَرْفًا على المختَار] (٥)؛ فلا يُحتَاجُ إلى عائدٍ على الصَّحيح، والتقديرُ: "لكُلِّ امْرئٍ جَزاء نيّته". (٦)
والفاعِلُ المقَدَّر في "نَوَى" ضميرٌ مَرْفوعٌ مُتّصلٌ مُسْتَترٌ، تقديرُه: "لكُلّ امرئٍ الذي نَواه هُو" (٧)، لكنّه لا يُقدَّرُ شَيءٌ بعد العَائد، [كما لا يُذكَر] (٨) بعده، [قالوا: إلا أنْ يكُون] (٩) في تأخيره فائدة، [ق ٤]؛
_________________
(١) = الزبرجَد (٢/ ١٦٥).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "نكرة موصوفة". وانظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ومرجع". وانظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١).
(٥) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، عقود الزبرجد (٢/ ١٦٥).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، عقود الزبرجد (٢/ ١٦٥).
(٨) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١).
(٩) في (ب): "كمالا بدلوا".
(١٠) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٤٤ ]
[فلا] (١) يشكل، كقَولهم: "أعْجَب زيدًا ما كَرهه عَمرو"؛ لأنَّ الفَاعلَ مُقَدَّم في الرُّتبة، ولو لم يَظهَر اختَلّ المعْنى؛ [لأنَّ] (٢) اللفظ يبقى: "أعْجَب زيدًا ما كَرهه"، فيحتمل أنْ يكُون الفَاعِلُ "ضَمير زَيد". (٣) ففي ذِكْره وتأخيره فائدة، ولما اتّصل بالفِعْل الذي هو "نوَى" ضَمير "امرئ" وَجَب تقْديمُ المجرُور؛ ليعُود الضّميرُ على مَا قبله؛ فلا يجوزُ: "وإنما ما نواه لكُلّ امْرئ".
وذهَبَ الكُوفيون إلى إعمال الظّرف والمجرور وإن لم يعتمد، فرفعوا بهما بغير شَرطٍ، فأعْمَلوا "لكُلّ امْرئ" مَثَلا في "مَا نَوَى"، وأعْرَبُوه فَاعِلًا به، وأَبَى ذلك سيبويه، إلا إذا وَقَعَت صفَة لموصُوف (٤) أو صِلَة لموصُول (٥) أو حَالًا لذي حَال (٦) أو خَبرًا لذي خَبر (٧). (٨)
إذا ثبت ذلك: فاعْلم أنَّ مَا لـ "كُلّ" إذا أُضيفَت إلى نَكِرَة من خَبر أو ضَمير أو غيرهما يجيء على وِفْق المضَاف إليه، كقَوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (٩)، وكَما جَاءَ هُنا. (١٠)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) راجع: نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي (ص ١٣٣، ١٣٤).
(٤) نحو: "جاءني رجل بيده سيف". انظر: الكليات للكفوي (ص ٥٩٠).
(٥) نحو قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. انظر: الكليات (ص ٥٩٠).
(٦) نحو: "جاءني زيد بين يديه خدامه". انظر: الكليات (ص ٥٩٠).
(٧) نحو: "زيد في الدار غلامه". انظر: الكليات (ص ٥٩٠).
(٨) انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ١٢٧ وما بعدها)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين للأنباري (١/ ٤٤ وما بعدها)، موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب للوقاد الجرجاوي (ص ٨٢)، الكليات للكفوي (ص ٥٩٠).
(٩) وكذا وردت في [الأنبياء: ٣٥]، [العنكبوت: ٥٧].
(١٠) انظر: فتح الباري (٦/ ١٣٢)، شواهِد التَّوضيح والتصحيح (ص ٢٥٠)، عُقود الزَّبَرْجَد على مُسند الإِمام أَحْمد للسيوطي (٣/ ٦٠، ٦١).
[ ١ / ٤٥ ]
قال ابنُ مالك: وقد يجيء على وِفْق "كُلّ"، كَقَوله -﵇-: "كُلُّ سُلَامَى عَلَيْه صَدَقَة" (١)، فذَكَّرَ الضّميرَ على وِفْق "كُلّ". والوَجْهُ: أنْ يُؤَنَّث على وِفْق "سُلامَى". (٢)
وسيأتي الكَلامُ في "كُلّ" مُستوفى في الحديث السَّادس من "الاستطابة"، والكَلامُ على "مَرْء" و"امرئ" في الثّالث والسَّادس من "الزّكاة".
واعلم أنّ همزة "امرئ" همزة وَصْل (٣)، وكذلك تثنيته وتأنيثه، وتكُون في غير ما ذُكر في: "اسم"، و"اسمان"، و"اثنان"، و"اثنتان"، و"ابن"، و"ابنان"، و"است"، و"ابنم"، و"ايمن الله" في القَسَم، و"الألف واللام" للتعريف. (٤)
قوله: "فمَن كَانت هِجْرته إلى الله ورَسُوله". لـ"مَن" أقسَامٌ تأتي بعد هذا في الحديث الرّابع وفي العَاشِر، وهي هُنَا شَرْطيّة مَحلّها رَفْع بالابتداء، وبُنيت لتضمّنها معنى حَرْف الشرط (٥)، وخبرها اختُلِف فيه، فقيل: في فِعْلها، وقيل: في جَوَابها، وقيل: حيث
_________________
(١) مُتفق عليه: رواه البخاري (٢٧٠٧، ٢٨٩١) ومسلم (١٠٠٩/ ٥٦)، من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (٦/ ١٣٢)، شَواهِد التَّوضيح والتَّصحيح (ص ٢٥٠)، عقود الزبَرجَد (٣/ ٦١).
(٣) همزة الوصل سُميت بهذا لأَنها تسقط في درج الكلام، كقولنا: "غاب المحسنُ"، فاللام الساكنة اتصلت بالباء قبلها وسقطت الأَلف بينهما لفظًا لا خطًّا. وإنما نتوصّل بها إلى النطق بالساكن، كقولنا: "المحسن جاء"؛ ولهذا سُميت همزة الوصل. أَما همزة القطع: فهي التي تثبت لفظًا وخطًّا، ابتداءً ووصلًا، مثل: "أَكرمْ أَخاك" و"أَكرم أَباك". انظر: الموجز في قواعد اللغة العربية لسعيد الأفغاني (ص ٤١).
(٤) انظر: عُقود الزبَرجَد (٢/ ١٦٥)، شرح قطر الندى لابن هشام (ص ٣٣١)، شرح التصريح (٢/ ٦٨٣ وما بعدها)، شرح شافية ابن الحاجب للأستراباذي (١/ ٥١٢ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٣/ ١٥٥٢)، الموجز في قواعد اللغة العربية (ص ٤١)، جامع الدروس العربية (١/ ٢١١).
(٥) راجع: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، همع الهوامع (٢/ ٥٥٤).
[ ١ / ٤٦ ]
كَان الضّميرُ العَائِد عليها، وقيل: في فعْلها وجَوابها معًا. و"كان" -هُنا- النّاقصة تحتاجُ إلى اسم، وخبرُ اسمها: "هِجْرته". (١)
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وتُقدَّر [بمَعنى] (٢): "حضر". (٣) وكقول الشّاعر:
إذا كَانَ الشّتَاء فأدْفِئُوني فإنَّ الشّيخَ تهْرمُه الشّتَاء (٤)
وتُقدَّر بـ: "وُجد". (٥)
وتكُون بمعنى "كَفَل"، كقولهم: "الصبي كُنتُه"، بمعنى "كَفلتُه". وبمعنى "غَزَل"، كقولهم: "الصُّوف كُنتُه"، أي "غَزَلتُه". (٦)
ومتى دَخَلَ الشرطُ على كَان انتقَلَت بذلك إلى الاستقبال. قالوا: وتُقدَّر بمَعْنى "تَبيَّن وظَهَر". وذلك [خِلافًا] (٧) للمُبرد؛
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، عقود الزبرجد (١/ ١٥٥)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٠٨، ٦٤٨)، شرح التسهيل (٤/ ٨٦)، همع الهوامع للسيوطي (٢/ ٥٥٤، ٥٦٦)، شمس العلوم (٩/ ٥٩٣٠).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: أسرار العربية للأنباري (ص ١١٣)، الجمل في النحو للخليل بن أحمد، (ص ١٤٨)، تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي، (٣٦/ ٧٥).
(٤) البيتُ من الوافر، وهو للربيع بن ضبع الفزاري، أحد المُعمّرين. وروي فيه: "يُهرمه"، وروي: "يَهدمُه". انظر: أسرار العربية (١١٤)، تاج العروس للزبيدي (٢١/ ٤٨)، المعجم المفصل (١/ ٢٥).
(٥) انظر: عقود الزبرجد (٣/ ١٠٩)، أسرار العربية (ص ١١٤)، الجمل في النحو (ص ١٤٩)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٤٥٨)، لسان العرب (١٣/ ٣٦٥). وفي تاج العروس (٣٦/ ٧٥): أنه يُقدّر هنا بمعنى "حَدَث"، أو "جَاء".
(٦) انظر: هَمع الهَوامع (١/ ٤٢٥).
(٧) بالنسخ: "خلاف".
[ ١ / ٤٧ ]
فإنّه أبْقَاه على مُضيّه. (١)
فقوله في الحديث: "مَن كانت هِجْرته" بمَعنى: "تبيّن أو ظَهَر في الوجُود أنّ هِجْرته لله"، أو ما هذا مَعْناه. (٢)
والضّميرُ في "هِجْرته" يعُود على "مَن".
و"إلى الله": "إلى" لانتهاء الغاية، ولها مَعَان تأتي بعد هذَا، والمعنى: "إلى رضَا الله عنه" (٣).
و"رسُول": "فَعُولٌ" بمعنى "مُفْعَل"، وهو قليلٌ عندهم. (٤)
قال القاضي أبو مُحمّد بن عَطيّة: العَرَبُ تُجري "رَسُول" مَجْرَى المصدَر، فتَصف به الجمْع والواحِد والمؤَنّث، من ذلك قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ﴾ (٥) [الشعراء: ١٦]. (٦)
قوله: "فهجْرته إلى الله ورسُوله": "الفاءُ" هنا سببية، وهي جَوابُ الشَّرط،
_________________
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٨/ ١١٨)، الدر المصون (٤/ ٤٠٩)، إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٤٠١).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ١٥٥)، نخب الأفكار (١/ ٤٢)، المحكم والمحيط الأعظم (٥/ ٣٩٨)، لسان العرب (١٢/ ٤٣٨)، (٣٣/ ١٧٣).
(٥) قوله تعالى: ﴿رَسُولُ رَبِّكِ﴾ غير واضح بالأصل، إلا أنه كتب في النسخة (ب): "رسولا ربك". والصَّوابُ ما أثبت، فقد ذكَر ابن عطية (٤/ ٢٢٧) هذا النقل في تعليقه على قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، كما أنه المناسب لكلامه في جواز استعمالها في وَصْف الجمع.
(٦) انظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (٤/ ٢٢٧)، إرشاد الساري (٩/ ١٥٥)، و(١٠/ ٣٦٦).
[ ١ / ٤٨ ]
وجوابُ الشَّرط إذا كان جُملة اسمية فلا بُدّ من "الفاء" أو "إذا"، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]. و"الفاءُ" في جَوَاب الشرط للتسبيب والتعقيب. (١) وسيأتي في "باب الاستطابة" أقسام "الفَاء".
واعلم أنَّ قاعدةَ الشَّرط وجَوابه [اختلافهما] (٢)؛ فيكُون الجزاءُ غيرَ الشّرط، نحو: "مَن أطَاعَ أُثيب، ومَن عَصَى عُوقِب"، وقد [جَاء] (٣) جملة الشّرط هنا هي جملة الجزاء بعَينه، فذاك بمثابة قولك: "من أكل أكل، ومَن شرب شرب"، وذلك غير مُفيد، لأنه من تحصيل الحاصل. (٤)
وقد أجَاب الشّيخُ تقيّ الدّين عن هذا السُّؤال، بأنَّ الشرطَ والجزاءَ وإن اتّحدا في اللفظ [فإنّه] (٥) لم يتّحدا في المعنى. والتقديرُ: "من كَانت هِجْرتُه إلى الله ورَسُوله قَصْدًا ونية فهجْرتُه إلى الله ثَوَابًا وأجْرًا". (٦)
قال جمالُ الدّين ابن مالك: من ذلك قوله -ﷺ- في حَديث حُذيفة: "وَلَوْ مُتَّ مُتَّ على غيرِ الفِطْرَةِ" (٧). وجَاز ذلك؛ لِتَوقُّف الفَائِدة على الفَضلة. ومنه قوله تعالى:
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٩)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٠٣)، عقود الزبرجد (١/ ٤٠١)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٤٤٣)، شرح قطر الندى (ص ٩٣)، شرح ابن عقيل (٤/ ٣٨)، الجنى الداني (ص ٦١ وما بعدها)، مغني اللبيب (٢١٤، ٨٧١)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٩٣).
(٢) في (ب): "أصلا فيهما".
(٣) كذا بالنسخ.
(٤) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٩)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٠٣).
(٥) كذا بالنسخ.
(٦) انظر: إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٦٢)، إرشاد الساري (٨/ ٩)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٠٣).
(٧) صحيحٌ: رواه البخاري (٧٩١)، بلفظ: رَأى حُذَيْفَةُ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، قَالَ: "مَا صَلَّيْتَ وَلَوْ مُتَّ مُتَّ على غَيْرِ الفِطْرَةِ التِي فَطَرَ اللهُ مُحَمَّدًا -ﷺ- عَلَيْهَا".=
[ ١ / ٤٩ ]
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، فلولا قوله في الأوّل: "على غَيْر الفِطْرَة"، وفي الثّاني: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ما صَحّ، ولم يكُن في الكَلام فَائِدة. (١)
قُلتُ: وإعْرابُ "قَصْدًا ونية" يَصحُّ أنْ يكُون خَبرَ كَان، أي: "ذَات قَصْدٍ وذَات نية". وتتعلّق "إلى" بالمصدر. ويَصحُّ أنْ يَكُون "إلى الله" الخبَر، و"قَصْدًا" مَصْدَر في مَحلّ الحال. (٢)
وأما قوله: "ثوابًا وأجْرًا": فَلا يصحُّ فيه إلا الحال من الضّمير في الخبر. (٣) وقوله: "إلى دُنيا": قَال جَمَالُ [الدّين] (٤) ابن [مالك] (٥): "دُنيا" مُؤَنّثُ "أدْنَى"، و"أدْنَى" أفعَلُ التفضيل، وأفعَلُ التفضيل إذا نُكِّر لَزِم الإفرادَ والتذكير، وامتنع تأنيثه وتثنيته وجَمعه؛ ففي استعمال "دُنيا" بتأنيث مع كونه مُنكّرًا إشْكالٌ، فكانَ حَقّه ألا يُستعمَل، كما لا يُستعمَل "قُصوى" و"كُبرى"، إلا أنَّ "دُنيا" خُلعت عنها الوصفية غالبًا، وأُجْريَت مجرَى ما لم يكُن قَط وَصْفًا مما وَزْنه "فُعلى"، كـ "رُجعى" و" [بُهمى] (٦) ". (٧)
_________________
(١) = قلتُ: ففي قول ابن مالك -وسُكوت ابن فرحون عنه- أنه من كلامه -ﷺ- سَهْو أو تَجوُّز، لأنّ اللفظَ لحذيفة، كما ترى. والله أعلم.
(٢) انظر: شواهد التوضيح والتصحيح (ص ٢٦٨، ٢٦٩)، إرشاد الساري (٨/ ٩)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٠٣)، عُقود الزبرجَد (١/ ٣٢٩، ٣٣٠)، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، المسَمّى بـ: الكاشف عن حقائق السنن (٣/ ١٠٢٠).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٩)، (١٠/ ١٠٣).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٩)، (١٠/ ١٠٣).
(٥) سقط بالنسخ. وقد سبق مثله.
(٦) في الأصل: "ملك". والمثبت من (ب).
(٧) بالنسخ: "التفضيل". وانظر: شواهد التوضيح (ص ١٣٩).
(٨) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٣٩)، عُقود الزبرجَد (٢/ ١٦٨، ١٦٩).
[ ١ / ٥٠ ]
ومِن وروده [مُنكَّرًا] (١) مُؤنّثًا قَول الفَرَزْدَق:
لا تُعْجبنَّك دُنيا أنْت تَاركهَا كَم نَالَهَا مِن أُنَاس ثُم قد ذَهَبُوا؟ ! (٢)
قَال أثيرُ الدين أبو حيّان: "دُنيا" تأنيثُ "أدنى"، ويرجع إلى "الدنُوّ"، بمعنى "القُرْب"، وألِفُه للتأنيث. (٣)
قال أبو محمّد بن عَطيّة -﵀-، عند قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]: "حُسْنَى" على وزن "فُعلى"، ولا تجيءُ "فُعلى" عند سيبويه إلا معرفة، إلا أنْ يُزال عنها معنى التفضيل وتبقى مَصدرًا، كـ "العُقبَى". (٤)
قَالَ أثير الدين أبو حيّان: لـ"أفعل" استعمالات، أحدها: أنْ [تكُون] (٥) بـ"مِنْ" ظاهِرَة أو مُقدَّرة أو مُضَافَة إلى نَكِرة؛ فهذه لا تتعرَّف. الثّاني: أنْ تكُون بـ"أل"؛ فتكُون مَعْرفة. الثّالث: أنْ تُضَافَ إلى مَعْرفة؛ وفي تَعْريفها به خِلاف. (٦)
وأما "فُعلى": فلها استعمالان، [بالألِف] (٧) واللام، والإضَافة؛ فتكون مَعْرفة بهما على خِلاف، واستعمالها إذا كانت للتفضيل بغيرهما شَاذّ. (٨)
قَال أبو بكر ابن السّرّاج، من "المقصور والممدود" (٩): [تُكتب] (١٠) "دُنيا"
_________________
(١) بالنسخ: [مذكرًا]. وانظر: شواهد التوضيح (ص ١٣٩).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٣٩)، عُقود الزبرجَد (٢/ ١٦٨، ١٦٩).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٥٥)، إرشاد الساري (١٠/ ١٠٣).
(٤) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ١٧٢)، البحر المحيط (١/ ٤٦٠).
(٥) في (ب): "لا يكون".
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٦٠)، (٤/ ٦٣٦).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٦٠).
(٩) أي: في كتاب "المقصور والممدود" له. وانظر: البحر المحيط (١/ ٤٥٥).
(١٠) بالنسخ: "يكتب". والمثبت من البحر المحيط.
[ ١ / ٥١ ]
بـ"الألِف"، وهذه لُغة نَجْد وتميم خاصّة، إلا أنَّ أهلَ الحجاز وبني أسَد يُلحقونها ونظائرها بالمصادر ذوات "الواو"؛ فيقُولون: ["دَنْوَى"] (١)، بفتح أوّله، [كـ"شَروى"] (٢)، وكذلك يَفعَلون بكُلّ "فُعلى"، يضعون موضع لامها واوًا ويفتحون أولها ويقلبون ياءَها واوًا. وأمّا أهلُ اللغة الأخْرَى: فيضُمُّون "الدال" ويقلبُون "الواوَ" "ياءً"؛ لأنّهم يَستثقلون الضَمّة و"الواو". (٣)
قُلتُ: وعلى هذا تُكْتَب بـ"اليَاء".
قوله: "يُصيبها": جُمْلة من فعْل وفَاعِل ومَفعُول، في مَحَل صفة لـ"دُنيا". ومتى تقدّمَت النّكرة على الظروف أو المجرورات أو الجُمل كانت صفات، وإن تقدَّمت المعرفة كانت أحوَالًا. هذا ما لم يمنع من ذلك مانع. (٤)
ومثلُ هذه الجُملة في الإعْراب: قوله: "أو امْرأة يَنكحُها".
وقوله: "فهِجْرَتُه إلى مَا هَاجَرَ إليه": جَوَابُ الشّرْط، و"هِجْرتُه" مُبتدأ، والخبرُ مُتعَلِّق بالمجْرُور. (٥)
ولم يقُل: "فهِجْرَتُه إلى دُنيا"، كما قَال في الشّرْط [والجزَاء] (٦) الأوّل. قال بعضهم: فيه تحقيرٌ للدنيا (٧)؛ إذ لم يُكَرِّرها ولا ما يتعلَّق بها، وفي الشَّرط الأوّل ذكر
_________________
(١) بالنسخ: "دنيوي". والصواب المثبت. وانظر: البحر المحيط (١/ ٤٥٥).
(٢) بالنسخ: "ككسروي". وانظر: البحر المحيط (١/ ٤٥٥).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٥٥)، اللباب لابن عادل (٢/ ٢٥٨).
(٤) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٠٣)، الخصائص لابن جني (١/ ٣٠٠)، اللمحة في شرح الملحة لابن الصائغ (١/ ٣٨٧)، أوضح المسالك شرح ألفية ابن مالك (ص / ٢٠٢)، شرح الأشموني (١/ ١٩٢)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٥٧).
(٥) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٠٣).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) راجع: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١).
[ ١ / ٥٢ ]
الله ورسُوله، وهو مَحلُّ تبرُّك وتعظيم؛ فحَسُن الأوّل دون الثّاني. والله أعلم.
الحديث الثّاني
[٢]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (١).
الكَلامُ على لَفْظ "حَديث"، والقَوْلُ في "الثّاني" مِثْل القَوْل في "الأوّل". وجُملة "لا يَقبَلُ" معْمُولة للقَول.
واعلم أنَّ مَا جَاء من الأسْمَاء المرَكَّبة تَركيبَ إضَافة -مثل: "أبي هرَيرة" و"أبي قُحَافة"- إذا قُصد به ذَات مُفرَدَة وفَهم منها السَّامعُ مَعنى العَهْد الذي يُفهَم من "زيد" مثلًا للشّخص صَار في حَدّ السَّواء في الإفادة.
وإن كان العَلَم هو الذي علّق في أوّل أحواله على مُسَمّى بعَينه لا يَتعدّى إلى غَيره؛ فقد صَار هذا بمَنزلته؛ لأنّه عند السّامع لا يتعدّى إلى غيره، ثُم إنّه بعد النقل أبقوه على إعْرابه، فالجزءُ الأوّل إن كان إعْرابه بالحرَكَات، مثل: "عبد ربّه"؛ فإعْرابه بالحرَكَات، فتقُول: "جَاء عَبدُ ربّه"، و"رأيتُ عَبدَ ربّه"، و"مَرَرتُ بعَبدِ ربّه"، تُعْربه بالحرَكَات الثّلاث. (٢)
وإنْ كان إعرابُه بالحُروف: أعرَبته بالحُروف، فتقول: "جَاءَ أبو هريرة"، و"رأيتُ أبا هرَيرة"، و"مَرَرتُ بأبي هريرة".
[وإنْ] (٣) كَانَ الثّاني لا يَنصرفُ منعته الصَّرف، لا يتغيرُ عن مَوضُوعه قبل [النقل] (٤)، وهو عندهُم من قَبيل الأعْلام؛ لأنّ الأعْلامَ عنْدَهم تنقَسم إلى مُفرَد،
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٥) في الوضوء.
(٢) انظر: شرح الأشموني (١/ ٤٨، ٤٩).
(٣) غير واضحة بالأصل، وتقارب: "فإن". والمثبت من (ب).
(٤) في (ب): "المنفعل".
[ ١ / ٥٣ ]
كـ"زَيد" و"هند" (١)، ومُرَكّب، وهو ثلاثةُ أنواع: -
١ - تركيب إسناد، كـ"برق نحْره"، و"شَابَ قَرْنَاها". وحُكْمُه: الحكاية. (٢)
ومنه قوله:
نُبّئْتُ [أخْوالي] (٣) بني يَزيدُ ظُلمًا عَلينا لهمُ فديدُ (٤)
والكَلامُ على "يَزيدُ" يأتي في الرّابع من "الإمَامَة".
وأما بقية البيت ففيه إعراب.
قال الشيخُ أبو عمرو بن الحاجب: "بني يزيد" [لا يَحْسُنُ] (٥) أنْ يكُون بَدَلًا؛ لأنَّ البَدلَ هو المقصُودُ بالذِّكْر، ولَو جَعَلتَه بَدَلًا احْتَاجَ إلى مَوْصُوفٍ مُقَدَّر، وهم "الأخْوَال" أو ما يقُوم مَقَامهم، ولا فائدةَ لهذا التقدير مع الاستغناء عنه؛ فتعيّن أنْ
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (١/ ١٣١)، شرح التصريح (١/ ١٢٩)، المفصّل في صنعة الإعراب للزمخشري (ص ٢٤).
(٢) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (١/ ١٣١)، شرح الأشموني (١/ ١١٦)، شرح الكافية الشافية لابن مالك (٣/ ١٤٥٧ وما بعدها)، المفصّل (ص ٢٤)، شرح التصريح (١/ ١٢٩)، ضياء السالك إلى أوضح المسالك لمحمد عبد العزيز النجار (١/ ١٢٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢١٦).
(٣) مكررة بالأصل.
(٤) البيتُ من مشطور الرجز، ونسبه العيني لرؤبة بن العجاج. ورُوي فيه: "بني تزيد". قال ابن يعيش: "صَوابه بالتاء المثناة من فوق، وهو اسم رجُل، وإليه تُنسَب الثياب التزيدية". قال ابنُ الحاجب في الإيضاح: "ومَن رواه بالفوقية: فقد تنطّع وتبجّح". انظر: أوضح المسالك (١/ ١٣١)، توضيح المقاصد (١/ ٣٩٥، ٣٩٦)، خزانة الأدب (١/ ٢٧٣، ٢٧٧)، شرح الأشموني (١/ ١١٦)، شرح التصريح (١/ ١٢٩)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢١٦).
(٥) بالنسخ: "الأحسَنُ". وانظر: خزانة الأدب (١/ ٢٧١).
[ ١ / ٥٤ ]
يكُون صفة، وقد يجوزُ البدلُ على قُبحه. (١)
وقوله: "علينا لهم فَديد" جُملة في مَوْضع المفعول الثالث لـ"نُبئت". و"ظُلمًا" في موضع المفعُول من أجْله، وقد يكُون في مَوضع النصب على الحال على [قُبحه] (٢). (٣)
٢ - النوع الثاني: المرَكَّب تركيبَ مَزْج، وهو كُلّ اسمين ينزل ثانيهما منزلة تاء التأنيث مما قبلها. وحُكْمُ الأوّل: أنْ يُفتَح آخره -كـ"بَعْلَبَك"، و"حَضرَمَوت"- إلا أن يكون "ياء"؛ فيُسكَّن، كـ "مَعدي كرب"، و"قالي قلا". وحُكمُ الثاني: أن يُعْرَب بالضّمّة والفتحة. (٤)
٣ - النوع الثالث: المرَكَّب تركيبًا إضافيًا، وهو الغَالبُ، كما جَاء هنا، وهو كُلُّ اسمين ينزل ثانيهما مَنزلة التنوين، كـ"عَبْد الله"، و"أبي قُحَافة"، و"أبي هرَيْرَة". وحُكْمُ هذا النوع: أنْ يَجري الأوّل بحَسب العوامل، [ويَجْري] (٥) الثَّاني على الإضَافة. (٦)
و"أب": أصله "أبو"، بدَليل التثنية، تقُول: "أبَوَان"، كما تقُول: "حَمَوان" و"هَنَوان" و"أخَوَان"، ويجُوزُ فيها كُلها [النقصُ] (٧)
_________________
(١) انظر: خزانة الأدب (١/ ٢٧١)، نقلا عن الإيضاح لابن الحاجب.
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فتحه".
(٣) انظر: شرح التصريح (١/ ١٣٠)، خزانة الأدب (١/ ٢٧٢).
(٤) انظر: أوضح المسالك (١/ ١٣٢)، شرح الأشموني (١/ ١١٦)، حاشية الصبان (١/ ١٩٥)، شرح التصريح (١/ ١٣٠)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٥٥ وما بعدها)، المفصّل (ص ٢٤)، ضياء السالك (١/ ١٢٨).
(٥) بالنسخ: "أو يجري". وفي أوضَح المسالك (١/ ١٣٣): "ويُجرّ".
(٦) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (١/ ١٣٣)، شرْح الأشموني (١/ ١١٦)، شرح التصريح (١/ ١٣١)، المفصّل (ص ٢٤)، ضياء السالك (١/ ١٢٨، ١٢٩).
(٧) كذا بالنسخ.
[ ١ / ٥٥ ]
والقَصْر (١)، ولهذا مَوْضعٌ [تُذْكَر] (٢) فيه.
قوله: "لا يَقبَلُ الله": "لا" نافية، و"يَقبلُ" فِعْل مُضَارع، و"الله" فاعل، و"صَلاةَ أحَدكم" مَفعول ومُضَافٌ إليه، وهو مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلى فَاعِله، والجُمْلةُ مُسْتَأنَفَةٌ لا مَحلَّ لها مِن الإعْرَاب، وتَقدَّم قَريبًا ذِكْرُ الجُمَل التي لا مَحلَّ لها. والمعنى: "لا قَبُولَ لصَلاة أحَدِكُم حتى يتوضّأ"، فهو نَكِرَةٌ في سياق النفي؛ فيقتضي العُمُوم.
قوله: "أحدكم": الهمزةُ بَدَل من "واو"؛ لأنّه بمَعنى: "واحد منكم"، وإبدالُ الهمْزة إذا كَانَت أوْلى من "الواو" (٣) قَليلٌ، وجاء منه: "امرأة أناة"، أصله "وناة"؛ لأنّه من "الوَنى". وقيل: الهمزةُ هنا أصْلٌ. (٤)
وفرَّق ثعلب بين "واحد" و"أحَد" بأنّ "واحدًا" يدخُله الإفراد والجمع والتثنية، و"أحَد" لا يَدخُلُه ذلك، يُقال: "الله أحَد"، ولا يُقالُ: "زَيدٌ أحَد"؛ لأنَّ الأحَدِيَّة خُصُوصية بالله تعالى، و"زَيدٌ" تكُونُ منه حَالات. (٥)
ونُقِض على "ثَعْلَب" بالعَدَدِ المعْطُوف؛ تقول: "أحَد وعشرون"، و" اثنان
_________________
(١) انظر: خزانة الأدَب (٧/ ٤٨٣)، الأصول في النحو لابن السرَّاج (٣/ ٣٢٧)، جامع الدروس العَربية (٢/ ١٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) أي: إبدالُ الواو المفتوحة همزة. وانظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ٢٢٢).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (٣/ ٢٢٢)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٢٢٤)، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ٩٥٧)، شرح أدب الكاتب لابن قتيبة شرح ابن الجواليقي (ص ٩٤)، الزاهر في معاني كلمات الناس للأنباري (٢/ ١٣٦).
(٥) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٥٧١)، عُقود الزَبرجَد (١/ ٢٤٩). وفي "النهاية": قال الأزهري: الفرق بين "الواحد" و"الأحد" أن "الأحَد" بني لنفي ما يذكر معه من العدد، تقول: "ما جاءني من أحد"، والواحد اسم بني لمفتتح العدد، تقول: "جاءني واحد من الناس"، ولا تقول: "جاءني أحد"، فـ"الواحد" منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، و"الأحد" مُنفرد بالمعنى. انظر: عُقود الزَبرجَد (١/ ٢٤٩).
[ ١ / ٥٦ ]
وعشرون". (١)
إذا ثبت ذلك: فقوله: "أحَدِكُم" أتَمُّ مَعْنىً من قَوله: "لا يَقبَلُ الله صَلاتكم" لأنَّ نَفي القبُول عن الأفراد أشْمَلُ من نفيه عن الجموع؛ لأنَّ "أحَدًا" تعُمُّ كُل فَرْد، ولا يخرجُ عن عُمومها بعضُ أفْرادها؛ لدلالتها على مَاهية الجُمُوع، بخلافِ خِطَابِ [المجمُوع] (٢) بضميرهم؛ فإنه قد يَدْخُله التخصيصُ، والعَرَبُ لا تَعْدِلُ عن لَفْظٍ إلى لَفْظٍ إلا لفَائدةٍ، ولذلك أمثلةٌ كثيرة.
قال أبو حيّان: "أحَد" هنا [بمعنى] (٣) "واحد"، وليس هو المقْصُور على النفي وشبهه في نحْو: "مَا قَام أحَدٌ". والفَرقُ بينهما: أنَّ أصْلَ هذا -أعني: المقصُور على النفيُ- هَمزة وحَاء ودَال، والآخَر: واو وحَاء ودَال، و"الهمزةُ" فيه بَدَلٌ من "واو". (٤) وسيأتي شيءٌ منه في الأوّل من "ترك الجهر".
قوله: "إذا أحْدَث": "إذا" ظرْفٌ لما يُستقبل من الزمان. (٥) (٦)
واختُلف في العَامل فيه، فقيل: فِعْله، وقيل: جَوَابه، وذلك باختلاف حالتين، إنْ قُدِّر فعله مجزومًا به كان هو العاملُ فيه، وإلا فالعاملُ الجوَاب، وقد رُجِّح (٧) بأنَّ العَاملَ فعله، [بقَوْلهم] (٨): "إذا قام زيدٌ اليومَ قام عَمرو غَدًا"، والجوابُ عامِلٌ في
_________________
(١) راجع: البحر المحيط لأبي حيان (١٠/ ٥٧١).
(٢) كذا بالنسخ. ولعل الصواب: "الجموع".
(٣) غير واضحة بالأصل، وإن كانت تُقارب: "يعني" أو "تعني". والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٠٤)، (٨/ ٤٧٤)، عُقود الزبرجَد (٣/ ١٨).
(٥) انظر: اللمحة لابن الصائغ (١/ ٤٤٦)، مُغني اللبيب (ص ٨٥٤).
(٦) وأحسَنُ من ذلك أن يُقال: ظرف مُستقبل خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. انظر: مختصر مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب للعثيمين (ص ١٥٣).
(٧) أي: رُجِّح بين هذين القَولين.
(٨) كذا بالنسخ. ولعلّ الصواب: "كقولهم".
[ ١ / ٥٧ ]
"غدًا"، وهو لما يُستقبل، و"إذا" لما يُستقبل، والفِعْلُ لا يَعْملُ في ظَرْفَين [لمعْنى] (١) واحِد. (٢) (٣)
فإن قيل: فـ"اليوم" معمولُ "قام" أيضًا، ولا يعملُ في "إذا" على ما تَقَرَّر آنفًا؟ !
فالجوابُ: أنّ "إذا" و"اليوم" [مُتنافيان] (٤)؛ فـ"إذا" لما يُستقبل، و"اليوم" للحاضر؛ فتَعيّن عَمَل الفِعْل الذي بعْد "إذا"، ولا يكُونُ في مَحلّ جَرّ بها. (٥)
وعلى القَوْل بأنَّ العَاملَ جَوَابها: يَكونُ فِعْلُها في مَحلّ جَرّ بها. (٦)
قالوا: مما يُرجِّح عَمَل فِعْلها فيها: كونُ جَوابها جُملة اسمية بالفاء، والفاء -في الصَّحيح عندهم- لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فيما قبْلها. (٧)
_________________
(١) كذا بالنسخ. ولعلّ الصواب: "بمعنى".
(٢) انظر: حاشية الشِّهاب على تفسيرِ البيضَاوِي (٦/ ١٢١، ١٧١)، أمالي ابن الحاجب (١/ ١٨٧)، الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي (ص ٣٦٩ وما بعدها)، إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي (١/ ٦٤ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب للعكبري (١/ ٢٩٢، ٢٩٣)، الموسوعة القرآنية للإبياري (٤/ ٤٧٤).
(٣) العاملُ لا يعمل في ظرفين فصاعدًا، إلا إذا كانت الظروفُ مُتباينة، مثل قولك: "قعدتُ يوم الجمعة أمامك"، "فيوم الجمعة" ظرف زمان، "وأمامك" ظرف مكان، فجاز أن يَعمَل فيهما. فأما إذا كانت من جنس واحد: فلا يجوزُ أن يَعمَل فيهما مَعًا. انظر: إيضاح شوا هد الإيضاح (١/ ٦٤ وما بعدها).
(٤) في (ب): "هنا نافيان".
(٥) راجع: إيضاح شَواهد الإيضاح (١/ ٦٤ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعْرَاب (١/ ٢٩٢، ٢٩٣)، الموسُوعة القرآنية (٤/ ٤٧٤).
(٦) راجع: إيضاح شَواهد الإيضاح (١/ ٦٤ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعْرَاب (١/ ٢٩٢، ٢٩٣)، الموسُوعة القرآنية (٤/ ٤٧٤).
(٧) انظر: الجنى الداني للمُرادي (ص ٥٢٦)، شرْح أدَب الكاتب لابن الجواليقي (ص ١٦)، الكليات للكفوي (ص ٦٧٧، ١٠٠٥).
[ ١ / ٥٨ ]
إذا ثَبَت ذلك: فجَوَابُ "إذا" هُنا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عليه ما قبْلَها، أي: "إذا أحْدَث أحدُكم لا يَقبَلُ اللهُ صَلاته حَتّى يتوضّأ". (١) وسَيأتي القَولُ على "إذا" بزيادةٍ على هذا في الحديث الثّاني من "السواك".
قال أبو حيّان: خَرَجَت "إذا" الشَّرْطيّة عن أخوَاتِها بأنّها إذا كَان جَوَابُها نَفيًا جَاز سُقُوطُ الفَاء منه، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ﴾ [الجاثية: ٢٥]. (٢)
وقد تجيءُ "إذا" مُجَرَّدَة من مَعْنى الشَّرْط، نحْو قَوْله تَعَالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]. (٣)
قال ابنُ مالك: وقد جَاء الجزْمُ بها في الشِّعْر وفي النَّثر، من ذلك قوله -ﷺ- لعَليٍّ وفاطمَةَ: "إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُما تُسَبِّحَا اللهَ تَعَالى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ" (٤) بحَذْف عَلامَة الرَّفْع (٥)، وكذا: "تَحْمَدَا" و"تُكَبِّرا". (٦)
وجَاءَ الجوَابُ المُقَدَّر هُنا مَنْفيًّا بـ "لا"، كَقَوْله تَعَالى: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ﴾ [يس: ٢٣]. (٧)
_________________
(١) راجع: البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٤٢٩).
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٢٢٩، ٢٣٠)، (٧/ ٤٢٩)، الجنى الداني (ص ٣٦٩)، مغني اللبيب (ص ١٣٣)، أمالي ابن الحاجب (١/ ١١٥).
(٣) انظر: الجنى الداني (ص ٣٧٠)، أمالي ابن الحاجب (١/ ١١٥).
(٤) مُتفقٌ عليه: رَوَاه البخاري (٣١١٣) ومُسْلم (٨٠/ ٢٧٢٧)، من حديث عليّ بن أبي طالب -﵁-.
(٥) أي: النون في قوله: "تُسَبِّحَا".
(٦) انظر: شواهد التوضيح (ص ٧١، ٧٢، ٢٥٦)، فتح الباري (٢/ ٢٠٥)، عُمْدة القَاري (٥/ ٢٥٥)، إرشاد الساري (٥/ ٣٦٩)، عُقود الزَّبَرجَد (١/ ٤٥٥).
(٧) انظر: فَتحُ القديرِ الجامع بين فنَّيِ الرِّواية والدِّراية للشوكاني (٤/ ٤١٩)، التبيان في =
[ ١ / ٥٩ ]
قَالوا: ويجُوزُ نَفي جَوَاب الشَّرْطِ بـ"لَا"، ولا يجُوزُ بـ"ما". والعِلّةُ في ذلك: أنّ "ما" تنفي الحال، والشَّرْطُ يقتضي الاستقبال؛ فنَاسَب "لا" دُون "ما"؛ لأنَّ "لا" تنفي المستقْبل، بخلاف "ما". (١)
ومن ذلك قول كَعْب بن زُهير:
إذَا [يُسَاوِرُ] (٢) قِرْنًا لَا يَحلُّ لَهُ أنْ يَترُكَ القِرْنَ إلَّا وَهُوَ مَفْلُولُ (٣)
وسيأتي في الثّاني من "صلاة العيدين" تمام الكلام على جَواب الشرط. والله أعلم.
و"حتى" تأتي بمَعنيين، لانتهاءِ الغَايَة، وللتعليل؛ فتُقَدَّر الأوْلى (٤) بـ"إلى" والثانية (٥) بـ"كَي". (٦)
_________________
(١) = إعراب القرآن (٢/ ١٠٨٠)، الجدول في إعراب القرآن الكريم (٢٢/ ٣٠٢).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القُرآن (٢/ ١٠٨٠)، البحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٤٥٩)، خزانة الأدب (٩/ ٥٤٤).
(٣) مَطمُوسة بالأصْل. وبمَوضعها بياض في (ب). والمثبت من المصادر.
(٤) البيتُ من البسيط، قاله كعب بن زهير بن أبي سلمى، في مدح النبي -ﷺ-، من قصيدته الشهيرة التي مطلعها: بانت سعاد. ويُروى فيه أيضًا: "وهو مجدول"، و"وهو مخذول". و"القرن"، بالكسر: "الكفء" و"النظير في الشجاعة والحرب"، ويُجمَع على "أقران". و"المفلول": "المهزوم". انظر: فتح الباري (٩/ ٢٥)، جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي (ص ٦٣٢، ٦٤٠)، لسان العرب لابن منظور (٤/ ٣٨٥)، (١١/ ٥٣١)، (١٣/ ٣٣٧)، المعجم المفصّل في شواهد العربية (٦/ ٣٠٠، ٣١٥).
(٥) أي: عندما تأتي "حتى" بمعنى انتهاء الغاية.
(٦) أي: التي للتعليل.
(٧) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٩)، إرشاد الساري (١/ ٢٢٩)، (٩/ ٤٢٨)، الجنى الداني (ص ٥٥٤، ٥٥٥)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٥٠)، شرح شُذور الذهب للجوجري (٢/ ٥٢٨)، موصل الطلاب (ص ١٠٤ وما بعدها)، همع الهوامع للسيوطي =
[ ١ / ٦٠ ]
وتأتي بمَعْنى "إلا أنْ"، ذَكَرَه ابنُ مَالك (١) (٢)، وأنْشد عليه:
ليْسَ العَطَاءُ مِن الفُضول سَماحَة حتّى تَجُودَ ومَا لَدَيْك قَليلٌ (٣)
وجَعَل بعضُهم من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: "إلا أنْ يقُولا". (٤)
وأنْكَر أبو حَيان مجيئها بمَعْنى "إلّا" المشَدَّدَة. (٥)
وإبدالُ الحاءِ عَيْنًا لُغَةٌ في "حتّى" (٦) (٧)،
_________________
(١) = (٢/ ٣٨١)، الكُليات للكفوي (ص ٣٩٦).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٩)، الجنى الداني (ص ٥٥٤، ٥٥٥)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٥٠)، مُغني اللبيب (ص ١٦٩)، موصّل الطلاب (ص ١٠٦)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٨١).
(٣) قال أبو حيان: وقد أغنانا ابنه عن الرد عليه في ذلك، وقال: إنه يصح فيه تقدير "إلى أن". وإذا احتمل أن تكون "حتي" فيه للغاية فلا دليل في البيت على أن "حتي" بمعنى: "إلا أن". انظر: همع الهوامع (٢/ ٣٨١).
(٤) البيتُ من الكامل، وهو للمُقنع الكندي. انظر: المعجم المفصّل (٦/ ٣٤٨). و"الفُضول": ما فضل عنك بعد حوائجك. والمعنى: أنّ العطاء من الفضول لا يُقال له: جُود وسَماحة، وإنما الجود والسماحة أن يجُود الإنسان بكثير ماله وقليله. انظر: شرح ديوان الحماسة للتبريزي (٣٤٣/ ٢، ٣٤٤)
(٥) انظر: مُغني اللبيب (ص ١٦٩)، حاشية الصبّان (٣/ ٤٣٥)، الجدول في إعراب القرآن الكريم (٢٩/ ٩١).
(٦) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٥٢٩).
(٧) قال ابنُ السكيت: "وقومٌ يجعلونها ألفًا، كقولك: قُم أتى آتيك". انظر: الكنز اللغوي في اللَسَن العربي لابن السكيت (ص ٢٣، ٢٤).
(٨) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١١/ ٩٨، ٩٩)، الدر المصون في علوم الكتاب =
[ ١ / ٦١ ]
وسُمِع [فيه] (١) الإمَالة (٢).
وتكُون (٣) حَرْف ابتداء إذا دَخَلَت على مَاض (٤) أو مُضَارع مَرْفُوع، نحْو قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٥) بالرَّفْع (٦) (٧)، وكذلك إذا دَخَلَت على
_________________
(١) = المكنون (٦/ ٤٩٥)، تهذيب اللغة للهروي (٥/ ١٢٩)، لسان العرب (٢/ ٢٣)، ص صناعة الإعراب (١/ ٢٥٤)، تاج العروس (٤/ ٤٩٠).
(٢) كذا بالنسخ.
(٣) تذكر أكثر المصادر أنه لا يجوز إمالة "حتى"، حتى قال بعضهم: إنّ إمالتها خطأ؛ لأن الحروف لا تصلح فيها الإمالة. وأجاز الخليل إمالتها إن سُمي بها. وحكى ابن مقسم الإمالة فيها عن بعض أهل نجد وأكثر أهل اليمن، وحكيت إمالتها عن حمزة والكسائي إمالة لطيفة. وأجاز أبو بكر الأنباري إمالتها؛ لأنها بمعنى المحل، والمحل اسم. انظر: اللباب في علوم الكتاب (٩/ ١٠٤)، الكتاب (٤/ ١٣٥)، عمدة الكتاب لأبب جعفر النحاس (ص ١٦٤)، المقتضب للمبرد (٣/ ٥٢)، لسان العرب (٢/ ٢٣). ورُويت إمالتها في: التيسير في القراءات السبع للداني (ص ٤٦)، جمال القراء وكمال الإقراء للسخاوي (ص ٦٢٦ وما بعدها)، إيضاح الوقف والابتداء (١/ ٤١٥)، الألفاظ المهموزة لابن جني (ص ٤٨)، توضيح المقاصد (٣/ ١٥٠٢)، الهمع (٣/ ٤٢٤، ٤٢٥).
(٤) أي: "حتى".
(٥) نَحْو: ﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا﴾ [الأعراف: ٩٥]. انظر: مُغني اللبيب (ص ١٧٤).
(٦) سورة [البقرة: ٢١٤].
(٧) أي: برفع "يقُولُ". وانظر: مُغني اللبيب (ص ١٧٣).
(٨) قرأ نافع برفع اللام، على أنَّ الفعل بمعنى المضي، أي: "حتى قال الرسول"؛ إذ هو حكاية حال ماضية، والفعل إذا كان كذلك ووقع بعد حتى رفع، وقرأ الباقون بالنصب على أن الفعل مستقبل، وإذا كان كذلك بعد "حتى" نصب بتقدير "أن تقول"، أي: "كي تقول". انظر: شرح طيبة النشر لابن الجزري (ص ١٩٥).
[ ١ / ٦٢ ]
الجُمْلَة الاسمية أو "إذا"، نَحْو قَوْله:
حَتّى مَاء دِجْلَة أشْكَل (١) (٢)
و﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: ٧١، ٧٣]. (٣)
وجَعَلَها الزّمخشَري مَعَ "إذا" حرْف جَرّ. (٤)
فالفِعْلُ هنا مَنْصُوبٌ بإضْمَار "أنْ" بعْد "حَتّى" (٥)، ولا يجُوزُ إظْهَارُها، والفِعْلُ بَعْدَها في مَحلِّ جَرّ بها. (٦)
ويجبُ هنا تقْدير "حتى" بـ "إلى" التي للغَاية؛ لأنَّ الكَلامَ يصير: "إذا أحْدَث أحدُكم لا تُقبَلُ صَلاته إلى أنْ يتوَضّأ"، ولا يجُوزُ تقْديرُها بـ "إلّا" المُشَدَّدة؛ لأنَّ الكَلامَ يصير: "لا يَقبَلُ الله صَلاةَ أحَدكُم إلاّ أنْ يَتَوَضّأ"، ومَفهُومُه (٧): "أنّه لَو صَلّى قَبْل الوُضُوءِ ثم تَوضّأ قُبِلَت"؛ فيَفسُد المَعْنى بتَقْدِيرها. (٨)
_________________
(١) البيتُ من الطويل، وقد نُسب لجرير في هجاء الأخطل، كما نُسب للأخطل. ويُروَى فيه: "تمور دماؤها". و"الشكلُ": "حُمرة في بياض". والبيت هو: فَما زَالَت القتلى تمجُّ دِماءَهَا بِدجْلة حتى ماءُ دجْلةَ أَشكَلُ انظر: العين (٥/ ٢٩٥)، الصحاح (١/ ٢٤٦)، لسان العرب (٢/ ٢٤)، خزانة الأدب (٩/ ٤٧٩)، الكليات للكفوي (ص ٣٩٦)، المعجَم المفضل (٦/ ٢٦٣).
(٢) هذا مثالُ دخُولها على الجملة الاسمية.
(٣) انظر: مُغني اللبيب (ص ١٧٣ وما بعدها).
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٧١)، عُقود الزبرجَد (١/ ٢٤٠).
(٥) "حتى" إنْ أدخلتَها على الفعل المستقبل نصبتَه بإضمار "أَنْ"، تقول: "سِرْتُ إلى الكوفة حتَّى أدخلَها"، بمعنى: "إلى أَن أدخلها". انظر: الصحاح (١/ ٢٤٦).
(٦) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٢٤٦)، لسان العرب (٢/ ٢٣، ٢٤)، الكليات للكفوي (ص ٣٩٥، ٣٩٦).
(٧) أي: "ويصير مفهومه".
(٨) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ١٠٣)، عُقود الزَّبَرجَد (٣/ ١٨).
[ ١ / ٦٣ ]
وسيأتي في الخامِس من "صَلَاة العيدين" طَرَف من أحْكَام "حتّى".
الحديث الثّالث
[٣]: " عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ -﵃- قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". (١)
قوله: "قَالوا": في محل خبر "أنّ" المُشددة مُقدّرة، أي: "أنّهم قالوا" لتقوم مقام الفاعل لمتعلّق حرف الجر، أي: "رُوي أنّهم".
و"قال رسُول الله -ﷺ- إلى آخره" محكيّ بالقول.
و"العَاص" يُروى بـ "الياء" وبغير "ياء"؛ فإن كان بغير "ياء" كان إعرابه بالحركات على "الصّاد"، فتقول في الرّفع: "جاء العاصُ" بالرفع، وفي النصب: "رأيتُ العاص".
ولعله منقولٌ من "العيص"، وهو: "الشجر الملتف" (٢).
ولفظة "ويل" مصدر، لا فعل له. وقيل: فعله "وال" "ويلًا". ورَدّه الشيخ أثير الدين أبو حيّان، وقال: هو مصنوع، يعني: "وال".
قال: ولم تجيء من هذه المادة التي فاؤها "واو" وعينها "ياء" إلا: "ويل"، و"ويح"، و"ويس" و: ويب: (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠) في العلم، ومسلم (٢٤١) في الطهارة.
(٢) انظر: الصحاح (٣/ ١٠٤٧)، المحيط في اللغة (١/ ١١١)، المنتخب من صحاح الجوهري (١/ ٣٦٢٩)، العقد الفريد (٣/ ٢٤٧)، وربيع الأبرار للزمخشري (٢/ ٤٦٧).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٣٥)، معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ١٦٠)، والمحرر الوجيز لابن عطية (١/ ١٧٠)، اللباب لابن عادل (٢/ ٢٠٦)، شرح شافية ابن =
[ ١ / ٦٤ ]
قلت: وقيل لا يجيء في الكلام ما فاؤه وعَينه "واو" إلا: "يوم" و["يوح"] (١).
ولا يثنى "ويل". وقد جمع (٢) في قول امرئ القيس:
وَيَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيزَةٍ فَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِلِ (٣)
وإذا أُضيف "ويل" فالأحْسَنُ فيه النّصب، قال تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ [طه: ٦١].
وزعم بعضهم أنّه إذا أضيف لا يجوز فيه إلا النصب، وإذا أفرد يجوز فيه الرفع والنصب. (٤)
وهو هنا مرفوع بالابتداء، ومُسّوغ الابتداء معنى الدّعاء. وقيل: هو عَلَم (٥)، اسم وادٍ في جهنم، نعُوذ بالله منه.
قال الشّيخُ جمال الدين ابن مَالك في قوله - ﵇ -: "وَيْلُ أُمِّهِ، [مِسْعَرُ] (٦) حَرْبٍ" (٧): أصْله: "ويْ لأمه"، فحذف "الهمزة" تخفيفًا؛ لأنّه كَلام كثُر استعماله،
_________________
(١) = الحاجب للرضي (٣/ ٧٢)، حاشية الصبان (٢/ ١٧٨).
(٢) كذا بالنسخ.
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٣٥، ٤٣٦)، الممتع الكبير في التصريف لابن عصفور (ص/٣٥٩).
(٤) البيتُ من الطويل، وهو لامرئ القيس، كما ذكر. انظر: جمهرة أشعار العرب (١/ ١١٩)، الشعر والشعراء لابن قتيبة (١/ ١٢٥)، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات (ص ٣٦)، خزانة الأدب (٤٤٨/ ٣، ٤٤٩)، تاج العروس (١٥/ ٢٤٨)، (٣١/ ١٠٧)، المعجم المفصّل (٦/ ٤٧٣).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٣٥، ٤٣٦)، أوضح المسالك (٢/ ١٨٨)، شرح الرضي على الشافية (٢/ ٢٦٥)، حاشية الصبان (١/ ٣٠٢).
(٦) انظر: المحرر الوجيز (١/ ١٧٠، وما بعدها)، تفسير القرطبي (٢/ ٨)، زاد المسير لابن الجوزي (١/ ٨٢)، روح البيان للألوسي (١٠/ ٣٦٣).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من المصادر.
(٨) صَحيحٌ: البخاري (٢٧٣١)، مِن حَديثِ المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة.
[ ١ / ٦٥ ]
وجَرَى مجرى المثل.
ومن العَرب مَن يضُمّ "اللام". وفي ضَمّها وجهان: -
أحدهما: أن يكون ضُم اتباعًا للهمز، [وكما] (١) كسرت "الهمزة" اتباعًا للأم في قراءة مَن قرأ: "فلإِمّه الثُّلُث" (٢)، ثم حذفت "الهمزة" وبقِيَ تابع حركتها على ما كان عليه.
الوجه الثاني: أن يكُون الأصْل: "ويل لأمه" بإضافة "ويْل" إلى ["لأم"] (٣) تنبيهًا على ثكلِها وويلها.
قال: والأوّل أجوَد؛ ليتّحد معنى المكسور والمضْموم.
و"وي" من أسماء الأفعال بمعنى "أتعجب"، فـ"لأمه" متعَلّق به. و"مسعر حرب" منصوبٌ على التمييز. انتهى. (٤)
قوله: "للأعقَاب مِن النار": حرفُ الجر يتعلّق بالخبر، أي: "كائن للأعقَاب"، و"من النار" يتعلّق بمُتعلّق الخبر، و"الأعْقَاب" جمع قِلّة (٥)، وقد تقدّم ذكر جموع القلة قريبًا.
والألِف واللام يحتمل أن تكُون للعَهْد، والمراد: "الأعقَاب التي رآها كذلك لم
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ولما".
(٢) سورة [النساء: ١١]. وكتب بالنسخ: "فلمه"، والصواب المثبت. وقد قرأ بها حمزة والكسائيّ. وانظر: الكنز في القراءات العشر للواسطي (٢/ ٤٥٠).
(٣) بالنسخ: "اللام".
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢١٤). وراجع: أسرار العربية للأنباري (ص ٢٣٣)، وسر صناعة الإعراب (١/ ٢٤٧)، وأوضح المسالك (٢/ ١٨٨)، وشرح الرضى على الشافية (٢/ ٢٦٥).
(٥) انظر: اللمع لابن جني (١٧٢)، والمفصل (١/ ٢٣٥).
[ ١ / ٦٦ ]
يمسّها مَاء". ويحتمل أن لا يخصّ تلك الأعْقَاب التي رآها، وتكون للأعقاب التي صفتها هَذه الصّفة التي لا تعمّ بالطُهر. ولا يجُوز أنْ تكُون الألِف واللام للعُموم المطْلَق (١).
وقد رُوي في بعض الروايات: "رَآنَا وَنَحْن نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا" (٢).
وقوله: "مِن النّار": "مِن" لابتداء الغَاية، ويحتمل أن تكُون بمعنى "في" كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فاطر: ٤٠، (٣)، وعلى قَول مَن فسّر "الويل" بأنّه "واد في جهنم" تكُون "مِن" للتبعيض؛ لأنّ "جهنم" بعض دَرَكَات النار، وهي المختصّة بعُصَاة المؤمنين، ثم لك أن تُعلّق "مِن النار" بمتعلّق الخبر.
ولا يتعلق "من النار" بصفة لـ"ويل" إذا جعلت الخبر في "للأعقاب"؛ لأنه لا يفصل بين الصفة والموصوف بالخبر (٤).
ولا يتعلق "من النار" بالمصدر نفسه، ويجعل "للأعقاب" مُتعلقًا بالخبر؛ لأنّ المصدر لا يفصل بينه وبين متعلّقه بالخبر. (٥)
وقد قيل: إنما يمتنع ذلك في المصدر المنحلّ إلى "أنْ"، وأمّا غيره فلا (٦)، وهو
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١٠/ ٥٥٣)، وعمدة القاري للعيني (٣/ ٢١)، ١٩/ ٢٨٢).
(٢) متفق عليه: البخاري (٦٥)، ومسلم (٢٤١/ ٢٧).
(٣) انظر: حروف المعاني والصفات (ص ٧٦)، ومغني اللبيب (١/ ٤٢٤) ٥٥٣)، وحاشية الصبان (٢/ ٣١٦)، وشرح التصريح (١/ ٦٤٠).
(٤) انظر: الخصائص (١/ ١٤٧)، وشرح ألفية ابن معطي (٢/ ١٣٩٥)، وحاشية الصبان (٣/ ٤٠)، شرح الجمل (٢/ ٦٠٧)، والمقرب لابن عصفور (١/ ٢٢٨)، خزانة الأدب (٣/ ٤٢٢).
(٥) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ١٠١١)، وأوضح المسالك (٣/ ١٧٥)، وشرح ابن عقيل (٣/ ٩٧)، وحاشية الصبان (٢/ ٤٢٧).
(٦) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ١٠١١)، وأوضح المسالك (٣/ ١٧٠)، وشرح ابن =
[ ١ / ٦٧ ]
كسَائر الأسماء.
وللشيخ (١) أثير الدّين (٢) بحْثٌ دقيق في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] اشتَمَل على فوائد من أحْكَام المصدر وما يتعلّق به. (٣)
فقال: "مستقر" مبتدأ، و"لكم" الخبر، وهو مُصحّح لجواز الابتداء بالنكرة، و"في الأرض" متعلّق بالعَامل في الخبر، ولا يتعلق بـ "مستقر" سواء أريد به مكان الاستقرار أو المصدر، أي: "ولكم في الأرض استقرار"؛ لأن اسم المكان لا يعمل، والاسم الموصول لا يتقدّم معموله عليه.
ولا يجوز أن يكون "في الأرض" خبر، و"لكم" [متعلّق] (٤) بـ"مُستقر"؛ لما تقَدّم، ولا في موضع الحال من "مُستقر"؛ لأنّ العَامل إذ ذاك فيها يكون الخبر، وهو عامِل معنوي، والحال متقَدّمة على جُزأي الإسناد، ونظيره: "قائمًا زيد في الدار" و"قائمًا في الدار زيد"، وذلك لا يجوز بإجماع.
وقوله: "ومتاعًا إلى حين": حرف الجر يجوز أن يتعلق بصفة لـ"متاع"؛ فيتعلق بمحذُوف، أي: "كائن إلى حين". ويجوز أن يتعلّق بـ"متاع"؛ لأنّه في معنى "تمتع" و"استمتاع"، ويكون من باب الإعمال؛ لطلب "مستقر" له، ومتى أعمل فيه الثاني -وهو "متاع"- لم يحتج إلى إضمار في الأول؛ لأنه فضلة؛ فالأولى حذفه، ولا يكون معمولًا للأوّل؛ لأنه لا يحذف ضميره من الثاني على الأفصح.
_________________
(١) = عقيل (٣/ ٩٧)، وحاشية الصبان (٢/ ٤٢٧).
(٢) كتب بهامش الأصل قبلها: "فوائد".
(٣) يعني: أبو حيّان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: ٧٤٥ هـ)، صاحب "البحر المحيط في التفسير". انظر: فوات الوفيات (٤/ ٧١)، والوا في بالوفيات (٥/ ١٧٥).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٦٥، ٢٦٦).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٦٨ ]
فإن قيل: لا يجوز أن يكون من باب الإعمال، وإن كان كل من "مستقر" و"متاع" يقتضيه المعنى؛ لأنّ الأوّل لا يصح أنْ يعمل فيه لما يلزم من الفصْل بين المصدَر ومعموله بالعطوف، والمصدَر موصُول؛ فلا يفصل بينه وبين معمُوله.
قلتُ: المصدر من حيث هو مصْدَر لا يكون موصُولًا، إلا أنْ يلحظ فيه معنى الحدوث؛ فيقدر بحرف مصدري وفعل، فحينئذ يكون موصولًا. فإن لم يلحظ فيه ذلك: لم يكن موصولًا، نحو: "لزيد معرفة بالنحو" و"نظر بالطب" و"ذكاء ذكاء الحكماء"، فمثل هذا لا يُتقدّر بحرف مصدري وفعل، حتى إنّ النحويين ذكروا أنّ هذا المصدر إذا أضيف لم يحكَم على الإسم بعده برفع ولا نصب، فقولك: "يعجبني قيام زيد" مثل قولك: "يعجبني خاتم زيد" (١)، وهذا الذي قاله الشيخ -﵀- فيه فوائد يحتاج إليها المعرب؛ فلذلك ذكرته بنصه.
ومن ذلك قولهم في قوله تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ [غافر: ١٠]، ذكروا أنّ العامل في "إذ" لا يجوز أن يكون المقت الله"، ولا "مقت" الثاني. أمّا الثاني: فلفساد المعنى؛ لأنهم إذ دعوا إلى الإيمان ما مقتوا أنفسهم. وأما الأوّل: فلأنه مصدر، وقد فصل بينه وبين متعلقه بالخبر؛ فالعامل إذن فعل محذوف، أي: "مقتكم إذ تدعون".
وقال الزمخشري: العامل: "لمقت". ورُدّ عليه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ﴾ [الطارق: ٨، ٩]. قالوا: التقدير: "يرجعه يوم"؛ للعلة المتقدّمة (٢).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٦٥، ٢٦٦). وراجع: شرح الكافية (٢/ ١٠١٧)، وشرح ابن عقيل (٣/ ١٠١)، وحاشية الصبان (٢/ ٤٣٦).
(٢) انظر: الكشاف (٤/ ١٥٤)، والمحرر الوجيز (٤/ ٤٩)، والبحر المحيط (٩/ ٢٣٧، ٢٤٠)، (١٠/ ٤٥٢)، واللباب لابن عادل (١٧/ ١٨).
[ ١ / ٦٩ ]
وقوله في الحديث: "عن عمرو بن العاص" قد تقدّم أنه يُروَى بإثبات "الياء" وحذفها، وهو المشهورُ عند المحَدّثين.
الحديث الرّابع
[٤]: " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قال: إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ [مَاءَ] (١)، ثُمَّ ليَسْتَنثِرْ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الإِنَاءِ ثَلاثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ".
وَفي لَفْظٍ لِمُسْلِمِ: "فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمِنْخَرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ".
وَفي لَفْظٍ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ" (٢).
= تقدّم الكلام على متعلّق حرف الجر في الحديث الأوّل؛ فالتقدير: "روي عن أبي هريرة"، فيكون "أنّ رسول الله" في محلّ رفع مفعولًا لم يُسَم فاعله.
و"اللام" في "ليجعل" و"ليستنشق" لام الأمر. وإنما جُزمت لمشاركتها "لم" في دخولها على غير واجب، وهو ما لم يحصل، ويؤمر بها الغائب (٣).
وتأولوا قوله تعالى: "فبذلك فلتفرحُوا" (٤) على قراءة مَن قرأب بـ"التاء"، على أنّه أراد العُموم؛ فأتى بعَلامتي الغيبة والحضور ليعم الجميع؛ لأنّ المأمُور جماعة بعضهم
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) رواه البخاري (١٦٢) في الوضوء، ومسلم (٢٧٨) في الطهارة، ولم يذكر البخاري التثليث.
(٣) انظر: اللامات للزجاجي (ص ٩٢)، وعلل النحو (ص ١٩٨)، نتائج الفكر (ص ١١١)، واللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٤٩)، والأصول في النحو (٢/ ٢١٩).
(٤) سورة [يونس: ٥٨]. وانظر في تخريج القراءة: البحر المحيط (٦/ ٧٦)، الكامل في القراءات والأربعين الزائدة عليها لليشكري (ص ٥٦٨).
[ ١ / ٧٠ ]
غائب وبعضهم حاضر. وإنما كسرت فرقًا بينها وبين "لام التوكيد"، وتسكن "الواو" و"الفاء" (١).
واختلف في "ثم".
و"مَن" اسم شرط (٢)، ولها أقسام غير هذا: -
استفهامية، نحو: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢].
وموصولة، نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٨١].
وموصوفة، نحو قولك: "مررتُ بمن معجب لك" (٣). وقول حَسّان:
فكفَى بِنا فَضْلًا عَلى مَنْ غَيِرنا حُبُّ النَّبِيّ محَمَّدٍ إيَّانا (٤)
[ق ٨] قوله: "إذا توضّأ": تقَدّمت "إذا" في الحديث الثاني من أوّل الكتاب، و"أحَد" فيه أيضًا، والمراد: "إذا أراد أحَدكم"، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: ٤٥]، و﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] (٥)، وكذلك قوله: "من استجمر".
قوله: "فليجعل في أنفه": المجرور يتعَلّق بـ"جَعَل".
_________________
(١) انظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات (١/ ٣١٣)، ومعاني القراءات للأزهري (٢/ ٤٦)، إعراب القرآن للنحاس (٢/ ١٥١).
(٢) انظر: تاج العروس (٣٦/ ٢٠٥).
(٣) انظر: المخصص لابن سيده (٤/ ٢٣٢).
(٤) البيت من الكامل، وهو لكعب بن مالك أو لبشير بن عبد الرحمن أو لحسان بن ثابت. انظر: البحر المحيط (١/ ٨٥)، الصحاح (٦/ ٢٢٠٧)، لسان العرب (١٣/ ٤١٩)، خزانة الأدب (٦/ ١٢٨)، المعجم المفصل (٨/ ٣٤).
(٥) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٧٦)، (٦/ ٥٩٣)، مغني اللبيب (١٣٠، ٩٠٣).
[ ١ / ٧١ ]
و"جَعَل" لها مَعَان، منها: -
المقَارَبة: بمَعنى أنها وضعت لدنو الخبر؛ فتحتَاج إلى اسم وخبر، نحو قولك: "جَعَل زيد يفعل كَذا"، ويجب كَون الخبر فعلًا عند الأكثرين. ومما وَرَد نَادرًا قوله في الحديث: "فَجَعَلَ كلَّمَا جَاءَ ليَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ" (١).
قال ابن مالك: كان من حقّه أن يكون فعلًا مضارعًا، فجاء خبرها جملة إنشائية مصَدّرة بـ "كُلما"، وهو مبني على أصل متروك، وهو أنّ الأصل دخولها وأخواتها على المبتدأ والخبر، مثل "كان"، فترك الأصل، ثم رجع إلى الأصل شذوذًا. (٢)
وتجيء "جَعَل" بمعنى "صيّر"؛ فيتعدّى إلى مفعولين، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠]. (٣)
وتجيء بمعنى "خلق"، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]. (٤)
وتجيء بمعنى "سمّى"، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. (٥)
وبمعنى "ألقى"، كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٣٧] (٦). وهذا معناها هنا، أي: "فليلق في أنفه ماء"، أو بمعنى "صير"، أي: "فليصير
_________________
(١) صحيحٌ: البخاري (١٣٨٦)، من حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ -﵁-.
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٣٥، ١٣٦).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١٣٧)، الهمع للسيوطي (١/ ٥٣٩)، جامع الدروس العربية (١/ ٤٥).
(٤) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٩٢)، شرح المفصل (١/ ٤٣).
(٥) انظر: البحر المحيط (٤/ ٦٣٩)، شرح المفصل (١/ ٤٣).
(٦) انظر: عقود الزبرجد (٣/ ١٩)، الكتاب (١/ ١٥٧).
[ ١ / ٧٢ ]
في أنفه ماء".
واعلم أنّ أسماء الشّرط كُلها وما في معناها من الأسماء التي يجب أن لا يتقَدّم معمولها عليها لا يخلو من أن يكون الواقع بعدها فعلًا أم لا.
فإن لم يقع بعدها فعل -نحو: "مَن الذي يأتيني أكرمه"- فهي في موضع رَفْع بالابتداء.
وإن وقع فعل فلا يخلو من أن يكُون مُتصرفًا أو غير متصرّف.
فإن كان من الأفعال التي لا تتصرف -كـ "ليس" و"عسى"- فهي في محلّ رَفْع بالابتداء أيضًا.
وإن كان من الأفعال المتصرّفة: فلا يخلو من أن يكُون مُتعديًا إلى مفعُول أم لا.
فإن كان لا يتعَدّى فهي في محلّ رَفع بالابتداء أيضًا.
وإن كان مُتعدّيًا: فلا يخلو أن يكُون فيه ضَمير يعُود على "مَن" أم لا -كما هنا: "مَن استجمر"- فيكون في محلّ رَفْع بالابتداء.
وإن لم يكن -نحو: "مَن قام غلامه أكرمه"- فهي في محلّ رَفْع بالابتداء.
وإن لم يكن فلا يخلو من أن يتصل بالفعل ضمير منصوب أم لا.
فإن اتصل -نحو: "من أكرمته أكرمه"- جاز في "مَن" وَجْهان، أحدهما: الرفع بالابتداء، والثاني: النصب من باب الاشتغال. (١)
قوله: "وإذا [استيقظ] (٢) أحدكم من نومه فليغسل يديه": حرفُ الجر يتعلّق بـ"يستيقظ" (٣)،
_________________
(١) راجع: البحر المحيط (٦/ ٢٠٦)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ١٣٠).
(٢) بالنسخ: "قام". ومصحّحة بهامش الأصل، وقبلها حرف: "خ".
(٣) بالنسخ: "قام".
[ ١ / ٧٣ ]
و"يديه" مفعول لـ "يغسل"، وعلامة نصبه "الياء"؛ لأنه تثنية "يد"، وهو منقوص غير مقيس؛ لأنّ إعرابه على الحرف الباقي بعد الحذف، والمنقوص المقيس إعرابه على الحرف المحذوف، فغير المقيس إذا ثني لا يرد المحذوف منه، كـ"يد" و"دم"؛ فتقول: "يدان" و"دمان" على الأشهر.
واستثني من ذلك: "أخ"، و"أب"، و"حم"، و"هن"، ردوا فيها المحذوف؛ فقالوا: "أخوان"، و"أبوان"، و"حموان"، و"هنوان" (١)، ولهذا موضع يذكر فيه.
و"قبل": ظرفُ زمان، ويجيء ظرف مكان في نحو قولهم: "داري قبل دارك". والوا قع بعدها مخفُوض بها؛ ولذلك دخَلت "أنْ" على الفعْل الواقع بعدها لتسوغ الإضافة. (٢) وسيأتي عليها الكلام في الرّابع من "باب تسوية الصفوف".
قَالَ الشّيخُ تاج الدّين الفاكهاني: إن قُلت: مَا الفائدة في قوله: "من نومه"، ومعلوم أنّ الاستيقاظ إنما يكون من النوم؟
قلتُ: لا ينحصر في النوم؛ لمشاركة الغشية والغفلة في ذلك. (٣)
_________________
(١) انظر: العين (٤/ ٣٢٠)، لسان العرب (١٤/ ٢١)، علل النحو (ص ٥٥٢)، شرح المفصل (٣/ ٢٠٣ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٤٦١)، الهمع (١/ ١٦٤)، النحو الوافي (١/ ١٣٦)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٦).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٥١)، الكتاب (٣/ ٤٧٧ وما بعدها)، المفصل (ص ٢٥٧)، شرح المفصل (٣/ ٤٣٢ وما بعدها)، المقتضب (٢/ ٢٧١ وما بعدها)، (٤/ ٣٥٣)، اللمحة (١/ ٤٥١)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٩١٦)، شرح التسهيل (٣/ ٤٠)، شرح التصريح (١/ ٧١٨)، (٢/ ١٢، ٥٥٩، ٥٦٠)، شرح الشافية للرضي (١/ ٢٩٠ إلى ٢٩٤)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٤٢٠)، شرح الشذور لابن هشام (ص ١٣٠)، الهمع (١/ ٣٦٣)، (٢/ ١٩٢، ١٩٣)، (٣/ ٣٨٧، ٣٩٠، ٣٩١)، جامع الدروس العربية (١/ ٧٣، ٧٤)، (٢/ ٨٥، ٩٣)، (٣/ ٥٩).
