الحديث الأوّل:
[٣٣٤]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَماعَةِ" (١).
تقدّم [أوّل الكتاب] (٢) ذكْر "الكتاب" ومعناه، و"الحديث" ومعناه، و"الأوّل" وتصريفه؛ فانظره هنالك.
قوله: "لا يحل": جملة معمولة للقول، والقول معمول للقول الأوّل، والقول الأوّل معمول لمتعلّق حرف الجر بتقدير "أن". وتقدير الكلام هنا: "لا يحلّ سفك دم" أو "اهراق دم"، فهو على حذف مُضاف.
وتقدّم في الحديث السادس من "الزّكاة": "مرء" و"امرؤ".
وتقدّم الكلام على "دم" و"يد" مما هو منقوص غير مقيس، في الحديث الثّالث من "باب الصفوف".
و"مسلم" صفة لـ "امرئ". و"يشهد أن لا إله إلا اللَّه" في محلّ صفة بعد الصّفة، وهي كالتفسير للإسلام.
قوله: "أن لا إله إلا اللَّه": "أنْ" هنا هي المخفّفة من الثقيلة، [بدليل أنه] (٣) عطف عليها "وأني رسُول اللَّه"، ولأنّ "الشّهادة" بمعنى "العلم"؛ لأنّ شرطها أن يتقدّمها علم أو ظنّ، أو ما في [. . .] (٤)، فالتقدير: "يشهد أنه لا إله إلا اللَّه"، فحذف
_________________
(١) رواه البخاري (٦٨٧٨) في الديات، ومسلم (١٦٧٦) في القسامة.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. وبياض في (ب). والمثبت من "إرشاد الساري".
(٤) غير واضحة بالأصل. وبياض في (ب). ولم يذكرها القسطلاني.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
اسمها، وبقيت الجملة في محلّ الخبر (١)، كقول الشاعر:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفي وينتعل (٢)
فـ "كل من يحفى" مبتدأ، والخبر: "هالك" متقدّم، والجملة في محلّ خبر "أن".
وتقدّم الكلام على إعراب "لا إله إلا اللَّه" في الأوّل من "باب التيمم".
وجملة "أني رسول اللَّه" معطوفة على الجملة قبلها.
قوله: "إلا بإحدى ثلاث": يتعلّق حرف الجر بحال، والتقدير: "إلا متلبسًا بفعل إحدى ثلاث"؛ فيكون الاستثناء مُفرغًا؛ لعمل ما قبل "إلا" فيما بعدها.
ثم المستثنى منه يحتمل أن يكُون من "الدّم"؛ فيكون التقدير: "لا يحلّ دَم امرئ مُسلم إلا دمه متلبسًا بإحدى الثلاث". ويحتمل أن يكُون الاستثناء من "امرئ"؛ فيكون التقدير: "لا يحلّ دم امرئ مُسلم إلّا امرأ متلبسًا بإحدى ثلاث خصال"، فـ "مُتلبسًا" حال من "امرئ"، وجاز؛ لأنّه وصف (٣)، أو يكون صفة حُذف موصُوفها، وقامت الصّفة مقامه، وهي "المحرم".
وإذا ثبت ذلك: فـ "الثيب" بالنصب بَدَل من "دم امرئ مسلم"، وكذلك ما عُطف عليه. و"امرأ" منصوبٌ بالاستثناء المتصل.
فإن قدّرت: "إلَّا دَم امرئ مسلم" جاء فيه الجر، أي: "إلا دَم الثيب ودَم النفس بالنفس ودم التارك".
وإن قدّرته مقطوعًا، وقدّرت: "هو الثيب" كان مرفوعًا، أي: "هو الثيب"، و"هو النفس بالنفس" أي: المتلبّسة بقتل النفس، و"هو التارك".
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٤٨).
(٢) البيت من البسيط، وهو للأعشى. انظر: المعجم المفصل (٦/ ٢٤٣).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٤٩).
[ ٣ / ٢٨٣ ]
ويجوز [نصبها] (١) بفعل، أي: "أعنى الثيب".
والرّواية تحكُم على ذلك كله.
ويُقال: "ثيب" للرجُل وللمرأة، بشرط أن يكُون الرجُل تزوّج ودخَل بزوجته، وكذلك المرأة. (٢)
قوله: "الزاني": يُروَى بـ "النون" من غير "ياء" (٣) ويُروى [بـ "الياء"] (٤)، وهو الأصل. والأوّل جرى على حذف "الياء" اكتفاء بالكَسرة.
ومنه قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، وهذا فيما فيه ألِف ولام.
فإن لم يكونا فيه: فالأشهَر الحذف في الرّفع والخفض، نحو: "هذا قاض" و"مررتُ بقاض"، عكس الأوّل.
وأمّا في النصب: فليس إلا إثبات "الياء"، نحو: "رأيتُ القاضي" و"أجبتُ الدّاعي"؛ لأنه بالحركة صارت بمنزلة الصحيح.
وإن كان مجرّدًا من الألِف واللام -أعني المنصُوب- فالوقف عليه بـ "الألِف"، تقول: "رأيتُ قاضيًا" و"أجبتُ داعيًا"، لا تحذف "الألِف" لتحرّكها. (٥)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٢٣١)، ورياض الأفهام (٥/ ١٢٦)، والصحاح للجوهري (١/ ٩٥)، ولسان العرب (١/ ٢٤٨).
(٣) صرح النووي بأن أكثر نسخ صحيح "مسلم" كذلك، وبعض النسخ على إثبات الياء". انظر: شرح النووي على مسلم (١١/ ١٦٤).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) انظر: رياض الأفهام (٥/ ١٢٧)، شرح النووي على مسلم (١١/ ١٦٤)، والإعلام لابن الملقن (٩/ ٤٤)، شرح التصريف للثمانيني (ص ٣٨٦)، وشرح المفصل (١/ ١٦٣)، (٥/ ٢٢٩)، الهمع (٣/ ٤٢٨)، والمنهاج في علمي النحو والصرف (ص ١٧٣).
[ ٣ / ٢٨٤ ]
قوله: "والنفس بالنفس": "الباء" فيه للمُقابلة، أي: "ويحلّ سفك دم النفس بسبب قتله للنفس المعصومة"؛ فتكون "الباء" سببية.
و"النفس" مبتدأ، و"بالنفس" متعلق بالخبر، والتقدير: "مأخوذة بالنفس". وجاز تقديم غير الكون والاستقرار؛ لأنّ الإعراب يدور على المعنى.
قوله: "والتارك لدينه": أي: "وبالردّة".
و"اللام" في "لدينه" للتقوية. ولو قال: "والتارك دينه" صحّ. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] (١).
الحديث الثاني:
[٣٣٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاء" (٢).
قوله: "أول": مبتدأ، و"مَا" نكرة موصوفة. و"يُقضى" مبني لما لم يُسم فاعله، في محلّ الصفة. والعائد: الضّمير في "يُقضى". والتقدير: "أوّل قضاء يُقضى".
و"بين" ظرفُ مكان، متوسّط (٣)، وقد يُعرَب، قال اللَّه تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]. وإنما تدخُل فيما يُمكن فيه [البينية] (٤). وتنتقل من المكانية إلى الزمانية إذا لحقتها "ما"، نحو: "بينما"، أو الألِف، نحو: "بينا"، ويكون التقدير: "بين أوقات كذا" (٥). . . . . .
_________________
(١) انظر: رياض الأفهام (٤/ ٣١٥)، شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ١٤٨)، وأوضح المسالك (٣/ ٢٨).
(٢) رواه البخاري (٦٥٣٣) في الرقاق، ومسلم (١٦٧٨) في القسامة.
(٣) تذكر المصادر أنه متوسط التصرف.
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "التثنية". والمثبت من "البحر المحيط".
(٥) انظر في استعمالات "بين": البحر المحيط (١/ ٤٠١)، أمالي ابن الشجري (٢/ ٥٩١)، =
[ ٣ / ٢٨٥ ]
وقد [تقدّم] (١) في الثّالث من "باب السواك".
قوله: "أوّل": تقدّم في الحديث الأوّل من الكتاب. وتقدّم أقسام "ما" في أوّل حديثٍ من "باب التيمم"، و"الناس" في الثّالث من "باب الخسوف". والعاملُ في "بين": "يُقضى".
و"يوم" ظرفُ زَمَان مُقدّر بـ "في"، والعاملُ فيه: "يُقضى" أيضًا.
قوله: "في الدّماء": في محلّ خبر عن "أوّل"، فيتعلّق حرف الجر بالاستقرار المقَدّر؛ [فيكون] (٢) التقدير: "أوّل قضاء يُقضى كائن -أو مُستقر- في الدِّمَاء" (٣).
[الحديث الثالث:
[٣٣٦]: عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ -﵁- قَالَ: انْطَلَق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ] (٤) إلَى [خَيْبَرَ، وَهِيَ] (٥) يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إلَى عَبْدِ اللَّه بْنِ سَهْلٍ -وَهُوَ [يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلًا] (٦) - فَدَفْنه، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلِ وَمحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتكَلَّمُ،
_________________
(١) = تسهيل الفوائد (ص ٩٣)، شرح التسهيل (٢/ ٢٠٦، ٢٣٠، ٢٣١)، اقتطاف الأزاهر والتقاط الجواهر (ص ٢٣٧)، الجنى الداني (ص ١٧٦)، الهمع (٢/ ٢٠٤)، والمنهاج المختصر (ص ١٠٠).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) بعدها كشط بالأصل بقدر سطرين من أول الصفحة، ولا بد أن بموضع الكشط كلامًا يتعلق بالحديث الثاني، ويظهر بعدها من أوائل الحديث الثالث.
(٥) كشط بالأصل بقدر سطرين من أوّل الصفحة، ولعل بالكشط كلامًا على الحديث السابق. واللَّه أعلم.
(٦) كشط بالأصل.
(٧) كشط بالأصل. والمثبت من العمدة ومصادر التخريج.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
فَقَالَ: "كَبِّرْ، كَبِّرْ -وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ- فَسَكَتَ، فَتكَلَّمَا، فَقَالَ: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ؟ ". قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلم نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: "فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ ". قَالُوا: كَيْفَ نأخذ بِأَيْمَانِ قَوْمِ كُفَّارِ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ عِنْدِهِ (١).
[٣٣٧]: وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ". قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالُوا: "فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، قَوْمٌ كُفَّارٌ (٢).
وَفِي حَدِيثِ [سَعِيدِ] (٣) بْنِ عُبَيْدٍ: فكَرِهَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ (٤).
قوله: "قال: انطلق عبد اللَّه": الفاعلُ (٥): ضميرُ "سهل".
و"محيصة" معطوفٌ على "عبد اللَّه"، و"ابن مسعود" صفته.
و"خيبر" لا ينصرف، غَلّب البقعة (٦). وتقدّم ذكْر ما ينصرف من المواضع في الحديث السّادس من "الزكاة".
قوله: "وهي يومئذ صُلح": أي: "وأهلها يومئذ ذوو صلح".
و"صُلح": اسم مصدر. و"الصّلح" و"الصّلاح": ضد "الفساد". يُقال: "صَلَح الشيء، يَصلُح، صُلوحًا"، مثل "دَخَل، دخُولًا". و"الصِّلاح" [بالكسر] (٧):
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٧٣) في الجزية ومسلم (١٦٦٩) (١) (٢) في القسامة.
(٢) رواه مسلم (١٦٦٩) (٢) في القسامة.
(٣) بالنسخ: "سعد". والمثبت من نسخ "العُمدة" ومصادر التخريج.
(٤) رواه مسلم (١٦٦٩) (٥) في القسامة.
(٥) أي: الفاعل في قوله: "قال". والمراد: "سهل" راوي الحديث.
(٦) انظر: البحر المحيط (٥/ ٣٩٢).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٢٨٧ ]
مصدر "المصالحة". والاسم: "الصّلح" (١).
والعاملُ في "يومئذ": معنى "صُلح"؛ لأنه بمعنى "مُصالحين". وإن قدّرت "ذات صلح" صحّ أن تعمل "ذات"؛ لأنها بمعنى "صاحبة"، ولا يعمل "صُلح"؛ لأنه اسم مصدر، واسمُ المصدر حكمه حُكم المصدر، لا يعمل فيما قبله إلا بتأويل. وقد تقدّم أنه يعمل إذا لم يكن مُنحلًّا إلى "أنْ" (٢).
ويصح أن يكون التقدير: "وهي ذات صُلح يومئذ"، ثم تقدّم بعد أنْ كان صفة؛ فانتصب على الحال.
قوله: "فتفرقا": الضمير يعود على "عبد اللَّه بن سهل ومحيصة".
قوله: "فأتى محيصة": فعل ماض، و"محيصة" فاعله. والجملة معطوفة على ما قبلها.
قوله: "وهو يتشحّط في دَمه": في محلّ الحال من "عبد اللَّه بن سهل". و"قتيلًا" حالٌ من الضّمير في "يتشحّط".
قوله: "فدفنه": معطوفٌ على "يتشحط"، وكذا: "ثُم قَدم المدينة".
قوله: "ابنا مسعود": صفة لـ "حويصة" و"محيصة". وجاء فيهما التشديد والتخفيف.
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٣٨٣).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٦٥، ٢٦٦)، (٢/ ٤١)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٣)، اللباب في علوم الكتاب (٩/ ٨١)، أوضح المسالك (٣/ ١٧٠، ١٧٤ وما بعدها)، شرح الكافية الشافية (٢/ ١٠١١، ١٠١٧)، وشرح ابن عقيل (٩٧/ ٣، ١٠١)، (٤/ ٢٠)، الأصول في النحو (٢/ ١٥٠)، شرح التصريح (٢/ ٣٩١)، توضيح المقاصد (٣/ ١٢٦٠ وما بعدها)، شرح شافية ابن الحاجب للأستراباذي (١/ ٣٠٨)، الصبان (٢/ ١٦٥، ٤٢٧، ٤٣٣، ٤٣٦)، النحو الوافي (٢/ ٢١٤)، (٣/ ٣٤، ٢٧٩)، جامع الدروس العربية (٢/ ٢٣٤).
[ ٣ / ٢٨٨ ]
قوله: "فذهب عبد الرحمن": هو أخو المقتول. و"ذَهَب" مُضمّن معنى "أراد"، أي: "أراد أنْ يتكلّم"، ثم حذف "أنْ"؛ فارتفع الفعْل.
وقد جاء النصب بتقديرها، في نحو قولهم: "مُره يحفرها". [وقوله] (١):
ألا أَيُّهذَا الزَّاجِرِي أَحْضرُ الوَغَى . . . . . . . . . . . . (٢)
أي: "عن أنْ أحضُرَ". وجاء فيه الرّفع والنّصب. (٣)
ويحتمل "يتكلّم" هنا الوجهين. لكن الرّواية [الرّفع] (٤). ويحتمل أنْ يكُون "يتكلّم" في محلّ الحال، أو يكُون "ذهَب" بمعنى "اندَفَع"، أو يكُون حالًا مُقدّرة.
قوله: "فقال": فاعله: ضميرُ "النبي -ﷺ-".
وجملة "كَبّر كَبّر" معمُولة للقَول. وكرّر "كَبّر" تأكيدًا.
قوله: "وهو أحْدَث القَوم": جملة مُعترضة، لا محلّ لها. وتقدّم الكَلامُ على الجمَل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "فسكَتَ، فتكلما": معطوفٌ، ومعطوفٌ عليه. والضّمير في "فتكلّما" يعود على "حويصة ومحيصة".
قوله: "فقال": فاعله: ضمير "النبي -ﷺ-".
و"الهمزة" في قوله: "أتحلفون" للاستفهام. و"تحلفون" فعل، وفاعل.
_________________
(١) بالنسخ: "قوله". وقد ميزها بالأصل بالأحمر كما يصنع قبل المشروح من المتن.
(٢) صَدرُ بيت من الطويل، وهو لطُرفة بن العبد. وعجزه: "وأنْ أشْهَد اللّذَّات هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي". انظر: شرح المفصل (٣/ ٦)، المعجم المفصل (٢/ ٤٣١).
(٣) انظر: الكتاب (٣/ ٩٩)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ٤٨)، شرح المفصل (٣/ ٦)، (٤/ ٢٨٠)، مغني اللبيب (ص ٥٠٢، ٨٣٩)، الهمع (٢/ ٤٠٥).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٢٨٩ ]
و"النون" علامة الرفع.
قوله: "وتستحقون": في هذه الجملة معنى التعليل؛ لأنّ المعنى: "أتحلفون لتستحقوا". وقد جاءت "الواو" بمعنى التعليل في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤]، المعنى: "أو يُوبقهن بما كسَبوا ليعفُوَ" (١).
وعلى [هَذا] (٢): يجوز: "وتستحقّوا"، كَما جَاز في الآية.
قالوا: وكذلك كُلّ "واو" انتصبت [للعلة] (٣).
[. . .] (٤) دم قاتلكم"، والتقدير: "دم قاتل صَاحبكم"، [فحذف المضاف (٥). . . . ـكاية] (٦) من الرّاوي. ويحتمل [أن يكُون "صاحبكم"] (٧) بمعنى "غريمكم"؛ فلا يحتاج إلى تقدير (٨).
قوله: "قالوا: وكيف نحلف؟ ": "كيف" هنا سُؤال عن [حال. وقد يصحبها] (٩) معنى التقرير (١٠). وأكثر ما تُستعمل استعمال "ما". والشّرط بها قليل، والجزْم بها غير [مسمُوع] (١١). . . . .
_________________
(١) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٩/ ٣٤١)، إرشاد الساري للقسطلاني (١٠/ ٢٥٧)، مغني اللبيب (ص ٤٦٩).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "بعده".
(٤) طمس بالأصل بمقدار عشر كلمات تقريبًا.
(٥) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٢٥٦).
(٦) طمس بالأصل بقدر أربع كلمات. والمثبت من (ب)، ومن المصدر.
(٧) طمس بالأصل. والمثبت من السياق ومن المصدر.
(٨) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٢٥٦).
(٩) طمس بالأصل، يظهر بآخره: "ها"، وفي (ب): "هنا". والمثبت من النظير والمصادر.
(١٠) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٠٨).
(١١) طمس بالأصل. والمثبت من النظير والمصادر.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
[وسيبويه] (١) يقول: هي ظرف. ويقع المبتدأ بعدها، وهي في موضع خبره، ويقع بعدها الجمل. (٢)
ويجوز [فيها هنا] (٣) على مذهب الأخفش أن تكُون حالًا، أي: "أغير محقّقين نحلف"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]، التقدير: "أمُعاندين". (٤)
ويصح أن تكُون بمعنى المصدر، أي: "أيّ حَلف نحْلف".
وردّ ابن عصفور وقوع "كيف" حالًا؛ لأنها استفهام، فلا يصحّ وقوعها حالًا (٥).
وتقدّم الكَلامُ عليها في الرّابع من "كتاب الصلاة"، وفي العاشر منه.
قوله: "فقال: [فتبرئكم] (٦) ": الفاعلُ: ضميرُ "النبي -ﷺ-".
_________________
(١) بموضع حرف "الواو" طمس بالأصل. ولعل المثبت صواب.
(٢) انظر: البحر المحيط (١/ ١٨٧، ١٩٣، ٢٧٣)، (٣/ ٦٧٤)، (٤/ ٣١٦)، الكتاب (١/ ٤٠٩)، (٢/ ١٥٦)، شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦)، شرح التصريح (١/ ٥٩٥)، مغني اللبيب (ص ٢٧٢، ٢٧٣)، المقتضب (٣/ ٢٨٩)، شرح المفصل (٣/ ١٤٠ وما بعدها)، الفصول المفيدة في الواو المزيدة (ص ١٥٨)، شرح التسهيل (٢/ ٣٧٢، ٣٧٣)، الصاحبي (ص ١١٥)، همع الهوامع (٢/ ٢١٧ وما بعدها، ٣٢٢)، جامع الدروس العربية (٣/ ٦٦).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٥)، والدر المصون (١/ ٢٣٧)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٤٨١)، وتفسير السمعاني (١/ ٣٤٤). وذهب الأكثرون إلى أنها للتعجب. انظر: اللمحة (٢/ ٩٠٧)، ومغني اللبيب (ص ٢٧١)، وشرح التسهيل (٢/ ٣٧٣)، وجامع الدروس العربية (١/ ١٤٣).
(٥) انظر: شرح جمل الزجاجي (٢/ ٤٠٥)، توضيح المقاصد (٢/ ٧٥١).
(٦) بالنسخ: "تبرئكم".
[ ٣ / ٢٩١ ]
و"تُبرئكم": من "أبرأ"، "يبرئ" (١).
و"يهود" لا ينصرف؛ للتعريف والتأنيث (٢).
قال أبو حيان: "الياء" أصلية، ليست من مادة "هود"؛ لثبوت "الياء" في التصريف؛ يقال: "هاد، يهيد".
وقال الشلوبين: في "يهود" وجهان، أحدهما: أنه جمع "يهودي"؛ فتكون نكرة [مصروفة] (٣). والثاني: أن تكُون عَلمًا لهذه القبيلة (٤).
قوله: "بأيمان خمسين": يتعلّق حرف الجر بـ "تبرئكم". و"خمسين" مضاف إليه. و"رجلًا" منصوبٌ على التمييز. و"منهم" يحتمل أن يتعلّق بصفة لـ "خمسين"، أي: "بخمسين كائنين منهم"، أو بصفة لـ "رجل".
قوله: "قالوا": يعني: "حويصة ومحيصة"، أو من معهم: [كيف نأخُذ": "كيف" تحتمل المصدَر، كما تقدّم، أو ظرفًا على مذهب سيبويه. و"نأخذ" هنا بمعنى "نقبل". وتحتمل الحال على مذهب الأخفش، والتقدير: "أمجبرين أو مخيرين نأخُذ أيمانهم". و"أيمان": جمع "يمين"، جمع [قلّة] (٥). (٦)
و"قوم" اسم جمع. و"كفار" جمع كثرة.
ولو رُوي: "بأيمان" بالتنوين صَحّ؛ ويكون "خمسين" صفة له، ويكون "منهم" متعلّق بصفة لـ "أيمان" أو لـ "خمسين".
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٨٧).
(٢) انظر: الصحاح (٢/ ٥٥٧).
(٣) بالنسخ: "موصوفة". والمثبت من النظير والمصدر.
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٨٥، ٥٤١).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٩/ ٤٥)، وشرح المفصل (٣/ ٢٧٦).
[ ٣ / ٢٩٢ ]
وصحّت الصّفة بالعَدَد، وإن كان جامدًا، كما صحّ في قوله -ﷺ-: ". . . النَّاسَ كَإبِلٍ مِائَةٍ" (١). (٢)
والعَربُ تصف بأسماء العَدد كثيرًا؛ أنشد سيبويه (٣):
فلو كنت في جُبٍّ ثمانين قامة ورُقّيتَ أسبابَ السماءِ بسُلّم (٤)
قوله: "وفي حديث [سَعِيدِ] (٥) بن عبيد: فكره رسول اللَّه -ﷺ- أنْ يبطل دمه": "أنْ" مع الفعل في محلّ مفعول "كَره".
قوله: "فوداه بمائة": معطوفٌ على "كَره". و"الفاء" سببية. وهنا محذوفٌ، أي: "فوَدَاه بمائة بعير مِن إبل الصّدقة"؛ فيتعلّق "من إبل" بصفة لـ "مائة"، و"الصّدقة" مُضاف إليه.
_________________
(١) متفقٌ عليه: البخاري (٦٤٩٨)، ومسلم (٢٥٤٧/ ٢٣٢)، من حديث ابن عمر.
(٢) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٣١٥).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٣/ ٣١٥).
(٤) البيت من الطويل، وهو للأعشى. انظر: شرح المفصل (٢/ ٤٣)، والمعجم المفصل (٧/ ٤٠٣).
(٥) بالنسخ: "سعد". والمثبت من نسخ "العُمدة" ومصادر التخريج.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
الحديث الرابع:
[٣٣٨]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَن جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا مَرْضُوضًا بَينَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِك، فُلانٌ، فُلانٌ؟ حَتَّى ذُكِرَ يَهُودِيٌّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ رسول اللَّه -ﷺ- أنْ يُرَضَّ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ (١).
وَلِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيَّ (٢): عَنْ أَنسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ، فَأَقَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٣).
قوله: "أنّ جارية": في محلّ رفع لمتعلّق حرف الجر.
قوله: "وجد رأسها": الفعل مبني لما لم يُسمّ فاعله، وهو من الأفعال التي تتعدّى إلى مفعولين، أحدهما: القائم مقام الفاعل، وهو "رأسها"، والثاني: "مرضوضًا". وتقدّم الكَلامُ على "وجد" في الثّاني من "باب الاستطابة".
و"بين" تقدّم الكَلام عليها قريبًا، والكلام عليها مُستوفى في "باب السواك". و"حَجَرين": تثنية "حَجَر". وجاءت "بين" على حُكمها بين اثنين؛ لأنها ظرف متوسط (٤). والعامل فيها: "مرضوضًا". و"مرضُوض": اسم مفعول لم يُسمّ فاعله.
قوله: "فقيل: مَن فعَل هذا؟ ": "قيل" مبني لما لم يُسم فاعله، وتقدّم الكَلام عليها في الرابع عشر من "الجنائز". والقائمُ مقَام الفاعل: ضَميرُ المصْدَر، أي: "قيل قول"، أو تكُون الجملَة الواقعَة بعده، على ما اختار الزّمخشري، وجعله من باب
_________________
(١) رواه البخاري، (٢٤١٣) في الخصومات، ومسلم (١٦٧٢) (١٧) في القسامة.
(٢) قوله: "ولمسلم والنسائي" هذه الرواية التي عزاها لمسلم، ليست فيه بهذا اللفظ وإنما لفظه: "فقتله رسول اللَّه -ﷺ- بين حجرين" وهي بهذا اللفظ للبخاري أيضًا.
(٣) رواه البخاري (٦٨٧٩) في الديات، ومسلم (١٦٧٢) في القسامة.
(٤) انظر: المنهاج المختصر (ص/ ١٠٠)
[ ٣ / ٢٩٤ ]
"بئس مَطيّةُ الرّجُلِ: زَعَمُوا" (١). (٢)
و"مَن" استفهامية، محلّها رفْع با لابتداء، وخبرها في فعلها. والعائد: الضّمير في "فَعَل". و"هذا" مفعولٌ به. ولا يظهر إعرابٌ في المبتدأ؛ لأنّه من أسماء الاستفهام التي بُنيت لتضمّنها معنى حَرْف الاستفهام. ولا يظهر إعرابٌ في المفعول؛ لأنّه من أسماء الإشارة (٣).
و"بك": يتعلّق بـ "فَعَل".
وقولهم: "فُلان فُلان": [. . .] (٤) فعله [فلان] (٥). وتقدّم الكَلامُ على "فُلان" و"فُلانة" في السّادس من "باب الإمامة". [. . . والألِف] (٦) والنون فيه [ليسا زائدتين] (٧). [و"حتى" متعلّق] (٨) بفعل محذوف، أي: "تكرّر ذلك حتى" [. . . . . و"ذُكِر" فِعْل] (٩) مبني لما لم يُسمّ فاعله، . . . . . .
_________________
(١) صحيح: سنن أبي داود (٤٩٧٢)، من حديث حذيفة أو أبي مسعود، وصحّحه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٨٦٦).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٢٧، ٢٨)، (٢/ ٧٠٢)، الكشاف للزمخشري (٣/ ٥١٦)، إرشاد الساري للقسطلاني (١٠/ ٥٤).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٤٧). وراجع: البحر المحيط (٢/ ٣٧٧)، (٦/ ٢٠٦)، (٨/ ٥٠٧)، شرح التسهيل (٢/ ٤٢٢)، شرح المفصل (٢/ ٤٠٥)، إسفار الفصيح (٢/ ٨١٦)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ١٢٣)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ١٣٠)، شرح شافية ابن الحاجب للرضي (٤/ ٦٢)، النحو الوافي (١/ ٥٥٨).
(٤) تآكل بالأصل، بقدر سبع كلمات تقريبًا.
(٥) كلمة غير واضحة بالأصل، وتشبه: "فلان". وسقط في (ب).
(٦) تآكل بالأصل، بقدر أربع كلمات. وانظر: إرشاد الساري (٩/ ٦٨)، (١٠/ ٤٧).
(٧) غير واضح بالأصل. والمثبت من "إرشاد الساري" (١٠/ ٤٧).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٩) تآكل بالأصل، بقدر أربع كلمات تقريبًا.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
و"يهودي" [مفعول] (١) الذي لم يُسمّ فاعله.
قوله: "فأومأت": أي: "المرأة" [و"الباء" في "برأْسِها"، (٢) "باء" الآلة (٣).
"فأُخِذ اليهودي": "أخُذ" مبني لما لم يُسم فاعله. و"اليهودي" مفعول لم يُسم فاعله. [وتقدّم الكَلام] (٤) على "أخَذ" في الحديث السّادس من "باب الاستطابة".
قوله: "فاعترف": معطوفٌ على محذوف، أي " [سُئل] (٥) فاعترف".
و"أنْ يُرَض" محلّه نصْب أو جَر، على الخلاف المذكُور في محلّ ما حُذف [فيه] (٦) الخافض (٧). و"يُرَض" فعل مُضارع منصوبٌ بـ "أنْ"، وأصله: "يرضض". وتقدّم الكَلام على "أمَر" في الرّابع من "باب صفة الصّلاة"، وفي الثّالث من "باب فضل الجماعة"، وفي أوّل "باب السّواك".
قوله: "بين حَجَرين": تقدّم الكَلامُ على "بين". والعاملُ فيها: "يُرَض".
قوله: "ولمسلم والنسائي": يتعلّق بمُقدّر، إمّا" جاء" وإمّا "رُوي"، أو يكون "عن أنس. . . إلى آخره" مبتدأ، و"أن يهوديًا" معمُول المقَدّر للعَمَل في حرْف الجر.
قوله: "فأقَادَه النبي -ﷺ-": يعني: "أوجَب القَود".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٣) انظر: مغني اللبيب لابن هشام (ص/ ١٣٩)، وشرح المفصل (٤/ ٤٧٣)، والجنى الداني (ص/ ٤)، والهمع للسيوطي (٢/ ٤٢٠).
(٤) غير واضحة بالأصل، وتشبه: "ﷺ". والمثبت من (ب).
(٥) طمس بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) كذا بالنسخ. ولعل الأصوب: "منه".
(٧) انظر: اللامات للزجاجي (ص/ ١٣٩).
[ ٣ / ٢٩٦ ]
[الحديث] (١) الخامس:
[٣٣٩]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ -ﷺ- مَكَّةَ قَتَلَتْ هُذَيْلٌ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ كَانَ لَهُمْ فِي الجْاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "إنّ اللَّه حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنيِنَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وإنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ سَاقِطتهَا إلَّا، [لِمُنْشِدٍ] (٢). وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَيِيلٌ: فَهُوَ بِخَيْر النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يفدِي". فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - يُقَالُ لَهُ: أَبُو [شَاهٍ] (٣) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُبُوا لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اكْتُبُوا لأَبِى شَاهٍ". ثُمَّ قَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَّا الإِذْخِرَ، فَإنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إلَّا الإِذْخِرَ" (٤).
قوله: "فلما فتح اللَّه على رسُوله": "لما" حرفُ وجُوب لوجُوب، أو ظرف بمعنى "حين"، وهو اختيارُ الفارسي، أو بمعنى "إذ"، وهو اختيار ابن مالك (٥). وقد تقدّم الكلام عليها في الحديث الرّابع من "المذي"، و"مكّة" في العاشر من "فسْخ الحج إلى العُمرة". وجملة "فتح. . . " في محلّ جَر، إن قدّرت "لما" ظرفًا، وإن كانت شرطًا كان ما بعدها في محلّ جزْم.
قال أبو حيّان في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٦) [يوسف: ٦٨]: فيه دليلٌ على أنّ "لما"
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من (ب).
(٢) بالنسخ: "منشد". والتصويب من مصادر التخريج، وعليه شرح ابن فرحون.
(٣) كذا بمصادر التخريج. فليتنبه. وانظر: الإعلام لابن الملقن (٩/ ٩٠).
(٤) رواه البخاري (١١٢) في العلم ومسلم (١٣٥٥) في الحج.
(٥) انظر: الجنى الداني (ص/ ٥٩٤).
(٦) بالنسخ: "شيئًا".
[ ٣ / ٢٩٧ ]
حرف وجُوب لوجوب، لا ظرفًا؛ لأنّ ما بعد "ما" النافية لا يعمَل فيما قبلها، إذ لا يجوز: "حين قام زيد ما قام عمرو". (١)
قلتُ: وأجيب عن هذا بأنْ يجعل جوا بها محذوفًا، فيقدّر: "امتثلوا" أو نحوه (٢).
وجوابُ "لما" هنا: "قَتَلَت".
و"هذيل": اسم القبيلة؛ فلا ينصرف للعَلَمية والتأنيث، أو اسم [الحي] (٣)؛ فينصرف. و"من بني ليث" يتعلّق بصفة لـ "رجُل". و"ليث" قبيلة، ولكنه مُنصرف؛ لسكون الوسط. و"لهم" يتعلّق بخبر "كَان". و"في الجاهلية" يتعَلّق بـ "قتيل".
قوله: "فقَام النبي -ﷺ-": يعني: "خطيبًا"، "فقَالَ": معطُوفٌ عليه، وفاعله ضَميرُ "النبي -ﷺ-".
قوله: "إنّ اللَّه حبس": الجملة معمُولة للقول. و"عن مكّة" يتعلّق بـ "حبس". و"حبس" في موضع خبر "إنّ".
و"الفيل" مفعول " حبس" [ورُوي] (٤): "القَتْلَ" (٥).
قوله: "وسلط" اللَّه "عليها رسوله والمؤمنين": معطوفٌ على "حبس". و"رسوله" مفعول به، و"المؤمنين" معطوفٌ عليه، وعلامة نصبه "الياء".
قوله: "وإنها لم تحلّ": خبرُ "إن" في الجملة المنفية بـ "لم". و"لم" حرف، تقدّم
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤١٩).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (٢/ ٧٣٨)، اللباب في علوم الكتاب (١١/ ١٥٥)، (١٤/ ٧٩)، البحر المحيط لأبي حيان (٧/ ٥٠٤).
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "للحي".
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ويروى".
(٥) صحيح: البخاري (٦٨٨٠)، من حديث أبي هريرة.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
عليها الكلام في الحديث الثّالث من "باب المذي".
