ومما أعمل عمل الأفعال ألفاظ سميت بها الأفعال أي قامت مقامها ودلت عليها بعملها (١) عملها، وذلك اختصارٌ منهم، فسميت أسماء الأفعال بهذا تعرف في الصناعة لأنها، كما قلنا، شبهت في دلالتها (٢) عليها بدلالة الاسم على مسماه.
والفرق بينها وبين مسمياتها من الأفعال أنها وإن عملت عملها فإنها ليست بصريح أفعال لعدمها (٣) التصرف الذي هو خاصٌ بالفعل، ولذلك نقص تصرفها في معمولها عن تصرف الفعل وانحطت في ذلك عن رتبته، وألفاظ الأفعال دوال على المعاني التي وضعت لها، وهذه دوال على تلك الألفاظ، فهي أسماءٌ لألفاظها؛ ألا ترى أن لفظ "بَعُدَ" دالٌ على المعنى الذي تحته، وهو خلاف القرب، وقولك هيهات اسم للفظ "بعد" أي دالٌ عليه، وفيه مع ذلك زيادة (٤) هي المبالغة والاختصار. أما المبالغة فلأنه يدل على شدة البعد، فكأنه قال (٥) في قوله:
هيهات خرقاء (٦)
_________________
(١) في (ج): فعملت عملها.
(٢) في (ج): في دلالتها على الأفعال إذا عملت عملها بدلالة.
(٣) في (ج): بعدمها.
(٤) في (ج): زيادة معنى.
(٥) في (ج): فكأنه قد قالز
(٦) (هيهات خرقاء إلا أن يقربها ذو العرش والشعشعانات الهراجيب) الشعشعانات: الطوال ويعني الإبل، الهراجيب جمع هرجاب وهي الناقة الطويلة. والشاهد لذي الرمة. وهو في الديوان ٥٠، الخزانة ١/ ١٢٣.
[ ٢٤٨ ]
بعدت جدًا أو بعدت كل البعد خرقاء، ولعله (١) يخرج بتبعيده الشيء والمبالغة (٢) في ذلك في كثير من الأمر إلى أن يؤيس منه.
وأما الاختصار فإن اسم الفعل – وهو اللفظة التي قامت مقامه – تكون مع الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما على صورة واحدةٍ، تقول في الأمر للواحد: صه يا زيد، وفي الاثنين: صه يا زيدان؛ وفي الجماعة: صه يا زيدون، وفي الواحدة: صه يا هند، وصه يا هندان، وصه يا هندات.
ولو جئت بمسمى هذه اللفظة – وهو اسكت – لقلت: اسكت، واسكتا، واسكتوا، واسكتي، واسكتا، واسكتن؛ فاعرفه.
واعلم أن هذه الأسماء (٣) المسمى بها الفعل بابها الأمر، لأنه الموضع الذي يجتزأ فيه بالإشارة في أكثر الأحوال عن النطق بلفظة الأمر، واستعمالها في الخبر قليل؛ وقد بينا المراد بها وأنها جيء بها للاختصار.
إلا أن الاسم أو اللفظة المستعملة اسمًا للفعل يتضمن ضمير الاسم المسند إلى فعلها بحسب كميته كما يتضمنه فعلها (٤) وإن لم يظهر له لفظ كما يظهر (٥) مع الفعل في كثير من أحواله؛ فإن كان الاسم واحدًا كان ضميره الذي تضمنه اسم الفعل واحدًا، وإن كان اثنين كان ضمير اثنين، وإن كان لجماعةٍ، كان الضمير لجماعة، وكذا حكم البواقي.
_________________
(١) في "ج": وكأنه.
(٢) في "ج": للمبالغة و"د": أو المبالغة.
(٣) في "ج": الكلم.
(٤) يلي ذلك في "ج" الذي هو مسماها.
(٥) في "ج" و"د": يظهر له.