(٣) انظر: رياض الأفهام للفاكهاني (١/ ٦٩).
[ ١ / ٧٤ ]
فإن قلت: لم أضاف الضمير لـ "أحَد"، ومعلوم أنّ أحَدًا لا يستيقظ من نوم غيره؛ فلم لا قال: "من النوم" أو "من نوم"؟
قلت: إنما قال ذلك لمعنىً جَليل لَطيف جدًّا، وهو الإشارة والتنبيه على أنّ نومه -ﷺ- مُغاير لنومنا؛ إذ كان -ﷺ- تنام عيناه ولا ينام قلبه.
فإن قلت: قوله: "أحدكم" يُعطي ذلك.
قلت: أجَل، لكن جاء على طريق المبالغة والتأكيد، وربما يسمي أهل علم البيان مثل هذا: " [توطئة] (١) "، وهو أن يكون المعنى مستقلًا بالأوّل، ويؤتى بالثاني لما ذكر. (٢)
قوله: "أن يُدخُلها": "أنْ" المصْدَرية النّاصبة للفِعل المضَارع.
ولـ"أنْ" أقسَام. قال الهروي: لها سبعة مواضع: -
أحدها: أن تدخل على الفعلين المستقبل والماضي؛ فتكون هي مع الفعل اسمًا بمعنى المصدر.
الثاني: المخفّفة من الثقيلة، ويليها الاسم والفعل [الماضي] (٣) والمستقبل. فإذا وليها الاسم: ذلك فيه وجهان: النصب على نية تثقيلها، كقولك: "علمتُ أنْ زيدًا قائم"، يريد: "أنّ زيدًا قائم". ومنه قول الشّاعر:
فَلَو أَنْكِ فِي يَوْم الرّخَاءِ سَأَلتِنِي فراقك لمْ أَبْخَلْ وأَنْتِ صَديقُ (٤)
_________________
(١) بالنسخ: "نظرية". والمثبت من المصدر.
(٢) انظر: رياض الأفهام للفاكهاني (١/ ٦٩، ٧٠).
(٣) بالنسخ: "والماضي".
(٤) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة. ويروى فيه: "طلاقك". انظر: أمالي ابن الشجري (٣/ ١٥٣)، خزانة الأدب (٥/ ٤٢٦، ٤٢٧)، (١٠/ ٣٨٢)، مغني اللبيب (ص ٤٧)، =
[ ١ / ٧٥ ]
الثاني: الرفع على أنّك تريد بها الثقيلة، وتضمر اسمها فيها، وتجعل ما بعدها مبتدأ وخبرًا في موضع خبرها، كقولك: "علمت أنْ زيدٌ قائم"، ومنه: "أكثر قولي أنْ لا إله إلا الله"، أي: "أنّه لا إله إلا الله".
فإن وليها الفعل الماضي أو المستقبل: فقال ابنُ مالك في "التسهيل" (١) ما معناه: فإن دخلت على فعل اقترن غالبًا بـ"قد" أو بـ"لو" أو بحرف تنفيس أو نفي، أو يكون الفعل غير متصرف وفيه معنى الدّعَاء.
الثالث: تكون زائدة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ (٢) [يوسف: ٩٦].
الرابع: تكون بمعنى "أي" مفسرة، نحو قولك: "دعوت الناس أنْ ارجعوا"، المعنى: "أي ارجعوا". ولا موضع لها من الإعراب. ولا تجيء إلا بعد كَلام تام فيه معنى القَول (٣).
الخامس: تكون بمعنى "لئلا"، كقولك: "ربطت الفرس أن ينفلت"، أي: "لئلا ينفلت"، وكقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: "لئلا تضلّوا". (٤)
السّادس: تكون بمعنى "إذ"؛ كقولك: "كلمني زيد أن قام عمرو"، أي: "إذ
_________________
(١) = تهذيب اللغة للهروي (١٥/ ٤٠٥)، المعجم المفصل (٥/ ١٨٥).
(٢) انظر: التسهيل (ص ٦٥، ٦٦).
(٣) بالنسخ: "ولما".
(٤) انظر: اللباب لابن عادل (١٤/ ٣١١)، الكتاب لسيبويه (٣/ ١٢٤)، شرح التسهيل (٤/ ٧)، شرح الكافية (٣/ ١٥٢٢)، الصبان (٣/ ٤١٨)، مغني اللبيب (ص ٤٧)، شرح التصريح (٢/ ٣٦٣).
(٥) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢١٣)، ومغني اللبيب (ص ٥٥)، وهمع الهوامع (٢/ ٤١٠)، والجنى الداني (ص ٢٢٥).
[ ١ / ٧٦ ]
قام عمرو"، وكقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾ [ص: ٤]. (١)
السابع: تكون بمعنى "ألّا"، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ﴾ [آل عمران: ٧٣]. انتهى (٢).
قال أبو حيّان: "أن" حرفٌ ثنائي الوضع (٣)، والجزم بـ"أنْ" لغة بني صباح (٤).
وتوصل بالماضي، نحو: "عجبت من أن أتيته"، والأمر المتصرف على خلاف فيه، نحو: "أرسَلت إليه بأنْ افعل". ومتى لقيت المضارع لم يفصل بينهما بشيء. وأجَاز بعضهم الفصل بالظرف، نحو: "يعجبني أنْ اليوم تقوم". وأجاز الكوفيون الفصل بالشرط، نحو: "يعجبني أن إن تقم يخرج زيد". وأجاز الفرّاء تقديم معمول معمولها عليها، نحو: "يعجبني زيدا أن يضرب"، ومنعه الجمهور (٥).
ويأتي في العاشر الفرق بين المصدر المقدّر بـ"أنْ" والمصدر الصريح.
وفاعل " [يدخلهما] (٦) " ضمير يعود على "أحدكم"، و"في الإناء" يتعلّق
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (١/ ٥٥)، وذكر أن هذا قليل الاستعمال، والجنى الداني (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢١٤)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (٣/ ٢٨١)، واللباب لابن عادل (٥/ ٣٢٠). وانظر في حالات "أن": أمالي ابن الشجري (٣/ ١٥٢ وما بعدها)، خزانة الأدب (٥/ ٤٢٦ وما بعدها)، (١٠/ ٣٨٢)، مغني اللبيب (ص ٤٧)، تهذيب اللغة (١٥/ ٤٠٥).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٦٤).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٢٢٦)، الصبان (٣/ ٤١٧، ٤١٨).
(٥) انظر: ارتشاف الضرب لأبي حيان (ص ١٦٣٧ وما بعدها). وراجع: مغني اللبيب (ص ٥٥)، والجنى الداني (ص ٢٢٦)، شرح التسهيل (١/ ٢٢٣)، (٤/ ٧، ٥٣)، والصبان (٣/ ٤١٧، ٤١٨) - توضيح المقاصد (٣/ ١٢٣٧)، الهمع (٢/ ٣٦٢ وما بعدها، ٤١٠).
(٦) بالنسخ: "يدخلها".
[ ١ / ٧٧ ]
بـ" [يدخلهما] (١) ".
و"في": للوعاء حقيقة، مثل ما وَقَع هنا، ومجازًا، مثل: "أنا مهتَمّ في حاجتك".
وتجيء للسّببية، نحو قوله: " [إِنَّهُمَا] (٢) لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ" (٣)، ومنه: "فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ" (٤).
وتجيء بمعنى "على"، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨]، أي: "عليه".
وتكون بمعنى "مع"، كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٥) [الفجر: ٢٩، ٣٠]، أي: "مع عبادي".
وتجيء بمعنى "بعد"، قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، أي: "بعد عامين".
وبمعنى "مِن"، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٩]، أي: "مِن كُلّ أمة". ومنه قول امرئ القيس:
ألَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي بِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَل (٦)
_________________
(١) بالنسخ: "تدخلها".
(٢) بالنسخ: "وإنهما".
(٣) متفق عليه: البخاري (٢١٦، ٢١٨)، ومسلم (٢٩٢/ ١١١)، من حديث ابن عباس -﵄-.
(٤) صحيح: سنن أبي داود (١٥٦٨، ١٥٧٢)، وابن ماجه (١٨٠٥)، والترمذي (٦٢١)، من حديث ابن عمر وعليّ -﵃-. وصحّحه الألباني في الإرواء (٧٩٣).
(٥) بالأصل: "ادخلي".
(٦) البيتُ من الطويل. ويروى فيه: "منك بأمثل". انظر: التذكرة الحمدونية (٥/ ٣٣١)، أمالي ابن الشجري (١/ ٤١٩)، الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء (ص ٢٨)، =
[ ١ / ٧٨ ]
أراد: "منك".
وتجيء بمعنى "إلى"، قال الله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: "إلى أفواههم".
وتكون بمعنى "الباء"، قال زيد الخيل:
وَيرْكَبُ يَوْمَ الرَّوعِ فيها فَوَارِسٌ بَصيرونَ في طَعْنِ الأَبَاهِرِ والكُلَى (١)
أي: "بصيرون بطعن". (٢)
قوله: "ثلاثًا": مصدر؛ لأنه عَدَد، وعَددُ المصدر مصدر (٣)، أي: "ثلاث مرات" أو "ثلاث غسلات". ومنه قولهم: "أنتِ طالق ثلاثًا"، أي: "ثلاث تطليقات".
وكسرت "إنّ" هنا لأنها في ابتداء الكلام، وكذلك تكسر إذا كان في خبرها "اللام"، وبعد "واو" الحال، وبعد "حتى" التي هي حرف ابتداء (٤).
_________________
(١) = خزانة الأدب (٢/ ٣٢٦)، المعجم المفصل (٦/ ٤٦٧).
(٢) البيت من الطويل، وهو لزيد الْخَيل الطَّائِي. انظر: خزانة الأدب (٦/ ٢٥٤)، (٩/ ٤٩٣)، والمعجم المفصل (٦/ ١١١).
(٣) انظر في هذه الحالات: مغني اللبيب (ص ٦٨)، وشرح التسهيل (٣/ ١٥٥ وما بعدها)، وحاشية الصبان (٢/ ٣٢٧)، والجنى الداني (ص ٢٥٢)، وأمالي ابن الشجري (٢/ ٦٠٦ وما بعدها). وانظر: مجلة الجامعة الإسلامية، العدد (٥٩)، ص ٢٦٨، بحث: ظاهرة التقارض في النحو العربي، للباحث الفاضل أحمد محمد عبد الله.
(٤) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٧٨).
(٥) انظر: شرح المفصل (٤/ ٥٣١)، اللمحة (٢/ ٥٥٢)، الجمل في النحو (٢٦٨)، وعلل النحو ص ٤٤٦، وشرح ابن عقيل (١/ ١٥٣)، وتوضيح المقاصد والمسالك (١/ ٥٦٣).
[ ١ / ٧٩ ]
وتفتح وتكسر، والكسر أجوَد، في أربعة مواضع، بعد القَسَم والقول و"أَمَا" و"إذا" التي للمُفاجأة (١).
أما إذا كان [القول] (٢) فعلًا مضارعًا بـ"تاء" خطاب تقدّمَته أداة استفهام لم يفصل بينهما: فإنها تفتَح؛ لأنها تسدّ حينئذ مَسَد مفعُولين للقَول، نحو: "أتقول زَيد منطلقًا؟ "، أي: "أتظن زيدًا مُنطلقًا؟ " (٣).
وتجيء "إنّ" بمَعنى "نَعَم"، وقد تأوّلوا ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ﴾ [المائدة: ٦٩]. (٤)
ومنه قوله: "إنّ وراكبها". قيل: وفَدَ عبد الله بن فضالة على عبد الله بن الزبير، فقال: "إنّ ناقتى تعبت ودبرت". فقال: "ارْقَعْها بجِلدٍ، [واخْصِفْها] (٥) بهُلْبٍ، وسِرْ بِهَا [البردَين] (٦) ". فقال له: "إني جئتك مُستحْملًا لا [مُستَسْيرًا] (٧)، فلَعَن الله ناقة حملتني إليك". فقال: "إنّ وراكبها"، أي: "نَعَم وراكبها". (٨)
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٢٣)، حاشية الصبان (٢/ ٤٣)، والمقدمة الجزولية ص ١٢١، وشرح ابن عقيل (١/ ٣٥٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٧٨ وما بعدها)، وحاشية الصبان (٢/ ٣٢٧)، وهمع الهوامع (٢/ ٤٤٦).
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٢٥).
(٥) بالنسخ: "واخضعها". والمثبت من المصادر.
(٦) بالنسخ: "الأبردين". والمثبت من المصادر.
(٧) في المصادر: "مستشيرا".
(٨) انظر: الجنى الداني (ص ٣٩٨، ٣٩٩)، وشرح التسهيل (٢/ ٣٣)، وشرح المفصل (٢/ ٩٨ وما بعدها)، (٤/ ٥٥٦)، والعين (٨/ ٣٩٨)، ولسان العرب (١٣/ ٣١)، وتاج العروس (١١/ ٤٠٣)، والقاموس المحيط (ص/٣٩٨)، وأساس البلاغة للزمخشري (١/ ٣٧)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٧/ ٢١٦)، (٢٤/ ١٣). =
[ ١ / ٨٠ ]
وقوله: "لا يَدْري": في محلّ خبر "إنّ".
قال صاحبُ "الصّحاح": يُقال: "دريته" و"دريت به" "دريًا" و"تدرية" و"درية" و"دراية"، أي: "علمت به". (١)
قال: وإنما قالوا: "لا أدر" بحذف "الياء" تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، كما قالوا: "لم أبل" و"لم يك". انتهى (٢).
فـ"يدري" هنا بمعنى العلم؛ فيتعدّى إلى ما يتعدّى إليه "علم" بمعنى "عرف" المتعدّي إلى واحد، ويتعَدّى إلى اثنين بـ"الهمزة"، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ [الأحزاب: ٦٣]، فـ"لعلّ" عَلّقت الفِعْل عن المفعُول الثّاني.
قلتُ: أصلُ "درى" أنْ يتعَدّى بـ"الباء"، تقول: "دريت بزيد"، وقد تحذف على قلّة. فإذا أدخلت همزة النقل تعَدّى إلى واحد بنفسه وإلى آخر بحرف الجر؛ فتقول: "أدريت زيدًا بعمرو" (٣).
قلت: وعلى هذا إذا قلت: "أدريت زيدًا عمرًا" انتصب "عمرو" بإسقاط حرف الجر.
_________________
(١) = وانظر في القصة: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٥/ ٢٩٧)، و(٦/ ٢٤٢)، وتبصير المنتبه لابن حجر (٢/ ٦٤٠)، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين (٤/ ٢٧٥)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٢٨/ ٢٦٠)، (٤٨/ ٢٨٥)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٢/ ٩٥٥).
(٢) الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٣٥).
(٣) انظر: الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٣٥)، والعين (٨/ ٥٨)، ولسان العرب (١٤/ ٢٥٥)، وتاج العروس (٣٨/ ٤١)، وتهذيب اللغة للهروي (١٤/ ١١٠)، ومجمل اللغة (١/ ٣٢٣).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٧٩)، الصبان (٢/ ٣٢)، أوضح المسالك (٢/ ٣١)، شرح ابن عقيل (٢/ ٣٢)، شرح التصريح (١/ ٣٦٠).
[ ١ / ٨١ ]
وكذا قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]: إن ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ منصوبٌ بإسقاط حرف الجر (١).
وقوله: "أين باتت يده؟): "أين" هنا اسم استفهام، ويُقال فيها سؤال عن المكان، مبنية لتضمّنها معنى حرف الاستفهام (٢).
ونظيرها في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، قال أبو حيان: "ما" الأولى نافية، والثانية استفهامية، و"أدري" مُعلّق بها، وموضعها رَفْع بالابتداء، و"يفعل" الخبر، والجملة في موضع مفعول "أدري" المعلقة. (٣)
وأجاز الزمخشري في "ما" أن تكُون موصولة منصوبة. (٤)
وتعقب عليه بأنّ "ما" لو كانت موصولة لقَال: "بما يفعل"؛ لأن المشهور في "درى" أنه يتعدّى بـ"الباء"، كقوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٦]. وكثيرًا ما علقت "درى" في القرآن. والأولى أن تكون استفهامية. (٥)
[وتأتي] (٦) شرطًا مصحوبة بـ"ما" و"أين" غالبًا، نحو قوله: "أمّا ما". وهي
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٥٤)، والكشاف للزمخشري (٤/ ٥٩٨)، والتحرير والتنوير (٢٩/ ١١١)، وتفسير القرطبي (١٨/ ٢٥٧)، وأضواء البيان للشنقيطي (٨/ ٢٥٧).
(٢) انظر: اللمع لابن جني (ص/ ٢٢٨)، والإنصاف لابن الأنباري (٢/ ٥٢٩)، والكليات للكفوي (ص ٢٢٢).
(٣) انظر: البحر المحيط (٩/ ٤٣٥).
(٤) انظر: الكشاف للزمخشري (٤/ ٢٩٨)، والتحرير والتنوير (٢٦/ ١٧) وما بعدها.
(٥) انظر: البحر المحيط (٩/ ٤٣٥)، والكشاف للزمخشري (٤/ ٢٩٨)، واللباب لابن عادل (١٧/ ٣٨٣)، والتحرير والتنوير (٢٦/ ١٧) وما بعدها.
(٦) بالنسخ: "تأتي".
[ ١ / ٨٢ ]
مبنية، لتضمنها معنى حرف الشرط (١).
فـ"أين" هنا في موضع نصب بالفعل بعدها، نصب الظروف. ويحتمل أن تكون بمعنى "كيف"؛ فيكون موضعها حَالًا (٢) من "يده"، أي: "في أي حالة باتت يده".
وتقَدّم "أين" على العامل لما فيه من معنى الاستفهام.
و"أين" و"أنى" أخوات في الشرط والمكان، لكن يختلف المعنى إذا قدّرت "أين" بـ "كيف"، فتأمله (٣).
والجملة من قَوله: "أين باتت يده؟ " في محلّ مفعُول "يَدْري".
وعَلّق الاستفهام الفِعْل عن العَمَل فيه، لأنّ الاستفهام لا يَعْمَل فيه ما قبله، وقد تقَدّم.
واعلم أنّك تقُول: "أين زيد قائم؟ " و"قائمًا"، على أن يكون "زيد" مبتدأ، والخبر في الظرف الذى هو "أين"، فيكون فيه استقرار مقدّر ليتعلّق به الظرف، وحقّه أن يقدّر العامل مؤخرًا عن الظرف المتضمّن للاستفهام. فإن رفعت "قائمًا" كان خبرًا عن "زيد"، وكان "أين" منصوبًا به. وإن نصبت "قائمًا" نصبته على الحال من ضَمير الاستقرار في الخبر. (٤)
_________________
(١) راجع: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، الهمع (٢/ ٥٥٤).
(٢) انظر: فتح الباري (١/ ٢٦٤)، وعمدة القاري (٣/ ١٩، ٢٠).
(٣) انظر: شرح المفصل (٣/ ١٣١)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٨٠)، واللمع لابن جني (ص/ ٢٢٩)، همع الهوامع (٢/ ٥٤٦)، وشرح التصريح (٢/ ٣٩٨)، والصاحبي (ص ١٠١)، وأصار العربية ص ٢٦٨، وشرح الأشموني (٤/ ٩)، وشرح الشذور للجرجوري (٢/ ٥٩٩)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٧٤).
(٤) انظر: اللمع لابن جني (ص ٢٣٣).
[ ١ / ٨٣ ]
فلو قلت: "متى زيد قائم؟ " بالرفع جاز على ما تقرّر في "أين زيد قائم؟ ". وإنْ نصبت قائمًا لم يجز؛ لأنّ "متى" ظرْف زَمَان، وظرفُ الزّمَان لا يكُون خَبرًا عن الجثّة (١).
إذا ثبت ذلك: فـ"التاء" في قوله: "باتت" تاء التأنيث الدّالّة على تأنيث الفَاعِل.
وفي الإنسَان أعْضَاء مؤَنّثة لا يجوز تذكيرها، وهي: "اليد" و"العنق" و"الأذن" و"الكبد" و"الكرش" و"الورك" و"الضلع" و"الفخذ" و"الساق" و"القدم" و"العقب" و"العضد" و"الإصبع" و"الرِّجْل" و"الكف" و"العجز" و"الكراع" و"القِتب" -بالكسر، من أقتاب البطن، وهي الأمعاء- و"السن" و"اليمين" و"الشمال" (٢).
قوله: "وفي لفظ لمسلم": أي: "ورُوي في لفظ لمسلم"؛ فيتعلّق "في لفظ" بـ"رُوي". و"لمسلم" يتعلق بصفة، أي: "كائن لمسلم"، أو يتعلّق بـ "لفظ"؛ لأنه مصدر، ويحتمل أن يتعلّق بـ"روي" الذي يتعلّق به "في لفظ".
وعلى الوجهين الأخيرين لا يكون للمجرور تقدير كوني ولا استقرار.
أو يقدّر: "وجاء في لفظ"؛ فتكون الجملة بعده في محلّ فاعل، على أنه إسناد إلى اللفظ لا إلى مدلوله، وعلى الأوّل: في محلّ مفعول لم يُسمَّ فاعله (٣).
_________________
(١) انظر: شرح ابن عقيل (٤/ ٣٢)، وتوضيح المقاصد (٣/ ١٢٧٤)، واللمع (ص/ ٢٢٣)، وشرح التصريح (٢/ ٣٩٨) وما بعدها.
(٢) انظر: البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث ص ٢٦٨، شرح التصريح (٢/ ٤٨٨)، شرح الشافية (٣/ ١٤٩١، ١٨١٦).
(٣) انظر: حاشية الصنعاني على الإحكام (١/ ١٠٤).
[ ١ / ٨٤ ]
قوله: " [فليستنشق] (١) ": "الفاء" جَوابُ الشرط، و"اللام" لام الأمر، والفِعْل مجزوم بها.
والجمهورُ على تسكين "اللام" إجراءً له مجرَى "فعل" المكسُور "العَين" في تخفيفه، كـ"فخِذ" و"كتِف"، وكذلك كُلّ ما جاء منه في القرآن، نحو: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وكسر "لام" الأمر لُغَة مشهورة.
قال في "المجيد": ونقل صاحبُ "التسهيل" أنّ فتحها لُغة، وعيّن ابنه أنها لُغَة سليم، وقال: حكاها الفراء، وظاهر كلامهما الإطلاق في فتحها.
ونقل صاحب "الإعراب" -وهو أبو الحكم الخضراوي (٢) - عن الفرّاء أنّ من العَرب مَن يفتَح هذه "اللام" لفتحة " [الياء] (٣) " بعدها، قال: فلا تفتح إن انضم ما بعدها أو كسر (٤).
_________________
(١) بالنسخ: "فليستنثر".
(٢) أبو الحكم الخضراوي: هو الحسن بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن عمر بن عبد الرحمن بن عذرة الأنصاري الأوسي أبو الحكم الخضري، توفي لتسع بقين من رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة. انظر: بغية الوعاة للسيوطي (١/ ٥١٠)، وهدية العارفين (١/ ٢٨١)، معجم المؤلفين (٣/ ٢٣٥)، وكشف الظنون (١/ ٨١).
(٣) بالنسخ: "التاء".
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٩٨). وراجع: المخصص (٤/ ٢٣٠)، وتهذيب اللغة (١٥/ ٢٩٤)، تحفة المجد الصريح (١/ ٣٦٣)، وفقه اللغة للثعالبي ص ٢٤٥، وص صناعة الإعراب (٢/ ٦٣، ٦٦) وما بعدها، والصاحبي (ص ٧٦)، شرح التسهيل (٤/ ٥٧، ٥٨)، وشرح المفصل (٤/ ٢٦٣)، (٥/ ١٤٤)، والجنى الداني (ص ١١٠)، وكتاب اللامات (ص ٩٢)، واللباب في علل البناء (٢/ ٤٩)، وحروف المعاني والصفات (ص ٤٦)، وعلل النحو (ص ١٩٨)، والمفصل (ص ٤٥١)، وفتح المتعال على لامية الأفعال (ص ٢٧١).
[ ١ / ٨٥ ]
وليس المراد بقوله: ["يستنشق"] (١) الطّلَب، بل هو كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، بمعنى "أوقد نارًا" (٢)، ومثله: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] بمعنى: "غني" (٣).
وعدَّ الشيخ أبو حيّان للاستفعال اثني عشر معنى، انظرها في "المجيد" (٤).
وقوله: "بمنخريه": "الباء" باء الآلة، مثل: "نجرتُ بالقدوم" (٥).
و"من الماء" يتعلّق بـ "يستنشق". و"من" للتبعيض، أو لبيان الجنس (٦). ومحلّ "ليستنشق" رَفع، مفعُول لم يُسَم فاعله لـ "رُوِيَ" على الحكاية، أو رَفع على الفَاعِلية إن قدّرت "جَاء" (٧).
قوله: "وفي لَفْظ": تقَدّم قريبًا.
_________________
(١) بالنسخ: "يستنثر". والصواب المثبت.
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٢٢، ١٢٩)، والتحرير والتنوير (١/ ٣٠٢)، والدر المصون (١/ ١٥٤)، وتفسير القرطبي (١/ ٢١٣)، وتفسير البغوي (١/ ٩٠).
(٣) انظر: تفسير الخازن (٤/ ٣٠٢)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٥/ ٣١٨)، والبحر المحيط (٣/ ٤٣١).
(٤) انظر البحر المحيط (١/ ٤١)، وشرح المفصل (٤/ ٤٤١)، وشرح شافية ابن الحاجب (١/ ٢٦٤).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ١٣٩)، وشرح المفصل (٤/ ٤٧٣)، وشرح التسهيل (٣/ ١٥١)، وأوضح المسالك (٣/ ٣١)، وتوضيح المقاصد (١/ ٩٢)، والجنى الداني (ص ٤١)، والهمع (٢/ ٤٢٠).
(٦) لمعاني "من" انظر: شرح المفصل (٤/ ٤٦٠)، والمغنى لابن هشام (ص ٤٢٠)، واللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٤)، وشرح التصريح (١/ ٦٢٥)، وشرح الأشموني (٢/ ٧٠).
(٧) انظر: حاشية الصنعاني على الإحكام (١/ ١٠٤)، وكشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٤٤٩)، وفتح الباري (١/ ٣٩، ٤/ ١٦٠، ٦/ ٣٤٣).
[ ١ / ٨٦ ]
الحديث الخامس
[٥]: " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ". (١)
وفي رواية: "لا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِم وَهُوَ جُنُبٌ" (٢).
قوله: "لا يبُولَن": "لا" ناهية، و"يبُولَن" فِعل مُضَارع مُؤكّد بنون التأكيد، مجزُوم بالنهي محلًّا. والجملَة معمُولة للقَول، والقَول خَبر "أنّ"، و"أنّ" وما بعدها في محلّ مفعُول لم يُسَمّ فَاعِله لمتعَلّق حَرْف الجر (٣).
واعلم أنه متى اتّصل بالفعل المضَارع إحْدَى النّونات الثلاث -نونا التأكيد الشديدة والخفيفة، و"نون" جماعة المؤنث- بُنيَ.
وذَهب ابن مالك وطائفة إلى أنّ الحال كذلك ما لم يتّصل به ضَمير تثنية أو ضَمير جماعة المذَكّرين أو ضَمير الوا حِدة المخَاطبة، نحو: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: ٨٩]، و﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، و﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ (٤) [مريم: ٢٦] فتعرب؛ لأنّ فيها فاصِلًا مُقدّرًا بين "لام" الكلمة وبين "نون" التوكيد (٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣٩) في الوضوء، ومسلم رقم (٢٨٢) في الطهارة.
(٢) رواه مسلم (٢٨٣) في الطهارة.
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٧)، وشرح العيني على أبي داود (١/ ٢٠٥)، وشرح البخاري له (٣/ ١٦٨)، وشرح القسطلاني (١/ ٣٠٤)، وشرح ابن بطال (١/ ٣٥٢)، وشرح مسند أبي حنيفة للقاري ص ١٦٢، وسبل السلام للصنعاني (٣/ ٢٦).
(٤) بالأصل: "وإما".
(٥) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ١٧٤)، وشرح التسهيل (٢/ ٣٦٨، ٤/ ٢٤٥)، وشرح المفصل (٢/ ٣٠)، وحاشية الصبان (١/ ٩١)، وشرح التصريح (١/ ٥٢)، وهمع الهوامع (١/ ٧٢، ٢/ ٣٢٣)، وشرح ابن عقيل (١/ ٣٦، ٢/ ٢٨٣)، وشرح القطر (ص ٢٧).
[ ١ / ٨٧ ]
أمّا قوله سبحانه: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]: فمُعربة كذلك؛ لأنّ فيها فاصلًا مُقدّرًا بين "النون" الأولى التي هي "لام" الكلمة وبين "نون" التوكيد، فأصله: "ليسجنونه"، فاستثقل اجتماع ثلاث نونات؛ فحذفت "نون" الرفع، فالتقى ساكنان؛ فحذفت "الواو" لاعتلالها، وبقي التوكيد.
وأمّا ﴿تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: ٨٩]: فإن الفاصل ملفوظ به، وهو "الألِف" في: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس: ٨٩].
وزَعَم بعضهم أنّ المؤكّد بـ"النون" مُعرَب مُطلقًا، فهي إذًا [ثلاثة] (١) مذاهب. (٢)
ثم "نُون" التأكيد تختص بالأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والقَسَم. ويقلّ وقوعها مع النفي؛ [ولذلك] (٣) تأولوا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ﴾ [الأنفال: ٢٥]. (٤)
وكثر وقوعها في الفعل المضارع الوا قع بعد "إمّا"، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ (٥)
_________________
(١) بالنسخ: "ثلاث".
(٢) انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ٢٤٢)، والتحرير والتنوير (٤/ ١٨٩)، والبحر المحيط (٦/ ١٧٦)، والكتاب لسيبويه (٣/ ١١٠)، وشرح التصريح (١/ ٥٢، ٣٩٢)، وحاشية الصبان (١/ ٩١) وما بعدها، وتهذيب اللغة (١٥/ ٤٧٧).
(٣) غير واضحة بالأصل، ولعلها: (وكذلك). والمثبت من (ب).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٢١٠)، مغني اللبيب (ص ٥٦٣، ٨٩١)، شرح الأشموني (٣/ ١١٩)، شرح التصريح (٢/ ٣٠٣).
(٥) انظر فيما سبق عن نون التوكيد: حاشية الصبان (٣/ ٣٢٢)، وأوضح المسالك (٤/ ١٠٠)، وهمع الهوامع (٢/ ٦١٤)، وشرح ابن عقيل (٣/ ٣١٠، ٤/ ٣١٨)، وشرح التصريح (٢/ ٣٠٣)، وتوضيح المقاصد (٣/ ١١٧٧). وانظر في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾: تفسير القرطبي (١١/ ٩٧)، والبحر المحيط =
[ ١ / ٨٨ ]
[مريم: ٢٦]. (١)
وقوله: "أحدكم": مرفوع على الفاعلية. وتقَدّم في الحديث الثّاني القول في "أحَد".
وقوله: "في الماء الدّائم": حَرْفُ الجر يتعَلّق بـ"يبولنّ"، و"الدّائم" صفة للماء، تبعه في إعرابه وإفراده وتذكيره وتعريفه (٢).
وأصْلُ "الماء": "موه"؛ لأنهم يُصغرونه: "مويه"، ويجمعونه: "أمواه"، فلما تحرّكَت "الواو" في "موه" قُلبت ألِفًا؛ لتحرّكها وانفتَاح مَا قبلها، فلما اجتَمَع "الألِف" و"الهاء" -وهما حَرْفَان خَفيّان- قُلبت "الهاء" "همزة" (٣).
والألِف واللام فيه لبيان الجنس الحقيقي، لا الجنس الشّامل، ويجوز أن تكون للعَهْد الذّهني لا للعَهْد الخَارج.
_________________
(١) = (٧/ ٢٥٦)، وتفسير ابن جزي (١/ ٤٧٩)، والمحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ١١)، والكشاف للزمخشري (٣/ ١٤).
(٢) انظر: عقود الزبرجد (٣/ ١٤٦)، مغني اللبيب (ص ٨٧)، شرح المفصل (٥/ ١٦٨)، أوضح المسالك (١/ ٦٢)، شرح التصريح (٢/ ٣٠١).
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٧)، وإحكام الأحكام (١/ ٧٣)، والتمهيد (١٨/ ٢٣٥)، وحاشية السندي على ابن ماجه (١/ ٢١٠)، وحاشية السيوطي على النسائي (١/ ٤٩)، وشرح أبي داود للعيني (١/ ٢٠٦) وما بعدها.
(٤) انظر: رياض الأفهام للفاكهاني (١/ ٨٢)، وذخيرة العقبى (٥/ ٣٠٣)، واللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٢٩٨)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٣/ ٢٠٨)، والممتع الكبير لابن عصفور (ص / ٢٣٠)، وشرح التصريح (٢/ ٥٧٧)، وإسفار الفصيح (٢/ ٨٠١)، ولسان العرب (١٣/ ٥٤٣) وما بعدها، وتاج العروس (٣٦/ ٥٠٦) وما بعدها، والصحاح (٦/ ٢٢٥٠)، والمصباح (٢/ ٥٨٦)، وتهذيب اللغة (٦/ ٢٤٩)، جمهرة اللغة (٢/ ٩٩٤)، والمحكم والمحيط الأعظم (٤/ ٤٤٤)، ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ٢٨٦).
[ ١ / ٨٩ ]
وتجيء الألِف واللام لتعريف العَهد، وتعريف الجنس، وللحضور، وللمح الصفة، وزائدة، وبمعنى "الذي" و"التي"، وللغَلَبة. (١) وكُلّها تأتي بأمثلتها [مفرقة] (٢) حسب تفرّق مواضعها بعد.
قوله: "الذي لا يجري": صِفَة ثانية، وصِلَة "الذي" الفِعْل، والعَائدُ ضَميرُ الفَاعِل، وهي صِفَة مُؤكّدة، كقوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (٣) [الحاقة: ١٣]؛ لأنّ "الدائم" هو: الذي لا يجري (٤).
ويحتمل أن يكون المحلّ منصوبًا بفِعْل محذُوف خَرَج مخرَج البيان، أو مرفوعًا بتقدير "هو".
وقوله: "ثم يغتسل منه": يحتمل الرّفع والنّصب والجَزْم، فالجَزْم بالعَطْف على الفِعْل المجزُوم المحلّ.
قال جمالُ الدّين ابن مالك (٥): "ثُمّ" حملت على "الواو" في هذا الحديث، [وانتصب] (٦) " [يغتسل] (٧) " بإضمار "أن" بعدها، كما هو بعد "الواو".
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٧)، وشرح المفصل (٣/ ٣٤٩، و٥/ ١٣٨)، وحاشية الصبان (١/ ٢٥٧)، وأوضح المسالك (١/ ١٨٠)، وشرح الكافية (١/ ٣١٩) وما بعدها، واللامات للزجاجي ص ٤٣، والمغني لابن هشام (ص ٧٣)، وجامع الدروس العربية (١/ ١٤٧) وما بعدها، والتعليقة على سيبويه (١/ ٢١٢).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "معرفة".
(٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٥٧).
(٤) انظر: تاج العروس (٣٢/ ١٨٠)، والمصباح المنير (١/ ٢٠٤)، والنهاية لابن الأثير (٢/ ١٤٢)، وغريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ٢٢٤)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (ص ٣٧٠)، ومشارق الأنوار (١/ ٢٦٣).
(٥) انظر: شرح الكافية (٣/ ١٦٠٧)، وشرح التسهيل (٤/ ٤٥)، والمغني لابن هشام (ص ١٦١).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) بالنسخ: "يغسل".
[ ١ / ٩٠ ]
قال: ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (١) بالنصب، قُرئ بالرّفع والنّصب والجزْم. (٢)
قلتُ: أمّا الجزم فبالعَطْف على "يخرج". وأمّا الرّفع: فعلى أنّه خَبر مُبتدأ محذُوف، أي: "ثُمّ هو يُدْرِكُه"، وفيه عَطف الجمْلَة الاسمية على الجمْلَة الفِعْلية الشّرطيّة (٣).
قَالَ أبو حيّان: وعليه حمل يُونس قول الأعشى:
إِنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الْخَيْرِ عَادَتُنَا أَوْ تَنْزِلُونَ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُزُلُ (٤)
أي: "أو أنتم تنزلون". (٥)
_________________
(١) سورة [النساء: ١٠٠]. وقد قرأ الجماعة بالجزم عطفا على يَخْرُجْ. وقرأ طلحة بن سليمان وإبراهيم النخعي فيما ذكر أبو عمرو برفع الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثم هو يدركه الموت. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وقتادة ونبيح والجراح بنصب الكاف وذلك على إضمار "أن". انظر: تفسير ابن عطية (٢/ ١٠٢).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٢٠).
(٣) انظر: الدر المصون (٤/ ٨٤)، وتفسير ابن عطية (٢/ ١٠٢)، واللباب لابن عادل (٦/ ٥٩٩)، وحاشية الشهاب على البيضاوي (٣/ ١٧٠)، وتفسير الخازن (١/ ٢٦)، وإعراب القرآن وبيانه (٢/ ٣٠٧).
(٤) البيت من البسيط، وهو للأعشى. ويُروى فيه: قالوا الطراد فقلنا: تلك عادتنا أو تنزلون فإنا معشر نزل انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ٢١٩)، وخزانة الأدب (٨/ ٥٥٢، ٥٥٣)، المعجم المفصل (٦/ ٢٢٣).
(٥) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٤)، الدر المصون (٣/ ٥٤٧)، واللباب لابن عادل (٦/ ٥٩٩)، المحرر الوجيز لابن عطية (٢/ ١٠٢)، وغرائب التفسير وعجائب التأويل (٢/ ١٠٤٣)، التعليقة على كتاب سيبويه (٢/ ١٦٦)، شرح جمل الزجاجي (١/ ٤٥٦)، المحتسب (١/ ١٩٥)، الصاحبي (ص ٢١٤).
[ ١ / ٩١ ]
قَالَ: وخرّج على أنّ رفع "الكَاف" منقولٌ من "الهاء"، كأنّه أرَاد أنْ يقف فنقل، كقوله:
عَجِبْتُ وَالْدَّهْرُ كَثِيْرٌ عَجَبُه مِنْ عَنَزِيَ سَبَّنِي لَمْ أَضْرُبهُ (١)
فنقل حركة "الهاء" إلى "الباء" المجزومة (٢).
وأمّا قراءة النّصب: فعلى إضمار "أن"، كقوله:
وَيَاْوِي إِلَيْهَا الْمُسْتجِيرُ [فَيُعْصَمًا] (٣)
قال ابنُ جني: وليس هذا بالسّهل، وجَاء به الشِّعر لا القُرآن، ومنه:
يسَأَتْرُكُ مَنْزِلِي ليَنِي تَمِيمٍ وَأَلْحَقُ بِالحجَازِ فَأَسْتَرِيحَا (٤)
_________________
(١) البيت من الرجز، وهو لزياد الأعجم. انظر: شرح المفصل (٥/ ٢١٤)، ولسان العرب (١٢/ ٥٥٤)، والصحاح (٥/ ٢٠٣٣)، واقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر (ص ١٢٨)، والكامل للمبرد (٢/ ١٢١)، وشرح شافية ابن الحاجب للرضي (٤/ ٢٦١).
(٢) انظر: سر صناعة الإعراب (٢/ ٦٨)، وإيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٤٠٠)، والكشاف للزمخشري (١/ ٥٥٧)، وتفسير أبي السعود (٢/ ٢٢٤)، واللباب لابن عادل (٦/ ٥٩٩)، والبحر المحيط (٢/ ٣١٦)، والتفسير البسيط (٢٤/ ٣٠١)، شرح الأشموني (٤/ ١٠).
(٣) بالأصل: "فيقصما". والبيت من الطويل، وهو للأعشى، ونُسب لطرفة بن العبد، وصدره: "لنا هضبة لا ينزل الذل وسطها". انظر: لسان العرب (٣٠/ ٤٢٧)، والمحكم لابن سيده (٦/ ٤٥٧)، وخزانة الأدب (٨/ ٣٣٩)، ومعاني القرآن للأخفش (١/ ٧٣)، والمعجم المفصل (١/ ١٢٤)، (٧/ ٨٢).
(٤) البيت من الوافر، ونُسب إلى المغيرة بن حسنين الحنظلي. انظر: المقتضب (٢/ ٢٤)، =
[ ١ / ٩٢ ]
قال أبو حيّان: والآية أقوَى من هذا؛ لتقدّم الشّرط قبل [المعطوف] (١). (٢)
قلتُ: أراد أنّ الشّرط قد جَاء النصب في العَطْف على جَوابه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] على قراءة النصب (٣).
قال جمالُ الدين ابن هشام: أجَاز ابن مالك الثلاثة أوجُه في "يغتسل منه"، الرفع بتقدير "هو"، وبه جاءت الرّواية، والجزم للعَطْف على موضع فِعْل النهي والنصب. (٤)
قال ابن مالك: فأعطى "ثُم" حكم "واو" الجمع (٥).
_________________
(١) = وشرح السيرافي (٣/ ٢٠٩)، وأمالي بن الشجري (١/ ٢٧٩)، وارتشاف الضرب (ص ٢٥٥)، وإيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٤٣٧). وانظر في الشاهد من البيت: معاني القرآن للأخفش (١/ ٧٣)، والكشاف للزمخشري (١/ ٥٥٧)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٤٣٥٦)، والتعليقة على الكتاب (٢/ ١٥٦)، وهمع الهوامع (٢/ ٣٨٦)، وشرح التسهيل (٤/ ٤٤٦)، وشرح الكافية (٣/ ١٥٥٠)، واللمحة (٢/ ٧٨٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٤، ٤٥)، ومغني اللبيب (١/ ١٦١)، وهمع الهوامع (٢/ ٤٠٠)، شرح التصريح (٢/ ٤٠٩)، وتوضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٨٦)، وشرح الشذور للجوجري (٢/ ٦٢٧).
(٤) انظر: الكشاف للزمخشري (١/ ٣٣٠)، البحر المحيط (٢/ ٧٥٠)، والتحرير والتنوير (٣/ ١٣١)، والدر المصون (٢/ ٦١٢)، واللباب لابن عادل (٤/ ٤٢٧)، ومعاني القرآن للأخفش (١/ ٦٧)، والجليس الصالح الكافي (ص ٤٢٤).
(٥) مغني اللبيب (ص ١٦١).
(٦) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٤٤٥)، وشرح الكافية (٣/ ١٦٠٧)، حاشية الصبان (٣/ ٤٤٨، ٤٥١)، والمغني (ص ١٦١)، وهمع الهوامع (٢/ ٤٠٠)، وشرح التصريح (٢/ ٤٠٩)، وتوضيح المقاصد (٣/ ١٢٨٦)، وشواهد التوضيح (ص ٢٢٠)، وسبل =
[ ١ / ٩٣ ]
قال ابن هشام: فتوهّم تلميذه أبو زكريا النووي -﵀- (١) أنّ المراد:
[إعطاؤها] (٢) حكمها في [إفادة] (٣) معنى الجمع؛ فقال: لا يجوز النصب؛ لأنه يقتضي أنّ المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما. وهذا لم يقُله أحَد، بل القول منهيٌّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا، وإنما أراد ابن مالك إعطاء حُكمها في النصب لا في المعيّة (٤).
قال القرطبي: بعض الناس أجاز: "ثم يغتسل منه" بجَزم "اللام" على العطف على "يبولن"، وهذا ليس بشيء؛ إذ لو أراد ذلك لقال: "ثم لا يغتسلن"؛ لأنه إذ ذاك عطف فعل على فعل، لا عطف جملة على جملة، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة الفعلين في النهي عنهما وتوكيدهما بـ"النّون" المشدّدة، فإنّ المحلّ الذي توارَدَا عليه هو شيء واحِد، وهو "الماء".
فعُدُوله عن "ثم لا يغتسلن" دَليلٌ على أنّه لم يُرد العَطف، وإنما جاء "ثم يغتسل" على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: "أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله لما أوقع فيه من البول".
وهذا مثل قوله -﵇-: "لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يُضاجعها" (٥)
_________________
(١) = السلام للصنعاني (١/ ٢٦)، وعقود الزبرجد (٣/ ١٤).
(٢) شرح مسلم للنووي (٣/ ١٨٧)، وفتح الباري (١/ ٣٤٧).
(٣) بالنسخ: "أعطاها". والمثبت من المصدر.
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٥) مغني اللبيب (ص ١٦١). وانظر: إحكام الأحكام (١/ ٧٢) وما بعدها، وعمدة القاري (٢/ ١٦٧) وما بعدها، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٠٧)، وشواهد التوضيح (ص ١٦٢).
(٦) متفقٌ عليه: أخرجه البخاري (٥٢٠٤، ٦٠٤٢)، ومسلم (٢٨٥٥/ ٤٩)، من حديث عبد الله بن زمعة -﵁-.
[ ١ / ٩٤ ]
[برفع] (١) "يُضاجعها"، ولم يروه أحَد بالجزم ولا تخيله فيه؛ لأنّ المفهُومَ منه إنما نهاه عن ضَرْبها؛ لأنّه يحتاج إلى مُضَاجَعتها في ثاني حَال، فتمتنع عليه لمَا أساء عِشْرتها (٢).
قوله: "وفي رواية": أي: "وجاء في رواية"، فيتعلّق حَرْف الجر بالفِعْل. ويكُون قوله: "لا يغْتَسل أحَدكم إلى آخره" فَاعل "جَاء" من باب الإسناد إلى اللفظ لا إلى المدلول.
قوله: "لا يغْتَسِل أحَدكم": يحتمل النّهي؛ فيكون الفعلُ مجزومًا. ويحتمل الرّفع على أنّ "لا" نافية. والاعتمادُ على الرواية. والنفي بمَعنى النهي (٣).
قوله: "وهو جُنب": جملة من مُبتدأ وخبر، في محلّ الحال من "أحَدكم"، وجَاء الرّبط بين الحال وصَاحبه بـ"الواو" والضّمير، وهو الأفصح (٤).
و"جُنب": اسم جَرَى مجرَى المصْدَر؛ فيقَدّر هنا: "وهو ذو جَنَابة"؛ لأنّ المصَادر لا تكُون أخبارًا عَن الجثَث (٥).
قَالَ الزّمخشري: "الجُنُب" يسْتَوي فيه الواحِد والجمْع والمذكّر والمؤنّث؛ لأنّه
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فيرفع".
(٢) انظر: رياض الأفهام (١/ ٨٤، ٨٥). وانظر: فتح الباري (١/ ٣٤٧)، وعُمدة القاري (٢/ ١٦٧)، والمفهم (٤/ ١٧)، وشرح أبي داود للعيني (١/ ٢٠٧)، والعرف الشذي (١/ ١٠١)، وطرح التثريب (٢/ ٣٠)، وتحفة الأحوذي (١/ ١٨٦)
(٣) انظر: فتح الباري (١/ ٣٤٧)، والعرف الشذي (١/ ١٠١)، وطرح التثريب (٢/ ٣٠)، وإحكام الأحكام (١/ ٧٣)، وشرح مشكاة المصابيح للطيبي (٣/ ٨٢٥).
(٤) انظر: شرح المفصل (٢/ ٧)، وشرح التسهيل (٢/ ٣٦٠) وما بعدها، والصبان (٢/ ٢٨١) وما بعدها، وأوضح المسالك (٢/ ٢٩٠)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٢٨١)، وشرح التصريح (١/ ٦١٢)، وجامع الدروس (٣/ ١٠٣).
(٥) انظر: نتائج الفكر (ص/٣٢٨)، واللمع (ص ٢٨)، وعلل النحو (ص ٢٣٣)، والأصول في النحو (١/ ٦٣).
[ ١ / ٩٥ ]
جَرَى مجرَى المصْدَر، وهو "الاجتناب". (١)
قَالَ أبو حيّان: هَذا هو المشهُور الفَصيح، وجاء جمعه بالواو والنون؛ قالوا: "قوم جنبون". وكسّروه فقالوا: "أجْنَاب". وثنّوه فقالوا: "جنبان" (٢).
الحديث السادس:
[٦]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قال: [قال رَسُولُ اللهِ -ﷺ-] (٣): "إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي الإنَاءِ فاغْسِلُوه سَبْعًا أولَاهُن بالترَاب" (٤).
وفي رواية: "إحْدَاهُن بِالتُّرَابِ".
وفي رواية: "فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ" (٥).
قوله: "إذا شرب": تقَدّم القَول على "إذا" في الثّاني من أوّل الكتاب، وعلى مُتعلّق المجرور.
والألِف واللام في "الكَلب" يحتمل أنْ تكُون للجنس في جميع الكلاب. ويحتمل أن تكُون للعَهد، وهي الكلاب غير المأذون في اتخاذها.
_________________
(١) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ٥١٤)، والبحر المحيط (٣/ ٦٥٠)، والفائق في غريب الحديث (١/ ٢٣٨)، وأساس البلاغة (١/ ١٥٠).
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ١٥١). وراجع: لسان العرب (١/ ٢٧٩)، وتاج العروس (٢/ ١٨٩)، وتهذيب اللغة (١١/ ٨١)، والقاموس المحيط (ص ٦٩)، والصحاح (١/ ١٠٣)، ومجمع بحار الأنوار (١/ ٣٩٦).
(٣) سقط من الأصل. والمثبت من (ب).
(٤) رواه البخاري (١٧٢) في الوضوء، ومسلم (٢٧٩) (٩٠) في الطهارة.
(٥) تنبيه: هذه الرواية عند مسلم (٢٨٠/ ٩٣) من حديث عبد الله بن مغفل، ويوجد اختلاف في ألفاظ الأحاديث المثبتة هنا عن التي في متن العمدة. فراجعها.
[ ١ / ٩٦ ]
ويُروَى: "إِذَا وَلَغَ" (١) بفَتْح "اللام"، وفيه لُغَة بكَسْرها.
واختُلف (٢) هَل الشّرب والولُوغ بمعنى؟
فقيل: "وَلَغ": "أدْخَل لسانه في الإناء ولحسه، شرب أو لم يشرب، كان فيه ماء أو لم يكن"، بخلاف الشرب (٣).
قَالَ في "الصّحاح": ليس شيء من الطير يلغ غير الذباب. وحكى أبو زيد: "وَلَغ الكَلبُ في شَرابنا"، و"بشرابنا" و"من شرابنا" (٤).
وقوله: "في الإناء": يتعلّق بـ "شرب" أو "ولغ"، وتقَدّم القول على "في" في الحديث الرابع.
و"الفاء" في قوله: "فاغسله" جَوابُ "إذا". والعَامِلُ في الظّرف فِعْله أو جَوابه على ما تقَدّم بيانه قَريبًا.
وقوله: "سبعًا": مصْدَر؛ لأنّه عَدد "غسلات"، وهي جمع "غسلة"، وعَدَدُ المصدر مَصدَر (٥).
_________________
(١) صحيحٌ: مسلم (٨٩/ ٢٧٩).
(٢) كتب بهامش الأصل أمامها: "فائدة".
(٣) انظر: فتح الباري (١/ ٢٧٤)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٤)، وطرح التثريب (٢/ ١٢٨)، والمخصص (٨/ ٨٤)، وإسفار الفصيح (١/ ٣٤٠)، ولسان العرب (٨/ ٤٦٠)، وتاج العروس (٢٢/ ٥٩٣) وما بعدها، والقاموس المحيط (ص/ ٧٩٠)، والصّحاح (٤/ ١٣٢٩).
(٤) انظر: الصحاح للجوهري (٤/ ٣٢٩). وراجع: المصباح المنير (٢/ ٦٧٢)، والنهاية لابن الأثير (٥/ ٢٢٦)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٤٧)، تفسير غريب ما في الصحيحين (ص ٣٢٣)، ومجمل اللغة (١/ ٩٣٧)، والمحكم والمحيط الأعظم (٦/ ٦٤)، وتحفة المجد الصريح (ص ١١٤ وما بعدها).
(٥) حاشية الصبان (٢/ ١٦٤)، وشرح الكافية الشافية (٢/ ٦٥٦)، والمقدمة الجزولية =
[ ١ / ٩٧ ]
وقوله: "أولاهُن بالتراب": مُبتدأ، والخبر في المجرور، وإنما لم يظهر الإعراب في المبتدأ لأنه مقصُور، والإعرابُ يكون في التقدير من الأسماء فيما آخره "ألِف" وهو المقصور، وفيما أضَافه المتكلّم إلى نفسه، وفيما آخره "ياء" قبلها كَسرة في حالتي الرّفع والجر، وفيما عدا ذلك يكون لفظًا، ويلحق به نحو: "مسلميّ" رفعًا (١).
و"أولى" تأنيث "أوّل" (٢)، فهو أفعل التفضيل. ويجيء الكلام عليه مُستوفى في الحديث الثّاني من "باب القراءة في الصلاة".
والتقدير: "أولاهن غسلة بالتراب" (٣).
وجاء: "أولاهُن التراب" (٤) بإسْقَاط الخافِض. ومنه: "أمرتُك الخير" و"أمرتُك بالخير". (٥)
_________________
(١) = (١/ ٨٥)، وجامع الدروس العربية (٣/ ٣٢)، والنحو الوافي (٢/ ٢١٢).
(٢) انظر: الصبان (١/ ١١٦، و٢/ ٤٢٥)، وشرح التسهيل (١/ ٤٩)، وشرح الكافية الشافية (٤/ ١٧٥٩، ١٩٨٢)، وشرح قطر الندى (ص ٥٦)، وهمع الهوامع (٣/ ٣٤٦)، وشرح ابن عقيل (١/ ٨١) وما بعدها، وشرح التصريح (١/ ٤٨)، (٢/ ٨٠٠)، وشرح الشذور للجوجري (١/ ٢١٥)، والمفصل (ص ١٦٢).
(٣) انظر: شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٩٠)، وشرح المفصل (٤/ ٨٠)، والمنصف لابن جنى (ص ٢١٩)، والمصباح (١/ ٢٩).
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٥)، وفتح الباري (١/ ٢٧٦)، والمصباح (١/ ٢٩)، وسبل السلام (١/ ٣١)، وطرح التثريب (٢/ ١٢٧)، وتحفة الأحوذي (١/ ٢٥٣)، ونخب الأفكار (١/ ١٧٢)، والاستذكار (١/ ٢٠٦).
(٥) لم أقف عليه.
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٠٣، ٤٥٦)، (٢/ ٣٤٣)، (٦/ ١١٢)، (٩/ ٤٣٨)، اللباب لابن عادل (١/ ٤٤٩)، إرشاد الساري (١/ ٧٨)، (٨/ ٢٧٥)، شوا هد التوضيح (ص ٢٥٣)، الكتاب لسيبويه (١/ ٣٧ وما بعدها)، المقتضب (٢/ ٣٥ وما بعدها، ٣٢١)، الأصول في النحو (١/ ١٧٧ وما بعدها)، المفصل (ص ٣٨٧، ٣٨٨)، شرح المفصل =
[ ١ / ٩٨ ]
قال ابنُ مالك: في الحديث: "كَان يَأمر الغَريمَ يُحبَس" (١)، أي: "بالغَريم أنْ يحبَس". (٢)
فإن قلت: لا يتمّ الاستدلال مع أمر؛ لأنه [لا يتعدّى] (٣) بالحرف وبنفسه.
قلتُ: فقد قال ابن مالك: جاء في الصحيح: "صَلاةُ الرَّجُلِ في الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ في بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْس وَعِشْرِين دَرَجَة" (٤)، المراد: "بخمس"، لكنه أبقى العمل بعد الحذف، وهو قليلٌ. انتهى. (٥)
والمختارُ عندهم عند سقوط الخافض النصب (٦)، ومنه قولهم في إعراب:
_________________
(١) = (٤/ ٥١٤ وما بعدها)، نتائج الفكر (ص ٢٥٥، ٢٥٩، ٢٦٠)، اللمحة (١/ ٣٢٥ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢ وما بعدها)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٤٧٧)، خزانة الأدب (١/ ٣٣٩)، (٩/ ١٢٣)، الهمع للسيوطي (٣/ ١٣ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٩٣ وما بعدها)، المنصوب على نزع الخافض في القرآن، المؤلف: إبراهيم بن سليمان البعيمي، الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: العدد ١١٦، السنة ٣٤، ١٤٢٢ هـ / ٢٠٠٢ م، (ص ٢٦١ إلى ص ٣٢٦)، النحو المصفى (ص ٦٣٥).
(٢) أصل الأثر: "كان شريح يأمُرُ الغريم أن يُحبسَ إلى سارية المسجد"، أخرجه البخاري في صحيحه مُعلّقًا (١/ ٩٩، باب الاغتسال إذا سلم وربط الأسير أيضًا في المسجد).
(٣) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٥٣).
(٤) كذا بالنسخ.
(٥) صحيحٌ: البخاري (٦٤٧) من حديث أبي هريرة، وبلفظه عند ابن أبي شيبة في مصنفه (٨٤٠١).
(٦) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٥٤).
(٧) انظر: الكتاب (١/ ٣٧، ٤/ ١٩)، وشرح المفصل (٤/ ٥١٤) وما بعدها، ونتائج الفكر ص ٢٦٠، وهمع الهوامع (٣/ ١٦)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٥٧)، واللمحة (١/ ٣٢٧)، والأصول في النحو (١/ ١٧٩)، والخصائص لابن جنى (١/ ٢٨٥).
[ ١ / ٩٩ ]
﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢]: أنّه في محلّ نصب بإسقاط حَرْف القَسَم (١).
والعَرَبُ تقول: "اللهَ لأفعلن" بالنصب. (٢)
ومما جَاء مجرورًا قولهم: "خَيرٍ" بالجر في جَوابِ مَن قَال: "كيف أصْبَحْت؟ " (٣).
إذا ثبت ذلك: فالجُمْلة مِن المبتدأ والخبر في محلّ نصب صِفَة لـ "سبعًا"، فإنّ المراد: "مُبتدأة بالتراب" (٤).
قوله: "وفي رواية": تقَدّم أنّ حَرْف الجر مُتعَلّق بفِعْل محذُوف، أي: "جَاء في رواية"، ويكون " [إحْدَاهُن] (٥) بالترَاب" الفَاعِل على الحكَاية والإسناد إلى اللفظ.
قوله: "وفي رِوَايةٍ: فاغْسِلُوه سَبْعًا": الإعرابُ كالذي قبله. و"الفاء" في "فاغسِلُوه" جَوابُ للشرط المقَدّر.
_________________
(١) انظر: الكشاف (١/ ٣٢) وما بعدها، والمحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٨٣)، والبحر المحيط (١/ ٦١) وما بعدها، واللباب لابن عادل (١/ ٢٦٢)، والتحرير والتنوير (١/ ٢١٩) وما بعدها.
(٢) انظر: المقتضب (٢/ ٣٢١).
(٣) انظر: الكتاب (٣/ ٤٩٨)، وشرح التسهيل (٣/ ١٩٩)، وشرح المفصل (٢/ ١٩٨)، والصبان (٢/ ٣٥١)، وأوضح المسالك (٣/ ٦٧)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٨٦٥)، وسر صناعة الإعراب (١/ ١٤٣)، وأمالي ابن الشجري (١/ ٢٨٢)، وجامع الدروس العربية (٣/ ١٩٦).
(٤) انظر: فتح الباري (١/ ٢٧٦)، شرح مسلم للنووي (٣/ ١٨٥) وما بعدها، والتمهيد (١٨/ ٢٧١)، وطرح التثريب (٢/ ١٢٩)، وعمدة القاري (٣/ ٤٠) وما بعدها.
(٥) بالأصل: "إحديهن".
[ ١ / ١٠٠ ]
وفي رواية: "إذا وَلَغ الكَلبُ فاغسِلُوه" (١).
وقوله: "وعَفّروه": الفِعلُ في "عَفر" مخففًا: "يَعفِر عفرًا"، ومن (عفَّر): "يعفِّر تعفيرًا" (٢).
وقوله: "الثامنة": أي: "في الثامنة"؛ فيجيء فيه ما تقَدّم من تقدير الخَافِض، ويجوز أن تكُون "الثّامنة، بَدَلًا من الضّمير، أي: "عَفّروه الثّامنة بالتراب" (٣).
فإن قُلت: لو قَال: "وعفّروه الثّامنة" لعُلم أنّه بالتراب؛ لأنه لا يكون التعفير إلا به.
والجوابُ: أنّ "عفر" تضَمّن معنى فِعْل آخَر، وهو الخَلْط، أي: "اخلطوا الغَسْلة الثامنة بالتراب"؛ فلو لم يأت التركيب هكذا لتوهّم أنّ "التعفير" بغير خَلط بالماء.
وقد أضَاف ابن دُريد "العَفر" إلى "التراب" في قوله:
هُمُ الأُلَى إنْ فَاخَرُوا قَالَ الْعُلَى بفي امرئ فآخركم عَفْرُ الْبَرَى (٤)
فأضاف "العَفر" إلى "البرا"، و"البرا": "التراب"، والشيء لا يُضَاف إلى نفسه، لكنه لما كان "العفر": "تراب يخالط لونه غيره"، فتجب الإضافة؛ لأنه أخَصّ من
_________________
(١) صحيحٌ: مسلم (٢٨٠/ ٩٣)، من حديث ابن الْمُغَفَّلِ.
(٢) انظر: العين (٢/ ١٢٢)، ولسان العرب (٤/ ٥٨٣)، وتاج العروس (٣/ ٨٣)، والصحاح (٢/ ٧٥١).
(٣) راجع: نُخب الأفكار (١/ ١٨٧).
(٤) البيت من الرجز. وهو من مقصورة ابن دريد. انظر: شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٤/ ٥٠٧)، المطالع النصرية للمطابع الأميرية (ص/ ٣١٢)، وجواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب (٢/ ٤٠١، ٤٠٨).
[ ١ / ١٠١ ]
"البرا" (١). (٢)
واعلم أنّ "الثّامنة" في الحديث صِفَة لمحذُوف تقديره: "الغَسْلَة الثّامنة"، وهو [هنا] (٣) اسم الفَاعِل من فعله، وهو "ثمن"، كـ"خامس" "خمس"، و"رابع" من "ربع"، ولذلك يجب أن يُذكَّر مع المذكّر، ويُؤَنّث مع المؤنّث.
إذا ثبت ذلك: فلك في استعماله ثلاثة أوْجُه: -
أحدها: إفراده وتجريده، فتقُول: "ثاني"، "ثالث"، "ثان".
الثاني: أن تستعمله مع أصله ليُفيد أنّ الموصوف به بعض العَدد؛ فتقول: "خامس خمسة"، "ثامن ثانية"، أي: "بعض المعدود". ويجب إضافته إلى أصله، قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠].
الثالث: أن يضاف إلى ما هو دون أصله ليفيد معنى التصيير؛ فتقول: "هذا رابع ثلاثة"، أي: "جاعل الثلاثة أربعة"، وكذلك: "ثامن سبعة"، أي: "مصير السبعة ثمانية"، قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، ويجوز حينئذٍ إضافته وإعماله.
كما يجوز الوجهان في جاعل ومُصيّر، فيقرر بذلك أن أصل "ثامن": "ثمانية" إن كان فعله "ثمن".
ولفظ "ثمان" من الأسماء المنقوصة، آخره "ياء"، قبلها كسرة، وقد تكرّر ذلك
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٢١٨)، وحاشية الصنعاني على إحكام الأحكام (١/ ١٦١)، وشرح العيني على أبي داود (١/ ١٣٢). وانظر معنى "البرا" في: الصّحاح (٦/ ٢٢٧٩)، والمحكم، لابن سيده (١٠/ ٣٥٧)، ومشارق الأنوار (١/ ٨٢).
(٢) كتب بالهامش أمامها: "بلغ مقابلة".
(٣) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
[ ١ / ١٠٢ ]
في الأحاديث وفي كلام العرب، ووقع منه في تركيب الكلام ما يخالف أصله وبناءه. (١)
قال في "الصّحاح": هو في الأصل منسوبٌ إلى "الثمن"؛ لأنه الجزء الذي صَيّر السبعة "ثمانية"؛ فهو ثُمنها، ثم فتحوا أوّله؛ لأنهم يغيرون في ياء النسب -كما قالوا: "دهريّ" و"سهليّ" بالضم- ثم حذفوا منه إحْدى ياءَي النّسَب، وعوضوا منها "الألِف"، كما فعلوا في المنسوب إلى "اليمن". (٢)
قلتُ: يريد أنّ الأصل أن يُقال: "ثمني" كـ"يمني"، فلما حذفت إحدى الياءين عُوض منها "الألِف"؛ فقيل: "ثماني" كـ"يماني"، فصار في حكم المنقوص الذي آخره "ياء" قبلها كسرة، وتسقط "الياء" مع التنوين -كما تسقط مع تنوين "قاضٍ"- وتثبت في حال النصب، كالمنقوص؛ فتقول: "رأيت ثماني رجَال". وليس هو كـ"جوارٍ" جمع "جارية"؛ لأنه لا ينصرف، فالتنوين فيه تنوين عوضٍ، والتنوين هنا تنوين صرف. (٣)
قال في "الصّحاح": وأمّا قول الشّاعر:
ولقد شرِبْتُ ثَمانِيًا وثَمانِيا وثمانَ عَشْرَةَ واثْنتَيْنِ وأربَعَا (٤)
_________________
(١) راجع: الكتاب (٣/ ٥٦١)، والأصول في النحو (٢/ ٣٣٢)، وهمع الهوامع (٣/ ٢٦٢)، شرح الفصل (٤/ ٣٢)، شرح قطر الندى (ص / ٣١١)، وشرح التصريح (٢/ ٤٦٧)، والجزولية (١/ ١٧٥)، وشرح التسهيل (٢/ ٤١٣)، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٦٢).
(٢) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠٨٨).
(٣) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٠١).
(٤) البيتُ من الكامل، وهو للأعشى. انظر: الشعر والشعراء (١/ ٢٥١)، ولسان العرب (١٣/ ٨١)، والقاموس الحيط (ص ١١٨٥)، وتاج العروس (٣٤/ ٣٣٦)، والمعجم المفصل (٤/ ١٩٥).
[ ١ / ١٠٣ ]
فكان حقه أن يقول: "ثماني عشرة"، وإنّما حذفت "الياء" على لُغة مَن يقول: "طوال الأيد". (١)
قلت: ووقَع في الحديث من حديث أبي برزة -﵁- قال: "غَزَوْتُ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أو ثَمَانِيَ" (٢) بإثبات "الياء"، وهو مُشكِل على هذه القاعدة؛ لأنّ الواجبَ أن يقول: "أو ثمانيًا" بالتنوين.
قال ابنُ مالك: يتخرّج في ذلك ثلاثة أوْجُه: -
أحدها: وهو أجْوَدها أن يكون أراد: "أو ثماني غزوات"، ثم حذف المضاف إليه، وأبقى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف، لدلالة ما تقَدّم من مثل المحذُوف، وهَذا من الاستدلال بالمتقَدّم على المتأخّر، وهو في غير الإضافة كثير، كقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
الوجه الثاني: أن تكون الإضافة غير مقصُودة، وترك التنوين لمشابهة "جوارٍ" لفظًا ومعنى. أمّا اللفظ: فظاهر. وأمّا المعنى: فلأن "ثمانٍ" وإن لم يكن له واحد من لفظه فإنّ مدلوله جمع، وقد اعتبر مجرد الشبه اللفظي في "سراويل"، فأُجريَ مجرَى "سرابيل"؛ فلا يستبعد إجراء "ثمان" مجرى "جوارٍ".
الوجه الثالث: أن يكون في اللفظ "ثمانيًا" بالنصب والتنوين، إلا [أنه] (٣) كُتب على اللغة [الربيعية] (٤)، فإنهم يقفون على المنوّن المنصُوب بالسكُون؛ فلا يحتاج
_________________
(١) انظر: الصّحاح (٥/ ٢٠٨٩). وراجع: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٧٤)، وتصحيح التحريف (ص ١٩٨)، ودرة الغواص (ص ١٤٤)، وشرح أدب الكاتب لابن قتيبة (ص ١٨٨)، وعمدة الكتاب (ص ٤٥٩).
(٢) صحيحٌ: البخاري (١٢١١)، من حديث أبي برزة.
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٤) في المصدر: "الربعية".
[ ١ / ١٠٤ ]
الكاتب على لُغتهم إلى "ألِف"؛ لأنّ مَن أثبتها في الكتابة لم يُراع إلا جانب الوقْف، فإذا كان يحذفها في الوقف لزمه أن يحذفها خَطًّا. (١)
وقد قيل ذلك في قوله: "إنّ الله حَرّم عليكم عُقوق الأمّهات ووَأد البنَات ومَنَع وهَات" (٢)، أي: "ومنعًا" بحذف "الألِف"؛ لما ذكرت لك (٣).
الحدِيث السّابع:
[٧]: " عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمانَ دَعَا بِوَضُوءِ، فأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إنَائِهِ، فَغَسَلَهُما ثَلاثَ مَرَّاتِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ في الْوَضُوءِ، ثُمَّ تمضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَيْهِ إلَى المرْفَقَيْنِ ثَلاثَا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رسول الله -ﷺ- تَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتين، لا يحدِّثُ فِيهما نَفْسَهُ غَفَر الله لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٤).
_________________
(١) قوله: "مولى عثمان": صفة لـ"حمران"، ويجوز أن يكون بَدَلًا. و"حمران" و"عثمان" لا ينصرفان للعَلَمية والزيادة (٥). وقوله: "أنه رأى عثمان" في محلّ المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله لـ"رُويَ" الذي تعلّق به "عن"، و"رأى" رؤية البصر؛ فيتعدّى إلى مفعول واحد، وهو "عثمان". وجملة "دعا" في محلّ حال من "عثمان" بتقدير "قد"؛ أي: "وقد دعا".
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٠١ وما بعدها).
(٣) متفقٌ عليه: البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣/ ١٢)، من حديث المغيرة بن شعبة.
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٠٣).
(٥) رواه البخاري (١٦٤) في الوضوء، ومسلم (٢٢٦) في الطهارة.
(٦) انظر في أسباب المنع: التعليقة على كتاب سيبويه (٣/ ١٢٠)، وشرح المفصل (١/ ١٦٧) وما بعدها، وشرح قطر الندى (ص ٥٢).
[ ١ / ١٠٥ ]
ولا بُدّ من تقدير "قد" عند الأكثرين، إلا أن يكون أصله شرطًا، [نحو: "لأضربنه] (١) ذَهَب أو مكَث"، أو وقع بعد "إلّا"، نحو: "ما تكلّم إلّا قال خيرًا". (٢) ففي هذين المثالين تمتنع "الواو".
وقد قالوا: تمتنع "قد" وتجب "الواو" إذا نُفي الفعل ولم يكن ضمير يعود على صاحب الحال، نحو: "جاء زيد وما طلعت الشّمس" (٣).
قوله: "فأفرَغ على يديه": معطوفٌ على "دعا"، و"الفاء" للتعقيب. لكن ثَمَّ فعل مُقدّر معلُوم من فَحْوى الكَلام، تقديره: "دَعَا بوضوء فأُحْضر فأفْرَغ". و"على يديه" يتعلّق بـ "أفرَغ". وفاعلُ "أفرَغ" ضَميرٌ يعود على "عُثمان". و"يديه" تثنية "يَد"، وقد تقَدّم القَول على تثنية المنقُوص في الحديثِ الرّابع من الأوّل.
وحرفُ الجر من قوله: "مِن إناء" يتعلّق بـ "أفرَغ".
وتنكيرُ "الإنَاء" يقتضي أنّه غير "الإنَاء" الذي دَعَا به؛ لأنّه لو كَان الثّاني الأوّل لعَرَّفه، والقَاعدة في ذلك أنّ الاسمين إذا كانا مُعرّفين بالألِف واللام كان الأوّل الثّاني، وإن كانا نكرتين كَان الأوّل غير الثاني، فإن كان الأوّل معرفة دون الثّاني كان الثّاني غيره، وإن كان الثّاني معرفة دون الأوّل كان غيره أيضًا. (٤) فهنا جاء نكرتين،
_________________
(١) تكرار بالأصل.