والفعلُ مُضاعف الآخر؛ فيجوز فيه الفتح والكسر (١).
قوله: "لأحَد": يتعلّق بـ "تحلّ". وقيل: يتعلّق بخبر "كان" مُقدّرة، أي: "لأحد كان كائنا" ومثله: " [بعدي] (٢) ". وإنما قُلنا ذلك، ولم نجعله صفة؛ لأنّ ظرف الزّمان لا يكون صفة للجُثة ولا حَالًا منها (٣).
واسم "كان" المقدّرة في الثّالث من "باب التيمم"، والرّابع من الأوّل.
قوله: "وإنما أُحلّت لي ساعة من نهار": تقدّم الكَلام على "إنما" في الحديث الأوّل من الكتاب. و"أُحلّت" مبني لما لم يُسم فاعله، والمفعول الذي لم يسم فاعله ضميرٌ يعود على "مكة". و"ساعة" ظرفُ زمان، العاملُ فيه: ["أُحلّت"] (٤). و"من نهار" يتعلّق بصفة و"ساعة" [. . .] (٥) سائر اليوم.
قوله: "وإنها ساعتي هذه": ["إنها": "إنّ" واسمها، و"ساعتي" الخبر] (٦).
و"هذه" يحتمل أنْ تكُون [بدَلًا من "سَاعتي"] (٧) أو عَطْف بيان. ويحتمل أن يكُون الكلام [تمّ عند قوله] (٨): "وإنها ساعتي"، ثم ابتدأ، فقال: "هَذه -[أي:
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٠٥)، شرح التصريح (٢/ ٧٦٤)، شذا العرف في فن الصرف (ص ١٤٢)، ضياء السالك (٤/ ٤٣٠).
(٢) بالنسخ: "تعدى". والمثبت الصواب؛ فكلامه بعدها عن الظرف.
(٣) انظر: الأصول لابن السراج (١/ ٦٣)، شرح ابن عقيل (١/ ٢١٣)، (٤/ ٣٢)، شرح الأشموني (١/ ١٩١)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٨٥٤)، وتوضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٢٧٤)، واللمع (١/ ٢٢٣)، وشرح التصريح (٢/ ٣٩٨) وما بعدها.
(٤) كشط بالأصل. وسقط من (ب).
(٥) تآكل بالأصل بمقدار حوالي اثنتي عشرة كلمة.
(٦) طمس بالأصل. والمثبت من (ب)، وإرشاد الساري (١٠/ ٥٠، ٥١).
(٧) طمس بالأصل. وانظر: إرشاد الساري (١٠/ ٥١).
(٨) طمس بالأصل. وانظر: إرشاد الساري (١٠/ ٥١).
[ ٣ / ٢٩٩ ]
مكة] (١) - حَرام"، ويكون قد حذف صفة "ساعتي" أي: "إنها ساعتي التي أنا فيها"، كما حُذفت في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، أي: "أيّ معاد" (٢). وعلى الأوّل: يكون "حَرام" خبر مبتدأ محذوف، أي: "هي حَرام" (٣).
قوله: "لا يعضد شجرها": جملة في محلّ خبر بعد الخبر، وكذلك ما عُطف عليه. والأفعالُ الثّلاثة المعطُوفة كلها مبنية لما لم يُسمّ فاعله.
قوله: "إلّا لمنشد": استثناء مُفرغ؛ لأنّه متعَلّق بـ " [تُلتقط] (٤) ساقطتها"، و"يُلتقط" بمعنى "يُباح"، أي: "لا تُباح لُقتطها -أو لا تجُوز- إلا لمنشِد"، فهو ملمُوح منه معنى فعل آخر (٥). ولو روي: "ولا يَلتقط سَاقطتها" على بنائه للفَاعل (٦) كانت "اللام" زائدة في الفَاعل، والتقدير: "ولا يَلتقط لُقطتها إلا مُنشد".
وقد زيدت "اللام" في مواضع، منها: خبر المبتدأ (٧)، في نحو قولهم:
أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ . . . . . . . . . . .
_________________
(١) طمس بالأصل. وانظر: إرشاد الساري (١٠/ ٥١).
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٨٥)، عقود الزبرجَد (٣/ ١٤١)، وعُمدة القاري (١٩/ ١٠٤)، وشرح الأشموني (٢/ ٣٢٨)، وشرح التسهيل (٣/ ٣٢٤)، ومغني اللبيب (ص ٦٤٤، ٨١٨)، وشرح ابن عقيل (٣/ ٢٠٥)، وهمع الهوامع (٣/ ١٥٨).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٥١).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "يلتقط".
(٥) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٥١).
(٦) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٥١).
(٧) انظر: شرح التسهيل (١/ ٢٩٩)، مغني اللبيب (ص ٣٠٧)، خزانة الأدب (١٠/ ٣٢٣).
(٨) صدر بيت من الرجز، وهو لرؤبة. وعجزه: "ترضي من الشَّاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَه". انظر: خزانة الأدب (١٠/ ٣٢٢، ٣٢٣)، المعجم المفصل (٩/ ٧٥).
[ ٣ / ٣٠٠ ]
وفي خبر "لكن" (١)، نحو قوله:
. . . . . . . . . . . . ولكنّني مِن حُبّها لَعَمِيدُ (٢)
وقيل بزيادتها في المفعول في قوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣]. وقيل: هي "لام" الابتداء. (٣)
وهذا التخريج وإن لم يكن مَقيسًا فهو يدور على صحّة الرواية؛ فإن رُوي: "يلتقط" بفتح "الياء" صحّ، وإلا فلا ضرورة تدعو إليه.
قال الجوهري: يُقال: "نشدته" إذا ["شَهره" و"سَمّع به"] (٤). و"نشدت الضالة" أنشدها نشدة ونشدانًا، أي: "طلبتُها". و"أنشَدْتها" إذا "عرّفتها". (٥)
قوله: "ومَن قُتل له قتيل": "مَن" شرطية. و"قتيل" مفعول لم يُسم فاعله لـ "قُتل"، وهو "فعيل" بمعنى "مفعول"، يُسمّى بما آل إليه حَاله (٦). وهو في الأصْل صفة لمحذُوفٍ، أي: "لولي قتيل". ويحتمل أن يتضمّن "قُتل" معنى "وُجد"، أي: "مَن وُجد له قتيل". ولا يصحّ هذا التقدير في قوله -﵇-: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" (٧)، ويصحّ التقدير الأوّل، كما سُمّي "العصير" خمرًا (٨).
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٢٩)، خزانة الأدب (١/ ١٦).
(٢) عجز بيت من الطويل، وهو بلا نسبة. وصدره: "يلومونني في حب ليلي عواذلي". انظر: خزانة الأدب (١/ ١٦)، (١٠/ ٣٦١)، المعجم المفصل (٢/ ٣١٦).
(٣) انظر: البحر المحيط (٧/ ٤٩١)، مغني اللبيب (ص ٣٠٨).
(٤) هذا سهو من المصنف، تابع فيه صاحب "رياض الأفهام" (٥/ ١٦٠). لكن الصّواب في "الصحاح" (٢/ ٥٤٣): "ويُقال: نَدَّدَ به، أي شهره وسمَّع به. [نشد] نَشَدْتُ الضالَّة. . . ".
(٥) انظر: الصحاح (٢/ ٥٤٣، ٧٠٥).
(٦) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٣٢)، إرشاد الساري (١٠/ ٥١)، شرح التسهيل (٣/ ٨٨)، شرح المفصل (٣/ ٢٩٣).
(٧) متفقٌ عليه: البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (٢/ ١٧٥١)، من حديث أبي قتادة.
(٨) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٥١).
[ ٣ / ٣٠١ ]
قوله: "فهو بخير النظرين": هذا جَوابُ الشّرط، و"هو" مُبتدأ، وخبره المجرور. و"النظرين" مُعرّف بالألِف واللام، أراد العَهْد الذهني؛ لأنّه محلّ نظر وتردّد، إمّا أنْ يَقتل، وإمّا أنْ يقبل الفِدَاء.
و"إمّا" حرْفٌ، وموضُوعها لأحَد الشيئين أو الأشياء.
قال ابن هشام: وقد تُفتح همزتها، وقد تبدَل ميمها الأولى "ياء". وهي مُركّبة عند سيبويه من "إن" و"ما". وقد تحذف "ما"، كقوله:
سَقَتْه الرَّواعِدُ مِنْ صيفٍ وإنْ مِنْ خريفٍ فَلنْ يَعدَما (١)
أي: "إمّا من صيف وإمّا من خريف".
وقال المبرد والأصمعي: "إنْ" في هذين الموضعين شَرطية، و"الفاء" فاء الجواب، والمعنى: "وإنْ سقته من خريفٍ فلن يعدم الريّ".
قال ابن هشام: وليس بشيءٍ؛ لأنّ المراد وصْف هذا الوعْل بالريّ على كُلّ حال، ومع الشرط لا يلزم ذلك.
وزعم يونس والفارسي أنّ "إمّا" الثانية لا تكون عاطفة، كالأولى، ووافقهم ابن مالك؛ لملازمتها غالبًا "الواو" العاطفة.
ونقل ابن عصفور الإجماع على أنّ "إمّا" الثانية غير عاطفة، كالأولى، وإنما ذكروها في باب العطف لمصاحبتها لحرفه.
ولا خلاف أنّ "إمّا" الأولى غير عاطفة؛ لاعتراضها بين العامل والمعمول في نحو قولك: "قام إما زيد وإما عمرو" (٢).
_________________
(١) البيت من المتقارب، وهو للنمر بن تولب. انظر: الكتاب لسيبويه (١/ ٢٦٧)، مغني اللبيب (ص ٨٤)، خزانة الأدب (٩/ ٢٥)، والمعجم المفصل (٧/ ٦٢).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٨٤، ٨٥).
[ ٣ / ٣٠٢ ]
ولـ "إمّا" [خمسة] (١) معان: -
أحدها: الشّك، نحو: "جاءني إمّا زيد وإمّا عمرو" إذا لم يُعلم الجائي منهما.
الثاني: الإبهام، نحو قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦].
والثالث: التخيير، نحو: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (٢) [الكهف: ٨٦]، ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥].
قال: ووهم [ابن] (٣) الشّجري (٤)، فجعَل منه قوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦].
والرابع: الإباحة، نحو: "تعلّم إمّا فقهًا وإمّا نحوا"، و"جالس إمّا الحسن وإمّا ابن سيرين". ونازع في هذا المعنى جماعة لـ "إمّا" مع إثباتهم إياه لـ "أو".
والخامس: التفصيل، نحو قوله تعالى: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. (٥)
قوله: "فقام رجُلٌ": معطوفٌ على ما قبله. و"من أهْل اليمن" يتعلّق بصفة لـ "رجُل". و"أهْل" تقدّم الكَلام عليها في الخامس من "كتاب الصّوم".
قوله: "يُقال له: أبو شاهٍ": في محلّ صفة ثانية، وتركيبه تركيب إضافة، كـ "أبي هُريرة" (٦)، وتقدّم الكَلام على ذلك في الحديث الثّاني مِن أوّل الكتاب.
_________________
(١) بالنسخ: "خمس".
(٢) بالنسخ: "تعذبهم".
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من "مغني اللبيب".
(٤) انظر: أمالي ابن الشجري (بالمقدّمة ص ٦٧)، (٣/ ١٢٥).
(٥) انظر: مغني اللبيب (ص/ ٨٥، ٨٦).
(٦) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٥١).
[ ٣ / ٣٠٣ ]
قوله: "فقَالَ: يا رسُولَ اللَّه، اكتبوا لي": مفعوله محذوفٌ، يعني: "الخطبة". "فقال رسول اللَّه -ﷺ-: اكتبوا لأبي شاهٍ": الجملة معمُولة للقول، والمفعولُ محذوفٌ، أي ["الخطبة". . . صلى] (١) اللَّه [عليه وسلم. ويحتمل] (٢) أن يكُون سُؤاله لأحَد الحاضرين، [والمراد: "يا رسول] (٣) اللَّه ليكتبوا لي"، ثم حذف "لام" الأمر؛ [ولذلك قال صلى اللَّه] (٤) عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاهٍ".
وحذفُ "لام" الأمر [وُجد كثيرًا] (٥)، ومنه قوله:
مُحَمّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ . . . . . . . . . . . . (٦)
أي: ["لتفد"] (٧). (٨)
قوله: "ثُمّ قام العبّاس": معطوفٌ على ما قبله. وأتى بـ "ثُمّ"؛ لأنّ ثَمّ مُهلة.
"فقال: يا رسول اللَّه، إلّا الإذخر": هذا الاستثناءُ من محذُوفٍ، يدلّ عليه ما قبله، تقديره: "فحرّم الشّجر والخَلى إلا الإذخر"؛ فيكون استثناء مُتصلًا.
_________________
(١) تآكل سطر بالأصل، أي حوالي سبع عشرة كلمة.
(٢) تآكل بالأصل بمقدار ثلاث كلمات تقريبًا. ولعل المثبت صواب.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) البيتُ من الوافر، وهو لأبي طالب. وعجزه: "إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيْءٍ تبَالَا". انظر: معاني القرآن للأخفش (١/ ٨٢)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٦٩)، والمعجم المفصل (٦/ ٣٩).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) انظر: إرشاد الساري (٤/ ٣٥٩)، الكتاب (٣/ ٨)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٤٤٢)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٦٠)، مغني اللبيب (ص ٢٩٧، ٨٤٠)، الجنى الداني (ص ١١٢)، شرح المفصل (٤/ ٢٩٢)، (٥/ ١٤٤، ١٤٥). وقد ذكر الإمام السيوطي في "الهمع" (٢/ ٥٣٩، ٥٤٠) أربعة أقوال في حذفها.
[ ٣ / ٣٠٤ ]
ويحتمل أن يُريد الانقطاع، أي: "لكن الإذخر ما حُكمه؟ فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا"؛ فيكون "الإذخر" مبتدأ، و"ما" استفهام، وما بعده خبره، والجملة خبر "الإذخر". والرّواية النصب على الاستثناء (١).
الحديث السادس:
[٣٤٠]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- أَنَّهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فى إمْلاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْت رسول اللَّه -ﷺ- قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. فَقَالَ: [لتأتيني] (٢) بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَك، فَشَهِدَ مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ (٣).
إمْلاصُ الْمَرْأَةِ: أَنْ تُلْقيَ جنينَها مَيْتًا (٤).
قوله: "أنه استشار": في محلّ المفعول الذي لم يُسمّ فاعله.
قوله: "في إملاص": يتعلّق بـ "استشار".
وهو مصدر "أمْلَص، يَمْلَص". قال في "الصحاح": " [انملص] (٥) الشيء": "أفْلَت"، وتُدغَم "النون" في "الميم"، و"أمْلَصَت المرأة بولدها" أي "أسْقَطَت"،
_________________
(١) راجع: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (٤/ ٤٩)، إرشاد الساري (٣/ ٣٠٧، ٣٠٩)، (١٠/ ٥١)، مرقاة المفاتيح لملا علي القاري (٥/ ١٨٦٤).
(٢) كذا بالأصل. وفي نُسَخ "العُمدة": "لتأتينّ". وفي "صحيح البخاري": "ائت"، وفي "صحيح مُسلم": "ائتني". ولم يذكرها الشيخ ابن فرحون بالشرح.
(٣) رواه البخاري (٧٣١٧) في الاعتصام، ومسلم (١٦٨٩) في القسامة.
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٥٦).
(٥) بالنسخ: "أملص". والمثبت من "الصحاح" (٣/ ١٠٥٧). ومع هذا فـ "أملص" صواب أيضًا؛ لأنّ المصادر لا تفرّق كثيرًا بين: "انملص" و"أَمْلَصَ" و"امَّلَصَ" و"تملَّص" و"مَلَّص" و"مَلِصَ" و"مَلَص". وانظر: إرشاد الساري (١٠/ ٦٩)، مشارق الأنوار (١/ ٣٨٠)، النهاية لابن الأثير (٤/ ٣٥٦)، العين (٧/ ١٣١)، والقاموس المحيط (ص ٦٣٢)، ولسان العرب (٧/ ٩٤).
[ ٣ / ٣٠٥ ]
و"التملّص": التخلّص" (١). وهو هُنا مُضافٌ إلى الفَاعل.
قوله: "فقال المغيرة" بن شعبة "شهدتُ النبي -ﷺ-" المعنى: "حضرتُ النبي". وجاء "شهد" بمعنى "الحضور"، وبمعنى "التحمّل للشهادة" (٢).
قوله: "فقضى فيه": حرفُ الجر يتعلّق بـ "قضى". والضميرُ يعود على "الإملاص"، وهو الجنين.
قوله: "بغُرة عبد": قال في "الصّحاح": عبّر النبي -ﷺ- عن الجسم كُلّه بـ "الغُرّة"، وأصله: "بياضٌ في جَبهة الفَرَس فوق الدّرهَم". يُقال: "فرَسٌ أغَر". و"الأغَر" أيضًا: "الأبيض" (٣).
إذا ثبت ذلك: فقوله: "بغُرةٍ عبدٍ" بالجر فيهما، والتنوين فيهما، على البدل بدَل كُل من كُل ونكرة من نكرة. ورُوي: "بغُرّةِ عَبْدٍ" (٤) على الإضَافة. والأولى أوْجَه؛ لأنّ الرّواية الثانية يلزم منها إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك قليلٌ مُؤوّل (٥).
و"الغُرة" عند المالكية مُقدّرة بعُشْر دِية الأُم، وكذلك جَنين الأمَة من سيّدها المسْلم (٦).
_________________
(١) انظر: الصحاح (٣/ ١٠٥٧).
(٢) انظر: البحر المحيط (٩/ ٣٦٥)، إرشاد الساري (٧/ ٢٤)، الصحاح (٢/ ٤٩٤).
(٣) انظر: الصحاح (٢/ ٧٦٧، ٧٦٨).
(٤) كذا هو بهذا الضبط عند أبي داود (٤٥٧٩)، والنسائي في الكبرى (٦٩٩٢).
(٥) انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٥/ ٤٨٩)، رياض الأفهام (٥/ ١٦٦)، إرشاد الساري (٨/ ٣٩٩)، (١٠/ ٦٩).
(٦) انظر: رياض الأفهام (٥/ ١٦٨ وما بعدها)، المدونة (٢/ ١٣٩)، (٤/ ٦٣٣)، الكافي لابن عبد البر (٢/ ١١٢٣)، والبيان والتحصيل لابن رشد (١٦/ ٣٣)، والتاج والإكليل (٨/ ٣٣٣).
[ ٣ / ٣٠٦ ]
الحديث السّابع:
[٣٤١]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ [إحْدَاهُمَا] (١) الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رسول اللَّه -ﷺ-، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ -عَبْدٌ، أَوْ وَليدَةٌ- وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لا شَرِبَ وَلا أَكَلَ، وَلا نَطَقَ وَلا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذَلِكَ [يُطَلُّ] (٢). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إنَّمَا هُوَ مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ"، مِنْ أَجْل سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ (٣).
قوله: "اقتتلت امرأتان من هذيل": حرفُ الجر يتعلّق بصفة لـ "امرأتان".
و"التاء" [في] (٤) "اقتتلت" لتأنيث الفِعل. ولو قال: "اقتتل امرأتان" جاز. وتقدّم الكلام على "تاء" التأنيث (٥) في الرّابع من أوّل الكتاب.
قوله: "فرمَت إحداهما الأخرى": "إحْداهما" فاعِل، و"الأخرى" مفعول.
وهذا من المواضع التي يجب فيها تقديم الفَاعِل على المفعُول؛ لأنّه إذا لم يكُن في الكلام إعراب مُبيِّن ولا لفظ مُبيِّن ولا تابع مُبيِّن ولا مَعنى مُبيِّن وجَب تقديم الأوّل، نحو: "ضرب مُوسى عيسى". وإنما قيل ذلك؛ لأنّ الفاعِل رُتبته التقديم (٦)،
_________________
(١) بالأصل: "إحديهما". وهو مثال لإمالة الناسخ لحرف الألِف. وقد تكرّر بمواضع أخرى، ولن نشير إليها كفروق نسخ.
(٢) بالنسخ: "بطل". والمثبت هو ما في نسخ "العمدة" ومصادر التخريج.
(٣) رواه البخاري (٦٩١٠) في الديات، ومسلم (١٦٨١) في القسامة.
(٤) سقط من النسخ.
(٥) انظر: شرح المفصل (٣/ ٣٧٧)، واللمحة (١/ ٣١٣).
(٦) انظر: شرح المفصل لابن يعيش (١/ ١٩٦، ١٩٧)، علل النحو (ص ٢٧١)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٩)، ومغني اللبيب لابن هشام (ص/ ٧٦٧، ٧٨٠)، شرح الأشموني (١/ ٤٠٣)، شرح القطر (ص ١٨٥، ١٨٦)، والمقتضب (٣/ ١١٨).
[ ٣ / ٣٠٧ ]
فوقع "إحداهما" في رُتبة الفاعل؛ فتعيّن.
وكذلك قيل فيما فيه إعراب مُبيِّن، لكنه استوى [فيهما] (١) المعنى، كقولك: "ضرب بعضهم بعضا"؛ أوجَبوا أنّ المتقدّم الفَاعل؛ لأنّه لا فائدة في جَعل الثاني فاعلًا إلا مخالفة الرّتبة والترتيب. (٢)
قوله: "فقتلتها وما في بطنها": "الفاء" عاطفة، وفيها معنى السببية.
قوله: "وما في بطنها": معطوفٌ على ضمير المفعُول. و"ما" موصولة بمعنى "الذي"، وصلتها في المجرور، وبالاستقرار يتعلّق حَرف الجر. ويحتمل أن تكُون "الواو" بمعنى "مع"، أي: "قتلتها مع ما في بطنها"؛ فتكون الصّلة والموصُول في محلّ نصب.
قوله: "فاختصموا إلى رسول اللَّه -ﷺ-؛ فقضى رسول اللَّه -ﷺ- أنّ دية جنينها": "أنّ" هنا في محلّ نصب أو جَر على الخلاف في الاسم بعد حذف حرف الجر (٣). و"غُرةٌ" خبر "أنّ".
و"عبد" مخفوضٌ بالإضافة، و"أو وَليدة" معطوفٌ عليه.
قوله: "وقضى بدية المرأة على عاقلتها": يعني: "على عاقلة القاتلة".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: شرح المفصل (١/ ١٩٧)، نتائج الفكر للسهيلي (ص/ ١٣٤)، الأصول في النحو (٢/ ٢٤٥، ٢٤٦)، التبيين عن مذاهب النحويين (ص ١٦٨)، والمقتضب (٣/ ١١٨).
(٣) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٣)، الإعلام لابن الملقن (١/ ٦٤٥)، إرشاد الساري (١٠/ ٧١)، مُغني اللبيب (ص ٦٨٢)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢)، شرح التصريح (١/ ٤٦٩)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤)، الصاحبي (ص ٩١)، حاشية الصبان (٢/ ١٣٣).
[ ٣ / ٣٠٨ ]
قوله: "ووَرّثها وَلدها ومَن معهم": "مَن" هنا موصُولة، أي: "والذين معهم". والضّمير في "معهم" يعُود على ["سَائر الوَرَثة". والمرادُ] (١) بـ "الولد" الجنس.
قوله: "فقَام حمل [بن النابغة الهذلي]، (٢) ": بفتح "الحاء" المهمَلة، وفتح "الميم"، "ابن النابغة": [نسبة إلى جَدّه. (٣)
قال النووي] (٤): "حمل" هذا أبو نضلة، حمل بن مالك بن النابغة الهذلي، من هذيل بن مُدركة [بن إلياس بن مُضر] (٥)، عَدّه مُسلم بن الحجّاج في المدنيين، وغيره يعدّه في البصريين، له ذِكْر في "كتاب الديات". (٦)
قال غيره في اسم هاتين المرأتين: إحداهما مليكة، والأخرى غطيف، ويُقال: أم غطيف. وقيل: إحداهما أم عفيف، والأخرى أم مكلف، وكانتا ضرّتين. (٧)
قوله: "فقال: يا رسُول اللَّه، كيف أغرم مَن لا شرب ولا أكَل؟ ": "كيف" سُؤال عن [حال] (٨)، وتقدّمت في الحديث الرّابع من "كتاب الصّلاة"، وفي العاشر
_________________
(١) تآكل بالأصل بقدر ثلاث كلمات تقريبًا. وقد أكمل بالرجوع للمصادر. وانظر: تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للبيضاوي (٢/ ٤٧٦، ٤٧٧)، مرقاة المفاتيح (٦/ ٢٢٨٠)، عون المعبود (١٢/ ٢٥٦).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١١/ ١٧٧، ١٧٨).
(٤) تآكل بالأصل بقَدر أربع كلمات تقريبًا. وأكمل النقص من المصدر والسياق. ويدلّ على ما زدناه من "قال النووي" أنه بعدها يقول: "قال غيره. . . ".
(٥) تآكل بالأصل بقَدر أربع كلمات تقريبًا. وأكمل النقص من المصدر. وبعده في المصدر: ". . . بن مضر الهذلى. نزل البصرة، وكان له بها دار. ذكره مسلم. . . ".
(٦) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٦٩، ١٧٠).
(٧) انظر: فتح الباري (١٠/ ٢١٨)، الإعلام لابن الملقن (٩/ ١٠٨).
(٨) طمس بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣٠٩ ]
من "صفة الصلاة". وهي عند سيبيويه ظرف زَمان حيث وَقَعَت، وأصحابه يصرفونها لبعض وجوه الإعراب، غير أنّهم لا يُعربونها فَاعلًا (١).
وفي "كيف" هنا معنى التعجّب والإنكار.
وتحتمل الحال، أي: "أوجُوبًا أغرم مَن لا أكَل؟ ".
ويحتمل أن تكُون بمعنى " [أن] (٢) " المصدَريّة، أي: "أيّ غُرم أغرم؟ "، كما قيل في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، التقدير: "أيّ فِعْل فَعَل؟ ". (٣)
و"مَن" هنا يحتمل أن تكُون موصُوفة، أي: "كيف أغرم شيئًا" أو "خَلقًا"، [و"لا] (٤) شرب ولا أكل" في محل الصفة.
ويحتمل أن تكون موصولة، أي: "الذي لا أكل ولا شرب".
وشرط الجملة التي هي في محلّ الصّلة أو الصفة أن تكُون خبرية محتملة للصّدق والكذب، احترازًا من الطلبية، وهو الأمر والنهي والاستفهام ونحو ذلك.
والنفي كما جاء هنا عندهم خَبر. ومثله قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] (٥).
قوله: "لا شرب ولا كل ولا نطق ولا استهل": "لا" هنا بمعنى "لم"، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، أي: "لم يُصدّق ولم يُصل". ومنه قوله
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١/ ١٩٣)، ومغني اللبيب (ص/ ٢٧٢)، وهمع الهوامع (٢/ ٢١٧، ٢١٨، ٢١٩)، وشرح المفصل (٣/ ١٣٩ وما بعدها).
(٢) كذا بالنسخ.
(٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٧٢)، إرشاد الساري (٨/ ١٧٥)، مغني اللبيب (ص/ ٢٧١)، وهمع الهوامع (١/ ٣٣)، الموجز في قواعد اللغة العربية (ص ٢١٨).
(٤) بالنسخ: "قوله: ولا". والصّواب المثبت لارتباطه بما قبله.
(٥) راجع: البحر المحيط (٨/ ١٢٠).
[ ٣ / ٣١٠ ]
تعال: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]، أي: "لم يقتحم العقبة". (١)
قال الهروي: ومن هذا قول القائل للنبي -ﷺ-: "أرأيت مَن لا شرب ولا أكل. . . "، أي: "من لم يشرب ولم يأكُل ولم يستهل". (٢)
ومنه قول أبي خراش الهذلي:
إِن تغْفر اللَّهُمَّ تغْفر جَمَّا وأَيُ عَبْدٍ لَكَ لا أَلمَّا (٣)
أي: "لم يُلم بالذنوب" (٤).
قوله: "فمثل ذلك [يُطلّ] (٥) ": يُروى بـ "الباء" و"الياء". "فمثل" مبتدأ، و"ذلك" مُضاف إليه، و"يُطلّ" بـ "الياء" فعل مُضارع مبني لما لم يُسمّ فاعله، ماضيه "طل"، فهو "مطلول". قال في "الصّحاح": منه قوله:
دِمَاؤُهُمْ لَيْسَ لَهَا طالبٌ مَطْلُولةٌ مِثْلُ دَمِ العُذْرَه (٦)
قال: ويُقال: "أُطِلّ دمه" و"طلّه اللَّه" و"أطلّه": "أهْدَره". قال أبو زيد: ولا يُقال: "طَلّ دمه" بفتح "الطّاء". و"أطلّ عليه" بمعنى "أشرَف" (٧).
_________________
(١) انظر: اللباب لابن عادل (١٩/ ٥٧٤)، شرح المفصل (١/ ٢٧٠)، (٥/ ٣٣)، واللمحة (١/ ٤٨٣)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٦٤)، ومغني اللبيب (ص ٣٢٠).
(٢) انظر: الأزهية للهروي (ص ١٥٧ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٣٢٠).
(٣) الرجز لأبي خراش الهذلي، أو لأمية بن أبي الصلت. انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ٣٢٤)، خزانة الأدب (٤/ ٤)، المعجم المفصل (١٢/ ٧٠).
(٤) انظر: الأزهية للهروي (ص ١٥٨ وما بعدها).
(٥) بالنسخ: "بطل". وقد سبق سبب التغيير عند المتن.
(٦) البيت من السريع، وهو بلا نسبة. انظر: الصّحاح (٥/ ١٧٥٢)، المعجم المفصل (٣/ ١١٠).
(٧) انظر: الصحاح (٥/ ١٧٥٢).
[ ٣ / ٣١١ ]
ومَن رواه "بَطَل" (١) بـ "الباء" الموَحّدة من تحت، فهو من "البطلان"، أي: "مثل ذلك بَطل حُكْمه" (٢).
فتكون الجملة في محلّ خبر على الروايتين.
قوله: "فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إنما هو من إخْوَان الكهان": "إنما" حرفُ ابتداء، تقدّم الكَلام عليها في الحديث الأوّل من الكتاب.
و"هو" مبتدأ، و"من إخوان" خبره، وتقدّم الكَلام على "إخوان"، وأنه يُستعمَل في أُخوة الدّين والصّداقة، و"إخْوَة" يُستعمَل في النّسَب (٣).
و"الكُهّان": جمعُ "كَاهِن". و"مِن" يتعلّق بالاستقرار المقَدّر.
قوله: "من أجْل سَجْعه الذي [سَجَع] (٤) ": "أجْل" تقدّم الكَلام عليها في السّادس من "الإمامة". و"السّجع" بالسين المهْمَلة: "الكَلامُ المقفّى"، والجمعُ: "أسجاع" و"أساجيع"، وقد "سَجَع الرجُل سَجْعًا"، و"سَجّع تسجيعًا"، و"كلامٌ مُسَجّع" (٥).
وهَذا من كلام الرّاوي (٦)؛ فيتعلّق بفعل محذُوف، أي: "قال ذلك من أجْل
_________________
(١) رواه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ص ٨٥٥) مرسلًا عن سعيد بن المسيب، والإمام أحمد بن حنبل في المسند (١٨١٦٣)، والدارقطني في سننه (٣٢٠٦)، من حديث المغيرة.
(٢) انظر: فتح الباري (١/ ٨٨)، إرشاد الساري (٨/ ٤٠٠)، رياض الأفهام (٥/ ١٧٦)، الإعلام لابن الملقن (٩/ ١١٢).
(٣) انظر: البحر المحيط (٣/ ٢٨٨)، (٥/ ٣٧٩)، (٩/ ٥١٦)، إرشاد الساري (٨/ ٣٣)، الصحاح (٦/ ٢٢٦٤)، لسان العرب (١٤/ ٢٠، ٢١).
(٤) بالنسخ: "سجعه".
(٥) انظر: رياض الأفهام (٥/ ١٧٧، ١٧٨)، والصّحاح (٣/ ١٢٢٨).
(٦) انظر: رياض الأفهام (٥/ ١٧٧).
[ ٣ / ٣١٢ ]
سَجْعه".
و"الذي" وصِلته صفة لـ "سَجْعه".
الحديث الثامن:
[٣٤٢]: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلِ، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتاهُ، فَاخْتَصَمُوا إلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَما يَعَضُّ الْفَحْلُ، لَا دِيَةَ لَك" (١).
جملة "عضّ" في محلّ خبر "أن". و"أن" مفتوحة لمتعلّق حرف الجر. و"يد" مفعول "عضّ". وجملة "نزع" معطوفة على جملة "عض". و"من فيه" يتعلّق بـ "نزع"، وكذلك جملة "فوقعت" وما بعدها.
قوله: "من فيه": الضّمير يعود على "العاضّ". وحرف الجر يتعلّق بـ "نزع". وعلامة الجر في المجرور "الياء"؛ لأنه من الأسماء الستة، وتقدّم الكلام عليه في الحديث الثاني من [. . .] (٢) من "الأذان".
قوله: "وقعت ثنيتاه": [. . .] (٣) في الفعل [. . .] (٤) الفاعل [. . .] (٥)، ويجوز انتقالها.
قوله: "فاختصموا": جمع [الضّمير في محلّ مخاصم] (٦) جماعة يخاصمون معه،
_________________
(١) رواه البخاري (٦٨٩٢) في الديات، ومسلم (١٦٧٣) في القسامة.
(٢) كشط بالأصل بقدر أربع كلمات تقريبًا.
(٣) كشط بالأصل بقدر أربع كلمات تقريبًا.
(٤) كشط بالأصل بقدر ثلاث كلمات.
(٥) كشط بالأصل بقدر أربع كلمات تقريبًا.
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب). والمعنى أنه جمع الضّمير في الفعل مع أنّ المخاصم واحد، فكأنّه أتي بجماعة يخاصمون معه.
[ ٣ / ٣١٣ ]
أو لأنّ ضَمير [الجمع] (١) [. . .] (٢)، كقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] (٣).
قوله: "إلى رَسُول اللَّه -ﷺ-": [يتعلّق] (٤) بـ "اختصموا". وتعدّى بـ "إلى"، وإن كان "اختصم" لا يتعدّى بـ "إلى"؛ لأنّه ملْمُوح فيه معنى "تحاكَمُوا".