[ ٢٤٩ ]
فأما كونها في الأغلب للأمر، فإن المراد بها – مع ما فيها من مبالغةٍ الاختصار، والاختصار يقتضي حذفًا، والحذف يكون مع قوة العلم بالمحذوف، وهذا حكم مختص بالأمر، لأن الأمر يستغنى فيه في كثير من الأمر عن ذكر ألفاظ أفعاله بشواهد الحال (١)، كقولك لمن رأيته قد أشرع رمحًا أو سدد سهمًا أو أشال (٢) سوطًا أو شهر سيفًا؛ زيدًا أو عمرًا، وتستغني بشاهد الحال عن أن تقول: اطعن، أو ارم، أو اضرب، ويكفي من ذلك الإشارة أو غيرها مما ليس بلفظ بل يقوم مقامه، والخبر ليس كالأمر في ذلك، فلذلك قل استعمال هذه الأسماء في الخبر وكثر استعمالها في الأمر، فكان معظم بابها عليه، لأنه إذا حذف اللفظ الدال على الأمر من صريح الأفعال اكتفاءً بالحال منه، فلأن يكتفي بلفظٍ لغرضٍ آخر صحيحٍ من فعل (٣) الأمر أولى؛ وذلك الغرض هو ما أسلفناه من المبالغة في هذه الأسماء المسمى بها الأفعال، إلا أنه لما كان الحذف أيضًا قد يقع في بعض الأخبار لدلالة الحال على المعنى المراد ووضوح الأمر فيه، وكونه محذوفًا كمنطوق به لقوة الدلالة عليه استعملت أسماء من أسماء الأفعال في الخبر فجاءت فيه كما جاءت في الأمر، (إلا أنها قليلة بالإضافة إلى تلك، أعني التي جاءت في الأمر).
فمن التي جاءت في الأمر؛ صه ومعناها اسكت ومه ومعناها اكفف، وإيهٍ ومعناها حدث وإيهًا ومعناها اقطع الحديث، ورويدك
_________________
(١) في "آ" و"د" الأفعال.
(٢) أشال: رفع.
(٣) في "ج" من لفظ.
[ ٢٥٠ ]
وتكون بمعنى اتئد، وعلى رسلك فتكون لازمةً أي اسمًا لفعلٍ لازم، ورويدك زيدًا؛ أي أمهل زيدًا (فتكون اسمًا لفعل متعدٍ، وعليك زيدًا) بمعنى خذه والزمه، ودونك عمرًا أي تناوله من قربٍ) (١)، ووراءك بمعنى تأخر وأمامك بمعنى تقدم، وإليك بمعنى تنح؛ فهذه أمثلة جاءت في فعل الأمر أسماءً له، منها اللازم نحو إليك وصه ومه وما جرى مجراها مما يفسر باللازم ومنها المتعدي نحو عليك زيدًا، ودونك عمرًا ونحوهما مما يفسر بالمتعدي، ومنها ما استعمل تارةً لازمًا وتارةً متعديًا، كرويد في قسمين من أقسام استعمالها.
ونظير الاسم من هذه الأسماء مما استعمل تارةً لازمًا وتارة متعديًا في الأفعال الصريحة ما جاء على صيغة واحدةٍ، وذلك نحو: شحا زيدٌ (٢) فاه وشحا فوه، وفغر فاه وفغر فوه؛ ورجع زيدٌ ورجعته، ولذلك اختلف مصدراهما فقلت في المتعدي: رجعته رجعًا، قال الله تعالى ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ (٣) [الطارق: ٨] وفي اللازم رجع رجوعًا، قال:
( أن لا إلينا رجوعها) (٤)
وفي هذه الكلم المسمى بها الأفعال أحكامٌ كثيرةٌ من أحكام
_________________
(١) ما بين قوسين ساقط من "ب".
(٢) شحا: فتح.
(٣) الطارق ٨٦: ٨.
(٤) لم أجد من ينسبه، وهو بتمامه: (بكت جزعًا واسترجعت ثم آذنت ركائبها أن لا إلينا رجوعها) وهو في الكتاب ١/ ٣٥٥، المقتضب ٤/ ٣٦١، أمالي ابن الشجري ٢/ ٢٢٥، شرح المفصل ٢/ ١١٢، الخزانة ٢/ ٨٨.
[ ٢٥١ ]
الأفعال (١) منها أن فيها الموضوع والمنقول والمشتق كما في الأفعال، فالموضوع كصه ومه، والمنقول كعليك وإليك ودونك، والمشتق كتراك ونزال، وحذار، وبداد، إذا أردت، اترك وانزل احذر وبدد.
وللناس خلاف في هذا القسم، وهو المسمى معدولًا عن فعل الأمر وهو المعدول من لفظ الفعل الثلاثي؛ فمنهم من يطرده في كل ثلاثي من الأفعال لكثرة ما ورد منه فيمده قياسًا؛ فهذا يقول في الأكل: أكال وفي الكتابة: كتاب وفي العلم: علام، يريد: كل واكتب واعلم؛ وهذا غير مسموع منهم.
ومنهم من يقف عندما جاء عن العرب منه، ولا يقيس عليه، وهو (٢) القول عندي، كما أن الأكثرين يقفون (٣) على (٤) الجار والمجرور المنقول إلى باب أسماء الأفعال نحو إليك وعليك وعنك في مثل قول الأفوه (٥):
_________________
(١) في "ج": الأسماء.