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٣٦)، (٧/ ٥٢٦)، عقود الزبرجد (٢/ ٤٢٩، ٤٣٢)، شرح التسهيل (٢/ ٣٠٤، ٣٥٩، ٣٧٠ وما بعدها)، شرح المفصل (٢/ ٢٨)، (٥/ ٢٥١ وما بعدها)، أوضح المسالك (٢/ ٢٥٩)، توضيح المقاصد (١/ ١٩٠)، الصبان (٢/ ٢٦٢)، همع الهوامع (٢/ ٢٧٢، ٣٢١ وما بعدها، ٣٢٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٦٦).
(٣) انظر: شرح المفصل (٢/ ٢٨)، وشرح التسهيل (٢/ ٣٥٩)، والصبان (٢/ ٢٦٢، ٢٨١)، وأوضح المسالك (٢/ ٢٥٩)، وتوضيح المقاصد (١/ ١٩٠)، والهمع (٢/ ٣٢٦)، وشرح التصريح (١/ ٦١١).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٨٦١)، والصبان (١/ ١٥٤)، وشرح التصريح (٢/ ٤٨٤)، واللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ١٣٦).
[ ١ / ١٠٦ ]
ولو كان "الوضوء" هنا "الإناء" لقال: "فأفرغ على يديه منه" أو "من الوضوء".
قالوا: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١) [الشرح: ٥، ٦]، قيل: "لَنْ يَغْلِب عُسْرٌ يُسْرَين" (٢). (٣)
قوله: "فغسلهما ثلاثًا": الفاعِلُ مُستتر ضَميره "عثمان" -﵁-. و"ثلاثًا" مصدر، كما مرّ قريبًا.
قوله: "ثم أدْخَل يَدَيه في الوضوء": "ثُمّ" هنا لترتيب الأخبار؛ فلا مُهْلَة فيها (٤)، و"في الوضوء" متعلّق بـ "أدخَل"، والظرفية في حرْف الجر [حقيقية] (٥)، بمعنى أنّ "الوضوء" هُو "الإناء"، وكذلك إنْ كَان "الوضوء" لمطلَق الماء أو للماء الذي يُعَدّ للفِعْل.
قوله: "ثم تمضمض واستنشق واستنثر": كُلّها معطُوفات، وقد يَستدلّ بهذا مَن يقول: "الواو" للترتيب (٦)؛ لأنّ "المضمَضة" متقدّمة، وما بعدها على ترتيب الحديث.
_________________
(١) بالأصل: "إن مع العسر يسرا ".
(٢) ضعيفٌ: أخرَجَه البخاري مُعَلقًا (٦/ ١٧٢). ورواه الحاكم بالمستدرك من كلام عُمر (٣١٧٦)، ومُرسَلًا (٣٩٥٠). وضعّفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٤٣٤٢).
(٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٥٠١)، واللباب لابن عادل (٢٠/ ٤٠١)، والتحرير والتنوير (٣٠/ ٤١٥)، ومغني اللبيب (ص ٨٦٢).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص ٤٢٨)، وتوضيح المقاصد (٢/ ٩٩٩)، وشرح التسهيل (٣/ ٣٤٣)، وشرح المفصل (٥/ ١٢)، وحاشية الصبان (٣/ ١٣٨)، وأوضح المسالك (٣/ ٣٢٧)، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٢٠٨)، وشرح قطر الندى (ص ٣٠٣).
(٥) بالنسخ: "حقيقة".
(٦) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١١٧)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٢٠٦).
[ ١ / ١٠٧ ]
قوله: "ثُم غَسَل وجْهَه ويديه إلى المرفقين": اختُلِف في المعطُوفَات على معمُول عامل: هل يعمل فيها عامل مُقدّر غير العامل الأوّل؟ أو إنما إعرابه على سبيل التبعية لما قبله؟ في ذلك خلاف.
فاختار بعض البصريين من النحويين أن يكون العَامل مُقدّرًا في كُل حرف عطف، وقالوا: إذا قلنا: "جاء زيد وعمرو"، و"رأيت زيدًا وعمرًا"، و"مررت بزيد وعمرو"، فلا يخلو من أن يكون التقدير: "جاءني زيد وجاءني عمرو"، أو تكون "الواو" العاملة، وهذا لا يصح؛ لأنّ "الواو" في الحالات الثّلاث واحِدة، فكيف ترفع مرة، وتنصب مرّة، وتجر ثالثة؟ !
فالحقّ: أن يكون التقدير: "جاءني زيد وجاءني عمرو"، إلا أنه استغنى عن ذكر "جاءني" ثانيًا بدلالة الأوّل عليه.
وقيل: العاملُ في الأوّل هو العامل في الثّاني، ولا يُقدَّر تكريره؛ لأنه قد يعطف على الأوّل ما لا يجوز أن يدخُل عليه عامِل الأوّل، نحو قولهم: "كُلّ شَاة وسخلتها"، و"يا زيد والحارثَ"، و"رُب رَجُل وأخيه". (١)
قوله: "إلى المرفقين": "إلى" حرف جر، ويأتي الكَلام عليها في الحديث الثّاني من "باب الوتر".
والفرقُ بين "إلى" و"حتى" مع كونهما لانتهاء الغَاية وجَارّتين أنّ ما بعد "إلى" داخلٌ فيما قبلها عند الاكثرين، إلا أنْ يقترن به قرينة، و"حتى" على العكس. وفرق آخر: أنّ "إلى" تجرّ الظّاهر والمضْمَر، و"حتى" لا تجرّ إلا الظّاهر (٢).
_________________
(١) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٠٨)، وشرح التسهيل (٢/ ٦١)، (٣/ ٤٠٢)، ومغني اللبيب (ص ٩٠٨)، وحاشية الصبان (٣/ ١٨٢)، والمقتضب (٤/ ١٩٥)، وشرح المفصل (١/ ٣١٨)، (٣/ ٢٧)، وهمع الهوامع (١/ ٥٨٧)، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٢٤٨)، والكتاب (٢/ ٨٢)، والأصول في النحو (٢/ ٣٠٨).
(٢) انظر: شرح المفصل (٤/ ٤٦٣)، وشرح التسهيل (٣/ ١٤١)، والصبان (٢/ ٢٣٠)، وأوضح المسالك (٣/ ٤٤)، والجنى الداني (ص ٣٨٥)، واللمع لابن جني (ص/ ٧٢)، =
[ ١ / ١٠٨ ]
وعَلامَةُ الجر في "المرفقين": "الياء"؛ لأنه مُثنى، ويتعلّق بـ "غَسَل". و"ثلاثًا" مصْدَر.
قال: "ثُمّ مَسَح رأسَه": معطُوفٌ على "غَسَل".
قال: "ثُمّ غَسَل كِلتا رِجْليه": عَلامَةُ النّصب فتْحَة مُقَدّرة؛ لأنّ "كِلتَا" متى أُضيف إلى ظَاهر كَان الإعرابُ مُقَدّرًا، وإن أُضيف إلى مُضمَر كَان الإعرابُ بالحرف، كالمثنّى، على اللغَة الفَصيحة. وقد قيل: إنّ الإعراب يُقَدّر مُطلقًا. وقيل: بالحرْف مُطْلقًا (١). وسيأتي في الحديث الثّالِث مِن "كتاب الحيض" تتمته عند قوله: "كِلانا جُنُب".
قوله: "ثُمّ قَالَ" يعني: "عثمان" -﵁- "رأيت رَسُولَ الله -ﷺ- توَضّأ": الرّؤية بَصَرية؛ فتتعَدّى إلى واحد (٢). وجملة "توضّأ" في محلّ الحال، أي: "مُتوضئًا"، ويُقدّر بـ "قد".
وقوله: "نَحْو": إنْ قَدّرتها بمَعنى "قريب" فتكون ظَرفًا على التوسع في المكان، أي: "قارب فِعلي فعله"، بمعنى "أنّ مَن قاربته فقد قاربك". وإن قدّرتها بمعنى "مثل" كان فيه تجوّز أيضًا؛ لأنه لا يَقدِر أحَد على مثل وضوء النبي -ﷺ- مِن كُل وَجْه، لا في نيته ولا في إخلاصه ولا في عِلْمه بكَمال طهارته واستيعاب غَسل
_________________
(١) = ومغني اللبيب (ص ١٠٤، ١٦٦).
(٢) انظر: علل النحو (ص ٣٨٩)، والإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٩ ٣٥) وما بعدها، وشرح المفصل (١/ ١٦١)، واللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٠٢)، وتوضيح المقاصد (١/ ٢١٩)، شرح التصريح (١/ ٦٤)، ودرة الغواص ص ٢٥٣، والصبان (١/ ١١٥)، وهمع الهوامع (١/ ١٥٢)، وأوضح المسالك (١/ ٧٣، ٣/ ١١٥)، ومغني اللبيب (ص ٣٦٨)، والنحو الوافي (١/ ١٢١، ٣/ ٥٥٣).
(٣) انظر: الصبان (٢/ ٢٧، ٥٥)، وشرح الشذور للجوجري (٢/ ٦٥٠)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٦٧).
[ ١ / ١٠٩ ]
أعضائه. (١)
و"النحو" في اللغة: "القَصْد" و"المثل"، تقول: "هذا نحو زيد" أي: "مثل زيد". ويكون للمِقدار، مثل: "جاءوا نحو مائة رجُل". ويكون للشّطر، كما أنّ "الشّطر" يكون بمعنى "النحو" في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: "جهة المسجد ونحوه"؛ فيكون هُنا ظرفًا. ويكون للنوع والتقسيم، نحو: "هذا الشيء على خمسة أنحَاء". (٢)
ومتى قَدّرتها بمعنى "مثل" كانت نَعتا لمصْدَر محذُوف، أي: "توضّأ وضوءًا مثل وضوئي". واختار سيبويه أن تكُون حَالًا؛ لأنّ حَذفَ الموصوف دون الصفة لا يجوز، إلّا في مواضع معدودة تأتي في التاسع من "باب صفة الصّلاة". وتقديرُ الحال هنا من محذُوف، أي: "توضّأ الوضوء مثل وضوئي". (٣)
فإنْ قدّرت "نحو" بمعنى "قريبًا" كانت ظَرفًا. (٤)
قَالَ الشّيخُ تقيّ الدّين: ويكون قُربًا مجَازًّيا (٥).
قوله: "مَن توضّأ نحو وضوئي هَذَا": "مَن" اسمُ شَرط محلّه رَفع بالابتداء، وهو مبني، كأسماء الشرط؛ لتضمّنها معنى حَرف الشرط (٦)، وهو "إنْ". والخبرُ في فعل الشّرط، أو جَوابه، أو فيهما، أو في ما فيه ضمير منهما (٧)، وتقَدّم ذلك في الحديث
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٢٤٨).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٣)، إرشاد الساري (٩/ ٢٤٨)، مشارق الأنوار (٢/ ٢٥١)، النحو الوافي (٢/ ٢٧٣).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٢٤٨).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٢٤٨).
(٥) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٨٥).
(٦) راجع: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، الهمع (٢/ ٥٥٤).
(٧) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، عقود الزبرجد (١/ ١٥٥)، مغني اللبيب =
[ ١ / ١١٠ ]
الرّابع. و"هذا" بَدَل أو نَعْت، وبُنيَ اسم الإشارة لافتقاره إلى مُشَار إليه (١).
قوله: "ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه": جملة "لا يحدّث" في محلّ صفة لـ"رَكعتين"، والعَائدُ الضّمير في قوله: "فيهما".
و"ركعتين" مفعول على التبعية؛ لأنّ "صلى" لا يتعَدّى إلا إلى مَصْدره، فـ "صلى" مُضَمَّنٌ معنى "رَكَع"، وسيأتي في الخامس من "صلاة الجماعة".
وقوله: "غُفر له ما تقَدّم مِن ذَنبه": جَوَابُ الشّرط، و"ما" موصُولة، أي: "الذي تقَدّم مِن ذَنبه". ولا يجوز أن تكون موصوفة ولا مصدرية؛ لفساد المعنى. و"غُفِر" مبني لما لم يُسَمّ فَاعِله، ومفعوله الذي لم يُسَمّ فاعله: "ما" وصلتها، والعَائدُ: فَاعِلُ "تقَدّم".
و"الذّنب": "الجُرْم"، وهو اسم مصْدر (٢).
الحديث الثّامِن:
[٨]: عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "شَهِدْت عَمْرَو بْنَ أَبِى حَسَنٍ سَال عَبْدَ اللهِ بْنَ زيدِ عَنْ وُضوءِ رسول الله -ﷺ-؟ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءِ، فتَوَضأَ لَهُمْ وضوءَ رَسولِ الله -ﷺ- فَأكفَأَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيه في التَّوْرِ، فَتمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا بِثَلاثِ غَرْفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ في التور فَغَسَلَ وَجْهَة ثَلاثًا ويديه إلَى المرْفَقَيْنِ، ئم أَدْخَلَ يَدَهُ، فَمَسَحَ رَأْسَة، حَتَّى ذَهَبَ بِهِما إلَى
_________________
(١) = (ص ٦٠٨، ٦٤٨)، شرح التسهيل (٤/ ٨٦)، همع الهوامع (٢/ ٥٥٤، ٥٦٦)، شمس العلوم (٩/ ٥٩٣٠).
(٢) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٥٢)، والصبان (١/ ٢٠٣)، وشرح ابن عقيل (١/ ٣٢)، وشرح التصريح (١/ ٤٣) وما بعدها.
(٣) انظر: العين (٨/ ١٩٠)، ولسان العرب لابن منظور (١/ ٣٨٩)، وتاج العروس (٢/ ٤٣٦).
[ ١ / ١١١ ]
قَفَاهُ، ثُمَّ ذهب بهما إلَى المكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ".
وَفي رِوَايَه: "أَتَانَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ". (١)
الإعراب:
تقَدّم القَول في متعَلّق حَرف الجر، والتقدير هنا خلاف التقدير فيما سبق من الأحاديث قبله؛ وذلك لأنّ "عَن" تكرّرت وتغيّر مُتعلّقها، فقوله: "قَالَ: شَهدت" جملة في محلّ نَصْب خبرًا عن "أن" مشدودة محذوفة مع اسمها مُقدّرَة بمفعُول به، التقدير: "ورُوي عن عمرو أنه رَوَى عن أبيه أنّه قال"، فـ "أنّه روَى" بفتح" الواو" على أنّه مفعُول لم يُسَمّ فاعله. ومحلّ "أن" [المقدّرة] (٢) الثّانية نَصب على أنّه مفعُول به.
ويجوز أن يكون "عن" الثّانية بَدَلًا من "عن" الأولى.
والأوّل أرجَح؛ لأنه جَاء مُصرّحًا به في الخامس من "الاستطابة" (٣).
و"عَمرو" يُكتَب بـ "الواو" فَرقًا بينه وبين "عُمر"، وذلك في حَالتي الرّفع والجر (٤).
وإذا وصف بـ "ابن" مُضافًا إلى عَلَم حُذف التنوين من الاسم و"الألِف" من "ابن".
فقولنا: "العَلَم" احترازًا من غَير العَلَم، نحو: "قام رَجُل ابن زيد"، واحترزنا بوصف بـ "ابن" عن الوصف بغير "ابن"، نحو: "جاء زيد صاحب عمرو"؛
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٥) في الوضوء، ومسلم (٢٣٥). وبألفاظ الحديث ورواياته اختلاف عما في متن العُمدة.
(٢) بالنسخ: "المقدر".
(٣) انظر: فتح الباري (١/ ٢٥٤، ٢٩٤).
(٤) انظر: أدب الكاتب لابن قتيبة (١/ ٢٤٥)، وعمدة الكتاب للنحاس (ص ١٦٤)، وشمس العلوم (٧/ ٤٧٤٩، ٤٧٥٢).
[ ١ / ١١٢ ]
فلا يحذَف التنوين من الموصُوف.
وكذلك إن وقع "ابن" بين عَلَمين ولم يكُن وَصفًا لم يجز حَذْف التنوين، كقولك: "زيد بن عمرو"، فـ"زيد" مبتدأ، و"ابن عمرو" خبره.
ويكتب إذا وقع وصْفًا بين عَلَمين بغير "ألِف"؛ لأنك لما حذفت التنوين من الموصُوف لَفْظًا حَذفت "الألِف" من الصّفة خَطًا لتطابق الصّفة الموصوف في الحذف.
وعلّة حذف التنوين هنا هو علّة جَواز الاتباع في نحو: "يا زيد ابن عمرو". (١)
فتبيّن لك بذلك أنّ وجود التنوين في الموصوف بـ "ابن" في اللفظ وهمزة "ابن" في الخط متلازمان، فإذا سقط التنوين لَفظًا سقطت "الهمزة" خطًّا، وإذا ثبت التنوين لفظًا ثبتت "الهمزة" خَطًّا (٢).
وقد استثنى المحدِّثون من ذلك إذا نُسِب الابن إلى أمّه، كما ورد في "عبد الله ابن بحينة"، فإنّ "بحينة" أمّه، فيكتبون "ابن" بـ "الألِف" حتى يُعلَم أنّ النسبة إلى مُؤنّث.
ومنه: "عبد الله بن أُبي ابن سلول"، يكتبون "ابن سلول" بـ "الألِف"، ويُنوّنون "ابنًا".
ولذلك قالوا: إذا وَقَع "ابن" في أوّل السّطر تثبت "الألِف" (٣)، جعلوا افتراق
_________________
(١) انظر: الكتاب (٢/ ٤١٤)، شرح المفصل (١/ ٣٣٣ وما بعدها).
(٢) انظر: الصبان (٣/ ٢١٢) وما بعدها، وهمع الهوامع (٢/ ٥٥)، واللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٤٨٩)، وشرح ابن عقيل (٣/ ٢٦١)، وشرح التصريح (٢/ ٢٢٠)، وشرح شافية ابن الحاجب للرضي (٣/ ٣٣١)، وشرح الكافية الشافية (١٣/ ٢٩٨)، والمطالع النصرية (ص ٣٤٢، ٣٥٤).
(٣) انظر: فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (٣/ ٤٧).
[ ١ / ١١٣ ]
الصفة من الموصوف في المحلّ مُوجبًا لإثبات "الألِف"؛ لأنه الأصل (١).
وقوله: "يحيى" مجرور بالإضافَة، وعَلامَة جَرّه فتْحَة مُقَدّرة؛ لأنّه مقصُور. وهو لا ينصرف؛ للعَلَمية والعُجمة.
وقيل: هو عَربي، مُضارع "حَيِىَ"، وامتنع صرفه للعَلَمية والوزن.
وعلى القولين: يجمَع على "يحيون" بحذف "الألِف" وفتح ما قبلها، في مذهب سيبويه.
والخليل والكوفيون يقولون: إن كَانَ عَربيًّا فُتحَت "الياء"، وإن كان عَجَميًّا ضمّت "الياء"، فيقولون: "يحيُون" بضم "الياء" الثّانية. (٢)
[وكتبت] (٣) "يحيا" الاسم بـ "الألِف" وبـ "الياء" مستثنى من قاعِدة أنّ كُلّ مَا في آخِره "ألِف" وقبلها "ياء" فإنه يُكتب بـ "الألِف" إذا كان من الزّائد على ثلاثة، كـ"يحيى" الذي هو فعل (٤).
قوله: "المازنيِّ": بالجر صِفَة لـ "عَمرو". ويصحّ أن يكُون صفة و"يحيى"؛ ولأنّ نَسَب الابن مِن أبيه.
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٢/ ١٥٠)، عمدة القاري (١/ ٥٧)، إرشاد الساري (١/ ١٦، ٤٠٩)، شرح النووي (٢/ ١٠٢)، (٤/ ٢١٠)، (٥/ ٥٩)، إحكام الأحكام (١/ ٢٥٠)، الإعلام لابن الملقن (٣/ ١٣٣ وما بعدها)، عقود الزبرجد (٢/ ٨٣)، نيل الأوطار (٢/ ٣١٦)، تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٨٩). وانظر أيضًا: الحاشية قبل السابقة.
(٢) انظر: البحر المحيط (٣/ ١٠٨).
(٣) غير واضحة بالأصل، ولعلها: "وكتب". والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (٧/ ٢٤٢)، وشرح شافية ابن الحاجب (١/ ٣٩٢)، والكتاب (٤/ ٣٩٧)، وتداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم للأستاذ عبد الرزاق بن فراج الصاعدي (١/ ٣٧٣).
[ ١ / ١١٤ ]
قوله: "عَن أبيه": عَلامَةُ الجر فيه "الياء"؛ لأنّه مِن الأسماء السّتة المعتلّة المضَافَة إلى غَير "يَاء" المتكَلّم (١).
و"سَألَ": فاعِلُه ضَمير "عمرو"، وبه يتعَلّق حَرْف الجر، و"سَألَ" يأتي الكَلامُ عليها في الثّاني عشر مِن "باب صِفَة الصّلاة".
وجملة "ﷺ" مُعترضَة لا محلّ لها من الإعراب، وتقَدّم القولُ في الجمَل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل.
و"مِن مَاء": يتعَلّق بصفَة لـ "تور"، و"بتَور" يتعَلّق بـ "دَعَا". ويحتمل أن يكون التقدير: "بتور مملوء من ماء"؛ فيتعلّق حرفُ الجر بـ "مملوء"، وجاز ذلك كما جاز في قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: "مأخوذة بالنفس" (٢).
قال الشّيخ تقيّ الدِّين: التقدير: "بتور من إناء ماء" (٣).
قُلت: ويظهر أن تكون "مِن" زائدة في الواجِب على ما اختاره ابن مالك ومَن وافقه، والتقدير: "فدَعَا بتور مَاء" أي: "بإناء ماء".
ومن أدلّة زيادة "مِن" في الواجب قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١]، و﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]. (٤)
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (١/ ٤٩) وما بعدها، شرح المفصل (١/ ١٥٣)، والصبان (١/ ١٠٣)، أوضح المسالك (١/ ٦٤)، وشرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٥١).
(٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٧١)، وتفسير القرطبي (٦/ ١٩٣).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٩٠).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٤٢٧، ٤٢٨)، والجنى الداني (ص ٣١٨)، وشرح التسهيل (٣/ ١٣٨)، شرح المفصل (٤/ ٤٥٩)، والصبان (٢/ ٣١٥)، شرح ابن عقيل (٣/ ١٧)، والهمع (٤/ ٤٦٣)، والإنصاف (١/ ٣١٠)، واللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٥٥).
[ ١ / ١١٥ ]
وعلى هذا لا يتعلّق "مِن" [بعاقل] (١)؛ لأنّ الزّائد لا يتعَلّق بشيء.
ويحتمل أنْ تكُون "مِن" للسّببية، أي: "فدَعَا بتور بسَبب ماء"، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]. (٢)
وتأتي أقسَام "مِن" في الحديث السّادس مِن "باب الاستطابة"، وفي الرّابع مِن "الجهاد".
قوله: "لهم": يتعَلّق بـ "توضّأ"، وهي "لام" التعليل، أي: "لأجلهم"، وهي كثيرة في الكتاب والسنة (٣)، منها: "اللام" في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١]، إذا قيل باتصال السورتين، أي: "فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف" (٤).
ويحتمل أن تكُون "اللامُ للاختِصَاص، نحو: "السّرج للدّابّة"، و"الباب للمسجد" (٥).
وقوله: "وضوء رسول الله -ﷺ-": أي: "وضوءًا مثل وضوئه"؛ فيكون مُضافًا
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٤٢١)، والصبان (٢/ ٣١٦)، وأوضح المسالك (٣/ ٢٤)، وشرح الكافية الشافية (٢/ ٨١٦)، وشرح التصريح (١/ ٦٤٠).
(٣) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ٨٠٣)، الجنى الداني (ص ٩٨)، وهمع الهوامع (٢/ ٤٥٤)، وشرح الأشموني (٢/ ٧٧)، وأوضح المسالك (٣/ ٢٦)، وشرح الشذور للجوجري (٢/ ٥٥٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٤٧)، (١٠/ ٥٤٧)، واللباب لابن عادل (٢٠/ ٥٠٣)، وتفسير الخازن (٤/ ٤٧٥)، والتحرير والتنوير (٣٠/ ٥٤٣)، وأضواء البيان للشنقيطي (٩/ ١٠٩)، وكتاب اللامات للزجاجي (ص ٨٠)، ومغني اللبيب (ص ٢٧٦)، والتعليقة على كتاب سيبويه (٢/ ٢٣٩).
(٥) انظر: الكتاب (٤/ ٢١٧)، ومغني اللبيب (ص ٢٧٥)، وشرح المفصل (٤/ ٤٧٩)، المفصل ص ٢٨٢، وشرح التصريح (١/ ٦٤٢)، وأوضح المسالك (٣/ ٢٥).
[ ١ / ١١٦ ]
إلى نعْت مصدر محذوف، وتقَدّم أنّ مِذْهَب سيبويه في مثل هذا النصب على الحال، والتقدير: "فتوضأ لهم الوضوء في حال كونه مثل وضوئه"، [فنصبه] (١) على الحال من المصْدَر المفهُوم من الفِعْل المتقَدّم المحذُوف بعد الإضْمار على طريق الاتساع. (٢)
قال أبو حيّان: مذهبُ سيبويه في هذا النوع كُلّه النصب على الحال لهذا المعنى. (٣)
قوله: "فأكْفَأ على يَديه": يُقَال: "كفأت الإناء" أي: "قلبته"، و"أكفأته": "أمَلته". وقيل: هما بمعنى واحد (٤).
و"ثَلاثًا" مَصْدَر.
و"الفَاء" في قوله: "فأكفأ" بعد قوله: "فتوضأ لهم وضوء النَّبي"، قال ابن هشام: لترتيب ذِكْرِيّ، يعني به ترتيب الأخبار؛ لأنّ "الفاء" تأتي على وجهين: -
ترتيب معنى، كما في: "قام زيد فعمرو".
وترتيب ذكري، وهو عَطْف مفصل على مجمَل، نحو: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (٥) [البقرة: ٣٦]. (٦)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: الكتاب (٢/ ٣٤٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٢/ ٢٥٠ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٣٣١)، أوضح المسالك (٣/ ٢٨٧)، توضيح المقاصد (٢/ ٩٦٤).
(٣) انظر: البحر المحيط (٣/ ٧١٤).
(٤) انظر: الصحاح (١/ ٦٨)، والنهاية لابن الأثير (٤/ ١٨٢)، ولسان العرب (١/ ١٤١)، وتاج العروس (١/ ٣٩٢)، والفائق للزمخشري (٣/ ٢٦٧)، وإكمال الأعلام بتثليث الكلام (٢/ ٥٤٦).
(٥) سقط بالأصل: "عنها".
(٦) انظر: مغني اللبيب (ص ٢١٣ وما بعدها)، وأوضح السالك (٣/ ٣٢٤)، والهمع (٣/ ١٩٢).
[ ١ / ١١٧ ]
قال ابنُ هشام: ومنه: "تَوَضَّأ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ" (١). (٢)
قوله: "بثلاث غرفات": يحتمل أنْ يتعلّق بـ "تمضمض"، وتكُون المضْمَضَة مُقيّدة بالثّلاث وما بعْدَها مُطْلَق، ولا تتنازَعه الأفْعَالُ الثّلاثة؛ لأنّ الاستنثارَ لا يكُونُ بثلاث إلا تَابعًا للاستنشاق.
ويجوز أنْ يتعَلّق بصِفَة الثلاث، أي: "تمضمض واستنشق واستنثر ثلاث مَرّات كَائنات بثَلاث غرفات". وهَذَا أحْسَن.
ويجوز أن يتعَلّق [بـ "استنثر"] (٣)، وهو الجاري على مَذهَب البصريين في التنازع (٤)، ويكون معمُولُ "استنشق" محذوف، والثّاني يدُلّ عليه. (٥)
قوله: "وَيدَيه إلى المرفقين": التقدير: "وغَسَل يديه إلى المرفقين".
وقوله: "مرّتين": تثنية "مرّة"، وهي مصْدَر، ويُقَال فيها ظرف (٦)، ويأتي
_________________
(١) صحيحٌ: البخاري (١٩٧) من حديث عبد الله بن زيد، ومسلم (٢٤٦/ ٣٤) من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٢١٤)، والجنى الداني (ص ٦٤)، وأوضح المسالك (٣/ ٣٢٤، وشرح التسهيل (٣/ ٣٥٣)، وحاشية الصبان (٣/ ١٣٧»، والنحو الوافي ٣١/ ٥٧٣).
(٣) بالنسخ: "استنثر".
(٤) انظر: شرح المفصل (١/ ٢١١)، وحاشية الصبان (٢/ ١٤٨)، وأوضح المسالك (٢/ ١٧٤).
(٥) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٨٨)، وفتح الباري (١/ ٢٩١)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٠٦، ١٢٢)، وشرح العيني على أبي داود (١/ ٣٠٠)، وطرح التثريب (٢/ ٥٣)، وشرح القسطلاني على البخاري (١/ ٢٤٩)، وتحفة الأحوذي (١/ ١٠٠) وما بعدها.
(٦) انظر: البحر المحيط (٥/ ٤٧٦)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٢٢)، تفسير أبي السعود (٦/ ١٤)، روح البيان لإسماعيل حقي (٥/ ٣٨١، ٣٨٢)، شرح المفصل=
[ ١ / ١١٨ ]
الكَلام عليها في الحديث الثّاني من "باب الهدي".
وثَنَّى المصدر لأنه عَدَد (١).
قوله: "ثم أدخل يديه فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر": أي: "ثم شرع في مسح رأسه، فأقبل بيديه وأدبر بهما"، وجهذا يتم معنى التعقيب في "الفاء" (٢).
وقوله: "واحدة": هذه صفة مُؤكِّدة، كقو له تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]. (٣)
وقوله: "وفي رواية": أي: "وجَاء في رواية"، فيكون "بدأ" وما بعده فاعل على، الحكاية.
و"حتى" حرفُ غاية، ولا عمَل لها في الماضي (٤)، وتقدّم القول عليها في الحديث الثّاني من الأوّل.
و"إلى" لانتهاء الغاية في المكان، كما جاءت هنا، وكقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، والغاية في الزمان، كقو له تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥) [البقرة: ١٨٧]. (٦)
_________________
(١) = (١/ ٤٢٥)، ونتائج الفكر (ص ٣٠٠)، وإعراب لامية الشنفري (ص ١٤٥).
(٢) انظر: التسهيل ص ٨٧، وشرح التسهيل (٢/ ١٧٨)، وشرح المفصل (٢/ ٢٣٨).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٨٩)، والتمهيد (٢٠/ ١٢٤)، وعمدة القاري (٣/ ٧١) وما بعدها، وإرشاد الساري (١/ ٢٦٧).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٣٢٥)، ومغني اللبيب (ص ١٠٠).
(٥) انظر: الصّحاح (١/ ٢٤٦)، لسان العرب (٢/ ٢٣، ٢٤)، الكليات للكفوي (ص ٣٩٥، ٣٩٦)، مُغني اللبيب (ص ١٢٨ وما بعدها، ١٧٣ وما بعدها)، الجنى الداني (٣٦٧ وما بعدها، ٥٥٤، ٥٥٥)، شرح شُذور الذهب للجوجري (٢/ ٥٢٨).
(٦) في الأصل: "وأتموا".
(٧) انظر: مغني اللبيب (ص ١٠٤).
[ ١ / ١١٩ ]
قال ابن هشام: وتكون للتبيين، نحو: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣].
وتكون مُرادفة للام، نحو: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣]. وقيل: على بابها، أي: "انتهى إليك".
وتكون موافقة "في" [في] (١) قوله:
[فَلا] (٢) تَتْرُكَنِّي بالوَعِيدِ كأنَّني إلى الناسِ مَطْليٌّ بِهِ القارُ أجرَبُ (٣)
وقيل: التقدير: "مُضَافًا إلى النّاس"، فلا دلالة.
وتكون لموافقة "عند"، كقوله:
أمْ لا سَبِيلَ إلى الشبَابِ وذِكْرُهُ أشْهَى إليَّ مِنَ الرَّحيقِ السَّلْسَلِ (٤)
وتكون زائدة، وتُؤول على قراءة مَن قرأ: "أفئِدَةَ مِن الناس تهْوَى إليهِم" (٥)،
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٢) بالنسخ: "لا".
(٣) البيتُ من الطويل، وهو منسُوبٌ للنابغة الذبياني. انظر: إرشاد الساري (٨/ ١١٩)، أدب الكاتب لابن قتيبة (ص ٥٠٦)، العمدة في محاسن الشعر وآدابه لابن رشيق (٢/ ١٧٧، ١٧٨)، المستقصى في أمثال العرب للزمخشري (١/ ٤٥٠)، شرح أدب الكاتب لابن قتيبة، لابن الجواليقي (ص ٢٥٧)، خزانة الأدب (٩/ ٤٦٥)، ضرائر الشعر (ص ٢٣٨)، اللمحة (١/ ٢٢٤)، الجنى الداني (ص ٣٨٧، ٣٨٨)، مغني اللبيب (ص ١٠٥)، لسان العرب (١٥/ ٤٣٥)، المعجَم المفصل (١/ ١٩٨).
(٤) البيتُ من الكامل، وهو لأبي كبير الهذلي. انظر: خزانة الأدب (٩/ ٥٣٧)، وأدب الكاتب لابن قتيبة (١/ ٥١٢)، والمعجم المفصل (٦/ ٥٠٥).
(٥) سورة [إبراهيم: ٣٧]. وقد قرأ عَلِيُّ بن أبي طالب، وزيد بن عَلِيٍّ، ومحمد بن عَلِيٍّ، =
[ ١ / ١٢٠ ]
بفتح "الواو"، أي: ["تهوَاهم"] (١)، وخُرِّجت على أنّ الفعل ضُمِّنَ معنى "تميل" (٢). والمراد في الحديث بقوله: "حتى رَجَع": "صَار".
ومن أقسام "رَجَع" الصيرورة، ومنه قوله -ﷺ-: "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا" (٣)، أي: "لا تصيروا". (٤)
فيكون اسمها "ضمير النبي -ﷺ- "، وخبرها متعلّق بالمجزوم، أي: "حتى صار ماسحًا إلى المكَان الذي بدأ منه".
و"الذي" مع صلته وعائده صفة للمكان.
قوله: "وفي رواية": تقدّم آَنفًا، فيكون ["فأخرجنا له"] (٥) الفَاعِل إن قَدَّرْتَ: "وجَاء في رواية"، وهو معطُوفٌ على "أتانا".
و"خَرَج" لا يتعدّى إلا بالنقل بالهمزة، كما ورد هنا، أو بالتضعيف، نحو: "خرَّجته".
و"في تور" يتعلق بصفة لـ "تور"، ولك أن تعلّقه بـ"أخرجنا" فلا يكون له محلّ من الإعراب.
ويختلف المعنى باختلاف التعلق، فعلى الأول يكون المخرج "التور" وفيه الماء، وعلى الثاني يكون الخرَج "الماء"، ويُحتمل ألا يكون "التور" معه، بل كان الماء
_________________
(١) = وجعفر بن محمد، ومُجاهدٌ: "تَهْوَى" مُضاخُ "هَوَى" بِمعنى "أَحَبَّ". انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٤٨)، والكامل في القراءات والأربعين الزائدة عليها (ص ٥٨٠).
(٢) بالنسخ: "تهويهم".
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ١٠٤، ١٠٥).
(٤) متفق عليه: البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥/ ١١٨)، من حديث جرير.
(٥) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٩٧).
(٦) بالنسخ: "فأخرجناه". والصواب من متن الحديث.
[ ١ / ١٢١ ]
الذي أخرج منه وهو مستقر في موضعه، وهو الغالب إذا كان "التور" من حَجَر.
الحديث التاسع:
[٩]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله -ﷺ- يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ، وَترَجُّلِهِ، وَطُهُورهِ، وَفي شَأْنِهِ كلِّهِ" (١).
الإعراب:
التقدير: "أنها قالت: كان رسول الله -ﷺ-" وما يتعلق بها في محلّ معمول القول، والقول في محل خبر "أن" المقدر القائم مقام المفعول الذي لم يُسَمّ فاعله.
وقوله: "يعجبه التيمن": في محل رفع خبر "كان".
و"في تنعله" يتعلّق "بيعجبه". ويحتمل أن يتعلّق بالتيمن، ويدخله التنازع. ويحتمل أن يتعلق بحال، أي: "يعجبه التيمن كائنًا في تنعله".
ويختلف المعنى باختلاف المتعلّق؛ فعلى الأول يكون الإعجاب مطلقًا في حال التنعل وغيره، وعلى الثاني يكون مقيدًا بحال التنعل.
وإنما قلنا: يتعلّق بالتيمن؛ لأنه مصدر، وهو جيد؛ أي: "يعجبه أن يتيمن في تنعله".
قوله: "وطهوره كله": لم يقُل: "وتطهّره" كما قال: "في تنعله، وترجله"؛ لأنه أراد "الطهور الخاص المتعلّق بالعبادة". ولو قال: "وتطهره" لدخل فيه إزالة النجاسة. وسائر النظافات بخلاف الأوّلين، فإنهما خاصّان بما وضعا له من لبس النعل وترجيل الرّأس؛ فناسبهما الطهور الخاص بالعبادة.
قوله: "وفي شأنه كله": أي: "ما له يمين ويسار"، وليس كل ما كان من شأن
_________________
(١) رواه البخاري (١٦٨) في الوضوء، ومسلم (٢٦٨) (٦٧) في الطهارة.
[ ١ / ١٢٢ ]
الإنسان له يمين؛ فهو عموم يُراد به الخصوص، ويلزم من حمله على العموم مخالفة ما أمر فيه -ﷺ- بالتياسر، كبيت الخلاء والخروج من المسجد والاستنجاء (١) وغير ذلك، فالمراد: "سائر الذي شرع فيه التيمن".
وفي الكلام الترقي من الأدنى إلى الأعلى، وقد جاء عكسه. (٢)
وقوله: "كله": تأكيد لـ"شأنه".
و"كُل" في التأكيد مُقدّمة على غيرها، فلا يُقَال: "في شأنه أجمعه" حتى تتقدّم "كُل" (٣).
وقد جاء استعمال "أجمع" بغير "كُلّ" في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٤٩]، ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥]، ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٥]، ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١]. (٤)
_________________
(١) عن أبي قتادة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمسَّ ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه"، رواه البخاري (١٥٣)، ورواه مسلم (٢٦٧/ ٦٤) بلفظ: "إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه".
(٢) راجع: البحر المحيط (٦/ ٢٣٨).
(٣) انظر: شرح ابن عقيل (٣/ ٢٠٩).
(٤) راجع: شرح الأشموني (٢/ ٣٤٠)، وشرح المفصل (٢/ ٢٢٢)، وشرح ابن عقيل (٣/ ٢٠٩)، واللمحة (٢/ ٧٠٧)، والهمع (٣/ ١٦٨).
[ ١ / ١٢٣ ]
الحديث العاشر
[١٠]: عَنْ نُعَيْمِ الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قَالَ: "إنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ"، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنكمْ أنْ يُطيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ (١).
وَفي لَفْظِ لِمُسْلِمِ: سَمِعْتُ خَلِيلي -ﷺ- يَقُولُ: "تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ" (٢).
تقدّم القول في إعرابه في الثّامن من الأوّل.
قوله: "إنّ أمتي يُدعَون يوم القيامة": الجملة معمولة للقول.
وجملة "يُدعَون" في محلّ خبر "إنّ"، وهو فعل مُضارع مبني لما لم يُسم فاعله ومفعول ما لم يُسَمّ فاعله، والنون علامة الرفع، أصله: "يدعوون" تحركت "الواو"، وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألِفًا، ثم حذفت لسكونها وسكون ضمير الفاعل (٣).
وهذا الفعل ونظائره مع جماعة المؤنثات على هذه الصيغة، ويختلفان في الفاعل وفي الإعراب، فضمير جماعة المؤنثات في "يدعون": "النون"، والفعل معها مبني (٤).
والفاعلُ في الحديث "الواو"، و"النون" عَلامة الرّفع.
وأمّا ما اتصلت به الضّمائر الثّلاث- ضَمير التثنية، وضَمير جماعة المذكّرين
_________________
(١) رواه البخاري رقم (١٣٦) في الوضوء، ومسلم رقم (٢٤٦) (٢٥٠) في الطهارة، ورواه النسائي (١/ ٩٤، ٩٥) في الطهارة.
(٢) رواه مسلم رقم (٢٥٠) في الطهارة.
(٣) انظر: الكتاب لسيبويه (٤/ ٢٣٨)، المنصف لابن جني (ص ١٩٠)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٢٨٧)، ضياء السالك، مع أوضح المسالك (٤/ ٣٩٢ وما بعدها).
(٤) انظر: النحو المصفى (١/ ١١٣).
[ ١ / ١٢٤ ]
العاقلين، وضمير الواحِدة المخَاطَبة - فـ"النون" فيه [حرْف علامة] (١) للرّفع (٢).
وتقدّم القول في بناء الفعل مع النونات الثّلاث في الحديث الخامس من أوّل الكتاب.
وقوله: "يوم القيامة": ظرف، ومحفوض.
ويأتي الكلام على "يوم" في الثالث من "الاستطابة".
و"القيامة": "فِعالة"، أصله: "القِوامة"، فقلبت "الواو" فيه "ياء"؛ لانكسار ما قبلها. (٣)
و"غرًّا": جمع "أغرّ". و"أغرّ" أفعل.
ويحتمل أن يكون مفعولًا به، ويكون "يُدعَون" بمعنى: "يُسمَّون"، أو يكونا حالين؛ أي: "في حالة هم فيها غُر محجلون"، أو يكون "يُدعَون" بمعنى "يُنادون وهُم بهذه الحالة". (٤)
فإن قيل: "الغُرة" و"التحجيل" في الآخرة صفات لازمة غير مُنتقلة، فكيف يكونان حَالين؟
فالجواب: أنّ الحال تكون مُنتقلة (٥) أو في حُكم المنتقلة إذا كانت وصفًا ثابتًا
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) كل مُضارع به ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة يُرفع بثبوت النون نيابة عن الضمة، وينصب بحذف النون نيابة عن الفتحة، ويجزم بحذف النون نيابة عن السكون. انظر: النحو المصفَّى (١/ ٧٩) وما بعدها.
(٣) انظر: رياض الأفهام (١/ ١٦٩).
(٤) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٢٨).
(٥) الأكثر في الحال أن تكون منتقلة، وقد تأتي ثابتة، وهو قليل. انظر: النحو الوافي (٢/ ٣٦٦)، وأوضح المسالك (٢/ ٢٥١)، وشرح ابن عقيل =
[ ١ / ١٢٥ ]
مُؤكدًا، نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١].
ومنه: "خلق الله الزّرَافة يديها أطوَل من رجليها"، فأطوَل حال لازمة غير منتقلة، لكنها في حكم المنتقلة؛ لأنّ المعلوم من سائر الحيوان استواء [القوائم] (١) الأربع. فلا يخبر بهذا الأمر إلا مَن يعرفه.
وكذلك هنا، المعلوم من سائر الخلق عَدم "الغُرة" و"التحجيل"، فلما جعل الله ذلك لهذه الأمّة دون سائر الأمم صارَت في حُكم المنتقلة بهذا المعنى.
ويحتمل أن تكون هذه علامة لهم في الموقف وعند الحوْض، ثم تنتقل عنهم عند دخولهم الجنة؛ فتكون مُنتقلة بهذا المعنى. (٢)
و"محجّلين": حالٌ أيضًا، فإن كان معنى "يُدعَون": "يُسمَّون" كان "غرًّا" [مفعولًا] (٣) به، و"محجّلين" حالٌ من الضّمير في "غرًّا"، أو حالٌ من ضمير "يُدعَون"، أو حالٌ ثانية.
قوله: "من آثار الوضوء": "من" سببية؛ أي: "بسبب آثار الوضوء".
ومثله قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، أي: "بسبب خطاياهم أغرقوا" (٤).
وحرفٌ الجر يتعلق بـ "محجلّين" أو بـ"يُدعَون"، على الخلاف في باب التنازع (٥)
_________________
(١) = (٢/ ٢٤٤).
(٢) بالأصل: "القائم". والمثبت من (ب).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٢٨).
(٤) بالأصل: "مفعول". والمثبت من (ب).
(٥) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١٢٤٢)، إرشاد الساري (١/ ٢٢٨)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٤٢١).
(٦) فالكوفيون يختارون إعمال الأول لسبقه، والبصريون يختارون إعمال الأخير لقُربه.=
[ ١ / ١٢٦ ]
بين البصريين والكوفيين. (١)
قوله: "فمَن استطاع منكم أن يُطيل [غُرّته] (٢) فليفعل": "مَنْ" مبتدأ، شرطية. والخبر في جملة فعل الشرط، وقيل: الخبر في الجواب؛ لأنّ به تتم الفائدة، ورُجح الأوّل بأنّ الضّمير العائد على اسم الشرط في فعل الشرط لازم، ولا يلزم في جوابه، حتى لو قُلت: "مَن يقم زيد أكرمه" وأنت تعيد الهاء على "مَنْ" لَم يجز.
وقال آخرون: الخبر فعل الشرط والجواب.
وقيل: الخبرُ منهما ما كان فيه ضَمير يعود على "مَن". (٣)
و"منكم" يتعلّق بـ "استطاع"، وهي للتبعيض، أو لبيان الجنس. ويحتمل أن يتعلق بحالٍ مِنْ [صلة] (٤) "استطاعَ".
قوله: "أنْ يُطيل [غرته] (٥) ": في محلّ مفعول "يستطيع"، والمراد: "أن يُطيل غُرته وتحجيله". وتقدم القول على "أَنْ" المفتوحة المخفّفة في الحديث الرّابع من أوّل الكتاب.
قَالَ السّهيلي: إذا قُلت: "كرهتُ خروجك" احتمل أن يكون المكروه نفس الخروج أو هيئته، وإن قلت: "كرهتُ أنْ خرجت" كان المكروه نفس الفعل (٦).
_________________
(١) = انظر: شرح قطر الندى (ص ١٩٧)، وأوضح المسالك (٢/ ١٧٤)، والنحو المصفَّى (١/ ٦٩٩).
(٢) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٢٨).
(٣) بالنسخ: "الغُرة".
(٤) راجع: اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٦٥، ٦١)، ومغني اللبيب (ص ٦٠٧، ٦٤٨).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "جملة".
(٦) بالنسخ: "الغرة".
(٧) انظر: نتائج الفكر (ص ٩٧، ٢٦٧).
[ ١ / ١٢٧ ]
وعلى هذا: المطلوب في الحديث نفس الفعل، وعليه المعنى.
قوله: "وفي لَفْظٍ لمسلم": تقدّم في الرّابع أنه يتعلّق بمُقدّر، أي: "ورُوي في لفظ". و"لمسلم" يتعلّق بصفة لـ "لفظ" أو بـ "لفظ"؛ لأنه مصدر.
قوله: "سمعتُ": تقدّم في الحديث الأوّل من الكتاب.
وقوله: "تبلغ الحلية من المؤمن": حرفُ الجر يتعلّق بـ "تبلغ".
والألِف واللام في "المؤمن" موصُولة بمَعنى "الذي"، وكذلك هي في اسم الفاعل واسم المفعول والجملة والفعل.
مثال الجملة:
مِنَ الْقَومِ الرَّسُولُ اللهِ مِنْهُمْ لَهُمْ دانَتْ رِقَابُ بَنيِ مَعَد (١)
ومثال الفعل:
مَا أنْتَ بِالحَكَمِ التُّرْضَى حُكُومَتَهُ وَلا الأَصِيلِ ولا ذِي الرَّأْيِ وَالجْدَلِ (٢)
وهل هي اسم؟ فيعود عليها ضمير، أو حرف؟ فلا ضمير.
واختلف في صلتها. (٣)
_________________
(١) البيت من الوافر. وهو بلا نسبة. انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٠٢)، وشرح الأشموني (١/ ١٥١)، والجنى الداني (ص / ٢٠١)، ومغني اللبيب (ص/ ٧٢)، وهمع الهوامع (١/ ٣٣٣)، وشرح ابن عقيل (١/ ١٥٨، ١٥٩)، والمعجم المفصل (٢/ ٤١٣).
(٢) البيت من البسيط، وهو للفرزدق. انظر: خزانة الأدب (١/ ٣٢)، وشرح التسهيل (١/ ٢٠١)، وأوضح المسالك بالهامش (١/ ٢٨٢)، والمعجم المفصل (٦/ ٤٩٠).
(٣) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٠٠ وما بعدها)، مُغني اللبيب (ص ٧١ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٢٠١ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٩٧ وما بعدها)، =
[ ١ / ١٢٨ ]
فائدة:
قولهم: "جاء الضاربه عمرو"، اختلفوا في عود الضمير من "الضاربه" على ثلاثة أقوال: -
أحدها: أنه راجع إلى نفس "ال".
والثاني: أنه راجع إلى ما دلّ عليه "الذي" وفروعه، وهو نصّ الفارسي في "الإيضاح"، قال: و"الهاء" في "الضاربه" تعود على ما دل عليه الألف واللام من "الذي".
والثالث: أنها تعُود إلى "الذي" محذوفًا موصوفًا، قاله ابن كيسان (١).
فائدة:
قولهم: "زيد القائم"، إن قُدر الضمير للمبتدأ بطل عائد الموصول، وإن قُدِّر للموصول [بطل] (٢) عائد المبتدأ من الخبر المشتق.
والجواب: أنّ الخبر في الحقيقة "ال"، وهو جامد.
وقال الكوفيون: فيه ضميران، ضمير "ال"، وضمير المبتدأ، فإن قدرته صفة لموصوف محذوف، ففيه ثلاثة ضمائر.
وفرّعوا على ذلك أنّك تقُول في التوكيد: "زيد القائم هو نفسه هو نفسه". (٣)
_________________
(١) = همع الهوامع (١/ ٣٣٢)، خزانة الأدب (١/ ٣٢)، (٥/ ٤٨٣).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١٣٨)، ومغني اللبيب (ص ٨٨٠)، والجنى الداني (ص ٢٠٢)، وشرح المفصل (٢/ ٣٩٩)، والهمع (٣/ ٢٥٢)، وشمس العلوم (١١/ ٧١٨١).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٥٨٨)، والهمع (١/ ٣٦٦).
[ ١ / ١٢٩ ]
و"مِن" يأتي لخمسة عشر وجهًا:
ابتداء الغاية، وهو الغَالبُ عليها، حتى ادّعى جماعة أنّ سائر معانيها راجعة إليه.
الثاني: التبعيض.
الثالث: بيان الجنس.
الرابع: التعليل؛ نحو: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥].
الخامس: البَدَل؛ نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، و"لَا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ مِنْكَ الجدَّ" (١)، أي: "لا ينفع ذا الحظ حظّه من الدنيا بذلك"، أي: "بَدَل طاعتك" أو "بدَل حظّه منك".
السادس: مُرادفة "عن"، نحو: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
السابع: مرادفة "الباء"، نحو: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥].
الثامن: مرادفة "في"، نحو: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤].
التاسع: مرادفة "عند"، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠].
العاشر: مرادفة "ربما"، وذلك إذا اتصلت بـ "ما"، كقوله:
وإنَّا لممّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلَىَ وَجْهِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ (٢)
_________________
(١) صحيحٌ: البخاري (٨٤٤).
(٢) البيتُ من الطويل، وهو لأبي حية النميري. انظر: خزانة الأدب (١٠/ ٢١٤، ٢١٥)، وأمالي ابن الشجري (٢/ ٥٦٧)، والمعجم المفصل (٧/ ٣٩١).
[ ١ / ١٣٠ ]
الحادي عشر: مرادفة "على"، نحو قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧]. وقيل: على التضمين "منعناه بالنصر".
الثاني عشر: الفصل، [وهي الداخلة] (١) على ثاني المتضادين، نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، و﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
الثالث عشر: الغاية، نحو: "رأيته من ذلك الموضع"، فجعلته غاية لرؤيتك، أي محلًّا للابتداء والانتهاء، وكذلك: "أخذته من زيد".
الرابع عشر: التنصيصُ على العُموم، وهي الداخلة في نحو: "ما جاءني من رجل"، فإنه قبل دخولها يحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة.
الخامس عشر: توكيد العُموم، وهي الزّائدة في نحو: "ما جاءني مِن أحد". (٢)
و"حيث": ظَرفُ مَكَان مُبْهَم، لازمٌ للظرفية غالبًا، وجُرَّب "مِن" كثيرًا، ولا تكون إلا مُضَافة إلى جملة.
وتكون ظَرفَ زَمَان عند الأخفش، كقوله:
لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ حَيْثُ تَهْدِي ساقَهُ قَدَمُهُ (٣)
ولا يجزم بها بغير "ما"؛ خلافًا للفرّاء.
ولا تضَاف إلى المفرد إلا شُذوذًا، كقوله:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٤١٩ وما بعدها)، وشرح التصريح (١/ ٦٣٧ وما بعدها)، والجنى الداني (ص ٣٠٨).
(٣) البيت من المديد، وهو لطرفة بن العبد. انظر: خزانة الأدب (٧/ ١٩)، والمعجم المفصل (٧/ ١٦٤).
[ ١ / ١٣١ ]
حَيْثُ سُهَيْلٌ طالِعَا (١)
وهي مبنية؛ لافتقارها إلى جملة تُضَاف إليها.
وبُني على الحرَكَات كُلها مع "الياء"، وكذلك مع "الواو"؛ فيكون ست لُغَات. (٢)
والعَاملُ في "حيث" هنا: "تبلغ الحلية".
ويجوز أن تكون مفعولًا به.
وقيل: قد [تقع مفعولا به] (٣) في نظير هَذا التركيب، وهو الأظهرُ فيها هُنا، وقد خُرّج عليه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (٤)، وسيأتي في "باب استقبال القبلة" عند قوله: "يُصَلّي حَيْث توَجّهَت به" (٥) تمام الكَلام عليها.
* * *
_________________
(١) الرجز بلا نسبة، والبيت هو: أَمَا تَرَى حَيْثُ سُهَيْلٌ طالِعَا نَجْمًا يُضيىءُ كالشهاب لامِعَا انظر: خزانة الأدب (٧/ ٣، ١١)، والمعجم المفصل (١١/ ٣٩).
(٢) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٧٧ وما بعدها)، واللمحة (٢/ ٩٠١ وما بعدها)، وشرح التسهيل (٢/ ٢٣٢)، ومغني الليب (ص ١٧٦ وما بعدها)، وشرح المفصل (١٣/ ١١٣ وما بعدها)، وأمالي ابن الشجري (٢/ ٥٩٨ وما بعدها)، وخزانة الأدب (٧/ ١٩)، والهمع (٢/ ٢٠٩ وما بعدها).
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من المغني والهمع. وقد يستغنى عن هذه الإضافة على أن تكون الجملة: "ورد في نظير ".
(٤) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٦٩)، ومغني اللبيب (ص ١٧٦، ١٧٧)، وشرح الأشموني (١/ ٤٨٥)، (٢/ ٣١٢)، وأوضح المسالك (٢/ ٢٠٧)، وشرح الكافية الشافية (٢/ ١١٤١)، والهمع (٢/ ٢١٢).
(٥) متفقٌ عليه: البخاري (١٠٠٠)، ومسلم (٧٠٠/ ٣٢)، من حديث ابن عمر.
[ ١ / ١٣٢ ]
باب الاستطابه
الحدِيث الأوّل:
[١١]: عَنْ أَنسَ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إذا دَخَلَ الْخَلاءَ قال: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالخَبَائِثِ". (١)
"الباب" يُجمع على "أبواب" و"أبوبة" إذا قصد الازدواج، نحو قولك:
هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ وَلَّاجُ أَبْوِبَةٍ
ولو أُفرد لم يجُز، ويُقال: " [تبوَّبْتُ] (٣) بَوَّابًا"، أي: "اتخذته"، و"أبواب مُبَوَّبَةٌ" كـ"أصناف مُصَنّفَةٍ". و"هذا شيء من بَابتكَ" أي: "يصلح لك". انتهى من "الصحاح" (٤).
قال غيرُه: وحقيقة "الباب ": "فُرجة في ساتر يتوصّل منها من ظاهر إلى باطن". (٥)
ولما كان الجهل ساترًا ما وراءه من العلوم استعير للعِلم "باب" من حيث يدخُل المتصف بالجهْل إلى باطن العِلم، وفي الحديث: "مَنْ تَعَلَّمَ بَابًا مِنَ العِلْمِ
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٢) في الوضوء، ومسلم رقم (٣٧٥) في الحيض.
(٢) شطر بيت من البسيط، والشطر الثاني: "يَخْلِطُ بِالبِرِّ مِنْهُ الجدَّ واللِّينَا". وهو للقلاخ بن حبابة، أو لابن مقبل. وورد الشطر الثاني بلفظ: "يَخْلِطُ بِالجدِّ منه البِرَّ واللِّينا". انظر: أمالي ابن الشجري (١/ ٣٧٨)، شرح القصائد السبع الطوال (ص ١٣٦)، أدب الكاتب (ص ٦٠٠)، المعجم المفصل (٨/ ٨٧).
(٣) بالنسخ: "بوبت".
(٤) انظر: الصحاح (١/ ٩٠).
(٥) انظر: كشف اللثام شرح عمدة الأحكام للسفاريني (١/ ١٧٢).
[ ١ / ١٣٣ ]
" (١).
والتقديرُ ههنا: "هَذا بابُ الاستطابة"، فهو مرفوعٌ بتقدير مبتدأ محذوف، والمعنى: "هَذا بابُ أحاديث الاستطابة".
وتقدَّم القول على "الحديث الأوّل" عند ذكر الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "عن أنس بن مالك": تقدّم في الحديث الأوّل القول على متعلَّق "عن"، وتقدّم في الثّاني موجب حَذف التنوين و"الألِف" من "ابن مالك" (٢).
قوله: "أنّ النبي -ﷺ-": تقدّم ذكر المواضع التي تفتح فيه "أنّ" في الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "قال: اللهم": "قَال" جَوابُ "إذا".
و"إذا" تقدّم القول عليها في الحديث الثّاني من الأوّل، وهي وجوابها خبر "كان". و"كان" واسمها وخبرها خبر "أنّ"، و"أنّ" في محلّ رفع بمتعلّق المجرور.
و"اللهم" مُنَادَى، عُوّض مِن حَرْف النّداء "الميم" عند البصريين (٣)، ولذلك لم يجمعوا بينهما إلّا في ضرورة (٤)، كقَوله:
_________________
(١) ضعيفٌ: رواه ابن ماجه في سُننه (٢١٩) من حديث أبي ذر. وضعّفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٦٣٧٣).
(٢) انظر: شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٢/ ٢٣٤، وبالهامش).
(٣) انظر: ما يجُوزُ للشاعر في الضرورة للقزاز القيرواني (ص ٢٤٠)، وأسرار العربية (١٧٧)، وأمالي ابن الشجري (٢/ ٣٤٠)، وجامع الدروس العربية (٣/ ١٥٤)، والنحو المصفَّى (١/ ٤٩٨).
(٤) انظر: فتح الباري (١١/ ١٥٥)، وعقود الزبرجَد (١/ ٢٩٩)، وأسرار العربية (١٧٦، ١٧٧)، والإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٧٩ وما بعدها)، وما يجوز للشاعر في الضرورة (ص ٢٤٠)، وشرح شذور الذهب للجوجري (١/ ٣٢٥)، وشرح =
[ ١ / ١٣٤ ]
إنِّي إذَا مَا حَدَثٌ ألَمَّا أَقُول: يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا (١)
خِلافًا للفرّاء، فإنه يقول: الأصل: "اللهم أُمَّنا بخير". (٢)
وردَّ هذا أبو عليّ بقوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]، إذ لو كان المراد: "أُمَّنا" لأغنى هذا الفعل عن جَواب الشرط، كما تقول: "يا ربنا قاتل فلانًا إن كان باغيًا"، وبأنه لو صَح لما حَسُن: " [اللهم] (٣) أُمَّنا بخَير"؛ لأنّه يكُون تكرارًا.
ورُدّ أيَضًا بقوله تعالى: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢]؛ لأنه نَقِيضُ: "أُمَّنا بخير". (٤)
وقد يُستعمل بـ "اللام"، فيُقال: "لاهُم" بحذف الألِف واللام. (٥)
وتجئ "اللهم" حشوًا بعد عُموم [حثًا] (٦) للسامع أو تنبيها على أنه كَلام يستعذر التارك به، كقولك: "أنا لا أنقطع عن زيارتك، اللهم إلا أن يمنع مانع لا يُقْدَرُ على دَفْعِهِ، [ولألزمنَّك] (٧) أبَدًا اللهم إلا أنْ تكرَه
_________________
(١) = التسهيل (٣/ ٤٠١)، وشرح التصريح (٢/ ٢٢٤)، وهمع الهوامع للسيوطي (٢/ ٦٣ وما بعدها)، والنحو الوافي (٤/ ٣٦).
(٢) البيتُ من الرجز، وزعم البعض أنه لأبي خراش الهذلي، وقيل: لأمية بن أبي الصلت. انظر: سر صناعة الإعراب (٢/ ٩٤)، الحماسة البصرية (٢/ ٤٣١)، خزانة الأدب (٢/ ٢٩٥)، المعجم المفصل (١٢/ ٨٢).
(٣) انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ٣٤١، ٣٤٠)، الهمع (٢/ ٦٤).
(٤) سقطت من الأصل، ولا يستقيم الكلام إلا بإثباتها.
(٥) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٢٨١)، وشرح المفصل (١/ ٣٦٧).
(٦) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٥/ ١٢٤)، ورياض الأفهام للفاكهاني (١/ ١٨٣)، والهمع للسيوطي (٢/ ٦٣).
(٧) بالنسخ: "حتى".
(٨) في الأصل: "ولألزمك".
[ ١ / ١٣٥ ]
مني شيئًا (١).
"اللهم" لا يُوصف عند الأكثرين، وعُلل بأنه تغيَّر بـ"الميم" في آخره. (٢)
وقيل: إنّ ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] صفة في الآية. ورُد بأنه لو كان صفة لجاز فيه الوجهان، الرفع والنصب، كسائر المناديات المبنية (٣).
و"أعُوذ": لفظه لفظ الخبر، ومعناه الدعاء.
قالوا: وفي ذلك تحقيق الطلب، كما قيل في: "غفر الله لك" بلفظ الماضي. (٤)
قالوا: ولم يُسمَع فيه تقديم معمُوله، كما سُمِع في: "لله الحمد"؛ لأنه في الإتيان بلفظ الاستعاذة امتثال الأمر. (٥)
وقال بعضهم: تقديم المعمول في الكلام تفنن وانبساط، والاستعاذة هرب إلى الله تعالى، ولذلك فقبض عنان الانبساط والتفنن فيه لائق؛ لأنه لا يكون إلا حالة خوف وقبض، والحمدُ حَالة شُكر وتذكّر إحسَان ونعَم. (٦)
والباء في "بالله" للإلصاق، وهو إلصاق معنوي؛ لأنه لا يلتصق شيء بالله ولا
_________________
(١) انظر: رياض الأفهام (٢/ ١٥٢).
(٢) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٤١٧)، وتفسير القرطبي (٤/ ٥٥)، والبحر المحيط (٣/ ٨٥)، واللباب في علوم الكتاب (٥/ ١٢٦)، وشرح المشكاة للطيبي (٢/ ٥٤٥)، وعقود الزبرجد (١/ ٣٦٥)، والهمع (٢/ ٦٤).
(٣) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٤١٧)، وتفسير القرطبي (٤/ ٥١، ٥٢، ٥٥)، والبحر المحيط (٣/ ٨٥)، واللباب لابن عادل (٥/ ١٢٦)، وإعراب القرآن وبيانه (١/ ٤٨٦)، وعقود الزبرجد (١/ ٣٦٥)، والنحو الوافي (٤/ ٤٧).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٢٠٩)، والإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٤٤٢).
(٥) انظر: تفسير الرازي (١/ ٩٥)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ١٠٥)، وإرشاد الساري (٩/ ٢٠٩).
(٦) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٢٠٩).
[ ١ / ١٣٦ ]
بصفاته، لكنه التصاق تخصيص، كأنه خصّ الرب سبحانه بالاستعاذة (١).
"من الخبث": من الشّيطان، و"من" للتبعيض، والتقدير: "من كيدهم وشرهم"، أو للابتداء إذا فسر هذا بذكُور الجن وإناثهم. (٢)
قال ابن الأثير: "الخبث والخبائث" بسكون "باء" "الخُبْثِ": "خلافُ طيب الفعل من فجور وغيره"، وبضمها جمع "خبيثة"، والمراد بها: "شياطين الإنس والجن، ذكرانهم وإناثهم" (٣).
قال الخطَّابي: عامة أصحاب الحديث يقولون: "الخُبْثِ" ساكنة "الباء"، وهو خطأ. والصواب: ضمها (٤).
قلتُ: إلا أن يكون التسكين من باب تخفيف المتحرّك الوسط، وهو قياس كـ"عضد" و"كتف"، فلا يكون خطأ (٥)، أو ثبتت الرواية بإحْدَى اللغتين، والمُحدّثون بمُراعاتها أقْعَد من غيرهم.
الحديث الثّاني
[١٢]: عَنْ أَبِى أَيوبَ الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَ -ﷺ-: "إذَا أَتيتُمْ الجلاءَ، فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بَوْلٍ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا".
قَالَ أبُو أَيُّوبَ: "فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فننْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ ﷿" (٦).
_________________
(١) انظر: شرح القسطلاني (٩/ ٢٠٩).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٩/ ١٨٨).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٦).
(٤) انظر: معالم السنن (١/ ١٠، ١١).
(٥) انظر: شرح صحيح مسلم (٤/ ٧١)، وشرح المفصل (٣/ ٢٥٩).
(٦) رواه البخاري (٣٩٤) في الصلاة، ومسلم (٢٦٤) في الطهارة.
[ ١ / ١٣٧ ]
الإعراب:
"أيوب": لا ينصرف للعَلمية والعُجمة، ولم يعتبر الاشتقاق، كما لم يُعتبر في "نوح" ولا في "يحيى". (١)
وقوله: "فلا تستقبلوا القبلة": "الفاء" جوابُ الشرط.
وتقدّم القول في "إذا" وأخواتها في الثّاني من الأوّل.
و"لا" ناهية، وهي على ثلاثة أوجه: -
أحدها: أن تكون نافية.
الثاني: ناهية.
الثالث: زائدة. (٢) ويأتي الكلام على كُلّ واحدة في محلّها.
فأمّا الناهية: فهي موضوعة فيه لطلب الترك، وتختصّ بالمضارع.
وتكون للدّعاء، كقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وتكون للالتماس، كقولك لنظيرك غير مُستعلٍ عليك: "لا تفعل كذا"، بمعنى أنه يلتمس منه أن يقع في شيء؛ فينهاه عنه قبل أن يقع فيه.
وللتهديد، كقولك لولدك أو لعبدك: "لا تطعني". (٣)
وقيل: أصلها "لام" الأمر، زيد عليها "ألِف"، [والجزم] (٤) بلام الأمر.
وقال السهيلي: الجزم بـ "لام" الأمر مُقدَّرة، فقوله: "لا تقم". أصله: "لا لتقم"،
_________________
(١) انظر: إعراب القرآن (١/ ٣٧)، وجامع الدروس العربية (٢/ ٢١١، ٢١٤).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٢٩٠).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٦٢)، ومغني اللبيب (ص ٣٢٦)، والهمع (١/ ٣٩).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ١٣٨ ]
ثم حذفت "لام" الأمر، وبقيت "لا" لتدل على النفي (١).
وعلامة الجزم في الفعل حذفُ "النون"؛ لأنه اتصل به ضمير جماعة المذكرين.
وقوله: "بغائط أو بول": حرفُ الجر يتعلّق بالفعل. ويحتمل أن يتعلق بحال من ضمير الفاعل، أي: "متلبسين بغائط".
وأعاد "لا" في المعطوف تأكيدًا للنفي الأوّل.
وتجب "لا" هنا كراهة أن يتوهم أنّ النهي عن استقبال القبلة لمجموع الغائط والبول معًا؛ لأنّ "الواو" تقتضي الجمع، ومع تكرار "لا" ينتفي ذلك الوَهم؛ لأن التقدير: "ولا تستقبلوها ببول"، وحذفت "الباء" من المعطوف لدلالة الأولى عليها.
قوله: "ولا تستدبروها": أي "بغائط ولا ببول"، وهذا من جوامع الكلم الذي أوتيه النبي -ﷺ-.
ثم قال: "ولكن شرقوا": الصّحيح أنّ "لكن" بسيطة، وقيل: مركبة من "لا" النافية وكاف الخطاب و"أن" التوكيدية، وحذفت الهمزة تخفيفًا، وخففت "النون" لمعنى العطف أو الابتداء (٢).
واعلم أنّ "لكن" المخفّفة حرف استدراك، وتكون عاطفة لا عمَل لها، خلافًا ليونس والأخفش (٣).
وإنما تعطف بشروط: إفراد معطوفها، وأن تسبق بنهي أو نفي، وألا تقترن بـ "الواو"، [نحو] (٤): "ما مررت برجل صالح، لكن طالح"، ونحو: "لا يقم زيد،
_________________
(١) انظر: شرح التصريح (٢/ ٣٩٥)، والجنى الداني (ص ٦١٧)، وشرح التسهيل (٤/ ٥٨)، وشرح المفصل (٣/ ٤٦)، وشرح الأشموني (١/ ٤٥).
(٢) انظر: شرح المفصل (٥/ ٢٩)، والجنى الداني (ص ٦١٧).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٨٦)، والجنى الداني (ص ٦٢٠).
(٤) بالنسخ: "ونحو".
[ ١ / ١٣٩ ]
لكن عمرو". (١)
وهي حرف ابتداء إن وليها جملة أو وَليت واوًا، نحو: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ []، أي: "ولكن كان رسول الله"، أو سبقت بإيجاب، نحو: "قام زيد، لكن عمرو لم يقُم"، ولا يجوز: "لكن عمرو" [على أنه] (٢) معطوف (٣).
إذا ثبت ذلك: فـ "لكن" هنا دخلت على جملة، وتقدمها "الواو"؛ فامتنع أن تكون عاطفة، وبقيت على أصلها من الاستدراك، وخلص العطف للواو دونها، كما هي في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨]، وكذلك: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]. (٤)
وباقي الكلام على "لكن" يأتي في الأوّل من "باب الحيض"، وفي الأوّل من "سجود السهو"، وفي السادس من "باب القضاء".
قوله: "قال أبو أيوب: فقدمنا الشام": "الفاء" هنا للعطف من غير تسبيب (٥).
والجملة كلها معمُولة للقول. و"الشّام": ظرفُ مكان، ويحتمل أن ينتصب بإسقاط الخافض؛ أى: "فقدمنا إلى الشام".
و"الشام" يُذَكَّرُ ويُؤنَّثُ. و"رجُل شأميّ"، و" شَآم" على وَزن "فَعَال"، وشاميٌّ أيضًا. ولا تقُل: "رجُل شأم" على النسب، وما جاء من ذلك في ضرورة الشعر محمولٌ على أنه اقتصر من النسب على اسم البلد. (٦)
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (٣/ ٣٤٥، ٣٤٦)، ومغني اللبيب (ص ٣٨٦).
(٢) بالنسخ: "لأنه". والمثبت الصواب.
(٣) انظر: أوضح المسالك (٣/ ٣٤٥ وما بعدها)، والإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٣٩٦).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٨٥)، وشرح القطر (١٥٣)، والهمع (٣/ ٢١٦).
(٥) انظر: شرح قطر الندى (ص ٣٠٢، ٣٠٣).
(٦) انظر: الصحاح (٥/ ١٩٥٧)، والمصباح (١/ ٣٢٨).
[ ١ / ١٤٠ ]
والعاملُ فيه "قَدِم"، وإن كان لا يتعدّى بنفسه، واللازم من الأفعال يتعدّى إلى الظروف والمجرورات، ويحتمل أن يُضمّن معنى "ذَهب"؛ فيتعدّى إلى "الشام".
قال ابن عصفور: "ذهب" لازم، وعَدَّته العربُ إلى "الشام"؛ لأن معناها: ["في الشام"] (١)، وهو "شأمة"، فقال: "ذهبت يمنة وشأمة"؛ أي: "يمنة ويسرة"، فصار كقولك: "ذهبتُ اليسار" و"اليسرة"، وذلك جائز، وكذلك: "ذهبتُ اليمن" لأنه من "اليمين"؛ كما تقول: "ذهبت يمنة"، ولذلك لو قلت: "ذهبت عمان" أو "خراسان" لم يجز؛ لبعدهما عن لفظ الجهات (٢).