قوله: "فقال": يعني: "النبي -ﷺ-". "يعض أحدكم أخاه": حذف "همزة" الاستفهام، والأصل: "أيعض أحدكم؟ " على طريق الإنكار. وحُذفت، كما حذفت من قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]، [التقدير] (٥): "أوتلك نعمة"، ومثل هذا كثير. (٦)
و"أحدكم": [الفاعل] (٧)، و"أخاه" المفعول. ولو جَعَل الأوّل المفعول جاز، حتى يُقال: "أيعضّ أحدكم أخوه؟ ". أمّا لو قدّم الثاني وأخّر الأوّل لم يجز؛ لأنّ الضّمير لا يعُود على ما بعده لفظًا ورُتبة؛ إذ المفعول رُتبته التأخير.
فلو قُلت: "أيعضّ أخوه أحدكم" لم يجز؛ لما قدّمناه، إلّا على لُغة ضعيفة.
والفاعل والمفعول ينقسمان بالنّظر إلى التقديم والتأخير ثلاثة أقسام: -
قسم يجب فيه تقديم الفاعل. وقسم يجوز فيه الأمرَان.
فيجب تقديم الفاعل إذا كان ضميرًا مُتصلًا، نحو: "ضَربتُ زيدًا".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) كشط بالأصل بقدر ثلاث كلمات.
(٣) انظر: الكتاب لسيبويه (٢/ ٤٨)، (٣/ ٦٢٢).
(٤) كشط بالأصل بقدر ثلاث كلمات، منها: "عليه وسلم".
(٥) غير واضحة بالأصل.
(٦) انظر: الجنى الداني (ص ٣٤)، توضيح المقاصد (٢/ ١٠٠٤).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣١٤ ]
وإذا كان المفعول بعد "إلّا" أو معناها، نحو: "ما ضرب عمرو إلّا زيدًا"، ومعناها: "إنما ضرب عمرو زيدًا".
وإذا كان الفاعل مُضافًا إليه المصدَر المقدّر بـ "أنْ" والفعل، نحو: "يُعجبني ضرب زيد عمرا".
وإذا لم يكن في الكلام إعراب مُبيّن ولا لفظ مبيّن ولا معنى مبيّن ولا تابع مبيّن نحو: "ضرب موسى عيسى". واللفظ المبين، نحو: "ضَرَبَت موسى سلمى". والمعنى المبين، نحو: "أكل الكمثرى موسى". والتابع المبيّن، نحو: "ضرب موسى الكريمَ -بالنصب- عيسى العاقلُ -بالرفع".
ففي هذه المواضع يجب تقديم الفاعل.
ويجب تأخيره إذا كان المفعول ضميرًا متصلًا، والفاعل اسمًا ظاهرًا، نحو: "أكرمني زيد".
وإذا كان الفاعل بعد "إلّا"، نحو: "ما ضرب زيدًا إلا عمرو". أو معناها، نحو: "إنما ضرب زيدًا عمرو".
وإذا كان في الفاعل ضَمير يعود على المفعول، نحو: "ضَرَب زيدًا غُلامُه".
وإذا كان المفعول مضافًا إليه المصدَر المقدّر بـ "أن" والفعل، نحو: "يعجبني ضرب الثوب القصارُ".
وإذا كان المفعول مضافًا إليه اسم الفاعل، نحو: "هذا ضارب زيد أبوه".
وما عدا ذلك: يجوز فيه الأمران. (١)
إذا ثبت ذلك: ففي الكلام حذف مُضاف، أي: "أيعض أحدكم يد أخيه"،
_________________
(١) انظر: الأصول لابن السراج (٢/ ٢٣٨)، شرح ابن عقيل (٢/ ٩٦ وما بعدها)، شرح قطر الندى (ص ١٨٤ وما بعدها)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٥٣٤)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٥٩٥)، الخصائص (١/ ٢٩٥).
[ ٣ / ٣١٥ ]
يفسر هذا التقدير حكاية ما وَقَع التخاصم فيه.
قوله: "كما يعض الفَحْل": "الكاف" نعت لمصدر محذوف، أي: "أيعض أحدكم أخاه عضًّا مثل ما يعض الفحل؟ ". وقيل: "الكاف" حال من مصدر مفهوم من الفعل المتقدّم، محذوف على السّعة، فيكون التقدير: "أيعض أحدكم أخاه العض مثل. . .؟ "، فـ "العض" مصدر مفهوم من "عض"، أضمر، ثم حذف على السعة.
قوله -ﷺ-: "لا دية لك": "لا" نافية، و"دية" مبني مع "لا"، ومحلّ "لا" مع اسمها رفع بالابتداء. والخبر في المجرور، أو محذوف على مذهب الأكثرين، فتكون "لك" في محلّ صفة، والتقدير: "لا دية كائنة لك موجودة" أو غير ذلك.
وتقدّم الكلام على "لا" النافية، وحكمها مع اسمها وخبرها في الحديث الأوّل من "باب التيمم".
الحديث التاسع:
[٣٤٣]: عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، وَمَا نَسِينَا مِنْهُ حَدِيثًا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ اللَّهُ -﷿-: عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفسِهِ، فحَرَّمْت عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" (١).
قال الشّيخ تقيّ الدّين: "رقأ الدم"، "يرقأ، بفتح "الراء" و"القاف" والهمز. (٢)
قلت: و"الجرح" بفتح "الجيم" وضمّها، كـ "القَرح" و"القُرح". فالفتح المصدر، والضّم: "المكان المجروح". و"جزع" بكسر "الزاي". و"حز" بالحاء المهملة
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٦٣) في أحاديث الأنبياء، ومسلم (١١٣) في الإيمان.
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٣٤).
[ ٣ / ٣١٦ ]
و"الزاي" المعجَمة.
قوله: "قال: حدّثنا جندب": و"حدّثنا" قد تقدّم. و"في هذا المسجد" يتعلّق بـ "حدّثنا"، و"المسجد" صفة لـ "هذا". وتقدّم الكَلام على "مسجد" ونظائره في الحديث الثّالث من "التيمم".
قوله: "ومَا نسينا منه": "ما" نافية. و"نسينا" فعل، وفاعل. ومفعول "حدّثنا" محذوف تقديره: "حدّثنا جندب أحاديث ما نسينا منه حديثا"، ويكون الضّمير في "منه" يعود على جنس الأحاديث. ويحتمل أن يكون التقدير: "وما نسينا من حديثه حديثًا"؛ فيكون الضّمير يعود على "جندب".
قوله: "وما نخشى أن يكون جندب": ["ما"] (١) مع صلتها في محلّ مفعول "نخشى"، [وما نخشى كذبه فلا نُحدّث عنه] (٢).
قوله: "قال: قال رسُول اللَّه -ﷺ-: "قال" الأولى بدَل من "حدّثنا" أو تأكيد له؛ لأنّ الحديث قول. و"قال" الثانية معمول القول إلى آخر الحديث.
قوله: "كان فيمن كان قبلكم": اسم "كان": "رجل". و"فيمن" في موضع الخبر. والتقدير: "كان في زمن من كان قبلكم"، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. و"قبلكم" يتعلّق بالخبر، أي: "في من كان كائنًا". [. . .] (٣).
و"رقأ": تقدّم الكلام [. . .] (٤). ولـ "حتى" أحكام تقدّمت في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب. وتتعلّق "حتى" بـ "رقأ".
_________________
(١) سقط بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) كذا بالنسخ.
(٣) مقطوع من الأصل أربعة أسطر تقريبًا.
(٤) مقطوع من الأصل سطر تقريبًا.
[ ٣ / ٣١٧ ]
قوله: "قال اللَّه": جملة مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب. و"عبدي" مبتدأ، و"بادرني" جملة من فعل وفاعل و"نون" الوقاية، ومفعول الفاعل ضمير مُستتر يعُود على "العبد"، والجملة في محلّ الخبر. و"بنفسه" [يتعلّق] (١) به.
و"الفاء" في قوله: "فحرمت عليه" سببية. و"الجنة" مفعول "حرمت".
* * *
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣١٨ ]
بابُ الحُدود
الحديث الأوّل:
[٣٤٤]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "قَدِمَ نَاسٌ مِنْ عُكْلٍ -أوْ عُرَيْنَةَ- فَاجْتَوَوُا الْمَدِينةَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَهُمْ بِلِقَاحٍ، وَأمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ رسول اللَّه -ﷺ- واسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ [في] (١) أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ. فَلَمَّا، ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطعَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافِ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَتُرِكُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَلا يُسْقَوْنَ". قَالَ أَبُو قِلابةَ: فَهَؤُلاء سَرَقُوا وَقتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ (٢).
قوله: "قدم ناس من عكل": حرف الجر يتعلق بصفة لـ "ناس"، والجملة معمولة بالقول. و"ناس" تقدّم الكلام عليه في السابع من "الإمامة"، وفي الثالث من "باب الخسوف".
قوله: "أو عرينة": "أو" هنا للشّك من الرّاوي (٣)، وتقدّم الكلام عليها في الثّالث من "باب السواك".
و"عكل" و"عرينة" قبيلتان من قبائل العرب، قيل: من سليم ومن بجيلة. (٤)
وصرف "عكل" وإن كان مؤنثا لسكون أوسَطه، ومنع "عرينة"؛ لتوفر الشرطين، ولو أراد الحي في "عكل" لانصرف على كل حال. وتقدم الكلام على ما لا ينصرف من القبائل مرارًا.
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت العمدة والشرح.
(٢) رواه البخاري (٦٨٠٤) في الحدود، ومسلم (١٦٧١) في القسامة.
(٣) انظر أوضح المسالك (٣/ ٣٤٠).
(٤) انظر إحكام الأحكام (٢/ ٢٣٧)، رياض الأفهام (٥/ ١٩٣).
[ ٣ / ٣١٩ ]
قوله: "فاجتووا المدينة": أصله: "اجتوى" بواو مفتوحة، وإنما لم تقلب وإن كان قبلها فتحة؛ لأنها تدل على "الألِف"، فلو قلبت لحذفت، ولحذفها تحذف "الألف"؛ فتختلّ الكلمة، ثم دخل عليها "واو" الضّمير؛ فصار: "اجتواو"، فاجتمعت "الألف" ساكنة و"الواو" ساكنة، فحذفت "الألف"؛ لالتقاء السّاكنين، ثم حرّكت "الواو" بالضم لسكونها وسكون "اللام" التي في "المدينة".
فإن قلت: قد تحرّكت "الواو" أيضًا، وانفتح ما قبلها؛ فيجب أن تنقلب ألفًا؟
قلت: الحركة التي على "الواو" حركة عارضة ليست أصلية؛ لأنها إنما تحرّكت لالتقاء السّاكنين، ثم الحركة على الواو الأولى -وهي الفتحة- تدلّ على "الألِف" المحذوفة.
يقال: "اجتويت البلد" إذا "كرهت المقام فيها، وإن كنت في نعمة". قاله في "الصحاح". (١) و"المدينة": مفعول به.
قال ابنُ الأثير: هو مثل "الاستيخام". تقول: "اجتويت موضع كذا" إذا "استوخمته" و"كرهت المقام فيه". وهو "افتعلت" من "الجوى" الذي هو "الألم في الجوف". (٢)
قوله: "فأمر النبي -ﷺ- لهم بلقاح": "أمر" يتعدّى بنفسه، ويتعدّى بحرف الجر، يقال: "أمرتك الخير" و"أمرتك بالخير".
وقد تعدّى هنا بحرف الجر. ولا يجوز أن يتعدّى إلى "لقاح" بنفسه؛ لأنّه ليس مصدرًا. والتقدير هنا: "أمر لهم بنوق لقاح".
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٠٦). وراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣١٨)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٥٥٨).
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣١٨).
[ ٣ / ٣٢٠ ]
و"لهم" يتعلق بـ "أمر"؛ لأنه يضمّن معنى "أعطى". ولا يصح أن يتعلّق لهم بصفة لـ "لقاح" تقدّمت، فانتصبت على الحال؛ لفساد المعنى.
قوله: "وأمرهم أن يشربوا من أبوالها": التقدير: "بأن يشربوا"، فيجري في محلّ "أن" المذهبان المذكوران لسيبويه والخليل. وتقدّم الكلام على "أمر" في الحديث الأوّل من "باب السّواك".
قوله: "فانطلقوا": أي: "إليها، وشربوا". "فلما صَحوا"، يدلّ على هذا المحذوف سياق الكلام. وتقدّم الكلام على "لما"، وأنها بمعنى "حين" مع الماضي، واختار سيبويه أنها حرف وجُوب لوجُوب، وقدّرها ابن مالك بـ "إذ" (١). والعامل فيها: جوابها، وهو: "قتلوا".
وضعّف أبو حيّان الظّرفية لمجيء جَوابها نفيًا، والنفي لا يعمل ما بعده فيما قبله، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي﴾ (٢).
قال السّهيلي: ليست "لما" في نحو: "لمّا جاء زيد" بمنزلة "الحين" في قولك: "حين جاء زيد"؛ لأنّ الكلام الذي فيه "حين" إنما يدلّ على أنّ وقت فعل أحدهما هو وقت فعل الآخر، والذي فيه "لمّا" يدلّ على أنّ أحَد الفعلين عِلّة للفعل الآخر. (٣) انظر تمام الكلام على "لمّا" في الحديث الرّابع من "المذي".
قوله: "فجاء الخبر": أي: "إلى رسُول اللَّه -ﷺ-".
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ٥٩٤)، شرح التسهيل (٤/ ٦٥)، مغني اللبيب (ص ٣٦٩)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٤٢).
(٢) انظر: مغني اللبيب (ص ٤١٧)، شرح المفصل (٤/ ٣٦٨)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ١٢٩، ١٤٠)، البحر المحيط (٦/ ٢٩٨)، (٨/ ٩٧)، (١٠/ ٤٥٢).
(٣) انظر: نتائج الفكر (ص ٩٨).
[ ٣ / ٣٢١ ]
قوله: "في أوّل النهار": تقدّم الكلام على "في" من [حروف] (١) الجر في الرّابع من أوّل الكتاب. وتقدّم الكلام على "أوّل" في الحديث الأوّل من الكتاب. وتقدم الكلام على "نهار" في الحديث العاشر من "الصّوم".
قوله: "فبعث في آثارهم": فاعل "بعث" ضمير "النبي -ﷺ-". و"آثارهم" جمع [. . .] (٢).
وهو هنا بمعنى "بعد"، قال تعالى: [﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي] (٣): "بعدهم". وقال كعب:
. . . . . . . . . . . . . . . مُتَيّم إثْرهَا لم يُفْد مَكْبُول (٤)
أي: "بعدها".
قوله: "فلما ارتفع النهار": [جوابه: "جيء بهم". و"جيء"] (٥) مبني لما لم يُسم فاعله، من "جاء"، وكسر أوّله بكسر ثانيه.
و"جاء" تقدّم الكلام عليها في الحديث [الثّامن من "باب] (٦) الصّوم في السفر". وتقدّم القول في "قيل" و"بيع" [كـ "جيء"] (٧) في الرّابع عشر من "الجنائز".
قوله: "فأمر بهم": [معطوفٌ على] (٨) "جيء"، وتقدّم الكلام على القائم مقام
_________________
(١) بالنسخ: "حرف".
(٢) كشط بالأصل، أكثر من سطرين ونصف السطر تقريبًا بقليل.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) عجز بيت من البسيط، لكعب، وصدره: "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول". انظر: المعجم المفصل (٦/ ٢٩٤).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) طمس بالأصل. والمثبت من المفهوم والفهرس والشرح.
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "وجيء".
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣٢٢ ]
الفاعل فيما [كني من] (١) هذه الأفعال، في الثّاني من "فضل الجماعة". [والقائم مقام] (٢) الفاعل ضمير "المجيء"، ويفسره ما بعده، أي: "جيء المجيء بهم".
قوله: "وسمرت أعينهم": مبني لما لم يُسم فاعله. ويروى: "سُملَتْ أَعْيُنُهُم" (٣)، فالأوّل من "المسمار"، أي: "جُعل المسمار في أعينهم بعد ما أحمي"، والثاني بمعنى "فُقئت أعينهم".
قال في "الصّحاح": يُقال: "سملت عينه" بضم "السّين" على البناء لما لم يُسم فاعله، "يسمل" على البناء، إذا "فقئت بحَديدة محماة". ويقال: "سملت بين القوم"، "سملًا" إذا "أصلحتُ بينهم". (٤)
قوله: (وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون): الجملة في محلّ الحال من ضمير المفعول الذي لم يُسمّ فاعله في "تركوا".
و"يسقون": أصله: "يسقيون"، تحركت "الياء" وانفتح ما قبلها؛ فانقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة تدلّ عليها. (٥)
قوله: (قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم): "هؤلاء" مبتدأ. و"سرقوا" جملة من فعل وفاعل مفعوله محذوف، أي: "سرقوا الإبل"، و"قتلوا" الراعي، و"كفروا" باللَّه، معمولات لأفعال محذوفات.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" حديث رقم (١٨١٦). وانظر: البدر المنير (٩/ ٤٠٦).
(٤) انظر الصّحاح (٥/ ١٧٣٢).
(٥) راجع: شرح التصريف للثمانيني (ص ٢٨٧)، وشرح المفصل لابن يعيش (٥/ ٢٩٢)، واللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٨٩).
[ ٣ / ٣٢٣ ]
قال السّهيلي في "الروض الأنف": إنما مثّل النبي -ﷺ- بهم قصاصًا. وأمّا كونه -ﷺ- تركهم يستسقون فلا يسقون: فلأنهم عطّشوا بيت النبي -ﷺ- تلك الليلة؛ قيل: لما بقي النبي -ﷺ- بلا لبن وأهل بيته قال: "اللهم عطّش مَن عطّش أهل بيت نبيك" (١). قال: ووقع هذا في شرح ابن بطال (٢).
الحدِيث الثّاني:
[٣٤٥]: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّهُمَا قَالا: إنّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى النبي -ﷺ- فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُك اللَّهَ إلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ، وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِي. فَقَالَ رسول اللَّه -ﷺ-: "قُلْ". قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فزَنَى بامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْت أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمائَةِ شَاةٍ وَوَليدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهَ، الْوَليدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْك، وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ -لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ- عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". قال: فَغَدَى عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَرُجِمَتْ (٣).
قوله: "أنهما": يعني "أبا هريرة" و"زيد بن خالد الجهني".
وطوّل الشّيخ هنا بعبيد اللَّه [بن عبد اللَّه] (٤) بن عتبة بن مسعود، ولم يجر
_________________
(١) حديث مرسل: أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣٤٨٥) من حديث سعيد بن المسيب. وانظر: أنيس الساري على فتح الباري (٢٤٢١).
(٢) انظر: الروض الأنف (٣/ ٢٨١)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ٤٢٥).
(٣) رواه البخاري (٧١٩٣)، (٧١٩٤) في الأحكام.
(٤) سقط من النسخ.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
لـ "عبيد اللَّه" ذكْر في المتن، وذلك بخلاف عادته.
ومحل "أن" مع اسمها وخبرها نصب بفعل مُقدّر مبني للفاعل، والتقدير: "أن أبا هريرة. . . رُوي أنهما قَالا"، فـ "أنّ أبا هريرة. . . " في محلّ رفع بمتعلّق حرف الجر.
قوله: "فقال": معطوفٌ على "أتى". و"أنشدك اللَّه": فعل ومفعول، ونصب الجلالة بإسقاط الخافض، أي: "أنشدك باللَّه".
تقول: "نشدت النّاس"، أي: "سألتهم، وأقسمت عليهم". قال ابنُ الأثير: تقول: "نشدتك اللَّه" و"نشدتك باللَّه" (١).
"إلّا قضيت": والجملة من "قضيت" في محلّ الحال.
وشرط الفعل الواقع حالًا بعد "إلا" أن يكون مقترنًا بـ "قد"، أو يتقدّم "إلا" فعل منفي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ (٢) [الأنعام: ٤].
ولما لم يأت هنا شرط الحال: قال ابنُ مالك: التقدير: "ما أسألك إلا فعلك"، فهي في معنى كَلام آخر (٣).
قال ابنُ الأثير: المعنى: "أسألك وأقسِم عليك أن ترفع نشيدتي"، أي: "صوتي"، بأنْ تلبي دَعْوتي وتجيبني (٤).
وقال ابن مالك في "شواهد التوضيح": التقدير: "ما نشدتُك إلا الفعل" (٥).
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٥٣).
(٢) بالنسخ: "ما تأتيهم من آية إلا".
(٣) انظر: التسهيل (ص ١٠٥)، وشرح التسهيل (٢/ ٢٩٧).
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٥٣).
(٥) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٢٧٤)، وإرشاد الساري (١٠/ ٤٠). وهو غير موجود =
[ ٣ / ٣٢٥ ]
[وبتقدير] (١) ابن مالك هنا وفي التسهيل يحصل شرط الحال بعد إلا.
قوله: "بيننا": ظرف متوسّط، وقد تقدّم الكلام على "بين" في الثالث من "السواك". و"بكتاب اللَّه" يتعلّق بـ "اقض" أيضًا.
قوله: "فقال الخصم الآخر": "الخصم" في الأصل مصدر، ولذلك يصلح للمفرد والمذكّر وفروعهما.
و"الآخر": أفعل التفضيل، [وإنما أعرب] (٢) للألِف واللام، وتأنيثه: "أخرى". وتقدّم الكلام عليه في الثّالث من "العيدين".
قوله: "وهو أفقَه منه": [جملة مُعترضة] (٣) لا محلّ لها من الإعراب. ويحتمل أن تكون في محلّ الحال من "الخصم".
قوله: "نعم": تقدّم الكلام [على "نعم" في الحديث] (٤) الرابع من "الجنابة"، وهي هنا لتأكيد الجواب؛ لأنها وقعت صدْر كلام المتكلّم الثّاني، نحو [قولك: "نعم جئنا مكة"] (٥)، "نعم دخلنا المدينة".
قوله: "وائذن لي": تقدّم الكلام على "أذن" في الحديث العاشر من "باب فسخ الحج"، [وفي الثّاني من "الرّضاع"] (٦) وفي الأوّل من "حرمة مكة".
قوله -ﷺ-: " [قل"] (٧): معمول القول قبله، ومعمول "قل" محذوف، أي: "قل
_________________
(١) = بـ "شواهد التوضيح" كما ظن الشارح.
(٢) بالنسخ: "قوله: وبتقدير".
(٣) كشط بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣٢٦ ]
ما في [نفسك"] (١) أو "ما عندك".
قوله: "قال: إنّ ابني": كسرت "إنّ" بعد القول، وتقدّم الكلام على مواضع كسرها وفتحها في الرّابع من أوّل الكتاب.
وتقدّم الكلام على "ابن" و"ابنة" في الرّابع من "النكاح"، والأوّل من "الحيض". وتعذّر إعرابه؛ لأضافته إلى "ياء" المتكلم، وهمزته همزة وصل، وتقدّم همزات الوصل في الأوّل من الكتاب.
قوله: "كان عسيفًا": اسم "كان" ضمير يعود على "الابن"، و"عسيفًا" خبرها، والجملة خبر "إنّ".
و"عسيف": "فعيل" بمعنى "مفعول"، كأسير بمعنى "مأسور". وقيل: بمعنى "فاعل"، كعليم بمعنى "عالم".
[قوله] (٢): "على هذا": يحتمل أن تكون "على" بمعنى "اللام"، أي: "أجيرًا لهذا"، أو بمعنى "عند"، أي: "أجيرًا عند هذا"، أو يكون التقدير: "أجيرًا على خدمة هذا"، فحذف المضاف.
وقد جاءت "على" بمعنى "لام" التعليل في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٣)، أي: "لأجل ما [هداكم"] (٤)؛ فيحتمل أن يكون التقدير هنا: "أجيرًا لأجْل خدمة هذا".
قوله: "فزنا بامرأته": معطوف على "كان عسيفًا".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) بياض بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٣/ ١٦٤)، وجامع الدروس العربية (٣/ ١٧٨).
(٤) بالأصل: "هديكم".
[ ٣ / ٣٢٧ ]
قوله: "وإني أخبرت": معطوف على قوله: "إنّ ابني".
و"أخبر" يتعدّى لمفعولين، وهو هنا مبني لما لم يُسمّ فاعله، فالمفعول الأوّل الضّمير، وهو القائم مقام الفاعل، والثاني تارة يتعدّى إليه بحرف الجر، وتارة يتعدّى إليه بنفسه، فالأوّل نحو: "أخبرت زيدا بكذا"، والثاني نحو: "أخبرت زيدا قائما". وقد يتعدّى لثلاثة، نحو: "أخبرت زيدًا عمرا قائمًا" (١)، وذلك إذا كان الثّاني مبتدأ في الأصل.
وهو هنا متعدّ لواحد بنفسه، وإلى الثّاني بحرف الجر، أي: "أخبرت بأن على ابني الرجم"؛ فسدت مسد المفعول الثاني أو المفعولين إذا قدّرت عملها فيهما.
وتقدّم الكلام على "أخبر" وأخواته في الخامس من "فضل الجماعة".
قوله: "أن على ابني الرجم": "الرجم" منصوب، اسم "أن"، وخبرها متقدّم في المجرور، أي: "أنّ الرّجمَ [كائنٌ] (٢) على ابني".
قوله: "فافتديت منه": معطوفٌ على "أخبرت"، و"بمائة شاة" يتعلّق بـ "افتديت"، و"منه" يتعلق به أيضًا.
والضّمير في "منه" يعود على "الرّجل"، أي: "افتديتُ من مطالبته"، أو يعود على "الرجم"، أي: "افتديتُ من الرجم".
و"شاة": قال في "الصحاح": "الشاة" تذكّر وتؤنث، وأصلها: "شاهة"؛ لأنّ تصغيرها: "شويهة" و"شاوية". والجمع: "شياه" بالهاء، تقول: "ثلاث شياه" إلى العشرة، فإذا جاوزت [فبالتاء] (٣)، فإذا كثرت قُلت: "هذه [شَاء] (٤) كثيرة" بالهمز. وجمع "شاء": "شِوًى". (٥)
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (٤/ ٣٠٢)، وحاشية الصبان (٢/ ٥٧).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "كائنًا".
(٣) بالنسخ: "فالتاء".
(٤) بالنسخ: "شياء".
(٥) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٣٨).
[ ٣ / ٣٢٨ ]
قال ابن الأثير: والنسبُ إلى "الشاة": "شاهي" و"شاوي" (١).
وتقدّم الكلام عليها في الثّاني من "الحدود"، والسّادس من "الزكاة".
و"وليدة": "فعيلة" بمعنى "مفعولة". قال ابنُ الأثير: "الوليدة": "الأَمَة". وقد تكون "الوليدة": "الصّبية" (٢).
قوله: "فسألت أهل العلم، فأخبروني": تقدّم الكلام على "سأل" في الحديث الثّاني عشر من "باب صفة الصلاة"، وتقدّم الكلام على "أهل" في الحديث الخامس من "كتاب الصيام".
وتقدّم الكلام على "أخبر" في الخامس من "فضل الجماعة". وهو هنا متعدّ إلى مفعولين، الثاني "أن" المفتوحة، أو إلى ثلاثة، وسدت "أن" مسدّ اثنين.
و"ما" هنا موصولة بمعنى "الذي"، والصّلة في قوله: "على ابني"، أي: "الذي استقر على ابني"، أي: "ثبت على ابني جلد مائة".
فـ "جلْد" خبر "أنّ"، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (٣) [لقمان: ٣٠] (٤). و"تغريب عام": معطوفٌ على "جَلْد".
ويجوز أن تكون "ما" كافّة، وتكُون للحَصر، أيْ "إنّ مَا على ابني الجلدُ"؛ فيكون "الجلدُ" مبتدأ، والخبر متقدّم عليه في المجرور. والأوّل أبين.
قوله: "وأن على امرأة هذا الرجم": خبر "أن" في المجرور، و"الرجم" اسمها، و"أنّ" معطوفة على "أنّ"، ومحلّها النصب كمَحلّ ما عطف عليه.
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٥٢٢).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٥/ ٢٢٥)، والصحاح (٢/ ٥٥٤)
(٣) بالنسخ: "أن ما تدعون".
(٤) انظر: تفسير القرطبي (١٢/ ٩١).
[ ٣ / ٣٢٩ ]
قوله: "فقال رسُول اللَّه -ﷺ-: والذي نفسي بيده": أي: "وحق الذي نفسي بيده". فـ "الذي" مع صلته وعائده مُقسَم به. و"نفسي" مبتدأ، و"بيده" في محلّ الخبر، وبه يتعلّق حرف الجر. وجوابُ القسَم: "لأقضين". وتقدّم ذكر جواب القسم في الحديث الثّاني من "باب الصفوف"، وحروف القسم في الحديث العاشر من "الصّلاة".
قوله: "بكتاب اللَّه": أي: "بما تضمنه كتاب اللَّه"، أو يريد: "بحكم اللَّه"، وهو [. . .] (١) فيه "التغريب"، و"التغريب" ليس هو مذكور في القرآن.
قوله: "والوليدة والغنم": مبتدأ [. . .] (٢)، والخبر (٣): "رد عليك"، أي: "مردود عليك"، فالمصدر أخبر به عن ذات؛ لأنه بمعنى الفعول، وهو مثل قولك: "ثوب نسج اليمن"، أي: "منسُوج اليمن" (٤)، وكذلك: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]، أي: "مخلوقه".
قوله: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام": فـ "جلد" مبتدأ، والخبر في المجرور. و"تغريب ": مصدر "غرب"، وهو مضاف إلى ظرفه؛ لأنّ التقدير: " [أن يجلد] (٥) مائة، وأن يغرب عامًا"، وليس هو ظرف على ظاهره [مُقدّر] (٦)؛ لأنّه ليس المراد التغريب فيه حتى يقع في جُزء منه، بل المراد أن يخرج فيلبث عامًا؛ فيقدّر
"يُغرّب" بـ "يغيّب"، أي: "يغيّب عامًا".
_________________
(١) مسح بالأصل بمقدار سطر وأربع كلمات من السطر الثاني.
(٢) طمس بقدر كلمتين بالأصل. وفي (ب): "عليه".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: الكتاب لسيبويه (٢/ ١٢٠)، والمقتضب (٤/ ٣٠٤).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل، وتبدو كأنها: "كم بمعنى". والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣٣٠ ]
قوله: "واغد": هذا أمر من "غدى"، و"غدى" يتعدّى بحرف الجر.
وعَدَّه ابن الحاجب من الأفعَال التي بمعنى "صار" (١)، وكذلك غيره.
والصّحيح: أنها ليست منها؛ لأنها تتعدّى بحرف الجر، ولا يصح أن يكون المنصوب بعدها معرفًا بالألف واللام، تقول: "غدى زيد فاعلًا كذا"، ولا تقول: "الفاعل كذا"، بخلاف "صار" و"أصبح"؛ فلما تخلّفت عن أفعال هذا الباب لم تُعدّ منه (٢).
قوله: "يا أنيس، لرجُل من أسلم": أي: "قال ذلك لرجل من أسلم"؛ فيتعلّق حرف الجر بالمحذوف، و"من أسلم" يتعلّق بصفة لـ "رجل". والجملة معترضة لا محلّ لها من الإعراب.
و"أنيس" هذا صحابي مشهور، أسلَمي، معدود في الشّاميين. قال ابن عبد البر: هو أنيس بن مرثد، وقيل: أنيس بن الضحّاك. (٣)
قوله: "إلى امرأة هذا": يتعلّق حرف الجر بـ "اغد".
قوله: "فإن اعترفت": هذا معطوف على محذوف، أي: "اغد إلى امرأة هذا فاسألها، فإن اعترفت فارجمها".
[وقيل] (٤): يحتمل أن يكُون فاعله ضمير "أنيس"، أي: "قال أنيس للنبي -ﷺ-: ذكرتُ لها ما أمرتني به فاعترفت"، فحَذف المعطُوف عليه.
ويحتمل أن يكون "ضَمير الرّاوي"، وحقّه أن يقول: "قالا"؛ لأن الرّاوي
_________________
(١) انظر: شرح شافية ابن الحاجب (١/ ٢٤٩).
(٢) انظر: شرح المفصل (٤/ ٣٣٧)، الهمع (١/ ٤١٥).
(٣) انظر: الاستيعاب (١/ ١١٣، ١١٤).
(٤) بالأصل: "وقال".
[ ٣ / ٣٣١ ]
للحديث أبو هريرة وزيد بن خالد، وكذلك ابتدأ الحديث، فقال: "أنهما قالا"، أو يكون المراد: "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه [بن عتبة] (١) بن مسعود" الذي [رُوي] (٢) عنه؛ فيكون له ذِكْر في الحديث، وينتفي السؤال الذي تقدّم من تطويل السّند لغير فائدة.
قوله: "فغَدَى عليها": "غدى" تعدّى بـ "على"، والنبي -ﷺ- قال: "اغد إلى امرأة هذا" فعدّاه بـ "إلى"؛ فيحتمل أن يكون أتى بـ "على" لفائدة الاستعلاء، أي: "متأمّرا عليها وحاكمًا عليها"، فيتعلّق بحال، وسياقُ الكلام يدلّ على ذلك.
وقد عُدّيت بـ "على" في القرآن الكَريم وفي الشّعر؛ فقال تعالى: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ (٣). وقال الشاعر:
وَقَد أغْدُو عَلى ثُبَةٍ كِرَام نَشَاوَى وَاجِدِين لمَا نَشَاءُ (٤)
قال أبو حيّان: في كَلام الزّمخشري ما يدلّ على أنّ "غَدَى" يتعدّى بـ "إلى".
قال: ويحتاج إلى نقل. (٥)
قلت: يكفي الزّمخشري هذا الحديث، وهو قوله -ﷺ-: "وَاغْد إلَى امْرَأةِ هَذَا".
ويحتمل أن يكون قوله -ﷺ-: "واغْد يا أنيس" مُضمّن معنى "اذهب إليها"؛ لأنهم يستعملون "الرّواح" و"الغدو" بمعنى "الذهاب"؛ فيقولون: "رحت إلى فلان" و"غدوت إلى فلان"، فيعدّونها بـ "إلى" بمعنى "الذهاب". (٦)
قوله: "فاعترفت": أي: "سألها فاعترفت"، كما تقدّم من التقرير.
_________________
(١) سقط بالنسخ.
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "رويا".
(٣) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٤٢).
(٤) البيت من الوافر، وهو لزهير بن أبي سلمي. انظر: المعجم المفصل (١/ ٣٧).
(٥) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٢٤٢).