(٢) في "ج": وهو أعجب إلي.
(٣) يلي ذلك في "ج": فيما نقل إلى هذا الباب من الجار.
(٤) في "ب" و"د" وحاشية الأصل في نسخه: في.
(٥) صلاءة بن عمرو بن مالك من بني أود، من مذجح: شاعر يماني جاهلي (٠٠ – ٥٠/ ٥٧٠) قالوا: لقب بالأفوه لأنه كان غليظ الشفتين، ظاهر الأسنان، وقل لأنه كان ناطق اللسان متفوهًا. الشعر والشعراء: ٥٩، شعراء النصرانية: ٧٠. مذجح. قبيلة الشاعر. الشاهد فيه أن "عنك" اسم فعل أمر. وعجز الشاهد: ورويدًا يفضح الليل النهار. وهو في ديوانه من الطرائف الأدبية ١٣، الصاحبي ٦٨.
[ ٢٥٢ ]
(عنكم في الأرض إنا مدجحٌ )
وقول علي (١) ﵇:
( عني وعنهم أخروا أصحابي)
أي أبعدوا، إلى ما سمع من العرب من ذلك.
وأجاز الكسائي الإغراء بجميع حروف الصفات على ما روي عنه، ويريد أهل الكوفة بالصفات إذا قالوا: حروف الصفات حروف الجر والظروف، لا جراء الجار مجرى الظرف، وليس الأمر على ما قال في قياسه هذا، بل هذا الباب أضيق من الأول الذي وقفناه قبل هذا على السماع دون القياس، وأما المستعمل من أسماء الأفعال في الخبر، فكقولهم: شتان زيدٌ وعمرو؛ وهو اسمٌ لتفرق أي تفرق ما بينهما، أي ما بين حاليهما قال:
(شتان هذا والعناق والنوم ) (٢)
_________________
(١) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب (٢٣/ ٦٠٠ – ٤٠/ ٦٦١)، ولد بمكة وأقام بالكوفة إلى أن قتله عبد الرحمن بن ملجم في مؤامرة رمضان (٠٠ – ٤٠/ ٦٦٠) تاريخ الطبري ٦: ٨٣. والشاهد مطلع قصيدة قالها يوم الخندق في قتل عمرو بن عبدود (؟) وصدره: (أعلي تقتحم الفوارس هكذا) الديوان: ١٢.
(٢) المعنى: افترق الذي أنا فيه من التعب والمشقة، فليس يشبه المعانقة والراحة والنوم والماء العذب والظل الدائم. وهو في مجاز القرآن ١: ٤٠٤ البيان والتبيين ٣: ٢٢٠، الجمهرة ٢: ٨٧، التشبيهات: ٨٥، شرح المفصل ٤: ٣٧، شذور الذهب: ٤٠٣، اللسان (دوم)، الخزانة ٣: ٤٩. والشاهد للقيط بن زرارة بن عدس بن تميم ويكني أبا نهشل (٠٠ – ٥٣/ ٥٧١) وصلته بعده والمشرب البارد والظل الدوم.
[ ٢٥٣ ]
وهذا على من فتح النون منها، وذاك هو الأشهر الأعرف دون كسرها، وكذا قولهم: سرعان ذي إهالةً، أي سرعت، وفي أمثالهم "سرعان ذي إهالةً وحقنا" (١) أي ما أسرعها، والإهالة الشحم المذاب.
وكذا قولهم في التبعيد والمبالغة فيه: هيهات، وهو اسمٌ لبعد قال تعالى ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (٢) [المؤمنون: ٣٦]، وقال الشاعر:
(فهيهات هيهات العقيق وأهله وهيهات خلٌ بالعقيق نواصله) (٣)
_________________
(١) سرعان بمعنى سرع، نقلت فتحة العين إلى النون فبني عليها، وكذلك وشكان وعجلان وشتان. وأصل المثل أن رجلا كانت له نعجة عجفاء، وكان رغامها يسيل من منخريها لهزالها، فقال سرعان ذا إهالة. أي سرع هذا الرغام حال كونه إهالة ويجوز أن يحمل على التمييز تقدير نقل الفعل مثل قولهم: تصبب زيد عرقًا. وفي رواية أخرى، وشكان ذا إذابة وحقنا، أي ما أسرع ما أذيب هذا السمن وحقن، ونصب إذابة وحقنا على الحال كما يقال: سرع هذا مذابًا ومحقونًا، يضرب في سرعة وقوع الأمر، ولمن يخير بالشيء قبل أوانه. جمهرة الأمثال ١: ٥١٩ مجمع الأمثال ١: ٣٣٦، ٢: ٣٦٧.