قوله: "فوجَدنا مراحيض قد بُنيت": "وَجَد" هنا يتعَدّى إلى واحد؛ لأنه بمعنى "أصاب"، وإنما يتعدّى إذا أفاد في الخبر يقينًا (٣).
ويلحق بـ "وَجَد": -
"ألفى"، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩].
و"درى"، والأكثر فيه أن يتعدّى بـ "الباء"، نحو: "دريت بالحديث".
و"جَعَل"، نحو قوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩].
و"حَجَى"، نحو قوله:
_________________
(١) بالنسخ: "ايشام". والمثبت من شرح الجمل.
(٢) انظر: رياض الأفهام (١/ ١٨٣)، وشرح الجمل لابن عصفور (١/ ٢٣٣، ٢٥٤، ٢٥٥)، وشرح التسهيل (٢/ ٢٢٨)، والهمع (٢/ ١٥٢)، ولسان العرب (١٢/ ٣١٦).
(٣) انظر: شرح التصريح (١/ ٣٦٥)، شرح التسهيل (٢/ ٧٩)، ضياء السالك (١/ ٣٦٠)، جامع الدروس العربية (١/ ٤٠).
[ ١ / ١٤١ ]
قد كنتُ أَحْجُو أبا عَمروٍ أخا ثقَةٍ حتى أَلمَّتْ بنا يومًا مُلمّاتُ (١)
و"هب"، نحو قوله:
فَهَبْنِي امْرَأً هَالِكًا (٢)
أي: "احسبني".
وقد ترد "حجى" بمعنى "قصد"، نحو: "حجوت بيت الله"، أي: "نويته وقصدته". (٣)
ومن أمثلة "وَجَد" بمعنى "أصَاب" قوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]. (٤)
قال الجوهري: يقال: "وَجَدَ مطلوبه"، "يَجِدُهُ"، "وُجودًا"، و"يجُده" بالضم لغة عامرية لا نظير لها في باب المثال. (٥)
وتكون "وَجَد" بمعنى "العِلْم"، قال تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:
_________________
(١) البيتُ من البسيط، وهو لتميم بن مقبل، وقيل: لأبي شبل الأعرابي. انظر: شرح التصريح (١/ ٣٦٠)، والمعجم المفصل (١/ ٥١٣).
(٢) جزء من بيت من المتقارب، وهو لعبد الله بن همام السلوليّ. والبيت هو: فَقُلْتُ أَجِرْني أَبَا مالِكٍ وإلَّا فَهَبْني امْرَأ هالِكَا
(٣) انظر: المعجم المفصل (٥/ ٢٥٨).
(٤) انظر: اللمحة (١/ ٣٣٦ وما بعدها)، وشرح التسهيل (٢/ ٧٨)، ومغني اللبيب (ص ٧٧٥)، وأوضح المسالك (٢/ ٢٨ وما بعدها، ٤٣)، وشرح التصريح (١/ ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦٤)، وشرح الشذور للجوجري (٢/ ٦٤٣)، وشرح الأشموني (١/ ٣٥٧ وما بعدها)، والنحو المصفى (ص ٣١٩).
(٥) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٥/ ١٨٣).
(٦) انظر: الصحاح (٢/ ٥٤٧).
[ ١ / ١٤٢ ]
١١٠]. (١)
قالوا: ومصدره: "وُجدانًا" و"وجُودًا"، الأوّل عن الأخفش، والثّاني عن السيرافي (٢).
قال الجوهري: ويكون للغنى، ومصْدَره: "وُجدًا" و"وِجْدًا" و"جِدَة".
ويكون بمَعنى "حزن"، ومصدره "وَجْدًا" بفتح "الواو"، وهَذا لا يتعدّى إلى مفعول.
ويكون بمعنى "السّعة" (٣)، قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، أي: "من سعتكم". انتهى. (٤)
وجملة "قد بُنِيَتْ" في محل صفة لـ "مراحيض"، و"مراحيض" مفعول "وجد" المقدّر بـ"أصاب".
و"مراحيض" على وزن "فعاعيل"، لا ينصرف؛ لأنه على صيغة منتهى الجموع.
و"بُنيت" مبنى لما لم يُسم فاعله.
و"نحو" ظرف مكان؛ لأنه بمعنى الجهة، وتقدّم القول على "نحو" قريبًا.
والمفعول الذي لم يُسم فاعله ضمير "المراحيض"، و"التاء" علامة التأنيث.
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٧٨)، وشرح التصريح (١/ ٣٥٩).
(٢) انظر: رياض الأفهام (٣/ ٣٣٨)، وشرح التسهيل (٢/ ٧٩)، وشرح الأشموني (١/ ٣٥٢)، والهمع (١/ ٥٤٠)، وتاج العروس (٩/ ٢٦١).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (١٨/ ١٦٨).
(٤) انظر: الصحاح (٢/ ٥٤٧)، وتهذيب اللغة (١١/ ١١٠)، والمحكم والمحيط الأعظم (٧/ ٥٣٣)، ولسان العرب (٣/ ٤٤٥، ٤٤٦).
[ ١ / ١٤٣ ]
قوله: "فننحرف": "الفاء" سببية، و"عنها" يتعَلّق بـ "ننحرف". ويحتمل أن يكون الضمير في "عنها" يعود على "المراحيض"، ويحتمل العود على "الكعبة".
و"نستغفر الله" معطوفٌ على "ننحرف". أو في محلّ حال من الفَاعل، ويكون جملة ابتدائية، أي: "ونحن نستغفر الله لبانيها"، أو "نستغفر من استعمالها".
و"الخلاء": بالمد.
ومتى وقعت جملة الفعل المضَارع حَالًا جاءت بالضمير وحْده، فإن جاءت بـ "الواو" فهي اسمية لا فِعْلية على ما يأتي (١).
الحدِيث الثّالِث
[١٣]: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ -﵄-، قَالَ: "رَقِيْتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ [حَفْصَةَ] (٢)، فَرَأَيْتُ رسول الله -ﷺ- يَقْضي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامَ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةَ" (٣).
قال صاحب "الصحاح": "رقيت" في السُّلَّمِ بالكسر "رَقْيًا" و"رُقِيًّا"، و"ارتقيت" مثله. و"المرْقَاة" بالفتح "الدّرَجة"، فمَن كسرها شبهها بالآلة التي يعمل بها، ومَن فتح قال: هذا موضع يُفْعَل فيه؛ فجعله مخالفًا بفتح "الميم" (٤)، انتهى.
قلت: فيكون في الحديث من "رقِي"، "يَرْقى". وأما من "الرقية": فـ "رَقَى"، "يرقِي".
_________________
(١) انظر: توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧١٩)، ومُغني اللبيب (٧٨٩)، واللمحة (١/ ٣٩٢)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٢٧٩)، وهمع الهوامع (٢/ ٣٢٠ وما بعدها)، وشرح التصريح (١/ ٦٠٩)، وجامع الدروس العربية (٣/ ١٠٥).
(٢) بالنسخ: "لحفصة".
(٣) رواه البخاري (١٤٨) في الوضوء، ومسلم رقم (٢٦٦) (٦٢) في الطهارة.
(٤) انظر: الصّحاح (٦/ ٢٣٦١).
[ ١ / ١٤٤ ]
قوله: "يومًا": ظرفُ زمان.
وليس في الأسماء ما فاؤه وعَينه حَرْفا عِلّة إلا "يوم"، و"يوح" للشمس. وجعل بعضهم منه: "ويل" و"ويح" و"ويس". (١)
ولعل الأوّل أراد به: لا يُوجَد بتقديم "الياء" على "الواو" (٢).
والعاملُ فيه: "رَقيتُ".
ولليوم هنا معنيان، أحدهما: الاحتراز به من "الليل"؛ لأنه وقت لا يتحقق فيه المرئيّ، أو أراد بـ "اليوم": "المرّة الواحدة"؛ لأنّ "اليوم" يُطلَق على "الزمان"، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، المراد به: "الساعة".
وُيطلق على "المدّة بكمالها"، نحو: "يوم بدر" و"يوم حنين".
ويطلق على "الدولة"، نحو قولهم: "أيام فلان"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
ويطلق على "ما يُقَابل الليل"، كقوله تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]. (٣)
فتكون فائدة قوله: "يومًا" أنه لم يتكرّر ذلك في أيام.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٣٥)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ١٦٠)، والمحرر الوجيز (١/ ١٧٠)، اللباب لابن عادل (٢/ ٢٠٦)، وشرح شافية ابن الحاجب للرضى (٣/ ٧٢)، والصبان (٢/ ١٧٨).
(٢) انظر: شرح المفصل (٥/ ٤١٩).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٧/ ١٠٤)، والبحر المحيط (٣/ ٣٥٤)، وفتح البيان في مقاصد القرآن (٢/ ٣٤٠)، وإعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١١٨)، ورياض الأفهام (٥/ ٣٢٢)، وتاج العروس (٣٤/ ١٤٣).
[ ١ / ١٤٥ ]
و"على بيت" يتعلّق بـ "رقيت"، [ق ١٩] أو بحَال، أي: "مُستعليًا على بيت حفصة".
و"حفصة": لا ينصرف؛ للعَلمية والتأنيث (١).
قوله: "فرأيتُ": معطوفٌ على "رقيت"، وهو من رؤية البصر يتعدّى إلى واحد، وهو "رسُولَ الله" بالنصب.
و"يقضي حاجته" جملة من فعل وفاعل ومفعول، في موضع الحال من "رسول الله"، وقوله: "مُستقبل الشام" حالٌ ثانية، وكذلك: "مستدبر الكعبة". والإضافة هنا غير محضة؛ لأنها إضَافة اسم الفاعل إلى معموله، وهي بمعنى الحال.
ويحتمل أن يكون "مُستدبر الكَعبة" حَالًا مُؤكّدة -لأنّ مَن استقبل الشام استدبر الكعبة- من الضمير في "مُستقبل".
الحدِيث الرّابع
[١٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَدْخُلُ الْخَلاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنزَةً، فيسْتَنْجِي بِالْمَاءِ" (٢).
قوله: "يدخُل الخلاء": جملة في محلّ خبر "كان"، و"كان" في محلّ معمول القول، والقول خبر "أنّ"، و"أنّ" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر.
و"الخلاء": يجري فيه الخلاف فيما يقع بعد "دَخَل"، هل هو مفعول به أو ظرف؟
قال ابنُ الحاجب وغيره: هو منصوبٌ على الظرفية؛ لأنّ "دَخَل" من الأفعال
_________________
(١) انظر: توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٠٦).
(٢) رواه البخاري (١٥٢) في الوضوء، ومسلم (٢٧١) في الطهارة.
[ ١ / ١٤٦ ]
اللازمة، بدليل أنّ مصْدَره " فُعول"، وما كان مصدره "فعول" فهو لازم. ولأنّ نقيض "دَخَلَ": "خَرَجَ"، هو لازم؛ فيكون "دخلت" كذلك (١).
واختارت طائفة أنْ يكون مفعُولًا به، ومنه قول الفقهاء: "هذا حَدٌّ مدخُول". (٢)
وحَكَى بعضُهم أنّ سيبويه يقول: هو [منصوب] (٣) بإسقاط الخافض (٤).
وجعله الجرمي من الأفعال التي تتعدّى تارة بنفسها، وتارة بحرف الجر (٥).
قال أبو حيّان: "دَخَل" يتعدّى عند سيبويه لظَرف المكان المختص الحقيقي بغير واسطة "في"، فإن كان مجازيًّا تَعَدَّى إليه بواسطة "في"، نحو: "دخلتُ في الأمر". وأما على مذهب الأخفش والجرمي في أنّ "دخل" يتعدى بنفسه: فما بعده مفعول به (٦).
وقوله: "يدخُل الخلاء": أي: "يُريد دخول الخلاء"، لأنّ "الفاء" للتعقيب، وكان -ﷺ- إذا دَخَل الخلاء لا يُدخَل عليه، وذلك كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: ٤٥] (٧).
_________________
(١) انظر: عمدة القاري (٢/ ٢٧٠)، وعقود الزبرجد (١/ ١٣٥)، شرح شافية ابن الحاجب (١/ ١٥٦).
(٢) انظر: عمدة القاري (٢/ ٢٧٠)، وعقود الزبرجد (١/ ١٣٥).
(٣) بالأصل: "مخفوض"، والصواب المثبت.
(٤) انظر: الكتاب لسيبويه (٤/ ١٠)، وعقود الزبرجد (١/ ١٣٥).
(٥) انظر: عمدة القاري (٢/ ٢٧٠)، وعقود الزبرجد (١/ ١٣٥).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٥٦)، واللباب في علوم الكتاب (٢/ ٩٢)، وعقود الزبرجد (١/ ١٣٥).
(٧) انظر: تفسير القرطبي (١٠/ ١٧٤، ٣٣٤)، والبحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٥٥).
[ ١ / ١٤٧ ]
ويحتمل هنا أن تكون على بابها، أي: "كان يدخل، فيحمل الإداوة". والظاهر الأوّل.
وجملة "يدخُل" في محلّ خبر "كان".
و"الخلاء" بالمدّ، "المتوضَّأ"، وأصله "الموضع الخالي". و"الخلا" المقصور: "الحشيشُ الرطب" (١).
وجملة "فأحمل" معطوفة عليه.
و"أنا": تأكيدٌ للفاعل، مُصحّح للعَطف عليه؛ لأنه لا يُعطَف على الضّمير المرفوع المتصل إلا بعد تأكيده، أو فصل يقوم مقام التأكيد. (٢)
والعلّة في ذلك: أنّ الفعل متصل به الضّمير؛ فيصير كالجزء منه، ولذلك يسكن آخر الفعل لأجْله، فلو عطف عليه من غير تأكيد كَان عطفًا على بعض الكُلمة. ولأنه يصير في صورة عطْف الاسم على الفعل (٣).
وأجازوا في مثل هذا الوجْهين من العطْف والنصب على أنّه مفعول معه؛ فيجوز: "فأحمل أنا وغُلامٌ" و"غُلامًا"، بالرّفع والنصب.
و"أحمل" أحَد الأوزان التي يجب استتار فاعلها، وهي: "أفعل" و"تفعل" و"نفعل" و"افعل" (٤).
_________________
(١) انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين (١/ ١٥١)، والإعلام لابن الملقن (١/ ٤٢٩، ٤٣٠)، وشمس العلوم (٣/ ١٨٨٠)، وتاج العروس (٢/ ٤٥٠).
(٢) انظر: عمدة القاري (٢/ ٦٣)، وإرشاد الساري (١/ ١٧٨).
(٣) انظر: شرح المفصل (٢/ ٢٨١)، وأوضح المسالك (٣/ ٣٥٠)، والإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٣٨٨، ٣٨٩).
(٤) انظر: شرح الكافية الشّافية (١/ ٢٢٧)، الحدود في علم النحو (١/ ٤٧٩).
[ ١ / ١٤٨ ]
وقوله: "إدَاوة وعَنزَة": "الإداوة" بكسر "الهمزة": "إناءٌ من جلد".
قال في "الصّحاح": "الإداوة": "المطهرة"، والجمعُ: "الأداوى"، مثل "المطايا"، وكان قياسه: "أدائِي" مثل "رسالة" "رسائل"، فتجنبوه، وفعلوا به ما فعلوا بـ "المطايا"، فجعلوا "فعائل": "فعالى"، وأبدَلوا منهما "الواو" ليدلّ على أنها كانت في الواحِدة واوًا ظَاهرة؛ قالوا: "أَدَاوَا"، فهذه "الواو" بَدَلٌ من "الألِف" الزّائِدة في "إداوة"، و"الألِف" الذي في آخر "الأداوى" بَدَل من "الواو" التي في "إداوة"، وألزَموا "الواو" فهنا كما ألزموا "الياء" في "المطايا" (١).
والمراد: "أحدنا يحمل إداوة، والآخر يحمل عنزة"؛ لأنّ "الإداوة" للطهارة و"العنزة" للصلاة، ويحتمل أن تكون "العنزة" للطهارة أيضًا، ليحفر بها موضع قضاء الحاجة، أو ليستتر بها. والله أعلم.
قوله: "نحوي": يحتمل أن يكون بمعنى "مثلي"؛ أي: "في السن والخدمة". ويحتمل أن يكون بمَعنى "القُرب"؛ أي: إغُلام قريب مني في السن". و"نحوي" صفة لـ"غلام"، ولا تظهر فيه علامة الإعراب؛ لأنه مُضاف إلى "ياء" المتكلم.
وقوله: "من ماء": يتعلّق بصفة لـ"إداوة"، ويكون التقدير: "بإداوة فيها شيء من ماء". و"من" للتبعيض أو لبيان الجنس. وإنما احتجنا إلى هذا التقدير؛ لأن "الإداوة" ظرف للماء، لا الماء نفسه، فيتعلّق المقدر بالصفة، و"من ماء" يتعلّق بمتعلّق المقَدّر.
وقد حُذفت الصفة في قوله تعالى: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ (٢) [الصافات: ٤٥]، أي: "من ماءٍ مَعين" (٣).
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٦٦).
(٢) بالنسخ: "كأس".
(٣) انظر: البحر المحيط (٩/ ١٠١)، واللباب في علوم الكتاب (١٦/ ٣٠٠).
[ ١ / ١٤٩ ]
وجعلها بعضهم في الآية زائدة.
ويصح هنا على مذهب الأخفش ومَن وافقه من البصريين؛ فيكون محل "ماء" -على تقدير زيادة "من"- إمَّا مخفوضًا بالإضافة، وإما منصوبًا بَدَلًا من "إداوة"، أي: "فأحمل أنا إداوة ماء". وهو حَسَن. وإما مرفوعًا بالابتداء، والخبر في مجرور مقدر، أي: "فيها ماء". والله أعلم.
قوله: "وعنزة": معطوف على "إداوة".
و"بالماء" يتعلّق بـ "يستنجي"، والألِف واللام للعَهد، أي: "الماء الذي في الإداوة".
و"الباء" للتعدية، ولها أقسام جمعتُ منها في بيت ثمانية، فقلتُ:
فألصِقْ وصَاحِبْ مُستَعِينًا مُقَابِلًا وعَدِّ وَزِدْ ظَرْفيةً بَعْدَ تَسَبُّبِ
ويصح أن تكون هنا للاستعانة؛ لأنه يُستعان بالماء على إزالة النجاسة.
وتكون "الباء" للقَسَم، نحو: "بالله". وللنقل، نحو: "قمت بزيد". وللبدل، نحو قول الشاعر:
فَلَيْتَ لِي بِهِمْ يَوْمًا إِذَا رَكِبُوا شَنُّوا الإِغَارَةَ فُرْسَانًا وَرُكْبَانا (١)
أي: "فليت لي بدلهم".
وقيل: تكون للتبعيض، نحو:
شَرِبْنَ بِماء البَحْرِ ثُمَّ ترَفَّعَتْ (٢)
_________________
(١) البيت من البسيط، وهو لقريط العنبري. انظر: خزانة الأدب (٦/ ٢٥٣)، والمعجم المفصل (٨/ ١٩).
(٢) شطر بيت من الطويل، وهو لأبي ذؤيب الهذلي، وعجزه: "مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ".=
[ ١ / ١٥٠ ]
وبمعنى "مع"، وللتعليل لموافقة معنى "اللام".
وتكون للمُجاوزة، نحو قوله: ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، أي: "عن الغمام".
وللاستعلاء، نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: "على قنطار". (١)
قال في "الصّحاح": "العَنَزَة" بالتحريك: "أطول من العصا، وأقصر من الرمح، وفيه زج (٢) كزج الرّمح". (٣)
الحديث الخامِس
[١٥]: روي عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري أن النبي -ﷺ- قال: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ولا يتنفس في الإناء" (٤).
الإعراب:
جاء في هذا الحديث متعلّق حرف الجر ظاهرًا، وذلك في غيره يُرجح تقدير
_________________
(١) = انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ٣١٦)، خزانة الأدب (٧/ ٩٨)، والمعجم المفصل (٢/ ٢٢).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٣/ ١٥١ وما بعدها)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص ١٣٧ وما بعدها)، والجنى الداني (ص ٣٧ وما بعدها)، وشرح الأشموني (٢/ ٨٩)، والهمع للسيوطي (٢/ ٤١٨).
(٣) الزُّجُّ: "الحديدة التي في أسفل الرمح". والجمع: "زِجَاجٌ". انظر: العين (٦/ ٦)، والمصباح (١/ ٢٥١).
(٤) انظر: الصحاح (٣/ ٨٨٧).
(٥) رواه البخاري (١٥٤) في الوضوء، ومسلم (٢٦٧) في الوضوء.
[ ١ / ١٥١ ]
"رُوي" على غيره من التقديرات.
قوله: "الحارث": بدلٌ من "أبي قتادة"، ويصح أن يكون عطف بيان، وهو أحسَن؛ لأنه بعد نقله إلى العَلَمية صار له حكم الجامد. ولا يجوز أن يكون "الحارث" نعتًا؛ لأنه عَلَم أيضًا، والعَلَم يُنعت ولا يُنعت به (١).
و"ابن ربعيِّ" نعتٌ للحارث، و"الأنصاري" نعت لـ "أبي قتادة"؛ لأنّ المراد بيان "أبي قتادة" ونسبته إلى الأنصار.
ويجوز في: "الأنصاري" الرّفع على القطع، والنّصب على المدح، والمختار الجر؛ لأنه الجاري على وَجْه الإعراب.
واختار بعضهم الرّفع فيما كان من هذا؛ لأنّ فيه حَصرًا، وذلك أنّك إذا قلتَ: "هو الأنصاري" بالألِف واللام أفاد معنى الحصر. وجعله بعضهم مما يجب فيه حَذف المبتدأ، وستأتي المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ في الرابع عشر من "الجنائز". واختار بعضهم النصب؛ لأنه أخَفّ. (٢)
وقوله: "أنّ النبي -ﷺ- ": في محلّ المفعول الذي لم يُسم فاعله لِ "رُوِيَ"؛ ولذلك فتحت "أنّ"، و"قال" في محلّ خبر "أنَّ"، و"لا يُمسكنَّ" في محلِّ مفعول القول، [و"لا" تقدّم القَول] (٣) فيها في الثّاني من هذا الباب.
و"يُمسكنَّ" فعل مُضارع مؤكّد بـ "النون" الشديدة، وتقدّم القول فيها وفي أخواتها في الخامس من الأوّل.
_________________
(١) انظر: الموجز في قواعد اللغة العربية (١/ ٣٥٤) وما بعدها.
(٢) انظر في قطع النعت عن المنعوت: نتائج الفكر (١/ ١٨٦)، وشرح ابن عقيل (٣/ ٢٠٤)، والنحو الوافي (١/ ٥١١، ٥١٢).
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من السياق.
[ ١ / ١٥٢ ]
قوله: "بيمينه": "الباء" للإلصاق، يتعلّق بـ "يمسكنَّ".
وجملة "وهو يبول" في محل الحال من "أحدكم"، والرابط " الواو" والضمير.
و"لا يتمسح" و"لا يتنفس" [معطُوفان] (١) على الأول.
و"من الخلاء" و"بيمينه" يتعلّقان بـ "يتمسح"، و"الباء" للإلصاق، و"من" لابتداء الغاية، و"في" للظرفية.
وتقدّم القول على "من" في العاشر من أوّل الكتاب، و"الباء" تقدمت في الحديث قبل هذا، وفي الرابع من أول الكتاب.
ومعنى النهي عن الإلصاق هنا في "الباء": أن لا يجعلها آلة المسح ولا ملتصقة بآلة المسح.
ومعنى البيان: دخول الجنس تحتها، وتقدّر بـ "الذي".
ومعنى النهي عن التنفس عند بعضهم: الطب (٢)، حتى قيل: إنّ رجلًا نهش بأسنانه قطعة لحم وطرحها لكَلب فأكلها الكلب فمات من حينه؛ لأنّ في أسنان الإنسان [سُمًّا] (٣) يؤذي غير صاحبه.
_________________
(١) بالنسخ: "معطوفات".
(٢) يعني أنه نهي للحفاظ على صحة الآخرين إذا شرب أحدهم من نفس الإناء، لأن الأواني وسيلة لانتقال أسباب بعض الأمراض كما هو مشهور في الطب.
(٣) في الأصل: "سم"، والصواب المثبت.
[ ١ / ١٥٣ ]
الحديث السّادس
[١٦]: عن عبد الله بن عباس -﵄- قال: مر رسول الله -ﷺ- بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" فأخذ جريدة رطبة، فقسمها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" (١).
الإعراب:
قوله: "بقبرين": يتعلق بـ "مرَّ"، و"مَرَّ" وما بعده معمُول للفعل.
وجملة "-ﷺ-" لا محلّ لها من الإعراب.
وقوله: "فقال": معطوفٌ على "مر"، أو على محذوف؛ أي: "فوقف، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير".
قوله: "إنهما": الضّمير يعود على: "صاحبي القبرين" عند إشارته إليهما ووقوفه عليهما. وكُسرت "إنّ"؛ لأنها في ابتداء الكلام، وإن قَدَّرت قَسَمًا أعربتها جَوابًا له.
قوله: "في كبير": يتعلق بـ "يُعَذَّبَانِ" الثاني، و"يُعذبان" المنفي والمثبت مبنيان لما لم يُسَمَّ فاعله، وعلامة الرفع فيهما "النون"؛ لأنّه اتصل بها ضمير [تثنية] (٢).
و"اللام" في "ليعذبان" الداخلة في خبر "إنّ" -وهي "لام" الابتداء- تأخّرت، وحقّها أن تتقدّم على "إنّ"؛ لأنه لا يجتمع حرفا معنى لمعنىً واحد إلا بفاصل، ولما كانت "إنّ" للتأكيد و"اللام" للتأكيد قُدّمت "إن"؛ لأنها عاملة، وأخّرت "اللام"؛ لأنها غير عاملة (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٦) في الوضوء، ومسلم (٢٩٢) في الإيمان.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢١٦)، وخزانة الأدب (٨/ ٣١).
[ ١ / ١٥٤ ]
وقد جاء الجمعُ بينهما في قول الشاعر:
لهَنَّكِ من بَرْقِ عليَّ كَريمُ (١)
وهذه "اللام" لا تدخُل على شيء من أخوات "إنّ" لمعنيين، أحدهما: أنّ "إنّ" تكون جوابًا للقَسَم، و"اللام" كذلك، فاحتاجوا إلى الجمع بينهما، بخلاف أخوات "إن"؛ فإنها لا يكون منها شيء جَوابًا للقَسَم، ويسمّي النحويون هذه "اللام": "المزحلقة"، و" [المزحلفة] (٢) "، بمَعنى أنها أخّرت عن محلّها وزُحلقت عنه (٣).
قوله: "وما يُعذّبان في كبير": قال ابنُ مالك: "في" هنا للتعليل، أي "لأجْل كبير" (٤).
قوله: "أما أحدهما": الأصلُ في "أمّا" (٥) هذه التي للتفصيل: "مهما يكن من شيء فأحدهما لا يستتر من البول"، فحذفوا الفعل الذي هو "يكن"، ثم عوضوا بين "أمّا" وبين "الفاء" جُزءًا مما دخلت عليه "الفاء" وحصلت فيه قبل حذف الفعل،
_________________
(١) عجز بيت من الطويل، وهو لمحمد بن سلمة أو لرجل من بني نمير. وأوّله: "أَلَا يَا سَنَا بَرْقٍ على قلل الحمى". انظر: خزانة الأدب (١٠/ ٣٣٨، ٣٥١)، والمعجم المفصل (٧/ ٢٤١).
(٢) بالنسخ: "المزلحيقة". والتصويب من المصادر. وانظر: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٧/ ٤٣١)، شرح التصريح (١/ ٣١١)، مغني اللبيب (ص ٣٠٤).
(٣) انظر: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (٧/ ٤٣١)، إرشاد الساري (١٠/ ٣٢٦)، مُغني اللبيب (ص ٣٠٤)، اللمع في العربية (ص ٤٢)، شرح المفصل (٤/ ٥٣٣، ٥٣٤)، شرح ابن عقيل (١/ ٣٦٢ وما بعدها)، أوضح المسالك (١/ ٣٣٣)، شرح الأشموني (١/ ٣٠٥ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٣١١)، وجواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع (ص ٦٠ بالحاشية)، والنحو الوافي (١/ ٦٥٩).
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٢٣).
(٥) انظر لمعرفة أحكام (أمَّا): الجنى الداني (ص ٥٢٨)، تاج العروس (٣١/ ٢٤١).
[ ١ / ١٥٥ ]
وذلك هنا: "أحدهما"؛ لأنه جزء جوابها حين قُلت: "مهما يكن من شيء فأحدهما لا يستتر"، فالجزء الأوّل "أحدهما" والثاني: "لا يستتر من البول".
فتقديم المبتدأ بعد "أمّا" إنما فُعِلَ ليكون عوضًا عن "يكن" المحذوفة مع متعلّقها.
وتأخير "الفاء" في الخبر كراهية أن تلي "الفاء": "أمّا"؛ فإنها شرط، والشّرطُ لا يليه جزاؤه.
وسواء كان المتقدّم من خبر جوابها مرفوعًا -كقولك: "مهما يكن من شيء فزيد مُنطلق"، فتقول: "أمّا زيد فمُنطلق"- أو منصوبًا، نحو: "أمّا يوم الجمعة فزيد منطلق"، أي: "مهما يكن من شيء فزيد منطلق يوم الجمعة". (١)
قال أبو حيان: "أمّا" عبر بأنها حَرف تفصيل، وجعلها بعضهم حرف إخبار. وبنو تميم يُبْدلون "الميم" الأولى "ياء"؛ فيقولون: "أَيْمَا".
ومما فصل به بينها وبين "الفاء" قولهم: "أما بعد فزيد ذاهب"، على أن "بعد" معمول بـ "ذاهب"، وفاقًا لسيبويه وأبي عثمان، خلافا للمُبَرِّدِ وابن دَرَسْتَوَيْهِ. ولا يُفصل بمعمول خبر "ليت" ولا "لعل"، نحو: "أما بعد فليت -أو: فلعل- زيدًا ذاهب" (٢). انتهى من "المجيد".
وجعل الفاكهاني "أمّا" من قولهم: "أمّا أنت منطلقًا انطلقت" بمعنى "كان"؛ لأنها اقتضت اسمًا وخبرًا (٣)، وإنما ذلك و"كان" المحذوفة؛ لأنّ أصل الكلام: "لأجل
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ٥٢٢)، وشرح المفصل (٥/ ١٢٥)، وشرح ابن عقيل (٤/ ٥٢)، وشرح التصريح (٢/ ٤٢٩).
(٢) البحر المحيط (١/ ١٩٢).
(٣) انظر: رياض الأفهام (١/ ٢٣٥ وما بعدها)، وجامع الدروس العريبة (٢/ ٢٨٢).
[ ١ / ١٥٦ ]
أنْ كنت منطلقًا انطلقتُ".
قوله: "فأما أحدهما" مبتدأ، وجوابُ الشرط: "فكان يمشي".
و"من البول" يتعلق بـ "يستتر". ويحتمل أن تكُون "مِن" للتعليل، كقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩]. (١)
[وعلى] (٢) رواية "يستبرئ" - وهو التنظيف [بكوني] (٣)، وكذلك على رواية: "يستنزه". (٤)
وتقدّم القَول في معاني "مِنْ" في العَاشر مِن أوّل الكتاب.
وقوله: "يمشي بالنميمة": حرفُ الجر يحتمل أن يتعلق بـ "يمشي" الذي هو بمعنى "يوشي [بها] (٥) "، ويحتمل أن يتعلّق بحال، أي: "يمشي نامًّا"، أي "مُتلبسًا بها"؛ فتكون "الباء" للمُصاحبة.
قوله: "فأخَذ جريدة": "أخَذ" بمعنى "تناول"، و"الإخذ" بالكسر الاسم، والأمر: "خُذْ"، أصله: "اُأْخُذ"، وكذلك: "كُل" أصله: "اُأْكُل"، ومثله: "مر" أصله: "اُأْمُر"، غير أنهم استثقلوا الهمزتين فحذفوهما تخفيفًا. وقياسه أن تبدل همزته "ياء"؛
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٣/ ١٣٤)، والجنى الداني (ص ٣١٠).
(٢) كذا في الأصل.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) كذا بالأصل. ولعل هناك سقطًا. قال ابن حجر في الفتح (١/ ٨٦): "قوله: لا يستبرئ من البول أي: لا يستقصي عنده أو لا يتجنبه، وهو الموافق للرواية الأخرى: لا يستنزه بالنون والزاي". وقال الصنعاني في سبل السلام (١/ ١٢٢): "كان لا يستبرئ من بوله بموحدة ساكنة: أي: لا يستفرغ البول جهده بعد فراغه منه فيخرج بعد وضوئه". وانظر: لسان العرب (١/ ٣٣).
(٥) بالنسخ: "بهما". ولعل الصواب المثبت.
[ ١ / ١٥٧ ]
فتقول: "ايتخذ"، "ايتمر". (١)
واختلف في مادته على ثلاثة أقوال: فقيل: من "أَخَذَ". وقيل: من "وَخَذَ". وقيل: من "تَخَذَ". (٢)
ويتعدى "أخذ" لواحد، كقوله: "اتخذتُ بيتًا"، والاثنين بمعنى "صَيَّر"، كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]. (٣)
وجاءت "أخذ" بمَعنى "طفق" و"جَعل" و"كرب"، فتكون لدنو الخبر آخذًا فيه، فيحتاج إلى اسم وخبر، ويكون خبرها فعلًا، كقولك: "أخذ زيد يفعل كذا" (٤).
قوله: "فقسمها نصفين": وجاء: "فقسمها بنصفين" على أنّ "الباء" زائدة في الحال، والحال هنا مُقدّرة، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] (٥)، وعند الدخول لا يكونون "محلقين"، كما أن "العصا" عند شقها لا تكون "نصفين".
قوله: "واحدة": مفعول "غَرَز".
و"كُلّ" قال فيها أبو حيان: إنها للعُموم، وهي اسم جمع لازم للإضافة، إلا أنّ
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٤)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٥٥١)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٦٢ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢٧٧).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٣١٧)، وشرح شافية ابن الحاجب للرضي (٣/ ٧٩)، وشرح التصريح (٢/ ٧٣٨).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٣١٨، ٥٨٠).
(٤) انظر: شرح المفصل (٤/ ٣٨٦)، وشرح التسهيل (١/ ٣٨٩)، وشرح الشذور لابن هشام (ص ٣٥٦)، وأوضح المسالك (١/ ٢٩٠)، والنحو الواضح في قواعد اللغة (٢/ ١٣٠).
(٥) انظر: شرح الأشموني (٢/ ٤٥)، وحاشية الصبان (٢/ ٢٨٨)، ومغني اللبيب (ص ٦٠٥، ٦٠٦).
[ ١ / ١٥٨ ]
ما أضيفت إليه يجوز حذفه وهو منوي، نحو: "مررت بكلٌّ قائمًا" (١).
قال ابن مالك: إلا أن تقع توكيدًا، نحو: "مررتُ بهم كلهم"، أو نعتًا، نحو: "هذا الرجل كُل الرجل"؛ فلا يحذف المضاف إليه.
وأجاز الفراء والزمخشري حذفه إذا كان توكيدًا، كقراءة من قرأ: "إنا كُلًّا فيها" (٢). (٣)
وإذا حذف المضاف إليه عوض منه التنوين. وقيل: هو تنوين صرف. وإذا كان المضاف إليه المحذوف معرفة بقيت "كُلّ" على تعريفها؛ فيجئ منها الحال، نحو: "مررت بكلٍّ قائمًا"؛ لأنّ المضَافَ إليه منوي. (٤)
ولا تعرّف بـ "اللام" عند الأكثرين، خلافًا للأخفش والفارسي، فلا تقول: "الكُل"، ولهذا كان قول بعضهم: "الكُل" و"البعض" تسامحًا في العبارة. (٥)
وشذ انتصابه حالًا، نحو: "مررت بهم كلا"؛ أي: "جميعًا". (٦)
والأصل فيه أن يتبع توكيدًا، نحو: "مررت بهم كلهم". (٧)
ويستعمل مبتدأ، نحو: "كلهم قائم" (٨)، وهو أحسَن من استعماله فاعلًا،
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٤)، (٩/ ٢٦٤).
(٢) سورة [غافر: ٤٨]. قرأ ابن السميفع، وعِيسَى بن عِمْرَانَ: "كُلًّا" بِنَصْبِ "كُلٌّ". انظر: البحر المحيط (٩/ ٢٦٣).
(٣) انظر: الكشاف (٤/ ١٧١)، ومعاني القرآن للفراء (٣/ ١٠)، وشرح التسهيل (٣/ ٢٤٤)، ومغني اللبيب (ص ٦٦٢).
(٤) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٢٤٧).
(٥) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٢٤٥)، والهمع (٢/ ٥١٦).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٤)، وأمالي ابن الشجري (١/ ٢٣٤).
(٧) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٢٤٤). انظر: شرح الأشموني (٢/ ٣٥٣)، ومغني اللبيب (ص ٢٦٣).
[ ١ / ١٥٩ ]
نحو قوله:
تميد إذا مادت عليه دلاؤهم فتصدر عنها كلها وهو ناهل (١)
أو مفعولًا به، نحو: "كليهما وتمرًا"؛ أي: "أعطني كليهما"، وليس ذلك بمقصُور على السماع، ولا مختصًّا بالشعر، خلافًا لزاعمه. (٢)
وإذا أضيف إلى نكرة أو مُعرّف بـ "ال" حَسُن أن يلي العوامل اللفظية، نحو: "قام كُل رجل" و"قام كُل الرجال".
وإذا أضيف إلى نكرة اعتبر المضاف إليه [مُرادًا] (٣) فيما لَه من خبر [وغيره] (٤)، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] على الأكثر. (٥)
وإلى معرفة: فوجهان: اعتبار "كُل" فالإفراد، واعتبار المضاف إليه فبحسَبه، والأفصح الإفراد؛ فتقول: "كلهم ذاهب"، و"كُلهم ذاهبون".
وإن حذف المضاف إليه: فعلى ما ذكر من كونه في الأصل نكرة أو معرفة، وقد يحسُن الإفراد (٦).
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو لكُثير عزة. وفيه: (يميد)، (فيصدر). انظر: شرح التسهيل (٣/ ٢٩٩)، والمعجم المفصل (٦/ ٢٨٤).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٢٩٩، ٣٠٠)، ومغني اللبيب (ص ٢٥٨)، وشرح المفصل (١/ ٣٩٢، ٣٩٤).
(٣) غير واضحة بالأصل.
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ومخبر".
(٥) عبارة ابن مالك: "والمعهود في (كل) مضافًا إلى نكرة من خبر وضمير وغيرهما، أن يجيء على وفق المضاف إليه، كقوله ". انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٥٠).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ١٤٤، ٣٧١)، وشواهد التوضيح (ص ٢٥٠)، وشرح التسهيل (٣/ ٢٤٥، ٣٠٠)، ونتائج الفكر (ص ٢١٦ وما بعدها)، والأصول في النحو (٢/ ٢٢)، وشرح الأشموني (٢/ ٣٥٥).
[ ١ / ١٦٠ ]
وسيأتي بقية مِن أحكامها في الثّاني من "صفة الصّلاة"، وتقدّمت في أوّل حديثٍ من الكتاب.
وقوله هنا: "على كُل قبر واحدة": ولم يقل: "على قبر واحدة، وعلى قبر واحدة"؛ لأن الأوّل أخصر، مع ما أفادته "كُل" من عموم أجزاء كُل قبر، والمراد: "على كل قبر منهما"، لا عُموم القبور، بدليل السياق، ويتعلق "منهما" بصفة "القبر".
وحذفُ الصفة كثير (١)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، أي: ["أي مَعاد"] (٢)، وقوله تعالى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١]، أي: "بالحق البين"، وإلا لكان قولهم كفرًا. (٣)
و"واحدة" حُذف موصوفها، أي: "شقة واحدة"؛ لأنّ الموصوف معلوم من نفس الصفة. وسيأتي القول على المواضع التي يحذف فيها الموصوف (٤) في التاسع من "باب صفة الصلاة".
قوله: "فقالوا: يا رسول الله لم فعلت": معطوفٌ على ما قبله، و"الفاء" هنا للسببية.
ولها ثلاثة أقسام: العطف والسببية، وذلك إذا عطف بها على جملة في الغالب، نحو: "سها فسَجَد"، و"زنا ماعز فرُجِم". وقد لا تفيد، نحو قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ
_________________
(١) انظر: شرح الأشموني (٢/ ٣٢٨)، وشرح التسهيل (٣/ ٣٢٤)، وهمع الهوامع (٣/ ١٥٨).
(٢) كذا بالنسخ. وفي شواهد التوضيح (ص ٨٥): "إلى معادٍ أي معادٍ" أو: إلى معادٍ تحبه".
(٣) انظر: شواهد التوضيح (ص ٨٥)، عقود الزبرجَد (٣/ ١٤١)، وعُمدة القاري (١٩/ ١٠٤)، وشرح الأشموني (٢/ ٣٢٨)، وشرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٣٢٤)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٤٤، ٨١٨)، وشرح ابن عقيل (٣/ ٢٠٥)، وهمع الهوامع (٣/ ١٥٨).
(٤) انظر: شرح الأشموني (٢/ ٣٢٨، ٣٣١)، شرح التسهيل (٣/ ٣٢٢).
[ ١ / ١٦١ ]
فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢].
الثاني: تكون فيه مجرّدة للسببية، وذلك إذا وقعت جوابًا للشرط، لا يكون فيها معنى العطف.
المعنى الثالث: تكون فيه مجرّدة للعطف، وذلك إذا عطفت بها مُفردًا على مفرد، نحو: "قام زيد فعمرو". (١)
وقوله: "لم فعلت": "لم" جَار ومجرور، المجرور "ما" الاستفهامية، ويجب حذف ألِفها إذا جُرَّتْ، وتبقى الفتحة لتدلّ عليها، وإنما فعل ذلك للفرق بين الاستفهام والخبر (٢)، ولذلك حذفت في قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، وثبتت في قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ [النور: ١٤]، فـ "ما" الأولى استفهامية، والثانية موصولة خبرية. وقرأ عيسى: "عما يتساءلون" (٣). (٤)
قال ابنُ مالك: وفي الحديث "بما أهْلَلْت" (٥)، وهو قليل (٦).
وهذا حكمها ما لم يتصل بها "ذا" من أسماء الإشارة. فإن اتصل بها "ذا" وَجَب
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٦١، ٦٤)، الجنى الداني (ص ٦١، ٦٦)، وإعراب القرآن وبيانه (١٠/ ٤٤٩).
(٢) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٨٣)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص ٣٩٣)، تهذيب الأساء واللغات للنووي (٤/ ١٣٢)، وشرح التصريح (٢/ ٦٣٤)، وضياء السالك (٤/ ٢٩٥).
(٣) سورة [النبأ: ١]. وقد قرأ الجمهور: "عم"، وقرأ عبد الله وأبي وعكرمة وعيسى: "عما" بـ "الألِف"، وهو أصل "عم". انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٨٣).
(٤) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٨٣)، وعقود الزبرجد (١/ ١٣٠)، ومغني اللبيب (ص ٣٩٣، ٣٩٤).
(٥) صحيحٌ: رواه البخاري (١٥٥٨)، من حديث أنس.
(٦) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢١٧).
[ ١ / ١٦٢ ]
رد "الألِف" (١).
قال ابن هشام: ورَدّ الكِسائي قول المفسرين في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧] أنها استفهامية، وإنما هي مصدرية (٢).
قال: والعَجَب من الزمخشري، إذ جوَّز كونها استفهامية في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف: ١٦]، ورَدّ على مَن قال بذلك في: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي﴾ [يس: ٢٧] (٣).
وحرف الجر في "بِمَ" يتعلّق بالفعل بعده؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما عملت اللام للصوقها بالكلمة واختلاطها بها؛ ولذلك تكتب متصلة.
و"هَذا": منصوبٌ بـ "فعلت"، وبُني لأنه من الأسماء المبهمة المفتقرة إلى مُشَار إليه.
وقوله: "لَعَلَّهُ": "لعل" واسمها، وهي حرف تَرَجٍ. وهي وأخواتها تنصب الاسم وترفع الخبر (٤). وفيها لُغَات (٥). وقد نصبت جوابها حملا على "ليت" في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ [الصافات: ٥٥] بالنصب (٦)، وجاء الجر (٧) في قول الشاعر:
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٩٥)، وتاج العروس (٤٠/ ٤٩٢).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٩٤).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٩٤).
(٤) انظر: الهمع (١/ ٤٩٠)، وألفية ابن مالك (ص ٢١).
(٥) انظر: الهمع للسيوطي (١/ ٤٨٤)، ولسان العرب (١٣/ ٣٩٥)، وتاج العروس (٣٦/ ١٢٣).
(٦) انظر: شرح المفصل (٤/ ٥٧٠)، وشرح التصريح (٢/ ٣٨٦).
(٧) انظر: أمالي ابن الشجري (١/ ٣٦١، ٣٦٢)، وخزانة الأدب (١٠/ ٤٢٦)، وشرح الأشموني (١/ ١٠٣، ١٠٤)، وجامع الدروس العربية (٣/ ١٩٠).
[ ١ / ١٦٣ ]
فَقلتُ ادْع أُخْرَى وارْفَع الصَّوْت مَرّة لَعَلّ أَبي المِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ (١)
وقد جاء النصب بها في جزأيها، نحو: "لعلّ أباك منطلقًا"، وتؤوِّل على حَذف فِعْل، أي: "يوجَد مُنطلقًا" أو "يكُون منطلقًا". (٢)
وأجابوا عن الأوّل بأنه مجرور بـ" لام" الجر المحذوفة؛ أي: "لعلّ لأبي المغوار"، وقيل غير ذلك. (٣)
وفيها لُغات: "لَعَلَّ"، "عَنّ"، "لَعَنَّ"، "لَغَنَّ"، "لَأَنَّ" (٤). ويأتي القول عليها في أوّل حديث من "باب العِدَد"، وفي الحديث الثاني من "الوصايا" بزيادة على هذا.
وقوله: "يُخَفَّفُ": فعلُ مُضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله، و"عنهما" متعلّق به، ويجوز فيه النّصب بتقدير "أَنْ" (٥)، كما جَاء في قول الشّاعر:
أَلَا أَيُّهذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى . (٦)
أي: "عن أنْ أحضر الوغى".
والمفعولُ الذي لم يُسَمّ فاعله: ضميرُ "العذاب" المفهُوم من الفعل.
_________________
(١) البيتُ من الطويل، وهو لكعب بن سعد الغنوي. انظر: أمالي ابن الشجري (١/ ٣٦١)، وخزانة الأدب (١٠/ ٤٢٦)، والمعجم المفصل (١/ ٣٢٤).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٧٧).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٧٧)، والجنى الداني (ص ٥٨٥).
(٤) انظر: همع الهوامع (١/ ٤٨٤).
(٥) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٨)، شرح المفصل (٣/ ٦)، (٤/ ٢٨٠)، مغني اللبيب (ص ٥٠٢)، الهمع (٢/ ٤٠٥).
(٦) صَدرُ بيت من الطويل، وهو لطُرفة بن العبد. وعجزه: "وأنْ أشْهَد اللَّذَّات هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي". انظر: شرح المفصل (٣/ ٦)، المعجم المفصل (٢/ ٤٣١).
[ ١ / ١٦٤ ]
ولو رُوي: [يُخَفِّف] (١) ببنائه للفَاعِل، أي: "يُخفِّف الله" [ما] (٢) صحَّ، أو: "يُخفِّف غَرْزُ الجريدتين عنهما".
قوله: "ما لم ييبسا": "ما" ظرفية مصدرية، [أي] (٣): "مُدّة دوام [رطوبتها] (٤) "؛ فحذف الظرف، وخلفه "ما" وصلتها، كما جاء في المصدر الصريح في قولهم: "جئتك صلاة العصر"، و"آتيك قدومَ الحاج". ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] (٥).
وأجاز الزمخشري (٦) أن تكُون "ما" بدلًا من "الإصلاح" أي: المقدار الذي استطعته، أو يكون مفعولا بـ "الإصلاح"، كقوله:
ضَعِيفُ النِّكايِة [أَعْدَاءَهُ] (٧) . (٨)
إذا ثبت ذلك: فقوله: "لم ييبسا" في محلّ جرٍّ؛ لأنّ التقدير كما تقدّم: "مُدّة دوام رطوبتها".
فلو جاء الكلام: "لعله يخفّف عنهما ما ييبسا" لم يصحّ المعنى؛ لأنّ التأقيت
_________________
(١) بالنسخ: "تخفف"، والمثبت هو لفظ الحديث.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) كتب بصلب الأصل. والمثبت من هامش الأصل. وفي "إرشاد الساري": (٩/ ٤١): "مُدّة انتفاء يبسهما".
(٥) انظر: مغني اللبيب (٤٠٠).
(٦) انظر: الكشاف (٢/ ٤٢١).
(٧) بالنسخ: (أعداؤه)، والمثبت من المصدر.
(٨) صدر بيت من المتقارب، وهو بلا نسبة. وعجز البيت: "يَخَالُ الفِرَارَ يُرَاخِي الأَجَلْ". انظر: المعجم المفصل (٦/ ٩).
[ ١ / ١٦٥ ]
يصير مُقدّرًا بمُدة اليبس، وليس هو المراد؛ لأنّ سر ذلك [تسبيحهما] (١) ما دامتا [رطبتين] (٢).
باب السواك
الحديث الأوّل
[١٧]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ".
"السّواك": ينطلق على العُود الذي يُستاك به، وعلى الفعْل.
وهو مُذكّر. وقيل: يُذكّر وُيؤنث. والصّحيح الأوّل.
ويُقال: "ساك فمه". فإن قُلت: "استاك" لم تذكُر "الفم".
ويجمع "السّواك" على "سُوُك" بضمتين، كَ "كِتاب" و"كُتُب". وحُكي فيه: "سؤك" بالهمز (٣).
"لولا": حرفُ امتناع لوجود، ويلزم بعدها المبتدأ.
وتكون حرف تحضيض؛ ويلزم بعدها الفعل المضارع، نحو: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٦].
وتكون للتوبيخ؛ فتختصّ بالماضي، نحو: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]. ومنه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ [النور: ١٦]، إلا أنّ الفعل أُخِّر.
_________________
(١) بالنسخ: "تستبحهما".
(٢) بالنسخ: "رطيبتين". وانظر: إرشاد الساري (٩/ ٤١).
(٣) انظر فيما سبق: الصحاح (٤/ ١٥٩٣)، لسان العرب (١٠/ ٤٤٦).
[ ١ / ١٦٦ ]
وذكر الهروي فيها الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠].
وقال الهروي: وتكُون نافية بمنزلة "لم"، وجَعَل منه قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] (١).
إذا ثبت ذلك: فـ "لولا" هنا الامتناعية، ويجب حذف خبر المبتدأ الواقع بعدها.
قال ابن مالك: وعلى هذا [اتفاق] (٢) أكثر النحويين، إلا الرماني و[ابن] (٣) الشّجري.
قال: وقد يُسر لي في هذه المسألة زيادة، فأقول وبالله أستعين: إنّ المبتدأ المذكور بعد "لولا" على ثلاثة أضرب: -
مخبر عنه بكون غير مُقيد.
مخبر عنه بكون مقيد لا يدرك معناه عند حذفه.
ومخبر [عنه] (٤) بكون مقيد يدرك معناه عند حذفه.
فالأول: "لولا زيد [لزارنا] (٥) عمرو"، فمثل هذا يلزم حذف خبره؛ لأن المعنى: "لولا زيد على كل حال من أحواله لزارنا عمرو"، فلم تكن حالٌ من أحواله أوْلى بالذّكر من غيرها، فلزم الحذف لذلك. ولما في الجملة من الاستطالة
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (٣٦١).
(٢) غير واضحة بالأصل، وفي (ب): (إطلاق)، والمثبت هو ما يناسب السياق، ولعل بالموضع سقطا، فعبارة ابن مالك: "وهو مما خفي على النحويين إلا الرماني وابن الشجرى". انظر: شواهد التوضيح (١٢٠).
(٣) غير موجود بالنسخ، والسياق يقتضيها. انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ٥١٠).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "لذكرنا"، والمثبت من المصدر.
[ ١ / ١٦٧ ]
[المحوجة] (١) إلى الاختصار.
الثاني: وهو [المخبر] (٢) عنه بكون مقيّد ولا يدرى معناه إلا بذكره، نحو: "لولا زيد غائب لم أزرك"، فخبر هذا النوع واجب الثبوت؛ لأنّ معناه [يجهل] (٣) عند حَذفه. (٤)
ومنه: قول النبي -ﷺ-: "لَولا قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بكُفْر" (٥) أو "حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بكُفْرٍ" (٦)، فلو اقتصر في مثل هذا على المبتدأ لظنّ أنّ المراد: "لولا قومك على كُلّ حَال من أحوالهم لنقضت الكعبة"، وهو خلاف المقصود؛ لأنّ من أحوالهم بُعد عهدهم بالكفر فيما يستقبل، وتلك الحال لا تمنع من نقض الكعبة وبنائها على الوجه المذكور (٧)، ومن هذا النوع قال عبد الرحمن بن الحارث لأبي هريرة: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا، وَلَوْلا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ" (٨).
الثالث: وهو [المخبر] (٩) عنه بكَون مُقيّد يُدرَك معناه عند حذفه، كقولك: "لولا أخو زيد ينصره لغلب"، و"لولا صاحب عمرو يعينه لعجز"، فهذه الأمثلة وأمثالها يجوز فيها إثبات الخبر وحَذفه.
_________________
(١) غير واضحة بالنسخ، والمثبت من المصدر.
(٢) بالنسخ: (الخبر)، والمثبت من المصدر.
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "يجعل". والمثبت من المصادر.
(٤) انظر: عقود الزبرجد (٣/ ١٧٥)، إرشاد الساري (١٠/ ٢٨٣).
(٥) صحيحٌ: مسلم (١٣٣٣/ ٤٠٠).
(٦) متفقٌ عليه: أخرجه البخاري في صحيحه (١٢٦، ٣١٤٧)، ومسلم في صحيحه (١٣٣٣/ ٤٠٢)، من حديث عائشة.
(٧) انظر: فتح الباري (٣/ ٤٤٤)، وعمدة القاري (٩/ ٢١٧، وما بعدها)، وإكمال المعلم (٤/ ٤٢٩)، وشرح مسند الشافعي للرافعي (٢/ ٣٤٦).
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه (١٩٢٦).
(٩) بالنسخ: "الخبر".
[ ١ / ١٦٨ ]
ومن هذا النوع قول أبي العلاء المعري:
فلولا الغِمْدُ يُمْسِكُه لَسالا (١)
وقد خَطّأه بعض النحويين، وهو بالخطأ أوْلى، انتهى. (٢)
قلتُ: فيكون قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم" من القسم الأوّل، ويحتاج إلى تقدير، والتقدير: "لولا مخافة أن أشق لأمرتهم أمر إيجاب"، وإلا لانعكس معناها؛ إذ الممتنع المشقّة، والموجود الأمر. و"اللام" جوابُ لولا (٣).
قالوا: ويجب حذفُ الخبر في ثلاثة مواضع (٤) أخرى: -
أحدها: "ضربي زيدًا قائمًا"، و"كل رجل وضيعته"، أي: "وضيعته مقرونان"، و"لعَمرك لأفعلن".
وحرفُ الجر في قوله: "بالسواك" يتعلق بـ "أمرتهم".
و"أمر" يتعدّى تارة بنفسه إلى واحد، وإلى الثاني بحرف الجر، ويجوز حذف الحرف.
_________________
(١) البيت من الوافر، وهذا عجُز البيت، وصدر البيت: "يُذيبُ الرُّعْبُ مِنْهُ كُلَّ عَضْبٍ". انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٧٦)، وشرح التصريح (١/ ٢٢٥)، وحاشية الصبان (١/ ٣١٦)، وأوضح المسالك (١/ ٢١٨)، ومغني اللبيب (ص ٣٦٠)، والمعجم المفصل (٦/ ٥٥).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٢٠ وما بعدها إلى ١٢٢). وراجع: المقرب لابن عصفور (١/ ٨٤)، وشرح جمل الزجاجي له (١/ ٣٥١ - ٣٥٢)، والهمع (٣/ ١٧٦)، والصبان (١/ ٣١٦)، وأوضح المسالك (١/ ٢١٨).
(٣) انظر: عمدة القاري (٦/ ١٨٠)، وفتح الباري (١٣/ ٢٢٣)، وإرشاد الساري (٢/ ١٦٤)، (١٠/ ٢٨٣).
(٤) انظر: شرح المفصل (١/ ٢٤١)، شرح التسهيل (١/ ٢٨٨)، الصبان (١/ ٣١٨ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٥٢)، الهمع (١/ ٣٤٩).
[ ١ / ١٦٩ ]
والأمر من "أمر": "مُر"، بحذف فائه، وإثبات فائه قلمل، فإن تقدّمه "فاء" أو "واو" كان إثبات فائه أجوَد، كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ [طه: ١٣٢]. (١) ويأتي تمام الكلام على "أمر" في الثّالث من "باب فضل الجماعة".
و"عند": اسم [للحضور] (٢) الحسي، نحو: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل: ٤٠]، والمعنوي، نحو: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠]، وهي مثلثة "الفاء"، والكسر أجوَد، ولا تقع إلا ظرفًا أو مجرورة بـ "من"، وقول العامة: "ذهبت إلى عنده" لحن. (٣)
قال ابنُ هشام في قول بعض المولدين:
كل عند لك عندي لا يساوي نصف عندي (٤)
قال الحريري: لحن (٥)، يعني: لأنّه خفض "عند" بغير "من".
قال ابن هشام: وليس كذلك، بل كل كلمة ذكرت وُيراد بها لفظها [فسائغ] (٦) أن تتصرّف تصرف الأسماء، وأنْ تُعرب ويُحكى أصلها. (٧)
قوله: "عند كُلّ صَلاة": تقدّم القول على "كُل" في السادس من "الاستطابة"،
_________________
(١) انظر: رياض الأفهام (٢/ ٣٩)، وشرح المفصل (٥/ ٢٧٦، ٢٧٧)، وإيجاز التعريف في علم التصريف (ص ١٩٦)، والجمل للخليل (ص ٢٤٩)، وهمع الهوامع (١/ ٣٤٩)، (٣/ ٥٠٨)، وشرح ابن عقيل (٤/ ٢٧٨)، وتهذيب اللغة (١٥/ ٢٠٧).
(٢) بالنسخ: "الحضور". والمثبت من "المغني".
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٠٦)، وشرح التسهيل (٢/ ٢٣٥).
(٤) البيتُ من الرمل، وهو لبعض المولدين. انظر: درة الغواص (ص ٣٢)، وشرح التصريح (١/ ٤٧).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٠٦).
(٦) بالنسخ: "فشائع".
(٧) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٠٦).
[ ١ / ١٧٠ ]
ومتعلّق "عن" في الأحاديث قبله، و"باب" في "باب الاستطابة"، ونظير "أبو هريرة" من المركّبات في الثالث من أول الكتاب.
[وتقدّم] (١) أنّ جملتي "ﷺ" و"﵁" لا محلّ لهما من الإعراب.
والتقدير في "عن" الثانية [مخالفٌ] (٢) للتقدير في الأولى، كما تبين مرارًا أنّ التقدير: "رُوي عن أبي هريرة أنه رَوى عن النبي -ﷺ-".
الحديث الثاني:
[١٨]: عن حذيفة بن اليمان -﵁- قال: "كان النبي -ﷺ- إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك" (٣).
قوله: "إذا قام من الليل": "إذا" ظرف زمان مستقبل، وغلب مجيئها شرطًا، وهي لما تيقن أو رجح وجوده. ولا يُجزم بها إلا في الشّعر، خلافًا [للكوفيين] (٤). (٥)
وتجيء للمفاجأة ظرف زمَان، خلافًا للمبرد، فإنها عنده ظرف مكان.
وذهب الكوفيون إلى أنها حَرْف (٦).
والعَاملُ فيها جوابها، عند الجمهور.
_________________
(١) بالنسخ: "وتقول".
(٢) في النسخ: "مخالفًا".
(٣) رواه البخاري (١١٣٦) في التهجد، ومسلم رقم (٢٥٥) في الطهارة.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: علل النحو (٢٣٣)، وشرح المفصل (٣/ ١٢١)، وشرح التسهيل (٢/ ٢١٠)، ومغني اللبيب (ص ١٢٠).
(٦) انظر: الهمع (٢/ ١٧٩)، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٩٣).
[ ١ / ١٧١ ]
واعترض بأنه يجوز: "إذا قمت فعمرو قائم"، ولا يصح هنا أن يعمل فيها جوابها؛ لأنّ ما بعد "الفاء" لا يعمل فيما قبلها، وبوقوع "إذا" المفاجأة جوابًا لها، قال: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: ٢١]، ولا يعمل ما بعد "إذا" المفاجأة فيما قبلها.
وقيل: العاملُ فيها ما يليها، وهذا يجري على القول بأنّ فعلها في محلّ جزم بها، أما إن كَان في محلّ جر فلا يعمل (١)، وقد تقدّم القول على ذلك في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب.
وتحتمل "إذا" هنا أن تكون لا شرط فيها؛ فلا تحتاج إلى جواب.
ومتى جعلناها شرطية كان الجواب محذوفًا، ويكون "يشوص" دليلًا عليه، أي: "إذا [بلغ] (٢) من الليل يفعل ذلك".
وقريبٌ من هذا التركيب قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]، فقيل: "يستكبرون" اسم "إن"، و"كانوا" مُلغاة لا عمل لها. وقيل: "يستكبرون" خبر "كان"، والجملة من "كان" مع اسمها وخبرها خبر "إن"، وجوابُ "إذا" محذوف يدلّ عليه ما قبله (٣).
و"من" في قوله: "من الليل" لابتداء الغاية.
وقوله: "فاه": "الفم"، له حالتان: -
إحداهما: أن يكون مفردًا؛ فيجب أن يكون بـ "الميم"، تقول: "هذا فم"،
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٥)، واللباب في علوم الكتاب (١٠/ ٢٨٩)، والتبيان في إعراب القرآن (٢/ ٦٦٩).
(٢) كذا بالأصل. ولعلها: "قام".
(٣) انظر: البحر المحيط (٩/ ٧٩)، تفسير القرطبي (١٥/ ٧٦)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٣٣٦).
[ ١ / ١٧٢ ]
و"رأيت فمًا"، و"مررت بفم".
وأصله: "فوه" بسكون "الواو"، بدليل قولهم: "أفواه"، ولكنهم حذفوا منه "اللام" -وهي "الهاء"- حذفًا على غير قياس، فصار: "فُوْيمْ"، ثم أبدلوا من "الواو" ميمًا، وأعربوه بالحركات، فإذا أضافوا رجعوا بعينه -وهي "الواو"- إلى أصلها، فقالوا: "هذا فوك"، وقلبوها ألِفًا في النصب و"ياء" في الجر، فقالوا: "رأيت فاك"، و"نظرت إلى فيك" (١).
ولا يجوز الجمع بين "الميم" والإضَافة إلا في ضرورة الشّعر، كقوله:
يُصْبعُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ (٢)
هذا قول جماعة، منهم أبو علي الفارسي (٣).
وقال ابنُ مالك (٤): لا يختص بالشعر، واستدل بقوله -ﷺ-: "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ " (٥)، ولم يقُل: "فيّ الصّائم" (٦).
_________________
(١) انظر: الأصول في النحو (٣/ ٢٧٣)، وشرح المفصل (٢/ ٢١٦)، وشرح التصريف للثمانيني (ص ٣٤٣)، وشرح المفصل (١/ ١٥٦).
(٢) هذا عجز بيت من الرجز لرؤبة، ونُسب لجرير. وصدر البيت: "كالحوت لا يكفيه شيءٌ يلهَمُهْ". انظر: خزانة الأدب (٤/ ٤٥١)، وحماسة الخالدين (ص ٤١)، وجمهرة الأمثال للعسكري (١/ ٢٥١)، محاضرات الأدباء للراغب (١/ ٧٣٢)، والمعجم المفصل (١٢/ ١١٧).
(٣) انظر: الكتاب (٣/ ٤١٢)، نتائج الفكر (ص ٨٠)، وشرح المفصل (٢/ ٢١٦، و٥/ ٣٨٧)، وشرح التسهيل (١/ ٤٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٤١١)، ليس في كلام العرب (ص ٢١٧)، وحاشية الصبان (١/ ١٠٩)، وخزانة الأدب (٤/ ٤٥١).
(٤) انظر: شرح التسهيل (١/ ٥١)، خزانة الأدب (٤/ ٤٥١).
(٥) متفقٌ عليه: البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١/ ١٦٣)، من حديث أبي هريرة.
(٦) انظر: شرح التسهيل (١/ ٤٧، ٤٩، ٥٠)، (٣/ ٢٨٥).
[ ١ / ١٧٣ ]
وجرى في هذا الحديث على الأصل المشهور، فأضاف "الفم" إلى الضمير، فقال: "يشوص فاه". وسيأتي في الثّاني من "باب الأذان"، وفي الثاني من "الوصايا" ذكر ذلك.
وأما "فوَه" بتحريك "الواو" فهي: "سعة الفم"، تقول: "رجل أفوَه" و"امرأة فوهاء" (١).
وسيأتي القول على معاني "عن" في الثّالث من "باب الصفوف".
و"حُذيفة" لا ينصرف؛ [للعلمية] (٢) والتأنيث.
و"اليمان": يُروى بإثبات "الياء" وحذفها، والمحدثون على حذفها (٣).
وتقدم أنّ جملتي "ﷺ" و"﵁" جملتا اعتراض لا محلّ [لهما] (٤).
و"قال" تقدّر معه "أنّ"؛ ليسوغ بناؤه للمفْعول الذي لم يُسَمّ فاعله.
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٤٤). وراجع: سر صناعة الإعراب (٢/ ٩١)، درة الغواص (١/ ٨١)، إصلاح المنطق (ص ٢٦٠)، خزانة الأدب (٤/ ٤٩٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٩٧)، الممتع لابن عصفور (ص ٥١٨).
(٢) بالأصل: "والعلمية". والمثبت من (ب).
(٣) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٣٤٤)، وأسد الغابة (١/ ٤٦٨)، والاستيعاب لابن عبد البر (١/ ٣٣٤).
(٤) بالنسخ: "لها".
[ ١ / ١٧٤ ]
الحديث الثّالث:
[١٩]: عن عائشة -﵂- قالت: "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي -ﷺ- وأنا مسندته إلى صدري ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به؛ فأبَدّه النبي -ﷺ- بصره فأخذت السواك فقضمته فطيبته ثم دفعته إلى النبي -ﷺ- فاستن به، فما رأيت رسول الله -ﷺ- استن استنانًا أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله -ﷺ- رفع يديه أو إصبعيه ثم قال: "في الرفيق الأعلى ثلاثًا" ثم قضى، وكانت تقول: "مات بين حاقنتي وذاقنتي" (١).
وفي لفظ: "فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك فأشار برأسه أن نعم" لفظ البخاري. ولمسلم نحوه (٢).
الإعراب:
جملة "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر" معمولة للقول.
و"على النبي" يتعلق بـ "دخل"، والتقدير: "بيته" أو "في بيته".
وأقسام "على" تأتي في الخامس من "الجنابة".
وتقدّم القول في "دخل" في الرابع من "باب الاستطابة".
قوله: "وأنا مُسندته إلى صدري": جملة في محلّ الحال من "النبي -ﷺ- ". والرابط من الجملة الضّمير. والعامل: "دخل". و"إلى صدري" يتعلق بـ "مُسندته".
ويأتي القول على "إلى" في الثاني من "باب الوتر".
قوله: " [مع] (٣) عبد الرحمن" بن أبي بكر "سِوَاك": مبتدأ وخبر، والمسوّغ تقدّم
_________________
(١) رواه البخاري (٨٩٠) في الجمعة، (٤٤٣٨) في المغازي.
(٢) رواه البخاري (٤٤٤٩) في المغازي.
(٣) سقط من النسخ.
[ ١ / ١٧٥ ]
الخبر في المجرور (١).
وعند الكوفيين: المجرور يعمل مُطلقًا، وإن لم يعتمد. فيكون "سواك" فاعل بالمجرور على مذهبهم.
ويأتي الكلام على "مع" في الحديث الأوّل من "باب المسح على الخفين"، وفي الثامن من "صفة صلاة النبي -ﷺ-".
والجملة من المبتدأ والخبر في محلّ حَال من "عبد الرحمن".
فإن قلت: وأين العائد من الجملة على صاحب الحال؟
فالجواب: أنّ تكرار اسم صاحب الحال يقوم مقَام ضميره (٢).
ثم إنّ الجملة الاسمية قد تجيء بـ "الواو" وحدها، كقوله تعالى ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ١٤]، وقد تجيء بهما، كقوله تعالى: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وقد تجيء بالضّمير وحده، كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤]، أي: "متعادين" (٣).
قوله ["رطب"] (٤): صفة و"سواك".
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (١/ ٢٦٨)، شرح ابن عقيل (١/ ٢٣٩).
(٢) انظر: شرح المفصل (٢/ ٧، ١٣)، وشرح التسهيل (٢/ ٣٥٥، وما بعدها)، وحاشية الصبان (٢/ ٢٦٩)، وأوضح المسالك (٢/ ٢٨١، ٦٠)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٢٤٦).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٧)، (٦/ ٢٤٤)، والكشاف (٢/ ٤٤٩)، وشرح الكافية الشافية (٢/ ٧٥٨)، وشرح التسهيل (٢/ ٣٦٢)، وحاشية الصبان (٢/ ٢٨٢)، وشرح التصريح (١/ ٦١٠)، وأوضح المسالك (٢/ ٢٨٧)، والهمع للسيوطي (٢/ ٣٢٠).
(٤) سقط من النسخ. والمثبت الصواب.
[ ١ / ١٧٦ ]
و"سِوَاك" تقدّم أنه يجمع على "أسوك" و"سُوُك" (١).
وجملة: "يستن به": في محلّ صفة و"سواك" أيضًا.
و"الاستنان": إمرار الشيء الذي فيه حروشة على شيء آخر. ومنه "المسنّ" الذي يُسَنّ عليه الحديد، يريد: "أنه يدلّك به أسنانه" (٢).
قوله: "فأبدّه النبي -ﷺ- بصره": "أبدّه" فعل ومفعول، والفاعل: "النبي".
وهو بتخفيف "الباء" وتشديد "الدال"، قيل: بمعنى "طول نظره"، وعلى هذا يتعدى لواحد، ويكون المعنى: "طول إليه بصره"، ثم حذف حرف الجر، وعدّي الفعل إلى الضمير.
ويحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا، و"أبدّه" بمعنى "أتبعه" (٣)، و"أتبع" يتعدّى لاثنين بالهمزة، كقولك: "أتبعت زيدًا عمرًا"، قال تعالى: "وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ" (٤). (٥)
قالت: "فأخذت السواك، فقضمته، وطيّبته، ثم دفعته": كلها معطوفات. وأتى
_________________
(١) انظر: المصباح (١/ ٢٩٧)، وتاج العروس (٢٧/ ٢١٧). وفيها أنه يجمع على: "أسوكة" و"سوك".
(٢) انظر: رياض الأفهام (١/ ٢٦٣). وراجع: عمدة القاري (٦/ ١٩٦)، والكواكب الدراري (٣/ ١٠٤)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٣٩٢).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٠٩)، عمدة القاري (١٨/ ٦٥)، وإرشاد الساري (٦/ ٤٦٥)، والتوضيح لابن الملقن (٧/ ٤٢٤)، كشف المشكل من حديث الصحيحين (٤/ ٣١٥)، ومطالع الأنوار (١/ ٤٥٥).
(٤) من سورة [الطور: ٢١]. و"أتبعناهم" هي قراءة أبي عمرو، و"ذرياتهم" قراءته وجماعة. انظر: معاني القراءات للأزهري (٣/ ٣٣)، جامع البيان في القراءات السبع (٤/ ٦٠٥)، المكرر في ما تواتر من القراءات السبع وتحرر (ص ٤٠٦).
(٥) انظر: البحر المحيط (٥/ ٢٢٢)، (٧/ ٣٦٢)، والتحرير والتنوير (٢٧/ ٤٩)، وتفسير البيضاوي (٥/ ١٥٤).
[ ١ / ١٧٧ ]
بـ "ثم" المقتضية للمُهلة في "دفعته للنبي -ﷺ-" لأنه معطوف على "أخذته"، ولما كان من أخذها له ودفعه إلى النبي -ﷺ- مُهلة القضم والتطييب رتبت بـ "ثم" (١).