(٦) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٤٠).
[ ٣ / ٣٣٢ ]
قوله: "فأمر بها رسول اللَّه -ﷺ-": أي: "بالمرأة"، ظاهره يقتضي أنّ أنيسًا لم يتقدّم للرّجم حتى راجَع النبي -ﷺ- وذَكَر له ما قالت، يدلّ عليه: "فأمر بها النبي -ﷺ-"، والمراد: "فأمر برجمها فرُجمت".
الحديث الثالث:
[٣٤٦]: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْد اللَّه بْن عُتبَة بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجهَنِيِّ -﵄-، قَالا: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنِ الأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ؟ قَالَ: "إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ".
قالَ ابنُ شِهابٍ: ولا أَدري، أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعةِ (١).
و"الضّفير": "الحبلُ".
قوله: "قالا": قد تقدم مثله في الحديث قبله من تطويل السّند بـ "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود"، ولا يجيء هنا العُذر الذي تقدّم في الحديث قبله، وتظهر لذلك فائدة أخرى، وهي المقصود واللَّه أعلم، أنّ عبيد اللَّه هذا فيما ذكر ابن الأثير ولَد أخي عبد اللَّه بن مسعود وأحَد الفُقهاء السّبعة، وأحد أعلام التابعين لقي خلقًا كثيرًا من الصحابة، وهو في الطبقة الأولى من التابعين (٢)؛ فذكره الشّيخ لما علم منه ليتمكّن الحديث في إسناده، ويتقوّى الاستدلال به.
قوله: "سئل النبي -ﷺ-": الفعل مبني لما لم يسم فاعله، وتقدم أن "سأل" يتعدّى بـ "عن"، وأنه [تعلق] (٣) بهمزة الاستفهام، كقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ
_________________
(١) رواه البخاري في العتق، (٦٨٣٧)، (٦٨٣٨) في الحدود، ومسلم (١٧٠٣) (١٧٠٤) في الحدود.
(٢) انظر: جامع الأصول (١٢/ ٦٨٩).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣٣٣ ]
زَعِيمٌ﴾ (١). وتقدّم الكلام عليها في الحديث الثاني عشر من "باب صفة صلاة النبي -ﷺ-".
و"إذا زنت" تقدّم الكلام على "إذا"، وجوا بها يؤخَذ من جواب السائل؛ لأنّ التقدير: "سئل النبي -ﷺ- عن الأمة ماذا -أو ما- يجب عليها؟ "، فهذا الاستفهام هو المعلّق لـ "سأل". وجوا به: "فاجلدوها"؛ لأنّ السّائل بـ "إذا" يتوقّف جواب "إذا" في كلامه على جواب المسئول، فكأنه قال: "إذا زنت تحد أم لا؟ ".
قوله: "ولم تحصن": في محلّ الحال من فاعل "زنت". وصحبت "لم" الواو على المختار عندهم، وقد جاءت بلا "واو" في قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (٢)، وقد تقدّم ذلك في الحديث الثالث من "باب المذي".
وتقييد حَدّها بـ "الإحصان" ليس بقيد، وإنما هي حكاية حال -والمراد بالإحصان: ما هي عليه من عِفّة أو حُريّة؛ لأنّ الإحصان بالتزويج (٣) - لأنّ حَدّها الجلد، سواء تزوّجت أم لا.
قوله: "فقال": أي: "النبي -ﷺ-": "إن زنت فاجلدوها" كرّر ذلك ثلاثًا أو أربعًا. وانظر كيف وقع السؤال بـ "إذا" وجوا به -ﷺ- بـ "إن"، وإنما ذلك؛ لأنه تقدّم منها الزّنا وتكرّر؛ فهُم على ترقّب مِن تكرّر زِناها، وأمّا النبي -ﷺ- فبنى على أنها قد لا تعُود وتنكف؛ فإن وقع منها جُلدت، وكذلك إن تكرّر منها.
و"الفاء" في الجواب معناها السببية.
قوله: "ثم بيعوها": أتى بـ "ثم"؛ لأنّ الترتيب مطلوبٌ لمن يريد التمسّك بأَمَته
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٤٩).
(٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ٦٣٥).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٢٨).
[ ٣ / ٣٣٤ ]
الزّانية، وأمّا من يريد بيعها من أوّل مرة فله ذلك، لكن لا يحكم بثبوت العَيب فيها إلّا بتكرّره منها؛ إذ قد ترجع بعد أوّل فِعْلَة.
قوله: "ولو بضفير": "لو" هنا شرطية بمعنى "إن"، أي: "وإن كان بضفير"؛ فيتعلق "بضفير" بخبر "كان" المقدّرة. وتحذف "كان" بعد "لو" هذه كثيرًا. ويجوز أن يكون التقدير: "ولو تبيعونها بضفير"؛ فيتعلّق حرف الجر بالفعل. ومثل ذلك قولهم: "ائتني بتمر ولو حشفًا" (١)، وتقدّم ذلك في الثاني من "باب الصداق".
و"الضّفير": "فعيل" بمعنى "مفعول"، وهو: "الحبل المضفور". (٢)
قوله: "قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة": "الهمزة" في "أبعد" تسمّى "همزة" التسوية، وتجيء بعد "لا أدري" و"سواء على أقمت أم قعدت"، و"ليت شعري" و"لا أبالي" (٣). وتقدّم ذكرها في الأوّل من "باب المرور".
قالوا: وأصلها الاستفهام، لكن لمّا كان المستفهم يَستوي عنده الوجُود والعَدم، وكذا المستفهم، سُمّيت بذلك.
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٩٥).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٣٩).
(٣) انظر: شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٣١)، والجنى الداني (ص ٣٢) وهمع الهوامع (٣/ ١٩٧) وجامع الدروس العربية (٢/ ٢٤٦).
[ ٣ / ٣٣٥ ]
الحديث الرّابع:
[٣٤٧]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "أَبِكَ جُنُونٌ؟ ". قَالَ: لا. قَالَ: "فَهَلْ أُحْصِنْت؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّه سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنْت فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّيْ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ" (١).
الرَّجُلُ هو: ماعزُ بنُ مالِكِ. ورَوَى قِصَّتَهُ جابرُ بن سَمُرة وعَبْدُ اللَّهِ بنُ عَباسٍ وأَبو سعيدِ الخُدْرِيُّ وبُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ الأَسْلَمِيُّ.
قوله: "عن أبي هريرة: أنه أتى رجل من المسلمين": التقدير: "روي عن أبي هريرة أنه قال: أتى. . . "، فيتعلق حرف الجر بـ "روي"، و"أن" مفعوله الذي لم يسم فاعله، و"قال" في محلّ الخبر، و"أتى" معمول القول، و"رجل" فاعل "أتى"، و"من المسلمين" يتعلّق بصفة له. وجملة: "وهو في المسجد" حال من "رسول اللَّه". وجملة "فنَادَاه" معطوفة على "أتى"، [وفاعل "نادى" هو "الرجل"، (٢)، وضمير المفعول يعود على "النبي -ﷺ-".
وجملة "إني زنيت" معمولة [للقول] (٣).
قوله: "حتى ثنّى ذلك عليه أربع مرّات": "ثنّى عليه" أي "ردّد عليه". و"أربع"
_________________
(١) رواه البخاري (٦٨١٥) (٥٨٢٥) في الحدود، ومسلم (١٦٩١) (١٦) في الحدود.
(٢) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٣) كشط بالأصل. وسقط من (ب).
[ ٣ / ٣٣٦ ]
منصوب على المصدر؛ لأنه عَدَد المصدَر.
وجواب "لمّا ": "دَعَاه"، والتقدير: "دعاه، فقال له: أبك جنون؟ "، "الهمزة" للاستفهام، و"جنون" مبتدأ، والمجرور متعلق بالخبر، والمسوّغ للابتداء بالنكرة تقدّم الخبر في الظرف و"همزة" الاستفهام.
قوله: "قال: لا": حرف رد [وجواب] (١)، وهو ضد "نعم" و"بلى". والأصل في مثل هذا: "لا ليس بي جنون".
قوله: "فهل أحصنت": "هل" حرف استفهام، تقدّمت في الخامس من "الصيام"، وفي السّابع من "الصيام" أيضًا. و"أحصنت" معناه: "تزوّجت".
و"نعم" تقدّمت في الحديث الرّابع من "الجنابة".
قوله: "فقال رسول اللَّه -ﷺ-: اذهبوا به فارجموه": "الباء" باء التعدية، وتحتمل الحال (٢)، أي: "اذهبوا مُصاحبين له".
قوله: "قال ابنُ شهاب: فاخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، سمع جابر": يعني: "أنّه سمع" (٣). و"أخبر" هنا متعدّ إلى ضميره التصل به، وسدّت "أن" مسد الثّاني أو الثّاني والثّالث؛ فلا بد من تقديرها. و"ابن عبد اللَّه" صفة لـ "جابر" منصوبان.
وتقدّم أنّ "سمع" إن تعلّقت بالذوات -كما جاءت هنا- تعدّت إلى مفعولين، الثّاني فعل مضارع من الأفعَال الصّوتية. وقيل: هو في محلّ حال إن كَان الأوّل معرفة، أو في محلّ صفة إن كَان نكرة (٤). وتقدم ذلك مستوفى في الحديث
_________________
(١) كلمة غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٣٨)، وجامع الدروس العربية (٣/ ١٦٩).
(٣) الوارد بمتن الحديث: "أنه سمع جابر"، لكن بعض نسخ متن العمدة ورد فيها: "سمع جابر".
(٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦)، وشرح التسهيل (٢/ ٨٤)، وإرشاد الساري (٨/ ١٨٨)، وشواهد التوضيح (ص ١٨٢).
[ ٣ / ٣٣٧ ]
الأوّل من الكتاب.
قوله: "كنت فيمن رجمه": خبر "كان" في المجرور. و"مَن" بمعنى "الذي"، وصلتها جملة: "رجمه"، والمعنى: "في جماعة مَن رجمه". وأعاد على لفظ "مَن"، ولو أعاد على معناها لقال: "فيمن رجموه".
"فرجمناه بالمصلى": الكَلامُ فيه تقديم وتأخير، أي: "فرجمناه بالمصلى فكنت فيمن رجمه"، أو يقدّر: "فكنت فيمن أراد حضور رجمه فرجمناه".
قوله: "فلما أذلقته الحجارة": أي: "أقلقته" و"أوجعته" (١). وجوابُ "لما": "هرب".
قوله: "فأدركناه": معطوفٌ على "هرب".
الحديث الخامس:
[٣٤٨]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إنّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلًا زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ، فِي شَأنِ الرَّجْمِ؟ ". فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ، وَيُجْلَدُونَ. فقَالَ عَبْدُ اللَّهَ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ، فِيهَا آيةُ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَك، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ -ﷺ- فَرُجِمَا.
قَالَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ (٢).
قال المؤلّف: الذي وضَع يده على آية الرّجم: "عبد اللَّه بن صوريا".
وقال الشّيخ تقيّ الدّين: "يجنأ" بفتح "الياء"، وسكون "الجيم"، وفتح
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٨/ ١٤٨)، والصحاح (٤/ ١٤٧٩).
(٢) رواه البخاري (١ ٦٨٤) في الحدود، ومسلم (١٦٩٩) في الحدود.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
"النون"، و"الهمزة"، أي: "يميل". ومنه: "الجَنَى".
قال: وفي كلام بعضهم ما يشعر بأنّ اللفظ بالحاء المهملة، يقال: "حَنَى [يحنو] (١) حُنُوًّا"، إذا "أكبَّ على الشيء". (٢)
قال في "الصّحاح": يقال: "حنيت ظهري" و"حنيت العود"، "عطفته"، و"حنوت" لغة. (٣)
قال في "الصحاح": ويقال: "جنأ" بالجيم والهمزة "يجنأ" إذا "أكب على الشيء"، "جنوءا". [و"رجل] (٤) أجنأ": "بيِّن الجنأِ"، أي: "أحدب الظهر". و"المُجنأ" بالضم "الترس". (٥)
قوله: "أنّه قال": فتحت "أن" لأنها معمولة لمتعلق حرف الجر، وكسرت همزة "إن اليهود" لأنها بعد القول. وجملة "جاءوا" في محلّ خبر "إن" المكسورة. وخبر "أنّ" المفتوحة في جملة "قال". وتقدّم الكلام على "جاء" في الحديث الثامن من "باب الصوم"، و"يهود" في الحديث الثاني عشر من "الجنائز".
وجملة "فذكروا له" معطوفة على "جاءوا"، و"له" يتعلّق به. وفتحت "أنّ" لسدها مسد المفعول. و"منهم" يتعلّق بصفة لـ "امرأة". وصفة "الرجل" محذوفة؛ لدلالة ما تقدّم عليه؛ فالتقدير: "ورجلًا منهم".
ويجوز أن يتعلّق "منهم" بحال من "ضمير الرجل والمرأة" في "زنيا"، والتقدير: "أن رجلا وامرأة زنيا منهم"، أي: "في حال كونهما من اليهود". أو يتعلّق
_________________
(١) بالنسخ: "يحني"، والمثبت من المصدر.
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٤٣).
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٢١).
(٤) بالأصل: "أو رج". والمثبت الصواب.
(٥) انظر: الصحاح (١/ ٤١).
[ ٣ / ٣٣٩ ]
بالفعل نفسه، ومعمول خبر "إن" يجوز أنْ يتقدّم عليه، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] و﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١]. (١)
و"رجلا" معطوف على "امرأة".
و"زنيا" جملة من فعل وفاعل في محلّ خبر "أنّ".
قوله: "فقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-": "رسول اللَّه" الفاعل. وتقدّم أنّ "رسول اللَّه" فعول بمعنى ["مفعل"] (٢). قالوا: وهو قليل. (٣)، وتقدّم الكلام عليه في الحديث الأوّل من "باب [البسملة"] (٤). وجملة "ﷺ" لا محلّ لها، وتقدّم ذكر الجمل التي لا محلّ لها في الحديث الأوّل من الكتاب.
قوله: "ما تجدون في التوراة؟ ": "ما" مبتدأ، وهي من أسماء الاستفهام. وأدوات الاستفهام تقدّمت في الرابع [من "الجنابة"] (٥)، وأقسام "ما" في أوّل حديث من "التيمم". و"تجدون" جملة في محل الخبر، والمبتدأ والخبر معمول للقول. [وتقدير الاستفهام] (٦): "أي شيء تجدوه في التوراة"؛ فيتعلق حرف الجر بمفعول ثان لـ "وجد"، وتقدّم الكلام عليها في الثّاني من "باب الاستطابة".
قوله: "في شأن الرجم": يحتمل أن تكون "في" الثانية بدلًا من الأولى، والتقدير: "ما تجدون في شأن الرجم؟ "، أي: "في حال الرجم".
_________________
(١) انظر: اللباب لابن عادل (١٦/ ٤٦١)، شرح المفصل (٤/ ٥٣٢، ٥٣٥، ٥٣٧، ٥٣٨)، المفصل (ص ٣٩٢)، شرح التصريح (١/ ٣١٣)، مغني اللبيب (ص ٣٠٥).
(٢) بالأصل: "فاعل مفعل"، ثم ضرب بالأصل على "فاعل".
(٣) انظر: إرشاد الساري (٩/ ١٥٥)، نخب الأفكار (١/ ٤٢)، المحكم والمحيط الأعظم (٥/ ٣٩٨)، لسان العرب (١٢/ ٤٣٨)، (٣٣/ ١٧٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣٤٠ ]
ويحتمل أن يتعلق "في شأن" بحال، أي: "ما تجدون في التوراة تتلونه في شأن الرجم؟ "، أي: "تالين له"، فيكون حالا من فاعل "تجدونه".
قوله: "فقالوا: نفضحهم ويجلدون": أي: "نجد أن نفضحهم ويجلدون"، فيكون "نفضحهم" معمول على الحكاية لـ "نجد" المقدّر، أي: ادّعوا أنّ ذلك في التوراة على زعمهم، وهم كاذبون. ويحتمل أن يكون ذلك مما فسّروا به التوراة، ويكون مقطوعًا عن الجواب، أي: "الحكم عندنا أن نفضحهم ويجلدون"، فيكون خبر مبتدأ محذوف بتقدير "أن".
قوله: "قال عبد اللَّه بن سلام: كذبتم، إنّ فيها آية الرجم": جملة "كذبتم" معمولة للقول، وكسرت "إن" لأنها بعد القول.
و"فيها" يتعلق بخبر "إن"، و"آية" اسمها.
قوله: "فأتوا بالتوراة، فنشروها": هذا معطوفٌ على محذوف، أي: "نشروا صحفها". "فوضع أحدهم يده على آية الرجم".
و"أتوا" أصله: "أتيوا" تحركت "الياء" وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألِفًا، ثم حذفت لسكونها وسكون "الواو". (١)
و"التوراة" اسم عبراني، وفي اشتقاقها قولان، أحدهما: أنه من "وَرَى الزند"
_________________
(١) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ١٠٩)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٤٣٣)، الدر المصون (١/ ٣٢٦)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٨). وراجع: اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ٣٨٩)، أسرار العربية (ص ٢٥٥)، شرح المفصل (٥/ ٢٠٢، ٢٩٢، ٤٣٣)، الأصول لابن السراج (٣/ ٢٩٧)، الممتع الكبير في التصريف (ص ٣٢٦ وما بعدها)، شرح الشافية للرضي (٣/ ١٨٠)، شرح التصريف (ص ٢٨٦، ٢٨٧، ٤٣٥)، شرح ابن عقيل (٤/ ٢١٨، ٣٠٠)، شرح التصريح (٢/ ٣٠٩)، الصبان (٣/ ٣٠٤)، لسان العرب (١/ ٥١، ٢٤٥)، تاج العروس (١/ ١٨٣ وما بعدها)، المحكم والمحيط الأعظم (٧/ ٥٧٤)، كتاب الأفعال لابن القطاع (١/ ١٨٢).
[ ٣ / ٣٤١ ]
إذا "قدح وظهر منه النار"، فكأن التوراة ضياء من الضلال.
وقيل: مشتقة من "وَرّى" إذا "عرّض"؛ لأنّ أكثر التوراة [تلويح] (١).
وفي وزنها ثلاثة أقوال: -
أحدها: مذهب الخليل وسيبويه وسائر البصريين أنّ وزنها "فوعلة"، فتكون: "وَوْرَيَة"، فـ "التاء" بدَل من "الواو"، كما في "تولج" وأصله "وولج"، وأبدلت "الياء" ألِفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
الثاني: للفرّاء "تورية" على وزن "تفعلة"، كـ "توصية"، ثم أبدلت كسرة "العين" فتحة و"الياء" ألفًا، كما قالوا في "الناصية": "ناصاة"، وفي "جارية": "جاراة".
قال الزجّاج: كأنه يجيز في "ناصية": "ناصاة"، ويجوز إمالتها؛ لأن أصل ألفها "ياء"، وهو غير ممنوع (٢).
الثالث: لبعض الكوفيين، أنّ وزنها "تفْعَلة" بفتح "العين"، من: "وَرَّيْتُ بكَ زَنَادِيَّ" (٣).
قال أبو حيان: وهذا مُشكل، مع نصّهم على أنّ الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاق عربي، ولا تُوزن. (٤)
قوله: "فنشروها": أي "التوراة"، بمعنى "فتحوها" أو "بسطوا صحفها". ومنه
_________________
(١) بالنسخ: "يلوح". والمثبت من "البحر المحيط".
(٢) كذا بالنسخ، وعبارة الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" (١/ ٣٧٥): "وكأنَّه يجيز في تَوْصِية: تَوْصَاةَ، وهذا رَديءَ". والعبارة كما في "البحر المحيط" (٣/ ٦): "وقال الزجاج: كأنه يجيز في توصية: توصاه، وهذا غير مسموع".
(٣) انظر: البحر المحيط (٣/ ٦).
(٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٥، ٦). وراجع: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٣٧٤)، تفسير ابن عطية (١/ ٣٩٨)، اللباب في علوم الكتاب (٥/ ١٦ وما بعدها).
[ ٣ / ٣٤٢ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] (١)
قوله: "فوضَع أحدهم يده على آية الرجم": "وضع" مثل "وقع"، وتصريفه كتصريفه، وتقدّم في الحديث الرابع من "باب الإمامة"، و"أحَد" تقدّم في ثاني حديث من الأوّل. و"يد" منقوص غير مقيس (٢)، وتقدم في الحديث الثّالث من "باب صفة الصّلاة". و"على آية" يتعلّق بـ "وضع".
قال أبو البقاء: الأصل في "آية": "أيّة"؛ لأنّ فاءها "همزة"، وعينها ولامها ياءان؛ لأنها من "تأيّا القوم" إذا "اجتمعوا". وقالوا في الجمع: "آياء"، فظهرت "الياء" الأولى، و"الهمزة" الأخيرة بدَل من "ياء"، ووزنه "أفعال"، و"الألِف" الثانية مبدلة من "همزة" هي "فاء" الكلمة، ولو كانت عينها واوًا لقالوا: ["آوَاءٌ"] (٣)، ثم إنهم أبدَلوا "الياء" السّاكنة من "أَيَّةٍ" ألِفًا على خلاف القياس. ومثله: "غاية" و"ثاية".
وقيل: أصلها "أَيِيَة"، ثم قُلبت "الياء" الأولى ألِفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقيل: أصلها "أَيَيَة" بفتح الأولى والثانية، ثم فعل في "الياء" ما ذكرنا.
وكِلا الوجهين فيه نظر؛ لأنّ حُكم الياءين إذا اجتمعتا في مثل هذا أن تُقلب الثّانية لقُربها من الطّرَف.
وقيل: أصلها "آيِيَةُ" على "فاعلة"، وكان القياس أن تُدغَم، فيقال: "آيَّة" مثل "دابّة"، إلا أنها خُففت كتخفيف "كَيِّنُونَةٍ" في "كينونة". وهذا ضعيف؛ لأنّ التخفيف في ذلك البناء كان لطُول الكَلمة. (٤)
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٨٢٨)، لسان العرب (٥/ ٢٠٦، ٢٠٨).
(٢) انظر: العين (٤/ ٣٢٠)، لسان العرب (١٤/ ٢١)، علل النحو (ص ٥٥٢)، شرح المفصل (٣/ ٢٠٣ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٤٦١)، الهمع (١/ ١٦٤)، النحو الوافي (١/ ١٣٦)، جامع الدروس العربية (٢/ ١٦).
(٣) بالنسخ: "واو". والمثبت من المصدر.
(٤) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٦)، البحر المحيط (١/ ٤٧٨).
[ ٣ / ٣٤٣ ]
قوله: "فقرأ ما قبلها وما بعدها": "ما" موصولة بمعنى "الذي"، وصلتها الظّرف. وتقدّم الكلام على "قبل" و"بعد" في الرّابع من "باب تسوية الصفوف"، وفي الرّابع من الأوّل، والثّالث من "باب التيمم".
قوله: "فقال له عبد اللَّه بن سلام: ارفَع يدك": الضّمير في "له" يعود على "أحدهم"، وهو "عبد اللَّه بن صوريا".
"فرفع يده": "الرفع" خلاف "الوضع". تقول: "رفعته فارتفع"، والمصدر: "رفعًا". وأمّا قولهم: "رفعته إلى السلطان" فمصدره "الرُفْعانُ"، و"رجل رفيع" أي "شريف".
قال في "الصّحاح": قال أبو بكر بن محمد [بن] (١) السري: ولم يقولوا منه: "رَفُعَ". وقال غيره: "رَفُعَ رفعة" أي "ارتفع قدْره". (٢)
قوله: "فإذا فيها آية الرجم": "إذا" هنا الفُجائية، ولم يتقدّم لها ذِكْر.
قال ابن هشام في "المغني": "إذا" الفجائية تختصّ بالجمل الإسمية، ولا تحتاج لجواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، نحو: "خرجت فإذا الأسد بالباب". ومنه: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ﴾ [يونس: ٢١].
وهي حرف عند الأخفش، ويرجّحه قولهم: "خرجت فإذا الأسد بالباب"؛ لأنّ "أن" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وظرف زمان عند الزجاج. واختار الأوّل ابن مالك، والثاني ابن عصفور، والثّالث الزّمخشري، وزعم أنّ قبلها فعل مُقدّر مُشتق من لفظ "المفاجأة".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٢) انظر: الصحاح (٣/ ١٢٢١).
[ ٣ / ٣٤٤ ]
قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الروم: ٢٥]: التقدير: "إذا دعاكم فاجأتم الخروج [في] (١) ذلك الوقت" (٢). ولا يُعلَم هذا لغيره.
وأمّا ناصبها عندهم: فالخبر المذكور في نحو: "خرجت فإذا زيد جالس"، أو المقدّر في نحو: "فإذا الأسد" أي "حاضر". وإنْ قدّرت أنها الخبر فعَامِلها: "مُستقر" أو "استقر".
ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلّا مُصرحًا به، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]، ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ [الأعراف: ١٠٨]، ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤].
وإذا قيل: "خرجت فإذا الأسد" صحّ كونها عند المبرد خبرًا، أي: "فبالحضرة الأسَد". ولم يصح عند الزجاج؛ لأنّ الزمان لا يخبر به عن الجثة. ولا عند الأخفش؛ لأنّ الحرف لا يخبر به ولا عنه.
فإن قُلت: "فإذا القتال" صحّت خبريتها عند غير الأخفش.
وتقول: "خرجت فإذا زيد جالس" أو "جالسًا"، فالرفع على الخبرية، والنّصب على الحالية. والخبر: "إذا"، إن قيل: إنها مكان، وإلا فهو محذوف.
نعم يجوز أن تقدّرها خبرًا عن الجثة مع قولنا: إنها زمان، إذا قدّرت حذف مُضاف، كأن تقدّر في نحو: "خرجتُ فإذا الأسَد": "فإذا حضور الأسد". انتهى. (٣)
وذكر هنا مسألة "العقرب والزنبور"، وبسَطها وأتقَن حِكَايتها، فانظُرها
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: تفسير الزمخشري (٣/ ٤٧٢، ٤٧٥).
(٣) انظر: مغني اللبيب (ص ١٢٠، ١٢١).
[ ٣ / ٣٤٥ ]
هناك. (١)
قوله: "فإذا فيها آية الرجم": هي كقوله تعالى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ [يونس: ٢١]، والخبر يجري فيه ما تقدّم، وكذلك العَامِل فيها.
فإنْ قدّرت خبر المبتدأ في المجرور، وهو الاستقرار، كان حَرف الجر يتعلق به، وهو العَامل في "إذا". وإن قدّرت الخبر محذوفًا: كان أيضًا عاملًا فيها، ويتعلّق به حَرف الجر، ويكون التقدير: "فإذا فيها آية الرجم مرئية" أو "موجودة". وإن قدّرت الخبر في "إذا" كان التقدير: "آية الرجم مستقرة إذن"، على أنّه ظرف مكان. فإن قدّرتها ظرف مكان قدّرت ما قاله ابن هشام: "فرفع يده فإذا رؤية آية الرجم". وإن جعلت "إذا" حرف تعيّن أن يكون الخبر في حرف الجر أو محذوفًا.
قوله: "فقال: صَدَق": أي: "قال ابن صُوريا: صَدَق". وفاعل "صَدَق": ضمير "عبد اللَّه بن سلام".
والضّمير في "بهما" للزانيين. و"أمر" تقدّم الكلام عليها في الأوّل من "السواك"، والتقدير: "فأمر بهما أن يُرجما فرجما"؛ لأنّ "الرجم" لم يكن إلّا بعد إخراجهما إلى محلّ الرّجم.
قوله: "قال: فرأيت": فاعل "قال" يعود على "عبد اللَّه بن عمر".
والرؤية بصرية؛ فتكون "يجنأ" في محلّ الحال، وبه يتعلق حرف الجر. وجملة "يقيها" يحتمل أن تكُون بدَلًا من "يجنأ"، أو حالًا أخرى.
قوله: "الحجارة": الألِف واللام فيه للعَهد، أي: "حجارة الرّمي".
و"أجنأ" مصدره: "إجناء" بالمَد. (٢)
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ١٢١ وما بعدها).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٣٠٢).
[ ٣ / ٣٤٦ ]
قال ابنُ جنى في "سر الصناعة" له: سَمعنا بعض العرب الفُصَحاء من بني حنظلة يُنشد:
لَمَّا رأت فِي ظَهْري انْحِنَاء وَالمَشْيَ بَعْدَ قَعسٍ إِجنَاء
أَجْلَتْ وَكَان حُبُّها إجْلاءْ وَجَعَلَتْ نِصْفَ غَبُوقي مَاءْ
ثُمَّ تَقُولُ مِنْ بَعِيدٍ هَاء دَحْرَجَةً إِنْ شِئْتَ أَوْ إِلْقَاء (١)
قال: فوقف على هَذا كُله بغير "ألِف". (٢)
وقد تقدّم أنّ ذلك كُله جاء ممدودًا، "انحنآء" و"إجنآء"، وذكره الشّيخ تقيّ الدِّين في الأوّل من "الرّبا". (٣)
الحديث السّادس:
[٣٤٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْن، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْك جُنَاحٌ" (٤).
قوله: "لو أنّ امرأ": اعلم أنّ "لو" يقع بعدها "أنّ" المشدّدة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ [الحجرات: ٥]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ﴾ (٥) [المائدة: ٦٦]،
_________________
(١) الأبيات من الرجز، وتنسب لرجل من بني حنظلة، أو لمسلم بن عطية. وقد كتب بنسخ المخطوط: "رأتني"، و"قعص". والمثبت من المصادر. انظر: رياض الأفهام (٤/ ٣٩٤)، الإعلام لابن الملقن (٧/ ٣٠٩)، سر صناعة الإعراب (٢/ ١٤٢، وبالهامش)، البرصان والعرجان والعميان والحولان للجاحظ (ص ٣٤٤، وبالهامش)، أمالي الزجاجي (ص ١٨٦، ١٨٧)، الدلائل في غريب الحديث للسرقسطي (١/ ١٨٥).
(٢) انظر: سر صناعة الإعراب (٢/ ١٤٢).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ١٤١)، النهاية لابن الأثير (١/ ٣٠٢).
(٤) رواه البخاري (٦٨٨٨) في الديات، ومسلم (٢١٥٨) (٤٤) في الآداب.
(٥) بالنسخ: "الصلاة".
[ ٣ / ٣٤٧ ]
[فمذهب] (١) المبرّد والزّمخشري ومُوافقيهم أنّ ما وقع بعدها يكون في محلّ رفع بفعل [مُقدّر] (٢) يُفسره ما بعده.
فالتقدير هنا: "لو ثبت أن امرأ اطلع"، أي: "لو ثبت اطلاع امرئ"، و"لو ثبت صبرهم" (٣). ولا يجوز إظهار الفعل لئلا يجمع بين المفسَّر والمفسِّر.
وقال سيبويه ومَن تبعه: إنّه في محلّ رفع بالابتداء. ولا حاجة إلى ذِكر خبره؛ لأنّ الكلام لما اشتمل على مُسند ومُسند إليه لم يحتج إلى الخبر.
وقال بعضهم: يُقدّر الخبر مُقدّمًا، و"أنّ" وما ينسبك منها المبتدأ؛ فيكون التقدير في الآية: "ولو ثابت صبرهم"، على حدّ قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ [يس: ٤١]. (٤)
وكذا يقدّر في الحديث: "لو ثابت اطلاعه".
قال الزّمخشري: ويجب أن يكون خبر "أن" فعلًا؛ ليكُون عوضًا عن الفعل المحْذوف. (٥)
واعتُرض عليه بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فذهب".
(٢) بالنسخ: "مقدرة".
(٣) هذا يعود للآية.
(٤) انظر: البحر المحيط (٩/ ٥١٢)، إرشاد الساري (٧/ ٣٥٢)، مغني اللبيب (ص ٣٥٥ وما بعدها، ٧٦٧)، الجنى الداني (ص ٢٧٩ وما بعدها، ٤١٠)، شرح المفصل (١/ ٢٢٠)، (٤/ ٥٢٨، ٥٢٩)، شرح الكافية الشافية (١/ ٣٧١)، (٣/ ١٦٣٥ وما بعدها)، شرح التسهيل (١/ ٣٠١)، (٢/ ٢١)، شرح التصريح (١/ ٣٠٣)، (٢/ ٤٢٣ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣٠٠ وما بعدها)، الهمع (١/ ٥٠٢).
(٥) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١٥/ ٤٥٩)، مغني اللبيب (ص ٣٥٦)، الجنى الداني (ص ٢٨١)، شرح التسهيل (٤/ ٩٩)، اللمحة (٢/ ٥٣٣).
[ ٣ / ٣٤٨ ]
[لقمان: ٢٧] (١).
وأجَاب عنه ابن الحَاجب (٢) بأنه وقع هنا جامدًا في نحو قوله:
وَلَوْ أنَّهَا عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتَهَا مُسَوَّمةً تَدْعُو عُبَيْدا وأزْنَما (٣)
وقوله:
مَا أَطْيَبَ الْعَيْشَ لَوْ أَنَّ الْفَتَى حَجَرٌ تَنْبُو الْحَوَادِثُ عَنْهُ وَهُوَ مَلْمُومُ (٤)
ورَدّ ابن مالك (٥) قول هؤلاء بأنّه قد جاء اسمًا مُشتقًّا، كقوله:
لَو أَن حَيًّا مُدْركُ الفَلاح أَدركهُ مُلاّعِبُ الرِّماح (٦)
قال ابنُ هشام: وقد وجدتُ آية في التنزيل وقع فيها الخبر اسمًا مشتقًّا، ولم يتنبه
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (٨/ ٤١٩)، مغني اللبيب (ص ٣٥٦)، الجنى الداني (ص ٢٨٢)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣٠٢).
(٢) انظر: البحر المحيط (٨/ ٤١٩)، اللباب في علوم الكتاب (١٥/ ٤٥٩)، مغني اللبيب (ص ٣٥٦، ٣٥٧)، شرح التسهيل (٤/ ١٠٠)، الجنى الداني (ص ٢٨١، ٢٨٢)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣٠٢)، الهمع (١/ ٥٠٢).
(٣) كتب بالنسخ: "وأرقما". والبيت من الطويل، وهو لجرير، أو للبعيث، أو للعوام بن شوذب (سوذب) الشيباني، أو للعوّام بن عبد عمرو. انظر: الوساطة بين المتنبي وخصومه للجرجاني (ص ٢٦٣، ٤٢٣)، المعجم المفصل (٧/ ١٠١).