(٢) المؤمنون ٢٣: ٣٦.
(٣) العقيق: هو في الأصل كل مسيل ماء شقة السيل في الأرض فأنهره ووسعه، وسمي به أماكن كثيرة في بلاد العرب، والبيت لجرير، والشاهد فيه مجيء هيهات بمعنى بعد ورفع العقيق وخل على الفاعلية. الديوان: ٤٧٩، معاني القرآن ٢: ٢٣٥ الصحاح "هيه" شرح المفصل ٤: ٣٥ اللسان "هيه"، أوضح المالك ٣: ١١٩، شذور الذهب: ٤٠٢ مع اختلاف في الرواية.
[ ٢٥٤ ]
وفي "هيهات" لغاتٌ واستعمالات كثيرةٌ، ككسر تائها، وفتحها وتنوينها وترك تنوينها، وإبدال هائها الأولى همزةً مع ما ذكرنا، إلى غير ذلك مما حكوه من (١) فاشٍ فيها، وغير فاش.
وتقصر هذه الألفاظ المستعملة أسماءً للأفعال بأن معمولاتها – من الفضلات التي يسوغ مع الأفعال تقديمها – لا يجوز تقديمها معها عند البصريين (٢) ومن نحا نحوهم فلا يجيزون: زيدًا عليك في قولهم عليك زيدًا، وإن كان ذلك سائغًا (٣) في قولك: زيدًا خذًا وألزم لعدم تصرفها وخروجها بذلك عن سنن الأفعال التي قامت مقامها، إذ كان للأصول ما ليس للفروع من التمكن في الأحكام والاتساع فيها، وأجاز ذلك البغداديون، واحتجوا بظاهر مسموعات حملها أهل البصرة على التأويل منها قوله تعالى ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) [النساء: ٢٤] قالوا التقدير عليكم كتاب الله، فهو – أعني كتاب الله – منصوبٌ عندهم بقوله: عليكم، على الإغراء، وقد تقدمه (٥).
وقال من لم يجز التقديم في معمولات هذه الكلم، قوله:
_________________
(١) في "ج": من قياس فيها وغير قياس.
(٢) يجوز تقديمها عند الكوفيين. الانصاف ١/ ٢٢٨.
(٣) في "ب" و"د": شائعًا.
(٤) المحصنات: ذوات الأزواج، النساء ٤: ٢٣ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾. انظر المحتسب ١/ ٨٥.
(٥) في "ج": تقدمها.
[ ٢٥٥ ]
"كتاب الله" ليس بمنصوبٍ على الإغراء وليس باسم المكتوب، بل هو مصدر بمنزلة الكتب والكتابة وناصبة فعلٌ مضمرٌ دل عليه ما تقدم من الآية، وهو قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١) [النساء: ٢٣] إلى قوله ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لأن قوله "حرمت" يدل على أن ذلك مكتوب عليهم، فانتصب بالفعل الذي دل عليه "حرمت" فكأنه قال: كتب ذلك كتابًا عليكم، أي كتابةً، أو كتبه الله كتابًا عليكم، وهذا معناه عندهم، فالكتاب على هذا كالخلق، يكون المصدر ويكون المخلوق؛ وجمعوا في هذا الاستدلال بين هذه الآية وبين قول الشاعر:
(ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق طي المحمل) (٢)
فنصب "طي المحمل" بما دل عليه ما تقدمه من البيت؛ كأنه قال: طوي طي المحمل. واحتج من أجاز التقديم في معمول هذه الكلم بقول الآخر أيضًا:
_________________
(١) النساء ٤: ٢٢ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ..﴾.
(٢) نعته بالضمور فشبهه في طي كشحه وإرهاف خلقه بالمحمل وهو حمالة السيف، ويقول: إنه إذا اضطجع لم يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه، لأنه خميص البطن فلا ينال بطنه الأرض، والمنكب كمجلس: مجتمع رأس العضد والكتف. والبيت لأبي كبير الهزلي عامر بن الحليس "؟ " يقوله في تأبط شرًا (٠٠ – ٨٠/ ٥٤٠) وكان أبو كبير عامر بن الحليس زوج أمه. ديوان الهزليين ٢/ ٩٣ الكتاب ١: ١٨، حماسة أبي تمام ١: ٨٧ شرح الحماسة للمرزوقي: ٩٠، الانصاف: ٢٢٠، المقاصد النحوية ٣: ٥٤ الخزانة ٣: ٤٦٧.