و"إلى النبي": يتعلّق بـ "دفع".
و"القضم": "القطعُ بأطراف الأسنان" (٢).
والمعنى: "أنها طيّبته بأسنانها، وليّنته".
وقوله: "فاستن" معطوفٌ على محذوف، أي: "فأخذه فاستن".
قولها: "فما رأيتُ النبي -ﷺ- استن": "ما" نافية، والرؤية بصرية، وجملة "استن" في محلّ حال، أي: "مستنًا".
ويحتمل أن تكون الرّؤية بمعنى العِلم؛ فتكون جملة "استن" في محلّ المفعول الثاني. وهو أحسَن (٣).
و"استنانًا": مصدر "استنّ". و"أحسن منه": صفته.
و"أحسَن": "أفعل" التفضيل، لا يُثنّى، ولا يجمَع (٤).
قوله: "فما عَدَا": "مَا" نافية، و"عَدا" هنا بمعنى "جاوز" (٥) ْ
وليست "عَدَا" أخت "خَلا"؛ فهما بمعنى: "فما جاوز أنْ فرغ رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) انظر: عُمدة القاري (٦/ ١٩٦).
(٢) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠١٣)، والعين (٥/ ٥٤)، ولسان العرب (١٢/ ٤٨٧)، وتاج العروس (٣٣/ ٢٨٣)، والصاحبي (ص ١٥٣).
(٣) انظر: فتح الباري لابن رجب (٨/ ١٢٨)، وإرشاد الساري (٦/ ٤٦٥)، والتوضيح لابن الملقن (٧/ ٤٢٤).
(٤) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٢٦٢)، شرح التسهيل (٣/ ٦٤)، شرح المفصل (٢/ ١٦١)، والهمع (٣/ ١٠٠).
(٥) انظر: شرح المفصل (٢/ ٤٩)، وشمس العلوم (٧/ ٤٤١٨).
[ ١ / ١٧٨ ]
من استنانه".
قال في "الصّحاح": يُقال: "عَدَاه"، أي: "جَاوَزه". يُقال: "ما عَدَا فلان [أنْ صَنَع كذا] (١) " و"ما لي عن فلان مَعْدًى"، أي: "لا تجاوز [لي] (٢) إلى غيره" (٣).
إذا ثبت ذلك: فقوله: "أن فرغ" في محلّ مفعول بـ "عَدَا"، أي: "فما عدا هو - أي: الاستياك- فَراغَ رسول الله -ﷺ- "؛ فـ "الاستياك" فاعل، و"أن فرغ" مفعول به.
ويكون "رَفَع يديه" بدَل من "فرغ"، بَدل شيء من شيء؛ لأنه يرجع إليه في المعنى، أي: "فما جاوز الاستياك رَفع يديه قوله: في الرفيق الأعلى" (٤).
ويجوز فيه وَجْه آخر، وهو أن يكون فاعل "عَدَا" [ضمير عائد] (٥) على "النبي -ﷺ-"، و"أنْ فرغ" بَدَل من ضمير النبي -ﷺ-، بدل اشتمال، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، (٦)، ويكون "رفع يديه" مفعولًا بـ "عَدَا"، على تقدير "أن"، كما تقدّم في الوجه الثاني.
وقد جاء حذف "أن" كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الشورى: ٣٢] أي: "أن يُريكم"، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾ (٧) [البقرة: ٨٣]، أي: " [بأن] (٨) لا تعبدوا". وكذا:
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٤٢١).
(٤) انظر: عمدة القاري للعيني (١٨/ ٦٥)، وإرشاد الساري (٦/ ٤٦٥)، والتوضيح لابن الملقن (٧/ ٤٢٤).
(٥) كذا بالنسخ.
(٦) انظر: مغني اللبيب (ص ٥٩٤)، والفصول المفيدة للعلائي (ص ٢٣١).
(٧) بالنسخ: "أخذ الله".
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ١٧٩ ]
ألا أيهذا الزاجري أحضرُ الْوَغَى . (١)
أي: " [عن] (٢) أنْ أحضر" (٣).
وقوله: "أو [إصبعيه] (٤) ": "أو" للشّك من الرّاوي.
ولها مَعَان انتهت إلى اثني عشر، أحدها: الشّك، كقوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩].
الثاني: الإبهام، نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]
قال ابن هشام (٥): الشاهد [في] (٦) "أو" الأولى.
الثالث: التخيير، وهي الواقعة بعد الطلب، وقبل ما يمتنع به الجمع، نحو: "تزوج هندًا أو أختها".
الرابع: الإباحة، وهي الواقعة بعد الطلب، وقبل ما يجوز فيه الجمع، نحو: "جالس العُلماء أو الزهّاد"، و"تعلّم الفقه أو النحو".
_________________
(١) صدر بيت من الطويل، وهو لطرفة بن العبد. وعجزه: "وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي". انظر: الكتاب لسيبويه (٣/ ٩٩)، وأمالي ابن الشجري (١/ ١٢٤)، والشعر والشعراء لابن قتيبة (١/ ١٨٩)، وخزانة الأدب (٨/ ٥٨٥)، والمعجم المفصل (٢/ ٤٣١).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الأصول في النحو (٢/ ١٦٢)، وعلل النحو (ص ٤٤٢)، وشرح التسهيل (١/ ٢٣٤)، (٤/ ٥٠)، ومغني اللبيب (ص ٨٣٩)، وشرح المفصل (٣/ ٦)، والهمع (١، ٣٠/ ٣٤٤).
(٤) بالنسخ: "إصبعه".
(٥) انظر: مغني اللبيب (١/ ٨٧).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ١٨٠ ]
الخامس: الجمع المطلَق، كـ "الواو"، قاله الكوفيون.
السادس: الإضراب، [كـ "بل"]، (١). وعن سيبويه إجازة ذلك بشرطين: تقدّم نفي أو نهي، وإعادة العامل، نحو: "ما قام زيد أو ما قام عمرو"، و"لا يقم زيد أو لا يقم عمرو" (٢).
السابع: التقسيم، نحو: "الكلمة اسم أو فعل أو حرف"، ذكره ابن [مالك (٣)، وعبّر عنه] (٤) بالتفصيل.
الثامن: تكون بمَعنى "إلّا" في الاستثناء، وهذه تنصب المضارع بعدها [بإضمار] (٥) "أنْ"، كقولهم: "لأقتلنه أو يُسلم".
التاسع: تكون بمعنى "إلى"، فتنصب المضارع أيضًا، نحو: "لألزمنك أو تقضيني حقّي".
العاشر: التقريب، نحو: "ما أدري أسلّم أو ودعّ".
الحادي عشر: الشرطية، نحو: "لأضربنه عاش أو مات".
الثاني عشر: التبعيض، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٣٥]، نقله ابن الشّجري (٦) عن بعض الكوفيين، انظر "المغني" لابن هشام (٧).
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) ونسبه ابن عصفور لسيبويه. انظر: شرح الأشموني (٢/ ٣٧٩).
(٣) انظر: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٢٢٠).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: الأمالي لابن الشجري (٣/ ٧٩).
(٧) انظر: مغني اللبيب (ص ٨٧ وما بعدها). وراجع: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٢٢٠)، والإنصاف للأنباري (٢/ ٣٩١)، والجنى =
[ ١ / ١٨١ ]
فـ "أو" هنا في الحديث للشّك من الراوي، أو من "عائشة" -﵂-.
فائدة:
إذا قلت: "أزيد عندك أو عمرو" حمل على أنّ السائل لم يثبت عنده أن أحدهما المسئول عنه؛ فيكون جوابه: "لا" أو "نعم".
فلو قال: "أزيد عندك أم عمرو" حمل على أنّ السائل علم أنّ أحدهما عند المسئول، ولكنه جهل تعيينه؛ فجوابه: "زيد" أو "عمرو"، ولا يجاب بـ" لا" و"نعم".
فـ "أم" للتعيين، بخلاف "أو". ويدلّ على ذلك جواز قولهم: "رأيت زيدًا أو عمرًا" وامتناع "رأيتُ زيدًا أم عمرا". (١)
*****
قوله: "في الرفيق الأعلى": حرْفُ الجر يتعلّق بمحْذوف، أي: "أَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى"، وقد جاء مصرّحًا به في رواية أخرى (٢).
و"الأعلى": "أفعَل" من "علا". ويحتمل أن يكون مذكر "فُعلى". وُيراد بـ"الرفيق": "الجماعة العليا" (٣). وقد جرى مثل هذا في "الفردوس الأعلى".
_________________
(١) = الداني (ص ٢٢٨)، وشرح شذور الذهب للجوجري (٢/ ٨٠٨)، والهمع (٣/ ٢٠٣)، وشرح التصريح (٢/ ١٧٣)، وتوضيح المقاصد (٢/ ١٠٠٩)، حاشية الصبان (٣/ ١٥٧).
(٢) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٢٧٤)، واللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٣٠)، ومغني اللبيب (ص ٦٣)، والمقتضب (٣/ ٣٠١ وما بعدها)، وشرح المفصل لابن يعيش (٢/ ١٤٩)، (٥، ١٧/ ١٨).
(٣) صحيحٌ: سنن ابن ماجه (١٦١٩)، وسنن الترمذي (٣٤٩٦)، وقال: "حسن صحيح"، وأحمد (٢٤٧٧٤)، من حديث عائشة. وصحّحه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (١٢٦٧).
(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٣٧)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٢٠٨)، =
[ ١ / ١٨٢ ]
وقيل: مؤنثة؛ لتأنيث صفتها، إن قيل: "فُعلى".
وقيل: وزنه "أفعل"؛ فلا يدل على التأنيث.
ومتى قلنا: "الرفيق" هو اسم من أسماء الله تعالى تعين التذكير، ولا يكون له مفهوم، كقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، ولا يكون قتلهم بحَق. (١)
قال الشيخ تقيّ الدّين: يحتمل أن يُراد بـ "الرفيق": "الأعلى" وغيره. ثُم ذلك على وجهين: -
أحدهما: أن يختص [الفريقين] (٢) معًا بالمقربين المرضيين، ولا شك أن مراتبهم مُفرّقة؛ فيكون -ﷺ- طلب أن يكون في أعلى مراتب الرفيق، وإن كانوا كلهم سعداء مرضيون. (٣)
قلتُ: فعلى هذا يكون المراد بـ "الرفيق": "المتصفين بالسعادة في الآخرة"، ثم طلب أعلى مراتبهم.
الثاني: أن يُطلق "الرفيق" بالمعنى الوضعي الذي يعم كُلّ رفيق، ثم يخصّ منه "الأعلى" بالطلب [وهو مُطلَق] (٤) "المرضيين"، ويكون "الأعلى" بمعنى "العالي"، ويخرج عنهم غيرهم، وإن كان اسم "الرفيق" مُنطلقًا عليهم. (٥)
_________________
(١) = والتمهيد لابن عبد البر (٢٤/ ٢٦٩).
(٢) انظر: رياض الأفهام (١/ ٢٦٧ وما بعدها)، وتاج العر وس (١٦/ ٣٢٢)، وتهذيب اللغة (١٣/ ١٠٤).
(٣) كذا بالأصل. وفي المصدر: "الرفيقان".
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١١٠، ١١١).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب) والمصدر.
(٦) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١١١).
[ ١ / ١٨٣ ]
قلت: يريد -والله أعلم- أنّ المؤمنين كلهم رفيق له من جهة أنهم مُصدِّقون له -ﷺ- مُؤمنون به، ولكن منازلهم على حسب أحوالهم وأعمالهم، فمنهم من خلفه عَمله عن منزلة غيره، ومنهم من قَدّمه عمله، فسأل النبي -ﷺ- أن يُلحقه بـ "الرفيق الأعلى" منهم، وهو بمعنى "العالي من المنزلة".
وقوله: "ثلاثًا": مصدر؛ لأنه عَدَد "مرّات". و"مرات": جمع "مرة"، و"مرة" مصدر. وقيل: "مرّة" ظرف؛ فيكون "ثلاثًا" ظرف (١).
قولها: "قَضَى": نحبه، أو يكون بمعنى "تُوفي" اللازم.
قال في "الصّحاح": "قضى نحبه" "قضاء"، أي "مات". (٢)
وقال الفرّاء: قوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١]، بمعنى: "امضوا إليّ"، كما يُقَال: "قضى فلان" أي: "مات ومضى". (٣)
قال ابنُ الأثير: قال الأزهري: "القضاء" في اللغة على وجوه مرجعها إلى "انقطاع الشيء وتمامه".
ومنه: "القضاء" [المقرون] (٤) بـ "القَدَر".
والمراد بـ "القَدَر": "التقدير"، وب "القضاء": "الخلق"، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: "خلقهن".
و"القضاء والقَدَر" أمْرَان مُتلازمَان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر؛ لأنّ أحدهما بمنزلة الأساس، وهو "القَدَر"، والآخر بمنز لة البناء، وهو "القضَاء"، فمَن أراد
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٥/ ٤٧٦)، ونتائج الفكر (ص ٣٠٠).
(٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢٤٦٣).
(٣) انظر: معاني القرآن للفرّاء (١/ ٤٧٤)، والصحاح (٦/ ٢٤٦٤).
(٤) بالنسخ: "المعروف".
[ ١ / ١٨٤ ]
الفصْل بينهما فقد رام هَدْم البناء ونقضه (١).
قوله: " [وكانت] (٢) تقول": جملة مستأنفة.
و"مات بين حاقنتي وذاقتتي": اسمُ "كان": "ضمير عائشة -﵂-". والخبر في جملة "تقول". و"ذاقنتي" معطوفٌ على "حاقنتي".
و"الحاقنة": هي "النُّقرة بين الترقوة [وحبل العاتق] (٣) ". و"الذاقنة": "طرف الحلقوم". ويُقال: "الحاقنة": "ما سفل من البطن"، [قاله الجوهري] (٤). (٥)
وقال غيره: "الذاقنة": "أعلى البطن"، و"الحواقن": "أسفله" (٦).
قوله: "بين": ظَرْف، ويُستعمل استعمال الأسماء المعربة، فتدخلها علامات الإعراب، نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨].
وتكون بمعنى الوصل والقطع، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، أي: "وصلكم".
وتنتقل الزمانية إلى المكانية، نحو: "داري بين دارك ودار زيد".
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ٧٨).
(٢) بالنسخ: "وكان".
(٣) بالنسخ: "وحد العنق". والمثبت من "الصحاح".
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من المصادر. وانظر: رياض الأفهام (١/ ٢٧٠)، والإعلام لابن الملقن (١/ ٥٩٣).
(٥) انظر: الصحاح (٥/ ٢١٠٣، ٢١١٩).
(٦) انظر: رياض الأفهام (١/ ٢٧٠)، وإحكام الأحكام (١/ ١١٠)، ومشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٠٩، ٢١٠، ٢٧١)، وتاج العروس (٣٤/ ٤٥٠)، ولسان العرب (١٣/ ١٢٦)، وشمس العلوم (٨/ ٥٥٣٣)، والصحاح (٥/ ٢١٠٣)، والنهاية لابن الأثير (١/ ٤١٦)، وغريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٢٣٠)، وأساس البلاغة (١/ ٣١٣).
[ ١ / ١٨٥ ]
وتدخُل عليها "ما"، فتقول: "بينما يفعل كذا"، أي: "بين أوقات فعله لكذا". وقد تلحق "الألِف"، فتقول: "بينا"، والتقدير كما تقدّم.
واعلم أنّ "بينما" تتلقى تارة بـ "إذ" وتارة بـ "إذا" التي للمفاجأة، كقوله:
. بيْنَما العُسْر إذْ دَارَت مَيَاسِير (١)
وقوله:
بَيْنَمَا المَرْءُ فِي الأَحْيَاءِ مُغْتَبِط إِذا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفوه الأَعاصِيرُ (٢)
وأما "بينا" فلا تلتقي بواحدةٍ منهما.
وربّما أضيفت "بينا" إلى مصدَر، نحو: "بينا تُعانقه الكُماة"، بخفض "تعانقه".
قلتُ: وعجُز البيت لأبي ذؤيب:
بَينا تَعانُقِهِ الكُماةُ ورَوْغِهِ يَومًا أُتيحَ لَهُ جَرئٌ سَلْفَعُ (٣)
وهذا البيت ينشد بجر "تعانقه" ورفعه.
_________________
(١) عجز بيت من البسيط، وهو لجبلة العذرى عبد الْمَسِيح بن بقيلة الغسانى، أو لحريث بن جبلة، أو لعثير بن لبيد. والبيت هو: فاسْتَقْدِرِ اللهَ خَيْرًا وَارْضَيَنَّ بِهِ فبيْنَمَا العُسْرُ إذْ دَارَتْ مَيَاسيرُ انظر: الحماسة البصرية (٢/ ٦٤)، وأمالي ابن الشجري (٢/ ٥٠٤)، وخزانة الأدب (٧/ ٦٠)، والمعجم المفصل (٣/ ٣٦٤).
(٢) البيت من البسيط، وهو لكثير بن لبيد العذري أو لحريث بن جبلة. انظر: لسان العرب (٤/ ٢٩٣)، وتهذيب اللغة (٢/ ١٢)، والصحاح (٢/ ٦٦١)، والمعجم المفصل (٣/ ٣٦٧).
(٣) البيتُ من الكامل، وهو لأبي ذؤيب الهذلي. انظر: جمهرة أشعار العرب (ص ٥٣٤، ٥٤٩)، مُغني اللبيب (ص ٦٧٧)، الجنى الداني (ص ١٧٦)، تاج العروس (٢١/ ٢١٩)، المعجم المفصّل (٤/ ٣١٥).
[ ١ / ١٨٦ ]
فمن جر جعل "الألِف" للإشباع، لأن الأصل: "بين يعانقه" على الإضافة، ومن رفع [رفعه] (١) على الابتداء وجعل "الألف" زائدة.
قالوا: ويقع بعدها اسم الإشارة مفردًا مثنى في المعنى، وهو الأصل؛ لأنّ تثنية اسم الإشارة وجمعه ليس حقيقيًا، فالأصل إفراده وتذكيره لفظًا، كقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٢) [البقرة: ٦٨].
قيل: التقدير: "بين ذلك وهذا"، أي: "بين الفارض والبكر"، أو تكون الإشارة إلى معنى ما ذكر (٣).
وسيأتي شيء من الكلام على "بينما" في الحديث الثاني من "استقبال القبلة"، وفي الحديث السابع من "الصيام".
قوله: "وفي لفظ: فرأيته ينظر إليه": الرؤية هنا بصرية تتعدّى إلى واحد، وجملة "ينظر إليه" في محل الحال.
وقوله: "وعرفت أنه يحب السواك": جملة "يحب السواك" في محل خبر "أن"، و"أن" مع اسمها وخبرها في محل مفعول "عرفت"، و"عرفت" في محل الحال من الفاعل في "رأيته"، و"قد" هنا معه مقدّرة، ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة لا محل لها.
قولها: "فقلت: آخذه لك": "الفاء" سببية. وجملة "آخذه" معمولة للقول.
و"آخذه": أصله "أأخذه؟ "، فحذفت "همزة" الاستفهام، وحذفها كثير إذا قام
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ونصب".
(٢) كلمة "ذلك" غير واضحة بالأصل.
(٣) انظر في استعمالات "بين": البحر المحيط (١/ ٤٠١)، أمالي ابن الشجري (٢/ ٥٩١)، شرح التسهيل (٢/ ٢٣١)، همع الهوامع (٢/ ٢٠٤)، اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر (ص ٢٣٧)، الجنى الداني (ص ١٧٦).
[ ١ / ١٨٧ ]
عليه دليل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]، أي: "أو تلك" (١)، وتقدّم الكلام على مادة "أخذ" في السادس من "الاستطابة".
قولها: "فأشار برأسه أن نعم": أن هنا مفسرة، وقد تقدمها شرطها، [وهو] (٢) معنى القَول، وسيأتي القَول عليها في الخامس من "الأطعمة"، وسيأتي القول على "نعم" في الرابع من "الجنابة". والله أعلم.
الحديث الرابع:
[٢٠]: عن أبي موسى قال: "أتيت النبي -ﷺ- وهو يستاك بسواك وطرف السواك على لسانه يقول أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوع" (٣).
قوله: "أتيت النبي -ﷺ-": التقدير: "أنه قال"؛ ليقوم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله.
وجملة "أتيت": "أتيت" في محلّ معمول القول.
وقوله: "وهو يستاك": جملة من مبتدأ وخبر في محل الحال من النبي -ﷺ-، والرابط "الواو" والضّمير.
و"هو": من المضمرات الموضُوعة للمُذكّر الغائب، وهو كُلي وضعًا؛ إذ ما من مُذكّر غائب إلا ويُطلق عليه "هو"، وجرى استعمالًا لخصوصه بمن يُطلق عليه، والمشهور لُغة تخفيف واوه وتحريكها، [وهمدان] (٤) تشدّدها، وأسد وقيس تسكّنها.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٨/ ١٤٨)، تفسير القرطبي (١٣/ ٥٩، ٩٦)، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٢١٥ وما بعدها).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) رواه البخاري (٢٤٤) في الوضوء، ومسلم (٢٥٤) في الطهارة.
(٤) بالنسخ: "وهو أن". والمثبت من "البحر المحيط".
[ ١ / ١٨٨ ]
وحذفها مُختصّ بالشعر. و"الواو" زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع نحو: "هما" و"هم"، و"الهاء" أصل (١).
وقال أبو عبد الله القرطبي: "هو" اسم من أسماء الله الحسنى، ينفتح به من العلوم الباطنة ما لا ينفتح للعَالم بطريق النظر.
وقال الأقلبشي: لم يَرد فيه أثر، ولا هو من الأسماء التامة في اللسان العربي، بل هو اسم يحتاج إلى صلة وعائد ليكون مُفيدًا، فإنك إذا قلت: "هو" وسكتّ لم يكن الكلام مُفيدًا حتى تقول: "هو أخي" أو "هو قائم"، لكن أرباب القلوب الصافية وأهل المقامات العالية جَرَت عندهم هذه الكلمة مجرَى الأسماء [الذاتية] (٢)، فقالوا: "يا هو" كما قالوا: "يا الله" (٣).
قال منصور بن عبد الله: "الهاء" تنبيه على معنى ثابت، و"الواو" إشارة إلى مَن لا تُدرَك حقائق نعوته وصفاته بالحواس.
قال ابن فورك: "الهاء" تخرج من أقصى الحلق، وهو أوّل المخارج، و"الواو" من الشفة، وهو آخر المخارج، فكأنه يشير إلى أنّ كِلا طرفي الأمور بيده، وهو الأوّل والآخر.
قال الأقلبشي: [كلها] (٤) إشارات الأولياء خارجة عن ظاهر العلم الحاصل
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٢١٤)، وشرح المفصل (٢/ ٣٢٩)، التعليقة على كتاب سيبويه (٢/ ٧٨)، شرح التسهيل (١/ ١٤٠، ١٤٢، ١٤٨)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٣٠)، الجنى الداني (١/ ٣٥٠)، ونتائج الفكر (ص ١٧٤).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) راجع: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ٢١٤ وما بعدها)، وما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٢٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ١٨٩ ]
بطريق النظر. (١)
قوله: "بسواك": يتعلق بـ "يستاك"، وإنما قال: "بسواك" احترازًا؛ لأن الاستياك يكون بالثوب [والإصبع] (٢)، وليرتب عليه (٣): "وطرف السواك على لسانه".
ويظهر أنّ في الكلام [قلبًا] (٤)؛ لأنّ المراد: "والسواك على طرف لسانه"؛ لأنه لا يمكن في الاستياك أن يكون إلا بطرفه، فلا فائدة في ذكر الطرف.
ويحتمل أن يكون طرف السواك على آخر لسانه؛ ولذلك يقول: "أع أع"، وهو حكاية صوت التهوع، فيكون مثل "قب" حكاية وقع السيف، و"طاق طاق" حكاية صوت [الضرب] (٥)، وهذا النوع إنما بنيَ لعدم مُوجب الإعراب، وهو التركيب الإسنادي (٦).
والجملة مِن "يقول" في محلّ الحال من فاعل "يستاك"، وفاعل "يقول": ضمير "النبي -ﷺ-"، ويحتمل أن يكون ضمير "السواك"، من باب قولهم:
شكَا إليّ جملي طُولَ السُّرَي . (٧)
_________________
(١) راجع في هذا: البحر المحيط (١/ ٢١٤ وما بعدها)، تفسير الرازي (٢/ ٢٥٤).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: فتح الباري (١/ ٣٥٥)، وإحكام الأحكام (١/ ١١٢)، وعمدة القاري (٣/ ١٨٥).
(٤) بالنسخ: "قلب".
(٥) بالنسخ: "الصوت". والمثبت من "شرح المفصل".
(٦) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٥٣)، وموصل الطلاب (ص ٣١)، والصحاح (٣/ ١٣٠٧)، وشرح المفصل (٣/ ٨٩).
(٧) البيت من الرجز، للملبد بن حرملة. ويُروى فيه: يَشْكُو إليّ جمَلي طُولَ السُّرَي صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلانا مُبْتَلَى انظر: حياة الحيوان الكبرى للدميري (٢/ ٤٨٩)، والمعجم المفصل (١٢/ ٣٥٢).
[ ١ / ١٩٠ ]
و:
امتلا الإنَاءُ وَقَالَ: قَطْني مَهْلًا رُوَيدًا قَد مَلأتَ بَطْني (١)
قلت: يُضعفه قوله: "كأنه يتهوع"، فإنه ضميره -ﷺ- قطعًا.
و"على لسَانه" يتعلق بالخبر، أي: "كائن".
قوله: "والسواك في فيه": جملة من مبتدأ وخبر في محل الحال من ضمير "تقول". وتقدّم الكلام على "الفم" في الحديث الثّاني من "باب السّواك".
قوله: "كأنه يتهوّع": جملة في محلّ الحال، أي: "مشبهًا للمتهوع"، وخبر "كان": الجملة.
***
_________________
(١) هذا الرجز بلا نسبة. ولكنه يُروى: "امتلأ الحوض". ويروى: "سَلًّا رُوَيْدًا". انظر: شرح الأشموني (١/ ١٠٦)، شرح التسهيل (١/ ١٣٧)، شرح المفصل (٢/ ١٤٧)، الصحاح (٣/ ١١٥٣)، المخصص (٤/ ٢٣٦)، لسان العرب (٧/ ٣٨٢)، تاج العروس (٢٠/ ٣٨)، المعجم المفصّل (١٢/ ٢٨٩).
[ ١ / ١٩١ ]
باب المسح على الخفين
[الحديث الأوّل] (١)
[٢١]: عن المغيرة بن شعبة -﵁- قال: "كنت مع النبي -ﷺ- في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما" (٢).
[٢٢]: وعن (٣) حذيفة بن اليمان قال: "كنت مع النبي -ﷺ- فبال وتوضأ ومسح على خفيه" (٤).
الإعراب:
أي: "هذا باب المسحُ".
و"على الخفين" يتعلق بـ "المسح"؛ لأنه مصدر، وإن كان مُحلى بالألف واللام، وقد عمل في المفعول (٥) في نحو:
فلم أَنْكُلْ عن الضْربِ مِسْمَعَا (٦)
_________________
(١) سقط من النسخ.
(٢) رواه البخاري (٢٠٦) في الوضوء، ومسلم (٢٧٤) (٧٩) في الطهارة.
(٣) هذا هو نصّ الحديث الثاني من الباب، وسيأتي نصّه ثانية.
(٤) رواه البخاري (٢٠٣) في الوضوء، ورواه مسلم (٢٧٣) في الطهارة.
(٥) انظر: شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١١٦)، شرح الأشموني (٢/ ١٩٨ وما بعدها)، الهمع (٣/ ٥٩ وما بعدها).
(٦) عجز بيت من الطويل، وقائله: المرار الأسدي. والبيت كاملًا: لقد علمت أولى المغيرة أنني كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا انظر: التمام في تفسير أشعار هذيل (ص ٨٢)، والخزانة (٨/ ١٢٩)، والكتاب لسيبويه (١/ ١٩٣)، والمقتضب للمبرد (١/ ١٥)، وشرح التسهيل (٣/ ١١٦)، وشرح المفصل (٣/ ٤٧٣).
[ ١ / ١٩٢ ]
والألِف واللام في "المغيرة" للمح الصفة، وبهما صار "المغيرة" منصرفًا.
و"شعبة" لا ينصرف للعلمية والتأنيث.
وجملة "﵁" لا محلّ لها لأنها معترضة، كجملة "ﷺ".
و"في سفر" يتعلق بخبر "كان" المتعلق به "مع"، و"كنت" معمول للقول.
و"قال" مقدّر بـ، "أن" المصدَرية ليقوم مقام مفعول متعلّق "عند". ويحتمل أن يكون الخبر في قوله: "في سفر"، ويتعلق به "مع".
ويحتمل أن تتعلق "مع" بصفة لـ "سفر" النكرة، تقدّمت؛ فانتصبت على الحال، أي: "كنت في سفر كائن مع النبي -ﷺ- ". ويختلف المعنى باختلاف المتعلق.
ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ﴾ (١) [الذاريات: ١٥، ١٦]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤].
وإنما كان كذلك؛ لأن الخبر مقصود الجملة، والغرض من ذكر "المجرمين" الإخبار عن تخليدهم؛ لأنّ المؤمن قد يكون في النار ثم يخرج منها. وأما آية "المتقين" فجعل في "جنات" خبرًا؛ لأنهم يأمنون الخروج منها، فجعل "آخذين" حالًا (٢).
و"مع": اسم معناه الصحبة اللائقة بالمذكُور.
وقيل: إذا سكنت عينه كان حرفًا، وهي لغة ربيعة إذا تحرك ما بعدها، نحو: "معكم"، وقرئ بها شاذًا.
_________________
(١) بالنسخ: "ونعيم".
(٢) انظر: البحر المحيط (٩/ ٥٤٥)، وتفسير القرطبي (١٧/ ٣٥)، وتفسير الخازن (٤/ ١٩٣)، والتحرير والتنوير (٢٦/ ٣٤٧).
[ ١ / ١٩٣ ]
وإذا لقيه ساكن، نحو: "مع الرجل"، فُتحت عينه عند عامة العرب، وكسرت عند ربيعة.
وتستعمل ظرف مكان مرادفة لـ "عند"؛ فتقع خبرًا عن الجثث والأحداث.
وإذا أفرد، نحو: "معًا"، نوِّن مفتوحًا، وهو ثلاثي مقصور، نحو: "عصا"، لا منقوص، نحو: "يد"، خلافًا ليونس.
وكثر استعماله إذا أفرد، [وجعل] (١) كـ "جميعًا"، وهو أخصّ من "جميع"؛ لأنه يدلّ على اتحاد الزمان، و"جميع" يحتمله.
وبهذا فرّق أحمد بن يحيى بينهما لما سأل أحمد بن قادم فوقف، انتهى من "المجيد" (٢).
قوله: "فأهويت لأنزع خفيه": معطوفٌ على مُقدر، أي: "فتوضأ فأهويت".
و"أنزع" بكسر "الزاي"، وإن كان حرف حلق.
والضمير في "دعهما" للخفين. والضّمير في "أدخلتهما" للرِّجْلين.
و"اللام" في "لأنزع" لام "كي"، والفعل معها منصوب بإضمار "أن" بعدها، ويجوز إظهارها، بخلاف "لام" الجحود، ويجب إظهارها إذا دخل "لا" بين "اللام" والفعل، كقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]. (٣)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "حالا".
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٣).
(٣) انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ١٤٩)، شرح الكافية الشافية (١/ ٣٠٥)، وشرح التسهيل (٤/ ١٦)، وشرح المفصل (٤/ ٢٣٠، ٢٤٢)، حاشية الصبان (٣/ ٤٠٩)، أوضح المسالك (٣/ ١٠)، المغني (ص ٢٤٢). وانظر في "لام الجحود": همع الهوامع (٢/ ٣٧٧).
[ ١ / ١٩٤ ]
قوله: "قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين": فاعلُ "قَالَ" ضَميرُ "النبي -ﷺ-"، وفاعلُ "دعهما" ضمير "المغيرة". و"الفاء" في قوله: "فإني" سببية. وجملة "أدخلتهما" في محل خبر "إن". و"طاهرتين" حال من ضمير المفعول، وعلامة النصب: "الياء".
والأصل في "إني": "إنني"، حذفت الأولى، وسكنت الثانية وأدغمت في الثالثة. وقيل: [حذفت] (١) الثانية، ورجّحه أبو البقاء؛ فحذفها في "أن" الخفيفة. وقيل: حذفت الثالثة (٢).
قال (٣) الشيخ تقيّ الدّين: قوله: "دعهما فإني أدخلتهما" استدلّ به مَن يقول: لا بُد من كمال الطهارة في الرِّجلين قبل إدخالهما في الخفين، وذلك ضعيفٌ، ولا يمنع أن يُعبّر بهذه العبارة عن كون كُلّ واحدة منهما أدْخِلت طاهرة، بل ربما يُدّعي أنه ظاهر في ذلك، فإنّ الضمير في قوله: "أدخلتهما" يقتضي تعليق الحكم بكل واحدة منهما، نعم مَن روى "فَإنَّى أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ" (٤) يتمسّك برواية هذا القائل من حيث إنّ قوله: "أدخلتهما" [إذا] (٥) اقتضى كُلّ واحدة منهما؛
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٩/ ٣٠٦)، إرشاد الساري (٧/ ٢٦٣)، مشكلات موطأ مالك بن أنس لابن السيد البطليوسي (ص ٧٨)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢١٨)، مغني اللبيب (ص ٤٥٠)، شرح الفصل (٢/ ٣٤٨)، أوضح المسالك (١/ ١١٧)، الهمع (١/ ٢٥٥)، والكليات للكفوي (ص ٩٢).
(٣) من بداية هذه الفقرة إلى بداية الحديث الثاني وجدناه مثبتًا بالمخطوط ضمن شرح الحديث الثاني، ولعله سهو من الناسخ، فنقلناه إلى موضعه، وهو هنا، وبالمخطوط سهم صاعد بأول المنقول فقط، ولعله إشارة إلى ما فعلناه. وكان موضع هذا المنقول بعد قوله في الحديث التالي: "فنكّس، وكُلّ ذلك بعيد"، وقبل قوله فيه: "وقول الشيخ: مختصرًا".
(٤) مسند أحمد (١٨٢٦١).
(٥) سقط من النسخ. والمثبت من "إحكام الأحكام".
[ ١ / ١٩٥ ]
[فقوله] (١): "وهما طاهرتان" حالٌ من كُل واحدة منهما فيصير التقدير: "أدخلت كُلّ واحدة في حال [طهارتها] (٢) "، وذلك إنما يكون بكمال الطهارة.
وهذا الاستدلال بهذه الرّواية من هذا الوَجْه قد لا يتأتى في رواية مَن روى: "أدخلتهما طاهرتين". انتهى. (٣)
وهذا الذي ذكره الشيخ تقيّ الدّين إنّما أخذه من كون "الواو" في قوله: "وهما" هي "الواو" المقتضية للجَمع، وإن سُمّيت: "واو" [الحال] (٤)، والتقدير: "أدخلتهما في حال اجتماع طهارتهما".
الحديث الثّاني:
[٢٣]: عن حذيفة بن اليمان قال: "كنت مع النبي -ﷺ- فبال، وتوضأ ومسح على خفيه" مختصرًا.
قوله: "اليمان": بغير "ياء"، و"اليمان" لقب.
واسمه: "حِسْل" بكسر "الحاء" المهملة وسكون "السين" المهملة، وقيل: "حُسِيل" بضم "الحاء"، تصغير "حِسل".
وإنما لُقّب "اليمان" لأنه حالف "اليمانية"، و"اليمانية" بنو الأشهَل، من الأنصار، حالفهم لما أصاب دمًا في قومه وهرب إلى المدينة.
_________________
(١) بالنسخ: "وقوله". والمثبت من "إحكام الأحكام".
(٢) بالنسخ: "طهارتهما". والمثبت من "إحكام الأحكام".
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١١٣، ١١٤)، ورياض الأفهام للفاكهاني (١/ ٢٩٠). وراجع: الإفصاح عن معاني الصحاح (٢/ ٢١٠)، نخب الأفكار للعيني (١٣/ ٣٨١)، شرح سنن أبي داود للنووي (ص ١٥٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ١٩٦ ]
وعلامة الإعراب في "اليمان": الكسرة.
قال ابن عبد البر: هو لقبٌ له (١). فعلى هذا يُعرَب بالحركات الثلاث.
قوله: "فبال فتوضّأ": معطوفٌ على محذوف أي: "فتباعد فبال فتوضأ ومسح على خفيه".
ولا يصح أن يكون "مسح" في محلّ حال مما قبله؛ لفساد المعنى، إلا أن يقدر: "توضأ": "كَمّل وضوئه"، فيكون التقدير: "كمّل وضوءه وقد مسح على خفيه"، وليس هو الظاهر
ولك أن تقدّر أنه بدأ بمَسح الخفين، فنكّس، وكُلّ ذلك بعيد (٢). (٣)
وقول الشيخ: "مختصرًا": أي: "ذكرتُه مختصرًا من [أطوَل منه] (٤) ".
فـ "مُختصرًا": منصوبٌ على الحال، ويجوزُ فيه كسرُ "الصاد"، أي: "مُختَصرًا له"؛ فيكُون حَالا من فاعل "ذكرتُه".
***
_________________
(١) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٣٤٤)، وأسد الغابة (١/ ٤٦٨)، والاستيعاب (١/ ٣٣٤)، والإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٣٩).
(٢) انظر: فتح الباري (١/ ٣٢٨، ٣٣٠)، (٥/ ١١٨)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ١٦٥ وما بعدها)، والتمهيد (١١/ ١٤٥)، وعمدة القاري (٣/ ١٣٤)، وشرح سنن أبي داود للعيني (١/ ٩٠).
(٣) كان بعد هذه الفقرة كلام يرتبط بالحديث الأوّل، وتم نقله إلى آخر الحديث الأول، لوجود إشارة (سهم صاعد) عند بداية المنقول، وقد أشرنا هناك إلى ما نقل، وهو من أول قوله بالحديث السابق: "قال الشيخ تقيّ الدّين: قوله: دعهما فإني أدخلتهما"، إلى بداية لفظ الحديث الحالي.
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ١٩٧ ]
باب في المَذْي وغيره
الحديث الأوّل:
[٢٤]: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: "كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَل رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لمِكَانِ ابْنَتِهِ [مِنِّي] (١)، فَأَمَرْتُ المقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلهُ، فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ". وَللْبُخَارِيِّ: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ" (٢).
وَلمِسْلِم: "تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ" (٣).
قوله: "كنتُ رَجُلا مَذّاءً": "كان" واسمها وخبرها في محلّ مَعمُول القَول، و"مَذّاء" صفة لـ "رجُل". ولو قال: "كُنتُ مَذّاء" صَحّ، إلا أنّ ذِكْرَ الموصُوف مع صفَته يكُونُ لتعظيمه، نحو: "رأيتُ رَجُلا صالحًا"، أو لتحقيره، نحو: "رأيتُ رَجُلا فَاسِقًا". ولما كان المذْي يَغلُب على الأقوياء الأصحَّاء حَسُن ذِكْرُ الرُّجُولية معه؛ لأنّه يَدُلُّ على مَعْناها (٤).
ويُقال: "مَذْي"، بالتخفيف، و"مَذِي"، [بسُكُون "الياء"] (٥)، وكسر "الذال" (٦). (٧)
ورَاعَى هُنا في "مَذّاء" الثاني (٨)، وهو خِلافُ الأشْهَر عندهم؛ لأنَّ
_________________
(١) سقط من الأصل، والمثبت من متن العمدة.
(٢) رواه البخاري (٢٦٩) في الغسل، ومسلم (٣٠٣) في الحيض.
(٣) رواه مسلم (٣٠٣) في الحيض.
(٤) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٢٦)، (١٠/ ٢٣١).
(٥) أي: في المخففة. وفي لسان العرب (١٥/ ٢٧٤) ونخب الأفكار للعيني (١/ ٤١٩): "بسكون الذال، مخفّف الياء". فلعله سقط.
(٦) أي: في غير المخفّفة.
(٧) انظر: نخب الأفكار للعيني (١/ ٤١٩).
(٨) المرادُ بالثاني: الخبر، وهو لفظ: "رَجُلا".
[ ١ / ١٩٨ ]
["كان"] (١) تَدخُل على المبتدأ والخبر.
فـ "رجُلا" خَبرٌ، وضَميرُ المتكلِّم هو المبتدأ في المعنى، فلو رَاعَاه لقَال: "كُنتُ رَجُلا [أُمْذي] (٢) ".
وقَد جَاءَ مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ فرَاعَى الضَّميرَ في "إنِّي"، ولو رَاعَى "قَريبٌ" لقَال: "يُجيبُ". (٣)
قال أبو حيّان: ومن اعتبار الأوَّل قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]. ومن اعتبار الثّاني: "أنا رَجُلٌ يأمُر بالمعْروف"، و"أنت امرؤ يأمُر بالخير". (٤)
قوله: "فاستحييتُ أنْ أسْأل رسُولَ الله -ﷺ- لمكان ابنته": "استحييت" جَرى على اللغة الفصيحة. ويُقال: "استَحَيتُ". (٥)
قالوا: ولم يُستَعْمَل مُجرّدًا عن السين والتّاء (٦).
وقال الزمخشري: يُقال منه: "حَيي" (٧).
فعلى هذا يكُونُ "استفعل" منه مُوافقًا [للفِعل] (١) المجرّد.
_________________
(١) بالنسخ: "كل". وانظر: إرشاد الساري (١/ ٣٢٦).
(٢) بالنسخ: يُمْذي. وانظر: إرشاد الساري (١/ ٣٢٦).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٢٦).
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٠٦)، (٣/ ٣٠١)، وإرشاد الساري (١/ ٣٢٦).
(٥) انظر: عُمْدة القاري (٢٢/ ١٦٥)، الإعلام بفوائد عُمْدة الأحكام (١/ ٦٤٤)، نيل الأوطار (٨/ ١٧٣)، لسان العرب (١٤/ ٢١٨)، تاج العروس (٣٧/ ٥١٣).
(٦) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٠).
(٧) انظر: أساس البلاغة للزمخشري (١/ ٢٢٧).
[ ١ / ١٩٩ ]
والأكثرون على أنّ المحْذُوف من "استحييتُ" ياء واحدة، هي الأولى، وقيل: الثانية، وهي "لام" الكَلمة، ثم نُقلَت حَرَكَةُ "الياء" الباقية إلى "فاء" الكَلمة؛ فصَار وَزْنُه: "يستفل" على أنَّ المحذوفَ عَينُه، أو: "يستفع" على أنَّ المحْذُوفَ لامُه (٢).
وهذا الفعلُ يُستعمَل لازمًا ومُتعدّيًا، تقول: "استحييته"، و"استحييت منه" (٣).
فإن كان هنا مُتعدِّيًا بنفسه كانت "أنْ" في محلِّ نَصْب.
وإن كان مُتعدِّيًا بحَرْف الجرّ جَرَى على الخلاف بين سيبويه والخليل. فسيبويه يقول: جرّ، والخليل: نصب (٤). وعَكَسَ ابنُ مالك وأبو البقاء (٥) هذا [النقْل] (٦)، فنسبا إلى سيبويه النصب (٧).
قوله: "لمكان ابنته": "اللام" لام العلة، أي: "لأجْل"، ويتعلّق بمَحذوفٍ، أي: "فَعلتُ ذلك"، أو: "قُلتُ ذلك"، ويتعلّق بـ "استحييت". والمعنى عليه، ولا يتعلّق بـ "أسأل" لفساد مَعْناه.
_________________
(١) بالنسخ: "لفعل". وانظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٠).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٩٥)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٢، ٤٣)، وإرشاد الساري (٩/ ٦٠).
(٣) انظر: المصباح (١/ ١٦٠).
(٤) انظر: شرح التصريح (١/ ٤٦٩)، وشرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤).
(٥) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٣)، مُغني اللبيب (ص ٦٨٢).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٣)، الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام (١/ ٦٤٥)، الصاحبي ص (٩١)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤)، شرح التصريح (١/ ٤٦٩)، حاشية الصبان (٢/ ١٣٣)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢)، ومُغني اللبيب (ص ٦٨٢).
[ ١ / ٢٠٠ ]
ويحتمل أنْ يكُون هذا من كَلام عَليّ للمُقدَاد، [وعَليّ] (١) حَكَاه عند أمره له (٢).
ويحتمل أنْ يكُون مما ذَكَره عند [عبارَة الرّاوي] (٣) بما وَقَعَ منه بسَبَب حَيائه [لمكان ابنة] (٤) رَسُول الله -ﷺ-.
ولا يعمل فيه: "فأمَرْتُ المقداد" لأجْل أنَّ "الفاء" لا يَعمَلُ ما بعْدَها فيما قبلَها (٥)، ولأجْل الضَّمير في "ابنته" أيضًا.
و"ابن الأسود": نَعْتٌ للمقداد.
وجُمل "سأله" و"قال" [معطوفتان] (٦).
[والضّمير] (٧) في "سأله" يعودُ على "المقداد". والضّمير في "فقال" يعُود على "النبي - ﷺ-".
[وهنا] (٨) محذوفٌ تقديره: "أمَرتُ المقداد أنْ يسأله فسألُه، فقَال: يَغسِلُ ذَكَرَه"، الفعلُ مَرفوعٌ على الخبر، ويجوزُ فيه الجزمُ بتقدير "لام" الأمر، أي: "ليغسل". ومثله قوله:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "وبه".
(٢) راجع: عُمدة القاري (٢/ ٢١٦).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "إعادته للراوي".
(٤) غير واضحة بالأصل. وبياض في (ب).
(٥) انظر: عُمدة القاري (٢/ ٢٠٠)، ومرقاة المفاتيح (١/ ١٩٤).
(٦) بالنسخ: "معطوفتا".
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) مكررة في الأصل.
[ ١ / ٢٠١ ]
مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسِ (١)
أي: "لِتَفْد" (٢).
ويكُون "يتوضّأ" [مَجْزومًا] (٣) بالعَطْف عليه، إنْ جُزم. والظاهِرُ أَنَّهُ مرفوعٌ، وهو أحْسَنُ (٤).
قالوا: والسرُّ في العُدول عن الأصل في ورود الأمر بمعنى الخبر، وورود الخبر بمعنى الأمْر: أنَّ الخبرَ يستلزم ثبوت مُخبره ووقوعه، بخلاف الأمر، فإذا عبَّر بالخبر عن الأمر كان ذلك آكَد لاقتضاء الوقوع حَتَّى كأنه واقع.
وأمَّا التعبيرُ عن الخبر بالأمْر: فإنَّ الأمْرَ شأنُه أنْ يكُون بمَا فيه دَاعية للأمْر، وليس الخبر كذلك، وإذا عبّر بالأمْر عن الخبر أشْعَر ذلك بالدّاعية، فيكُون ثبوته وصدْقُه أقرَبَ (٥).
قولُه: "وللبخاري": أي: "ورُوي للبخاري"؛ فيتعلّق حرف الجر بالفعل المقدّر، والجملة مرفوعًا المحلّ على الحكاية؛ وكذلك يُقَدَّر متعلق "ولمسلم"؛ فيكون "تَوَضَّأَ وانضح" في محلّ رفع مفعول لم يُسَمّ فاعله.
_________________
(١) البيتُ من الوافر، وهو لأبي طالب يخاطب النَّبِيّ -ﷺ-. وعجزه: "إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيْءٍ تَبَالَا". انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٦٤٩)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٦٩)، والمعجم المفصل (٦/ ٣٩).
(٢) انظر: إرشاد الساري (٤/ ٣٥٩)، الكتاب (٣/ ٨)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٤٤٢)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٦٠)، مغني اللبيب (ص ٢٩٧، ٨٤٠)، الجنى الداني (ص ١١٢)، شرح المفصل (٤/ ٢٩٢)، (٥/ ١٤٤، ١٤٥).
(٣) بالنسخ: "مجزوم".
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٦٤٩)، إحكام الأحكام (١/ ١١٦)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٦٩).
(٥) انظر: رياض الأفهام (١/ ٣٠٤)، والإعلام لابن الملقن (١/ ٦٤٩، ٦٥٠).
[ ١ / ٢٠٢ ]
والضَّاد من قولُه: "وانضح" مكْسُورة لا غير؛ لأنه من: "نضح، ينضِح"، فالأمْر فيه: "انضح" (١).
وفي قولُه: "اغسل ذَكَرَك" و"تَوَضَّأَ وانضح فرْجَك" بالخِطَاب في رواية البخاري ومُسلم يحتمل أنْ يكُون لعَليّ؛ لأنه كان حاضرًا وعَلِم النَّبِيّ -ﷺ- أَنَّهُ الذي يَقَع منه ذلك.
ويحتمل أنْ يكُون الخطابُ للمقداد مع غَيبة "عَليّ"؛ لأنه السَّائل (٢).
ويأتي القَول على "أمَرَ" في الثَّالِثِ من "فَضْل الجمَاعة".
وتقدَّم القولُ على "باب" و"الحديث الأوّل" في أوَّلَ حَديث من الكتاب، ومُتعلّق حرف الجر، وكَون جُملتي "النَّبِيّ -ﷺ-" و"﵁" لا مَحَلَّ لهُما.
الحديثُ الثَّاني:
[٢٥]: عَنْ عَبَّادِ بن تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن زيدٍ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ -﵁- قَالَ: شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ -ﷺ- الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ، قَالَ: "لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا" (٣).
قولُه: "شُكي": فعلٌ ماض مَبني لما لم يُسَمَّ فَاعِله، والمفعول الذي لم يُسَمّ فاعله مُضافٌ محذوف، أي: "شُكي حالُ الرجُل"، فـ"الرجُل" قائمٌ مقام المحذوف؛ لأنَّ الذي شُكي حَالُه، لا ذاته. (٤)
_________________
(١) انظر: تاج العروس (٧/ ١٨٠، ١٨١).
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٣/ ٢١٣)، عمدة القاري (٢/ ٢١٦)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٦٤٥ وما بعدها)، إحكام الأحكام (١/ ١١٦).
(٣) رواه البخاري رقم (١٣٧) في الوضوء، ومسلم (٣٦١) في الحيض.
(٤) انظر: الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام (١/ ٦٦١).
[ ١ / ٢٠٣ ]
و"شَكَى": ألِفُه مُنقلبة عن "ياء"، و"الياءُ" مُنقَلبةٌ عن "وَاو"؛ لأنّه من "شَكَوت"، وإنّما قُلبَت "الواو" ياءً لانكسَار ما قبْلها.
وقيل: هو من "شَكَي، يَشْكي"؛ فَلا قَلْبَ إذَن. (١) وسيأتي في الثاني عَشر من "الجهَاد" طَرَفٌ مِنْ ذَلك.
وقوله: "يُخيَّل إليه أَنَّهُ يجد الشيءَ في الصلاة": ["يخيل": أي] (٢) "يُشَبَّه له" و"يُخايَل". (٣)
قَالَ في الصحاح: يُقال: "تخيّلته"، "فتخيّل لي"، كما يُقال: "تصوّرتُه، فتصَوّر لي"، و"تبيّنته، فتبيّن" (٤).
وهو هُنا مَبني لما لم يُسَمّ فاعِله، والمفْعُولُ الذي لم يُسَمّ فَاعله: "أَنَّهُ يجد الشيءَ". والتقديرُ: "يخيَّل إليه وجدان الشيء" (٥).
و"وَجَد" هُنا يتَعَدّى إِلَى مَفعُولين، المفعُولُ الأوّل "الشيء"، والثاني في المجْرور، به يتعَلّق حَرْف الجرّ، أي: "كَائنًا في الصَّلاة".
والمرادُ بالحدَث: "المانعُ من أداء الصلاة".
وتقدَّم القَولُ عَلى "وَجَدَ" في الثاني مِن "باب الاستطابة".
والجُمْلة من "يجد" وما يتعلّق به في محلّ خبر أنّ، و"أَنَّهُ" في محلّ مَفعُول لم يُسَمّ فاعله لـ"تخيل"، و"إليه" يتعلّق به.
_________________
(١) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٦٦١)، والصحاح (٦/ ٢٣٩٤، ٢٣٩٥).
(٢) بالنسخ: "يحتمل أن". ولعلَّ المثبت صواب.
(٣) انظر: الصّحاح (٤/ ١٦٩٣).
(٤) انظر: الصّحاح (٤/ ١٦٩٣).
(٥) راجع: كوثَر المعاني الدَّرَارِي للشنقيطي (٤/ ٢٠٧).
[ ١ / ٢٠٤ ]
والجمْلة من "يُخيّل" في محل حال من "الرجُل". ويحتمل أن تكُون في محل صفة للرجُل، وإن كان بالألف واللام، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. (١)
وضَعَّف هذا أَبُو حَيّان (٢)، وقال: هذا هَدْمٌ للقَاعِدَة النَّحوية؛ لأنَّ النكرةَ لا تنعتُه إلَّا بنكِرَة، وإنْ كَان قَاله الزّمخشري (٣) وابن مالك (٤) في قَوله:
وَلَقَدْ أمُرَّ على اللَّئِيم يَسُبُّني (٥)
قولُه: "قال: لا يَنصرفُ": "لا" نافية. وتقدَّم القَول عليها في الأول من "باب الاستطابة".
و"يَنصرف": فعل مُضَارع، ورَافعُه التجرّد من العَوَامِل، وقيل: وقوعُه مَوْقع الاسم. وقيل: مَرفُوعٌ بحَرْف المضَارعة، وهو ضَعيفٌ (٦).
ويحتمل أنْ تكُون "لا" ناهية؛ فيكُونُ الفعلُ مَجزُومًا (٧).
_________________
(١) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٦٦١)، مُغني اللبيب (ص ٥٦١).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٧٨، ٩/ ٦٤).
(٣) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ١٦، ٥٥٦)، (٤/ ٥٣٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٧٨، ٩/ ٦٤)، وأوضح المسالك (٣/ ٢٧٥ وما بعدها)، وشرح الأشموني (٢/ ٣١٨).
(٥) صدر بيتُ من الكامل، وهو لرجل من بني سلول، أو لشمر بن عَمْرو الحنفي، أو لعميرة بن جابر الحنفي. وعجز البيت: "فَمَضَيْتُ ثَمَّتَ قَلْتُ: لَا يَعْنِينِي". انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٢)، (٩/ ٦٤)، الكتاب (٣/ ٢٤)، البصائر والذخائر لأبي حيَّان التوحيدي (٨/ ١١١)، الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني (٣/ ١٤٧)، أوضح المسالك (٣/ ٢٧٦)، شرح ابن عُقيل (٣/ ١٩٦)، شرح الأشموني (٢/ ٣١٨)، خزانة الأدب (١/ ٣٥٧)، (٧/ ١٩٧)، المعجم المفصل (٨/ ٢٧١).
(٦) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٢٩)، علل النحو (ص ١٨٧، ١٨٨).
(٧) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٢٩).
[ ١ / ٢٠٥ ]
وعلى الأوّل: يَكُون الخبرُ بمَعنى النَّهي، وهو أبْلَغُ (١)، وقد تقدّم قريبًا تعليلُ ذلك.
وقوله: "حَتَّى يَسْمَع صَوتًا": "حتّى": حَرْف غاية، أي: "إِلَى أنْ يَسْمَع صَوتًا" (٢).
قال أثيرُ الدين أَبُو حيّان: قال أَبُو البقاء: "حتّى" تكُون بمعنى: "إلَّا أنْ". وَلَا أعْلَمُ أحَدًا من مُتقدِّمي النّحويين ذَكَر لـ"حَتَّى" هذا المعنى (٣).
وذَكَرَ "ابنُ مَالك في "التسهيل" (٤)، وأنْشَدَ عليه في غيره:
ليس العَطَاءُ من الفُضول سَماحَة حَتَّى تجُود ومَا لَدَيك قليل (٥)
أي: "إلَّا أنْ تَجُود" (٦).
قلتُ: يتمكّن معنى "إلَّا أنْ" هُنا؛ أي: "فلا يَنصرف إلّا أنْ يَسْمَع صَوْتًا". وقد تقدَّم القولُ على "حَتَّى" في الحديث الثاني من أوَّلَ الكتاب.
وتقدَّم القولُ على "سَمِع" في الحديث الأوّل.
_________________
(١) راجع: فتح الباري (١٢/ ٧)، إرشاد الساري (٢/ ٤٥١)، مرقاة المفاتيح (١/ ١٦٤).
(٢) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٢٩)، (٩/ ٤٢٨).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٩).
(٤) انظر: التسهيل (ص ٢٣٠)، وشرح التسهيل (٤/ ٢٤).
(٥) البيت من الكامل، وهو للمُقنع الكندي. انظر: المعجم المفصل (٦/ ٣٤٨).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٩)، وشرح التسهيل (٤/ ٢٤)، والجنى الداني (ص ٥٥٤، ٥٥٥)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٥٠)، همع الهوامع (٢/ ٣٨١)، جامع الدروس العربية (٢/ ٣٨١). قال أَبُو حيَّان: وقد أغنانا ابنه عن الرد عليه في ذلك، وقال: إنه يصح فيه تقدير "إِلَى أن". وإذا احتمل أن تكون "حتي" فيه للغاية فلا دليل في البيت على أن "حتي" بمعنى: "إلَّا أن". انظر: همع الهوامع (٢/ ٣٨١).
[ ١ / ٢٠٦ ]
وإعرابُ السَّنَد تقدَّم.
و"عن" الثانية في سند هذا تتعلّق بمَحذوف يُقدَّر: "رُوي عن عبَّاد بن تميم أَنَّهُ رَوَى عن عبد الله، أنّه قَالَ "؛ فتكُون "أنَّ" الأوْلى في مَحَل رَفْع بـ "رُوي" المبني، و"أنَّ" الثانية في مَحَل رَفْع بالفاعلية.
الحديث الثالث:
[٢٦]: عَنْ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ، وَلم يَغْسِلْهُ (١).
[٢٧]: وحديثُ عَائِشَة: "أَنَّ رَسُولَ الله -ﷺ- أُتِيَ بِصَبِيٍّ، فبالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ إيَّاهُ".
وَلِمُسْلِم: "فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ".
قولُه: " [أنَّها] (٢) أتَت": "أنَّ" واسمها، وخَبرها في الجُمْلة من "أتت". و"بابن": يتعلق بـ"أتت". و"لها": يتعلّق بصفة لـ"ابن". و"صَغير": صفةٌ أخرَى لـ"ابن" (٣).
وتقديمُ الصِّفة المقَدَّرَة على الصِّفة الصّريحة الظّاهِرَة جَائزٌ، خِلافًا لابن عصفور. ورُدَّ عَليه بظاهِر القُرآن والسُّنة وكَلام العَرَب (٤).
ويُقَدِّر القائل بتأخير الصِّفة الظّاهرة أنَّ "لها" تتَعَلَّق بصفَة لـ"صغير"، أي:
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢٣) في الوضوء، ومسلم (٢٨٧)، (١٠٤) في الطهارة.
(٢) مُكَرّرة في الأصل.
(٣) انظر: إرشاد السَّاري (١/ ٢٩٢)، مرعاة المفاتيح (٢/ ١٩٧).
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٩٩)، اللباب في عُلوم الكتاب (٧/ ٣٩١)، (١٤/ ٤٦٢)، تفسير الألوسي (٣/ ٣٣١)، شرح ابن عُقيل (١/ ١٥٤، ١٥٥، ١٥٦).
[ ١ / ٢٠٧ ]
"بابن صغير كائِن لها"، تقدّم؛ فانتصب على الحال.
ويحتمل أنْ تتعلق بـ "ابن"؛ لأنّه بمَعنى "مَولُود".
وقوله: "لم يأكُل الطَّعَام": يحتمل أن يَكُون صفَة أخْرَى. ويحتمل أنْ يكُون في مَحَل الحال من الضمير في مُتعَلّق المجْرُور، أو مِن الضَّمير في "صَغير"؛ لأنّه صِفَة [من] (١) الأمْثلة.
ومتى جَعَلت الجُملة حَالًا وهي مَنفية بـ"لَم": فالمختارُ إثبات "الواو" (٢).
قال بعضُ النحويين: مَجيءُ الجُمْلة الحالية بـ"لم" أو بـ"ما" خَاليَة عن الواو قَليلٌ جدًّا، وب"لمّا" كثيرٌ حَسَنٌ، نحْو قولك: "جَاء زَيدٌ ولمّا يَضْحَك"، والأكثرون على خِلافِ ذلك كُلّه (٣).
ومِن مَجيء الحال بـ"لم": قولُه تَعَالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] (٤).
قلتُ: الغالب أن "لم" لنفي الزمان المنقطع من زمان الحال، و"لما" لنفي الزمان المتّصل بزمان الحال.
وجاءت "لم" للمُتصل في قولِه تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] (٥)، وسيأتي تمام الكلام عليها في الحديث الرّابع.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٣٥، ٦٣٦).
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٣٥، ٦٣٦).
(٤) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٣٥).
(٥) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٦٤)، والمغني (ص ٣٦٧)، وشرح التصريح (٢/ ٦٣٢)، والهمع (٢/ ٥٤٢).
[ ١ / ٢٠٨ ]
قولُه: "إِلَى رسول الله -ﷺ-": يتعلق بـ"أتت"، و"في حجره" بفتح "الحاء" وكسرها، يتعلق بـ "أجلسه".
و"على ثوبه": يتعلق بـ "بال"، و"الهاء" في "ثوبه" تعود على "النَّبِيّ -ﷺ-"، وقال بعضهم: تعود على "الصبي"، وفيه بُعد كأنه فر من قولُه: "ولم يغسله".
و"بماء: يتعلق بـ"دعا"، و"على ثوبه" الثانية تتعلّق بـ"نضحه".
وجملة "ولم يغسله" في محلّ حال من الضمير في "نضحه".
وجاء الحال بـ"الواو" والضمير، وهو الأكمَل، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]. (١)
قال ابن هشام: الحال يكون جملة [بثلاثة] (٢) شروط: -
أحدها: أن تكون خبرية. وغلط من قال في قولِه:
اطلُبْ وَلَا تَضْجَرَ مِنْ مَطْلَبِ (٣)
أن "لا" ناهية و"الواو" للحال.
قلت: يريد أن "الواو" واو الجمع؛ فتنصب بإضمار "أن"، مثل: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" (٤).
_________________
(١) انظر: اللمحة (١/ ٣٩٤).
(٢) بالنسخ: "بثلاث".
(٣) صدر بيت من السريع، وهو لبعض المولدين. وتمامه: "فآفَةُ الطَّالِبِ أن يَضْجَرَا". انظر: شرح التصريح (١/ ٦٠٩)، والهمع (٢/ ٣٢٠)، والمعجم المفصل (٣/ ١٠١).
(٤) قال ابن الشجري في أماليه (٢/ ١٤٨): وأمّا الواو فيضمرون "أن" بعدها، إِذَا أرادوا النّهى عن الجمع بين الشيئين، كقولك: "لا تأكل السّمك وتشرب اللّبن"، أى: "لا تجمع بينهما". وانظر: شرح التسهيل (٤/ ٣٦)، شرح المفصل (٤/ ٢٣٣، ٢٣٦، ٢٤٥، ٢٥٢)، وهمع الهوامع (١/ ٦٣، ٧٣)، (٢/ ٣٩٤).
[ ١ / ٢٠٩ ]
قال: الثاني: أن تكون [غير] (١) مصدّرة بدليل استقبال، وغلط من أعرب: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ من قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩] حالًا (٢).
الثالث: أن تكون مرتبطة بـ "الواو" والضمير، نحو ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أو بالضمير فقط، نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤]، أي: "متعادين"، أو بـ"الواو" فقط، نحو: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ١٤]. (٣)
وتجب "الواو" قبل "قدُ" داخلة على مضارع، نحو: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ٥] (٤).
وتمتنع في سبع صور: -
أحدها: الواقعة بعد عاطف، نحو: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤].
الثانية: المؤكّدة لمضمون الجملة، نحو: "هو الحق لا شك فيه"، ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
الثالثة: الماضي التالي "إلَّا"، نحو: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١)﴾ [الحجر: ١١].
الرابعة: الماضي المتلو بـ"أو"، نحو: "لأضربنه ذهب أو مكث".
الخامسة: المضارع المنفي بـ "لا"، نحو: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٨٤].
السادسة: المضارع المنفي بـ"ما"، كقوله:
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٢) انظر: البحر المحيط (٩/ ١١٦).
(٣) انظر: أوضح المسالك (٢/ ٢٨٥ وما بعدها).
(٤) انظر: أوضح المسالك (٢/ ٢٨٧، ٢٨٨).
[ ١ / ٢١٠ ]
عَهِدْتُك مَا تَصْبُو وَفيكَ شَبِيبَةٌ فَمَا لَكَ بَعْدَ الشَّيْبِ صَبًّا مُتَيّما (١)
السابعة: المضارع المثبت، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦]. انتهى من "التوضيح" (٢).
قولُه: "وحديث عَائِشَة": يحتمل الرفع على أنَّه مفعول "رُوي" المبني، ويحتمل الرفع على الفاعلية بتقدير: "وجاء حَدِيث". أو يكون "حَدِيث عَائِشَة" مرفوع بالابتداء، والخبر في مجرور مُقدّر، أي: "ومن هذا في المعنى حَدِيث عَائِشَة".
ويحتمل أن يكون "أن رسول الله إِلَى آخره" بدل من "حَدِيث عَائِشَة" بَدَل اشتمال، ويكون الخبر محذوفًا. والتقدير: "وأن رسول الله أتي بصبي" بمعناه، أو يكون التقدير: "وحديث عَائِشَة بأن رسول الله"؛ فيتعلق بـ"حَدِيث"، والخبر مقدر، أي: "بمعناه".
ويحتمل الاستئناف؛ فيكون "حَدِيث عَائِشَة" مبتدأ، والخبر: "أن رسول الله إِلَى آخره"، والمعنى: "وحديث عَائِشَة المذكور في الصحيحين أن رسول الله -ﷺ-"، وهو أوجَهُها.
و"أتي" مبني لمَّا لم يسم فاعله، والمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير "النَّبِيّ -ﷺ-"، و"بصبي" يتعلق بـ"أتي".
قوله: "فبال"، "فدَعَا"، "فأتبعه": معطُوفات.
و"إياه" ضمير "البول"، وهو مفعول ثان لـ "أتبعه"، وهو يتعدّى لاثنين، قال
_________________
(١) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة. انظر: حاشية الصبان (٢/ ٢٨١)، وأوضح المسالك (٢/ ٢٩٠)، شرح التصريح (١/ ٦١٢)، والمعجم المفصل (٧/ ١١٠).
(٢) انظر: أوضح المسالك (٢/ ٢٨٧ وما بعدها). وهو المراد بقوله: "التوضيح". وراجع: همع الهوامع (٢/ ٣٢٠)، شرح التصريح (١/ ٦٠٩)، وجامع الدروس العربية (٣/ ١٠٥).
[ ١ / ٢١١ ]
الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] (١)، وقد يتعدّى إِلَى واحد، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] (٢).
قال في "الصحاح": يُقال: "تبعت القوم"، "تبعًا" و"تباعة" بالفتح، إِذَا "مشيت خلفهم"، أو "مروا بك فمضيت معهم"، وكذلك: "اتبعتهم"، و"أتبعت القوم" على "أفعلت"، إِذَا كانوا قد سبقوك فلحقتهم، و"أتبعت" أيضًا غيري، أي: "أتبعته الشيء، [فتبعه] (٣) ". (٤)
ويحتمل أن تكون الفاءات في المعطوفات للسببية، فيرتبط بعضها ببعض، مع أَنَّهُ لا يشترط في الجمل المعطوفات اتفاق معانيها، فيجوز عطف الخبر على غيره وبالعكس، هذا مذهب سيبويه، وقد أجازوا: "جاءني زَيْدِ، ومَنْ عَمْرو، العاقلان" على أنَّ يكون العاقلان خبر مبتدأ محذوف (٥).
ومنه (٦) قول امرئ القيس:
وإنّ [شفائي] (٧) عبْرَة إن سفحتها فَهَل عِنْد رسمٍ دارسٍ من معوّل (٨)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٩/ ٥٧١).
(٢) انظر: الكشاف (٢/ ١٧٧)، والمحرر الوجيز (٢/ ٤٧٦)، وأضواء البيان للشنقيطي (٩/ ١٧٣)، والتحرير والتنوير (٩/ ١٨١).
(٣) بالنسخ: "فتبعته".
(٤) انظر: الصّحاح (٣/ ١١٨٩، ١١٩٠).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ١٨٠)، التقييد الكبير في تفسير كتاب الله المجيد للبسيلي (ص/ ٢٥٤)، الكتاب (٢/ ٦٠)، مغني اللبيب (ص ٦٢٧، ٦٣٠)، شرح الأشموني (٢/ ٤٠٦)، همع الهوامع (٣/ ٢٢٥).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ١٨٠)، مغني اللبيب (ص ٦٢٧).
(٧) في الأصل: "سفار"، والمثبت من المصادر.
(٨) البيت من الطويل، وهو لأمرئ القيس. انظر: سمط اللآلي في شرح أمالي القالي (١/ ٩٤٣)، وشرح القصائد السبع الطوال (ص ٢٥)، والصناعتين للعسكري =
[ ١ / ٢١٢ ]
قولُه: "ولمسلم: فأتبعه بوله ولم يغسله": تقدّم تقدير المتعلق، ومحلّ قولُه "ولم يغسله". وسيأتي تمام الكلام على "لم" في الذي بعد هذا الحديث، وفي الثالث من "باب الجنابة".
الحديث الرابع
[٢٨]: عن أنس بن مالك -﵁- قال: "جاء أعرابى فبال في طائفة المسجد فزجره النّاس فنهاهم النَّبِيّ في فلَمَّا قضي بوله أمر النَّبِيّ -ﷺ- بذنوب من ماء فأهريق عليه" (١).
قال الشيخ تقيّ الدين: "الأعرابي" منسوبٌ إلى "الأعراب"، وهم سكان البوادي، ووقعت النسبة إِلَى الجمع دون الواحد، فقيل: إنه جرى مجرى القبيلة كـ"أنمار"، وقيل: لأنه لو نسب إِلَى الواحد، وهو "عرب" لقيل: "عربي"، فيشتبه المعني، فإنّ العربي كلّ مَن هو من ولد إسماعيل -﵇-، سواء كان بالبادية أو بالقري، وهذا غير المعنى الأوّل (٢).
قولُه: "فبال في طائفة": المراد: "فشرع في البول"، بدليل قوله "فلَمَّا قضى بوله".
وحرفُ الجر يتعلّق بالفعل.
والإضافة في "طائفة" مقدّرة بـ"في"، أي: "قطعة في المسجد". ويبعد أن يقدر بـ"من"؛ لأنّ الثاني لا يصح أن يكون خبرًا عن الأوّل، بخلاف: "خاتم حديد" (٣).
_________________
(١) = (ص ١٢٦)، وخزانة الأدب (٣/ ٢٢٤)، وشرح المعلقات للزوزني (ص ٣٨)، والعمدة لابن رشيق (٢/ ٨٦)، والكتاب (٢/ ١٤٢)، والمعجم المفصل (٦/ ٥٧١).
(٢) رواه البخاري (٢٢١) في الوضوء، ومسلم (٢٨٥) في الطهارة.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٢١).
(٤) راجع: رياض الأفهام (٣/ ٤٧)، الإعلام لابن الملقن (٤/ ٢٠٨)، شرح القطر (ص ٢٩٨).
[ ١ / ٢١٣ ]
و"الطائفة من الشيء": "القطعة منه" (١).
و"المسجد": بكسر "الجيم" وفتحها، وقيل: [بالفتح] (٢) اسم للمكان، وبالكسر اسم للموضع المتّخذ مسجدًا. وجاء فيه: "مسيد" (٣).
قولُه: "فلَمَّا قضي": "لما" تأتي على ثلاثة أوجُه: -
أحدها: أن تختصّ بالمضارع فتجزمه وتقلبه ماضيًا، كـ "لم". (٤)
وتفارق"لما" "لم" في أمور خمسة: -
أحدها: أن لا تقترن بأداة شرط، لا يُقال: "إن لما يقم زَيْدِ".
الثاني: أنّ منفيها مستمر إِلَى الحال.
قال ابن هشام: مثّل ابن مالك (٥) للنفي المنقطع بـ"لم" بقوله:
وكنتَ إذْ كنتَ إلهي وَحْدَكا لَمْ يَكُ شيءٌ يا إلهي قَبْلَكَا (٦)
قال: وتبعه ابنه فيما كتب على "التسهيل" (٧)،
_________________
(١) انظر: لسان العرب (٩/ ٢٢٦)، والنهاية لابن الأثير (٣/ ١٥٣)، مجمع بحار الأنوار (٣/ ٤٨٣).