(٤) البيت من البسيط، وهو لابن مقبل، تميم بن أبي بن مقبل العامري. انظر: خزانة الأدب (١١/ ٣٠٤، ٣٠٥)، المنتحل للثعالبي (ص ١٧٢)، لباب الآداب لابن منقذ (ص ٤٢٥)، المعجم المفصل (٧/ ٢٢٧).
(٥) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٩٩)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٣٧)، مغني اللبيب لابن هشام (٣٥٧)، الجنى الداني (ص ٢٨١ وما بعدها)، توضيح المقاصد والمسالك (٣/ ١٣٠٢)، الهمع للسيوطي (١/ ٥٠٢).
(٦) البيت من الرجز، ويُنسب للبيد، ولبنت عامر بن مالك. انظر: خزانة الأدب (١١/ ٣٠٤)، ثمار القلوب للثعالبي (ص ١٠٢)، المعجم المفصل (٩/ ٣١٨).
[ ٣ / ٣٤٩ ]
لها الزمخشري، كما لم يتنبه لآية لقمان، ولا ابن الحاجب وإلا لما منع من ذلك، ولا ابن مالك وإلا لما استدلّ بالشّعر، وهي قوله تعالى: ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب: ٢٠] (١).
قلت: وفي هذا الاستدراك على ابن مالك والزّمخشري وابن الحاجب نظر؛ لأنّ "لو" هنا وقعت بعد "ود"، فتعين أن تكون المصدرية بمعنى "أن" الناصبة للفعل، وليست التي يمتنع بها الشّيء لامتناع غيره. (٢)
قال أبو البقاء: ويدلّ على أنّ "لو" هذه غير الشرطية شيئان، أحدهما: أن هذه يلزمها المستقبل، والأخرى معناها في الماضي.
والثاني: أنّ "ود" يتعدّى إلى مفعول واحد، وليس مما يعلّق عن العمل، فمن هنا لزم أن يكُون "لو" بمعنى "أن". (٣)
قلت: فإذا كانت "لو" بمعنى "أن"، فليس هي التي فيها كلام ابن مالك ولا ابن الحاجب.
وقد جَاء الخبر فعلا واسمًا مُشتقا في بيت كعب:
أكرِمْ بِهَا خُلّةً، لو أَنّها صَدَقَتْ مَوْعُودَها أو لو انّ النصْحَ مَقْبُول (٤)
فـ "مقبول" خبر "أن"، وهو محلّ الشّاهد، إلا أن تكُون "لو" للنفي. والأَوْلى أنها الشّرطية. (٥) ولي على هذا البيت كلام انظره في شرحي للقصيدة (٦) وإعرابي لها.
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (٣٥٧).
(٢) راجع: خزانة الأدب (١١/ ٣٠٤، ٣٠٥).
(٣) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٩٦).
(٤) البيتُ من البسيط، وهو لكعب بن زهير. انظر: خزانة الأدب للبغدادي (١١/ ٣٠٨)، المعجم المفصل في شواهد العربية (٦/ ٢٩٤).
(٥) انظر: خزانة الأدب (١١/ ٣٠٨، ٣٠٩).
(٦) أي: شرح قصيدة بانت سعاد.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
قوله: "بغير إذن": حرفُ الجر يتعلّق بحال، أي: "ناظرًا بغير إذن"، أو "اطّلع غير مأذون له".
قوله: "فحذفته": معطوفٌ على "اطّلع".
و"الباء" في "بحصاة" باء الآلة.
قوله: "ما كان عليك جناح": جواب "لو". و"عليك" يتعلّق بخبر "كان"، و"جناح" اسمها. و"الجناح": "الإثم".
* * *
[ ٣ / ٣٥١ ]
باب حدّ السرقة
الحديث الأوّل:
[٣٥٠]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ". وَفِي لَفْظٍ: "ثَمَنُهُ" (١).
قال الشّيخ تقيّ الدّين: "المجن" بكسر "الميم" وفتح "الجيم": "الترس"، مفعل من معنى "الاجتنان"، وهو الاستتار والاختفاء وما يقارب ذلك. ومنه ["الجن"] (٢). وكسرت ميمه؛ لأنه آلة في "الاجتنان"، كأن صاحبه يستتر به عما يحاذره. قال الشاعر:
فكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَن كُنْتُ أَتَّقِي ثَلَاثَ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ وَمُعْصِرُ (٣)
قلت: هذا البيت لعُمر بن أبي ربيعة، وفيه شاهد على حذف "التاء" من ثلاث؛ لأنه عَدد شخوص، فحمله على المعنى؛ لأنه أراد بالشّخص "المرأة"؛ فأنّث العَدد لذلك، وصف أنه استتر بثلاث نسوة عن أعين الرّقباء، واستظهر في محلّ التخلص منهم بهن. (٤)
و"الكاعب": التي نهد ثديها وتربّع (٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٧٩٥) في الحدود، ومسلم (١٦٨٦) في الحدود.
(٢) بالنسخ: "المجن". والمثبت من المصدر.
(٣) البيت من الطويل. انظر: خزانة الأدب (٧/ ٣٩٤)، فقه اللغة وسر العربية (ص ٢٣٠)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٤٥١)، المعجم المفصل ().
(٤) انظر: أمالي الزجاجي (ص ١١٨)، خزانة الأدب للبغدادي (٧/ ٣٩٤ وما بعدها)، إيضاح شواهد الإيضاح (١/ ٤٤٧)، فقه اللغة وسر العربية (ص ٢٣٠)، شرح التصريح على التوضيح (٢/ ٤٥٢).
(٥) انظر: الصحاح للجوهري (١/ ٢١٣)، لسان العرب لابن منظور (١/ ٧١٩)، خزانة الأدب (٧/ ٣٩٧).
[ ٣ / ٣٥٢ ]
و"المعصر": "الداخلة في عصر شبابها". قال صاحب "الصحاح": هي "الشّابة التي قاربت المحيض"، وقيل: "التي أدرَكت وحَاضَت". (١)
قوله: "أنّ النبي -ﷺ- قطع": جملة قطع في محل خبر "أن". والمراد: "أمر بذلك". و"في مجن" يتعلّق به، التقدير: "قطع يد سارق"، فحذف المفعول؛ لأنه فضلة.
قوله: "في مجن": أي: "في سرقة مجن"، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. و"في" معناها السببية، كقوله -ﷺ-: "إِنَّهُمَا ليُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ" (٢) أي: "بسبب كبير". (٣) وكذلك هنا: "قطع لأجل سرقة مجن".
قوله: "قيمته ثلاثة دراهم": مبتدأ، و"ثلاثة دراهم" خبره.
وأدخل "التاء" في "ثلاثة"؛ لأنه عدد مُذكّر، ويجوز: ["ثلاتّ"] (٤) دراهم" بإدغام "التاء" في "الثاء"، وبها قرأ ابن محيصن في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، قرأ: " [ثلاتّ] (٥) رابعهم" (٦).
قوله: "وفي لفظ: ثمنه": يتعلّق حرف الجر بمُقدّر، إمّا: "وجاء في لفظ"؛ فيكون "ثمنه ثلاثة دراهم" الفاعل على الحكاية. ويحتمل أن تكون جملة "ثمنه ثلاثة" مبتدأ على الحكاية، و"في لفظ" خبر مُقدّم.
_________________
(١) انظر: الصحاح (٢/ ٧٥٠)، خزانة الأدب (٧/ ٣٩٧).
(٢) متفق عليه: البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢/ ١١١)، من حديث ابن عباس.
(٣) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٢٣)، عقود الزبرجد (١/ ٤٥٥).
(٤) بالنسخ: "ثلاث". والتصويب من المصادر.
(٥) بالنسخ: "ثلاث". والتصويب من المصادر.
(٦) انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ٥٠٧)، اللباب في علوم الكتاب (١٢/ ٤٥٤)، والتبيان في إعراب القرآن (٢/ ٨٤٢).
[ ٣ / ٣٥٣ ]
الحديث الثاني:
[٣٥١]: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (١).
قوله: "أنها" في محلّ معمول متعلّق حرف الجر.
و"سمع" تقدّم الكلام عليه في أوّل حديث من الكتاب. ومذهب أبي علي أنّه [إن] (٢) تعلّق بالذوات تعدّى إلى مفعولين، ثانيهما فعل من الأفعال الصوتية، كما وقع هنا، وإن تعلّق بالأصوات تعدّى لمفعول واحد، [نحو] (٣) قولك: "سمعت كلام زيد".
ومذهب سيبويه أنّ الفعل في محلّ حال إن كان المتقدّم معرفة، أو في محلّ صفة إن كان المتقدّم نكرة.
فعلى هذا: يكون "يقول" في محلّ الحال على مذهب سيبويه، وفي محلّ مفعول ثان على مذهب الفارسي. (٤)
قوله: "تقطع اليد": الجملة معمولة للقول، والفعل مبني لما لم يسم فاعله، و"اليد" مفعوله الذي لم يُسم فاعله.
قوله: "فصاعدا": منصوبٌ على الحال، وحذف عامله واجب قياسًا. وتقدير العامل: "فتدرج فيه صاعدًا".
_________________
(١) رواه البخاري (٦٧٩١) في الحدود، ومسلم (١٦٨٤) في الحدود.
(٢) سقط من النسخ.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٨/ ١٦٣)، عُمْدة القَاري (١/ ٢٣)، إرشاد السّاري (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، شواهد التوضيح (ص ١٨٢)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٦٥، ١٦٦)، شَرْح التسهيل (٢/ ٨٤).
[ ٣ / ٣٥٤ ]
وكذلك: "اشتره بدينار فسافلا"، أي ["بدينار سافلًا"] (١) (٢).
وهذا التقدير والحذف واجب في أربعة أمثلة، هذا أحدها.
والثاني: "ضربي زيدًا قائما"، فـ "ضربي" مبتدأ مضاف إلى الفاعل، و"زيدًا" مفعول المصدر، و"قائمًا" حال من ضمير "زيد"؛ لأنّ التقدير: "ضربي زيدًا كائن إذا كان قائما"، فحذف اسم الفاعل، وأقيم الظرف مقامه، على عادتهم في حذف متعلّق الظرف، فبقي بعد حذف اسم الفاعل: "ضربي زيدًا إذا كان قائما"، فإذا هو الخبر؛ لأنّ المصادر يخبر عنها بظرف الزمان، ثم لما كانت الحال تشبه الظرف حذف لدلالتها عليه؛ لأنّ الظرف يقدّر بـ "في"، [وكذلك] (٣) الحال تقدّر بـ "في"، وحذف لحذف الظرف المضاف إليه الذي هو "كان"، والضّمير الذي هو فاعل "كان"؛ لأن "إذا" مضافة إلى الجملة، فـ "كان" المقدّرة وما عملت فيه في موضع جر بإضافة "إذا" إليه، وهي تامة، و"قائمًا" حال لا خبر "كان"، إذ لو كان خبرًا لجاز وقوعه مَعرفة.
والثالث: "زيد أبوك عطوفا"، أي: "أحقه عطوفا".
الرابع: الحال التي تجيء للتوبيخ، نحو: "أقائمًا وقد قعد الناس؟ "، أي: "أتستوي قائما؟ "، و"أتميميًا مرة وقيسيًا أخرى؟ "، أي: "أيوجد مرة تميميًا ويوجد مرة قيسيًا؟ ".
ويجب الحذف سماعًا في نحو: "هنيئا لك"، أي: "سُبب لك الخير هنيئا" أو "هنأك هنيئًا". (٤)
_________________
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) انظر: شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٣٥١)، الهمع للسيوطي (٢/ ٣٣٥)، شرح التصريح (١/ ٦١٥).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٧١)، الكافية في علم النحو (ص ١٧، ٢٤)، علل =
[ ٣ / ٣٥٥ ]
إذا ثبت ذلك: ففي الكلام تقدير، أي: "تقطع اليد السارقة". وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه. وكذلك يقدّر في "سرقة ربع دينار".
و"في" فيها معنى السببية. وقد تقدّم.
الحديث الثّالث:
[٣٥٢]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ". ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: "إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (١).
وَفِي لَفْظٍ: كَانَتْ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِقَطْعِ يَدِهَا (٢).
قوله: "أنّ قريشا أهمهم": خبر "أن" جملة "أهمهم".
و"قريش": قبيلة، وأبوهم: النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن
_________________
(١) = النحو (ص ٣٧٤)، الأصول في النحو (٢/ ٢٣٧)، أوضح المسالك (١/ ٢٢١، ٢٢٢)، (٢/ ٢٨٤، ٢٩٣ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ٢٩، ٤٣، ٤٤)، اللباب في علل البناء والإعراب (١/ ١٤٥)، اللمحة (١/ ٤٠٠)، شرح القطر (ص ١٢٦)، شرح التسهيل (١/ ٢٧٩ وما بعدها)، (٢/ ١٦، ٣٥١)، مغني اللبيب (ص ٥٣٧، ٨٠٢، ٨٠٤)، شرح المفصل (١/ ٢٤١، ٢٤٣، ٢٤٤)، (٢/ ٢١)، الهمع (١/ ٣٩٥)، (٢/ ٣٣٤، ٣٣٥)، توضيح المقاصد والمسالك (٢/ ٧٢٥)، شرح الشذور للجوجري (٢/ ٤٥٠)، شرح التصريح (١/ ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٣٠، ٦١٤ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (٣/ ٩٨ وما بعدها).
(٢) رواه البخاري (٦٧٨٧) في الحدود، ومسلم (١٦٨٨) في الحدود.
(٣) رواه مسلم (١٦٨٨) (١٠) في الحدود.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
مضر، وكل من كان من ولد النضر فهو قرشي، دون ولد كنانة ومن فوقه. والنسب إليه: "قرشي"، وربما قالوا: "قريشي"، وهو القياس. فإن أردت بـ "قريش" الحي صرفته، وإن أردت القبيلة لم تصرفه. (١)
وجملة "أهمّهم" في محلّ خبر "أن". و"أمر" الفاعل، وهو واحد "الأمور"، لا مصدر "أمر".
قوله: "المخزومية" مضاف إليه، و"التي سرقت" صفة لها.
قوله: "فقالوا" معطوف على "أهمهم". و"من يُكلّم" مبتدأ وخبر، ولا تظهر علامة الإعراب في المبتدأ لأنّه من أسماء الاستفهام. (٢) وتقدّم الكلام على أسماء الاستفهام في الرّابع من "الجنابة". والتقدير: "فقال بعضهم: من يكلم رسول اللَّه؟ وقال بعضهم: من يجترئ؟ ".
و"الجريء" بالهمز: "المقْدَام"، يُقال: "يجترئ" و"يستجرئ". (٣)
"إلّا أسامة": يجوز فيه الرّفع والنصب. أمّا الرفع: فعلى أنه الفاعل، ويحتاج إلى ضمير من جملة "يجترئ" يعود على "مَن"؛ لأنّ "مَن" مبتدأ، والخبر جملة؛ فلا بُد من ضَمير يعود على المبتدأ، وهو الضّمير المجرور، والتقدير: "وأي شخص يجترئ [كما
_________________
(١) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٧١)، الدر المصون (١١/ ١١٦)، إرشاد الساري (٦/ ٦)، رياض الأفهام (٥/ ٢٧٤)، الإعلام لابن الملقن (٩/ ٢١٥، ٢١٦)، الكتاب لسيبويه (٣/ ٢٥٠)، شرح أبيات سيبويه للسيرافي (٢/ ٢١٧)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين (٢/ ٤٣١ وبالهامش)، شرح المفصل (٣/ ٤٧٦)، همع الهوامع (١/ ١٢٤)، خزانة الأدب (١/ ٢٠٢)، الصحاح للجوهري (٣/ ١٠١٦)، المخصص (٥/ ١٥٨ وما بعدها)، لسان العرب (٦/ ٣٣٥)، تاج العروس (١٧/ ٣٢٥).
(٢) راجع: مغني اللبيب (ص ٤٣١)، الجنى الداني (ص ٢١).
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٠٢).
[ ٣ / ٣٥٧ ]
يجترئ] (١) أسامة عليه".
و"عليه": يتعلّق بـ "يجترئ".
ونظير هذا التركيب هنا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. قال أبو البقاء: "مَن" مبتدأ، و"يغفر" خبره، و"إلا اللَّه" فاعل "يغفر"، أو بدَل من المضمر فيه، وهو الوجه؛ لأنك إذا جعلت "اللَّه" فاعلا احتجت إلى تقدير ضمير، أي: "ومن يغفر الذنوب [له] (٢) غير اللَّه". (٣)
ويصح أن يكون أسامة مرفوعًا على أنّه بدَل من فاعل "يجترئ"، وهو وجه الإعراب، كما قال أبو البقاء. وأمّا النصب: فعلى الاستثناء.
قوله: "حب رسول اللَّه -ﷺ-": يجري عليه إعراب "أسامة"، إن كان مرفوعًا فنعته مرفوع، وإن كان منصوبًا فنعته منصوب، ويجوز فيه البدَل.
و"حِبّ" بمعنى "حبيب"، مثل "خِدْنٍ" و"خدين" (٤).
قوله: "فكلمه أسامة": التقدير هنا: "فأمروا أسامة أن يكلمه فكلمه".
قوله: "فقال": أي "النبي -ﷺ-". "أتشفع في حد من حدوَد اللَّه؟ ": "الهمزة" للاستفهام، وفيها معنى الإنكار، والجملة معمولة للقول، والتقدير: "أتشفع في ترك إقامة حد من حدود اللَّه؟ ".
و"الحد": "المنع". وسَمّى إقامته حَدًّا؛ لأنّه يمنع من المعاوَدة (٥).
قوله: "من حدود اللَّه": صفة لـ "حد".
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من "إرشاد الساري" (٩/ ٤٥٧).
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٣) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٢٩٣).
(٤) انظر: الصحاح (١/ ١٠٥).
(٥) انظر: الصحاح (٢/ ٤٦٣)، لسان العرب (٣/ ١٤٠).
[ ٣ / ٣٥٨ ]
قوله: "ثم قام، فاختطب، فقال": كلها معطوفات، وفاعلها ضمير "النبي -ﷺ-".
قوله: "إنما أهْلَك": "إنما" كافّة ومكفوفة.
قال الشيخ تقيّ الدّين: "إنما" هنا دالّة على الحصر، والظّاهر أنه ليس للحصر المطلق مع احتمال ذلك، فإنّ بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصُوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة في حُدود اللَّه، فلا ينحصر ذلك في هذا الحد المخصوص. (١)
قوله: "أنهم كَانوا": في محلّ رفع، فاعل "أهْلَك"، ومفعوله الموصول مع صلته.
ويجوز أن تجعل "ما" من "إنما" موصولة، والتقدير: "إن الذي أهلك الذين كانوا"، [فتكون] (٢) جملة "أهلك" صلة "ما"، و"ما" مع صلتها في محل اسم "إن"، و"أنهم" في محلّ خبرها، أي: "إنّ الذي أهلك الذين كانوا قبلكم كونهم". ويكون فاعل "أهلك" ضمير يعود على "ما".
قوله: "إذا سرق فيهم الشريف": جملة "إذا" في محل خبر "كان". و"فيهم" يتعلّق بـ "الشّريف"، لأنه اسم فاعل من "شرف".
وجاز تقدم معموله عليه [ومعه] (٣) الألِف واللام؛ لأنّ الظروف يتسع فيها، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] (٤).
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٤٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٥٤)، التبيان في إعراب القرآن (١/ ١١٧)، اللباب في علوم الكتاب (٧/ ٢١٦)، اللباب في علل البناء والإعراب (٢/ ١٢٧)، شرح التسهيل (١/ ٢٣٧)، (٣/ ٥٨)، مغني اللبيب (ص ٧٠٣)، شرح الأشموني (١/ ١٤٧)، الهمع =
[ ٣ / ٣٥٩ ]
و"تركوه": جواب "إذا"، وهو العامل فيها. وإن قدّرتها عاملة في فعلها ففعلها العامل فيها. وتقدّم الكلام على "إذا" في ثاني حديث من أوّل الكتاب.
قوله: "وإذا سرق فيهم الضعيف": إعراب الجملتين واحد.
قوله: "وايم اللَّه": مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: "قسمي" أو "يميني" أو "لازم لي".
وفيه تسع لغات: "ايمن اللَّه"، "ايْم اللَّه"، "اِيم اللَّه"، "مُنُ اللَّه"، "مِنُ اللَّه"، "مِ اللَّه"، "مُ اللَّه". والخلاف بين سيبويه والفراء إنما هو في "ايمن اللَّه" المفتوح "الهمزة". وكسر "الميم" في "مِ اللَّه" اتباعًا للهاء. وكذلك كسرة "الميم" و"النون" في لُغة من قال: "مِنِ اللَّه". ومَن قال: "مَ اللَّه" بفتح "الميم" فإنما فتحها اتباعًا للّام.
وزادوا: "ليمن اللَّه"، و"ليم اللَّه"، و"أيمَن" بالهمزة وفتح "الميم"، و"إيمن" بكسر "الهمزة"، نحو أربعة عشر لُغة.
وقيل: هي جمع "يمين". وألفها "ألِف" قطع، عند الفرّاء وأبي عبيد.
والصّحيح عند النحويين: أنها مُفرَدة، وألِفها "ألِف" وصل، مُشتق من ["اليُمن"] (١)، بدليل حذفها في درج الكلام؛ تقول: "ليمن اللَّه لأفعلن". (٢)
_________________
(١) = (١/ ٣٤٢)، الضرورة الشعرية ومفهومها لدى النحويين (ص ٤٣٥).
(٢) بالنسخ: "اليمين". والمثبت من "رياض الأفهام".
(٣) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٢٤٨ وما بعدها). وراجع: فتح الباري (١/ ٤٥٣)، (٦/ ٥٩٨)، إكمال المعلم (٥/ ٤١٩)، الإعلام لابن الملقن (٩/ ٢١٧ وما بعدها)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٥٦)، عقود الزبرجد (١/ ١٣٢)، نيل الأوطار (٨/ ٢٦٥)، مرقاة المفاتيح (٩/ ٣٦٥٦)، شرح التسهيل (٣/ ٢٠٣)، شرح المفصل (٤/ ٤٩٥)، (٥/ ٢٤٦)، علل النحو (ص ٢١٤)، النهاية لابن الأثير (٥/ ٣٠٢)، المقتضب (١/ ٢٢٨)، لسان العرب (١٣/ ٤٦٢ وما بعدها)، المخصص (٤/ ٧٤)، الكليات للكفوي (ص ٧٢٥).
[ ٣ / ٣٦٠ ]
قال تاج الدين الفاكهاني: لا يُستعمَل إلّا في القَسَم، ولا يستعمل إلا مرفوعًا؛ فأشبه بعدم تمكّنه الحرف الذي [هو] (١) "لام" التعريف، ففتحت همزته كـ "ألف" الوصل اللاحقة للام التعريف. ولم يبن وإن أشبه الحرف؛ لقوة تمكنه بالإضافة، كما لم يبن "أيّ" لذلك. (٢)
قال الأزهري: إنما ضُم آخره -وحُكم القَسَم الخفض- كما ضُم "لعمرك"، كأنهم أضمروا الخبر، فالتقدير: "أيمن اللَّه قسَمي" و"لعمرك قسَمي". (٣)
قوله: "لو أنّ فاطمة": تقدّم قريبًا في آخر حديث من "الحدود". وجملة "سرقت" في موضع خبر "أنّ". وجواب "لو": "لقطعتُ يدها".
قوله: "وفي لفظ": تقدم قريبا. "قالت" يعني: "عائشة". "كانت امرأة" اسم "كان" ضمير يعود على "السارقة"، و"امرأة" خبر "كان".
وجملة "تستعير" صفة لـ "امرأة"، وبالصّفة أفاد الخبر. ومثله: "هو رجل جيد"، وقد علم المخاطب أنه "رجل"، لكن أفاد بوصفه تعظيمه، كما أفاد ذكر المرأة تحقيرها. ولهذا نظائر مذكورة في موضعها (٤).
ولو حذف الموصُوف واقتصر على الصفة أفاد؛ فلو قالت: "وكانت تستعير المتاع" صحّ أن يكون "تستعير" الخبر.
قوله: "فأمر النبي -ﷺ- بقطْع يدها": تقدّم الكلام على "أمر" في الأول من "باب السواك". و"قطْع" مصدر مضاف إلى المفعول، أي: "بأن يقطع يدها".
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٢٤٩).
(٣) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٢٤٩)، تهذيب اللغة (١٥/ ٣٧٧).
(٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٣٠)، شرح التسهيل (٢/ ٣٥٦)، (٣/ ٣١٤)، جامع الدروس العربية (٣/ ٢٢٢).
[ ٣ / ٣٦١ ]
ومفعول "أمر" محذوف، أي: "أمر إنسانًا".
قالوا: يُقال "سارق" و"سارقة" لمن يسرق المتاع، ولمن يسرق الشّعر "سراقة"، ولمن يسرق اللغة "اللّفيف"، والذي يسرق الإبل "خارب"، والذي يسرق الغنيمة "مُغلّ"، والذي يسرق المكيال "مُطفّف". (١)
* * *
_________________
(١) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٢٥٢، ٢٥٣).
[ ٣ / ٣٦٢ ]
باب حَدّ الخمر
الحديث الأوّل:
[٣٥٣]: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-: "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَةٍ نَحوَ أَرْبَعِينَ".
وَقَالَ: فَعَلَه أبُو بَكْر. فَلمّا كَانَ عُمَر استَشَارَ النّاسَ، فَقَالَ عَبد الرّحمَن: أخَفّ الحُدودِ ثَمَانُون؛ فَأمَر بِه عُمَر (١).
قوله: "أُتي [برجُل] (٢) ": الفعل مبني لما لم يُسمّ فاعله، والمفعول الذي لم يُسمّ فاعله ضمير "النبي -ﷺ-"، أي: "أتي النبي برجل". وأصله: "أتى إنسانٌ النبي -ﷺ- برجل"، فحذف الفاعل، وأقيم المفعول مقامه. وجملة "أتي" في محل خبر "أنّ".
وجملة "وقد شرب" في محلّ صفة لـ "رجل".
و"الخمر": تُؤنّث وتُذكّر. (٣)
قوله: " [فجلده] (٤) بجريدة": أي: "أمَر بجَلده بجريدة". و"الباء" باء الآلة.
قوله: "نحو أربعين": أراد: "أربعين جلدة"، فـ "أربعين" مصدر؛ لأنه عَدَد مصْدَر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] (٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٧٧٣) (٦٧٧٦) في الحدود ومسلم (١٧٠٦) في الحدود.
(٢) بالنسخ: "رجل".
(٣) انظر: المصباح المنير (١/ ١٨١).
(٤) بالنسخ: "فجلد".
(٥) انظر: أوضح المسالك (٢/ ١٨٥)، شرح الأشموني (١/ ٤٧١)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ١٧٨)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٥٦)، شرح ابن عقيل (٢/ ١٩٦)، المقدمة الجزولية (١/ ٨٥)، توضيح المقاصد (٢/ ٦٤٤)، حاشية الصبان (٢/ ١٦١، ١٦٤)، جامع الدروس العربية (٣/ ٣٢).
[ ٣ / ٣٦٣ ]
و"نحو" هنا بمعنى "قريب"، وقد تأتي "نحو" بمعنى "مثل". (١) وهو نعتٌ لمصدر محذوف، أي: "فجلده جلدًا نحو أربعين جَلدة".
قوله: "وقال" يعني: أنسًا "وفعله أبو بكر"، أي: "وفعل الجلد في الخمر أبو بكر".
قوله: "فلما كان عُمر": "لما" تقدّم الكلام عليها كثيرًا، و"كان" هنا بمعنى "حدَث". والمراد: "فلما حدث زمن عمر" أو "ولاية عمر". تقدّم الكلام على "كان" في الحديث الأوّل من الكتاب، وأحَد أقسامها أن تكُون تامّة بمعنى "حدث". و"استشار" جوابُ "لما"، و"النّاس" مفعوله.
قوله: "فقال عبد الرحمن: أخَفّ الحدود": يجوز النّصب، أي: "يحدّ حَدًّا أخفَّ الحدود"؛ فتكون "أخفّ" [هنا] (٢) نعتًا لمصدر محذوف. ويجوز الرّفع، أي: "الواجبُ أخَفُّ الحدود".
قوله: ["ثمانين"] (٣): بالنّصب، بدَل من "حَدًّا". وإن رفعت: فـ "أخَفّ" مبتدأ، و"ثمانون" خبره.
قوله: "فأمر به عمر": أي: "أمر بجلده"، فالضّمير يعود على "المجلود"، أي " [أمر] (٤) به فجلد هذا"، على تقدير أنّ سؤال "عُمر" كان لأجْل حَد حضره. ويحتمل أن يكون الضّمير يعود على "الجلد"، أي: "فأمر [الناس] (٥) عمر بذلك الحد"؛ لإجماع الصّحابة عليه.
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (١/ ٢٤٥)، (٩/ ٢٤٨)، الهمع (٢/ ٥٠٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) ما في متن الحديث: "ثمانون".
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "فأمر".
(٥) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣٦٤ ]
تنبيه:
ليس عدَد المصدر مصدرًا، ولا عدد الظرف ظرفًا حيث وقع لمعنى يعرض في مثل ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، فـ "أربعين" في هذا مفعول ثان بتقدير: "وواعدنا موسى تمام أربعين"، فـ "أربعين" لا يجوز نصبه على الظرفية وإن كان عَدَد ظرف؛ لئلا يلزم وقوع "المواعَدة" في كُل فرد من أفراده، ولم تقع "المواعدة" كذلك.
وكذلك لو قلت: "سمعت أربعين [جلدة"] (١) كان مفعولًا، لا مصدرًا؛ لأن التقدير: "سمعتُ صوت أربعين". (٢)
الحديث الثاني:
[٣٥٤]: عَنْ أَبي بُرْدَةَ هَانِئِ بْنِ نِيَارٍ أنّه سَمِع رَسُولَ اللَّه -ﷺ- يَقُول: "لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ" (٣).
قوله: "هانئ بن نيار": بَدَل من "أبي بردة". وضمير "أنه" يعُود على "أبي بردة".
و"سَمع" تقدّم قريبًا، وقد تعدّى هُنا إلى ذات، فتكون جملة "يقول" في محلّ الحال على رأي سيبويه، أو في محلّ مفعول على رأي أبي علي (٤)، وتقدّم الكلام على ذلك في أوّل حديث من الكتاب.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٥٩٣)، البحر المحيط (٥/ ١٦٠، ١٦١)، اللباب في علوم الكتاب (٩/ ٢٩٧، ٢٩٨)، إرشاد الساري (٩/ ٤٠١)، شرح الأشموني (٢/ ٦)، شرح التصريح (١/ ٥٧٦)، الهمع (١/ ٥٤٥).
(٣) رواه البخاري (٦٨٤٨) (٦٨٥٠) في الحدود، ومسلم (١٧٠٨) في الحدود.
(٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٧٢، ٤٧٣)، (٧/ ٤٤٦، ٤٤٧)، (٨/ ١٦٣)، إرشاد السّاري للقسطلاني (٨/ ١٨٨)، (٩/ ٤٠١)، (١٠/ ١٥)، الإعلام لابن الملقن (١/ ١٦٥، ١٦٦)، شَرْح التسهيل لابن مالك (٢/ ٨٤).
[ ٣ / ٣٦٥ ]
وجملة "لا يجلد" معمُولة للقول، وهو خبر بمَعنى الأمر. والفعل مبني لما لم يُسَمّ فاعله، والمفعول الذي لم يسمّ فاعله محذوف يدلّ عليه السياق، أي: "لا [يُجْلَد] (١) أحَد". و"فوق" ظرف، وهو نعت لمصدر محذوف، أي: "جلدًا فوق". و"عشرة" مُضاف إليه.
ويُروى: "لا يَجْلِد" (٢) بفتح "الياء"، والمعنى: "لا يجْلِد أحَد".
[وتقدير] (٣) "أحَد" فاعلًا قد جاء في باب الاستثناء، في نحو: "ما قام إلّا زيد"، على أحَد الوجهين. (٤)
ومنه في الصّحيح: "وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلّا غَلَبَهُ" (٥)، أي: "لن يشاد الدّين أحَدٌ إلا غلبه". (٦)
قوله: "إلّا في حَد": المجرور يتعلّق بـ "يجلد"؛ فيكون الاستثناء مفرغًا؛ لأن ما قبل "إلا" عمل فيما بعدها. (٧) و"من حُدود اللَّه" يتعلّق بصفة لـ "حَد"، والتقدير: "إلّا
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وفي (ب).
(٢) قال النووي في "شرح صحيح مسلم" (١١/ ٢٢١) بتعليقه على الحديث الذي في صحيح مسلم (١٧٠٨/ ٤٠): "ضبطوا يجلد بوجهين، أحدهما: بفتح الياء وكسر اللَّامِ، والثَّانِي: بضم الياء وفتح اللَّامِ. وكلاهما صَحيحٌ". وكذا ذكر ابن الملقن في "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (٩/ ٢٣٢). واللَّه أعلم.
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٥١٨)، (٤/ ١١٦، ١٢٩)، شرح التسهيل (٢/ ٢٧٤)، الجنى الداني (ص ٥١١)، شرح الأشموني (١/ ٥٠٣)، شرح الشذور لابن هشام (ص ٣٤٢، ٣٤٣)، شرح القطر (ص ٢٤٧)، الهمع (٢/ ٢٤٨، ٢٥٢).
(٥) صحيح: البخاري (٣٩)، ورواه المَرِيِيُّ بهذا اللفظ في المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح (١/ ١٨٤)، من حديث أبي هريرة. وذكر العلماء أن أكثر رواة البخاري على إسقاط لفظ "أحد". وانظر: فتح الباري (١/ ٩٤)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣/ ٨٤)، مشارق الأنوار (٢/ ٣٨٢)، عقود الزبرجد (٣/ ١٣٣).
(٦) انظر: مشارق الأنوار (٢/ ٣٨٢)، عقود الزبرجد (٣/ ١٣٣).
(٧) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٣٤).
[ ٣ / ٣٦٦ ]
في مُوجب حَد من حدود اللَّه". (١)
وقيل: المراد "في حقّ من حقوق اللَّه"، ولا بُد من تقدير، أي: "إلا في تضييع حَقّ من حقوق اللَّه". (٢)
قال الشيخ تقيّ الدّين ﵀: الذي ذَكَر المصنف من أنّ أبا بُرْدَةَ هو "هَانِئُ بن نِيَارٍ" مختلفٌ فيه، قيل: إنّه رجُل من الأنصار. (٣)
ثم قال: إنّ بعض المالكية (٤) قال في مُؤدّب الصّبيان: لا يزيد على ثلاثة. قال: وهذا تحديد يبعُد إقامة الدّليل المتين عليه، ولعلّه أخذه من أنّ "الثلاثة" اعتبرت في مواضع، وهو أول حَدّ الكثرة، وفي ذلك ضعف (٥).