[ ٢٥٦ ]
(يا أيها المائح دلوي دونكا) (١)
(إني رأيت الناس يحمدونكا)
قالوا: أراد: دونك دلوي، فقوله: دلوي في موضع نصب –على هذا- بقوله: دونك. وتوله الآخرون على أنه إخبارٌ معناه الأمر، فجعلوا "دلوي" في موضع مبتدأ و"دونك" خبره فكأنه نبهه (٢) عليها بالإخبار عنها بالقرب منه؛ قالوا: ويجوز أن يكون في موضع نصبٍ بفعل مضمرٍ دل عليه "دونك"، كأنه قال: خذ دلوي؛ والقياس مع هؤلاء لضعف هذه الكلم وقصورها عن قوه الأفعال.
وكل هذه الكلم مبنيةٌ، لأنها إما محكيةٌ كالجار والمجرور، والظرف المضاف، إذا قلت عليك وإليك ودونك ووراءك، قال
_________________
(١) المائح: الرجل يكون في جوف البئر يملأ الدلاء، فإن كان وقوفه على شفير البئر ينزع الدلاء ويجذبها فهو ماتح. دونكا: خذ، دلوي: مفعول به مقدم لدونك، وبهذا الظاهر أخذ الكسائي وجماعة من الكوفيين، وبنوا عليها قاعدة حاصلها أنه يجوز تقديم معمول اسم الفعل عليه، ولم يرتض البصريون ذلك. والشاهد من كلام راجز جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم. حماسة أبي تمام ٢: ١١٢، الجمهرة ٢: ١٩٧، أسرار العربية: ١٦٥، الإنصاف ٢٢٨، شرح المفصل ١: ١١٧، شذور الذهب: ٤٠٧، أوضح المسالك ٣: ١٢٠، مغني اللبيب ٢: ٦٧٤.
(٢) في (د): نبه عليه.
[ ٢٥٧ ]
الفرزدق (١) يخاطب نفسه:
(وراءك واستحيي بياض اللهازم) (٢)
وربما جعلوا الظرف غير محكي، فلا تكون الفتحة فيه الفتحة التي كانت له في حال إعرابه. وإما مبنيةٌ لوقوعها موقع فعل الأمر؛ وذاك مبنيٌ، بل لو وقع موقع فعلٍ على الإطلاق، وجرى مجراه في الدلالة لكان ذلك علة في بنائه، فكيف والفعل الذي أجريت هذه الكلم، في الغالب، مجراه مبنيٌّ عند المحققين (٣)، بل لا خلاف عند الجميع في أن أصل ما وقعت هذه الكلم موقعه البناء؛ وهو الفعل على الإطلاق (٤).
_________________
(١) همام بن غالب التميمي الدارمي (٠٠ - ١١٠/ ٧٢٨) الشاعر الأموي. توفي في بادية البصرة وقد قارب المئة. الأغاني ٩: ٣٢٤، وفيات الأعيان ٢: ١٩٦. والبيت من قصيدته في مقتل قتيبة بن مسلم (٤٩/ ٦٩٩ - ٩٦/ ٧١٥)، وصدره: (إذا جشأت نفسي أقول لها ارجعي) الديوان: ٨٥١.
(٢) في "ج": لكان ذلك كافيًا في علة بنائه.
(٣) انظر الكتاب ١/ ١٢٢.
(٤) يرى ابن الخشاب أن فعل الأمر مبني، وقد سبق له أن تبنى رأي الكوفيين في إعرابه. والأمر بغير اللام كقولك: قسم وانطلق، مبني على السكون، وهو الأصل في قول البصريين.
[ ٢٥٨ ]
ولو قيل فيما كان منها غير منقول ولا محكي ولا متنزلٍ منزلة الصوت إنه بني لأنه خرج عن منهاج بابه – وهو الأسماء – لقيل: قول قويٌ.
وربما قالوا فيما كان منها غير أمرٍ: إنه بني حملًا على الأمر، وذلك ما كان منها خبرًا فاستحق الجميع البناء.
والأصل فيها أن تبنى على السكون كصه ومه، وما خرج عن ذلك فلأسباب أكثرها ظاهر الأمر، كعليك وإليك، لأنك لا تمتري في أن كاف الخطاب مبنيةٌ على الفتح إن كانت لمذكر وعلى الكسر إن كانت لمؤنث، وعلى هذا فتصفح البواقي.
[ ٢٥٩ ]