(٢) بالنسخ: "الفتح". والمثبت من "رياض الأفهام".
(٣) انظر: رياض الأفهام (١/ ٣٤٠)، تصحيح التحريف (ص ٤٧٨)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٤٠)، وتاج العروس (٨/ ٢٣٦).
(٤) انظر في أوجه"لما": شرح التسهيل (٤/ ٦٤)، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٧٣)، وشرح التصريح (١/ ٦٩٣).
(٥) انظر: شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٧٣).
(٦) البيت من الرجز، وهو لعبد الله بن عبد الأعلى القرشي. انظر الكتاب (٢/ ٢١٠)، وشرح التصريح (١/ ٦٩٣)، وشرح الكافية الشافية (١/ ٤٠٩).
(٧) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٦٤).
[ ١ / ٢١٤ ]
وذلك وَهْم فاحش (١).
قلتُ: هذا من أبيات سيبويه (٢).
قال الأعلم: تقدير البيت: "وكنت إلهي إذ كنت وحدكا لم يكن شيء يا إلهي قبلكا".
قال: وفيه دليلٌ على لإثبات"الياء" في "إلهي" على الأصل وحذفها أكثر؛ لأنّ النداء باب حذف وتغيير، و"الياء" يشبه التنوين في الضعف (٣).
الثالث: أن منفي "لما" لا يكون إلَّا قريبًا من الحال، وَلَا يشترط ذلك في منفي "لم".
الرابع: أنّ منفي "لما" متوقع ثبوته، بخلاف منفي "لم".
الخامس: أنّ منفي "لما" جائز الحذف لدليل، كقوله:
فجئتُ قبورَهم بَدْءًا ولمّا فنادَيْتُ القبورَ فلم يُجِبْنَه (٤)
أي: "ولَمَّا أكن بدءًا قبل ذلك"، أي: "سيدًا" (٥).
قلت: في الصّحاح: "البَدْء": "السيد الأوّل في السيادة". و"الثِّنيان": "الذي
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٦٨).
(٢) انظر: الكتاب (٢/ ٢١٠).
(٣) انظر: شرح المفصل (١/ ٣٥٠)، والمقتضب (٤/ ٢٤٧).
(٤) البيت من الوافر، وهو بلا نسبة. انظر: اللباب لابن عادل (٣/ ٥١١)، (١٠/ ٥٨٤)، وخزانة الأدب (١٠/ ١١٤)، والصاحبي (١/ ١٠٧)، وشرح التسهيل (٤/ ٦٥)، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٧٧)، وهمع الهوامع (٢/ ٥٤٤)، ولسان العرب (١٢/ ٥٣٣).
(٥) انظر: اللباب لابن عادل (٣/ ٥١١)، (١٠/ ٥٨٤)، مغني اللبيب (ص ٣٦٩)، وشرح التسهيل (٤/ ٦٥).
[ ١ / ٢١٥ ]
يليه في السُّؤْدُد" (١).
قلت: ومعنى البيت: "أنّه وقف على قبور سَادَات النّاس ورؤسائهم الذين لم يكن هو منهم سيدًا، وإنَّما سَاد بعد وفاتهم وانقراضهم" (٢).
الثاني من أوجُه"لما": أن تختصّ بالماضي؛ فتقتضي جملتين، ويُقَال فيها: "حرف وجود لوجود"، وبعضهم يقول: "وجوب لوجوب" (٣).
وزَعَم ابن السرّاج -وتبعه الفارسي، وتبعهما ابن جني- أنَّها ظرف بمعنى "حين" (٤).
قال أَبُو حيّان: يضعف ذلك وقوع جوا بها نفيًا في نحو قولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي﴾ [يوسف: ٦٨]، وما بعد حرْف النفي لا يعمل فيما قبله (٥)، ويأتي تمامه في الحديث الثّالث من "كتاب القصاص".
وتكون ["لمَّا"] (٦) بمعنى "إلّا"، نحو: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤]. (٧)
قال السهيلي: ليست"لما" في نحو: "لمَا جَاءَ عَمْرو" بمنزلة "الحين" في نحو
_________________
(١) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٣٥)، ولسان العرب (١٢/ ٥٥٤)، (١٤/ ١٢٢)، وتاج العروس (٣٧/ ٢٩٤).
(٢) انظر: اللباب لابن عادل (١٠/ ٥٨٤)، لسان العرب (١٢/ ٥٥٤).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٦٩)، همع الهوامع (٢/ ٢٢٢)، الأصول في النحو (٢/ ١٥٧)، شرح التصريح (١/ ٧٠٥)، الكليات للكفوي (ص ٧٩٠)، وحاشية الصبان (٢/ ٣٩١).
(٤) انظر: الجنى الداني (٥٩٤).
(٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٨)، وتفسير ابن عطية (٣/ ٣٦٢).
(٦) بالنسخ: "أما".
(٧) انظر: معني اللبيب (ص ٣٧٠).
[ ١ / ٢١٦ ]
قولك: "حين جاء عمرو جاء زيد"؛ لأنّ الكلام الذي فيه "حين" إنَّما يدلُّ على أنَّ وقت فعل أحدهما هو وقت فعل الآخر، والذي فيه لما يدلُّ على أنَّ أحد الفعلين علة للفعل الآخر ولذلك خصّوا لما بزيادة "أن" بعدها ليفرقوا بين حرف المعنى وبين الظرف، وإنَّما آذنت "أن" بهذا المعنى لأنَّها تشعر بمعنى المفعول له وإن لم يكن معنى المفعول مقصودًا هنا؛ ولهذا إِذا كان معنى التعقيب دون التسبيب هو المراد لم تزد "أن" بعدها، وتأمل ذلك في التنزيل تجده (١). انتهى.
قال ابن مالك: تقدّر "لما" مع الماضي بـ"إذ" (٢).
قال ابن هشام: وهو حسَنٌ؛ لأنَّها مختصّة بالماضي والإضافة إِلَى جملة.
قالْ ورَدّ ابن خروف على مُدّعي الاسمية [بجواز أن يُقال] (٣): "لما أكرمتني أمس أكرمتك اليوم"؛ لأنك لو قدّرتها ظرفا كان عاملها الجواب، والوا قع في "اليوم" لا يكون في "أمس".
والجوابُ: أنّ مثل هذا قولُه تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، والشرط لا يكون إلَّا مستقبلًا، ولكن المعنى: "إن [ثبت] (٤) أني كنت قلته"، وكذا هنا: "إن ثبت اليوم إكرامك لي أمس أكرمتك" (٥).
وفي السّادس من "صفة صلاة النَّبِيّ -ﷺ-" تتمة في جواب "لما"، فانظره.
قولُه: "أمر النَّبِيّ -ﷺ-": جواب "لما"، وهو العامل فيها إِذَا كانت ظرفًا، وما
_________________
(١) انظر: نتائج الفكر (ص ٩٨).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٦٥)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٧٧)، وهمع الهوامع
(٣) بالنسخ: "نحو أن". والمثبت من المصدر.
(٤) بالنسخ: "ثبتت".
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٦٩).
[ ١ / ٢١٧ ]
بعدها في محلّ جر بها.
قولُه: "بذنوب من ماء": حرف الجر الأول يتعلق بـ"أمر"، والثّاني يتعلق بصفة لـ"ذنوب".
و"الذنوب": الدلو [الملأي] (١) بالماء"، يُؤنث ويُذكّر، وَلَا يُقال لها وهي فارغة: "ذنوب". وجمع القلة: "أذنبة"، والكثير: "ذنائب"، كـ"قلوص، وقلائص" (٢).
"فأهريق عليه": معطوفٌ على "أمر".
و"الهاء" في "أهريق" زائدة، وأصل "أراق": "أريق"، وأصل "يريق": "ياريق".
وإنَّما قالوا: "أنا أهريقه"، ولم يقولوا: "أأريقه"؛ لاستثقالهم الهمزتين، وقد زال ذلك بالإبدال.
وفيه لغة أخرى: "أهرق الماء"، "يهرقه"، "إهراقًا".
وفيه لغة ثالثة: "إهراق"، "يهريق"، "إهرياقًا"، فهو "مهريق"، والشيء "مهراق" و"مهَراق" أيضًا بالتحريك (٣).
قال في "الصحاح": وهذا شاذ (٤).
قال: وفي الحديث: "أُهَرِيقَ دَمُهُ" (٥)، وتقديره: "يهريق" بفتح "الهاء" (٦).
_________________
(١) بالنسخ: "الملأ".
(٢) انظر: العين (٨/ ١٩٠)، لسان العرب (١/ ٣٩٢)، تاج العروس (٢/ ٤٣٨).
(٣) انظر: العين (٣/ ٣٤٩)، لسان العرب (١٠/ ٣٦٦)، تاج العروس (٢٧/ ١٢)، والنهاية لابن الأثير (٥/ ٢٦٠)، وتهذيب اللغة (٥/ ٢٥٨).
(٤) انظر: الصحاح (٤/ ١٥٧٥).
(٥) صحيح: سُنن أَبِي داود (١٤٤٩)، وسنن ابن ماجه (٢٧٩٤)، من حَدِيث عَمْرِو بن عَبَسَةَ. وانظر: السلسلة الصّحيحة (٥٥٢).
(٦) انظر: الصحاح (٤/ ١٥٧٠).
[ ١ / ٢١٨ ]
و"عليه" يتعلّق بالفعل، وتقدّم القول على "أمر" في "باب السِّوَاك".
الحديث الخامس
[٢٩]: عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الأبط" (١).
تقدم القول على "سمع" في الحديث الأوّل من الكتاب، وما قبله تكرر مرارًا.
قولُه: "الفطرة خمس": مبتدأ وخبر، والمراد: "خصال الفطرة خمس". أو لا تقدير؛ لأنه جنس، والجنس يجري مجرى الجمع، فيقال: "أعجبني الدينار الصفر والدرهم البيض" (٢)، أو يكون على النسب، أي: "الفطرة ذات خصال خمس". (٣)
و"الختان": هو "قطع القلفة" بالضم (٤).
قال في الصّحاح: يقال: "ختنت الصبي، ختنًا"، والاسم: "الختان" و"الختانة". و"الختان" أيضًا: "موضع القطع من الذكر"، ومنه: "إِذَا الْتَقَى الختَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" (٥). (٦)
قولُه: "والاستحداد" يريد به "حلق شعر العانة"، والظاهر أَنَّهُ يطلق على ذلك
_________________
(١) رواه البخاري (٥٨٨٩) في اللباس، ومسلم (٢٥٧) في الطهارة.
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٧٦)، عُقُود الزّبَرجَد (١/ ٤٦٢)، إرشاد الساري (٤/ ٢٨٦)، والهمع (٣/ ٣٧٧).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٤٦٣).
(٤) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٤٦٣)، ولسان العرب (١٣/ ١٣٧)، المطلع للبعلي (ص ٤٤)، شمس العلوم (٣/ ١٧٤١)، المصباح المنير (١/ ١٦٤).
(٥) صحيحٌ: سنن ابن ماجه (٦٠٨)، من حَدِيث عَائِشَة، وصحّحه الشيخ الألباني في الإرواء (٨٠).
(٦) انظر: الصحاح (٥/ ٢١٠٧).
[ ١ / ٢١٩ ]
سواء أَنَّهُ كان بالحديد أو بغيره، وَلَا يستعمل إلَّا كذلك (١).
قال في "الصحاح": و"إحداد الشفرة" و"تحديدها" و"استحدادها" بمعنى (٢).
قولُه: "وقص الشارب": معني "قصه": "قطعه".
قولُه: "وتقليم الأظفار": مصدر "قلم".
قال في الصّحاح: "قلمت ظفري" بالتخفيف، و"قلمت أظافري" شدد للكثرة (٣).
وذكّر العدد؛ لأنه لمؤنث، وسيأتي القول في ذلك في "باب فضل الجماعة".
قولُه: "الختان" وما بعده بدل من "خمس" ويجوز رفعه يا لابتداء والخبر محذوف أي منها الختان.
قال الشيخُ تقيّ الدّين: جاء في رواية: "خمس من الفطرة" (٤)، فالأوّل يدلّ على الحصر، والحصر يكون حقيقيًا ويكون مجازًيا، فالحقيقي كقولك: "العالم في البلد زَيْدِ" إِذَا لم يكن فيها غيره. ومن المجازي: "الدِّينُ النصِيحَةُ" (٥)، انتهى (٦).
قلت: وإنَّما جمع "الأظفار" ووحّد سائرها؛ لأنَّها متعدّدة في اليدين والرجلين، وجاء: "وَنَتْفُ الآباطِ" (٧)، فإما أن يُريد بالجمع مُقابلة الجمع من النّاس، أو يكون
_________________
(١) انظر: لسان العرب (٣/ ١٤٢)، تاج العروس (٨/ ٩)، تحرير ألفاظ التنبيه (ص ٢٥٣)، المغرب للمطرزي (ص ١٠٧)، وغريب الحديث للقاسم بن سلّام (٢/ ٣٦).
(٢) انظر: الصحاح (٢/ ٤٦٣).
(٣) انظر: الصحاح (٥/ ٢٠١٤).
(٤) متَّفقٌ عليه: البخاري (٥٨٨٩)، ومسلم (٢٥٧/ ٤٩).
(٥) صحيحٌ: مسلم (٥٥/ ٩٥)، من حَدِيث تميم الداري.
(٦) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٢٤).
(٧) صحيحٌ: البخاري (٥٨٩١)، من حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ.
[ ١ / ٢٢٠ ]
أوقع الجمع على التثنية، كقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢]. (١)
باب الجنابة
الحديث الأول
[٣٠]: عن أَبِي هُرَيْرَةَ أن رسول الله -ﷺ- لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فذهبت فاغتسلت وجئت، فقال: أين كنت يا أبا هُرَيْرَةَ، قال: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، قال: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس (٢).
تقدّم القول على ["أَبِي"] (٣) في الحديث الرّابع من الكتاب، وعلى "أَبِي هُرَيْرَةَ" في الثّاني من الكتاب، وعلى ["رسول"] (٤) في أوّل حَدِيث.
وجملة "لقيه" في محلّ خبر "أن"، و"في بعض" يتعلق بالفعل.
والألِف واللام [من] (٥) "المدينة" للغَلَبة، كهي في "البيت" للكعبة. (٦)
وجملة "وهو جُنب": حالٌ من ضمير المفعول في "لقيه".
والأحسَن هنا أن يكون "أن رسول الله -ﷺ-" هو المفعول الذي لم يُسَم فاعله
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٤٦٣)، والكتاب لسيبويه (٢/ ٤٨)، (٣/ ٦٢٢)، وإسفار الفصيح للهروي (١/ ٥٦٠).
(٢) رواه البخاري (٢٨٣) في الغسل، ومسلم (٣٧١) في الحيض، وفي أوله انقطاع في رواية مسلم ذكره المازري في المعلم، ووصله البخاري وغيره.
(٣) بالنسخ: (ابن).
(٤) غير واضحة بالأصل، وفي (ب): (كتب)، والصواب المثبت.
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٣٣٨).
[ ١ / ٢٢١ ]
لـ"روى" المقدّر، ويكون "لقيه" مِمَّا حكاه الراوي عن "أَبِي هُرَيْرَةَ" "لقيني وأنا جنب" عَبّر عنه، فأخبر الراوي عنه بمعنى كلامه، ويدلّ على ذلك قولُه: "فانخنست منه"، ولم يقل: "فانخنس منه".
وقوله: "فانخنست": يقال: " خنس، يخنُسُ" بضم "النون"، أي: "تأخر"، و"أخنسه غيره" إِذَا "خلفه، ومضى عنه". وقيل: "الانخناس": "الانقباض" و"الرجوع". (١)
و"خنس" يُستعمل لازمًا ومتعَدّيًا، فجاء في الحديث هذا مُطاوعًا لازمًا، وجاء مُتعدّيًا في قولِه: "فخنَسَ إِبْهَامَهُ" (٢)، ولازِمًا في قولِه: "الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ اصدمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ" (٣). (٤)
ورُوي: "فَانْبَجَسْتُ" (٥) بـ "الجيم"، أي: "اندفعت" (٦).
ورُوي: "فَانْبَخَسْتُ مِنْه" (٧)، من "البخس"، وهو "النقص" (٨).
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٢٧)، ورياض الأفهام (١/ ٣٦٢)، والصحاح للجوهري (٣/ ٩٢٥).
(٢) صحيح: مُسلم (١٠٨٠/ ١٦)، من حَدِيث ابن عُمر. وانظر: الصّحاح (٣/ ٩٢٥)، وتاج العروس (١٦/ ٣٣).
(٣) روى بهذا اللفظ موقوفًا على ابن عَبَّاسٍ عند أَبِي داود في الزهد (٣٣٧)، وابن أَبِي شيبة في المصنّف (٣٤٧٧٤)، والحاكم في المستدرك (٣٩٩١)، وبنحوه عن ابن عَبَّاس عند البخاري مُعلقًا (٦/ ١٨١/ كتاب التفسير/ باب قولُه: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾).
(٤) انظر: رياض الأفهام (١/ ٣٦٣).
(٥) أخرجه الترمذي في سننه (١٢١).
(٦) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٢٧).
(٧) انظر: فتح الباري (١/ ٣٩٠)، وعُمدة القاري (٣/ ٢٣٨).
(٨) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٢٨).
[ ١ / ٢٢٢ ]
ورُوي: "فَانْتَجَسْتُ" (١) بـ"التاء" المثنّاة [و"الجيم"] (٢)، أي: "اعتقدتُ نفسي نجسًا" (٣).
و"أنْ أجالسك" في محل مفعول"كرهت"، و"أن" المصدرية تقدّمت في الرّابع من أوّل الكتاب.
وقوله: "جنبًا": أي: "ذا جنابة"؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو "الإجناب" (٤)، وقد تقدّم في الخامس من أوّل الكتاب القول في ذلك.
وانظر إِلَى قولُه: "قَال" من كلام أَبِي هُرَيْرَةَ بغير "فاء"، و"قَال" من كلام النَّبِيّ -ﷺ- بـ"الفاء". وإنَّما سقطت"الفاء" من كلام أَبِي هُرَيْرَةَ لأنَّها جاءت على الأفصح في الجمل المفتتحة بالقول، كما قيل في قولِه تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ﴾ وما بعدها [الشعراء: ١٠، ١١، ١٢]. (٥)
وأمّا القول مع ضمير النَّبِيّ -ﷺ-: فـ"الفاء" سببية رابطة؛ فاجتُلبت لذلك. (٦)
قولُه: "فكرهت أنْ أجالسك": فرّق السّهيلي بينه وبين "كرهتُ مجالستك"، فالأول يكون المكروه وقوع الفعل، وهو المجَالَسَة، وعلى الثاني المكروه ليس
_________________
(١) وهي رواية المستملي، كما في "فتح الباري" (١/ ٣٩٠). وذكرها الرشيد العطار في "غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة" (ص ١٨٤).
(٢) بالنسخ: "والحاء".
(٣) انظر: رياض الأفهام (١/ ٣٦٤)، وفتح الباري (١/ ٣٩٥)، وعمدة القاري (٣/ ٢٣٨)، وفتح الباري لابن رجب (١/ ٣٤٣).
(٤) انظر: العين للخليل بن أحمد (٦/ ١٤٨)، وشمس العلوم (٢/ ١١٨٣، و١١٩١)، ومجمع بحار الأنوار (١/ ٣٩٦).
(٥) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٣٥).
(٦) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٣٥).
[ ١ / ٢٢٣ ]
المجَالَسَة (١).
قولُه: "وأنا على غير طهارة": جمله في محلّ الحال. وصاحب الحال فاعل "أجالسك". وجاءت الحال جملة اسمية بـ "الواو" وحدها (٢).
و"سبحان الله": اسم وضع موضع المصدر منصوب بإضمار فعل من معناه لا يَجوز إظهاره، وهو من الأسماء الملتزم فيها النصب على المصدرية.
وذهب الكسائي إِلَى أَنَّهُ منادى مُضاف.
وضعف بأنه لم يسمع دخول حرف النداء عليه.
ويُستعمل كمَا جَاءَ هنا، ومُفردًا مُنوّنًا، كقوله:
سُبحانَه ثم سُبْحانًا نَعوذ به وقبلنا (٣)
فقيل: صرفه ضرورة. وقيل: لأنّه نكرة. وقيل: لقطعه عن الإضافة. ومنعه من الصّرف للعَلَمية وزيادة الألِف والنون. (٤)
و"الكَاف" في "سُبحانك" مفعول به أضيف إليه.
وأجاز بعضهم أن يكون فاعلًا؛ لأنّ المعنى: "تنزهت" (٥).
_________________
(١) انظر: نتائج الفكر في النحو (ص ٢٦٧).
(٢) انظر: شرح المفصل (٢/ ٢٧٨)، شرح ابن عُقيل (٢/ ٢٧٨).
(٣) البيت من البسيط، وهو لورقة بن نوفل، وقيل: لأمية بن أَبِي الصلت، وقيل: لزيد بن عَمْرو بن نفيل. وهو بتمامه: سُبحانَه ثم سُبْحانًا نَعوذ به وقبلنا سبَّح الجُودِيُّ والجُمُدُ انظر: المعجم المفصل (٢/ ٢٧٠).
(٤) انظر: رياض الأفهام (١/ ٣٦٦ وما بعدها).
(٥) انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ١٠٦)، شرح المفصل (١/ ١١٩)، وشرح التسهيل (٢/ ١٨٥)، الكتاب (١/ ٣٧٦، وما بعدها)، حاشية الصبان على الأشموني =
[ ١ / ٢٢٤ ]
قولُه: "إنّ المؤمن لا ينجس": خبر "إن" الجملة المنفية، وتقدّم القول على "لا" في الأوّل من "باب الاستطابة".
و"ينجس": بضم"الجيم"، من "نجس" بفتح"الجيم"، ويقال: "نجس" بكسر "الجيم"، "ينجس" بفتحها، كـ"علم"، "يعلم" (١).
الحديث الثاني
[٣١]: عن عَائِشَة -﵂- قالت: "كان رسول الله -ﷺ- إِذَا اغتسل من جنابة غسل يديه ثم تَوَضَّأَ وضوء الصلاة ثم اغتسل ثم تخلل بيديه شعره حَتَّى إِذَا ظن أَنَّهُ قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده" (٢).
وكانت تقول: "كنت أغتسل أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد نغترف منه جميعًا" (٣).
قولُه: "غَسَل يديه": جواب "إِذَا"، والعامل في "إِذَا" فعلها أو جوابها على ما تقدّم في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. والمعنى: "إِذَا شرع في الاغتسال غسل يديه". أو يُقدّر: "أراد الاغتسال".
والجملة من "إِذَا" في محلّ خبر "كان".
وقد اجتمع هنا [ثلاثة] (٤) ضمائر: "النَّبِيّ -ﷺ- اسم كان"، و"فاعل اغتسل"،
_________________
(١) = (١/ ٨٢)، والأصول في النحو (٢/ ٢٥٢)، شرح التصريح (١/ ٤٢٦)، والمقتضب (٣/ ٢١٧).
(٢) انظر: العين (٦/ ٥٥)، تاج العروس (١٦/ ٥٣٥)، تحرير ألفاظ التنبيه للنووي (ص ٤٦)، ومختار الصحاح (ص ٣٠٥).
(٣) رواه البخاري (٢٧٢) في الغسل، ومسلم (٣١٦) في الطهارة.
(٤) رواه البخاري (٢٧٣) في الغسل، ومسلم (٣٢١) (٤٣) (٤٥) في الحيض، ورواه أيضًا الدرامي (١/ ١٩١، ١٩٢) في الطهارة، وأحمد في "المسند" (٦/ ١٩٣، ٢٣١، ٢٨١).
(٥) بالنسخ: "ثلاث".
[ ١ / ٢٢٥ ]
و"فاعل غسل".
ويرجح هنا وقوع "غسل" جوابًا لـ"إِذَا" على كونه في محل خبر "كان" بكونه وقع ماضيًا، وخبر "كان" لا يقع ماضيًا إلَّا قليلًا. سيأتي في الحادي عشر من "الجنائز". ومنه قولُه تعالى: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] (١).
ومتى قدّر "غسل" في محل خبر "كان" كان جواب"إِذَا" محذوفًا تقديره: "كان رسول الله -ﷺ- غسل يديه إِذَا اغتسل من الجنابة غسل يديه"، ثم حذف استغناء عنه بالمذكور. وفيه فتور. والأوّل أولى وأفصَح. (٢)
قولُه: "ثم تَوَضَّأَ": "ثم" هنا لترتيب الأخبار، ويُقال فيها: "فم" بـ"الفاء"، كقولهم في "جدث": "جدف" (٣).
قال ابن هشام: ويقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة. وفي كلّ منها خلاف.
وقيل: جاءت زائدة في قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨]، جعلوا "تاب" جواب الشرط.
وخالف قوم في اقتضائها الترتيب، بدليل قولك: "أعجبني ما صنعت اليوم
_________________
(١) انظر: اللباب لابن عادل (١٨/ ٢٥١)، والبحر المحيط (١٠/ ٤٠)، وتسهيل الفوائد (ص/ ٥٢)، وشرح الأشموني (١/ ٢١٩)، وشرح الكافية الشافية (١/ ٣٩٤).
(٢) انظر: شرح القسطلاني (١/ ٣٢٧)، شرح البخاري لابن بطال (١/ ٣٧٧)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ١٤٣).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ١٥٨)، وشرح التسهيل (٣/ ٣٥٢)، والممتع الكبير في التصريف (ص ٢٧٥)، وحاشية الصبان (٣/ ١٩٣)، وهمع الهوامع (٣/ ١٩٥)، وشرح التصريح (٢/ ١٤٦).
[ ١ / ٢٢٦ ]
ثم ما صنعت أمس أعجب".
ونصب بعضهم الفعل المضارع بـ "أن" بعد "ثم"، نحو قولُه تعالى: "ثُمَّ يُدْركَهُ المَوْت" (١). (٢)
قولُه: "وضوء الصّلاة": مذهبُ سيبويه في هذا النصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدّم المحذوف، [والإضمار] (٣) على طريق الاتساع، وَلَا يكون عنده نعتًا لمصدَر محذوف، خلافًا لأبي البقاء ومَن وافقه، في هذا الموضع وغيره؛ لأنه يُؤدي إِلَى حذف الموصوف وإبقاء الصفة في غير المواضع المستثناة، وهي: -
إِذَا كانت الصفة خاصة بخفض الموصوف نحو: "مررت بكاتب".
أو وقعت خبرًا، نحو: "زَيْدِ قائم".
أو حالًا، نحو: "جاء زَيْدِ راكبًا".
ووصفًا لظرف، نحو: "جلست قريبًا منك".
أو مستعملة استعمال الأسماء، كـ "الأبطح" و"الأبرق"، وهو محفوظ، انتهى (٤).
فيكون التقدير هنا على مذهب سيبويه: "تَوَضَّأَ الوضوء في حال كونه مثل وضوء الصلاة"، ثم أضمره وحذفه.
_________________
(١) سورة [النساء: ١٠٠]، وهي قراءة الحسن بن أَبِي الحسن، ونبيح، والجراح. انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٥).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ١٥٨ وما بعدها). وراجع: الجنى الداني (ص ٤٢٧)، وشرح التسهيل (٣/ ٣٥٧)، وحاشية الصبان (٣/ ١٩٣)، وشرح التصريح (٢/ ١٤٦)، وهمع الهوامع (٣/ ١٩٥).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الكتاب (٢/ ٣٤٥ وما بعدها)، وشرح المفصل (٢/ ٢٥٠، وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٣٣١)، أوضح المسالك (٣/ ٢٨٧)، وتوضيح المقاصد (٢/ ٩٦٤).
[ ١ / ٢٢٧ ]
وفي الحقيقة الحال: "مثل"، و"وضوء" مضاف إليه أقيم مقام المضاف. و"مثل": نكرة، لا تتعرّف بالإضافة على الصحيح (١).
والذي اختاره أَبُو البقاء وموا فقوه أسهل في التقدير، وأقرب إِلَى التعليم. وسيأتي بعض ذلك في التاسع من "باب صفة الصلاة".
قولُه: "ثم يخلل بيديه": "ثُم" هنا للترتيب.
قولُه: "حَتَّى إِذا": "حَتَّى" حرفُ ابتداء، وجعلها الزمخشري مع إِذَا حرف جر (٢). وقد تقدّم الكلام على "حَتَّى" وعلى "إِذَا" في ثاني حَدِيث من الأوّل.
و"ظن": من أخوات "حسب"، تتعدّى إِلَى مفعولين، إِذَا لم تكن بمعنى "اتهم" (٣).
و"أن" المفتوحة سدّت مسد مفعوليها. وخبر "أن" في الجملة.
و"بشرته" مفعول بـ "أروى". و"أفاض عليه الماء" جواب "إِذا".
وقوله: "ثلاث مَرّات": منصوب على المصدرية؛ لأنه عَدَد المصدر، وعدد المصدر مصدر (٤).
_________________
(١) انظر: اللباب لابن عادل (١/ ٢٢١)، وإرشاد الساري (١/ ٣٩٦)، وأوضح المسالك (٣/ ٧٤)، والنحو الوافي (٣/ ٢٥).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٢٩)، (٤/ ٤٧١)، إرشاد الساري (١/ ٢٢٩)، (٩/ ٤٢٨)، عُقود الزبرجَد (١/ ٢٤٠)، الجنى الداني (ص ٥٥٤، ٥٥٥)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٥٠)، همع الهوامع (٢/ ٣٨١)، .
(٣) انظر: حاشية الصبان (٢/ ٢٩)، وشرح المفصل (٤/ ٣٢٣)، وشرح التصريح (١/ ٣٤٦)، وأوضح المسالك (٢/ ٤٣)، وشرح الشذور للجوجري (٢/ ٦٤٠).
(٤) انظر: حاشية الصبان (٢/ ١٦١)، وشرح ابن عُقيل (٢/ ١٩٦)، وتوضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٦٤٤).
[ ١ / ٢٢٨ ]
قولُه: "ثم غسل سائر جسده": يحتمل "السائر": "البقية"؛ لأنّه من "السؤر"، ويحتمل "الجميع" على أنَّه من "السور" المحيط. (١)
و"ثم" يحتمل أن تكُون لترتيب الأخبار، ويحتمل أن تكُون بمعنى "الواو".
وقوله: "وكانت تقول": أي: "عَائِشَة -﵂-". وجملة القول خبر "كان"، و"كنت" معمول القول.
و"أنا" تأكيد لاسمها، مصحّح للعطف على الضمير المرفوع المستكن.
ويجوز فيه النصب على أنَّه مفعول معه، أي: "مع رسول الله -ﷺ-".
والاكثرون على أنَّ هذا العطف وما كان مثله من باب عطف المفردات.
وزعم بعضهم أَنَّهُ من باب عطف الجمَل، وتقديره في قولِه تعالى: ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ [طه: ٥٨]: "وَلَا تخلفه أنت" (٢)، ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، تقديره: "ولتسكن زوجك" (٣).
وكذا هذا: "كنت أغتسل أنا ويغتسل رسول الله" (٤).
قولُه: "نغترف منه": يحتمل أن يكون في محلّ الصفة لـ "إناء" صفة مُقدّرة بعد
_________________
(١) انظر: شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص ١٥)، المصباح المنير (١/ ٢٩٩)، وتاج العروس (١١/ ٤٨٥ وما بعدها).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٢)، والمحرر الوجيز (٤/ ٤٨).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٥٠)، والتحرير والتنوير (١/ ٤٨٢)، والمحرر الوجيز (١/ ١٢٦)، ومغني اللبيب (ص ٥٥٨)، شرح التسهيل (٣/ ٣٧٢).
(٤) انظر: فتح الباري (١/ ٣٦٣)، فتح الباري لابن رجب (١/ ٣٠٩)، عمدة القاري (٣/ ١٩٥، ١٩٦)، إرشاد الساري (١/ ٣٢٨)، تحفة الأحوذي (١/ ١٦٤)، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (٣/ ٨١٢)، عقود الزبرجد (٣/ ٢٠٨)، مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٨٣١)، علل النحو (ص ٣٢٠).
[ ١ / ٢٢٩ ]
الصّفة الظاهرة المؤكّدة، ويحتمل أن يكون بدلًا من "اغتسل".
ويحتمل أن يكون في محل الحال من فاعل "اغتسل" وما عطف عليه، أي: "مغترفين منه جميعًا" (١).
ونظير هذا قولُه تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧]، قيل: هو حال من ضمير "مريم" ومن الضمير المجرور ضمير "عيسى -﵇-"؛ لأنّ الجملة اشتملت على ضميرها وضميره. وقيل: من ضميرها. وقيل: من ضميره (٢).
و"جميعًا": حال من ضمير "نغترف" (٣).
و"جميعًا" يرادف "كلا" في العموم، وَلَا يفيد الاجتماع في الزمان، بخلاف "معًا"، وعدّها ابن ابن مالك من ألفاظ التأكيد.
قال: وأغفلها النحويون.
قال: وقد نبّه سيبويه على أنَّها بمنزلة "كلّ" معنى واستعمالًا، ولم يذكر له شاهدًا من كلام العرب (٤).
قال ابن مالك (٥): وقد ظفرتُ بشاهد له، وهو قول امرأة من العرب ترقّص ابنها:
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٢٨)، فتح الباري (١/ ٣٧٣)، إحكام الأحكام (١/ ١٣٢).
(٢) انظر البحر المحيط (٧/ ٢٥٧)، المحرر الوجيز (٤/ ١٣).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٢٨).
(٤) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٢٨)، شرح التسهيل (٣/ ٢٩١)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١١٦٨، ١١٧١).
(٥) انظر: شرح الكافية الشافية (٣/ ١١٧١)، إرشاد الساري (١/ ٣٢٨).
[ ١ / ٢٣٠ ]
فدَاكَ حَيُّ خَوْلانْ جَميِعُهُمْ وَهَمْدَانْ
وكُلُّ آلِ قَحْطَانْ وَالأَكْرَموُنَ عَدْنَانْ (١)
الحديث الثالث:
[٣٢]: عن ميمونة بنت الحارث زوج النَّبِيّ -ﷺ- أنَّها قالت: "وضع رسول الله -ﷺ- وضوء الجنابة فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثًا ثم غسل فرجه ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثًا ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض على رأسه الماء ثم غسل جسده ثم تنحى فغسل رجليه فأتيته بخرقة فلم يردها فجعل ينفض الماء بيديه" (٢).
قولُه: "أنَّها قالت": في محل القائم مقام الفاعل لـ "روى"المتعلق به حرف الجر.
و"ميمونة": لا ينصرف للتعريف والتأنيث. و"بنت" صفة لها. و"زوج" صفة أخرى. والأفصح: "زوج" بغير "تاء" (٣)، و[جاء] (٤) بـ "التاء" في حَدِيث عمار عن عَائِشَة: "والله إني لأعلم أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، في الْجَنَّةِ" (٥).
وجملة "وضع رسول الله -ﷺ-": معمول للقول.
وقوله: "وضوء الجنابة": مفعول بـ "وضع"، ويقع على "الماء"، وعلى "الإناء".
فإن كان المراد "الماء" كان التقدير: "وضع رسول الله -ﷺ- الماء المعد للجنابة"، وَلَا
_________________
(١) البيتان من الهزج، وهما لامرأة من العرب ترقّص ابنها. انظر: الهمع (٣/ ١٦٥)، شرح التصريح (٢/ ١٣٥)، أوضح المسالك (٣/ ٢٩٦)، والمعجم المفصل (٨/ ٤).
(٢) رواه البخاري (٢٧٤) في الغسل، ومسلم رقم (٣١٧) في الحيض.
(٣) انظر: مشارق الأنوار (١/ ٣١٣)، تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٣٧)، لسان العرب (٢/ ٢٩٢).
(٤) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٥) رواه الإِمام أحمد في كتاب "فضائل الصحابة" (٢/ ٨٦٨ / برقم ١٦٢٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
بُد من تقدير: "في تور" أو "طست".
وإن كان المراد "الإناء" كان هو الموضوع، وأضيف إلى "الجنابة" بمعنى أَنَّهُ مُعدّ لغسل الجنابة إضافة تخصيص.
وتقدّم القول على "أكفأ" و"كفأ" في الحديث الثّامن من أوَّلَ الكتاب.
و"الباء" في قولِه: "بيمينه" باء الاستعانة (١)، وتتعلق بـ "أكفأ".
وقوله: "مرتين": تثنية "مرة"، مصدر "أو ثلاثًا" عَدَده، ويكون مصدرًا أيضًا؛ لأنّ المصدر اسم الفعل أو عدده أو ما قام مقامه أو ما أضيف إليه (٢).
قولُه: "ثم غسل": معطوفٌ على "أكفأ".
وقوله: "ثم ضرب يده بالأرض": جعل"الأرض" آلة الضرب، وجاء في رواية: "ثم ضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ" (٣)؛ فيحتمل هنا أن يكون من باب القَلب، من قولهم: "أدخلتُ القلنسوة في رأسي"، و"أدخلت رأسي في القلنسوة". ومنه: "عرضت الناقة على الحوض"، والأصل: "عرضت الحوض على الناقة" (٤).
ومنه قولُه تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، أي العصبة تنوء بالمفاتيح لثقلها (٥).
ويحتمل أن يكون من باب الملابسة؛ لأنّ مَن مسّك فقد مسسته، ومن وضعت
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ٣٩)، همع الهوامع (٢/ ٤١٨).
(٢) انظر: شرح ابن عُقيل (٢/ ١٦٩)، توضيح المقاصد (٢/ ٦٤٤).
(٣) صحيح: البخاري (٢٧٦).
(٤) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٢٩)، ومغني اللبيب (ص / ٩١٣)، وشمس العلوم (٥/ ٣١٧٧).
(٥) انظر: البحر المحيط لأبي حيَّان (٨/ ٣٢٤) و(١٠/ ٣٦٤)، والتحرير والتنوير (٢٠/ ١٧٧، ٣٠/ ٢٨٣).
[ ١ / ٢٣٢ ]
يدك على جسمه فقد وضع جسمه على يدك.
ويحتمل معنى آخر، وهو أنّ الضّرب ينشأ عنه الألم، وَلَا يحصل في هذا الموضع ألم الأرض، وإنَّما يحصل لضاربها.
ويحتمل أن يكون الفعل مُضَمَّنًا غير معناه؛ لأنّ المراد "تعفير اليد بالتراب"، فكأنه قال: "فعفر يده بالأرض" (١).
وقوله: "أو الحائط": "أو" للشك من الرا وي. وما بعد هذا معطوف لا إشكال فيه.
قولُه: "فأتيته بخرقة": يتعلّق حرف الجر بـ "أتيته" أو بحال، أي: "مصاحبا لخرقة"؛ فتكون "باء" الحال (٢).
وقوله: "فلم يردها": "لم" حرف، تقدّم الكلام عليها في الحديث الثالث من "باب المذي". وهي حرفُ جزم لنفي المضارع وقلبه ماضيًا، نحو: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] (٣).
وقد يرتفع الفعل بعدها، نحو قولُه:
لولا فوارس من نعم وأسرتهم يوم الصليفاء لم يوفون بالجار (٤).
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١/ ٣٨٣)، والتمهيد (٢٢/ ٩٤)، شرح ابن ماجة لمغلطاي (١/ ٧١٨)، عمدة القاري (٣/ ٢٢٣)، فتح الباري لابن رجب (١/ ٣١٥)، والكواكب الداراي (٣/ ١٣٥).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٤٠).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٦٥).
(٤) البيت من البسيط، وهو بلا نسبة. ورُوي فيه: "لولا فوارس من ذهل". انظر: سر صناعة الإعراب (٢/ ١١٨)، خزانة الأدب (١/ ٢٠٥)، (٩/ ٣)، شرح التسهيل (١/ ٢٨)، شرح المفصل (٤/ ٢١٣)، مغني اللبيب (ص ٣٦٥)، والمعجم المفصل (٣/ ٣٩٩).
[ ١ / ٢٣٣ ]
قال ابنُ مالك: لُغة (١).
وقيل: ضرورة (٢).
قلتُ: وفي صحيح البخاري في حَدِيث رفاعة قولُه -ﷺ- لزوجه: "إنك [لم] (٣) تحلين له أو تصلحين له" (٤)، بإثبات "النون" فيهما، متَّفقٌ عليه في النسخ كُلها دليل على أنَّها لُغة.
وقد جاء النصب بها في قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
وأجيب: بأنّ الأصل: ["نشرحن"] (٥) بـ "النون"، بدل منها "ألِف"، ثم حذفت تخفيفًا، ذكره ابن عطية (٦).
قال ابن هشام: في هذا التخريج شذوذان، أحدهما: توكيد المنفي بـ "لم"، وحذف "النون" لغير وقف (٧).
وقوله: "وجعل ينفض الماء بيديه": تقدّم القول على "جعل" في الحديث الرّابع من أَوَّل الكتاب، وهي من أفعال المقارَبَة، واسمها مستتر فيها، وخبرها في الفعل (٨).
_________________
(١) شرح التسهيل (١/ ٢٨).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص/ ٣٦٥)، شرح التصريح (٢/ ٣٩٨).
(٣) بالأصل: "لمن". وفي (ب): "لن".
(٤) ما في صحيح البخاري: "فَإِنْ كَانَ ذَلِكِ لَمْ تَحِلِّى لَهُ، أو: لَمْ تَصْلُحِي لَهُ حَتَّى يَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ". ولكن روى الإِمام أحمد في مسنده (٢٦٧٠٠) من حَدِيث أُم سَلَمَة، وفيه: "قالوا: إنك لم تحلين"، وهو صحيحٌ على شرط الشيخين. وانظر: فتح الباري (١٠/ ٢٨٢)، وإرشاد الساري (٨/ ٤٣٥).
(٥) بالنسخ: "شرحن". والمثبت من المصدر.
(٦) انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٤٩٦)، والكشاف (٤/ ٧٧٠).
(٧) مغني اللبيب (ص / ٩١٦).
(٨) انظر: البحر المحيط (١/ ١٣٧)، رياض الأفهام (١/ ٦٤، ٦٥، ٦٥٣)، شواهد =
[ ١ / ٢٣٤ ]
الحديث الرابع:
[٣٣]: عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: "يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟، قال: نعم إِذَا تَوَضَّأَ أحدكم فليرقد" (١).
تقدم القول فيه إِلَى قولُه: "يا رسول الله".
و"يا": حرف نداء موضوع لنداء البعيد حقيقة أو حُكمًا، و[قد] (٢) يُنادى بها القريب توكيدًا.
وقيل: هي مشتركة بين القريب والبعيد.
وهي أكثر حروف النداء استعمالًا؛ ولهذا لا يقدّر عند الحذف سواها، نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] (٣).
وليس نصب المنادى بها وَلَا بأخواتها سواء قلنا هي أحرف وأسماء لـ "أدعُو" مُتحمّلة لضمير الفاعل، خِلافًا لزاعمي ذلك، بل بـ "أدعُو" محذوفًا لزومًا (٤).
قولُه: "أيرقد أحدنا: "الهمزة" للاستفهام.
وحروف الاستفهام: "الهمزة" و"أُم" [و"هل"] (٥).
_________________
(١) = التوضيح (ص ١٣٥، ١٣٦)، والإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ١٣٠)، وشرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٣٨٧).
(٢) رواه البخاري (٢٨٧) في الغسل، ومسلم (٣٠٦) في الحيض.
(٣) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٤٨٨)، وشرح المفصل (١/ ٣١٦)، والجنى الداني (ص ٣٥٥)، والصبان (٣/ ١٩٩).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٤٨٨)، وأوضح المسالك (٤/ ٤)، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٢٨٨)، والجنى الداني (ص ٣٥٥)، ونتائج الفكر (ص ٦١).
(٦) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
[ ١ / ٢٣٥ ]
وأمّ الباب: "الهمزة"، وذلك لأنه يُستفهَم بها عن المعلوم والمجهول، كما قال:
أَطَرَبًا وأنتَ قِنَّسْرِيُّ (١)
وقد تحقّق عنده أَنَّهُ "قنسري"، ثم استفهم عن طربه. (٢)
ومن ذلك: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١].
وَلَا تقع موقع "الهمزة" هنا "هل، وَلَا غيرها (٣).
قال الشيخ أَبُو حيّان عند قولُه تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]:
إِذَا ولى الاستفهام الاسم وجاء الفعل بعده أشعر بوقوع الفعل في الوجود، والاستفهام عن صدور ذلك الفعل من المخاطب، وعدم صدوره، بخلاف ما إِذَا ولى الاستفهام الفعل؛ فإنه ليس فيه إشعار بوقوعه.
فإذا قلت: "أنت ضربت زيدًا؟ " أشعر بوقوع الضرب، ولكنك استفهمت عن إسناده للمخاطب.
وإذا قلت: "أضربت زيدًا؟ " استفهمت عن إسناده له، وَلَا إشعار فيه بالوقوع.
قال: ونص على ذلك أَبُو الحسن الأخفش (٤).
وسيأتي في الحديث بعد هذا تتمة لمعنى "هل"،
_________________
(١) البيت من مشطور السريع، وأخطأ من قال: هو من الرجز. وهو للعجاج. انظر: خزانة الأدب (١١/ ٢٧٥)، والمعجم المفصل (١٢/ ٣٩٦).
(٢) انظر: أمالي ابن الشجري (١/ ٤٠٠).
(٣) انظر: التعليقة على كتاب سيبويه (٢/ ٢٤٨)، شرح التسهيل (٤/ ١٠٩)، شرح المفصل (٥/ ١٠٢).
(٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤١٦).
[ ١ / ٢٣٦ ]
قلت: فيكون هذا فيه استفهام عن رقاد الجنب وهو بحال جنابته، وَلَا إشعار فيه بالوقوع.
وأمَّا "أم": فإنها تأتي متصلة ومنقطعة.
فالمتصلة يتقدّمها الاستفهام، ويقع بعدها المفرد، [وتقدر] (١) بـ "أي"، ويكون جوابها أحد الشيئين أو الأشياء.
وأمَّا المنقطعة: فيتقدّمها الاستفهام والخبر، وتقع بعدها الجملة، وتقدر بـ "بل" و"الهمزة لا، ويكون جوابها: "لا" أو "نعم".
مثال المتصلة: "أقام زَيْدِ أم عَمْرو؟ ".
ومثال المنقطعة -وأكثر ما يقع في القرآن العزيز- مثل: "إنها لإبِلٌ أُم شاء؟ "؛ قَدَّر جميعُهم: "بل هي شاء"، وقدَّر الرمانيُّ (٢): "بل شاء هي"،
واعتُرض؛ فقيل: إنّ "هي" [خبرٌ] (٣)، فكيف يخبر بالمعرفة عن النكرة؟ وإن أراد أنَّها مبتدأ فلمَ أخّرها في التقدير (٤).
وأمَّا "هل" فتأتي في الحديث الذي بعد هذا.
والجملة من قولُه: "وهو جنب" في محل الحال من "أخذ"، وهو معرفة
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٢) انظر: منازل الحروف للرماني (ص ٥٨).
(٣) بالنسخ: "خبرا".
(٤) انظر في أحكام "أُم": الجنى الداني (ص ٢٠٤ وما بعدها)، وشرح ابن عُقيل (٣/ ٢٣١)، واللمحة (٢/ ٦٩٧)، والهمع (٣/ ١٩٨)، ومغني اللبيب (ص ٦٦)، والأصول لابن السراج (٢/ ٢١٣)، والتعليقة على كتاب سيبويه (٢/ ٢٤٨، ٢٧٨)، شرح التسهيل (٣/ ٣٦٢)، شرح المفصل (٥/ ١٧، ١٠٢)، وأوضح المسالك (٣/ ٣٣٨).
[ ١ / ٢٣٧ ]
بالإضافة، والعامل في الحال العامل في صاحبها، وهو: "أيرقد".
و"نعم": حرفُ جواب مُقرِّرة لما سبقها نفيًا كان أو إثباتًا.
ويكون في الجواب للاستخبار بالثبوت، فإذا قال: "هل قام زَيْدِ؟ " فجوابه في الإثبات: "نعم"، ولو قال قائل: "ما خرج زَيْدِ ولم يكن خرج" قلت في جوابه: "نعم"، أي "نعم ما خرج"، فصدقت الكلام على نفيه ولم تبطله، كما تبطله "بلى"، فإن كان قد خرج قلت: "بلى"، أي: "قد خرج"، فرفعت ذلك النفي [وأزالته] (١). (٢)
قال الله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ولو قالوا نعم كان كُفرًا؛ إذ معناه: "نعم لست ربَّنَا"، هذا هو المشهور فيها (٣).
قال ابنُ مالك: وجاء في [قصة] (٤) الأنصار: "ألستم تعرفون ذلك؟ " قالوا: "نَعَم" (٥)، فأوقعوا "نعم" موقع "بلى". (٦)
فقوله في هذا [الحديث] (٧): "نعم" تصديق لما تقدّم من رقاد أحدهم وهو جُنب، لكنه -ﷺ- شرط في إباحة ذلك أن يتوضّأ، والمعنى في ذلك: "نعم فليرقد".
_________________
(١) بالنسخ: "وأزلته".
(٢) انظر: رياض الأفهام (٢/ ٢٤٣)، مغني اللبيب (ص ٤٥٢).
(٣) انظر: شرح المفصل (٥/ ١٠٠)، مغني اللبيب (ص/١٥٣)، الجنى الداني (ص/ ٤٢٢)، همع الهوامع (٢/ ٥١٩)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٥).
(٤) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٥) رواه أَبو عُبيد القاسم بن سلاّم في "غريب الحديث" (٢/ ٢٧١)، كما رواه في كتاب "الأمثال" (ص ١٣٨)، ورواه عنه ابن الشجري في الأمالي (٢/ ٦٣، ٦٤).
(٦) انظر: أمالى السّهيلي، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم البنا، ط مطبعة السعادة بمصر ١٣٩٠ هـ / ١٩٧٠ م، (ص ٤٦). وراجع: الأمثال للقاسم بن سلام (ص ١٣٨)، عقود الزبرجد (٣/ ٢٨٠)، وأمالي ابن الشجري (٢/ ٦٤، وبالهامش).
(٧) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
[ ١ / ٢٣٨ ]
وقد تقدّم الفول على "إِذَا" وجوابها والعامل فيها في الحديث الثاني من أوّل الكتاب، وفيه ما قيل في "أحَد".
و"جُنب" مُتقدّم في الخامس من أوَّلَ الكتاب.
الحديث الخامس
[٣٤]: عن أُم سَلَمَة زوج النَّبِيّ -ﷺ- قالت: "جاءت أُم سُلَيْم امرأة أبي طلحة إِلَى رسول الله -ﷺ- فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيى من الحق هل على المرأة من غسل إذ هي احتلمت، فقال رسول الله -ﷺ- نعم إِذَا رأت الماء" (١).
قولُه: "زوج النَّبِيّ -ﷺ-": صفة لـ "أم" أو عطف بيان، و"امرأة" بدل أو عطف بيان.
و"أبي": من الأسماء الستة، علامة الجر فيه "الياء".
و"يا": حرفُ نداء. و"رسُول الله" منادى مضاف. والجملة معمولة للقول.
و"جَاء" يأتي الكلام عليها في الثّامن من "فصْل الصيام في السّفر".
وقولها: "إن الله لا يستحيي من الحق": "يستحيي" وزنه "يستفعل"، وماضيه "استحيى"، ولم يُستعمَل مجرّدًا عن "السين" و"التاء" (٢).
وقال الزمخشري: يُقَال منه: "حَيي" (٣). فعلى هذا يكون "استفعل" فيه مُوافقًا للفِعْل المجَرّد.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٠) في العلم، (٢٨٢) في الغسل، ومسلم (٣١٣) في الحيض.
(٢) انظر: عُمْدة القاري (٢٢/ ١٦٥)، إرشاد الساري (٩/ ٦٠)، الإعلام بفوائد عُمْدة الأحكام (١/ ٦٤٤)، نيل الأوطار (٨/ ١٧٣)، لسان العرب (١٤/ ٢١٨)، تاج العروس (٣٧/ ٥١٣).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيَّان (١/ ١٩٥)، وأساس البلاغة للزمخشري (١/ ٢٢٧).
[ ١ / ٢٣٩ ]
وقد جاء "استفعل" لاثني عشر مَعْنى:
للطلب، نحو: "نستعين".
وللاتخاذ، كـ "استعبده".
وللتحوّل، كـ "استنسر". انظر تمامها في "المجيد" (١).
والجمهور في ﴿يَسْتَحْيِي﴾ [البقرة: ٢٦] بياءين، وعليه أكثر القراء، وقرأ ابن كثير بـ "ياء" واحدة، وهي لغة بني تميم. (٢)
والأكثرون على أن المحذوف ياؤه الأولى وهي "عين" الكلمة، وقيل: الثانية وهي "لام" الكلمة، ثم نقلت حركة "الياء" الباقية إلى "فاء" الكلمة، فصار وزنه: "يستفل" على أن المحذوفَ عينه، أو "يستفع" على أن المحذوفَ لامه (٣).
وقوله: "من الحق": يتعلّق بـ "يستحيي".
والجملة لا محل لها من الإعراب، وتقدم ذكر الجمل التي لا محل لها في الحديث الأول.
وقوله: "هل على المرأة": "هل" حرف استفهام، وقد تقدم القول على حروف الاستفهام في الذي قبله.
قال سيبويه: إن دخلت "هل" على جملة اسمية لم تتأوّل بـ "قد"؛ لأنَّها من خواصّ الفعل، وإن دخلت على الجملة الفعلية كثرت في الاستفهام المحض، وقد
_________________
(١) انظر البحر المحيط (١/ ١٩٤).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٩٥)، (٨/ ٥٠٠)، وقد قرأ بها ابن كثير في رواية شبل، وابن محيصن، ويعقوب.
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٩٠)، المحرر الوجيز (١/ ١١٠، وما بعدها)، الكشاف (١/ ١١٣)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٢، ٤٣)، وإرشاد الساري (٩/ ٦٠).
[ ١ / ٢٤٠ ]
تجيء بمعنى "قد".
واختلف في قولِه تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، فقيل: بمعنى "قد"، وقيل: إنّ أصلها: "أهَل؟ "، فحذفت "الهمزة"، واكتفي بها في الاستفهام، وقيل: هي للاستفهام المحض (١).
قولُه: "على المرأة من غسل": "على" حرف جر، [إلَّا إِذَا] (٢) جُرّت بـ "من"، كقوله:
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ (٣)
أو إِذَا لزم تعدّي فعل الضّمير المتّصل إِلَى مُضمره المتّصل (٤)، كقوله:
هَوِّنْ عَلَيْك فَإِنَّ الأُمُور بكفِّ الإلهِ مَقَاديرُهَا (٥)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٣٥٨)، التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١٢٥٧)، رياض الأفهام (٤/ ٥٤٤)، التعليقة على كتاب سيبويه (٢/ ٢٤٨)، شرح التسهيل (٤/ ١٠٩)، شرح المفصل (٥/ ١٠٢)، ومغني اللبيب (ص ٤٦٠)، والهمع (٢/ ٦٠٩)، وجامع الدروس العربية (٣/ ٢٦٦).
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٣) جزء من صدر بيت من الطويل، وقائله هو مزاحم بن الحارث العقيلي. والبيتُ هو: غَدَت مِن عَلَيهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظِمْؤُها تَصِلُّ وَعَنْ قَيضٍ ببيداءَ مَجَهْلِ انظر: خزانة الأدب (١٠/ ١٤٧، ١٥٠)، الحيوان للجاحظ (٤/ ٤٦٥)، كتاب الإبل للأصمعي (ص ٩٨)، الكتاب (٤/ ٢٣١)، الجنى الداني (٤٧٠)، شرح التصريح (١/ ٦٦٠)، والمعجم المفصل (٤/ ٢٢٢)، (٦/ ٥٤٢).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ١٩٤)، خزانة الأدب (١٠/ ١٤٨).
(٥) البيت من المتقارب، وهو للأعور الشني، ونسب لبشر بن أب حاتم. انظر: العمدة لابن رشيق (١/ ٣٣)، والكتاب لسيبويه (١/ ٦٣)، والحماسة البصرية (٢/ ٢)، والعقد الفريد (٣/ ١٥٩)، والمعجم المفصل (٣/ ٣٥٧).
[ ١ / ٢٤١ ]
ونُسب إِلَى سيبويه أنَّها لا تكون إلَّا اسمًا، ولم يعدّها في حروف الجر، ووافقه جماعة (١).
ومعناها: الاستعلاء حقيقة، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، ومجازًا، كقوله: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]،
وتكون بمعنى "عن"، نحو: " [تعذّر] (٢) علىّ كذا".
وبمعنى ["الباء"] (٣)، نحو قولُه تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ [الأعراف: ١٠٥]،
[وبمعنى "في"] (٤)، نحو: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وتكون "على" للتعليل، كقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٥) [البقرة: ١٨٥].
وتكون للاستدراك، كقولك: "فلانٌ لا يدخُل الجَنَّة لسوء صنيعه، [على أَنَّهُ] (٦) لا يأس من رحمة الله" (٧).
و"مِن" هُنا زائدة للتأكيد، لا تتعلّق بشيء؛ لأنّ الاستفهام جارٍ مجرى النفي.
قولُه: "على المرأة": يتعلّق بخبر عن "غُسل"؛ لأنه مرفوع المحلّ، أي: "فهل
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٦)، والكتاب (١/ ٦٣).
(٢) بالنسخ: "تعد". وراجع: الجنى الداني (ص ٤٧٧).
(٣) بالنسخ: (الياء).
(٤) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٥) في الأصل: "ليكبروا الله على ما هداهم".
(٦) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٧) انظر في معاني "على": مغني اللبيب (ص ١٩٠ وما بعدها)، الأمالي لابن الشجري (٢/ ٦٠٩)، شرح التسهيل (٣/ ١١٦٤، وشرح الكافية الشافية (٢/ ٨٠٨)، الجنى الداني (ص ٤٧٧)، وهمع الهوامع (٢/ ٤٣٩).
[ ١ / ٢٤٢ ]
غُسل على المرأة".
ولـ "مِن" [مَعَان] (١) تقدّمت في الحديث السّادس من "الاستطابة".
قولُه: "نعم إِذَا رأت الماء": تقدّم القول على "نعم" في الحديث الرابع قبل هذا، و"إذا" تقدّمت في الثّاني من الأوّل، وجوابها هُنا محذوفٌ يدلّ عليه ما قبله، أي: "إِذَا احتلَمَت فعليها الغُسل".
ولو اقتصر الكَلام على "نعم" أغْنَت عن "إِذَا" وجوابها، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] (٢).
و"الاحتلام": افتعال من "الحلم" بضم"الحاء" وسكون "اللام"، [وهو "ما] (٣) يراه النائم في نومه"، يقال منه: "حَلَم" بفتح اللام و"احتلم" و"احتلمت به" و"احتلمته". وأمَّا "حَلِمَ الأديم" فبكسر "اللام"، و"حَلُم" بضم اللام إِذَا "صفح، وتجاوز" (٤).
وفي "نعم" لُغات، فتح "العين" وكسرها، وإبدال عينها "حاء"، ويجوز كسرهما -أعني "النون" و"العين"- على الاتباع (٥).
و"هي" ضمير مرفوع وقع بعد "إِذا"، و"إِذا" لا يليها إلَّا الفعْل ماضيًا أو مُضارعًا، كأسماء الشّرط؛ فيتخرّج على أنْ يكون الضّميرُ مرفوعًا بفعْل محذُوف يُفسّره الفعل بعده، أي: "إِذَا احتلمت"، فلَمَّا حذف الفعل انفصل الضمير المستتر في
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٢) انظر: البحر المحيط (٥/ ٥٥)، ومغني اللبيب (ص ٤٥١).
(٣) بالنسخ: "وما". والمثبت من "رياض الأفهام".
(٤) انظر: رياض الأفهام (١/ ٣٩٧)، والصحاح (٥/ ١٩٠٣)، وتاج العروس (٣١/ ٦٢٦)، والمطلع (ص ٣٠٦).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٤٥١).
[ ١ / ٢٤٣ ]
"احتَلَمَت"، كقوله:
وإِنْ هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَّفس ضَيْمَهَا (١)
أصله: "وإن لم يحمل على النفس"، فانفصل الضمير المستكن في ["يحمل"] (٢) فصار "هو" (٣).
وهُنا لما انفصل منا احتلمت، صار: "هي".
وعلى هذا خُرج قولُه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠] (٤).
ويتخرّج على وجه آخر، وهو على إضمار "كان"، أي: "إِذَا كانت هي احتلمت"، فحذف ["كان"] (٥) واسمها، وبقى "هي" تأكيدًا و"هي" المحذوفة. (٦)
وخرج أيضًا على وجْه آخر، أَنَّهُ حذف "كان"؛ [فانفصل] (٧) اسمها المتّصل بها، وهذا اختاره أَبُو حيّان واستحسنه؛ لأنَّ حذف "كان" كثير. (٨)
_________________
(١) صدر بيت من الطويل، وهو للسموأل بن عادياء اليهودي أو للجلاح الحارثي (عبد الملك بن عبد الرحيم). وعجز البيت هو: "فليس إِلَى حُسْنِ الثَّناءِ سبيلُ". انظر: خزانة الأدب (٩/ ٤٢)، أمالي القالي (١/ ٢٦٩)، والمعجم المفصل (٦/ ٣٢٢).
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٧٤ وما بعدها)، (٧/ ١١٨)، الكامل في اللغة والأدب (١/ ٢٢١)، مغني اللبيب (ص ٣٥٤، ٨٢٧)، الهمع (١/ ٢٤٩)، (٢/ ٥٥٢، ٥٥٣، ٥٧٢)، المفصل (ص ٤٤٣)، وشرح ابن عُقيل (١/ ٩٩ وما بعدها).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٧٤ وما بعدها)، (٧/ ١١٨)، مغني اللبيب (ص ٣٥٤، ٨٢٧).
(٥) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٦) انظر: البحر المحيط (٧/ ١١٨).
(٧) غير واضحة بالأصل، وفي (ب): "وانفصل". والمثبت من المصدر.
(٨) انظر: البحر المحيط (٧/ ١١٨، ١١٩).
[ ١ / ٢٤٤ ]
[ومنه] (١): "أما أنت منطلقًا انطلقت"، أي: "لأن كنت"، فحذف "كان"، وبقى اسمها منفصلًا (٢).
ويجوز أن تكون "هي" في الحديث زائدة للتأكيد، ولكن الأصل خلافه. (٣)
وأمَّا قولُه -ﷺ- في جوابها: "نعم إِذَا رأت الماء"، ولم يقل: "نعم إِذَا هي رأت الماء"؛ لأنّ السؤال يُناسبه البيان والتأكيد أكثر من الجواب؛ لأنّ الجواب مُرتّب عليه ومحال في بيانه عليه.
والرؤية يحتمل أن تكون عِلمية؛ فتتعدى إِلَى مفعولين، الثاني مُقدّر، أي: "إِذَا رأت الماءَ موجُودًا" أو غير ذلك (٤).
قال أَبُو حيّان: وحذفُ أحد مفعولي "رأى" وأخواتها عزيز (٥).
وقد قيل في قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، أي: "البخل خيرًا لهم". وتُؤول على غير ذلك، فانظره في موضعه (٦).
وأمَّا حذفهما جميعًا: فجائزٌ [اقتصارًا] (٧). ومنه قولُه تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٢) انظر: شرح المفصل (٢/ ٨٧، ٨٩، ٩٠)، وشرح التسهيل (١/ ٢١٦)، (٢/ ٢٠٩)، وحاشية الصبان (١/ ٢٢٤)، وأوضح المسالك (١/ ٢٥٧)، والكتاب (٣/ ٧، ١٤٩)، والجنى الداني (ص ٣٣٣)، ومغني اللبيب (ص / ٤١٠، ٨٢٨)، وهمع الهوامع (١/ ٤٤٤).
(٣) انظر: رياض الأفهام (١/ ٣٩٧).
(٤) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٣٤، ٣٣٥).
(٥) انظر: البحر المحيط (٣/ ٣٦٢).
(٦) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٣٥).
(٧) بالنسخ: "اختصارًا". والمثبت من المصادر.
[ ١ / ٢٤٥ ]
الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: ٣٥]، و﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] (١).
والظاهرُ أنّ الرؤية بَصَرية؛ [فيتعدّي] (٢) إِلَى واحد. [وينبنَي] (٣) على ذلك أنّ المرأة إِذَا علمت أنَّها أنزلت ولم تره أنّه لا غسل عليها (٤).
وانظر كيف قال -ﷺ-[حين] (٥) سُئل عن وضوء الجنُب: "إِذَا تَوَضَّأَ أحدكم فليرقد" (٦). ولم يقُل هُنا: "إِذَا رأت الماءَ فلتغتسل".
[والفرقُ] (٧): أنّ السؤال عند نوم الجنب إنَّما هو عن إباحة النوم له بغير [بدل] (٨) من غُسل أو وضوء أو ذكر؛ فبين [له] (٩) -ﷺ- ما يستبيح به النوم إمّا نَدْبًا أو وجوبًا. وأمَّا هنا في هذا الحديث: فالسؤال عن [مماثلة المرأة] (١٠) للرجُل في وجوب الغسل عليها من الاحتلام كالرجل، واكتفي فيه بنعم، فالقصد هنا بيان ما [يجب فيه] (١١) الغسل، وهو الرّؤية، بخلاف الأوّل؛ فإنّ القصد فيه إباحة النوم للجنب؛
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٣٥)، الكتاب (٢/ ٣٩١)، أوضح المسالك (٢/ ٦٠)، شرح التسهيل (٢/ ١٨، ٧٣)، شرح المفصل (٢/ ٣٣٢)، حاشية الصبان (٢/ ٤٨)، شرح التصريح (١/ ٣٧٧)، شرح الأشموني (١/ ٣٧٣، ٣٧٤)، وتوضيح المقاصد (١/ ٥٦٨).
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٣) بياض بالأصل. وفي (ب): "يثنَّى". والمثبت من "إرشاد الساري".
(٤) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣٣٥).
(٥) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٦) تقدم الحديث.
(٧) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٨) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٩) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(١٠) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(١١) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
[ ١ / ٢٤٦ ]
فبيّن ما [يبيحه] (١)، وأكّده بصيغة الأمر. والله أعلم (٢).
الحديث السّادس:
[٣٥]: روى عن عَائِشَة -﵂- قالت: "كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله -ﷺ- فيخرج إِلَى الصلاة وإن [بُقع الماء] (٣) في ثوبه" (٤)
وفي لفظ لمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله -ﷺ- فركًا فيصلي فيه" (٥)
قولُه: "رُوي" هذا هو المقدّر في سائر الأحاديث، وقد ظهر هنا، وبه يتعلّق حرف الجر، والمفعولُ الذي لم يُسمّ فاعله: "قالت"، بتقدير: "أنَّها قالت"؛ لأنّ الفعل المجرّد لا يقوم مقام الفاعل إلَّا بتقدير "أن" المصدرية في الأكثر.
وجملة "كنت أغسل" معمول القول.
و"الجنابة": مفعول "أغسل". والمراد: "مُوجب الجنابة". وسُمي الخارج "جنابة" باسم ما يؤول إليه أو أثره (٦).
و"من ثوب" يتعلق بـ "أغسل". وتقدّم القول على "من" في الحديث قبله.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٢) راجع: فتح الباري لابن حجر (١/ ٣٨٩)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٢/ ٢١٤)، وعمدة القاري للعيني (٣/ ٢٣٥)، وإرشاد الساري (١/ ٣٣٤)، وشرح ابن بطال على البخاري (١/ ٣٩٦)، وشرح مسلم للقرطبي (٤/ ٤٣).
(٣) غير واضحة بالأصل، والمثبت من متن العُمدة.
(٤) رواه البخاري (٢٢٩) في الوضوء.
(٥) رواه مسلم (٢٨٨) في الطهارة.
(٦) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٩٦)، حاشية السيوطي على سنن النسائي (١/ ١٥٥)، وذخيرة العقبى في شرح المجتبى (٥/ ٨٧).
[ ١ / ٢٤٧ ]
قولُه: "فيخرج": معطوف على "أغسل".
"وإن بقع الماء في ثوبه": جملة حالية. وحرفُ الجر يتعلق بخبر "إن".
قولُه: "وفي لفظ": يتعلق بفعل، أي: "وروي في لفظ".
و"لمسلم": يتعلّق بصفة لـ "لفظ"، أو يتعلّق بـ "لفظ" نفسه؛ لأنّه مصدر، والمصْدَر يتعلّق به حَرْف الجر (١).
قولها: "لقد كنت أفركه": "اللام" جوابُ قسم مقدَّر. وجملة "أفركه" في محل خبر "كان"، و"من ثوب" يتعلّق به.
و"فركًا" مصدر مؤكّد. وأكّد بالمصدر ليرفع المجاز، نحو قولُه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (٢). والعامل فيه: فعله.
و"الفرك" بفتح "الفاء": "الدلك"، وبكسرها: "البغض"، وفي الحديث الصحيح: "لَا يَفْرَك مُؤمِن مُؤْمِنَةً" (٣)، بفتح "الراء" في المضارع، وكسرها في الماضي (٤).
قولُه: "فيصلي فيه": معطوف على "أفركه".
و"بقع" جمع "بقعة" بضم "الباء"، و"بقاع" جمع "بقعة" بفتح "الباء"، ومعنى المفرد فيهما واحد، ذكره الهروي، ونصه: من قال "بُقعة"، قال في جمعه: "بقع"، مثل: "تحفة
_________________
(١) انظر: شرح مغلطاي على سنن ابن ماجة (١/ ٥٨٥).
(٢) انظر: البحر المحيط لابن حيان (١/ ٥٨٥)، (٤/ ١٣٩)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٤٨٤)، (١٨/ ١١٩)، والتبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٠٩)، وإرشاد الساري (٥/ ٣٧٧)، ونتائج الفكر (ص ٢٧٥).
(٣) صحيحٌ: مسلم (١٤٦٩/ ٦١)، من حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ.
(٤) انظر: رياض الأفهام (١/ ٤٠٢)، مشارق الأنوار (٢/ ١٥١)، والصحاح (٤/ ١٦٠٢، ١٦٠٣)، معجم مقاييس اللغة (٤/ ٤٩٥).
[ ١ / ٢٤٨ ]
وتحف" و"نطفة ونطف"، ومن قال: "بَقْعَة" قال في جعمه: "بقاع"، مثل: "قصعة وقصاع" و"بلغة وبلاغ" (١).
قال الشيخ تقيّ الدِّين: أخذ بعضهم من قولُه: "فيصلي فيه" تعقيب الصّلاة للفرك، ويقتضى ذلك عدم الغسل قبل الدخول في الصلاة، إلَّا أنّه ورد بـ "الواو" وبـ "ثُم" أيضًا في هذا الحديث، فإذا كان حديثًا واحدًا فالألفاظ مختلفة، [والمفعول] (٢) منها واحد؛ [فتنتفي الدلالة] (٣) بـ "الفاء"، وإن كانت الرّواية بـ "الفاء" حديثًا مُفردًا اتجه ما قالوه (٤).
الحديث السابع
[٣٦] عن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إِذَا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل"،
وفي لفظ: "وإن لم يُنزل" (٥).
تقدّم القول على "إِذَا" وما قبلها في الحديث الثّاني من الأول. وجواب "إِذَا" هنا: "فقد وجب"، والعامل فيها إمّا فعلها أو جوابها على ما تقدّم، وقد تكرر مرارًا.
وتقدم القول على "بين" في الثالث من "باب السِّوَاك".
و"جلس" فاعله ضمير يعود على غير مذكور يفسّره السياق، كقوله تعالى:
_________________
(١) راجع: تهذيب اللغة (١/ ١٨٨)، ومشارق الأنوار (١/ ٩٩)، والصحاح (٣/ ١١٨٧)، والمحكم (١/ ٢٥٠)، معجم مقاييس اللغة لابن فارس (١/ ٢٨١)، والمصباح (١/ ٥٧).
(٢) كذا بالنسخ. وفي المصدر: "والمقول".
(٣) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٤١).
(٥) رواه البخاري (٢٩١) في الغسل، ومسلم (٣٤٨) في الحيض.
[ ١ / ٢٤٩ ]
﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] (١). وكذلك فاعل: "جهدها".
ومصدره: "جلوسًا"، و"المجلِس" بكسر "اللام": "موضع الجلوس"، و"المجلَس" بفتح "اللام" المصدر.