وقد يُؤخَذ هذا من حديث [أوّل] (٦) نزول الوحي، فإنّ فيه أنّ جبريل ﵇ قال: "اقرأ"، فقال -ﷺ-: "ما أنا بقارئ"، فغطه ثلاث مرّات (٧)؛ فأخذ منه أنّ تنبيه المُعلم للمُتعلم لا يكُون بأكثر من ثلاث. (٨)
* * *
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٣٤).
(٢) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٥١ وما بعدها).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٥٢).
(٤) انظر: إكمال المعلم (٥/ ٥٤٨)، رياض الأفهام للفاكهاني (٥/ ٢٦٧)، التاج والإكليل لمختصر خليل للمواق (٨/ ٤٣٧). وفي أبجد العلوم للقنوجي (ص ٧٧): "وقد قال محمد بن أبي زيد في كتابه الذي ألفه في حُكم المُعلمين والمتعلمين: لا ينبغي لمُؤدّب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئًا".
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٥٢).
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) متفق عليه: البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠/ ٢٥٢)، من حديث عائشة.
(٨) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٣٥).
[ ٣ / ٣٦٧ ]
[كتاب] (١) الأَيمان والنّذور
الحديث الأوّل:
[٣٥٥]: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْأَلْ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِّلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا. وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (٢).
تقدّم ذِكر "الكتاب" واشتقاقه، و"الحديث الأوّل" وإعرابه أوّل الكتاب.
قوله: "قال: قال": فاعل "قال" الأولى ضمير "عبد الرحمن"، وفاعل "قال" الثانية "رسُول اللَّه".
و"قال" الأولى محلّها رفع خبر "أنَّ" مُقدَّرة، و"أنَّ" المقدَّرة معمولة لمتعلق حرف الجر. و"قال" الثانية معمولة لـ "قال" الأولى.
و"يا عبد الرحمن" معمول لـ "قال" الثّانية.
وجملة "لا تسأل الإمارة" من تمام المقول، و"لا" ناهية، و"تسأل" مجزوم بالنهي، و"الإمارة" مفعول به، والفاعل مُستتر يعود على "عبد الرحمن"، وكُسِرت "اللام" لالتقاء الساكنين.
قوله: "فإنّك إن أُعطيتَها": "الفاء" عاطفة. و"إنَّك": "إن" واسمها، و"إنْ" حرف شرط، و"أُعطيتَها" فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعلُه، ومفعولان أولهما قائمٌ مقام الفاعل.
_________________
(١) بالأصل: "باب". والمثبت هو ما في نسخ العمدة، وما شرح عليه ابن فرحون. إلا أنه يحيل عليه في مواضع أخرى على أنه باب. وهو مجرد اصطلاح. فليتنبه.
(٢) رواه البخاري (٦٦٢٢) في الإيمان والنذور، ومسلم (١٦٥٢) في الأيمان.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
وجوابُ الشرط: "وُكِلْتَ إليها". والجملة الشّرطية في محلّ خبر "إنّ".
يقال: "وَكَلَهُ إلى نفسه"، "وَكْلًا" و"وُكُولًا"، و"هذا الأمر موكول إليَّ" (١)، ومنه قول النابغة:
كِليني لهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب (٢)
[قوله] (٣): " [إنْ] (٤) أعطيتها عن مسألة": يحتمل أن تكون "عن" بمعنى "الباء"، أي: "بمسألة"، أي: "بسبب مسألة"، قال امرؤ القيس:
تَصُدُّ وتُبْدِى عَنْ أَسِيلٍ وتَتَّقى بناظرةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ (٥)
أي: "بأسيل".
وجاءت "عن" بمعنى "بَعْدَ". ويتوجَّه هنا، أي: "بعد مسألة".
ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي: "بعد طبق" (٦). ومنه قول العجاج:
وَمنْهَل وَرَدْته عَنْ منْهَل (٧)
أراد: "بعد منهل".
_________________
(١) انظر: الصحاح (٥/ ١٨٤٥).
(٢) البيت من الطويل. انظر: المعجم المفصل (١/ ٤٥٠).
(٣) بياض بالأصل. وسقط من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) البيت من الطويل. انظر: المعجم المفصل (٦/ ٥٣١).
(٦) انظر: البحر المحيط (١٠/ ٤٣٤).
(٧) البيت من الرجز. ويُروى: "بمنهل تجبينه عن منهل". انظر: أمالي ابن الشجري (٢/ ٦١١، ٦١٢)، مغني اللبيب (ص ١٩٧)، المعجم المفصل (١١/ ٤٥٣).
[ ٣ / ٣٦٩ ]
قوله: "وإن أعطيتها عن غير مسألة": يحتمل أيضًا ما تقدّم، أي: "بغير مسألة"، ولا [ترد] (١) "بَعْد" هنا. و"أُعنت عليها": جوابُ الشّرط.
قوله: "وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها": تقدّمت "إذا" في الحديث الثّاني من أوّل الكتاب، والرّؤية هنا عِلمية، و"غيرها" المفعول الأوّل، و["خيرًا"] (٢) المفعول الثّاني، و"منها" يتعلّق [بـ "خير"] (٣)، و"خير" أفعل التفضيل، وقد تقدّمت في الثامن من "باب الجنابة".
وجوابُ "إذا": "فَكَفِّرْ"، و"عن يمينك" يتعلّق [بـ "كَفِّرْ"] (٤).
و"عن" معناها [المجاوزة] (٥)، وتقدّمت في الثّالث من "باب الصفوف"، والمعنى: "كفِّر عن حُكمها وما يترتب عليها من [الإثم"] (٦).
قوله: "وائْتِ": معطوف على "كفِّر"، و"الذي هو خير" مفعول "ائت"، والعائد هنا مبتدأ، وليس في الصلة طول؛ فوجب إظهارُه.
وتقدَّم أنّ الصّلة لا تكون إلّا جملة اسمية أو فعلية أو ظرفًا أو مجرورًا، وأمّا العائد فلا يخلو من أن يكُون مرفوعًا أو منصوبًا أو مخفوضًا.
فإن كان مرفوعًا: لم يجز حذفه إلّا [إذا] (٧) كان مُبتدأ؛ فإنّه لا يخلو من أن يكُون في صلة "أيّ" أو في غيرها.
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب).
(٢) في النسخ: "خير".
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) في النسخ: "المجاور".
(٦) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٧) سقط من النسخ.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
فإن كان في صلة "أيّ" جاز حذفه، نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩]، أي: "أيهم هو أشَدّ".
وإن كان في غيرها: فلا يخلو من أن يكون في الصّلة طُول أَوْ لا، فإن كان في الصّلة طول، نحو قولك: "جاءني الذي هو ضارب عمرا يوم الجمعة"، جاز حذفه. وإن لم يكن، نحو قولك: "جاءني الذي قائم"، لم يجز إلّا حيث سُمِع، نحو قوله تعالى: "مَثَلًا مَا بَعُوضَةٌ" (١) بالرّفع.
وما جاء هنا على الأفصَح، ولو حذف "هو" حتى يقول: "الذي خير"، جاز على الوَجْه الضعيف.
ثم إنْ كان الضّمير [منصوبًا] (٢): فلا يخلو من أن يكُون في صلة الألِف واللام أو في غيرها.
فإن كان في صلة الألِف واللام: لم يجز حذفُه، نحو قولك: "جاء [الضارب زيدًا"] (٣)، على مذْهَب مَن جعل الضمير في محلّ نصب، وهو الصحيح.
ثم إنْ كان في صلة غير الألِف واللام: فلا يخلو من أن يكُون فيها ضمير غيره أم لا، فإن كان فيها ضمير غيره لم يجز حذفه، نحو قولك: "جاءني الذي ضربته في داره".
فإن لم يكن في الصلة ضمير غيره: فلا يخلو من أن يكون منفصلًا أو متصلا، فإن كان منفصلًا لم يجز حذفه، نحو قولك: "الذي [ظنني إياه] (٤) زيد قائم". وإن
_________________
(١) سورة [البقرة: ٢٦]. وهي بالرفع قراءة الضحاك، وإبراهيم بن أبي عبلة، ورؤبة بن العجاج، وقطرب. وهي على هذه القراءة خبر لمبتدأ محذوف تقديره: "هو بعوضة". انظر: البحر المحيط (١/ ١٩٨)، وتفسير القرطبي (١/ ٢٤٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٤) كذا بالأصل. ولعلها: "ظننت إياه".
[ ٣ / ٣٧١ ]
كان متصلًا جاز حذفه وإثباته، نحو قولك: "جاءني الذي ضربته".
وإن كان مخفوضًا: فلا يخلو من أن يكون مخفوضًا بحرف جرٍّ، أو بإضافة اسم آخر إليه.
فإن كان مخفوضًا بالإضافة: لم يجز حذفه، نحو قولك: "جاءني الذي قام غلامه"، وقد جاء في الشّعر حذف الضّمير والاسم، فقال:
أعُوذ بِاللَّه وآياتِهِ مِن بَاب مَنْ يُغْلَق مِن خَارِج (١)
أي: "من باب مَن يُغلق بابه مِن خَارِج".
وإن كان مخفوضًا بحرف جر: فلا يخلو من أن يكون في موضع رفع أم لا. فإن كان: لم يجز حذفه، نحو قولك: "الذي [سِير بهِ] (٢) زيد".
وإن لم يكن: فلا يخلو من أن يكُون في الصّلة ضمير غيره أم لا. فإن كان فيها ضمير غيره لم يجز حذفه؛ لأجل اللبس، نحو قولك: "الذي أحسن إليه غلامه عمرو".
فإن لم يكن ضمير غيره: فلا يخلو الموصول من أن يدخُل عليه حرف خفض من جنس الحرف الذي دخل على الضمير أم لا. فإن لم يدخل: فلا يجوز حذفه، نحو قولك: "جاءني الذي مررت به". وإن دخَل عليه جاز حذفه وإثباته، نحو قولك: "أمر بالذي تمر به" (٣).
_________________
(١) البيت من السريع، ولا يُعرف قائله. انظر: الهمع للسيوطي (١/ ٣٤٧)، المعجم المفصل في شواهد العربية (٢/ ٣٨).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: الأصول لابن السراج (١/ ٢٥١)، (٢/ ٣٣٧)، شرح ابن عقيل (١/ ١٦٣ - ١٧٦)، وتوضيح المقاصد (١/ ٤٥١ - ٤٥٩)، شرح المفصل (٢/ ٣٩١)، المقتضب (٣/ ٩٥)، والهمع (١/ ٣٤٥ وما بعدها)، (٣/ ٢٥٠، ٢٥١).
[ ٣ / ٣٧٢ ]
ففي مثل قوله: "هو خير"، لا يجوز حذفه إلّا في شُذوذ.
الحديث الثّاني:
[٣٥٦]: عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إنِّي وَاللَّهِ -إنْ شَاءَ اللَّهُ- لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا" (١).
قوله: "إن شاء اللَّه": قدَّم استثناء المشيئة، وكان موضعها عقيب جواب القَسَم، وذلك أنّ جَواب القَسَم جاء بـ "لا"، وعقبه الاستثناء بـ "إلا"، فلو تأخّر استثناء المشيئة حتى يجيء الكَلام: "واللَّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلّا أتيتُ الذي هو خير إن شاء اللَّه" لاحتمل أن يرجع إلى قوله: "أتيت"، أو إلى قوله: "هو خير"، فلما قدّمه انتفى هذا التخيّل.
وأيضًا: ففي تقديمه اهتمام؛ لأنّه استثناء مأمور به شرعًا، وينبغي أن يبادر بالمأمور به. (٢)
قال الشيخ تقيّ الدّين: هذا الحديثُ له [سَبب] (٣) مذكُور في غير هذا الموضع، وهو أنّ النبي -ﷺ- حَلف [أن لا] (٤) يحملهم ثم حملهم (٥).
قوله: "إني واللَّه إن شاء اللَّه": "إني": "إن" واسمها، وخبرها جملة "لا أحلف". وجواب القَسَم محذوف سدّ مسده خبر "إن". ويحتمل أن يكون "لا أحلف" جواب القسم، وخبر "إن" القَسَم وجوابه (٦)، أو يكون خبر "إن" محذوف يدلّ عليه
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦٢٣)، (٦٦٤٩) في الأيمان والنذور، ومسلم (١٦٤٩) في الأيمان.
(٢) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٣٦٥).
(٣) غير واضحة بالأصل.
(٤) بالنسخ: "ألا". والمثبت من المصدر.
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٥٥).
(٦) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٣٦٥).
[ ٣ / ٣٧٣ ]
الجواب.
وتقدّم الكلام على حروف القَسَم في العاشر من "الصّلاة"، وعلى جواب القَسَم في الثّاني من "باب الصّفوف".
قوله: "على يمين": أي: "على موجَب يمين"؛ لأنّ اليمين مُوجبة. و"الموجَب": هو الذي انعقد عليه الحلف. (١)
قوله: "إن شاء اللَّه": جملة معترضة، لا محلّ لها.
[قوله] (٢): "فأرى": معطوفٌ على "أحلف". والضّمير في "غيرها" يعود على "اليمين".
قوله: "إلا أتيت": جملة "أتيت" في محلّ الحال من ضمير "النبي -ﷺ-". ووقعت الحال فعلًا بعد "إلّا"، وجاءت على شرطها من أنْ يتقدّمها فعل (٣)، وتقدّم القول على ذلك في الثّالث من "المذي".
قوله: "وتحللتها": معطوفٌ على "أتيت".
قال الشّيخ تقيّ الدّين: في الحديث تقديم ما يقتضي "الحنث" على "الكفّارة"، إن كان معنى "تحللتها": "الكفّارة".
ويحتمل أن يكون معناه: "إتيان ما يقتضي الحنث"، فإنّ "التحلل" [نقض] (٤) العقد. و"العقد": هو ما دلّت عليه اليمين من مُوافقة مقتضاها. فيكون "التحلل":
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٣٦٥).
(٢) بياض بالأصل. وسقط من (ب).
(٣) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٣٦١)، شرح الأشموني (٢/ ٣٢)، اللمحة (١/ ٣٩٥)، شرح التصريح (١/ ٦١١)، الهمع (٢/ ٢٧٢، ٣٢٢).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "ينقض". وفي المصدر: "نقيض".
[ ٣ / ٣٧٤ ]
الإتيان بخلاف [مقتضاها] (١).
[قال] (٢): فإن قُلت: [فيلغى على] (٣) هذا: "أتيت الذي هو خير". قلتُ: فيه فائدة التصريح والتنصيص على كون ما فعله محللًا، والإتيان به بلفظ يُناسب [الجواز] (٤) والحلّ صريحًا، فإذا صرّح بذلك كان أبلَغ مما إذا أتى به على سبيل الاستلزام. انتهى (٥).
الحديث الثالث:
[٣٥٧]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهَ -ﷺ-: "إنّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" (٦).
وَلِمُسْلِمٍ: "فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّه أَوْ لِيَصْمُت" (٧).
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَى عَنْهَا، ذَاكِرًا وَلا آثِرًا" (٨). يعني: "حَاكيًا عن غيري أنّه حَلف بها".
قوله: "إنّ اللَّه ينهاكم أن تحلفوا": جملة "ينهاكم" في محلّ خبر "إنّ".
و"أنْ" المصدَرية في محلّ نصب أو جر بتقدير حرف الجر، أي: "ينهاكم عن أن
_________________
(١) بالنسخ: "مقتضاه". والمثبت من المصدر.
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) كذا بالنسخ. وفي المصدر: "فيكفي عن".
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الجواب". والمثبت من المصدر.
(٥) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٥٥).
(٦) رواه البخاري (٦٦٤٦) في الأيمان والنذور، ومسلم (١٦٤٦) (١) في الأيمان، ورواه أيضًا أبو داود (٣٢٤٩) في الأيمان والنذور، والترمذي (١٥٣٣) في النذور والأيمان، والنسائي (٧/ ٤) في الأيمان والنذور، وابن ماجه في الكفارات.
(٧) رواه البخاري (٦٦٤٦) في الأيمان والنذور، ومسلم (١٦٤٦) (٣) في الأيمان.
(٨) رواه البخاري (٦٦٤٧) في الأيمان والنذور، ومسلم (١٦٤٦) (١) في الأيمان.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
تحلفوا"، الأوّل للخليل والكسائي، وعكس أبو البقاء، والثّاني لسيبويه (١).
قوله: "ولمسلم: فمن كان حالفًا": يحتمل أن يتعلّق حرف الجر بمقدّر، أي: "وجاء لمسلم هذا اللفظ"، فتكون الجملة بعد المجرور في محلّ رفع على الفاعلية، وامتنع الإعراب لأجْل الحكاية. ويحتمل أن تكُون الجملة في محلّ رفع على الابتداء، ويكون الخبر في المجرور، [وبه] (٢) يتعلّق حرف الجر. ويحتمل أن يقدّر: "ورُوي لمسلم".
قوله: "فمن كان حَالفًا": "مَن" الشّرطية، ومحلّها رفع بالابتداء، و"كان" واسمها وخبرها في محلّ الخبر، وقيل: الخبر في الجواب، وفيه بُعد لأجل "الفاء". وتقدّم مثله مرارًا. و"باللَّه" يتعلّق بالفعل، ويحتمل أن يتعلّق بـ "حالفًا"، وهو خلاف الظّاهر، ويكون من باب الإعمال.
قوله: "أو ليصمت": يقال: "صَمَتَ، يَصْمُتُ، "صَمْتًا"، و"صُموتًا"، و"صُماتًا": أي: "سَكَتَ"، و"أَصْمَتَ" مثله. و"التصميت": "التسكيت"، و"التصميت" أيضًا "السكوت". و"رجل صميت" أي "سكيت". و"الصُّمتة" مثل "السُّكتة". (٣)
قوله: "وفي رواية": هو مثل: "ولمسلم" المتقدّم.
قوله: "قال عمر" يعني: "ابن الخطاب": "فواللَّه ما حلفت بها منذ سمعت رسول اللَّه -ﷺ- ينهى عنها" جوابُ القَسَم: "ما حلفت"، وتقدّم قريبًا مثله. والضّمير
_________________
(١) انظر: التبيان في إعراب القرآن (١/ ٤٣)، البحر المحيط (١/ ١٨١)، (٢/ ٤٧١، ٤٧٢)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤)، مُغني اللبيب (ص ٦٨٢)، أمالي ابن الحاجب (٢/ ٧١٢)، شرح التصريح (١/ ٤٦٩)، الصاحبي (ص ٩١)، الصبان (٢/ ١٣٣).
(٢) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "به".
(٣) انظر: الصحاح (١/ ٢٥٦).
[ ٣ / ٣٧٦ ]
في "بها" يعود على "اليمين بالآباء".
و"مذ" و"منذ" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأوّل من "الوصايا". ومتى وقع بعدها فعل -مثل ما وقع هنا- كانت ظرْفا مُضافًا إلى الجُملة بتقدير زَمَان (١)، أي: "ما حلفتُ بها منذ زَمن سَمَاعي".
"ينهى عنها": في محلّ الحال، وقد تقدّم مذهب أبي علي الفارسيّ في ذلك، وتقدّمت في الحديث الأوّل من الكتاب (٢).
قوله: "ذاكرًا ولا آثرًا": حالان من ضمير الفاعل في "سمعت".
و"آثرًا" فاعل من: "أثرت الحديث"، "آثُرُه" إذا "ذكرته عن غيرك"، ومصدره: ["الأَثْر". ومنه] (٣) يُقال: "حديثٌ مأثور" أي "ينقله خَلَف عن سَلَف". (٤)
وقول عُمر: "ذاكرًا" ليس هو من الذّكر بعد النسيان، إنما يعني مُتكلمًا به، كقولك: "ذكرتُ لفلان حديث كذا وكذا". كذا قال صاحب "الصّحاح". (٥) [. . . . .] (٦).
_________________
(١) انظر: شرح المفصل (٢/ ١٨١ وما بعدها)، شرح الأشموني (٢/ ١٠١ وما بعدها)، مغني اللبيب (ص ٤٤١ وما بعدها)، شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٢١٦، ٢١٧)، الجنى الداني (ص ٥٠١ وما بعدها).
(٢) عند كلامه على قوله: "سمعت. . . ".
(٣) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب). والمثبت من المصدر.
(٤) انظر: الصحاح (٢/ ٥٧٤، ٥٧٥)، ولسان العرب (٤/ ٦).
(٥) انظر: الصحاح (٢/ ٥٧٥).
(٦) غير واضحة بالأصل. وسقط من (ب). ويظهر لي أنها: "وهي ذاكرة".
[ ٣ / ٣٧٧ ]
[الحديث الرّابع] (١):
[٣٥٨]: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد -﵇-: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، نِصْفَ إنْسَانٍ". قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ" (٢).
قوله: "عن أبي هريرة": أي: "روي عن أبي هريرة أنه روى عن النبي -ﷺ-". وتقدّم له نظائر، فلينظر في مواضعها.
وفاعل "قال": ضمير "النبي -ﷺ-". و"قال" الثانية فاعلها: "سليمان".
و"سليمان": لا ينصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنون، وفيه العجمة. وكذلك "داود"، فيه العُجمة والعَلمية. (٣)
و"﵉" مبتدأ. والخبر مُقدّم ليفيد تخصيصًا وحصرًا. ومثله ما رُوي أنّ رجُلا سَبّ آخر فأعرَض عنه المسبوب، فقال السّاب: "إياك أعني"، فقال له الآخر: "وعنك أعرض". (٤)
قوله: "لأطوفن": جوابُ قسَم محذوف، أي: "واللَّه لأطوفن". ويؤيد هذا التقدير: قوله -ﷺ- في آخر الحديث: "لو قال إن شاء اللَّه لم يحنث، وكان دركًا لحاجته". ويُروى: "لَأطِيفَنّ" (٥)، وهما لُغتان فصيحتان، "طاف بالشيء" و"أطاف به" (٦).
_________________
(١) بياض بالأصل، وسوف يتغير على أساسه ترقيم الثلاثة أحاديث التالية.
(٢) رواه البخاري (٣٤٢٤) في أحاديث الأنبياء، ومسلم (١٦٥٤) في الأيمان.
(٣) انظر: البحر المحيط (١/ ٥١١)، (٢/ ٥٨٠)، المنهاج المختصر (ص ٣٥).
(٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٤٢).
(٥) صحيح مسلم (١٦٥٤/ ٢٤).
(٦) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٢٩٢)، الإعلام لابن الملقن (٩/ ٢٦٤)، مطالع الأنوار =
[ ٣ / ٣٧٨ ]
و"الليلة": نصب على الظّرف.
قوله: "على سبعين امرأة": "امرأة" تمييز. و"سبعين" محمولٌ على جمع المذكر السالم؛ فرفعه بـ "الواو"، ونصبه وجرّه بـ "الياء". (١)
وقد عُومل مُعامَلة المفرَد، فجُرّ بالكَسر (٢) في نحو قوله:
وَمَاذَا تَبْتَغِي الشُّعَرَاءُ مِنِّي وَقَدْ جَاوزتُ حَدَّ الأرْبَعِينِ (٣)
كما فتحت "نون" التثنية في نحو قوله:
عَلى أَحْوذِيَّيْنَ استَقَلَّتْ عشية فَما هيَ إِلا لمحةٌ وتَغِيبُ (٤)
بفتح "نون" التثنية (٥).
قوله: "تلد كُلّ امرأة منهن غُلامًا": يحتمل أن يكون التقدير: "فتلد كل واحدة
_________________
(١) = (٣/ ٢٨٥)، مجمع بحار الأنوار (٣/ ٤٦٧)، المصباح المنير (٢/ ٣٨٠).
(٢) انظر: غريب الحديث للخطابي (٣/ ٣٠)، الكتاب (٣/ ٢٣٢)، شرح المفصل (٣/ ٢٢٩)، سر صناعة الإعراب (٢/ ٢٦٩)، شرح ابن عقيل (١/ ٦٣)، شرح التسهيل (١/ ٨١)، همع الهوامع (١/ ١٩٣)، تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم (١/ ٢٦٩)، النحو الوافي (٤/ ٥٢٢، ٥٢٣)، جامع الدروس العربية (٣/ ١١٧).
(٣) انظر: شرح التصريح (١/ ٧٦، ٧٧، ٨٠)، أوضح المسالك (١/ ٧٦ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (١/ ٦٧ وما بعدها).
(٤) البيت من الوا فر، وهو لسحيم بن وثيل. انظر: شرح التصريح على التوضيح (١/ ٧٦)، شرح الأشموني (١/ ٦٥)، المعجم المفصل (٨/ ٢٦١).
(٥) البيت من الطويل، وهو لحميد بن ثور. انظر: شرح التسهيل (١/ ٦١ وما بعدها)، شرح التصريح (١/ ٧٨)، اللمحة (١/ ١٩٠)، المعجم المفصل (١/ ٣٣٧).
(٦) انظر: شرح التسهيل (١/ ٦١ وما بعدها)، سر صناعة الإعراب (٢/ ١٥١)، شرح التصريح (١/ ٧٨)، أوضح المسالك لابن هشام (١/ ٨٢ وما بعدها)، شرح ابن عقيل (١/ ٦٩)، شرح الأشموني (١/ ٦٨).
[ ٣ / ٣٧٩ ]
منهن"، ثم حذفها.
وقد حذفت "الواو" العاطفة في قول عمر: "لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَهُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَر" (١) بالجر، وفي بعض النسَخ: "والصّوَر". (٢) وكما حُذفت من قوله:
مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها . . . . . . . . . . . . . . (٣)
أي: "فاللَّه يشكرها". (٤)
وأنكر ابن مالك على مَن قال: ذلك مخصوصٌ بالشِّعر. (٥) وتقدّم ذلك في الثاني من "الوصايا" مُستوفى.
ويحتمل أن يكون هنا محذوف يدلّ عليه المعنى، أي: "أطوف على سبعين
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ص ٩٤) معلقًا عن عمر.
(٢) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٥٢، ٢٥٤)، نيل الأوطار (٢/ ١٦٩).
(٣) صدر بيت من البسيط، وهو للحطيئة، وعجزه: "لا يَذْهَبُ العُرفُ عند اللَّه والناس". ورواه البعض: "من يفعلِ الخير فالرحمن يشكره". وهناك بيت آخر من البسيط أيضًا، وهو لكعب بن مالك، أو لعبد الرحمن بن حسان، أو لحسان بن ثابت، وهوة "مَنْ يَفْعَل الحَسَناتِ اللَّه يَشْكُرُها. . . والشَّرُّ بالشَّرَّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ". ويروى فيه: "وَالشَّرُّ بالشَّرَّ عِنْدَ اللَّهِ سِيَّانِ". انظر: الكتاب (٣/ ٦٤، ٦٥)، أمالي ابن الشجري (٢/ ١٤٤)، سر صناعة الإعراب (١/ ٢٧٥)، المعجم المفصل (٤/ ٧٣)، (٨/ ١٨٢، ٢٠٧).
(٤) انظر: شواهد التوضيح (ص ١٩٣)، إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث (ص ٥٥)، سر صناعة الإعراب (١/ ٢٧٥)، شرح التسهيل (٤/ ٧٦)، خزانة الأدب (٩/ ٤٩)، أمالي ابن الشجري (١/ ١٢٤)، مغني اللبيب (ص ٨٠)، الهمع (٢/ ٥٥٥ وما بعدها).
(٥) انظر: البحر المحيط (٩/ ٤٥)، علل النحو (ص ٤٤٠)، شرح التصريح (٢/ ٤٠٦)، الهمع للسيوطي (٢/ ٥٥٥ وما بعدها).
[ ٣ / ٣٨٠ ]
امرأة، فتحْمِل؛ تَلِد. . . "؛ فتكُون "تلد" بدَلًا من "تحمل" المقدّر.
ويحتمل أن تكون "تلد" جملة في محلّ الحال من "امرأة"، وتكون حالًا مقدّرة، مثل قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧] (١).
ويجوز الحَال عند سيبويه (٢) من النكرة بغير شَرط. وقد تخصّصت بالعَدَد الذي ميزته أو بصفة مُقدّرة، أي: "من نسائي" أو "منهن"، وهذا كثير شائع (٣).
ولك أن تجعل "تلد" في محلّ صفة لـ "امرأة"، بمعنى ما يصير إليه في ظنه، وقد يوصَف الشيء بمعنى ما يقع له ويَؤول أمره إليه.
ومتى جعلتها صفة جاز أن تكون لـ "سبعين" أو لـ "امرأة"، ويختلف المعنى، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣] بالجر، و"سمانا" بالنصب؛ فيلزم من وصف البقرات بـ "السمان" وصف "السبع" به، ولا يلزم من وصف "السبع" به وصف "البقرات". (٤)
وفرق بين ["ثلاثُ رجال كرام" و] (٥) "ثلاثةُ رجال كرام" برفعهما، يقدّر الأوّل: "ثلاثة من الرجال الكرام"؛ فيلزم وصف الثلاثة بالكرم. وعلى الثاني يكون التقدير: "ثلاثة كرام من الرّجال"؛ فلا يلزم منه وصف الرّجال بالكَرَم (٦).
_________________
(١) انظر: مغني اللبيب (ص ٦٠٦)، شرح الأشموني (٢/ ٤٥).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٢/ ٣٣٣)، شرح الكافية الشافية (٢/ ٧٤٠)، شرح ابن عقيل (٢/ ٢٦٣)، الهمع (٢/ ٣٠٤).
(٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٠)، الهمع (٢/ ٣٠٤)، النحو الوافي (٢/ ٤٠٣).
(٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٠).
(٥) سقط من النسخ. والمثبت من المصدر.
(٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٠).
[ ٣ / ٣٨١ ]
ويحتمل أن تقدّر هنا "إذا"، وتكون "تلد" جوابها، أي "إذا طفت تلد"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ﴾ [الماعون: ١، ٢]، أي: "إذا رأيته فذلك". (١)
و"غلامًا": مفعول "تلد". و"منهن": يتعلّق بصفة لـ "امرأة".
وجملة "يقاتل في سبيل اللَّه": في محلّ صفة لـ "غلامًا".
قوله: "فقيل له: قُل: إن شاء اللَّه": "قيل" تقدّم في الحديث الخامس من "العرايا". والمجرور قائم مقام المفعول الذي لم يُسمّ فاعله
أو يكون المفعول الجملة، على قوله: "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ: زَعَمُوا" (٢) (٣).
وجاء في الحديث أنّ الذي قال له: "قُل. . . ": "الملَك" (٤).
و"إن شاء اللَّه" شرط جوابه محذوف، أي: "فعل" أو "قدّر".
قوله: "فلم يقُل": مفعوله محذوف، أي: "فلم يقل ذلك"؛ لأنه تعدّى إلى المقول.
قوله: "فطاف بهن، فلم تلد": جمل معطوفات على ما قبلها، والضمائر تعود على "السبعين" المتقدّم ذكرها. و"من" للتبعيض، وتتعلّق بـ "تلد".
قوله: "إلا امرأة واحدة": فاعل "تلد"، والاستثناء مُفرغ. و"واحدة" صفة مؤكدة.
قوله: "نصف إنسان": منصوب بفعل مُقدّر، أي: "ولدت نصف إنسان".
ولا يجوز فيه الرفع على أنه بَدَل؛ لأنه لا يحلّ محلّه.
_________________
(١) راجع: تفسير الزمخشري (٤/ ٨٠٤).
(٢) صحيح: سنن أبي داود (٤٩٧٢)، من حديث حذيفة أو أبي مسعود، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٦٦).
(٣) راجع: مغني اللبيب (ص ٥٢٥، ٥٥٩)، الهمع (١/ ٢٩).
(٤) متفقٌ عليه: صحيح البخاري (٦٧٢٠)، ومسلم (١٦٥٤/ ٢٣).
[ ٣ / ٣٨٢ ]
ويحتمل الرّفع على الفاعلية بفعل مُقدّر، أي: "جاءها نصفُ إنسان" أو "خلق منها نصف إنسان".
قوله: "قال": أي: "قال أبو هريرة".
"قال رسُول اللَّه -ﷺ-: لو قال: إن شاء اللَّه": "لو" هنا لما [كان] (١) سيقع لوقوع غيره (٢)، وجوابها: "لم يحنث". وتقدّم الكلام على "لو" في الحديث الأوّل من "الصّلاة". وجملة "إن شاء اللَّه" معمولة للقول.
قوله: "وكان دَرَكًا": أي "كان القول دركًا لحاجته".
و"دَرَكًا": مصدر من "أدركت"، على حذف الزوائد، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] (٣).
الحديث [الخامس] (٤):
[٣٥٩]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهَ -ﷺ-: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّه وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلَى آخِرِ الآيَةِ (٥).
قوله: "قال: قال رسُول اللَّه": فاعل "قال" الأولى ضمير "ابن مسعود"،
_________________
(١) سقط من النسخ. والمثبت من المصادر.
(٢) انظر: الكتاب لسيبويه (٤/ ٢٢٤)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٦٣٠)، شرح ابن عقيل (٤/ ٤٧)، الإنصاف في مسائل الخلاف (١/ ٦٤)، اللمحة (٢/ ٨٠٦)، الجنى الداني (ص ٢٧٢ وما بعدها)، مُغني اللبيب (ص ٣٤٦).
(٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٤/ ٢٥٤)، البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢١٤)، نتائج الفكر للسهيلي (ص ٢٥٩).
(٤) بالنسخ: "الرابع". وقد سبق بالحديث السابق بيان سبب التغيير.
(٥) رواه البخاري (٦٦٧٦) في الأيمان والنذور، ومسلم (١٣٨) في الأيمان.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
والقول معمول [لـ "أن" المقدّرة] (١) للقائم مقام الفاعل. و"قال" الثانية معمولة لـ "قال" الأولى. و"مَن" اسم شرط تقدّم قريبًا.
[و"على يمين"] (٢) يتعلّق بـ "حلف". يُروى "يَمِينٍ" (٣) بالتنوين؛ فيكون "صبر" صفة له على النسب، أي: "ذات صبر"، وبغير تنوين على الإضافة. والمراد هنا: "ما تُوجبه اليمين من الحقوق". والتقدير: "مَن حلف على مُوجب [يمين"] (٤).