قال في "الصحاح": يقال: "رجل جُلَسَة" مثل "هُمَزَة"، أي: "كثير الجلوس"، و"الجلسة" بكسر "الجيم". و"جالسته" فهو "جِلسي" و"جليسي"، مثل ما تقول: "خدني" و"خديني" (٢).
وقوله: "شعبها": جمع "شُعبة". وجَرى العَدَد على التأنيث؛ فقال: "الأربع"، ولم يقل: "الأربعة"؛ لأنّه جمعُ "شُعبة" (٣).
وقوله: "ثم جهدها": [قيل] (٤): هو من أسماء "الوطء"، وهو بعيد.
و"الجُهد": "الطاقة".
وقرئ: ﴿لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، بضم "الجيم" وفتحها (٥).
وقال الفراء: "الجهد" بالضم"الطاقة"، وبالفتح من قولك: "اجهد جَهْدك في هذا الأمر" بالفتح، أي: "ابلغ غايتك"، وَلَا يُقال: "اجهد جُهدك" بالضم.
_________________
(١) والمقدر في الآية: "الشمس". وانظر: تفسير القرطبي (١٥/ ١٩٥)، والبحر المحيط (٩/ ١٥٤)، وفتح الباري (٢/ ٤٣)، نخب الأفكار (٣/ ٢١١)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٢٦)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ٢٤٥)، عقود الزبرجد (١/ ٤٤٥)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٨٠)، همع الهوامع (١/ ٢٦٥).
(٢) انظر: الصحاح (٣/ ٩١٤)، والعين (٦/ ٥٤)، لسان العرب (٦/ ٣٩).
(٣) انظر: فتح الباري (١/ ٣٩٥).
(٤) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٥) قرأ الجمهور بالضم، وقرأ الأعرج وجماعة بالفتح. انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ٦٣، ٦٤).
[ ١ / ٢٥٠ ]
و"الجهد": "المشقة"، وتجيء بمعنى "المبالغة في الشيء"، وهو المراد هنا.
ويقال: "جهد دابته" و"أجهدها" إِذا "حمل عليها في السير فوق طاقتها"، و"جهد الرجل في الأمر" أي: "بالغ فيه"، وهذا منه (١).
قو له: "فقد وجب الغسل: جواب "إِذَا" الشرطية.
والفعل الماضي إِذَا وقع بعد الشرط ظاهرًا وهو مُسْتَقْبِلَ المعني، كما هو هنا، فهو الجواب؛ وذلك لأنّ جواب الشرط لا يكون إلَّا مستقبلًا، حَتَّى إنه لو وقع لفظه ماضيًا انقلب إِلَى الاستقبال، فإذا قلت: "إن قام زَيْدِ قام عَمْرو" فهو قبل دخول حرف الشرط على أصله من المضيِّ، وبعد دخول حرف الشرط انقلب إِلَى الاستقبال.
وهذا الحكم في سائر الأفعال؛ إلَّا "كان"، فإنهم اختلفوا فيها، فقيل: إنها على حالها من معنى المضي لا تنقلب إِلَى الاستقبال؛ فتقول: "إن كان زَيْدِ قام" لم يتغير معناها؛ لأنَّها خرجت من الأفعال بنقصها وكونها لا مصدر لها؛ ولذلك لم يشترطوا في خبرها إِذَا كان ماضيًا تقدير "قد"، نحو قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٧]؛ ليتحقق الماضي فيها.
وذهب آخرون إِلَى أن معناها تغير وانقلب كسائر الأفعال، والتقدير: "إن تبين كون قميصه" (٣).
_________________
(١) انظر: معاني القرآن للفراء (١/ ٢٣٤، ٤٤٧)، تفسير القرطبي (٧/ ٦٢)، رياض الأفهام (١/ ٤١٢، ٤١٣)، إحكام الأحكام (١/ ١٤٢، ١٤٣)، مشارق الأنوار (١/ ١٦١)، الصحاح (٢/ ٤٦٠)، النهاية لابن الأثير (١/ ٣٢٠)، لسان العرب (٣/ ١٣٣، ١٣٤)، وتهذيب اللغة (٦/ ٢٦). وراجع: فتح الباري (١/ ٣٩٥)، وتاج العروس (٧/ ٥٣٥).
(٢) في الأصل: "إن كان".
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٩/ ١٧٤)، البحر المحيط (١/ ١٦٦)، (٣/ ٥٢٩)، اللباب في =
[ ١ / ٢٥١ ]
قال [أثير الدّين] (١) أَبُو حيّان في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]: جَوابُ الشرط "أوتي"، والفعل الماضي الواقع جواب الشرط ظاهرًا قد يكون ماضي اللفظ مُسْتَقْبِلَ المعني، كهذه الآية، فهو الجواب حقيقة.
وقد يكون ماضيًا لفظًا ومعني، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، فلا يكون جوابًا للشرط؛ لأنّ الشرط مُسْتَقْبِلَ، وما ترتب على المستقبل مُسْتَقْبِلَ.
قال: والجوابُ في الحقيقة محذوفٌ، ودَلّ هذا عليه، أي وإن يكذبوك فتسلَّ (٢).
وكذلك قال -﵀- في قولِه تعالم: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠]: الجواب: "فينصره الله"، ويدلّ عليه: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، أي: "ينصره في المستقبل كما نصره في الماضي" (٣).
وكذلك قال أَبُو البقاء في قولِه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]: التقدير: "إن تتوبا إِلَى الله فذلك واجب"، ودلّ على المحذوف: ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ (٤).
_________________
(١) = علوم الكتاب (١/ ٤٣٢)، (٢/ ٣٠٩)، (٨/ ١١٨)، شواهد التوضيح (ص ٢٣١)، عقود الزبرجد (١/ ١٦٣)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٨١، ١٢٨٢)، الجنى الداني (ص ٦٧)، شرح ابن عُقيل (٤/ ٣٣)، الأصول لابن السراج (٢/ ١٩٠)، شرح التسهيل (٤/ ٧٦، ٩٢، ٩٣، ٩٥)، مغني اللبيب (ص ٢١٧، ٢١٨، ٥٥٢)، اللمحة (٢/ ٥٧٥)، موصل الطلاب (ص ٤٣، ٤٤)، الهمع (٢/ ٥٥١).
(٢) سقطت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٨٥).
(٤) انظر: البحر المحيط (٥/ ٤٢٠)، والكشاف (٢/ ٢٧٢).
(٥) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١٢٢٩).
[ ١ / ٢٥٢ ]
قلت: إنَّما قال في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ﴾ [البقرة: ٢٦٩]: إنّ الجواب مُسْتَقْبِلَ وإن كان لفظه ماضيًا، لأنّ فعل الشرط وقع مستقبلًا لفظًا ومعنى؛ فترتب عليه جوابه، بخلاف الأمثلة التي ذكرها بعد.
وأمَّا قولُه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]: فالجوابُ ماض بما ثبت من سبب الآية (١).
قولُه: "وفي لفظ: وإن لم ينزل": أي: "رُوي في لفظ"، فيتعلق به حرف الجر، وجوابه: "فقد وَجَب الغسل"،
ولَمَّا كانت "الفاء" تقتضي السببية في جواب الشرط حُكم في اللفظ باستقبال الجواب؛ لأنّ المسبب لا يقع إلَّا بعد السبب؛ ولذلك قالوا في قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] (٢): إنه جواب الشرط؛ لوجود السببية بما اقتضته"الفاء"، أي"بسبب المحادة استحق نار جهنم" (٣).
وقوله: "وإن لم: أمّا "لم" فتقدم الكلام عليها في الثالث من "باب المذي"، وأمّا "إنْ": فهي حرفٌ ثنائي وضعًا، وأصله الشرط، كمَا جَاءَ هنا، ويجيء للنفي، كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، أي: "ما الكافرون". (٤) وفي
_________________
(١) راجع: التحرير والتنوير (٢٨/ ٣٥٠)، إرشاد العقل السليم لأبي السعود (٨/ ٢٦٧).
(٢) في الأصل ذكرت الآية بدون قولُه تعالى: "ألم".
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٨/ ١٩٠)، التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٦٤٩)، البحر المحيط (٥/ ٤٥١ وما بعدها)، اللباب لابن عادل (١٠/ ١٣٤)، (١٩/ ٤٣٩)، الكتاب (٣/ ١٣٣)، شرح التسهيل (٢/ ٢٢، ٢٣). وراجع: التحرير والتنوير لابن عاشور (١٠/ ٢٤٦)، وإرشاد العقل السليم لأبي السعود (٨/ ٧٨).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٦٤)، المغني (ص/٣٣)، وشرح الفصل (٥/ ٣٩، ١٤٨)، والإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٥٢٢).
[ ١ / ٢٥٣ ]
عمله عمل "ما" خلاف. (١)
ومن عمله: قولُه تعالى على قراءة مَن قرأ: "إنْ الذين تدعون من دون الله عبادًا" (٢).
ويجيء حرفًا زائدًا بعد "ما" النافية (٣).
وتقبل مَدّة الإنكار، نحو: "آلله"، وفي قول مَن قال: "أتخرج إن أخصبت البادية؟ فقال: ["أأنا إنيه؟ "] (٤)، أصله: "إنْ"، فزاد عليه مَدّة الإنكار، وهي "الياء".
وَلَا تُعَدّ من مواضِع "إن" المخفّفة من الثقيلة؛ لأنَّها ثُلاثية الأصل، [ولذا] (٥) اختلف تصغيرها؛ فقيل في "إن" الخفيفة: "أُنيّ"، وفي الأخرى: "أُنَيْنٌ" رجوعًا إِلَى الأصل. فهمًا من "المجيد" (٦).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ١٦٤)، الكتاب (٣/ ١٥٢)، وتعليقة الفارسي عليه (١/ ٢٩٠)، شرح المفصل (٥/ ٣٩)، المغني (ص/٣٣)، الجنى الداني (ص ٢٠٩)، وحروف المعاني والصفات (ص ٥٧)، والإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٥٢٢).
(٢) سورة [الأعراف: ١٩٤]، وهي قراءة سَعِيد بن جبير. انظر: تفسير ابن عطية (٢/ ٤٨٩)، البحر المحيط (٥/ ٢٥١، ٢٥٠)، والهداية إِلَى بلوغ النهاية (٤/ ٢٦٨٢)، والجنى الداني (ص ٢٠٩)، وشرح الأشموني (١/ ٢٦٨)، وشرح التصريح (١/ ٢٧١).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١٦٤).
(٤) في الأصل: "آينه". وانظر: الجنى الداني (ص ٢١١)، ومُغني اللبيب (ص ٣٩).
(٥) بالنسخ: "وإذا". والصواب المثبت. والله أعلم.
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ١٦٤، ١٦٥)، (٥/ ٢٤٩)، وشرح التسهيل (١/ ٣٧٢)، والجنى الداني (ص ٢١١)، ومغني اللبيب (ص ٣٩)، وشرح المفصل (٣/ ٤٠٣)، والأصول لابن السراج (٣/ ٣٢٥)، وعمدة الكتاب للنحاس (ص ٢٦٠، ٢٦١)، والمقتضب (١/ ٢٣٣).
[ ١ / ٢٥٤ ]
قلت: وتجيء [إنْ] (١) بمعنى "لو" في مثل قولُه تعالى: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]. أي: "لو كنا فاعلين" (٢).
وتجيء بمعنى "إذ"، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، ذكرها الكوفيون (٣).
ومتى اجتمع شرطان -كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩]- فالجواب لـ"أمَّا" على الصحيح، وقيل: لـ"إنْ"، وقيل: لهما. (٤)
الحديث الثامن:
[٣٧]: عن أَبِي جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي بن أَبِي طالب -﵁- أَنَّهُ كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله وعنده قوم فسألوه عن الغسل، فقال: صاع يكفيك، فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا وخير منك - يريد النَّبِيّ -ﷺ- ثم أمنا في ثوب (٥).
وفي لفظ: "كان -ﷺ- يفرغ على رأسه ثلاثًا".
الرجلُ الذي قال: "ما يكفيني" هو: الحسن بن محمد بن علي بن أَبِي طالب، أبوه: "ابن الحنفية".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، وفي (ب): "أو".
(٢) انظر: البحر المحيط (٧/ ٤١٦).
(٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٥٧)، حروف المعاني والصفات (ص ٥٨)، والإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٥١٨).
(٤) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٩٥ ومابعدها)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٥٨١)، التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١٢٠٦)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٤٧)، الجنى الداني (ص ٥٢٥، ٥٢٦)، ومغني اللبيب (ص ٨١٠).
(٥) رواه البخاري (٢٥٢) في الغسل.
[ ١ / ٢٥٥ ]
قولُه: "عن أبي جعفر": تقدّم بم يتعلّق قريبًا.
و"محمد بن علي" بدل كُلّ من كُلّ أو عطف بيان؛ لأنّ "أَبِي جعفر" فيه إبهام. و"ابن" صفة لـ "محمد". و"ابن الحسين" صفة لـ "علي". و["ابن] (١) علي" صفة للحسين. و"ابن أَبِي طالب" صفة لـ "علي"، ﵃ أجمعين.
قال ابن الأثير في "جامع الأصول" عند ذكره لفضائل "جعفر" الذي كني عنه [أبوه "محمد"] (٢): توفي جعفر الصادق وهو ابن ثمان وستين، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر، وجدّه علي بن الحسين زين العابدين، وعم جدّه الحسن بن علي بن أَبِي طالب، فلله درُّه من قبر، ما أكرمه وأشرفه (٣).
قولُه: "أَنَّهُ كان": في محلّ المفعول الذي لم يُسم فاعله لمتعلق حرف الجر، والجملة من "كان" واسمها وخبرها في محل خبر "أنَّ"، وهو تأكيد لاسم "كان" المستتر فيها مُصححًا للعطف على الضمير المرفوع المستتر.
ويجوز النصب على أنه مفعول معه.
و"عند" ظرف في محلّ خبر "كان"، وبه يتعلّق الظرف (٤).
قولُه: "وعنده قوم": مبتدأ وخبر. ومسوغ الابتداء بالنكرة: تقدم الخبر في الظرف.
وتقدّم القول على "عند" في الحديث الأول من "باب السِّوَاك".
قولُه: "فسألوه عن الغسل": يَجوز في "سأل" الهمز والتسهيل، وكسر "السين"
_________________
(١) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٣) انظر: جامع الأصول (١٢/ ٢٦٧).
(٤) انظر: إرشاد الساري (١/ ٣١٧).
[ ١ / ٢٥٦ ]
وفتحها، وفتحها أصح (١).
قولُه: "فقال: صاعٌ يكفيك": هذا يقتضي أن السّؤال وقع بما كان السائل قال: "ما يكفيني، فقال صاع"، أي: "يكفيك صاع"؛ فيرتفع على الفاعلية.
وَلَا يَجوز أن يكون مبتدأ في جواب "أيكفيني صاع أُم لا؟ "؛ لأنه قال: "ما يكفيني"، ولولا رده لكان المسوّغ للابتداء بالنكرة كونه في جواب من سأل بـ "الهمزة" و"أم"، وهو أحَد المسوّغات.
فإن كان التقدير في السؤال: "ما يكفيني في الغسل" صح أن يكون "صاع" مبتدأ؛ لوقوعه في جواب الاستفهام.
ورأيتُ في بعض النسخ أنّ جابرًا قال: "يَكْفيكَ صَاعٌ" (٢)، فصرّح بالعامل، وذلك دليل على أنَّ المقدّر يكفي (٣).
وفي قولُه: "فسألوه" [وإن] (٤) كان السائل واحدًا، إمّا لأنهم قدّموه في السؤال، وإمّا لأنّه مقدمهم وكبيرهم وهم تبعٌ له.
قولُه: "ما يكفيني": "ما" نافية، وهو أحَد أقسامها إِذَا كانت حرفًا؛ وإذا نفت المضارع -كما هو هنا- تخلص عند الجمهور للحال.
قال ابن هشام: وردّ عليهم ابن [مالك] (٥) بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [يونس: ١٥].
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٨٠)، (١٠/ ٤١٦).
(٢) انظر: صحيح البخاري (رقم ٢٥٢)، العمدة (ط المعارف، ص ٤٠)، رياض الأفهام (١/ ٤١٨).
(٣) انظر: الإفصاح لابن هبيرة (٨/ ٢٣١)، وشرح ابن الملقن على البخاري (٤/ ٥٥٣).
(٤) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
[ ١ / ٢٥٧ ]
وأجيب: بأن شرط كونه للحال انتفاء قرينة خلافه (١).
وفاعل "يكفيني": ضمير "الصاع".
قولُه: "كان يكفي مَن هو": اسم "كان" ضمير "الصاع"، و"مَن، مفعول به موصولة بمعنى"الذي"، و"هو" مبتدأ، و"أوفى" خبره، والجملة في محل الصلة، والعائد "هو"، وَلَا يَجوز حذفه إِذَا وقع في مثل هذا التركيب، وقد جاء حذفه في قراءة من قرأ: "تمامًا عَلَى الّذِي أحْسَنُ" (٢) بضم "النون"، أي: "الذي هو أحْسَن"، وهو قليلٌ (٣).
ويجوز حذفُه إِذَا طالت الصّلة، نحو قولك: "جاءني الذي هو ضارب عمرًا يوم الجمعة". ويجوز في صلة "أي"، نحو قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩]، أي: "أيهم هو أشَدّ" (٤).
و"أوفي": خبرُ المبتدأ، وهو أفعلُ التفضيل، استُعمل بـ "مِن"؛ فلا يُثنى وَلَا يُجمَع وَلَا يُؤنّث (٥).
و"شَعرًا": تمييزٌ، العاملُ فيه: "أوفى".
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص / ٣٩٩)، شرح التسهيل (١/ ٢٣)، وهمع الهوامع (١/ ٣٨).
(٢) سورة [الأنعام: ١٥٤]. وانظر: تفسير القرطبي (١/ ٢٤٣). ونسب ابن جني هذه القراءة في "المحتسب" (١/ ٢٤٣) إِلى ابن يعمر، ونسبها صاحب "إتحاف فضلاء البشر" (ص ٢٢٠) للحسن والأعمش.
(٣) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٠٨)، والتعليق على كتاب سيبويه للفارسي (١/ ١٣)، وشرح المفصل (٢/ ٦٥)، وحاشية الصبان (١/ ٢٧٣)، ومغني اللبيب (ص/ ٥٨٣).
(٤) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٠٧)، وأوضح المسالك (١/ ١٧١)، وشرح ابن عُقيل (١/ ١٦٥).
(٥) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٢٦٢)، شرح التسهيل (٣/ ٦٤)، شرح المفصل (٢/ ١٦١)، والهمع (٣/ ١٠٠).
[ ١ / ٢٥٨ ]
"وخير": بالرفع معطوفٌ على "أوفى". ويجوز بالنصب على أنَّه خبر كان، أي: "مَن كان خيرًا"، و"خيرًا" أفعل التفضيل.
قال في "المجيد": حُذفت همزته شُذوذًا في الكَلام؛ فنقص بناؤه، فانصرف، كما حَذفُوها شُذوذًا في الشّعر مِن "أحَبّ" في قولهم:
وَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى الإنْسَانِ مَا مُنِعَا (١)
وقد نطقُوا بهمزة "خير" في الشّعر، قَال:
بِلَالٌ خَيْر النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرينا (٢)
وتجيء لغير التفضيل، تقول: "في زيدٍ خَير"، أي "خصلة جميلة". ومنه: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]. وهو مخفّف مِن "خيّر"، كـ "ميْت" من "ميّت". انتهى. (٣)
قال غيرِه: "خيرًا" أفعلُ التفضيل.
فإن قيل: لِمَ لم تمتنع من الصرف للصفة والعَدل؟ لأنّ حد العَدل صادق عليه، وهو خروجُ الاسم عن صيغته الأصلية.
وأجيب بأمور، منها: أنّ العَدل المعتبر في منع الصّرف عَدل لا على طريقة
_________________
(١) عجز بيت من البسيط، وهو للأحوص، وصدره: "مُنِعْتَ شيْئًا فأَكثرتَ الوَلوعَ به". انظر: شرح التصريح (٢/ ٩٢)، وشرح التسهيل (٣/ ٥٣)، وحاشية الصبان (٣/ ٦٢)، وهمع الهوامع (٣/ ٣١٩)، والمعجم المفصل (٤/ ٢٤٢).
(٢) البيتُ من الرجز، ونسبه الثعلبي نقلًا عن أَبِي حاتم لرؤبة. والمروي فيه بكُل المصادر: "وابن الأخير". انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٦٨)، تفسير القرطبي (١٧/ ١٣٩)، اللباب لابن عادل (١٨/ ٢٦٢)، البحر المحيط (١/ ٣٣٠)، شرح التسهيل (٣/ ٥٣)، وحاشية الصبان (٣/ ٦٣)، والهمع (٣/ ٣١٩).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٣٠).
[ ١ / ٢٥٩ ]
الحذف، وهذا العَدل على طريقة الحذْف. وهذا مردودٌ بحدهم العَدل، وهو: "خروج الاسم عن صيغته الأصلية".
الثاني: أنه لم يعتبر في الثلاثي السّاكن الوسط لخفته، كما لم تعتبر العجمة في "نوح" و"لوط"، والتأنيث المعنوي في نحو: "هند" على أحَد الوجهين. وهذا مردود بـ "أمس"، فإنه ممتنع للعَدل عن الألِف واللام والتعريف؛ لأنّه ليوم بعينه.
الثالث: أنّ منعه الصّرف مُقتضى القياس، ولكنه لم يُسْمَع إلّا في ألفاظ العَدَد، [وجمع] (١)، و"أُخَر"، انتهى (٢).
قولُه: "ثم أمَّنا في ثوب": أي: "تقَدّم إمامًا لنا في صَلاةٍ". وحرفُ الجر يتعلّق بالفعل.
قولُه: "وفي لفظ": أي: "ورُوي في لفظ"؛ فيتعلق حرف الجر به. ومفعوله الذي لم يُسَمّ فاعله "كان" مع اسمها وخبرها على الحكاية.
و"ثلاثًا": منصوب على الظرف؛ لأنه عَدَد الظرف أو مصدر، على الخلاف في "مرة" (٣).
***
_________________
(١) كذا بالأصل. وما في المصادر يشير إِلى احتمال أن يكون المراد بها الجَمْع، أو "جُمَع"، أو "جُمَح". فليحرر. والله أعلم.
(٢) انظر: شرح الأشموني (٣/ ١٤٢ وما بعدها)، شرح القطر (ص ٣١٤ وما بعدها)، شرح المفصل (١/ ١٧٤ وما بعدها)، وحاشية الصبان (٣/ ٣٣٩ وما بعدها)، وشرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٧٤، ١٤٧٩، ١٤٩٨)، وهمع الهوامع (١/ ٩٥ وما بعدها، ١٠٧)، وشرح الشذور للجوجري (٢/ ٨٢٦)، وشرح التصريح (٢/ ٣٢٦، ٣٤٤، ٣٤٧)، والخصائص (١/ ١١٠)، وتوضيح المقاصد (٣/ ١١٩٥، ١٢١٥).
(٣) انظر: عمدة القاري (٣/ ٢٠٢)، إرشاد الساري (١/ ٣١٨).
[ ١ / ٢٦٠ ]
باب التيمم
الحديث الأول:
[٣٨]: عن عمران بن حصين -﵁- أن رسول الله -ﷺ- رأي رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم فقال: "يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم"، فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة وَلَا ماء، قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" (١).
قوله: "أن رسول الله -ﷺ- رأى رجُلًا": قائم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله، والرؤية هنا بصرية، فـ "رجلًا" مفعول به.
و"معتزلًا" صفة له. ويجوز أن يكون حالًا من "رجل" على رأي مَن يجيز الحال من النكرة (٢).
و"لم يُصلّ" صفة أخرى. ويصحّ أنْ يكُون في محلّ الحال من "رجُلًا"؛ لأنّه وصف بقوله: "مُعتزلًا".
وعلامةُ الجزم في "لم يُصلّ" حَذفُ"الياء"، ويجوز إثباتها، كقوله تعالى: "إِنَّه من يَتَّقِي" (٣)، وقوله:
ألمْ يأتِيكَ والأنباءُ تَنمِي بما لاقت لَبُونُ بني زيادِ (٤)
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٨) في التيمم.
(٢) انظر: التعليقة على كتاب سيبويه (١/ ٢١١)، شرح المفصل (٢/ ٢٢٠)، وحاشية الصبان (٣/ ٣٣٩، وما بعدها)، والهمع (٢/ ٣٠٤).
(٣) سُورة [يوسف: ٩٠]. وهي قراءة ابن كثير وقنبل. وانظر: البحر المحيط (٤/ ٦٢٦)، (١٠/ ٥٢٥)، معاني القراءات للأزهري (٢/ ٥٠)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ١٣٦)، شواهد التوضيح (ص ٢٤٤)، عقود الزبرجد (٢/ ٤ [٨] ٤٨٢)، شرح التسهيل (١/ ٥٨).
(٤) البيتُ من الوافر، وهو لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبس. انظر: شواهد =
[ ١ / ٢٦١ ]
وقوله: "في القَوم"، ولم يقُل: "مع القَوم"؛ لأنّه أراد: "لم يدخُل في صَلاة القَوم"، وهو حالٌ مُؤكّدة أو صفَة مُؤكّدة (١).
قولُه: "يا فُلان": الكلامُ على "فُلان" يأتي في السّادس مِن "باب الإمامة"، والظّاهر أنّه -ﷺ- قَال له: "يا فُلان" هكذا، أو يحتمل أنّ الرّاوي نسي اسمه.
قولُه: "ما منعك: "مَا" مُبتدأ، من أسماء الاستفهام، و"منعك" في محلّ الخبر، أي: "أي شيءٍ منعك".
ولـ"مَا" أقسَام: استفهامية، نحو: "مَا منعك". وموصُولة. وموصُوفة. وتامّة، نحو: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، أي: "فنعم الشيء هي". واسمًا خاصًّا، نحو: "دققته دقًّا [ما] (٢) ". وتعجبية، نجو: "ما أحسن زيدًا". وشرطية، نحو: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]. وتجيء حرفًا، نافية، ومصدرية زمانية، وزائدة، كافة وغير كافة (٣).
قولُه: "فقال: يا رسُولَ الله": منادى مُضاف. وتقدّم القول في المنادى في الرّابع من هذا الباب.
وفي قولُه: "أصابتني جَنَابة" ما يقتضي أنّ ذلك عن احتلام، ولو [قال] (٤):
_________________
(١) = التوضيح (ص ٧٣)، أمالي ابن الشجري (١/ ١٢٦)، وجمهرة الأمثال للعسكري (١/ ٣٤٤)، وخزانة الأدب (٨/ ٣٦٥)، والحماسة البصرية (١/ ٤٨)، والمعجم المفصّل (٢/ ٣٥٧).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٤٥).
(٣) ما في المصادر هو: "نِعمَّا". والمعنى: "نعم الدق".
(٤) انظر في أوجه "ما": مغني اللبيب (ص ٣٩٠ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٢)، شرح المفصل (٢/ ٤٠٢ وما بعدها)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٢٤٨)، وحاشية الصبان (١/ ٢٢٤)، وشرح التصريح (٢/ ٨٠ وما بعدها).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب). ولعلَّ الصواب: "صار".
[ ١ / ٢٦٢ ]
"عن جماع" لقَال: "أصبتُ جَنابة". أو لأنّ مَن أصَابك فقد أصبته، ولأنّ المنع بسبب الجنابة إصابة.
وقوله: "وَلَا مَاء": "لا" نافية. و"مَاء" نكرة في سياق النفي.
و"ماء" أصله: "مَوَهٌ"؛ لقولهم: "مَاهَت الرَّكِيَّةُ" [مَوْهًا] (١)، ولقولهم في جمعه: "أمواه"، ثم قُلبت "الواو" [ألِفًا] (٢) لتحرّكها وانفتاح ما قبْلها، فقيل: "ماه"، ثُم أبدَلُوا من "الهاء" همزة، وليس بقياس (٣).
وتقدّم القَول على "لا" في الأوّل من "باب الاستطابة".
وهنا محذُوفٌ تقديره: "لا مَاء موجُود"، أو "عنْدي".
قال الشيخُ تقيّ الدّين: حذفُ الخبر في قولِه: "وَلَا ماء" أي موجود أو عندي، وفي حذْف الخبر بسط لعُذره؛ لما فيه من عُموم النفي، كأنّه نفى وجُود الماء بالكلية بحيث لو وجد بسببٍ أو سَعي أو غير ذلك لحصّله؛ فإذا نفى وجوده مُطلقًا كان أبْلَغ في النفي وأعْذَر له.
_________________
(١) بالنسخ: "موه". ولعلّ ما بالنسخ يصح على بُعد. وانظر: الصحاح (٦/ ٢٢٥٠)، ولسان العرب (٢/ ٥٣٥)، (١٣/ ٥٤٣ وما بعدها).
(٢) بالأصل: "والفا".
(٣) انظر: رياض الأفهام (١/ ٨٢)، وذخيرة العقبى (٥/ ٣٠٣)، واللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٢٩٨)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٣/ ٢٠٨)، والممتع الكبير لابن عصفور (ص / ٢٣٠)، وشرح التصريح (٢/ ٥٧٧)، وإسفار الفصيح (٢/ ٨٠١)، ولسان العرب (١٣/ ٥٤٣ وما بعدها)، وتاج العروس (٣٦/ ٥٠٦) وما بعدها، والصحاح (٦/ ٢٢٥٠)، والمصباح (٢/ ٥٨٦)، وتهذيب اللغة (٦/ ٢٤٩)، جمهرة اللغة (٢/ ٩٩٤)، والمحكم والمحيط الأعظم (٤/ ٤٤٤)، ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ٢٨٦).
[ ١ / ٢٦٣ ]
وقد أنكر بعض المتكلّمين (١) على النحويين تقديرهم في قول "لا إله إلَّا الله": "لا إله لنا " أو "في الوجود"، وقال (٢): نفيُ الحقيقة مُطْلَقة أعَمّ من نفيها مُقيّدة، فإنها إِذَا نُفيت مُقيّدة كَان دَالًّا على سَلْب الماهيّة مع القيْد، وإذا نُفيت غير مُقيّدة كان نفيًا للحَقيقة، وإذا انتفت الحقيقة انتفت مع كُلّ قيْد، أمّا إِذَا نُفيت مُقيّدة بقيْد مخصُوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر، هذا أو معناه. انتهى (٣).
قال أثيرُ الدّين أَبُو حيّان في "لا إله إلَّا الله": "لا إله" مبني مع "لا"، في موضع رَفْع على الابتداء، وبُني الاسمُ مع "لا" لتضمّنه معنى "من" أو للتركيب (٤).
الزجّاج: هو مُعرَبٌ منصوبٌ بها (٥).
وعلى البناء: فالخبر مُقدّر.
وقُرئ: "لَا رَيْبٌ فيه" (٦) بالرّفع والتنوين، على أنَّ "ريب" مبتدأ، والخبر [في] (٧) قولُه: "فيه". أو على أَن تكُون "لا" عاملة عمل "ليس". وضُعّف الأوّل بعدم
_________________
(١) هو صاحب المنتخب، وقد ردّ عليه أَبُو عبد الله محمد بن أَبِي الفضل المرسي في "ري الظمآن"، كما ذكر أَبُو حيَّان وغيره. انظر: البحر المحيط (٢/ ٧٥ وما بعدها)، إرشاد الساري (٩/ ٢٢٧)، وشرح الزرقاني على موطأ الإِمام مالك (٢/ ٣١)، معنى لا إله إلَّا الله للزركشي (ص ٧٤ وما بعدها).
(٢) هو كلام هذا المعترض على النحويين.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٤٥، ١٤٦).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٢)، (٢/ ٧٥ وما بعدها).
(٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٦٩)، وإرشاد الساري (٩/ ٢٢٧)، وشرح ابن عقيل (٢/ ٨، وبالهامش).
(٦) سورة [البقرة: ٢]. وقرأ بها زيد بن علي وأبو الشعثاء. انظر: البحر المحيط (١/ ٦٢)
(٧) غير واضحة بالأصل، والمثبت من (ب).
[ ١ / ٢٦٤ ]
تكرارها، والثاني بقلة عملها عمل "ليس" (١).
قال أَبُو حيَّان: واعترض صاحب "المنتخب" على النحويين في تقديرهم الخبر في "لا إله إلَّا الله" (٢). وذكر ما ذكره الشّيخ تقيّ الدِّين.
قال: وأجاب أَبُو عبد الله محمد بن أَبِي الفضل المرسي في "ريّ الظمآن"، فقال: هذا كلام مَن لا يعرف لسَان العَرَب، فإنّ "إله" في موضع المبتدأ على قول سيبويه، وعند غيره اسم "لا". وعلى التقديرين: فلا بُد من خبر للمبتدأ أو لـ "لا"، فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد.
وأمَّا قولُه: "إِذا لم يضمر كان نفيًا للإلهية" فليس بشيء؛ لأنّ نفي الماهية هو نفي الوجود؛ لأنّ الماهية لا تتصوّر عندنا إلَّا مع الوجود، فلا فرق بين لا ماهية وَلَا وجود. وهذا مذهبُ أهل السنة، خلافًا للمعتزلة، فإنهم يثبتون الماهية عرية عن الوجود، وهو فاسِد.
وقولهم في كلمة الشهادة: "إلَّا [الله] (٣)! هو في موضع رفع بَدَلًا من "لا إله"، وَلَا يكون خبرًا [لـ "لا"] (٤)؛ لأنّ "لا" لا تعمل في المعارف. ولو قلنا: إنّ الخبر للمُبتدأ، وليس لـ"لا"، فلا يصح أيضًا؛ لما يلزم عليه من تنكير المبتدأ وتعريف الخبر (٥).
قال صاحب "المجيد" الأسفاقسي: قد أجاز الشلوبين في تقييد له على "المفصّل" أنّ الخبر للمبتدأ يكون معرفة، ويسوّغ الابتداء بالنكرة النفي. (٦)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٧٥، ٧٦).
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من المصادر.
(٤) بالنسخ: "إلا". والمثبت من المصادر.
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٧٦)، وإرشاد الساري (٩/ ٢٢٧).
(٦) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٢٢٧).
[ ١ / ٢٦٥ ]
واستشكَل الشّيخ أَبُو حيّان كون اسم الله بَدَلًا من "لا إله"، قال: لأنه يمكن في تكرار العامل لو قلت لا هو لم يجز، واختار أَنَّهُ بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف العائد على اسم "لا"، فإذا قلت: "لا رجل إلَّا زيد" فالتقدير: "لا كائن - أو موجود- إلَّا زَيْدِ"، فـ "زيد" بدل من الضمير في الخبر لا من "رجل".
قال: ولولا تصريح النحويين أَنَّهُ بدلّ على الموضع من اسم لا لتأولنا كلامهم على أنَّهم يريدون بقولهم "بَدَل من اسم لا" أي من الضمير العائد على اسم "لا".
قال بعضهم: لا يجوز فيه النصب هنا؛ لأنَّ الرفع يدلّ على الاعتماد على الثاني، والمعنى في الآية على ذلك، والنصب يدل على الاعتماد على الأوّل.
ورُدّ بأنه لا فرق بين "ما قام القوم إلَّا زيد" و"إلَّا زيدًا" من حيث أن "زيدًا" مستثنى من جهة المعني، وإنَّما الفرق من حيث الإعراب؛ فأعربوا الأول بدلًا، والثاني استثناء، والبدل أولى للمُشاكلة، والاستثناء جائز (١).
قولُه: "عليك بالصَّعيد": "على" ههنا للإغراء، وسيأتي في الحديث الرابع من "الصَّوم" ذكرها، والكلام على يائها.
والألِف واللام في "الصّعيد" يحتمل أن تكون للجنس، ويحتمل أن تكون للعهد؛ وتكون الإشارة إلى "الصعيد"الذي هو فيه، فيُستَدلّ [-عليّ- بذلك على ما] (٢) الصّعيد مُتّصف به من سبخة أو غيرها (٣).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٧٥). وراجع: شرح التسهيل (٢/ ٥٦، ٢٨٥)، وشرح المفصل (١/ ٢٦٥)، (٢/ ٧٥)، والتبيين عن مذاهب النحويين (١/ ٣٦٤)، وأوضح المسالك (٢/ ٢٢٧)، وجامع الدروس العربية (٢/ ٣٣٤، ٣/ ٢٨، ١٣١).
(٢) كذا بالنسخ. والمعنى كما في رياض الأفهام (١/ ٤٤٣): "إِذا حمل على العهد، دل على جواز التيمم بما هو صعيد حينئذ بذلك المكان".
(٣) راجع: رياض الأفهام (١/ ٤٤٣).
[ ١ / ٢٦٦ ]
فائدة:
في قولِه تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، قيل: "صعيدًا" هنا ظرف إن فُسّر بـ "الأرْض" أو وجهها، وإن فُسر بـ "التراب" فهو منصوبٌ على إسقاط الخافِض، أي: "فتصبح بالصعيد زلقًا" أي: "بسببه" (١).
* * * *
قولُه: "فإنه يكفيك": "الفاء" هنا سَببية، و"يكفيك" فعل، وفاعله مستتر يعود على "الصعيد"، و"الكاف" مفعوله، وهنا متعلق محذوف، أي: "يكفيك عن الماء" (٢).
الحديث الثاني:
[٣٩]: عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -ﷺ- قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ -ﷺ- في حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ، كَما تَمَّرَغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إنَّما يَكْفيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" - ثُمَّ ضَرَبَ [بِيَدَيْهِ] (٣) الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ على الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ (٤).
قولُه: "في حَاجَةٍ": مُتعلّق بـ "بعثني".
و"أجنبتُ": معطوفٌ على "بعثني".
وليست "الفاءُ" هُنا سَبَبية، بل هي كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٧/ ١٧٨)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (٢/ ٥٦).
(٢) انظر: فتح الباري (١/ ٤٤٧)، إرشاد الساري (١/ ٣٧٥).
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من "العُمدة" (ص ٤٩).
(٤) رواه البخاري (٣٤٧) في التيمم، ومسلم (٣٦٨) في الحيض.
[ ١ / ٢٦٧ ]
[الأعلى: ٢] (١)، وَلَا تعقيبَ فيها (٢)، بل في الكَلام فِعْل مُقَدّر عُطفَت عليه، أي: "فذَهَبتُ، فأجنبتُ"، كما حُذف المعطوفُ في قَوله تَعَالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: "فأفْطَر "، وهو معطوفٌ على "كان"، وهذا مَفْهومٌ من فَحْوَى الكَلَام. (٣)
قولُه: "فَلَم أجد الماءَ": تقَدّم القولُ على "لم" في الثالث من "باب المذي"، وفي الثالث من "الجنابة".
و"أجد": من "وَجَد" المتعدّي لواحدٍ؛ لأنه بمعنى: "لم أُصب" (٤)، وتقَدّم "وَجَد" في الثّاني من "باب الجنابة". و"الماء": بالألِف واللام التي للجنس، ولو قال: "ماء" بغير تعريف كان بمعناه.
قال: "فتمرَّغتُ في الصَّعيد": معْطُوفٌ على "أجد".
قولُه: "كما تمرَّغ الدَّابة": "الكَافُ" حَرفُ تشبيه، وتختصّ اسميتها بالشِّعر على الأصح. وتجيء زائدة. وتُوافق "على"، "كخير" في جواب مَن قال: "كيف [أصبحت] (٥)؟ ". وللتعليل: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (٦) [البقرة: ١٩٨]. (٧)
_________________
(١) انظر: التحرير والتنوير (٣٠/ ٢٦٧).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٦١ وما بعدها)، مغني اللبيب (٢١٤، ٨٧١).
(٣) انظر في حذف المعطوف: شواهد التوضيح (ص ١٧٣)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ١٠٢٨)، الهمع (٣/ ٢٢٦).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٥٠١)، (٢/ ١٠٣)، شرح التصريح (١/ ٣٦٥)، شرح التسهيل (٢/ ٧٩)، شرح المفصل (٤/ ٣٢٤)، جامع الدروس العربية (١/ ٤٠).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) بالنسخ: "هداهم".
(٧) انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٢)، سر صناعة الإعراب (١/ ٣٢٥)، الجنى الداني (ص ٨٣ وما بعدها، ٨٦)، أوضح المسالك (٣/ ٤٢ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٢٣٢ =
[ ١ / ٢٦٨ ]
وموضعُها هُنا مع المجرور: نصبٌ على الحال.
وأعربها أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] نعتًا لمصدَر محذُوف. (١) فتُقدّر: "تمرّغًا كتمرّغ الدّابة".
وكذلك في قولك: "سِير عليه سيرًا حثيثًا". (٢)
وتقدّم أنّ مَذْهَبَ "سيبويه" في هذا كُلّه النصب على الحال من المصدَر المفهُوم من الفعْل المتقَدِّم المحذُوف بعد الإضمار على طريق الاتساع. (٣) فيكونُ التقديرُ: "فتمرّغت على هذه الحالة".
وَلَا تكونُ عنده نعتًا لمصدَر محذُوف؛ لأنه يُؤَدّي إِلَى حَذْف الموصُوف في غير المواضع المستثناة (٤)، وقد تقَدّم أكثر هذا في الثّاني من "باب الجنابة"، فانظره هنالك.
وللكاف مع "ما" معنى آخر، ذكره في الحديث الخامس من "كتاب الصّلاة" عند قولُه: "كما شَغَلونا". (٥)
_________________
(١) = وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٦٥٤ وما بعدها)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١٦٩ وما بعدها)، الهمع للسيوطي (٢/ ٤٧٧).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٣٠)، البحر المحيط (١/ ١١٥، ٥٥٥)، (٢/ ٩٣)، (٢/ ٢٩٨)، عقود الزبرجد (٢/ ١٦٠)، نتائج الفكر (ص ٢٨٢)، الأصول لابن السرّاج (١/ ١٩٣ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٤)، الهمع (٢/ ١٤٤ وما بعدها)، إعراب لامية الشنفري (ص ٩٣، ٢٨ ١)، المسائل السفرية (ص ١٣)، مغني اللبيب (ص ٧٠٧، ٧٠٨)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٢١١).
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠، ٥٥٥)، اللباب في علوم الكتاب (٣/ ٤٢٤)، الدر المصون (٢/ ٣٣٢)، الكتاب (١/ ٢٢٧، ٢٢٨)، الأصول لابن السرّاج (١/ ١٩٣ وما بعدها)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٤)، همع الهوامع (٢/ ١٤٤ وما بعدها).
(٥) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٠).
(٦) انظر: البحر المحيط (٢/ ٢٩٨، ٢٩٩)، نخب الأفكار (٧/ ٤٦، ٤٧)، الكتاب =
[ ١ / ٢٦٩ ]
والألِفُ واللام في "الدّابة" لمعهودٍ في الذّهن؛ لأنّه ليس كُلّ دابّة تتمرّغ.
و"ما": هنا مَصْدَرية، وهي حرفٌ في الصحيح. ومتى اقترنت "ما" بـ "كاف" التشبيه -كما هي هنا، وفي قولُه تعالى: ﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣]- وقعت بين فعلين مُتماثلين؛ فهي مَصْدَرية. (١)
وقوله: "ثم أتيتُ": تقدّم القَولُ على "ثم" في الحديث الثّاني من "الجنابة"، وفي الخامس من الأوّل.
و"أتى": بمعنى "جَاء" يتعدّى لمفعول واحد، و"آتى" بالمد يتعدّى لاثنين؛ لأنه بمعنى "أعطى". (٢)
"فذكرتُ ذلك": معطوفٌ على "أتيتُ".
و"ذلك": مفعولٌ به. وهو مبني؛ لأنّه من أسماءِ الإشارة. (٣)
قولُه: "إنَّما يكفيك": يَجوز أن تكُون "ما" موصُولة بمعنى "الذي"، وصلتها: "يكفيك"، والعائدُ: ضميرُ الفاعل، و"ما" وصلتها في محلّ اسمً "إنّ"، وخبرها: "أن" المصْدَرية مع فعلها.
ويجوز أنْ يكون "ما" هي المهيئة حرفًا، وتكُون (أن) والفعل فاعلُ "يكفيك". والأصلُ: "يكفيك فعل كذا".
_________________
(١) = (٣/ ١٤٠)، مُغني اللبيب (ص ٢٣٤)، شرح التصريح (١/ ٦٦٦)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٩٠، ٧٩١، ٨١١، ٨١٢)، الجنى الداني (ص ٨٤)، المصباح (٢/ ٥٤٤).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١١٥)، مغني اللبيب (ص ٤٠٥).
(٣) انظر: إرشاد الساري (٨/ ٢٠٦)، دَليلُ الطالبين لكَلام النحويين (ص ٧٤).
(٤) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٥٢)، حاشية الصبان (١/ ٢٠٣)، شرح ابن عُقيل (١/ ٣٢)، شرح التصريح (١/ ٤٣ وما بعدها).
[ ١ / ٢٧٠ ]
والتقديرُ على الأوّل: "الذي يكفيك فعل كذا".
وأُطلق "القول" على الفعل. (١)
ويصحّ أن تكُون "ما" مَصْدَرية. والتقدير: "إنّ كفايتك أنْ تقُول كذا".
وقد قيل في قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩]: إنّها مَصْدَرية. (٢)
وإنَّما بدأ بـ "اليدين" على "الوجه"؛ لأنّه لا ترتيبَ في "الواو" (٣).
و"الهاء، في "هكذا" للتنبيه، حرفٌ. و"الكاف" للتشبيه، حرفٌ. و"ذا": اسمُ إشارة.
فإعرابُ "كذا": جار ومجرور، كما تقُول في "كأي"، إلَّا أَنَّهُ لا يتوَجّه هنا إلَّا أن تجعل "الكَاف" اسمًا بمعنى: "مثل". (٤)
و"ذا": في محلّ جَرّ بالإضافة؛ لأنّ "تقُول" مُضمّن معنى " [تفعل] (٥) ".
فتكون "الكاف": المفعول به. ومتى جعلتها حرف جر لم يكن في اللفظ مفعولًا بالفعل؛ لأنّ الجار والمجرور لا يكونُ مفعولًا به، وَلَا [له، و"الهاء"] (٦) التي للتنبيه؛ لأنَّها زائدة على الكلمة، ويكون هذا من أقسام "الكاف" التي تتعين فيه
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١/ ١٨١)، عُمدة القاري (٢/ ٩٢)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ١٣٦)، نيل الأوطار (١/ ٣٠٧).
(٢) انظر: اللباب لابن عادل (٦/ ٩٩)، (١٣/ ٣١٦)، الدر المصون (٣/ ٥٢١).
(٣) انظر: نتائج الفكر (ص ٢٠٨)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٤٥).
(٤) انظر: المقتضب (٤/ ١٤٠، ٣٥٠)، الجنى الداني (ص ٧٩، ٨٩)، الأصول في النحو (١/ ٤٣٧)، مغني اللبيب (ص ٦٢٤)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٨١، ٢٦٨).
(٥) بالنسخ: "يفعل". ولعلَّ الصواب المثبت.
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "تصل الهاء".
[ ١ / ٢٧١ ]
للاسمية.
و"كذا" تَرِد على ثلاثة أوْجُه، هذا (١) أحدها.
والثاني: أن تكُون كلمة واحدة مُركّبة من كلمتين مُكنيًا بها عن غير عَدد، كما جاء في الحديث: "أَتَذْكُر يَوْمَ كَذَا وَكَذَا؟ " (٢).
الثالث: أن تكون كلمة واحدة مُكنيًا بها عن العَدد، فتُوافق " [كأيّن] (٣) " من وجُوه (٤)، وسيأتي الكَلام عليها في السّادس من "الزكاة".
قولُه: "ثم ضرب [بيديه] (٥) الأرض ضربة واحدة": "ثم" لترتيب الأخبار (٦)، وتقدّمت قبل هذا في الثاني من "كتاب الجنابة".
و"ضربة": مصْدَرُ "ضَرَب". و"واحدة": نعْتٌ له، [مُؤكِّدًا] (٧)، كقَوله
_________________
(١) وهو أن تكون كلمتين باقيتين على أصلهما، وهما كشاف التشبيه وذا الإشارية. وتدخل عليها ها التنبيه. انظر: مغني اللبيب (ص ٢٤٧).
(٢) العبارة في "مُغني اللبيب" (ص ٢٤٨) هي: "في الحديث: أَنَّهُ يُقال للعبد يوم القيامة: أتذكر يوم كذا وكذا؟ فَعَلتَ فيه كذا وكذا". وقد ورد في "صحيح مسلم" (١٩٠/ ٣١٤) عن أَبِي ذر، بلفظ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةِ، وَآخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا تُعْرَضُ عَلَيهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ".
(٣) كذا بالنسخ، و"شرح التصريح" (٢/ ٤٧٨). وفي "مغني اللبيب" (ص ٢٤٨): "كأي". وكلاهما واحد.
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص ٢٤٧ وما بعدها).
(٥) سقط من النسخ. والمثبت من "العُمدة" (ص ٤٩). وقد سبق نظيره.
(٦) انظر: اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٢٢)، الجنى الداني (ص ٤٢٨ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٩٩٩)، مغني اللبيب (ص ١٦٠، ٧١٣)، شرح الأشموني (٢/ ٣٦٦)، شرح التصريح (٢/ ١٦٤)، الهمع (٣/ ١٩٠).
(٧) كذا بالنسخ.
[ ١ / ٢٧٢ ]
تعَالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]. والمصدر يكُون للتأكيد والنّوع والعَدَد، [وهو] (١) هُنا للعَدَد والتأكيد، مثل: "ضَربتُ ضَربًا". والنوع: نحو: "جَلَستُ جِلْسة" بكسر "الجيم". (٢)
قولُه: "ثم مَسَح [الشمال] (٣) على اليمين": أي: "على اليد اليمين"، [فكانت] (٤) اليمنى ممسوحًا بها الشمال. وهذا على أنَّ الترتيبَ في اليدين [غير] (٥) مطلوب.
أو نقول: المسْحُ تصلُح إضافته للماسح والممسُوح في حالةٍ واحدة، وعدّى "مسَح"، على أنَّه ضُمِّن معنى "أمَرّ وأجْرَى" (٦).
ويحتمل أن تكون "على" بمعنى "الباء"، كقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌّ عَلَى﴾ [الأعراف: ١٠٥]، أي: "بي". (٧)
ومن ذلك: قولهم في قولِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٨) [المائدة: ٦]: أي:
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فهو".
(٢) انظر: الكافية في علم النحو (ص ١٨)، الأصول في النحو (١/ ١٦٠)، (٢/ ٢٩٧)، علل النحو (ص ٣٠٦)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٢٦١ وما بعدها)، اللمحة (١/ ٣٤٩)، شرح الشافية للرضي (١/ ١٨٠)، شرح الأزهَرية (ص ٣٨، ٣٩)، همع الهوامع (٢/ ١٠٠)، دليل الطالبين (ص ٥٤)، كشاف اصطلاحات الفنون (٢/ ١٦١٣، ١٦١٤)، الكليات للكفوي (ص ١٠٥٣).
(٣) كشط بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) قد تقرأ بالأصل: "وكانت".
(٥) كشط بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: عقود الزبرجد (١/ ٤١٦)، الصبان (٢/ ٣٣١).
(٧) انظر: الجنى الداني (ص ٤٧٨)، مغني اللبيب (ص ١٩٢، ٩١٤)، شرح التصريح (١/ ٦٥١)، شرح التسهيل (٣/ ١٦٥)، همع الهوامع (٢/ ٤٤٠)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٧٨).
(٨) بالنسخ: "فامسحوا".
[ ١ / ٢٧٣ ]
"بَلَل أيديكم برءوسكم"؛ فـ "الرأسُ" على هذا ماسح. (١)
قولُه: "وظاهر كفّيه": معطوفٌ على "اليمين؛ فيكون مجرورًا. ويحتمل النصب بالعطف على "الشمال".
وأمَّا: "ووجهه": فهو منصوبٌ بالعطف على "الشمال"، أو على "ظاهر" إن كان منصوبًا. وَلَا يجوزُ فيه الجر، وإن كان "ظاهر" مجرورًا؛ لفساد المعنى. ويحتمل أن يكون: "ووجهه" مفعول معه، أي: "مع وجهه".
الحديث الثالث
[٤٠]: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "أُعْطيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَل، وَأُحِلَّتْ لِي [الْغَنَائِمُ] (٢)، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ [خَاصَّةً] (٣)، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً" (٤).
قولُه: "أعطيتُ خمسًا": أي: "خمس خِصَال"؛ ولذلك سَقَطَت العَلامة؛ لأنّ طريقة أسْماء العَدَد مُخَالفةٌ لطريقةِ غيرها، وذلك أنّك إِذَا عَددت مُذَكّرًا أنثتها، وإذا عَددت مُؤنثًا ذكّرتها (٥)، قال تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾
_________________
(١) انظر: الوسيط في تفسير القرآن المجيد، للوا حدي] (٢/ ١٥٩)، تفسير القرطبي (٦/ ٨٨)، حاشية الصبان (٢/ ٣٣١).
(٢) كذا بالنسخ. وفي "العُمدة" (ص ٤٩): "المغانم".
(٣) سقط بالنسخ، و"العُمدة" (ط المعارف، ص ٤١). والمثبت من "البخاري" (٣٣٥، ٤٣٨) و"مسلم" (٥٢١/ ٣) و"العُمدة" (ط دار الثقافة، ص ٤٩).
(٤) رواه البخاري (٣٣٥) في التيمم، (٤٣٨) في الصلاة ومسلم (٥٢١) في المساجد.
(٥) نبّه السيوطي على دقيقة جليلة، وهو أنّ أسْماءَ العَدَد إنَّما يكُون تذكيرها بالتاء، وتأنيثها =
[ ١ / ٢٧٤ ]
[الحاقة: ٧]. (١)
وإنَّما فعلوا ذلك لأنّ أصْلَ العَدَد وأوّله بـ "الهاء" من حيث إنه جماعة، والجماعة مُؤنثة، والمذكّر قبل المؤنث، فأعطوا الأُوْلَى [للأَوْلَي] (٢). (٣)
وإن جاوزت "العشرة" ركّبت على الآحَاد العَشرة، فقلت: "أحد عشر"، إِلَى "تسعة عشر". وفائدة هذا التركيب للاختصار؛ لأنّ الأصل "أحد وعشرة"، فالاسمُ [الأوّل] (٤) مبني؛ لأنه ينزل منزلة صَدْر الكَلمة، وبُني الثاني لتضمّنه معنى الحرْف، وهو "الواو"، إلَّا "اثنا عشر"، فإنه مُعْرَب؛ لأنه لا يُوجَد في الأسماء مُثنى مُركّب مبني؛ ولأنه لو بُني لبَطُل دَليلُ التثنية. (٥)
ثم إنّ "أحد" و"اثنان" يُذكّران مع المذكر، ويُؤنّثان مع المؤنّث، كما كانا قبل التركيب، وكذلك هما في سائر العُقود، تقُول: "أحد عَشر رجُلًا"، و"إحدى عشرة
_________________
(١) = بسُقوط التاء، إِذَا كان المميّز مَذكُورًا، أما إِذَا لم يُذْكَر فيجُوز فيها الأمران. انظر: عقود الزبرجد (٢/ ١٥).
(٢) انظر: عقود الزبرجد (٢/ ١٥)، اللمع لابن جني (ص ١٦٣)، المقتضب (٢/ ١٥٧ وما بعدها)، إسفار الفصيح لأبي سهل الهروي (٢/ ٨٧٤، ٨٧٥)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣١٨)، المقدمة الجزولية (ص ١٧٠، ١٧١)، شرح القطر (ص ٣١٠)، شرح التصريح (٢/ ٤٤٦)، شرح المفصل (٤/ ٦)، جامع الدروس العربية (١/ ١٧).
(٣) كذا بالنسخ. ويحتمل أن يكُون الصّواب: "للأوّل". والمراد بـ "الأُوْلى": "الهاء". والمرادُ بـ "الأَوْلَى" أو "الأَوّل": المذكّر.
(٤) انظر: علل النحو (ص ٢٩٦)، توضيح المقاصد (٣/ ١٣١٩)، شرح التصريح (٢/ ٤٤٦، ٤٤٧)، المقدمة الجزولية (ص ١٧٠، ١٧١)، شرح المفصل (٤/ ٦).
(٥) بالنسخ: "الأولى".
(٦) انظر: اللمع لابن جني (ص ١٦٣)، توضيح المقاصد (٣/ ١٣٢٥، ١٣٢٦)، شرح قطر الندى (ص ٣١١)، شرح التصريح (٢/ ٤٤٦)، شرح المفصل (٤/ ١٦).
[ ١ / ٢٧٥ ]
امرأة"، و"اثنان وعشرون رَجُلًا"، و"اثنتان وعشرون امرأة". (١)
وإنَّما جمعُوا بين عَلامتي تأنيث في "إحدى عشرة"، لأنّه جَاء في [حَال] (٢) التركيب كحَاله حَال الإفراد، إلا أنّه غير "الواحد"، إلى "الأحد"، و"الواحدة"، إِلَى "إحْدي" تخفيفًا. وأمَّا تأنيث الجزء الثاني مع المؤنث فيما بقى من العَدَد، وتذكيره مع المذكر: فجَاء على القياس المهجور. (٣)
قولُه: "أُعطيتُ": "أعطي" يتعَدّى إِلَى مفعُولين، الأصْلُ فيهما الفَاعل والمفعول، بخلاف باب "حسب"؛ فإنّ الأصل [في] (٤) مفعوليها المبتدأ والخبر (٥). وهو مبني لما لم يُسَمّ فاعله، فالمفعولُ الأول "الضمير"، [وهو قائمٌ] (٦) مقام الفاعل، و"خمسًا" المفعولُ الثّاني.
و"لم": حَرْفُ جَزْم (٧)، تقَدّم حُكْمُها في الثّالث من "بابِ [الجنابة] (٨»، وفي
_________________
(١) انظر: توضيح المقاصد (٣/ ١٣٢٥)، شرح القطر (ص ٣١١)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٥٩٩)، شرح ابن عُقيل (٤/ ٧١)، شرح التصريح (٢/ ٤٤٦).
(٢) غير واضحة بالأصل، وإن أشبهت: "حالة". والمثبت من (ب).
(٣) انظر: توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣١٨)، شرح التصريح (٢/ ٤٦٠)، شرح المفصل (٤/ ١٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فيها".
(٥) انظر: الكتاب (١/ ٤١)، المقتضب (٣/ ٩٣)، الأصول في النحو (١/ ٧٧، ١٧٧)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٤٥٦، ٤٦٢، ٤٦٣)، شرح ابن عُقيل (٢/ ١٤٨)، شرح شذور الذهب للجوجري (١/ ٢٩ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٤٧٠)، شرح التسهيل (٢/ ١٥٢)، الهمع (١/ ٥٨٤).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٦٥).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب). والحديثُ المراد هو حَدِيث ميمونة بنت الحارث، وفيه: "فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا".
[ ١ / ٢٧٦ ]
الثّالث من "باب المذي".
و"يُعطَهُنّ": فعل مُضارع، مبني لما لم يُسئم فاعله، مجزوم بـ "لم"، وعلامة الجزم حذفُ الألف، ومفعولاها الأوّل منهما مُتصل بالفعل، وهو ضميرُ [المؤنثات، والثاني] (١) القائم مَقَام الفاعل، وهو "أحد".
وقوله: "من الأنبياء": يتعلّق بصفة لـ "أحد". [والجملة] (٢) من قولُه: "لم يُعطَهن" في محلّ صفة لـ "خمس". ويحتمل أن يتعلّق "من الأنبياء" بـ "يُعطَهن". والمعنى على الأول.
وقوله: "قبلي": ظَرْفٌ، ومخفُوضٌ به، العَاملُ فيه "يُعطَهُن".
[ويصحّ] (٣) أن تكُون حَالًا من "الأنبياء". ويعترضُه: أنّ ظَرْفَ الزّمَان لا يكونُ حَالًا من الجثة، كما لا يكُونُ [خَبرًا] (٤) عنها، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ٣٤] (٥).
و"قبل": ظَرْفُ زمان، وقد تجيء للمَكَان، نحو: "داري قبل دارك". ومن خصائصها: أنَّها لا تُصَغّر، كـ "غير" و"سوي، وأسْماء الأيام والمشهور و"مع" و"قليل" -مع أَنَّهُ وجد "قُلَيِّل"- وجموع الكثْرة. (٦) وسيأتي ذكرها مُستوفىً في الرَّابع من
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) بأولها كشط بالأصل. وسقط من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: الأصول لابن السراج (١/ ٦٣)، شرح ابن عُقيل (١/ ٢١٣)، شرح الأشموني (١/ ١٩١)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٨٥٤).
(٦) انظر في ما لا يصغر: الكتاب (٣/ ٤٧٧ وما بعدها)، المفصل (ص ٢٥٧)، شرح المفصل (٣/ ٤٣٢ وما بعدها)، المقتضب (٢/ ٢٧١ وما بعدها)، (٤/ ٣٥٣)، الأصول في النحو (١/ ١٠٠)، شرح المفصل (٣/ ٤٣٢ وما بعدها)، اللمحة =
[ ١ / ٢٧٧ ]
"تسوية الصفوف".
قولُه: "نُصرتُ بالرّعْب": فعلٌ ماض، مبني لما لم يُسَمّ فاعله.
و"مسيرة شهر": ظرفُ زمان، ومخفوض به. ويصلُح للمَصْدر؛ فيُقال: "بارك الله في مسيرك"، أي: "في سيرك".
وفعله "سار" مُعتلّ العَين. وكُلّ ما عَينه مُعتلة فمَصْدَره: "مفعَل" بفتح "العَين"، والزمان والمكان: "مفعِل" بكسر "العَين"، نحو: "المقال والمقيل" و"المسار والمسير" و"المخاف والمخيف".
فـ"مَسِيرة" أصله: "مَسْيَرة". (١)
وأمَّا الصحيحُ: [فما كان] (٢) على "فعَل يفعِل" بفتح "العين" في الماضي وكسرها في المستقبل، فالمصدر منه: "مفعل"، والزمان والمكان: "مفعل" بالكسر، ما لم يكن فاؤه "واوًا"، أو لامه مُعتلة.
فإن كانت فاؤه "واوًا"، نحو: "وَعَد"؛ فالمصدرُ منه والمكان والزمان: "مَفعِل"، نحو: "موعِد".
_________________
(١) = (١/ ٤٥١)، شرح الكافية الشافية (٤/ ١٩١٦)، شرح التسهيل (٣/ ٤٠)، شرح التصريح (١/ ٧١٨)، (٢/ ١٢، ٥٥٩، ٥٦٠)، شرح الشافية للرضي (١/ ٢٩٠ - ٢٩٤)، شرح الشافية للأستراباذي (١/ ٣٦٩)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٤٢٠)، شرح الشذور لابن هشام (ص ١٣٠)، الهمع (١/ ٣٦٣)، (٢/ ١٩٢، ١٩٣)، (٣/ ٣٨٧، ٣٩٠، ٣٩١)، النحو الوافي (٤/ ٦٨٦ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (١/ ٧٣، ٧٤)، (٢/ ٨٥، ٩٣)، (٣/ ٥٩).
(٢) انظر: الصحاح (١/ ٤٢)، (٢/ ٦٩١)، لسان العرب (٤/ ٣٨٩)، تاج العروس (١/ ١٨٢)، (٢/ ٣٩٤)، اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر (ص ١٣٨).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٢٧٨ ]
فإن كان مُعتلّ اللام؛ فالمصدر منه والزمان والمكان: "مَفعَل" -نحو: "مرمى"- لا غير.
وأمّا "فعل يفعُل" -نحو: "قعد يقعُد"- و"فعل يفعَل" -نحو: "ذبَح يذبَح" -و"فعِل يفعَل"- نحو: "شَرِب يشرَب"، [فالمصدر] (١) والزمان والمكان منها: "مَفعل"، نحو: "مقعد" و"مشرب".
إلا "فَعِل" إِذَا كان فاؤه "واوًا"، نحو: "وجِل يوجل"؛ فيكون فيه وجهان: "مَوجِل" و"مَوجَل" في المصدر والمكان والزمان.
وهذا كُله إِذَا كانت "العَينُ" صَحيحة.
واستثنى الشيخ "أَبُو إسحاق الزّجاج" (٢) ثمانية جاءت نوادر، عينه من "يفعلُ" مضمُومة، وفي "مَفْعِل" مكسُورة، هي: "المشرق" و"المغرب" و"المسجد" و"المنبت" و"المجزر" و"المفرق" و"المسكن" و"المطلع"، [إن] (٣) أردت المكان كسرت، وإن أردْت المصْدَر فتَحْت، وقد قُرئ: "حَتَّى مَطْلِع الْفَجْرِ" (٤). (٥)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): (أما المصدر). والأصوب المثبت.
(٢) انظر: معاني القرآن للفراء (٢/ ١٤٨)، لسان العرب (٣/ ٢٥٤)، (٨/ ٢٣٥)، إصلاح المنطق لابن السكيت (ص ٩٥، ١٦٢)، المزهر في علوم اللغة (٢/ ١٠٠)، المفصل (ص ٣٠٣)، شرح شافية ابن الحاجب للركن (١/ ٣١٣).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): (وإن). والأصوب المثبت.
(٤) سورة [القدر: ٥]. وهذه قراءة الأَعْمَش، وأبو رجاء، وابن وَثَّابٍ، وطلحة، وابن مُحَيْصِنٍ والكِسائي، وأبو عَمْرٍو، وخَلف؛ فقد قرأوا بكسر اللام. انظر: البحر المحيط (١٠/ ٥١٦)، النشر في القراءات العشر لابن الجزري (٢/ ٤٠٣).
(٥) انظر فيما سبق: الجزولية (ص ٣٠٦، ٣٠٧)، إصلاح المنطق (ص ٩٥، ١٦٢، ١٦٣)، اقتطاف الأزاهر (ص ٧٤ وما بعدها)، شرح شافية ابن الحاجب للركن (١/ ٣١٣ وما بعدها)، شرح الشافية للرضي (١/ ١٧٠)، المفصل (ص ٣٠٣)، شرح المفصل (٤/ ١٤٤ وما بعدها)، المفتاح في الصرف (ص ٥٩ وما بعدها)، المزهر في علوم اللغة =
[ ١ / ٢٧٩ ]
إِذَا تقرّر ذلك: فـ "مَسيرة شهر" ظَرف زمان؛ لأنّها "مَفْعِلة" بكسر العين، والتقدير: "على مسيرة شهر"، ثم حُذف حرفُ الجر.
وقوله: "وجُعلت لي الأرضُ مَسْجدًا وطهورًا": "جُعل" هنا مبني لما لم يُسَمّ فاعله، والقائمُ مقام الفاعل: "الأرض"، و"مسجدًا" المفعول الثاني، وتقَدّم الكَلامُ عليها في الحديثِ الرّابع من أوّل الكتاب.
قولُه: "فأيّما رَجُلٌ": "أي" هنا [مُبتدأ] (١)، اسم شرْط. و"ما" زائدة، مُؤكِّدة. (٢) وَلَا يَجوز أن تكون "أي" موصولة؛ لأنّ الموصولة لا تُضافُ [إلَّا إلي] (٣) معرفة، وَلَا تتصل بها "ما"، وأيضًا فإن معنى الشرط ظاهرٌ فيها (٤)، ألا ترى أنّ المعنى: "إنْ [أدْرَكَت] (٥) رجُلًا الصّلاة". و"رجُل" مُضافٌ إليه.
وجملة "أدركته الصلاة" في محلّ جزم بالشرط، [والخبر فيه] (٦). وجوابُ الشرط: "فليُصَلّ" (٧).
ويجوز في "أيّما" أن تكون "ما" نكرة، و"رجُل" بدلٌ منه.
_________________
(١) = (٢/ ١٠١)، شذا العرف في فن الصرف (ص ٧١)، لسان العرب (٣/ ٢٠٤)، (٨/ ٢٣٥)، كتاب الأفعال (١/ ١٧ وما بعدها)، المصباح ص (٢/ ٧٠٠ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (١/ ١٠٤).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الإعلام لابن الملقن (٢/ ١٥٥، ١٥٦).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: شرح الكافية الشافية (٢/ ٩٥٨)، مغني اللبيب (ص ١١٠)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٨١٢، ٨١٣)، شرح الأشموني (١/ ١٥٣)، موصل الطلاب إِلَى قواعد الإعراب (ص ١٢٧).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) انظر: رياض الأفهام (١/ ٤٦٩).
[ ١ / ٢٨٠ ]
وتُضاف " [أي] (١) " إِلى نكرة مُطلقًا، نحو: "أي رجل". وقولنا: "مُطلقًا": أي: سواء كان المضافُ مُفردًا، أو [مثنىً] (٢)، أو مجموعًا، نحو: "أي رجُل" و"أي رجُلين" و"أي رجال".
وقد تُضافُ إِلَى المعرفة إِذا كانت (٣) [مُثناة] (٤)، نحو قولُه تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [الأنعام: ٨١]، أو مجموعة نحو: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
وَلَا تُضَافُ "أي" إِلَى مَعْرفة مُفرَدَة، إلَّا إِذا كان بينهما جمعٌ مُقَدّر، نحو: "أيّ زَيْدِ أحسَن"؛ إذ المعنى: "أيّ أجزائه أحْسَن".
وتقَدّم أنّه لا تُضَافُ "أي" الموصولة إلَّا إِلَى معرفة، نحو قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، خِلافًا لابن عصفور. وَلَا تُضَافُ " [أي] (٥) " المنعوت بها إلَّا إِلَى نكرة، نحو: "مررتُ بفارس أيّ فارس". (٦) وسيأتي الكَلامُ على أقسَامها ومواضِعها بزيادةِ بسْطٍ في الأوّل من "كتاب الصّلاة".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "مبني".
(٣) أي: المعرفة.
(٤) غير واضحة بالنسخ. والمثبت من المصادر. وانظر: شرح التصريح (١/ ٧٠٩)، وأوضح المسالك (٣/ ١١٩).
(٥) قد تقرأ بالأصل: "إِلَى". وفي بـ: "إِلَى". والمثبت من المصادر.
(٦) انظر في أحكام "أي": أوضح المسالك (٣/ ١١٩ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٩٥٦ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٧٠٩ وما بعدها)، (٢/ ١٥١)، المقتضب (٢/ ٢٩٤)، توضيح القاصد (٢/ ٨١٢ وما بعدها)، شرح ابن عُقيل (٣/ ٦٤ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ١٥٦ وما بعدها)، شرح المفصل (٢/ ١٤٩ وما بعدها).
[ ١ / ٢٨١ ]
قولُه: "من أُمتي": يتعلّق بصفة لـ "رجُل".
وجملة "أدركته الصَّلاة": تقَدّم أَنَّهُ فعلُ الشّرط، وأنه في محلّ الخبر. وتقدّم قريبًا حُكمُ الشّرط وجَوابه. ويحتمل أن يكُون الخبرُ: "فليُصَلّ"، وفيه بُعْد؛ لأنه طلب؛ ولأنّ "الفاء" تمنع من ذلك، فيُقدَّر: "أيّما رَجُلٌ أَدْرَكَتْه الصّلاة صَلّاها"، وسياقُ الكَلام يدُلّ على ذلك.
قال بعضهم: يُقَدّر الخبر فيما فرضه الله أو نبيه: "أيّما رجُلٌ أدركته الصّلاة"، كما قُدِّر في قولِه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. (١)
وظاهرُ كلامه أَنَّهُ لا يجوزُ أن تكون جملة "أدركته" الخبر؛ لأنَّها ليست محلًّا للفائدة؛ ولأنّ التقدير: "أيّما رَجُل مُدركٌ للصّلاة".
قلتُ: والذي قَدّمته أظهَر؛ لأنّه لو كان [الفعل] (٢) مُستقبلًا لظَهر عَمَل الشرط فيه. فلو قلت: "أيّما رجُلٌ تُدركه الصّلاة فليُصَلّ" ظهر عَمل الشرط في فعله، كسائر أسماء الشّرط، ولأنّ تَعَذّر حرف الشّرط -وهو: "إنْ"- ظَاهِر في الفِعْل؛ لأنّك تقول: "أدركت رَجُلًا الصلاة فليُصلّ"، وفي الكَلام تقديرٌ لا بُدّ منه، أي: "أيّما رجُلٌ أدرَكَه أوقات الصّلاة" أو " فرضية الصَّلاة".
وفي جعله "الصّلاة" مُدْرَكة تنبيهٌ على أنَّ التيمّمَ لا يكونُ إلَّا عند ضيق الوقت عن طَلَب الماء أو اليَأس منه. (٣)
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٤٩)، تفسير القرطبي (٦/ ١٦٦)، إرشاد الساري (٩/ ٤٥٨)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ١٥٦)، الرّد على النّحاة لابن مَضَاء القرطبي (ص ٩٧)، شرح التسهيل (١/ ٣٢٩)، شرح القطر (ص ١٩٣، ١٩٤)، همع الهوامع (١/ ٤٠٣)، المدارس النحوية (ص ٦٩، ٧٤، ٣١٣). وهو منسوبٌ لسيبويه وجمهور البصريين.