وجملة "يقتطع بها مال امرئ مسلم" في محلّ صفة ثانية. والضّمير في "بها" يعود على "اليمين".
و"امرئ" تقدّم في السّادس من "الزكاة".
قوله: "هو فيها فاجر": جملة في محلّ الحال من فاعل "حلف". ويحتمل أن تكون من ضمير "يقتطع". ويحتمل أن تكون في محلّ صفة لـ "يمين"؛ لأنّ فيها ضميرين، أحدهما للحالف، والآخر لليمين؛ فبذلك صلحت أن تكون حالًا لكُلّ واحد منها، والفصل بين هذه الجملة الواقعة صفة وبين الموصُوف إنما وقع بصفات.
و"على" في قوله: "على يمين فاجرة" تحتمل أن تكون بمعنى "الباء"، كقوله تعالى: "حَقِيقٌ عَلَيّ" (٥)، بتشديد "الياء"، . . . . .
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) انظر: العمدة، ط مكتبة المعارف (ص ١٧٦)، وهي بالمعجم الأوسط (٧٧٦٣)، والمعجم الكبير (٦٤٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢١٢٠٤).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "اليمين".
(٥) سورة [الأعراف: ١٠٥]. وقراءة أبي والأعمش هي: "حقيقٌ بألّا أقول". والذي قرأ "حقيق عَليّ" بتشديد الياء ابن حسان عن يَعقُوب، وأبو بشر عن دمشقي، وحمصي، وشيبة، والزعفراني، وابن مِقْسَمٍ والقورسي عن أبي جعفر، وأبان، ونافع غير اختيار ورش، والجعفي عن أبي عَمرٍو، وأبو عمرو عن الحسن. انظر: تفسير القرطبي =
[ ٣ / ٣٨٤ ]
وهي قراءة أُبَي. (١)
قوله: "لقي اللَّه وهو عليه غضبان": "لقي" جوابُ "مَن"، والجملة من المبتدأ والخبر في محلّ الحال من اسم اللَّه تعالى.
و"غضبان": لا ينصرف؛ لأنّ فيه الصّفة وزيادة الألِف والنون، والشّرط هنا موجود، وهو انتفاء "فعلانة"، ووجُود "فعلى" (٢).
وذلك في صفات المخلوقين. وغضبه ﷾ يُراد به: "ما أراده من العُقوبة". نعوذ باللَّه من [عقابه] (٣) وغضبه (٤).
قوله: "ونزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٧] ".
قلتُ: ذكر المفسّرون في هذه الآية أقوالًا، منها ما رواه ابن مسعود راوي هذا الحديث هنا أنّ الآية نزلت في تصديق هذا الحديث (٥).
قوله: "بعَهْد اللَّه": المصدر مُضَافٌ إلى الفاعل مقدرًا بـ "أن"، أي: "بما عهد اللَّه إليهم"، ويصح أن يُضاف إلى المفعول، أي: "بما عاهدوا اللَّه عليه".
_________________
(١) = (٧/ ٢٥٦)، جامع البيان في القراءات السبع (٣/ ١٠٩٧)، الكامل في القراءات والأربعين الزائدة عليها (ص ٥٥٥)، شرح التسهيل (٣/ ١٦٥)، مغني اللبيب لابن هشام (ص ٩١٤).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٣/ ١٦٥).
(٣) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٢٥٠)، شرح الأشموني (٣/ ١٣٧)، شرح الكافية الشافية (٣/ ١٤٤١)، توضيح المقاصد (١/ ١٧٧)، الكافية (ص ١٣).
(٤) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "عذابه". والمثبت من المصدر.
(٥) انظر: إرشاد الساري (١٠/ ٢٥٠).
(٦) انظر: تفسير القرطبي (٤/ ١١٩)، تفسير ابن عطية (١/ ٤٥٩)، تفسير الزمخشري (١/ ٣٧٦)، البحر المحيط (٣/ ٢٢٥)، اللباب لابن عادل (٥/ ٣٣٩).
[ ٣ / ٣٨٥ ]
الحديث [السّادس] (١):
[٣٦٠]: عَن الأشْعَث بن قيس قَال: كَان بيني وبين رَجُل خُصُومة، [فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ". قُلْت: إذَن يَحْلِفُ وَلا يُبَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّه ﷿ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"] (٢) (٣).
وَجَب إعادة "بين" هنا ليصحَّ العطف على الضّمير المجرور (٤)، واسم "كان": "خصومة"، والخبر في الظّرف.
وتأتي "بين" في الكتاب العزيز على أنحاء: فتارة تُعرَبُ، كقوله تعالى: "لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكُمْ" (٥)، وهَذَا على الاتساع في الظرْف.
وقيل: هو بمعنى "وصلُكم" (٦).
ومنه قوله تعالى: ﴿فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] بجرِّ "بينِك".
ومنه: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥].
وتارة يبقى على نصبه، نحو قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] بالنصب، ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥].
_________________
(١) بالنسخ: "الخامس".
(٢) سقط من الأصل وتم إثباته من عمدة الأحكام، حديث رقم (٣٦٩).
(٣) رواه البخاري (٦٦٧٧) في الأيمان والنذور، ومسلم (١٣٨) في الأيمان.
(٤) انظر: شرح ابن عقيل (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠).
(٥) سورة [الأنعام: ٩٤]. قرأ المدنيان والكسائي وحفص بنصب (بينكم)، وقرأ الباقون بالرفع، والأخير هو المثبت أعلاه. انظر: الوافي في شرح الشاطبية (ص ٢٦٣)، والكنز في القراءات العشر (٢/ ٤٧١)، والبحر المحيط (٤/ ٥٨٨).
(٦) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٨٨)، والدر المصون (٥/ ٥٤).
[ ٣ / ٣٨٦ ]
[فالأوّل] (١) الذي يدخُله الجر إنما يكُون في الشيئين المتلابسين المشتركين، فيأتي ذلك في قوله تعالى: ﴿فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]؛ لأنّ الفُرقة اشتركا فيها جميعًا، وكذلك ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] حالهما في الحجاب واحد.
وأمّا الثّاني الذي لا اشتراك فيه: فنحو قوله تعالى: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، فالظّرف فيه باق على أصله من النصب، ويكون له محلّ من الإعراب، فيعمل فيه استقرار مُقدّر. ويكون عريًّا عن ذلك؛ [فيعمل فيه فِعْلٌ] (٢) أو معنى فِعْلٍ على القَاعِدة في سائر الظروف (٣).
ومن هذا قوله في الحديث: "كان بيني وبين رجل خصومة"؛ [لأنّه] (٤) لا اشتراك بينهما في سَبب الخصُومة، وهو "المِلْك"؛ لأنّ أحدهما يده على "الملك" أو على الشيء، والآخر يخاصمه فيه ويدّعيه عليه.
قوله: "في بئر": يتعلّق بـ "خصومة"؛ لأنّه مصْدَر "خاصم"، أو اسم مصدر، وكلاهما يتعلّق به حرف الجر.
قوله: " [فاختصمنا] (٥) إلى رسُول اللَّه -ﷺ-": تعدّى "اختصم" بـ "إلى"؛ لأنّه بمعنى: "ترافعا إلى رسول اللَّه -ﷺ-".
قوله: "فقال رسول اللَّه -ﷺ-: شاهداك أو يمينه": "شاهداك" إمّا فاعل لفعل
_________________
(١) بالنسخ: "فالأولى". وهي مؤنثة، لا تناسب ما جاء بعدها بلفظ المذكر.
(٢) بياض في (ب).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٧/ ٤٣)، والكشاف للزمخشري (٢/ ٧٤٦)، والدر المصون (٥/ ٥٤ - ٥٦)، وشرح المفصل لابن يعيش (١/ ٤٢٢) وشرح ابن عقيل (٢/ ١٩١ - ١٩٣)، وجامع الدروس العربية (٣/ ٤٨).
(٤) غير واضحة بالأصل. وبياض في (ب).
(٥) بالنسخ: "فاختصما".
[ ٣ / ٣٨٧ ]
مُقدَّر، أي: "يحضر شاهداك أو فحقّك يمينه"، و"يمينه" خبر مبتدأ محذوف: "أوْ لك يمينه"، فتكون مبتدأ، والخبر في المجرور.
ويحتمل أن يكون "شاهداك" خبر مبتدأ محذوف، أي: "الواجب شاهداك أو يمينه".
ولو قال: "شاهديك" على أنّه منصوب بفعل مُقدّر، أي: "أحضِر شاهديك أو اقبل يمينَه"، لجاز. ولكن الرّواية تُتّبع.
قوله: "فقلت: إذن يحلف": "إذن" حرفُ جواب، وهي تنصب الفعل المضارع بشروط ثلاثة: -
أحدها: أن تكون أوَّلًا، فلا يعتمد ما بعدها على ما قبلها، كما تقول في جواب من قال: "أزورك": "إذن أكرمَك"، بالنصب. فإن اعتمد ما بعدها على ما قبلها رفعْتَ، نحو قولك: "أنا إذن أكرمُك".
الشرط الثاني: أن يكون مُستقبلًا، فلو كان حالًا وجَب الرفع، نحو قولك لمن قال: "جاء الحاج": "إذن أفرحُ"، تريد الحالة التي [أنت فيها] (١).
الشّرط الثالث: أن لا يفصل بينها وبين الفعل بفاصل، [ما] (٢) عدا القَسَم. والنداء و"لا". [فإن دخَل عليها حَرف] (٣) عطف جاز في الفعل وجهان: الرّفع والنّصب، والرّفع أكثر، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] (٤).
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٣) غير واضح بالأصل، والمثبت من (ب) وإرشاد الساري.
(٤) انظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٩/ ٣٩٤)، شرح ابن عقيل (٤/ ٦، ٧)، وشرح التسهيل (٤/ ٢٠، وما بعدها).
[ ٣ / ٣٨٨ ]
والفعل هنا في الحديث إنْ أريد به الحال فهو مرفُوع، وإن أريد به الاستقبال فهو منصوبٌ. (١) وتُتّبع الرّواية.
قوله: "ولا يبالي": جملة في محلّ الحال من ضمير "يحلف"، أي: "يحلفُ غيرَ مبالٍ"، أو يكون في محلّ خبر مبتدأ محذوف، أي: "يحلف وهو لا يبالي".
قال في "الصّحاح": وقولهم: "لا أُبالِيهِ"، أي: "لا أكترث له".
وإذا قالوا: "لم أبل"، حذفوا "الألِف" تخفيفًا لكثرة الاستعمال، كما حذفوا "الياء" من قولهم: "لا أدر"، وكذلك يفعلون في المصدر، فيقولون: "ما أباليه بالة"، والأصل: "بالية"، مثل: "عافاه عافية"، حذفوا "الياء" منها بناء على قولهم: "لم أبل" (٢).
قوله: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ": تقدّم إعراب هذه الجملة كلها آنفًا.
_________________
(١) انظر: إرشاد الساري (٩/ ٣٩٤).
(٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٨٥).
[ ٣ / ٣٨٩ ]
الحديث [السّابع] (١):
[٣٦١]: عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ. وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ: "مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا قِلَّةً" (٤).
قوله: "أنّه بايع رسول اللَّه -ﷺ-": معمول متعلّق حرف الجر. وجملة "بايع" في محلّ خبر "أنَّ".
و"تحت الشّجرة" ظرف مكان، والعَامِل فيه "بايع"، ويحتمل أن يكُون العامل فيه حالًا من ضمير الفَاعل، أو من "رسول اللَّه".
ويحتمل أن يكون حالًا منهما، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧]؛ قيل: جملة "تحمله" في محلّ حال من ضَمير "عيسى"، وقيل: من "مريم"، وقيل: منهما (٥).
قوله: "وأنّ رسول اللَّه -ﷺ- قال": "أنَّ" الثّانية معطوفة على "أنَّ" الأولى، ومحلّها من الإعراب كمَحلّ ما عُطفت عليه.
_________________
(١) بالنسخ: "السادس".
(٢) رواه البخاري (٦٦٥٢) في الأيمان والنذور، ومسلم (١١٩) في الأيمان.
(٣) هي عند البخاري (٦٠٤٧) و(٦١٠٥) و(٦٦٥٢)، ومسلم (١١٠).
(٤) هي عند مسلم (١١٠).
(٥) انظر: البحر المحيط (٢/ ٣٣٩، ٣٤٠).
[ ٣ / ٣٩٠ ]
قوله: "مَنْ حلف على يمين": تقدّم الكلام على "مَنْ" الشرطية في العاشر من أوّل الكتاب. و"على" هنا بمعنى "الباء"، كما تقدّم.
ويحتمل أن يكون التقدير: "من حلف على شيء يمين"، فحذف المجرور، وعدَّى الفعل بـ "على" بعد حذف "الباء". والأوّل أقلّ في التعبير.
قوله: "بملة غير ملة الإسلام": يتعلّق بـ "حلف"، أو يتعلّق بحال مقدرة، أي: "حلف بيمين متلبسًا بملة غير ملة الإسلام كاذبًا"، فـ "غير" صفة لـ "ملة"، و"كاذبًا" حال من ضمير "حلف"، و"متعمدًا" حال أخرى من الضّمير أيضًا عند من يجيز تعدّد الحال (١)، أو حال من الضّمير في "كاذبًا" فتكون حالًا مُتداخلة.
قوله: "فهو كما قال": "الفاء" جواب الشرط، و"هو" مبتدأ، [و"كما قال"] (٢) في محلّ الخبر، أيْ: "فهو كائن كما قال".
أو تكون "الكاف" بمعنى "مثل"، فتكون "ما" مع ما بعدها في محل جر بالإضافة، أي: "فهو مثل قوله"، فتكون "ما" مصدرية.
ويحتمل أن تكون موصولة، [والعائد] (٣) محذوف، أي: "فهو كالذي قاله"، والمعنى: "فمثله مثل قوله"؛ لأنّ هذا الكلام محمول على التعليق، مثل أن تقول: "هو يهودي -أو نصراني- إنْ كان فعل كذا".
قال الشّيخ تقيّ الدّين: الحلف بالشيء حقيقة هو القسَمُ به، وإدخال بعض حروف القَسَم عليه، كقولك: "واللَّه"، و"الرحمن".
وقد يُطلق على "التعليق" حَلِفًا، كما يقول الفقهاء: إذا حلف بالطلاق على كذا، ومرادهم: "تعليق الطلاق به"، وهذا مجاز، وكان سببه مُشابهة هذا التعليق
_________________
(١) أجاز ابن مالك تعدد الحال، ومنعه ابن عصفور. انظر: شرح التسهيل (٢/ ٣٤٨، ٣٤٩)، وهمع الهوامع (٢/ ٣١٥).
(٢) غير واضحة بالأصل، وبياض في (ب).
(٣) غير واضحة بالأصل، وبياض في (ب).
[ ٣ / ٣٩١ ]
لليمين في اقتضاء الحنث أو المنع.
إذا ثبت ذلك، فنقول: قوله ﵇: "مَن حَلف على يمين بملة غير الإسلام" يحتمل أن يُراد به المعنى الأول، ويحتمل أن يُراد به المعنى الثاني.
والأقربُ أن يُراد الثّاني؛ لأجل قوله: "كاذبًا متعمدًا"، والكذبُ يدخُل القضية الإخبارية التي يقع مُقتضاها تارة، وتارة لا يقع.
وأمّا قولنا: "واللَّه" وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيٍّ، وهي للإنشاء -أعني: إنشاء القسم- فتكون صُورة هذا اليمين على وجهن (١)، انتهى.
قوله: "فهو كما قال" (٢).
قوله: "ومَن قتل نفسه بشيء عُذِّبَ بهِ": هذه الجملة مثل التي قبلها في الإعراب، وجوابُ الشرط هنا: "عُذِّب به"، وهو فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعلُه، والمجرور قائم مقام الفاعل، والضّمير يعُود على "شيء".
و"يوم القيامة" ظَرف، العامل فيه: "عُذِّب".
قوله: "وليس على رَجُلٍ نَذرٌ فيما لا يمْلكُ": "ليس" من أخوات "كان"، وتقدّمت في الأوّل من "الحيض"، و"نَذْرٌ" اسمها، و"على رجُل" في محلّ الخبر، و"فيما" يتعلّق بـ "نَذْر"؛ لأنّه مصدَر، أو يتعلّق بصفة لـ "نذر"، أي: "نذر ثابت فيما لا يملك"، و"لا يملك" جملة في محلّ صلة "ما"، و"ما"وصلتها في محلّ جر بـ "في".
قوله: "وفي رواية": تقدّم أنه يحتمل وجوهًا ثلاثة، الأول: "جاء في رواية"، فيكون "لَعْنُ المؤمنِ" فاعل على الحكَاية. والثّاني: يقدّر "رُوِيَ"؛ فيكون في محلّ مفعول لم يُسم فاعله. والثّالث: تكون الجملة مبتدأً على الحكاية، و"في رواية" في
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٦١).
(٢) كذا بالنسخ.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
محلّ الخبر.
قوله: "لَعْنُ المؤمنِ كقَتلِهِ": مبتدأ وخبر، و"الكاف" يجري فيها مثل ما تقدّم من حرفيتها أو اسميتها.
قيل: معنى الحديث: "يُشبهه في الإثم"، أو أنّه "كقتله في التحريم". واعترض الوجهين الشيخُ تقيّ الدّين، فانظره في موضعه (١).
قوله: "ومن ادَّعى دعْوى كاذبة": تقدّم القول في ذلك، و"دعوى" مفعول به؛ لأنها كناية عن "الشيء المدَّعَى"، أي: "من ادَّعَى شيئًا بدعْوَى كاذبة".
و"الدعْوَى": الاسم من "ادّعى"، والمصدر: "الادعاء" (٢).
و"كاذبة" نعتُ "دعْوَى".
قوله: "ليتكثّر بها": لا مفهوم لهذا (٣)؛ لأنّ الوعيد على كُلّ مَن ادّعى ما ليس له كاذبًا، تكثَّر به أوْ لم يتكثَّر. و"اللام" لام "كيْ"، فالفعلُ منصوب بإضمار "أنْ" بعدها، ويجوز إظهارها. ويتعلّق بـ "ادَّعَى".
قوله: "لم يزده": جوابُ الشرط، و"قلةً" مفعول ثان لـ "يزده"، والفاعل ضَمير يعود على "المدَّعِي"، أي: "لم يزد ذلك المدعِي إلا قلةً". والاستثناء مُفرَّغ. وقد يجيء "زاد" لازمًا، نحو: "زاد المال" (٤).
* * *
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٥).
(٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٣٧)، ولسان العرب (١٤/ ٢٦١).
(٣) أي: لا محلّ لمفهوم المخالفة هنا، للتعليل الذي ذكره.
(٤) انظر: الصحاح (٢/ ٤٨١)، ومختار الصحاح (ص ١٣٩).
[ ٣ / ٣٩٣ ]
بَابُ النّذُور
الحديث الأوّل:
[٣٦٢]: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً -وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا- فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" (١).
قوله: "قال": أي: "أنّه قال"، فيكون محلّه رفعًا خبرًا لـ "أنَّ" المقدَّرة، و"أنَّ" في محلّ رفع لمتعلّق حرف الجرِّ. و"قلتُ" معمول "قال"، و"يا رسُول اللَّه: إني كُنت" معمول "قلتُ"، و"نذَرتُ" خبر "كنتُ"، و"في الجاهلية" يتعلّق بـ "نذرتُ"، وجملة "أنْ أعتكف" في محلّ مفعول "نذرت"، أي: "نذرتُ الاعتكاف".
وتقدّم الكلام على "أنْ" المصدريّة، والفرْق بين "نذرتُ الاعتكاف" و"نذرت أن أعتكف" في العاشر من أوّل الكتاب.
وقد يحتمل أن تكون "كنتُ" زائدة، أي: "إني نذرتُ في الجاهلية"، ومثله:
. . . . . . . . . . . . . . . . وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامِ (٢)
و"لَيْلَة": ظرف زمان، أي: "أنْ أعتَكِف يَومًا". ومتى قدَّرْت "جاء" كان فاعلًا على الحكاية، أو تجعَله مبتدأ، والخبر في قوله: "في [المسجد"] (٣)، وتقدّم قريبًا.
قوله: "قَالَ": أي: "النبي -ﷺ-".
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٣٢)، (٢٠٤٣) في الاعتكاف، ومسلم (١٦٥٦) في الإيمان.
(٢) عجز بيت من الوافر، وهو للفرزدق، وصدره: "فَكَيْفَ إذَا رأيْتَ دِيَارَ قَوْمٍ". انظر: شرح التصريح على التوضيح (١/ ٢٥٢ - ٢٥٤)، وشرح ابن عقيل (١/ ٢٨٩)، والمعجم المفصل (٧/ ٣٨٦).
(٣) غير واضح بالنسخ.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
"أوْف بنَذْرك": يُقال: "وفَّى بعَهْده" (١) و[و"أَوْفَى] (٢) [بمعنى] (٣). ويُقال: "وفي الشيء"، "وفاء"، أي: "تمّ، وكمل" (٤).
قوله: "في المسجد الحرام": تقدّم ذكْر "المسجد"، وأنّ "مفعل" مكان وزمان ومصدر، في الحديث الثالث من "التيمم".
ومنه: "المطلع" و"المغرب" و"المشرق" و"المفرق" و"المجزر" و"المسكن" و"المنبت" و"المنسك" و"المنزل" (٥).
الحديث الثاني:
[٣٦٣]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ، وَقَالَ: "إنَّه لا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ" (٦).
قوله: "عن عبد اللَّه بن عمر": التقدير: "رُوي عن عبد اللَّه بن عمر أنه رَوى عن النبي -ﷺ- أنّه نهى". فـ "أنه نَهَى" في محلّ مفعول، و"أنه روي عن النبي" في محلّ
_________________
(١) بعدها بالأصل كلمتين يبدو أنه ضرب عليهما، وتقرأ: "أي: لزمه".
(٢) غير واضح بالنسخ.
(٣) بالنسخ: "وقي" أو "وقى" أو "وفي".
(٤) انظر: الصحاح (٦/ ٢٥٢٦)، إرشاد الساري (٤/ ٤٠٦)، مشارق الأنوار (٢/ ٢٩٢)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢١١)، لسان العرب (١٥/ ٣٩٨).
(٥) انظر: الجزولية (ص ٣٠٦، ٣٠٧)، إصلاح المنطق (ص ٩٥، ١٦٢، ١٦٣)، اقتطاف الأزاهر (ص ٧٤ وما بعدها)، المفصل (ص ٣٠٣)، شرح المفصل (٤/ ١٤٤ وما بعدها)، المفتاح في الصرف (ص ٥٩ وما بعدها)، المزهر في علوم اللغة (٢/ ١٠١)، شذا العرف في فن الصرف (ص ٧١)، الصحاح للجوهري (٢/ ٤٨٤)، لسان العرب (٣/ ٢٠٤)، (٨/ ٢٣٥)، كتاب الأفعال (١/ ١٧ وما بعدها)، المصباح المنير للفيومي (٢/ ٧٠٠ وما بعدها)، جامع الدروس العربية (١/ ١٠٤).
(٦) رواه البخاري (٦٦٩٢) في الأيمان والنذور، ومسلم (١٦٣٩) (٤) في النذر.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
رفع لمقدَّرٍ يتعلّق به حرف الجر، و"رُوي عن عبد اللَّه بن عمر" لا محلّ له.
قوله: "نهى عن النذر": أي: "عن عَقد النذر"، أو "التزام النذر".
قوله: "وقال": أي: "النبي -ﷺ-".
ومُوجبُ كسر "إنَّ" أنها وقعت بعد القول، وتقدّم ذكْر المواضع التي تُكسر فيها "إنَّ" في الحديث الرابع من أوّل الكتاب.
و"لا" تقدّمت في الحديث الثّاني من "باب الاستطابة".
و"يَأْتِي" من "أَتَى" بمعنى "جاء"، وهو يتعدّى لواحد، بخلاف "آتَى" (١).
و"بخير": قيل: "الباء" سَببية، أي: "لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه في طلب القُرب والطاعة من غير عوض يحصل له، وإن كان يترتّب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه". [قاله] (٢) الشّيخ تقيّ الدّين (٣).
وفيه نظر؛ لأنّ سياق الحديث قبل وبعد لا يُوافقه.
والذي يظهر: أنّ النذر لا يأتي بحاجة الإنسان التي نَذَر لأجْلها، بل اللَّه قدْ قدَّر وقوعَها وعدم وقوعها سواء نَذَر أو لم ينذر، وهو الذي يُوافقُه سياق الحديث، فـ "الباء" إذن "باء" التعدية، أي: "لا يؤتي خيرًا".
قوله: "وإنما يُستَخْرَجُ به من البخيل": "إنما" تقدّم الكلام [عليها في الحديث الأوّل] (٤). و"يُسْتَخْرَجُ به من البخيل" بمعنى: "أنه لا يتصدّق إلّا بعوض".
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٦٢).
(٢) بالنسخ: "قال".
(٣) انظر: إحكام الأحكام (٢/ ٢٦٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣٩٦ ]
و"الباء" في "به" باءُ الآلة.
الحديث الثالث:
[٣٦٤]: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" (١).
قوله: "إلى بيت اللَّه الحرام": يتعلّق بـ "تمشي"، و"تمشي" مع "أنْ" في محلّ مفعول "نَذَرَتْ".
و"إلى" لانتهاء الغَاية، وتقدّمت في الحديث الثّاني من "باب الوتر".
و"بيت" جمعه: "بُيُوت" بضم "الباء" وكسرها، و"أبيات" و"أبابيت". وتصغيره: "بُيَيْت" و"بِيَيْت" بضم "الباء" وكسرها.
قال في "الصّحاح": والعامّة تقول: "بُوَيْت"، وكذلك تصغير "شيخ" بالضّم والكسر، و"شيء" مثله، وأشباهها (٢).
وهذه الإضافة إضافة تشريف؛ لأنّ البيوت كلها للَّه بالملك.
و"الحرام" صفة لـ "بيت"، يُقال: "حرام" أي: "محرّم في الأزَل، وفي سائر الملك". ويقال: "رجُل حَرَام"، أي: "مُحْرِم". و"الحُرم" بضم "الحاء": "الإحرام" (٣).
وفي الحديث: "كنتُ أُطَيَّبُ النبيَّ -ﷺ- لِحِلَّه وحُرْمه" (٤).
وجمع "حرام": "حُرُم"، مثل "قَذَال" و"قُذُل"، والحرام ضد الحلال، وكذلك
_________________
(١) رواه البخاري (١٨٦٦) في جزاء الصيد، ومسلم (١٦٤٤) في النذر.
(٢) انظر: الصحاح (١/ ٢٤٤).
(٣) انظر: الصحاح (٥/ ١٨٩٥)، لسان العرب (١٢/ ١٢٠، ١٢٣).
(٤) صحيح: على شرط الشيخين. انظر: مسند الإمام أحمد بتعليق الأرنؤوط، (٦/ ١٨٦)، حديث رقم (٢٥٥٦٤).
[ ٣ / ٣٩٧ ]
"الحِرْم" بكسر "الحاء"، وقُرِئ: "وحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ" (١). (٢)
قوله: "حافيةً": منصوب على الحال من فاعل "تمشي".
وجملة "فأمرتني" معطوفة على "نَذَرَتْ"، ولا يجوز أن يكون معطوفا على "تمشي"؛ لأنّ التقدير يصير: "نَذَرَتْ أنْ تَأْمرني"، وهذا عند من يقول باشتراك المعطوف والمعطوف عليه في عامل واحد.
وأما مَن يقول: إنّ المعطوف إذا لم يصلح أن يكون متعلقًا بعامل المعطوف عليه قُدِّرَ له عاملٌ له حتى يتضح معنى المسألة (٣)، على قولهم فيكون التقدير: "فنذرتْ أنْ تمشي، ورَأَتْ أنْ تأمرني".
قوله: " [أن] (٤) أستفتيَ" أيْ: "بأن أستفتي"، وحذف "الباء" هنا قوي؛ لأن الفعل من الأفعال التي تتعدى بالباء تارة وبنفسها تارة، ومحل "أنْ" مع الفعل إمَّا جرٌّ أو نصبٌ على الخلاف المتقدّم بين سيبويه والخليل (٥).
قوله: "أستفتي": يقال: "استفتيتُ الفقيه في مسألة" و"أفتاني"، والاسم: "الفُتْيَا" و"الفَتْوَى"، و["تَفَاتَوْا] (٦) إلى الفقيه"، . . . . . .
_________________
(١) سورة [الأنبياء: ٩٥]. وقد قرأ الجمهور: "وَحَرَامٌ"، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وطلحة والأعمش وأبو حنيفة وأبو عمرو في رواية: "وَحِرْمٌ" بكسر الحاء وسكون الراء. وقرأ عكرمة: "وَحرِمٌ" بكسر الراء والتنوين. انظر: البحر المحيط (٧/ ٤٦٥)، تفسير القرطبي (١١/ ٣٤٠)، والهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر (٣/ ٩٥، ٦٠).
(٢) انظر: الصحاح (٥/ ١٨٩٥).
(٣) انظر: النحو الوافي (٣/ ٦٥٥، ٦٥٦).
(٤) بالنسخ: "وأن".
(٥) انظر: شرح التصريح (١/ ٤٦٩)، وشرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤).
(٦) بالأصل: "تفاوتوا".
[ ٣ / ٣٩٨ ]
إذا "ارتفعوا في الفُتْيا إليه" (١).
قوله: "فقال": أي: "النبي -ﷺ-".
قوله: "لتَمش": "اللام" لام الأمر، و"تَمْشِ" مجزوم بها، وعلامة الجزم حذفُ "الياء".
قوله: "ولتركب": يجوز كسر "اللام"، وهو الأصل، ويجوز تسكينها بعد "الفاء" و"الواو"، وجاء قليلا تسكينها بعد "ثُمَّ" (٢).
الحديث الرّابع:
[٣٦٥]: عَنْ عَبْدِ اللَّهَ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمَّهِ، تُوُفَّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَاقْضِهِ [عَنْهَا] (٣) " (٤).
قوله: "عن عبد اللَّه بن عباس [أنّه قال] (٥) ": [. . . . لـ "قال" الثانية] (٦)، صدرها "أنّ" لتكون في محلّ معمول [متعلّق] (٧) حرف الجر، وهو الجملة الأولى.
وجملة "استفتى" في محلّ نصب بالقول، وتقدّم الكلام على "استفتى" في الحديث [قبل] (٨) هذا. و"في نذْرٍ" يتعلق به، وجملة "كان على أُمَّه" في محلّ صفة
_________________
(١) انظر: الصحاح (٦/ ٢٤٥٢).
(٢) انظر: شرح التسهيل (٤/ ٥٨، ٥٩).
(٣) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) رواه البخاري (٦٦٩٨) في الأيمان والنذور، ومسلم (١٦٣٨) في النذر.
(٥) غير واضح بالأصل، والمثبت من (ب).
(٦) غير واضح بالنسخ. والمثبت ما يبدو لي من الأصل.
(٧) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "لمتعلق".
(٨) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٣٩٩ ]
لـ "نذْر"، وخبر "كان" في المجرور، واسمُها ضمير "النَّذر".
قوله: "تُوفيتْ": جملة في محل الحال من "أمه"، أي: "متوفاة". وجاءت الحال بغير "قد"، ومثله قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، وتقدم ذلك في الحديث السابع من أول الكتاب.
وقبل: ظرفٌ، العامل فيه: "توفيت"، وتقدم الكلام عليه في الرابع من أول الكتاب، وجملة "أن تقضيه" في محل جر بالإضافة، وتقدم الكلام على "أنْ" المصدرية في الرابع من أول الكتاب، وفي العاشر منه.
و"تقضيه" منصوب بـ "أنْ"، وهو فعل معتلٌّ تظهر الحركة على آخره في موضعين، أحدهما: إذا كان آخره "ياءً"، مثل ما هو هنا، وفي ما آخره "واوٌ"، مثل: ﴿لَنْ نَدْعُوَ﴾ [الكهف: ١٤]، فإن كان آخره ألِفًا لم تظهر فيه حالة النصب، ولا في حالة الرفع، وحُذفت في حالة الجزم.
وماضي "تقضي": " قَضَى"، تقول: "قضيتُ دَيْني".
ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤]، ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]، أي: " [أدّيْنَاه] (١) إليه" و"أبلغناه ذلك". قاله في "الصّحاح" (٢).
_________________
(١) بالأصل: "أويناه". والمثبت من (ب). وفي الصحاح: "أنهيناه"، وكذا في لسان العرب (١٥/ ١٨٧). وفي مشارق الأنوار (٢/ ١٩٠): "أي: أَوْحَينَا إليه وأعلمناه". وفي تفسير غريب ما في الصحيحين (ص ١٥٦): "أَي: أعلمناه به وأوحيناه إليه".
(٢) انظر: الصحاح (٦/ ٢٤٦٣، ٢٤٦٤).
[ ٣ / ٤٠٠ ]
[الحديث الخامس] (١):
[٣٦٦]: عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" (٢).
قوله: "عن كعب بن مالك": هو أحَد الثّلاثة الذين خُلِّفُوا، قال حين تاب اللَّه عليه: "يا رسُول اللَّه، إنّ مِن توبتي". فـ "قُلتُ" معمولة للقول، و"قال" معمول للفعل المقدّر قبل حرف الجر.
و"أن أنخلع" في محل اسم "إن"، وخبرها في المجرور.
قال ابن الأثير: معنى قوله: "أن أنخلع من مالي" أي: "أخرج من جميعه وأتصدق به وأَعْرَى منه"، كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه. (٣)
قوله: " [صدقة] (٤) ": مصدر من المعنى؛ لأن معنى ["أنخلع": "أتصدّق"] (٥)، أو تكون حالًا، أي: "أنخلع من [مالي] (٦) في حال كونه صدقةً"، ويحتمل أنْ يكون مفعولا، أيْ: "لأجل الصّدَقة"، ويحتمل أن يكون تمييزًا.
قوله: "إلى اللَّه": يتعلق بصفة مقدَّرة، [أي] (٧): "صدقة واصلة إلى اللَّه"، أي: "إلى ثوابه وجزائه". "وإلى رسوله"، أي: "إلى رضاه وحُكمه وتصرفه"، أو تكون
_________________
(١) بالنسخ: "قوله".
(٢) رواه البخاري (٦٦٩٠) في الأيمان والنذور، ومسلم (٢٧٦٩) في التوبة.