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "مبني".
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٦٤)، نخب الأفكار (٢/ ١٩٨)، شرح مختصر =
[ ١ / ٢٨٢ ]
"وأُحلّت لي الغنائم": معطوفٌ على "نُصرتُ بالرعب".
وجملة "ولم تحل لأحَد" في محلّ الحال من "الغنائم".
واللام في "تحلّ" يجُوزُ فيها الفتح والضم، وقيل: والكَسْر؛ لأنّ الفعلَ مجزوم، وهو مُضاعَف [الآخر] (١). (٢)
[واختار] (٣) سيبويه في قولِه -ﷺ-: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ" (٤) الضّم؛ اتباعًا لحركة "الهاء". (٥)
[قولُه] (٦): "من قَبْلى": مُتعَلّق بصفة لـ "أحَد"، و"لأحَد" يتعلّق بـ "تحلّ". وتقدّم القَولُ آنفًا في "قبل"، وجملة القَول في " [أحد] (٧) " في الرّابع من الأوّل.
قولُه: "وكان النَّبِيّ يُبعَثُ إِلَى قوْمه [خاصَّة] (٨)، وبُعثتُ إِلَى النّاس عامَّة": جملة "كَان" [تقدّمَت] (٩) هُنا، وكان حَقّها أن تتأخر؛ فيجيء الكَلام: "وبُعثتُ إِلَى النّاس
_________________
(١) = خليل للخرشي (١/ ١٨٧)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب (١/ ٣٥٧)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير (١/ ١٥١).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٠٥)، شرح التصريح (٢/ ٧٦٤)، شذا العرف في فن الصرف (ص ١٤٢)، ضياء السالك (٤/ ٤٣٠).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): (أخبار).
(٥) متَّفقٌ عليه: رواه البخاري (١٨٢٥) ومسلم (١١٩٣/ ٥٠)، من حَدِيث ابن عَبَّاسٍ عن الصَّعْبِ بن جَثامَةَ.
(٦) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٠٢).
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "قول جابر".
(٨) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "قبل وجد".
(٩) سقط بالنسخ. وقد سبق نظيره.
(١٠) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٢٨٣ ]
عامّة، وكان النَّبِيّ يُبعَث إِلَى قَوْمه"، [لكنّه] (١) قَدّمها تنبيهًا على ما هو أعلى منها، فلَمَّا كانت هذه الخصوصية من أعظم ما أوتيه -ﷺ- فعل هذا فيها دون غيرها مِمَّا اختص به -ﷺ-.
قولُه: "وأُعطيتُ الشفاعة" (٢): الفعلُ مبني لما لم يُسَمّ فاعله، والمفعول الذي لم يُسَم فاعله: ضمير مُستتر يعُود على المتكلّم، و"الشفاعة" المفعولُ [الثاني] (٣). والألِفُ [واللام في] (٤) "الشّفاعة" لمعهود في الذّهن، وهي "الشّفاعة العُظمى" (٥).
قولُه: "وبعثتُ للناس عامَّة" (٦): "العامّة" خلاف "الخاصة".
وعدّها بعضهم من ألفاظ التأكيد، وقَرَنَها بـ "كُلّ" و"جميع".
قال ابنُ هشام: وعَدُّهما -يعنى: "جميع"، و"عامّة"- من ألفاظ التأكيد غريبٌ.
قال: و"التاءُ" في "عامّة" بمنزلتها في "النافلة"، [فتصلُح] (٧) مع المذكّر والمؤنّث، فتقُول: "اشتريتُ العَبْدَ عَامّته"، كما قال الله تعالى: ﴿ويَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾
_________________
(١) كشط بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) كان من الأنسب أن يذكر "ابن فرحون" ما يتعلق بهذه العبارة بعد نهاية تعليقه على عبارة: "وبُعثتُ للناس عامَّة" وبعد الكلام على "كافة"؛ لأنَّها بعدها في لفظ الحديث، خاصة وأنه هناك ذكر قول الشيخ "تقيّ الدّين" المتعلّق بـ "الشفاعة".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ١٥٣ وما بعدها)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ١٦٧، ١٦٨).
(٦) كان من الأنسب أن يذكر "ابن فرحون" ما يتعلق بهذه العبارة قبل تعليقه على عبارة: "وأعطيتُ الشفاعة" لأنَّها قبلها.
(٧) "بالنسخ: "فيصلح". وانظر: أوضح المسالك (٣/ ٢٩٧).
[ ١ / ٢٨٤ ]
[الأنبياء: ٧٢]. انتهى. (١)
ولم يرد في الحديث هُنا: "عامّتهم"، بل القَول في "عامّة" كالقَول في "خاصّة" في قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. (٢)
فيصح أن يكون "عامّة" هنا (٣) [حَالًا] (٤) من "النّاس"، أي: "مُعمّمين بها"، أو يكُون نعتًا لمصدر محذوف، أي: "بعثةً عامّة". ويحتمل أن يكون حَالًا من ضَمير الفاعل، أي: "بُعِثتُ مُعَمّمًا للنّاس". (٥)
والهاءُ للمُبالَغَة، كـ "عَلّامَة" و"نَسّابَة". (٦)
وقيل: هو (٧) مَصْدَر، كـ "العَافية" و"النّافلة". (٨)
_________________
(١) انظر: أوضح المسالك (٣/ ٢٩٦، ٢٩٧). وراجع: عقود الزبرجد (١/ ٢٩٢)، شرح التصريح (٢/ ١٣٣، ١٣٥، ١٣٦)، شرح المفصل (٢/ ٢٢١)، همع الهوامع (٣/ ١٦٤ وما بعدها)، دُستور العُلماء (١/ ٣٥)، ضياء السالك (٣/ ١٥٩)، النحو المصفى (ص ٥٩٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (٥/ ٣٠٣، ٣٠٤)، أوضح المسالك (٤/ ١٠٠)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٠٣ وما بعدها)، شرح التصريح (٢/ ٣٥٣)، أمالي ابن الحاجب (١/ ١٢٤)، مغني اللبيب (ص ٣٢٤ وما بعدها، ٥٦٣، ٨٩١)، شذا العرف في فن الصرف (ص ٤٥)، جامع الدروس العربية (١/ ٩١)، (٣/ ٢٦٥).
(٣) أي: في الحديث الذي معنا.
(٤) بالنسخ: "حال".
(٥) انظر: عقود الزبرجد للسيوطي (١/ ٢٩٢)، فيض القدير (١/ ٥٦٦)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٣٣٧).
(٦) انظر: البحر المحيط (٨/ ٥٤٩)، الكشاف (٣/ ٥٨٣)، عقود الزبرجد (١/ ٢٩٢)، شرح المفصل (٤/ ٦)، شرح التسهيل (٢/ ٣٣٧).
(٧) أي: "عامّة".
(٨) انظر: البحر المحيط (٨/ ٥٤٩). وراجع: عقود الزبرجد (١/ ٢٩٢)، شرح التصريح =
[ ١ / ٢٨٥ ]
ويجوز أن "بُعث" ضُمِّن معنى "أُرسل"، أي: "أُرسِلتُ للنّاس عامّة"، أي: "إرسالة عامّة". (١)
ورُوي في هَذا الحديث: "وبُعثتُ إِلَى النّاس كَافّة" (٢)؛ فيجري فيه مَا تقَدّم في "عَامّة". (٣)
قال ابنُ مالك: جَعْلُ "كَافّة" حَالٌ من مُفْرَد لا يُعرَفُ. (٤)
وكونُ [تائه] (٥) للمُبالَغَةِ مُعْترَضٌ؛ لأنّ ذلك مقْصُورٌ على السّماع، لأنّها إنّما تكون للمُبالَغة فيما كان على أحَد الأمثلة، كـ "فَروقة" و"مِهْذَارة". و"كافّة": "فاعلة"، ليس من أمثلة المبالَغة. (٦)
وقال الزّمخشري: "كافّة" صفة لمصْدَر محذُوف.
ورَدّ الزّمخشري على مَن قَال في قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] أن تكُون "كافّة" حَالًا من "النّاس"، بأنّ (٧) تقديمَ حَال المجرور عليه (٨) لا يجوزُ. (٩)
_________________
(١) = (١/ ٤٩٦، ٤٩٧)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٩٧٢)، أوضح المسالك (٣/ ٢٩٧)، وشرح ابن عُقيل (٣/ ٢٠٨).
(٢) انظر: البحر المحيط (٨/ ٥٤٩)، شرح التصريح (١/ ٥٩٥).
(٣) صحيحٌ: البخاري (٤٣٨).
(٤) راجع: البحر المحمِط (٨/ ٥٤٩).
(٥) انظر: البحر المحيط (٨/ ٥٤٩)، شرح التسهيل (٢/ ٣٣٧).
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "بابه". والمصدر من المصادر.
(٧) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٣٣٧)، (٣/ ٣٦٥)، شرح التصريح (١/ ٥٩٠).
(٨) أي: "ردّ عليهم بأنّ".
(٩) أي: "على صاحب الحال". وانظر: البحر المحيط (٨/ ٥٤٩، ٥٥٠).
(١٠) انظر: الكشاف (١/ ٢٥٢)، (٢/ ١٦٦)، (٣/ ٥٨٣)، البحر المحيط (٢/ ٣٣٨، =
[ ١ / ٢٨٦ ]
قال الشّيخُ "تقيّ الدّين" (١): ويحتمل أن تكُون الألِفُ واللام في "الشّفاعة" لتعريف الحقيقة، نحو: "الرجلُ خيرٌ من المرأة". (٢)
باب الحيض
الحديث الأوَّل
[٤١]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلتِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَلا أَطْهُرُ، أَفَادَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ: "لا، إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ: " [لَيْسَ] (٤) بِالحْيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ [الْحَيْضَةُ] (٥) فَاتْرُكِي الصَّلاةَ فيهَا، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي" (٦).
تقدّم القولُ على إعراب السَّنَد [إلي] (٧) قولُه: "سَألت". وسيأتي الكَلام على
_________________
(١) = ٣٣٩)، (٩/ ٥٤٨، ٥٥٠)، شرح التسهيل (٢/ ٣٣٦، ٣٣٧)، شرح التصريح (١/ ٥٩٠)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٧٣٣).
(٢) هذا الكلام مرتبط بالكلام السابق عن "الشفاعة"؛ فليس هذا محله.
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٥٣)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ١٦٧)، شرح ابن عُقيل (١/ ١٧٨)، شرح الأشموني (١/ ١٦٧)، اللمحة (١/ ١٢٥).
(٤) رواه البخاري (٣٢٥) في الحيض، ومسلم (٣٣٣) في الحيض.
(٥) قد تقرأ بالأصل: "ليست". وفي (ب): "ليس"، وذكرها ابن فرحون مرات بعدها بالشرح. وهي في "العُمدة" (ط دار الثقافة، ص ٥٠): "وليست". وفي "البخاري" (٣٠٦)، و"مسلم" (٣٣٣/ ٦٢)، و"العمدة" (ط المعارف، ص ٤٢): "وليس"، وقد ذكرها ابن فرحون مرة بشرحه.
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب) والمصادر.
(٧) رواه البخاري (٣٠٦) في الحيض.
(٨) غير واضحة بالأصل، وقد تقرأ: "السندين". وفي (ب): "السند أي".
[ ١ / ٢٨٧ ]
"سأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة صلاة النَّبِيّ -ﷺ-". و"سألت" في محلّ خبر "أنّ".
وجملة "فقالت" معطُوفة [عليها] (١)، على معنى التفسير للسؤال، ولولا "الفاءُ" لكانت بَدَلًا منها.
و"بنت": صفة لـ "فاطمة". وأصْلُ "بنت": "بنوة". وليست "التاء" في ["بنت" و"أخت"] (٢) عَلامة للتأنيث.
قال سيبويه (٣): لو سَمّيت بهما رَجُلًا لصرفتهما مَعرفة؛ فلو كانت للتأنيث -كـ "فاطمة"-[لما انصرفتا] (٤).
فإنْ قلت: فما عَلامةُ التأنيث؟
فالجوابُ: أنهما أقيما مقَام عَلامَة التأنيث، وهي تعاقبهما، فـ "الهاء" في ["ابنة" لتأنيث] (٥) "ابن"، ثم حذفوا الهمزة، واستغنوا بصيغة "بنت" عن ["ابنة"] (٦) في قيام "التاء" مقَام "الهاء" في "ابنة". ولم [يحتاجوا إلي] (٧) "الهمزة"؛ لأنّ الأوّل مُتحرّك. وإنَّما أُبدِل إحداهما من الأخرى؛ لأنّ "الهاء" لما كانت عَلمًا للتأنيث، [ووجدت "التاء" عَلمًا] (٨) للتأنيث، أُبدِلت إحداهما من الأخرَى.
_________________
(١) أولها غير واضح بالأصل. وسقط من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. وبموضعه اضطراب في (ب). والمثبت من المصادر.
(٣) انظر: الكتاب (٣/ ٢٢١)، شرح المفصل (٣/ ٤٠٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "لانصرفا". والمثبت من المصادر.
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ابن".
(٧) "غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٢٨٨ ]
ولذلك يُقال مرَّة: "ابنة" بهمْزة الوصْل، تأنيث "ابن"، ومرّة "بنت" بغير همز. والأصلُ: "بنوة" و"بنو"، ثم نقص، فصَار "ابن"، وبقيت "بنت" تارة على أصْلها لأجْل "التاء"، ومرّة أدخلت عليها "الهمزة" كمُذَكِّرها، وذلك لأنّهم لما حَذَفُوا لامه تخفيفًا [عوّضوا] (١) "الهمزة" من أوّله على غير قياس، ثم سَكّنوا "الباء" تخفيفًا.
وقيل: إنهم سَكّنوا "الباء"، ثم جَلَبُوا "همزة" الوصْل؛ كيلا يبتدءوا بالسّاكِن.
وبهذا التعليل تبيّن لك أنّ "التاء" في "بنت" عوض من المحذوف، لا "تاء" التأنيث، وأنّ "التاء" في "ابنة" للتأنيث، ودخلت "الهمزة" لدخُولها على "ابن". انتهى الكلامُ على ذلك مختصرًا. (٢)
[قولُه] (٣): "أُسْتَحَاضُ": في محلّ الخبر.
قَال الشّيخُ تقي الدّين: ولم يُبن هذا الفعل للفاعل، كما في قولهم: "نفست المرأة" و"نتجت الناقة".
وأصلُ الكلمة من "الحيض"، والزوائد في "استحاض" للمُبالغة، كما يُقال: "قَرّ في المكان"، ثم يُزاد للمُبالغة فيه؛ فيُقال: "استقر"، و"أعشب المكان"، ثم تُبالغ فيه، فيُقال: "اعشوشب". (٤)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: سر صناعة الإعراب (١/ ١٥٩ وما بعدها)، (٢/ ٢٥٠)، شرح المفصل (٣/ ٤٠٧، ٤٦٧، ٤٦٨)، (٥/ ٣٩٧)، علل النحو (ص ١٧١ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٣٧ وما بعدها)، المحكم والمحيط الأعظم (١٠/ ٥٢١ وما بعدها)، لسان العرب (١٤/ ٨٩ وما بعدها)، تاج العروس (٣٧/ ٢٢٦ وما بعدها)، أصول النحو ٢، لمرحلة الماجستير، جامعة المدينة العالمية، (ص ٢٩١ وما بعدها).
(٣) بياض بقدر كلمة بالأصل. وسقط من (ب).
(٤) انظر: إحكام الأحكام (١/ ١٥٥)، الإعلام لابن الملقن (٢/ ١٨٠)، عقود الزبرجد =
[ ١ / ٢٨٩ ]
وقوله: "فلا أطهر": تحتمل "الفاء" السّببية؛ لأنّ كُلّ مُستحاضة لا يلزم استمرار الدّم بها.
وقوله: "لا أطهر": ولم تقُل: "لن أطهر"، دليلٌ على أنَّه كَان يُفارقها وقتًا ويلزمها وقتًا؛ لأنّ "لن" تنفي المستقبل بتأكيد، بخلاف "لا".
وعكس بعضهم (١)، فقال: "لن" لنفي ما قرب، و"لا" للنفي باستغراق.
وعلّل ذلك بعضهم (٢) بأنّ "لا" آخرها "ألِف"، و"الألِف" يُمكن امتداد الصوت معها، بخلاف "لن"؛ لأنّ "النون" لا يُمكن ذلك فيها، فيُعطَى كُلّ لفظٍ ما يُطابقُ معناه. (٣)
قلتُ: وفي هذا التعليل ما لا يخفي من الضّعف؛ إذ لا يُحْكَم على اللغة بالمعاني النحوية.
قولُه: "أفادَع الصَّلاة؟): "الهمزة" للاستفهام، وقد تقَدّم القول فيها في الحديث الرّابع من "باب الجنابة". و"الفاء" عاطفة، وإنَّما [تقدّمت] (٤) عليها "الهمزة" لما لها
_________________
(١) = (٣/ ٢٢١)، الكتاب (٤/ ٧٥)، إيجاز التعريف في علم التصريف (ص ٧٩)، شرح التصريح (٢/ ٦٦٣)، التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين (ص ٢٦٩)، الخصائص (٢/ ١٥٨)، المفتاح في الصرف (ص ٥١)، المفصل (ص ٣٧٤).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٦٦، ١٧٤)، الهمع (٢/ ٣٦٦).
(٣) انظر: همع الهوامع (٢/ ٣٦٦).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٦٦، ١٧٤)، الجنى الداني (ص ٢٧٠ وما بعدها)، المفصل (ص ٤٠٥، ٤٠٦، ٤٠٧)، علل النحو (ص ٥٦٣)، الأصول لابن السراج (١/ ٩٣)، نتائج الفكر (ص ١٠٠)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٢٩)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٣٧١، ٣٧٢)، شرح شذور الذهب للجوجري (٧/ ٥١٢)، همع الهوامع (٢/ ٣٦٤، ٣٦٥، ٣٦٦)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٦٩)، (٣/ ٢٦٤).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ١ / ٢٩٠ ]
من التصدّر (١). وتحتمل "الفاء" الزيادة. وللفاء أقسامٌ تقدّمت في السادس من "الاستطابة".
قولُه: "فقال: لا": "لا" حرفُ جواب، كما تقول: "نعم" و"بلى"، لكن "لا" في الجواب ضد "نعم" (٢).
فالتقدير: "لا تدعيها" (٣)، ولو ذُكِر جَاز.
[وجاءت] (٤) "لكن" على قاعدتها بين نفي وإثبات. ولكن إِذَا خُفّفت لا يجوزُ إعمالها، خلافًا للأخفش وليونس. (٥)
قال ابنُ هشام (٦) -﵀-: "لكن" ضربان، مخففة من الثقيلة، ومخففة بأصل الوضع. فإنْ وليها كلامٌ: فهي حرف ابتداء لمجرد إفادة الاستدراك، وليست عاطفة، ويجوز أن تُستعمَل بـ"الواو"، نحو قولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] وبدونها، نحو قول زهير:
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٣٨)، شواهد التوضيح (ص ٦٤)، الجنى الداني (ص ٣١)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ١٠٩)، شرح التصريح (٢/ ٦٧٤)، المدارس النحوية (ص ٢٨٦).
(٢) انظر: جامع الدروس العربية (٣/ ٢٥٥ وما بعدها).
(٣) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (١/ ٣٤٩)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٣٨)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٤٩٨).
(٤) قد تقرأ بالأصل: "فجاءت". وهي في (ب): "فجاءت".
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٨٥)، شرح المفصل (٥/ ٢٨ وما بعدها)، توضيح المقاصد (١/ ١٩٣، ٥٤٣)، الجنى الداني (ص ٥٨٦ وما بعدها إِلَى ٥٩٢)، أوضح المسالك لابن هشام (١/ ٣٦٦)، شرح الأشموني (١/ ٣٢٧)، شرح التصريح (١/ ٣٣٥)، (٢/ ١٩٠، ١٩١)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٨١١، ٨١٢)، الهمع للسيوطي (١/ ٥١٨)، الموجز في قواعد اللغة العربية (ص ٣٦٤).
(٦) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٨٥ وما بعدها).
[ ١ / ٢٩١ ]
إنَّ ابنَ وَرْقاءَ لا تُخْشَى بَوادِرُهُ لكِنْ وَقائِعُهُ [في الحَرْبِ] (١) تُنتَظَرُ (٢)
قال: وزعم "ابنُ أَبِي الربيع" أنّها حين اقترانها بـ "الواو" عاطفة جملة على جملة، [وأنّه ظاهر] (٣) قول سيبويه.
وإنْ وَليها مُفردٌ: فهي عاطفة، بشَرْطين: -
أحدهما: أنْ يتقدّمها نفي أو نهي، [نحو] (٤): "ما قام زيد، لكن عمرو". فإنْ قُلت: "قام زَيْدِ"، ثم جئتَ بـ "لكن"؛ جعلتها حرف ابتداء؛ فجئت بالجملة، فقلت: " [لكن] (٥) عَمْرو لم يقُم". وأجاز الكوفيون: "لكن عَمْرو" على العطف، وليس بمسْمُوع.
الشرط الثاني: أن لا تقترن بـ "الواو"، قاله الفارسي وأكثر النحويين.
وقال قوم: لا تُستعمَلُ مع المفرد إلّا بـ "الواو".
واختُلف في نحو: "ما قام [زيد] (٦)، ولكن عَمْرو" على أربعة أقوال: -
أحدها: ليونس، أنّ "لكن" غير عاطفة، و"الواو" عاطفة مُفردًا على مُفرد.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب). والمثبت من المصادر. وانظر: البحر المحيط (١/ ١٠٢)، مغني اللبيب (ص ٣٨٥).
(٢) البيتُ من البسيط، وهو لزهير بن أَبِي سُلمى. انظر: البحر المحيط (١/ ١٠٢، ٥٢٤)، الجنى الداني (ص ٥٨٩)، مغني اللبيب (ص ٣٨٥)، أوضح المسالك (٣/ ٣٤٦)، شرح الأشموني (٢/ ٣٨٧)، شرح التصريح (٢/ ١٧٦)، الهمع (٣/ ٢١٦)، المعجم المفصل (٣/ ٢٧٣)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٤٩).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من مغني اللبيب (ص ٣٨٥).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) سقط بالنسخ. والمثبت من مغني اللبيب (ص ٣٨٦).
[ ١ / ٢٩٢ ]
والثاني: لابن مالك، أنّ "لكن" غير عاطفة، و"الواو" عاطفة جملة حُذف بعضها على جملة صُرّح بجميعها.
قال: والتقدير في نحو: "ما قام زيد، ولكن عَمْرو": "ولكن قام عَمْرو"، ويُقدّر في: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]: "ولكن كان رسول الله". وعلّة ذلك: أنّ "الواو" لا تعطفُ مُفْرَدًا على مُفْرَد مخالفٌ له في الإيجاب والسّلب، بخلافِ الجُملتين المتعَاطفتين؛ فيَجُوز تخالفهما فيه، نحو: "ما قَام زَيد، ولم يقُم عمرو".
والثالث: لابن عصفُور، أنّ "لكن" عاطفة، و"الواو" زائدة لازمة.
والرَّابع: لابن كيسان، أنّ "لكن" عاطفة، و"الواو" زائدة غير لازمة.
وسُمع: "ما مررتُ برجُل صالح، لكن طالح" بالخفض؛ فقيل: على العطف، وقيل: بجَارٍّ مُقَدّر، أي: "لكن مررتُ بطالح "، وجاز إبقاء عمل الجار بعد حذفه لقُوّة الدّلالة عليه [بتقدّم] (١) ذِكْره. انتهى. (٢)
واختلف في "لكن"، هل هي مُرَكّبة أو بسيطة؟
فقيل: مُرَكّبة من "لا" النافية، و"كاف" الخِطَاب، و"أنّ "التأكيدية، وحُذفت "الهمزة" تخفيفًا. (٣)
_________________
(١) بالنسخ: "تقدم". والمثبت من مغني اللبيب (ص ٣٨٦).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٨٥ وما بعدها). وراجع: البحر المحيط (١/ ١٠٢، ٥٢٤)، شرح التصريح (٢/ ١٧٥ وما بعدها)، شرح المفصل (٤/ ٥٦٠ وما بعدها)، (٥/ ٢٨ وما بعدها)، الجنى الداني (ص ٥٨٦ وما بعدها إِلى ٥٩٢)، نتائج الفكر (ص ٢٠٠ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ٣٤٦)، شرح الأشموني (٢/ ٣٨٧)، الهمع (٣/ ٢١٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٤٩)، الموجز في قواعد اللغة العربية (ص ٣٦٤).
(٣) الصحيحُ: أنَّها بسيطة. وممن قال بأنها مُركبة: السهيلي. انظر: البحر المحيط =
[ ١ / ٢٩٣ ]
قال أَبُو حيّان: أحسَنُ مواقع "لكن" أن تكون بين مُتضادّين أو نقيضين. وفي وقوعها بين خِلافين خِلاف، نحو: "ما زَيْدِ قائم، [لكن] (١) ضاحك". واتفقوا على أنّها لا تقع بين مُتماثلين.
قال: ووقوعها في قولِه تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] أحسَنُ موقِع، لتقدّم النفي عليها، ومجيء الإيجاب بعدها، وطِباقُ الكَلام أن يُثْبَتَ ما بعد "لكن" على نحو ما نُفي قبلها، كالآية، ودخَلت "كان" مُشْعِرة على أنَّ ذلك كَان شَأنهم. (٢)
قولُه: "قَدْر الأيام": "قَدْر" ظرْف زَمَان؛ لأنّه أُضيف إِلَى زَمَان، وهو مُقَدّر بـ "في".
قولُه: "التي كُنت تحيضين فيها": حرْفُ الجر يتعَلّق بـ "تحيضين"، وجملة "تحيضين" في محلّ خَبر "كَان". وعَلامَة الرّفع في الفِعل: "النون"؛ لأنّه اتصل به ضَمير الواحِدة المؤنّثة (٣). و"كَان" واسمها وخبرها في محلّ صلة "التي". و"التي" مع صلتها وعائدها صفة للأيام.
قولُه: "ثم اغتسلي وصَلّي": معطوفٌ.
قال: "وفي رواية": أي: "رُوي" أو "جاء"، فيتعلق به حرف الجر، وتكون "ليس بالحيضة" فاعل إن قَدّرت "جاء"، أو مفعول لم يُسَمّ فاعله إن قَدّرت "رُوي".
و"ليس": من أخوات "كان"، وهي لا تتصرّف بحال، [ومعناها] (٤) نفي
_________________
(١) = (١/ ٥٢٤)، شرح المفصل (٤/ ٥٦٠، ٥٦١)، نتائج الفكر (ص ٢٠٠).
(٢) كذا بالنسخ. وفي البحر المحيط (١/ ٣٤٨): "ولكن هو".
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٤٨)، نتائج الفكر (ص ٢٠٠).
(٤) انظر: الجمل في النحو (ص ١٤٣، ٣٣١)، الكتاب (١/ ١٩)، الممتع الكبير في التصريف (ص ١٧١)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٦٥).
(٥) غير واضحة بالأصل. وسقط من "ب".
[ ١ / ٢٩٤ ]
الحال، كما هي هُنا. (١)
قال ابنُ هشام: وزْنها "فعِل" بكسر "العَين"، ثم التزم تخفيفه، ولم يُقَدّر "فعَل" بالفتح؛ لأنّه لا يُخفّف، وَلَا "فعُل" بالضّم؛ لأنّه لم يُوجَد في [يائي] (٢) "العَين" إلَّا في "هيُؤ". وسُمِع: "لُستُ" بضَمّ "اللام". (٣)
قلتُ: منهم مَن جَعَلها للنفي مُطْلقًا -يعني: الماضي والحال والاستقبال-[ومنهم] (٤) مَن خَصّ نفيها بالمستقبل، واستدلّ بقوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] فهي هنا لنفي المستقبل؛ لأنّ المراد: "يوم القيامة"، [وهو] (٥) مذهبُ ابن السرّاج. (٦)
وأبو عليّ الفارسي [على أنَّ] (٧) "ليس" [حَرْفٌ] (٨). واحتجّ بوقُوعها مَوقِع
_________________
(١) انظر: أسرار العربية (ص ١١٢)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٤٤٠)، علل النحو (ص ٢٤٦)، الجنى الداني (ص ٤٩٩)، شرح التصريح (١/ ٢٣٩)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٧٢، ٢٧٣).
(٢) بالنسخ: "باب". والمثبت من مغني اللبيب (ص ٣٨٧).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ٣٨٧)، شرح التصريف (ص ٤٣٩، ٤٤٠)، الجنى الداني (ص ٤٩٣ وما بعدها)، الهمع (١/ ٤١٨، ٤٢٢).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: الأصول لابن السراج (١/ ٢٧)، مغني اللبيب (ص ٣٨٧)، شرح التسهيل (١/ ٣٨٠)، شرح القطر (ص ١٣٣)، شرح المفصل (٤/ ٣٦٩، ٣٧٠)، الجنى الداني (ص ٤٩٤، ٤٩٩)، الهمع (١/ ٤١٨)، النحو الوافي (١/ ٥٩٩). وما وجدته في المصادر هو أنّ ابن السراج والفارسي يقولان بحرفيتها، لكن ابن السرّاج منع تقدّم خبرها عليها، وأجازه الفارسي، واستدل بآية سورة هود.
(٧) كشط بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) في (ب): "حرفًا"، وقد تقرأ هكذا بالأصل.
[ ١ / ٢٩٥ ]
"لا" عوضًا عن حَذف النون المخفّفة من الثقيلة في قولِه [تعالي] (١): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وكذلك قولهم: "ليس الطِّيب إلَّا المسْك" على الابتداء والخبر، [أي: "ما] (٢) الطِّيب إلَّا المسْك"، فـ "المسْك" بدَلٌ من "الطِّيب" لأنّه بعضه. (٣)
فقَوله هُنا: " [وليس] (٤) بالحيْضة": اسمُها: ضميرٌ يعُود على الخَارج، أي: "ليس الخارج بالحيْضة". و"الباء" زائدة (٥) في الخبر، لا تتعلّق بشَيءٍ.
قولُه: "فإذا أقبَلَت الحيْضَة فاترُكي": "إِذَا" تقدّمَت في الحديث الثاني من أوّل الكتاب، وتقَدّم حُكْمُ [جَوابها] (٦) والعامل [فيها] (٧).
و"الحيْضة": بكسر "الحاء" فيهما، يُريد الحالة. (٨)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيَّان (٨/ ١٧)، شواهد التَّوضيح (ص ١٩٩)، عقود الزبرجد (٢/ ٤٢)، الكتاب (١/ ٧١)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ٣٢١، ٣٢٢)، شرح التسهيل (١/ ٣٧٩)، الجنى الداني (ص ٤٩٣ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٣٨٧)، أوضح المسالك (١/ ١٢)، الهمع (١/ ٤٢٣)، شرح المفصل لابن يعيش (٤/ ٣٦٩، ٣٧٠)، شرح الشذور لابن هشام (١/ ٢٦)، شرح القطر (ص ١٣٣، ١٥٤)، المزهر في علوم اللغة وأنواعها (١/ ٢٠٤)، (٢/ ٢٤٠، ٢٤١).
(٤) راجع ما سبق في نص الحديث من اختلاف نسخ "العُمدة" والمصادر.
(٥) انظر في أقسام "الباء": الجنى الداني (ص ٣٦ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها، ١٤٧)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٩)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٥٥ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٤١٦ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٦٨ وما بعدها).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٣٩)، إحكام الأحكام (١/ ١٥٧)، الإعلام =
[ ١ / ٢٩٦ ]
وقد استغنت العَرَب في الفصيح بـ "تَرَك" عن: "وَدَع، و"وَذَر"، وعن اسم فاعليهما بـ "تَارك"، وعن اسم مفعوليهما بـ "متْروك"، وعن مصدرهما بـ "الترك". وسُمع: "وَذر" و"وَدع". (١)
الحديث الثاني:
[٤٢]: عَن عَائِشَةَ -﵂-، أَنَّ أُمُّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهَ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَمَرَهَا أنْ تَغْتَسِلَ. [فكَانَتْ] (٢) تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ (٣).
قولُه: "أُم حبيبة": تقدّم إعرابُ ما قبله. و"حبيبة": لا ينصرفُ؛ للعَلَمية والتأنيث (٤). ومحلّ "أنَّ" مع اسمها وخبرها: رفع، مفعول لم يُسمّ فاعله لـ "رُوي".
وقوله: "سَبع سنين": ظرْفٌ، ومخفُوض به؛ لأنّه عَدد زَمَان، وعَددُ الزمان ظَرفٌ كاسمه، وما أُضيف إليه. (٥)
و"سنين": جمعُ "سَنة". و"سَنة" أصله: "سنوة"؛ لقولهم: "سنوات". ويجُوز أنْ تكُون "الهاء" أصْلًا، ويكُون أصله: "سنهة"؛ لقولهم: "سنة" "سَنهَا [ت] (٦) "
_________________
(١) = لابن الملقن (٢/ ١٨٢)، النظم المستعذب (١/ ٤٥)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٣/ ٧٦)، المصباح (١/ ١٥٩).
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيَّان (١٠/ ٤٩٦)، الكتاب لسيبويه (٤/ ٦٧)، إسفار الفصيح (١/ ١٨٥، ٢٣٠، ٥٦٩)، شرح التصريح (٢/ ٤١)، الهمع للسيوطي (٣/ ٢٢)، جامع الدروس العربية (١/ ٦٤).
(٣) كذا بالنسخ. وفي "العُمدة" (ط الثقافة، ص ٥٠): "قالت: فكانت".
(٤) رواه البخاري (٣٢٧) في الحيض، ومسلم (٣٣٤) (٦٤) في الحيض.
(٥) راجع: المفصل (ص ٣٥)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٥٢)، اللمحة (٢/ ٧٥٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٣١).
(٦) انظر: تفسير ابن عرفة (١/ ٨٥).
(٧) سقط من النسخ. والمثبت من المصادر. انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٢٣)، شرح شذور =
[ ١ / ٢٩٧ ]
و"عاملته مُسانهة". والأوّل مذهب سيبويه؛ لقولهم: "سانيت"، و"أسنى" من "السانية"، و"أسنيت" بإبدال "الواو" ياءً. (١)
قال ابن مالك (٢): وقد أجرى "سنين" مجرى "حين" قومٌ، وذلك في أمور: -
أحدها: أنّ "الياء" تلزمها رفعًا ونصبًا وجرًّا، كما تلزم في "حين".
والثاني: أَنه يُعرَب بالحركات على "النون"، كما يُعرَب "الحين".
الثالث: أنّ نُونه تُنَوّن، كما يُنوّن "الحين".
الرابع: أنّ نُونه لا تُحْذَفُ للإضافة، تقُول: "هذه سنون"، و"رأيت سنينا"، و"عجبتُ من سنين"، و"هذه سنينك"، قال الشاعر:
دَعانيَ منْ نَجْدٍ فإنَّ سِنينَهُ لَعِبْنَ [بنا] (٣) شيبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدًا (٤)
_________________
(١) = الذهب لابن هشام (ص ٧٥)، المصباح (١/ ٢٩٢)، لسان العرب (١٣/ ٥٠١).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٢٣)، الكتاب (٣/ ٤٥٢، ٤٩٥، ٤٩٦)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٧٩)، المقتضب (٢/ ٢٤١)، الصحاح (٦/ ٢٣٨٣، ٢٣٨٤)، المصباح (١/ ٢٩٢)، لسان العرب (١٣/ ٥٥١)، (١٤/ ٤٠٥)، تاج العروس (٣٦/ ٤٠٨)، (٣٨/ ٣١٥)، شرح شذور الذهب لابن هشام (ص ٧٥)، أثر القراءات القرآنية في الصناعة المعجمية تاج العروس نموذجًا، للقادوسي، (ص ١٤٣).
(٣) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ١٩٤)، شرح ابن عقيل (١/ ٦٥).
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من المصادر.
(٥) البيتُ من الطويل، وهو من قول "الصمة بن عبد الله القشيري". وقد جاءت الرواية "سنينه" بإثبات النون، ولم تسقط للإضافة، وعلامة نصبه الفتحة لا الياء، وإلا لقال: "فإنّ سنيّه". انظر: خزانة الأدب (٨/ ٦٠، ٦٢)، شرح التصريح (١/ ٧٥)، شرح المفصل (٣/ ٢٢٨)، لسان العرب (١٣/ ٥٠١)، المخصص (٢/ ٤٠٢)، المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ٢٢٠)، المعجم المفصل (٢/ ١٨٨).
[ ١ / ٢٩٨ ]
فعَلامَةُ النصْب هُنا: فتحة "النون"، لا "الياء"، بدليل أنه أثبت "النون" مع الإضافة. (١)
وفي الحديث: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ" (٢)، على إجرائه مجرى جمع المذكّر، وهذه الرّواية المشهورة. ويُروَى: "سِنِينًا كَسِنِينَ يُوسُفَ" (٣) بعدم حَذْف "النون"، وتنوين "سنينًا". (٤)
واعلم [أنّه] (٥) يجري في "بنين" ما جَرى في "السنين"، تقول: "هذه بنينٌ"، و"رأيتُ بنينًا"، و"مررتُ ببنين". قال الشاعر:
وَكَانَ لَنَا أَبُو حَسَنٌ عَلِيّ أبًا بَرًّا وَنَحْنُ لَهُ بنين (٦)
_________________
(١) انظر: شرح الكافية الشافية (١/ ١٩٣ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٣٣٥)، شرح ابن عُقيل (١/ ٦٤ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٦٣ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٧٥)، إيضاح شواهد الإيضاح (٢/ ٨٧١)، المفصل (ص ٢٣٦)، شرح المفصل (٣/ ٢٢٨)، خزانة الأدب (٨/ ٦٠)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٣٠).
(٢) متَّفقٌ عليه: البخاري (٨٠٤) ومُسلم (٦٧٥/ ٢٩٥)، عن أَبِي هُريرة.
(٣) ورد هذا اللفظ في "مسند الإِمام الشافعي، بترتيب السندي" (ط العلمية، ١/ ٩٤/ برقم ٢٦٨). ورُوي بنحوه "سنينًا كسني" في "مُسند السراج" (ط باكستان، ص ٣٩٨، رقم ١٣٠١)، وفي "مُستخرج أَبِي عوانة" (ط المعرفة، ٢/ ٢٤/ برقم ٢١٧٧). وروي في المسند (ط قرطبة، رقم ١٠٧٦٤): "سنين كسنين يوسف".
(٤) انظر: توضيح المقاصد والمسالك (١/ ٣٣٥)، شرح ابن عُقيل (١/ ٦٥)، شرح الأشموني (١/ ٦٤)، المصباح (١/ ٢٩٢)، النحو المصفى (ص ٦٤، ٦٥).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "أن".
(٦) البيتُ من الوافر، وهو لأحد أولاد على بن أبي طالب أو لسعيد بن قيس الهمداني. ويُروى البيت أيضًا: "وَأَن لنا أَبَا حسنٍ عليًا أبٌ برٌّ وَنحن لَهُ بَنِينَ". انظر: أوضح المسالك (١/ ٧٧)، شرح التصريح (١/ ٧٥)، خزانة الأدب (٨/ ٦٠، ٧٥، ٧٦، ٧٧)، المعجم المفصل (٨/ ١٤١).
[ ١ / ٢٩٩ ]
وكذلك قالوا: يجري في جمع المذَكّر السّالم كُله هذه اللغة. (١)
الحديث الثالث
[٤٣]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂-، قَالَت: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلانَا جُنُبٌ" (٢).
"وَكَانَ يَأمُرُنِي فَأتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ" (٣).
"وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ" (٤).
قولُه: "أغتسل": جملة في محلّ خبر "كان"، و"كان" مع اسمها وخبرها مفعول بالقول، والقولُ معمول للفعل المقدَّر الذي يتعلّق به حرف الجر.
و"أنا": تأكيدٌ لضمير الفاعل في "أغتسل"، مُصَحِّح للعَطف. (٥)
ويجوزُ النصبُ في "رسُول الله" بواو "مع". (٦)
_________________
(١) انظر: الجمل في النحو (ص ٢٤٣)، شرح الكافية الشافية (١/ ١٩٤ وما بعدها)، أوضح المسالك إِلَى ألفية ابن مالك (١/ ٧٧، ٨٠)، شرح التصريح (١/ ٧٥)، ضرائر الشِّعْر (ص ٢١٩)، شرح التسهيل (١/ ٨٥)، دليل الطالبين لكلام النحويين (ص ٢٤)، خزانة الأدب (٨/ ٧٥، ٧٦)، المخصص (٥/ ١٩٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٣٠).
(٢) رواه البخاري (٢٩٩) في الحيض، ومسلم (٣٢١) في الحيض.
(٣) رواه البخاري (٣٠٠) في الحيض، ومسلم (٢٩٣) في الحيض.
(٤) رواه البخاري (٣٠١) في الحيض، ومسلم (٢٩٧٩) (٨) في الحيض.
(٥) انظر: فتح الباري (١/ ٣٦٣)، عمدة القاري (٣/ ١٩٠، ١٩٦)، إرشاد الساري (١/ ٣٢٨)، تحفة الأحوذي (١/ ١٦٤)، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (٣/ ٨١٢).
(٦) انظر: فتح الباري (١/ ٣٦٣)، إرشاد الساري (١/ ٣٢٨)، عقود الزبرجد (٣/ ٢٠٨)، مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٨٣١)، علل النحو (ص ٣٢٠).
[ ١ / ٣٠٠ ]
وتقَدّم أنّ جملة "﵂"، وجملة "ﷺ" مُعترضتان، لا محلّ لهما من الإعراب، وقد تقدّم عَدّ الجمَل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل.
وأجَاز الكُوفيّون العطْفَ على الضّمير المرفُوع بغير تأكيدٍ وَلَا فصْل. (١) وتقَدّم الكَلامُ على العَطْف على الضمير المرفُوع في الثاني من "الجنابة".
قولُه: "من إناءٍ واحد": يتعلّق بـ "أغتسل"، و"واحد" صفة لـ"إناء".
قولُه: "كِلانا جُنُب": مُبتدأ وخَبر، وعَلامةُ الرفْع في "كلانا" الألف؛ لأنه محمُولٌ على المثنّى، وليس بمُثنى عند الأكثرين؛ وكذلك "اثنان"، محمولٌ على المثنى، وليس بمُثنى عند الأكثرين.
وإنَّما أعرب "كِلا" إِذَا أُضيف إِلَى مُضْمَر إعْرابَ المثنى؛ لأنّ المضمَر المجرور مُتصل بما قبله، وصَار "كلا" مع ما أضيف إليه بمنزلة الكلمة الواحدة؛ فأشبه المثنى.
وأمَّا إِذَا أُضيف إِلَى مُظْهَر - نحو: "كِلا الرجلين" - فالمضَافُ إليه مُنفَصلٌ عما قبله، فلا يكُون "كِلا" مع ما بعده كَلمة واحدة.
و"كِلا" في نفْسه مُفْرَد، وإنْ كَان في المعنى مُثنىً؛ فليس مُشَابهته للمُثنى كمُشَابهة المضَاف إِلَى المضْمَر.
ومن الدّليل على أنَّ "كِلا" مُفْرَد: قولُه تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣]، ولم يقل: "آتتا"، وبقوله:
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ١٠)، إرشاد الساري (١/ ٣٢٨)، عقود الزبرجد (٣/ ١٧٩، ١٨٠)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٣٨٨ وما بعدها)، الأصول في النحو (١/ ٣٣٦)، علل النحو (ص ٣٢٠)، توضيح المقاصد (٢/ ٦٦٥)، شرح ابن عُقيل (٣/ ٢٣٩)، أوضح المسالك (٣/ ٣٥٠ وما بعدها)، المدارس النحوية (ص ٥٠).
[ ١ / ٣٠١ ]
كِلانا يا يزيدُ يُحِبُّ لَيْلَى بِفيَّ وفيكَ مِنْ لَيْلى التُّرَابُ (١)
فقال: "يُحبّ"، ولم يقُل: "يحبان".
وقيل: لها مُفْرَد. واختُلف فيه؟ فقيل: "كِلا" و"كِلْتا" مثله، إلَّا أنّ [تاءه] (٢) عند البصريين - غير الجرمي - بَدَل من "واو"؛ فأصله "كِلْوَا" (٣)، وألِفه للتأنيث. وزائدة (٤) عند الجرمي، وألِفه مُنقلبة عن "واو"، ووزنها (٥) عنده: "فِعْتَل". وقيل غير ذلك. (٦)
_________________
(١) البيتُ من الوافر، وهو لمزاحم العقيلي. وهو في "مجمع الأمثال": "كلانا يا معاذُ نحبُّ لَيْلى بِفيّ وفيك من ليلى الترابُ". وفي "الفتح على أَبِي الفتح": "كلانا يا أخي بحي ليلى بفيّ وفيك من ليلى التراب". انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٦٢)، مجمع الأمثال للميداني (١/ ٩٦)، الفتح على أَبِي الفتح، لابن فُورَّجَة البروجردي (المتوفى نحو ٤٥٥ هـ)، ط العراق، (ص ٢١٥)، المعجَم المفصّل (١/ ١٥٤).
(٢) بالنسخ: "تاءه". وانظر: ليس في كلام العرب لابن خالويه (ص ١٤٢).
(٣) فوزنها: "فِعلى". وانظر: المدارس النحوية (ص ١١٥).
(٤) أي: التاء.
(٥) أي: "كلتا".
(٦) انظر: الإنصاف في مسائل الخلاف (٢/ ٣٥٩ وما بعدها)، أسرار العربية (ص ٢٠٨ وما بعدها)، الصحاح (٦/ ٢٤٧٧)، سر صناعة الإعراب (١/ ١٦٢)، علل النحو (ص ٣٨٩ وما بعدها)، درة الغوّاص (ص ١٢٢، ١٢٣)، ليس في كلام العرب (ص ١٤٢، ١٤٣)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٤٥٤ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٨١٤)، نتائج الفكر (ص ٢٢٠ وما بعدها)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٣٩٨ وما بعدها)، (٢/ ٣٣٨)، اللمحة (٢/ ٧١٣، ٧١٤)، مغني اللبيب (ص ٢٦٨ وما بعدها)، شرح الأشموني (١/ ٥٦، ٥٧)، شرح التسهيل (١/ ٦٧ وما بعدها)، (٣/ ٢٤٥)، توضيح المقاصد (٣/ ١٤٦٢)، شرح المفصل (١/ ١٥٨ وما بعدها)، (٢/ ٣١٤)، (٣/ ٤٦٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٢٧ وما بعدها). ومن المصادر يتبين أنّ مذهب الكوفيون في "كلا" و"كلتا" أنّ فيهما تثنية لفظية =
[ ١ / ٣٠٢ ]
وجاء هُنا في الحديث: "كِلانا جُنب": لفظُ "الجنب" في الإفراد والتثنية والجمع لفظ واحد، وجاء تثنيته وجمعه. وَلَا يكونُ فيه دَليلٌ على إفراد "كِلا"؛ لأنه مَصْدَر (١).
وقد تقَدّم في الحديث الخامس من أوّل الكتاب.
قولُه: "وكان يأمُرني فَأَتَّزِرُ": يُقَال: "أزّرته، فاتّزر"، و"تأزّر إزْرَةً حَسَنَة"، ومنه في الحديثِ: "إِزْرَةُ (٢) الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ" (٣)، مثل "الجِلْسَة".
و"الإزارُ" مَعْرُوفٌ، ويُذَكّر ويُؤَنّث، وجمعُه: "أُزُر" في الكثرة، و" [آزِرَة] (٤) " في القِلّة، مثل: "حمار، وأحمرة، وحُمُر".
وأصْلُ الفعل: " [ائتزر] (٥) "، قُلبت "الهمزةُ" الثّانية "تَاءً" وأُدْغِمَت في "التاء"، كما أُدغِمَت في "اتَّسَرَ، و"اتّزَر" و"اتّعَد". (٦)
_________________
(١) = ومعنوية، وأصل "كلا": "كل"، فخفّفت "اللام"، وزيدت "الألف" للتثنية، وزيدت "التاء" في "كلتا" للتأنيث، والألف فيهما كالألف في "الزيدان"، و"العمران"، ولزم حذف نون التثنية منهما للزومهما الإضافة. بينما ذهب البصريون إِلَى أنّ فيهما إفرادًا لفظيًّا وتثنية معنوية، والألف فيهما كالألف في "عصًا"، و"رحًا". وهو الصواب.
(٢) انظر: البحر المحيط لأبي حيَّان (٣/ ٦٥٠، ٦٥١)، عقود الزبرجد (١/ ٤٦١)، المصباح المنير (١/ ١١١).
(٣) الإِزرة، بالكسر: الحالة، وهيئة الائْتِزَارِ. انظر: لسان العرب (٤/ ١٧).
(٤) صحيحٌ: رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٩٦٢٩، ٩٦٣٢) من حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيد الخدري، ورواه ابن ماجة في سننه (٣٥٧٣)، وأحمد في "المسند" (٣/ ٦/ برقم ١١٠٤٢)، من حَدِيث أَبِي سَعِيد. وصحّحه الشيخ الألباني في "صحيح الجامع الصغير وزياداته" (١/ ٢٢٠/ برقم ٩١٩).
(٥) بالنسخ: "أأْزِرَة". والمثبت من المصادر. وفي "المحكم والمحيط الأعظم" (٩/ ٧٥): "والجمعُ: آزِرَةٌ، وأُزُرٌ حجازية، وأُزْرٌ تميمية".
(٦) بالنسخ: "اتّزر".
(٧) انظر: البحر المحيط (١/ ٣١٧، ٣١٨)، الإعلام لابن الملقن (٦/ ٥٠)، الكتاب =
[ ١ / ٣٠٣ ]
[وإنْ كان أصله " [اوتزر] (١)، و[ايتسر"] (٢)؛ قال جمالُ الدّين بن مالك: ما كَان على وَزْن "افتعل" مِمَّا فاؤه "واو" أو "ياء"، فإبدَالُ فائه "تاء" لازمٌ في اللغة المشْهُورة، نحو: "اتّصل يتصل" و"اتّسر يتسر"، فـ "التاءُ" الأولى (٣) بَدَلٌ من "واو"، وفي "اتّسر" بَدَلٌ مِن "ياء".
وإن [كانت] (٤) "فاءُ" ما وَزْنه "افتعل" همزة: أُبدلت "يَاءً" بعد هَمْزة الوَصْل، مَبْدُوءًا بها، نحو: "ايتمر" و" [ايتمار] (٥) "، وألِفًا بعد "همزة" المتكلِّم، نحو: " [آتمر] (٦) "، وسَلِمَت فيما سوى ذلك، نحو: "يأتمر، [ائتمارًا] (٧)، فهو مُؤْتمِر".
_________________
(١) = لسيبويه (٣/ ٦٠١)، شرح المفصل (٥/ ٢٧٩)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٣٥٣، ٣٥٤)، شرح الأشموني (٤/ ٩٩)، سهم الألحاظ في وهم الألفاظ لابن الحنبلي (ص ٤١)، الصحاح (٢/ ٥٧٨)، المحكم والمحيط الأعظم (٩/ ٧٥)، المصباح المنير (١/ ١٣)، لسان العرب (٤/ ١٦ وما بعدها)، النظم المستعذب (بالمقدمة ص ٢٨، ١/ ٧٢)، القاموس المحيط (ص ٣٤٣)، تاج العروس (١٠/ ٤٤)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٢٣، ١٢٤).
(٢) كذا بالنسخ. وقد وجدته في بعض المصادر: "ايتزر".
(٣) هذه الجملة قد تكون مُتعلّقة ومُتصلة بالفقرة السابقة.
(٤) أي: في "اوتزر".
(٥) بالنسخ: "كان". والمثبت من "شواهد التوضيح" (ص ٢٣٨).
(٦) بالنسخ: "ايتمن". والمثبت من "شواهد التوضيح" (ص ٢٣٨).
(٧) بالنسخ: "أاتمر". والمثبت من "شواهد التوضيح" (ص ٢٣٨).
(٨) كذا بالنسخ، وهو ما في "عقود الزبرجد" (٣/ ٢٠٥). وليست في "شواهد التوضيح" (ص ٢٣٨)، وذكر محققه بالهامش أنّ الموجود في نُسَخِه: (يأتمر ائتمارًا فهو مؤتمر)، وأنَّ كلمة "ائتمارا" هنا زائدة؛ لأنَّها على وزن "افتعل"، والهمزة لا تسلم فيها، وأنّ المؤلف قد ذكر اللفظة قبل سطر فيما تبدل فيه الهمزة ياء، وأنه - أي: المحقّق - لذلك حذفها من المتن.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وقد شُبّه هذا [النوع] (١) بما فاؤه "واو" أو "يَاء"؛ فتجيء [بها] (٢) مُشَدّدة قبل "العَين"، لكنّه مقْصُورٌ على السّماع، كـ " [اتّزر] (٣) " و"اتّكل" (٤). وسيأتي جملة من القَول على ذلك في الثّاني عشر من "باب الجنائز" عند الكَلام على "اتخذ".
قولُه: "فَأتَّزر": فِعْل مُضَارع، مرفُوعٌ بالعَطْف على "يأمُرني"، وكذلك: "فيُباشرني". ويجوز فيهما النصب، بتقدير فِعْل الأمر، أي: "يقول: اتّزري؛ فآتّزر"، كما قيل في قولِه تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، قيل: التقدير: "قُل لعبادي: أقيموا؛ يُقيموا"، والمعنى هنا: "اتّزري، فآتَزر". وقد اعُترض على هذا؛ فليُنظَر في موضعه. (٥)
وجملة قولُه: "وأنا حَائض": في محلّ الحال من ضَمير المفعُول في "يُباشرني"، ويحتمل أن تكُون الحال من ضَمير الفَاعِل.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الثوب". والمثبت من "شواهد التوضيح" (ص ٢٣٨).
(٢) كذا بالنسخ. وفي "شواهد التوضيح" (ص ٢٣٨): "بتاء".
(٣) بالنسخ: "ايتزر". والمثبت من "شواهد التوضيح" (ص ٢٣٩).
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٣٨، ٢٣٩)، عقود الزبرجد (٣/ ٢٠٥). وراجع: البحر المحيط (١/ ٣١٧، ٣١٨)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٣٥٣، ٣٥٤)، المفصل لابن يعيش (ص ٥٢٤)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٣/ ٨٣)، شرح شافية ابن الحاجب للركن (٢/ ٨٧٠، ٧٣٢)، توضيح المقاصد والمسالك (١٨/ ١٦٣ وما بعدها)، شرح الأشموني (٤/ ٩٩، ١٣٣، ١٣٤)، شرح التصريح (٢/ ٧٣٦ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٢٣، ١٢٤).
(٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٣٧، ٤٣٨)، (٧/ ٦٦)، عقود الزبرجد (٢/ ٢٢٩)، المقتضب (٢/ ٨٤)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٥٦٩)، الجنى الداني (ص ١١٣)، مغني اللبيب (ص ٨٤٠)، أمالي ابن الحاجب (١/ ٢٣٥)، شرح التصريح (٢/ ٧٠٤)، شرح الأشموني (٤/ ٩٩)، علل النحو (ص ٢٩٩)، الهمع (٢/ ٥٣٩).
[ ١ / ٣٠٥ ]
قولُه: "وكان يُخرجُ رأسَه إليّ": حَرْفُ الجرّ يتعلّق بـ "يُخرج"، وجملة "يُخرج" في محل الخبر.
قولُه: "وهو مُعْتكِفٌ": في محلّ الحال من فَاعِل "يُخرج".
وجملة: "وأنا حَائضٌ": في محلّ الحَال مِن فَاعِل "فأغسله"، أو مِن فَاعِل "يُخرج".
الحديث الرابع
[٤٤]: عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -[يَتَّكِيءُ في حِجْرِي، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَأَنَا حَائِضٌ] (١) " (٢).
"يتَّكِئُ في حِجْري": جملة في محلّ خبر "كَان"، وحَرْفُ الجر يتعلّق بـ "يتَّكئ".
و"يتَكئُ": مهمُوزُ الآخر.
ويُقال: "حجر"، بفتح "الحاء" و"كسْرها". وأمّا "الحجر": "الحرَام"؛ فبالفتح والكَسْر والضّم، وقُرئ بهن (٣) في قولِه تعالى: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]. (٤)
قوله: "فيقرأ": معطوفٌ على "يتّكئ". والألِفُ واللام في "القُرآن" لتعريف العَهْد؛ لأنّها أرادت "ما قرأه - ﷺ -"، ويحتمل الجنس.
وجملة "وأنا حائض": في محلّ الحال من فاعل "يقرأ" أو من فاعل "يتّكئ"، أي:
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من "العُمدة" (ص ٥١).
(٢) رواه البخاري (٢٩٧) في الحيض، ومسلم (٣٠١) في الحيض.
(٣) انظر في توجية القراءات: البحر المحيط (٤/ ٦٥٩).
(٤) انظر: الإعلام لابن الملقن (١/ ٦٨١)، (٢/ ٢٠٠)، الصحاح (٢/ ٦٢٣)، المصباح المنير (١/ ١٢١، ١٢٢)، لسان العرب (٢/ ٢٣٤)، (٤/ ١٦٦، ١٦٧)، تاج العروس (١٠/ ٥٣٠، ٥٣١)، مُختار الصحاح (ص ٦٧).
[ ١ / ٣٠٦ ]
"يتّكئ وأنا حائض في حِجْري"، وهو أحسَنُ، وَلَا يصح أن تكون حالًا من الضمير المضاف إليه في قولِه: "حِجْري"؛ لأنّ الحالَ من المضَاف إليه ضَعيفة، إلَّا إِذَا: -
١ - كانت الإضافة لفظية، نحو: "هذا ضارب زَيْد الآن قائمًا"؛ لأنّ المضاف إليه مفعول في المعنى، والنية به الانفصال.
٢ - أو يكون المضافُ جُزءًا من المضَاف إليه، نحو قولُه تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: ٤٧]؛ لأنك لو حَذفت المضاف وأقمت المضاف إليه لتمّ المعنى.
٣ - أو يكون بين المضَاف والمضاف إليه مُلابَسَة، نحو قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، ومُسَوّغ الفتحة فيه ما ذُكر. وقيل: "حنيفًا" حالٌ من ضمير "اتبع". (١)
وجاءت الحالُ هنا بـ "الواو" وحدها، وهو أرْجَحُ من مجيئها بالضمير وحده، وإن كان جائزًا، خِلافًا للفرّاء والزَّمخشري. ومِمَّا جاء من ذلك: "كلمتُه فُوهُ إِلَى في" (٢).
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ٦٤٦، ٦٤٧)، (٦/ ٤٨٢)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٦١)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٠٧، ٧٠٧)، أوضح المسالك (٢/ ٢٦٩، ٢٧٥)، شرح ابن عُقيل (٢/ ٢٦٧ وما بعدها)، نتائج الفكر (١/ ٢٤٥، ٢٤٦)، همع الهوامع (٢/ ٣٠٥، ٣٥٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ٨٠ وما بعدها).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٦٤)، عُقود الزَّبرجَد (١/ ١٨٦)، (٢/ ٩٢، ٩٣، ٤٣٢، ٤٥٨)، الكتاب (١/ ٣٩١)، المفصل (ص ٩٢)، الفصول المفيدة (ص ١٦١، ١٦٩، ١٧٠)، شرح التسهيل (٢/ ٣٦٥ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٩/ ٧١٢، ٧٢٠، ٧٢٤)، مُغني اللبيب (٧٨٩)، اللمحة (١/ ٣٩٢، ٣٩٣)، شرح ابن عُقيل (٢/ ٢٧٨، ٢٧٩)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٥٧ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٣٢٢، ٣٢٦)، موصل الطلاب (ص ٣٩)، حاشية الصبان (٢/ ٢٨٥)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٠١، ١٠٣، ١٠٩، ٢٨٦)، النحو الوافي (٢/ ٣٩٨).
[ ١ / ٣٠٧ ]
وتقدّم الكَلامُ على "كان" في الحديث الأوّل من أوّل الكتاب، وعلى "في" في الحديث الرابع من أوّل الكتاب، وتقدّم أيضًا على "الفاء" في الحديث السادس من "الاستطابة".
وجملة "ﷺ" و"﵂" مُعترضان، [وتقدّم] (١) أيضًا ذلك.
الحديث الخامس
[٤٥]: عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - فَقَلتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضي الصَّوْمَ، وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ: "كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فنَؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّوْم، وَلا نُؤَمَّرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ" (٢).
قولُه: "عن مُعَاذَةَ": "مُعَاذَة" لا ينصرفُ؛ للعَلمية والتأنيث، وكذلك "عَائِشَة". (٣) وحَرفُ الجر يتعلّق بفعل محذوف، أي: "رُوي". وتقَدّم أنّ القائمَ مقام الفاعل: "قالت"، بتقدير "أنّ" المشدّدة المصْدَرّية، أي: "أنّها قالت". (٤)
قولُه: "ما بالُ الحائض ؟ ": "البالُ": "الحال"، يُقال: "ما بالنا؟ " أي: "ما حالنا؟ ". و"البالُ": " [القَلْب] (٥) "، [تقُول: "ما خَطَر] (٦) فُلانٌ ببالي". و"البالُ":
_________________
(١) بالأصل: "وفقد". والمثبت من (ب).
(٢) رواه البخاري (٣٢١) في الحيض، ومسلم (٣٣٥) في الحيض.
(٣) راجع: المفصل (ص ٣٥)، شرح الكافية الشافية (١/ ٢٥٢)، اللمحة (٢/ ٧٥٨)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٣١).
(٤) راجع: شرح القطر (ص ١٩٠)، شرح ابن عُقيل (٢/ ١٢٧)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٤٦ وما بعدها).
(٥) بالنسخ: "العقل". والمثبت من "الصحاح". وسيكرّر الشيخ ابن فرحون ذكره ثانية بموضع آخر على الصّواب.
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب) والمصادر.
[ ١ / ٣٠٨ ]
"رخَاءُ النفس"، يُقال: " [فلانٌ رخي] (١) البال". و"البال": "حُوتٌ عَظيمٌ من حيتان البحر"، قال الجوهري: ليس بعَرَبي. و"البالة": وعاءٌ للطيب، فارسي، وأصله بالفارسية: "بيلَهْ". (٢)
قولُه: "ما ؟ ": "ما" استفهامية، بمعنى: "أي شيء"، مبنية؛ لتضمنها [معنى] (٣) حرْف الاستفهام، ومحلّها رفعٌ بالابتداء. (٤) و"بال": الخبر.
وجُملة "تقضي الصَّوم": في محلّ الحال من "الحائض"، وإِن كان مضافًا إليه؛ للمُلابَسَة التي بين المضَافِ والمضَاف إليه (٥)؛ لأنّ "بالُ الحائض" صفتها، وهي حَالٌ مُقَدَّرة، لا مُقَارنة؛ لأنّه ليس المراد السؤال عن أمرها في حَال قَضَائها.
قولُه: "أحرورية أنتِ؟ ": "الهمزةُ" للإنكار، لا للاستفهام المحْض. (٦)
و"حرورية": خبرٌ مُقَدَّم. و"أنتِ": مُبتدأ.
وتقَدّم خبرها هُنا مقصُودٌ لعائشة - ﵂ -؛ لأنّها قرنت به همزة الاستفهام، ومتى
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب) والمصادر.
(٢) انظر: الصّحاح (٤/ ١٦٤٢)، لسان العرب (١١/ ٧٥)، المخصّص (٤/ ٤٩).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (٨/ ٥٠٧)، شرح المفصل (٢/ ٤٠٥)، إسفار الفصيح (٢/ ٨١٦)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ١٢٣)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٤/ ٦٢)، النحو الوافي (١/ ٥٥٨).
(٥) راجع: البحر المحيط (١/ ٦٤٦، ٦٤٧)، (٦/ ٤٨٢)، عقود الزبرجد (٢/ ٣٦١)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٠٧، ٧٠٧)، أوضح المسالك (٢/ ٢٦٩، ٢٧٠)، شرح ابن عُقيل (٢/ ٢٦٧ وما بعدها)، نتائج الفكر (١/ ٢٤٥، ٢٤٦)، همع الهوامع (٢/ ٣٠٥، ٣٠٦)، جامع الدروس العربية (٣/ ٨٠ وما بعدها).
(٦) راجع: البحر المحيط (٨/ ٣٩٢)، الكواكب الدراري (٣/ ١٩٣)، إرشاد الساري (١/ ٣٥٩)، شرح سنن أَبِي داود للعيني (٢/ ٢٤)، العُمدة في إعراب البردة (ص ٦٦).
[ ١ / ٣٠٩ ]
اقترن بالخبر حرف استفهام - نحو قولُه في الحديث: "أَوَمُخْرِجِي هُمْ" (١) - دَلّ على قَصْدٍ من المتكلّم لمعني، ذكره ابن الحاجب.
قال: كُلُّ بابٍ من أبواب الكَلام؛ فالقياسُ أنْ يتقدّم أوّله ما يدلُّ عليه، كحروف الشرط والاستفهام والنفي والتمني والترجي والتنبيه والنداء.
قال ابنُ الحاجب: وإنَّما كان كذلك؛ لأنهم قصدوا تبيين القسم المقصود بالتعيين عنه، ليعلم السّامع من أوّل الأمر مقصُود المتكلّم؛ لأنه لو كَان الخبر مُؤَخّرًا - وهو محلُّ الفائدة، والمقصُود من الجملة - لجوّز السّامع عند سماعه أوّل كلامه أنّ ذلك من كُلّ واحدٍ من أقسام الكلام؛ فيبقى في حيرة واشتغال خاطر لانتظار ما [يُعين] (٢) له آخرًا. انتهى. (٣)
قلتُ: وَلَا يُقال: إنّ هذا من المواضع التي يجب فيها تقدُّم الخبر؛ لأنَّها لو قالت: "أأنتِ حرورية؟ صَحّ، وزال ذلك المعنى المتقدِّم من الكَلام.
بخلاف ما إِذَا كان الخبرُ اسمَ استفهام - نحو: "أين زَيْد؟ " - فإنه يجب تقديم الخبر؛ لأنّ الخبرَ نفسه تَضَمّن معنى الاستفهام، لا ينفصلُ عنه، فلا يُتصَوّرُ نقلُ معناه عنه، بخلافِ حُروف الصَّدْر، وإن كان ذلك كُلّه - من الحروف والأسماء - إنَّما يَطلُب الفعْل. والله أعلم. (٤)
_________________
(١) مُتفقٌ عليه: البخاري (٣) ومُسلم (١٦٠/ ٢٥٢)، من حَدِيث عَائِشَة.
(٢) كذا بالنسخ. وقد تقرأ بالأصل: "يعبر".
(٣) انظر: الإيضاح في شرح المفصل، لابن الحاجب، ط العراق، (١/ ١٩٢)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٥٧٠، ٥٧١).
(٤) انظر في توثيق المسألة وفي مواضع تقديم المبتدأ أو الخبر: المفصل (٤٤)، الإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب (١/ ١٩١ وما بعدها)، شرح المفصل (١/ ٢٣٧)، الكافية لابن الحاجب (ص ١٦)، شرح الكافية الشافية (١/ ٤٧٢)، شرح جمل الزجاجي لابن عصفور (١/ ٣٥٥ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٢١٨ وما بعدها)، همع الهوامع (١/ ٣٨٧ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٦٦ وما =
[ ١ / ٣١٠ ]
ونظيرُ هذا: أنهم اعتبروا في وجُوب تقْديم الفَاعِل على المفعُول والمفعُول على الفاعل اختلاف المعنى، فقالوا: يجبُ تقديمُ الفاعل إِذَا وقع المفعولُ بعد "إلَّا" أو [معناه] (١)، نحو: "ما ضَرَب زَيدٌ إلَّا عَمرا". ويجب تقديم المفعول إِذَا وقع الفاعل بعد "إلّا" أو [معناها] (٢)، نحو: "ما ضَرَب زيدًا إلّا عَمْرو"، فراعوا اختلاف المعنى وقَصْد المتكلّم، كما هو هنا. (٣)
قولُه: "لستُ بحرورية": "الباء" زائدة (٤) في خبر "ليس"، وَلَا تتعلّقُ بشيءٍ.
قولُه: "ولكني أسأل": "لكن"، واسمها. وأمّا خبرها: ففي جملة "أسأل".
وحَسُن دخولُ "لكن" هنا؛ لأنَّها وقَعَت بين نفي وإثبات (٥).
وتقدّم في أوّل حَديثٍ من هذا البَاب القَول على "ليس"، وعلى "لكن". وتقدّم ذكرُ أسماء الاستفهام في الرّابع من "الجنابة".
قولُه: "كَان يُصيبُنا ذلك": اختُلف في "ذلك"، هل هو اسم "كان" أو فاعل
_________________
(١) = بعدها)، المنهاجُ المختَصر في علمي النَّحو والصَّرف (ص ٦٩)، النحو المصفى (ص ٢٨٨ وما بعدها).
(٢) المراد: "في معنى المقرون بإِلّا"، كما في "شرح الجمل" (١/ ١٦٥).
(٣) كذا بالنسخ.
(٤) انظر: أمالي ابن الحاجب (٢/ ٥٣٤)، شرح الجمل لابن عصفور (١/ ١٦٥، ٣٩١)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٥٨٩ وما بعدها)، توضيح المقاصد (٢/ ٥٩٥).
(٥) انظر في أقسام الباء: الجنى الداني (ص ٣٦ وما بعدها)، أوضح المسالك (٣/ ٣١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ١٣٧ وما بعدها، ١٤٧)، شرح التصريح (١/ ٦٤٦ وما بعدها)، شرح التسهيل (٣/ ١٤٩)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٥٥ وما بعدها)، الهمع (٢/ ٤١٦ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ١٦٨ وما بعدها).
(٦) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٤٨)، نتائج الفكر (ص ٢٠٠)، مُغني اللبيب (ص ٣٨٥)، شرح المفصل (٥/ ٢٨ وما بعدها)، توضيح المقاصد (١/ ١٩٣، ٥٤٣)، الجنى الداني (ص ٥٨٦ إِلى ٥٩٢)، أوضح المسالك (١/ ٣٦٦)، شرح الأشموني (١/ ٣٢٧)، شرح التصريح (١/ ٣٣٥)، (٢/ ١٩٠، ١٩١)، الهمع (١/ ٥١٨).
[ ١ / ٣١١ ]
"يُصيبنا"؟ وهذا الخلاف في كُلّ مَوْضع وَقَع اسمُ "كان" فيه مُتأخّرًا عن فعل يصلح للعَمَل فيه.
ومنه قولُه تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ [الأعراف: ١٣٧].
فإنْ جعلت (ذلك) اسم "كان" كان في "يُصيبا" ضمير الفاعل يعُود على "ذلك"، وهو مُتأخّر في اللفظ مُتقَدِّم في الرُّتبة.
وإن كان "ذلك" فاعلَ "يُصيبا" يكون في "كان" ضَمير يعُود على "الحيض" المفهُوم من السّؤال حين قالت: "ما بَال الحائض؟ "، أو يكون في "كان" ضمير الأمر والشأن، أي: "كان هو يُصيبنا ذلك"، أي: "الأمر والشأن"، ويكُون "يُصيبنا ذلك" مُفسرًا له. (١)
قولُه: "فنُؤْمَر بقَضَاءِ الصَّوْم": الفِعْلُ مَبنيٌّ لما لم يُسَمّ فاعِلُه. والمفعُولُ القائمُ مَقَام الفَاعِل: ضَميرٌ مُستتر في القَول.
ومثله: "وَلَا نُؤْمَر بقَضَاءِ الصَّلاة".
وتقَدَّم الكَلامُ على "أمَر" في الأوّل من "بابِ السِّواك"، و"كان" في الحديثِ الأَوَّل من الكتاب.
_________________
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٨/ ١١٧)، (٩/ ٢٩٠ وما بعدها)، الدر المصون (٤/ ٦٠٨)، (٥/ ٤٣٩)، مُشكل إعراب القرآن لمكي (١/ ٣٠٠)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٩٢)، شرح التسهيل لابن مالك (١/ ١٦٠ وما بعدها)، (٢/ ١٣٥)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٦٣٩)، شرح المفصل (١/ ٢٠٢)، الأصول في النحو (٢/ ٢٣٨)، الخصائص (١/ ٢٩٥)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (١/ ٥٩)، شرح الأشموني (١/ ٤٠٧)، النحو الوافي (٢/ ٨٦).
[ ١ / ٣١٢ ]