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٦٥).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٥) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الخلع: الصدقة".
(٦) سقط من النسخ.
(٧) غير واضح بالأصل، والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٤٠١ ]
"إلى" بمعنى "اللام"، كقوله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣] أي: "لكِ"، وكذلك قولهم: "أحمد اللَّه إليكَ"، أي: "أُنْهِي حمدَه إليك". (١) ويصح هذا هنا، أي: "صدقة أنهي إخلاصها للَّه"، أي: "لثوابه وقبوله لها".
قوله: "فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أمسِك عليك بعض مالك": جملة معمولة للقول، و"عليك" يتعلّق بـ "أمسِك" لأنه بمعنى: "احفظ".
و"بعض" تقدم الكلام عليها، وهي من الأسماء التي لا تثنى؛ لأنه لو ضم البعض إلى بعض آخر لكانا: "بعضا"، وهو على ذلك واحِد أبعاضه، وقد "بعَّضتُه"، "تبعيضًا"، أي: "جزَّأْته"، "فتبعَّض" (٢).
و"مالِكَ": مضاف إليه. وتصغير "مال": "مُوَيْل". قال في "الصحاح": والعامة تقول: "مُوَيِّل" بالتشديد، ويقال: "رجلٌ مالٌ"، أي: "كثير المال"، ويقال: "مال الرجل"، "يمول" و"يمال"، "مَوْلًا" و"مَؤُولًا" إذا "صار ذا مال" (٣).
قوله: "فهو [خير] (٤) لك": "الفاء" جواب شرط مقدّر، أي: "إن تُمسكْ فهو خيرٌ لك"، وقيل: جواب الأمر. و"خيرٌ" أفعل التفضيل، و"لك" يتعلق به أو بصفة له، وصلة "أفعل" محذوفة، أي: "فهو خير لك من صدقتك بمالك كله". وتقدم الكلام على "خير" في الثامن من "باب الجنابة". و"هو" ضمير يعود على الإمساك المفهوم من الفعل.
* * *
_________________
(١) انظر: شرح التسهيل (٣/ ١٤٢)، الجنى الداني (ص ٣٨٧).
(٢) انظر: الصحاح (٣/ ١٠٦٦).
(٣) انظر: الصحاح (٥/ ١٨٢٢).
(٤) سقطت من الأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٤٠٢ ]
باب القضاء
الحديث الأوّل:
[٣٦٧]: عَنْ عَائِشَةَ -﵄- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" (١).
[وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلٍا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ"] (٢). (٣)
قوله: "من أحدَث": أي: "مَنْ عمل عملا ليس عليه أمرنا"، فـ "مَنْ" شرطية مبتدأ، والخبر في فعلها، وقيل: في جوابها، وقد تقدّم الكلام على "مَنْ" وأقسامها في الرابع من أوّل الكتاب أيضًا.
قوله: "ما ليس منه": "ما" هنا نكرة موصوفة، ومحلها نصب على المفعولية بـ "أحدث"، والتقدير: "من أحدث شيئا في أمرنا".
وجملة "ليس" في محلّ صفة لـ "ما"، واسم "ليس" عائد على "ما". و"ليس" تقدّم الكلام عليها في الحديث الأول من "الحيض".
قوله: "أمرنا" واحد "الأمور"، لا واحد "الأوامر"؛ لأن أمره -ﷺ- من أمر اللَّه.
قوله: "هذا": نعت لـ "أمرنا"، أو بدل منه.
قوله: "فهو رَدٌّ": جواب ["مَن"، وهو] (٤) مبتدأ وخبر، و"ردٌّ" مصدر "رَدَّ"، أي: "مردود"، كما تقول: "هذا ضرب الأمير"، أي: "مضروبه".
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٩٧) في الصلح، ومسلم (١٧١٨) في الأقضية.
(٢) سقط بالنسخ. والمثبت من متن "العمدة". وعليه الشرح.
(٣) رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم في البيوع، و(٢٦٩٧) موصولًا باللفظ الأول، ومسلم (١٧١٨) (١٨) في الأقضية.
(٤) غير واضحة في الأصل.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
قال في "النهاية" لابن الأثير: يقال: "أمرٌ رَدٌّ"، أي: "مردود"، بمعنى أنه مخالف لما عليه السُّنَّة، وهو مصدر لما وصف به (١).
قوله: "في لفظ: من عمل عملا": "مَنْ" شرطية، و"عملا" مصدر ["عمل"، و] (٢) المراد منه صفته بـ "ليس عليه أمرنا" حتى يتم ويفيد.
ويحتمل أن يكون "عملا" بمعنى "معمول"، كقولك: "من عمل صالحا"، أي: "عملا صالحا". و"العمل" بمعنى "المعمول" الذي هو "شيء يعمل".
الحديث الثاني:
[٣٦٨]: عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ" (٣).
قوله: "دخلت هند بنت عتبة": تقدم ذكر "بنت" و"ابن" في الأول من "باب الحيض"، وهنا مفعول محذوف أو ظرف، أي: "دخلت البيت". وتقدم الكلام على ما بعد "دخلت" في الحديث الرا بع من "باب الاستطابة".
و"امرأة أبي سفيان" صفة لـ "هند"، أو بدل.
و"هند" يجوز صرفه؛ لسكون وسطه (٤).
و"سفيان" لا ينصرف؛ للعلمية وزيادة الألف والنون.
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢١٣).
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) رواه البخاري (٥٣٥٩) في النفقات، ومسلم (١٧١٤).
(٤) انظر: شرح المفصل (١/ ١٩٣، ١٩٤)، وحاشية الصبان (٣/ ٣٧٣).
[ ٣ / ٤٠٤ ]
و"على رسول اللَّه -ﷺ-": يتعلق بـ "دخلت".
قوله: "إن أبا سفيان": علامة النصب في "أبا" الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، وتقدّم الكلام عليه في ثاني حديث من الأول. و"رجل" خبر "إنّ"، وبالصفة تم الإخبار به، ولو قالت: "إن أبا سفيان شحيح"، حصلت الفائدة، لكن تقدم أنَّ مثل هذا يكون لتعظيم الشخص، ويكون لتحقيره، حسبما يقتضيه سياق الكلام.
وانظر الكلام على قوله في حديث عليٍّ: "كنتُ رجلا مذًّآء".
وأما "شحيح": فالشُّحُّ: "البخل مع حِرْص".
قال في "الصحاح": تقول: "شَحِحْتُ" بالكسر "أَشَحُّ" بالفتح، و"شَحَحْتُ" بالفتح "أَشُحُّ" بالضم، و"قوم شِحَاحٌ" و"أَشِحَّةٌ" (١).
قال ابن الأثير: "الشُّحُّ": "أشدُّ البُخل" (٢).
قال: والمعروف: شَحَّ يَشُحُّ شَحًّا، والاسم: "الشّح" (٣).
قلت: ويقال: "رجل شَحاح"، بفتح "الشين" (٤).
قوله: "لا يعطيني ما يكفيني": الجملة صفة أخرى، و"ما" موصولة بمعنى الذي، و"يكفيني" صلته، والعائد الفاعل المستتر في "يكفيني"، والصلة والموصول في محل مفعول ثانٍ لـ "يعطيني". و"مِن" للتبعيض.
و"يَكفي بَنِيَّ": معطوف على "يكفيني"، وعلامة النصب في "بَنِيَّ" الياء المدغمة في "الياء"، لأنه جمعُ "ابن" مُكَسَّر (٥)، محمول على جمع المذكر السالم، فأُعرِب بإعرابه.
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٣٧٨).
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٤٨).
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٤٨).
(٤) انظر: الصحاح (١/ ٣٧٨).
(٥) انظر: شرح التسهيل (٢/ ١١٣).
[ ٣ / ٤٠٥ ]
قوله: "إلا ما أخذتُ": الاستثناء هنا منقطع، أي: "لكن ما أخذت"، و"ما" بمعنى الذي، و"أَخَذْتُ" صلته، وهو بمعنى المستقبل، أي: "إلا ما آخذ من ماله". ويحتمل أن تكون "ما" مصدرية أي: "لكن أخذي من ماله، فإني أنفق منه على نفسي وعلى بني".
وعلى أنها مصدرية: لا تحتاج إلى عائد عند الأكثرين؛ لأنها حرف، وإن كانت موصولة كان العائد محذوفا، أي: "إلا ما أخذته من ماله".
قوله: "بغير علمه" يتعلق بـ "أخذت" أو بحال، أي: "أخذت مخفيةً".
قوله: "فهل علي في ذلك من جُناحٍ": "مِن" هنا زائدة؛ لأن الاستفهام في معنى النفي، و"جُناحٍ" مبتدأ، و"عليَّ" في محل الخبر.
وتقدمت "هل" في الحديث السابع من الصيام. وتقدم أقسام "مِن" الجارة في الحديث العاشر من أول الكتاب.
و"من" لا تتعلق بشيء؛ لأنها زائدة.
و"الجُناح": "الإثم"، مأخوذ من "جَنَحَ" إذا "مال" (١). وفي الحديث من حديث ابن عباس في مال اليتيم: "إنِّي لأَجَّنَّحُ أنْ آكلَ مِنْه" (٢) أي: "أرى الأكْلَ منه جُناحًا".
قوله: "في ذلك": يتعلق بصفة لـ "جُناح"، تقدمت؛ فانتصبت على الحال.
قوله: "فقال رسول اللَّه -ﷺ-": معطوف على ما قبله.
وجملة "ﷺ" لا محل لها من الإعراب؛ لأنها معترضة.
_________________
(١) انظر: الصحاح (١/ ٣٦٠، ٣٦١).
(٢) حسن الإسناد: رواه أبو داود في سننه برقم (٣٧٥٣).
[ ٣ / ٤٠٦ ]
و"خُذي": أمرٌ لها، وعلامة بنائه حذف "النون"، و"من ماله" يتعلق به، و"بالمعروف" يتعلق به أيضا، ويجوز أن يتعلق بحال، أي: "خذي من ماله آكلةً بالمعروف"، أو: "متلبسةً بالمعروف"، فتكون "الباء" باء الحال.
قوله: "ما يكفيكِ": "ما" موصولة بمعنى "الذي"، و"يكفيكِ" صلتُه، والعائد ضمير الفاعل.
الحديث الثّالث:
[٣٦٩]: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: "أَلا إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّمَا يَأْتِينِي الْخْصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ. فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمِ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ نَارِ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا" (١).
قوله: "سمع جلبة": فاعل "سمع" ضمير "النبي -ﷺ-"، وتقدم "سمع" في أول حديث من الكتاب، وهي هنا متعلقة بالأصوات، فتتعدى إلى واحد، وهو: "جلبة".
و"بباب حجرته" يتعلق بصفة لـ "خصم"، أو بصفة لـ "جلبة".
فإن كانت صفة لـ "جلبة" قدَّرْتَ: "كائنةً بباب حجرته"، وإن كانت صفة لـ "خصم" قدّرتَ: "كائنين بباب حجرته".
و"الجَلَبَةُ" بفتح "اللام": "رفْعُ الصوتِ"، يقال منه: "جَلَّبوا" بالتشديد (٢).
و"الخَصْمُ" يستوي فيه الواحد والاثنان، قال الجوهري: ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول: "خَصْمَانِ" و"خُصُوم" (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٨٠) في الشهادات، ومسلم (١٧١٣) (٥) في الأقضية.
(٢) انظر: الصحاح (١/ ١٠١)، لسان العرب (١/ ٢٦٩).
(٣) انظر: الصحاح (٥/ ١٩١٢).
[ ٣ / ٤٠٧ ]
و"الحجرة": بضم "الحاء" وسكون "الجيم"، أصله: ["حظيرة] (١) الإبل"، ومنه: "حجرة الدار". تقول: "احتجرتُ حجرة"، أي: "اتخذتها"، والجمع: "حُجَرٌ" و"حُجُرات"، مثل: "غُرْفَة" و"غُرُفات" (٢).
و"البَشَر": "الإنسان"، سُمِّيَ بذلك لظهور بشرته دون ما عداه من الحيوان (٣).
و"باب" تقدم في "باب الاستطابة".
قوله: "فخرج" معطوف على "سمع".
قوله: "فقال": أي: "النبي -ﷺ-".
"ألا إنما أنا بَشَرٌ": "ألا" هنا استفتاحية، يقال لها: استفتاح وتنبيه، قالوا: لا تكاد الجملة بعدها تُفتح إلا مُصَدَّرةً بنحو ما يُتلقى به القسم، نحو: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] (٤)، وهي هنا كذلك.
قوله: "خصم": تقدم، وهو هنا مضاف إليه، والمراد به الجنس.
قوله: "وإنما أنا بشر": ليست "إنما" هنا للحصر التام، بل لحصر بعض الصفات في الموصوف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]، وهذا الكلام توطئة لما يأتي بعده؛ لأنه معلوم أنه -ﷺ- بشر.
قال الشيخ تقي الدين: معناه حصره بالبشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن
_________________
(١) بالنسخ: "حضيرة". والمثبت من المصدر.
(٢) انظر: الصحاح (٢/ ٦٢٣).
(٣) انظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٧).
(٤) انظر: الجنى الداني (ص/ ٩٥)، والكشاف للزمخشري (١/ ٦٢)، البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١٠١).
[ ٣ / ٤٠٨ ]
الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيء، فإن للرسول ﵇ أوصافًا أخرى كثيرة (١).
قوله: "وإنما يأتيني الخصم": "إنما" هنا للحصر التام، ولكن يحتاج إلى مقدر يتم به معناه، ويكون التقدير: "وإنما يأتيني الخصم لأقضي له بالحق"، ويبين هذا الحذف قوله: "ولعلَّ بعضكم أن يكون أبلغَ من بعض"، ويُروَى: "ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" (٢)، والمعنى واحد.
و"لعلَّ" من أخوات "إن"، وتقدم الكلام عليها في الحديث السادس من "الاستطابة"، وفي أول حديث من "العدة"، وفي الثاني من "الوصايا"، و"بعضكم" هنا اسمها، و"أن يكون" في محل خبرها.
فإن قلت: كيف يكون خبر "لعل": "أنْ" المصدرية، والمصدر لا يكون خبرا عن الجُثَّة؟
فالجواب: أنَّ "أنْ" وصلتُها في حكم جملة؛ لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ولذلك سدَّتْ مسدَّ مطلوبَيْ "حَسِبَ" و"عَسَى" في نحو قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦].
قال ابنُ مالك: ويجوز أن تكون "أنْ" زائدة في قول الأخفش أنها تكون زائدة، وإن كانت ناصبة، ونظَّرَها بزيادة "الباء" و"مِن" مع عملهما الجرَّ (٣).
ومثل هذا قوله -ﷺ- في حديث الجريدتين: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا" (٤).
وتقدّم الكلام على "بعض" قريبًا.
_________________
(١) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٦٠).
(٢) متفق عليه: رواه البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (٤/ ١٧١٣).
(٣) انظر: شواهد التوضيح (ص ٢٠٧).
(٤) متفق عليه: رواه البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢/ ١١١).
[ ٣ / ٤٠٩ ]
و"من" لبيان الجنس.
قوله: "فاحسب أنه صادق": "حَسِب" من الأفعال المتعدية لمفعولين، يجوز في سِينِهِ الفتح والكسر (١)، وسدَّتْ "أنَّ" المفتوحة مسد المفعولين، أو تسدُّ مسدَّ واحد، والآخر محذوف، و"صادق" خبر "أنَّ".
قوله: "فأقضي": معطوف على "أحسب"، و"له" يتعلق بـ "أقضي" والمعنى: "فأقضي لسبب بلاغته".
[قوله] (٢): "فمن قضيت له": "مَن" الشرطية تقدمت قريبا، وجوابها قوله: "فأيما"، و"مسلم" صفة لموصوف محذوف، وإنما ذَكَر "المسلم" ليكون أهول على المحكوم له، لأن وعيد الظالم معلوم عند كل أحد، فذكر الوصف بالإسلام تنبيها على أنه في حقه أشد.
قوله: "فأيما": تقدمت قريبا.
قوله: "هي" مبتدأ، و"قطعة" خبره، وهذا من المبالغة في التشبيه، جعل ما يتناوله المحكوم له بحكمه -ﷺ- قطعة من النار.
قوله: "فليحملها": "اللام" لام الأمر، وهو أمر تهديد.
و"يذرها": أمر من "وَذَرَ". وتقدم الكلام على "وَذَرَ" في الثاني من "الوصايا"، وهو مما أُمِيتَ ماضيه، استغنوا عنه بـ "ترك"، وكذلك "يدع" (٣).
قال الجوهري: وأصله: "وذِرَهُ"، "يَذَرُهُ". (٤) وفَتَح "الذال" من "يذَر" حملا
_________________
(١) يحوز هذا في سين مضارعه، وليس في سين الماضي منه. انظر: الصبان (٢/ ٢٩).
(٢) بياض بالأصل، والمثبت من (ب).
(٣) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٣٦٠).
(٤) انظر: الصحاح (٢/ ٨٤٥).
[ ٣ / ٤١٠ ]
على "يدَع"، وكان حقّه أن يُثبت "الواو"؛ لأنه لم تقع "الواو" بين "ياء" وكسرة، كـ "وجل، يوجِل". (١)
الحديث الرابع:
[٣٧٠]: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبِي -[وكَتَبْتُ] (٢) لَهُ- إلَى ابْنِهِ [عبيد اللَّهِ] (٣) بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ، أَنْ لا تَحْكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لا يَحْكُمْ أَحَد بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ".
وَفِي رِوَايَةٍ: "لا يَقْضِيَنَّ حَكمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" (٤).
قوله: "كتب أبي وكتبت له إلى ابنه": أي: "كتب إلى ابنه وكتبت له بإذنه"، ويُحتمل أن تكون "الواو" بمعنى "أو"، أي: "كتب إلى ابنه بخطه، أو: كتبت له". وعلى الأول يكون "كتب" بمعنى "أمر".
قوله: "وهو قاضٍ بسجستان": جملة في محل الحال من "ابنه عبيد اللَّه".
و"قاضٍ" منقوص إعرابه مقدر في حالتي الرفع والجر، ولفظا في حالة النصب. ويجوز للضرورة إثبات حركتي الرفع والجر في المنقوص، فتقول: "جاء القاضيُ" و"مررت بالقاضي" (٥).
و"سجستان" لا ينصرف للعلمية والعجمة، وفيه الزيادة، وفيه التأنيث؛ لأنه اسم بلدة.
_________________
(١) انظر: رياض الأفهام (٥/ ٣٦٠، ٣٦١).
(٢) في بعض نسخ العمدة: "أو كتبت".
(٣) في بعض نسخ العمدة: "عبد اللَّه".
(٤) رواه البخاري (٧١٥٨) في الأحكام، ومسلم (١٧١٧) في الأقضية.
(٥) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٨٢، ٨٣)، وشرح الأشموني (١/ ٧٧ - ٧٩)، اللمحة (١/ ١٧٥، ١٧٦).
[ ٣ / ٤١١ ]
قوله: "أن لا تحكم بين اثنين": أي: "بأنْ لا تحكم بين اثنين"، فمحل "أن" نصب أو جر على الخلاف بين سيبويه والخليل (١).
ويحتمل أن تكون "أنْ" مفسِّرة؛ لأنه تقدمها معنى القول (٢)، وهو "كتب". وعلى هذا تكون "لا" ناهية، والفعل معها مجزوم، والتقدير: أيْ: "لا تحكم بين اثنين"، إن كانت الرواية كذلك.
وتقدم الكلام على "بين" في الثالث من "باب السواك"، والعامل فيها هنا الفعل.
و"اثنين" مخفوض بالظرف، وعلامة خفضه "الياء"؛ لأنه مما حمل على المثنَّى (٣)، وتقدم الكلام على ما حُمِل على المثنَّى في الثالث من ["الحيض"] (٤).
قوله: "وأنت غضبان": جملة في محل الحال. و"غضبان" لا ينصرف.
قوله: "فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول": "الفاء" سببية، وتقدم القول على "سمع" قريبا، وهو في الحديث الأول من الكتاب.
قوله: "سمعت رسول اللَّه يقول: لا يحكم أحد": تحتمل "لا" النهي؛ فيُجزمُ الفعل بها، ويؤيد النهي هنا الرواية الأخرى: "لا يقضين"؛ فإن التأكيد بـ "النون" لا يكون مع النفي.
قوله: "وفي رواية": أي: "وجاء في رواية". فتكون جملة "لا يقضين" الفاعل على الحكاية، أو تكون في محل رفع بالابتداء، والخبر في المجرور، وقد تقدم ذلك وتكرر.
_________________
(١) انظر: شرح التصريح (١/ ٤٦٩)، وشرح الكافية الشافية (٢/ ٦٣٤).
(٢) انظر: الجنى الداني (ص ٢٢٠، ٢٢١).
(٣) انظر: شرح ابن عقيل (١/ ٥٦، ٥٧)، وشرح التسهيل (١/ ٦٧).
(٤) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
[ ٣ / ٤١٢ ]
و"نون" التأكيد تختص بالأمر والنهي والاستفهام والعرض والتحضيض والقسم، وقلَّ مجيئها في النفي (١). وتقدم القول عليها في الحديث الخامس من الأول.
قوله: "حَكَمٌ": هو بفتح "الحاء" و"الكاف".
وأما "الحُكْمُ" بالتسكين: فهو مصدر "حَكَمَ"، "يَحْكُمُ"، "حُكْمًا" (٢).
وسُمِّي "الحاكم" حاكما؛ لأنه يمنع الظالم.
وقيل: هو من "حكمتُ الفرس" و"أحكمته"، إذا "قدعتُه" و"كففتُه".
ومن هذا "الحَكَمُ" بفتح "الحاء" و"الكاف".
ومنه الحديث: "مَا مِنْ آدَمِيِّ إِلَّا وَفِي رَأْسِهِ حَكَمَةٌ" (٣). وفي رواية: "فِي رَأْسِ كُلِّ عبدٍ حَكَمَة، إِذَا هَمَّ بِسَيّئة"، بفتح "الحاء" و"الكاف" (٤).
ومنه قولهم: "في بيته يُؤْتَى الحَكَمُ" (٥).
الحديث الخامس:
[٣٧١]: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " ثَلاثًا. قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ"، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فقَالَ: "أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّوَرِ"، فَمَا زَالَ يُكَرَّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ (٦).
تقدّم إعراب السّند، و"بَكْرَة" لا ينصرف للعَلَمية والتأنيث.
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (ص ١٤٢، ١٤٣).
(٢) انظر: الصحاح (٥/ ١٩٠١).
(٣) حسن: رواه الطبراني في "المعجم الكبير" برقم (١٢٩٣٩)، وحسَّنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم (٥٣٨).
(٤) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٤١٩، ٤٢٠)، ولسان العرب (١٢/ ١٤٢ - ١٤٤).
(٥) من أمثال العرب. انظر: لسان العرب (١٢/ ١٤٢).
(٦) رواه البخاري (٢٦٥٤) في الشهادات، ومسلم (٨٧) في الأيمان.
[ ٣ / ٤١٣ ]
قوله: "ألا أنبئكم": "ألا" استفتاح وتنبيه.
"أنبئكم" بمعنى: "أخبركم"، يتعدَّى إلى مفعولين، الثاني بحرف الجر، وقد يتعدى إليه بنفسه، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣] أي: "بهذا"، فعدَّاه إليه بنفسه.
وقد يتعدى إلى ثلاثة إذا دخل على المبتدأ والخبر، ولا يجوز الاقتصار على الأول والثاني، ولا على الأول والثالث، لأن الثاني والثالث مبتدأ وخبر، فلا يحذف المبتدأ دون الخبر، ولا الخبر دون المبتدأ، فلا يجوز في: "أنبأت زيدًا العلمَ" وتحذف "حسنًا"، ولا: "أنبأت زيدًا حسنًا"، فلو قلت: "أنبأت زيدا"، فقط أو: "أنبأت العلم حسنًا"، جاز (١).
وقد تقدم الكلام على "أنبأ" و"أخبر" في الخامس من "باب فضل الجماعة".
قوله: "ثلاثًا": [صفة لمصدر محذوف، أي: "قال] (٢) ذلك قولًا ثلاثًا"، أو: "ثلاث مرات"، ثم حذف المضاف. ويحتمل أن يكون "ثلاثًا" بَدَل من "أكبر الكبائر"، أي: "ألا أنبئكم بثلاث"، فيكون مجرورا، ويحتمل الرفع، أي: "فهي ثلاثٌ". ويحتمل النصب على الحال من "أكبر الكبائر"، أي: "في حال كونها ثلاثا".
و"أكبر" أفعل التفضيل، استُعمل هنا بالإضافة، والتقدير: "ألا أنبئكم بخصال أكبر الكبائر"، وتقدم الكلام على "أفعل" التفضيل وما يتعلق به في الحديث الأول من "الصلاة".
قوله: "قلنا: بلى": "بلى" حرف جواب، وتقدّمت في الحديث [الثالث] (٣) من "باب الذكر".
_________________
(١) انظر: التعليقة على كتاب سيبويه (١/ ٧٦)، وشرح المفصل (٤/ ٣٠٢).
(٢) قطع بالأصل، يظهر منه كلمة: "مصدر". والمثبت مما فهم من كلام المصنِّف.
(٣) غير واضحة بالأصل. وفي (ب): "الأول".
[ ٣ / ٤١٤ ]
قوله: "قال: الإشراكُ باللَّه": أي: "هي الإشراكُ باللَّه"، فرفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، و"باللَّه" يتعلّق بالمصدر.
و"عقوق الوالدين" معطوف عليه، وهو مصدر: "عَقَّ"، يقال: "عَقَّ والده يَعُقُّه"، "عُقُوقًا" فهو "عَاقٌّ"، إذا "آذَاهُ وعصاه وخرج عليه"، وهو ضد البِرِّ به، وأصله من "العق"، الذي هو "الشق" و"القطع" (١).
قوله: "وكان متكئًا فجلس": أي: "كان النبي -ﷺ- متكئا"، جملة من "كان" واسمها وخبرها معترضة.
قوله: "فقال": معطوف على "جلس".
"ألا وقول الزور": كرر "ألا" تنبيها على استقباح "الزور" وهجانة فاعله، وكرره "ثلاثا" دون الأوَّلَيْنِ؛ لأن الناس يهون عليهم أمره، فيظنون أنه دون ما سبقه، فهوّل فيه -ﷺ- وعظّم أمره عنده ونفَّر عنه حتى كرر ثلاثًا، فحصل في مبالغة النهي عنه بثلاثة أشياء: الجلوس وكان متكئًا، واستفتاحه بـ "ألا" التي تفيد تنبيه المخاطب وإقباله على سماعه، وتكرير ذكره ثلاثا، ثم أكّد تأكيدًا رابعًا بقوله: "قول الزور، وشهادة الزور"، وهما في المعنى واحد.
ويحتمل أن يكون "قول الزور" أعم؛ ليدخل فيه "الكذب" وغيره، ثم ثنى بـ "شهادة الزور"؛ لأنها أخص وأقوى في الفساد.
ويلزم على هذا أن يكون أربعًا، وقد قال: "بأكبر الكبائر ثلاثا" على أحد التأويلين المتقدمَيْنِ؛ فيُشكل.
قوله: "فما زال يكرّرها": أي: "يكرر: ألا وقول الزور، وشهادة الزور"؛ فيكون الضمير يعود على "الخصلة الثالثة"، وهي مجموع القولين. ويحتمل أنه كرر
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٣/ ٢٧٧)، الصحاح (٤/ ٥٢٨).
[ ٣ / ٤١٥ ]
"شهادة الزور"؛ فيعود الضّمير عليها لا غير.
و"ما زال" تقدم الكلام عليها في الثاني من "باب فضل الجماعة". وهذه هنا من أخوات "كان"، تحتاج إلى اسم وخبر، اسمها ضمير "النبي -ﷺ-"، وخبرها في جملة "يكرّرها".
وأصل "زال" هذه: "زوِل" بكسر "الواو"، ومضارعها: "يزال"، فَأَلِفُهُ منقلبة عن "واو" مكسورة، من باب "خاف، يخاف".
و[أمّا] (١) "زال" بمعنى: "تنحَّى"، ألفُه منقلبة عن "واو" مفتوحة، ومضارع هذه: "يزول" (٢).
قوله: "حتى قلنا": بمعنى: "إلى أن قلنا"، وتتعلق هي بـ "يكررها".
وتكرّرت "حتى" في الأحاديث، والكلام عليها في ثاني حديث من أوّل الكتاب.
قوله: "ليته سكت": "سكت" جملة في محل خبر "ليت"، والجملة معمولة للقول، ولم يتقدّم كلام على "ليت".
وهي حرف تَمَنٍّ يتعلّق بالمستحيل غالبًا، كقوله:
فَيا لَيتَ الشَبابَ يَعودُ يَومًا فَأُخبِرُهُ بِما فَعَلَ المَشيبُ (٣)
_________________
(١) في الأصل: "ما".
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٤/ ١٧٢٠)، ولسان العرب (١١/ ٣١٣)، وتاج العروس للزبيدي (٢٩/ ١٤٦، ١٤٥).
(٣) البيت من الوافر، وهو لأبي العتاهية. ويروى فيه: "ألا ليت". انظر: التذكرة الحمدونية (٦/ ٢٠)، تاج العروس للزبيدي (٥/ ٨٣)، مغني اللبيب (ص ٣٧٦)، والمعجم المفصل (١/ ٣٢٩).
[ ٣ / ٤١٦ ]
وبالممكن قليلًا.
وحكمها: أن تنصب الاسم، وترفع الخبر.
قال الفراء وبعض أصحابه: وقد تنصبهما، كقوله:
يَا لَيْت أَيَّام الصَّبَا رَوَاجِعَا (١)
وتقترن "ما" بها؛ فلا [تزيلها] (٢) عن الاختصاص بالأسماء، لا يقال: "ليتما قام [زيد] (٣) "، خلافًا لابن أبي الربيع.
ومتى اتصل بها ما جاز إعمالها [وإهمالها] (٤)، كقول النابغة:
. . . أَلَا لَيْتَما هَذَا الحَمَامُ لَنا إلى حَمَامَتِنا وَنِصْفُه فَقَدِ (٥)
يُروى برفع "الحمام" ونصبه (٦).
الحديث السّادس:
[٣٧٢]: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- قَالَ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٧).
قوله: "قال": في محلّ خبر "أنَّ".
و"لو": حرف لما سيقع لوقوع غيره.
_________________
(١) الرجز لرؤبة. انظر: خزانة الأدب (١٠/ ٢٣٤، ٢٣٥)، المعجم المفصل (١١/ ٢٠).
(٢) بالأصل: "تزيلهما"
(٣) بالنسخ: "زيدًا". والمثبت من المصدر.
(٤) بالأصل: "وإهمالهما".
(٥) البيتُ من البسيط، وهو للنابغة الذبياني. وقد سبق. انظر: المعجم المفصل (٢/ ٤٢١).
(٦) انظر في أحكام "ليت": مغني اللبيب (٣٧٥، ٣٧٦).
(٧) رواه البخاري (٤٥٥٢) في التفسير، ومسلم (١٧١١) في الأقضية.
[ ٣ / ٤١٧ ]
و"يُعطَى": مبني لما لم يسم فاعله، و"الناس" مفعول لم يسم فاعله.
وتقدمت "لو" في الحديث الأول من "الصلاة".
و"أعطى" تقدم، وهو هنا مبني لما لم يسم فاعله، ومفعوله الأول "الناس"، وهو القائم مقام الفاعل، والمفعول الثاني محذوف، أي: "لو يُعطِي الحاكمُ الناسَ ما يدَّعونه بدعواهم"، فحذف الفاعل وهو "الحاكم" مَثَلا، وأقام "الناس" مقامه، وحذف "ما يدعونه"؛ لأنه معلوم.
ويجوز حذف مفعولَيْ باب "أعطى"، وحذف أحدهما دون الآخر؛ لأن الأصل [منهما] (١) الفاعل والمفعول، وقد يكون لأحدهما أصالة في التقديم بأن يكون فاعلا في الأصل، نحو: "أعطيت زيدا درهما"، لأن "زيدا" آخذٌ للدرهم، و"الدرهم" مأخوذ، ويجوز: "أعطيتُ درهما زيدًا"، إلا أن يخاف اللَّبْس، نحو: "أعطيت زيدا عمرا"، أو كان الثاني محصورًا نحو: "ما أعطيت زيدا إلا درهما"، أو يكون ضميرا متصلا، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، فيجب تقديمه، وقد يجب تأخير الأوّل إذا كان فيه ضمير يعود على الثاني، نحو: "أعطيت زيدًا درهمه" (٢).
قوله: "لادَّعى": جواب "لو"، و"ناس" فاعل "ادَّعى"، و"دماء" مفعوله، وهو جمع "دم" (٣)، والتقدير: "لادَّعى قومٌ سَفْكَ دماء رجال وأخذَ أموالهم واستحقاقَ أموالهم".
قوله: "ولكن": إذا اقترنت "لكن" بـ "الواو"، وبعدها جملة كانت عاطفة
_________________
(١) غير واضحة بالأصل. والمثبت من (ب).
(٢) انظر: شرح الأشموني (١/ ٤٤٤)، وحاشية الصبان (٢/ ١٣٤)، ومغني اللبيب (ص ٨٣٠)، وهمع الهوامع (٢/ ١٤، ١٥)، وشرح المفصل (٤/ ٢٩٨).
(٣) انظر: الصحاح (٦/ ٢٣٤٠).
[ ٣ / ٤١٨ ]
تعطف جملة على جملة.
وإن وليها مفرد فهي عاطفة بشرطين، أحدهما: أن يتقدَّمها نفي أو نهي، نحو: "ما قام زيد لكن عمرو"، و: "لا يقم زيدٌ لكن عمرو".
فإن قلت: "قام زيدٌ"، ثم جئت بـ "لكن" جعلتها حرف ابتداء فجئت بالجملة، فقلت: "لكن عمرو لم يقم" (١). وتقدمت "لكن" في الحديث السادس من "الزكاة".
قوله: "اليمين": مبتدأ، و"على المدعى عليه" يتعلق بالخبر، و"المدَّعَى" اسم مفعول، والمجرور قام مقام مفعوله الذي لم يُسَمَّ فاعلُه.
* * *
_________________
(١) انظر: الجنى الداني (٥٩٠، ٥٩١)، مغني اللبيب (ص ٣٨٥).
[ ٣ / ٤١٩ ]