وهو ما يعمل عمل الحرف
وهو إما جارٌ، وإما جازمٌ؛ فعمل الجر في الأسماء يكون بالإضافة؛ وأصل الإضافة إمالة الشيء إلى الشيء ونسبته إليه؛ وهي في الكلام على ضربين، إضافة محضة وإضافة غير محضة، فالمحضة على ضربين: إضافة بمعنى اللام وإضافة بمعنى من، فالتي بمعنى اللام تسمى إضافة الملك أو الاستحقاق كقولك غلام زيد أي هو مالكه، وسرج الدابة، ومسجد عمرو، أي هما مستحقا هما، إذ الدابة تستحق السرج ولا تملكه، وكذا المسجد يستحق عمروٌ أن ينسب إليه إن كان بانيه مثلًا، ولا يملكه، إذ كانت المساجد لا تملك أو يستحقه للصلاة فيه إذا (١) كان مسلمًا، ولا يستحق من ليس بمسلم.
والاستحقاق أعم من الملك، لأنك تقول: كل مالكٍ مستحقٌ لملكه، وليس كل مستحقٍ مالكا، والمثال فيهما ظاهر.
فعلى هذا معنى "غلام زيدٍ" غلامٌ لزيدٍ، ومعنى سرج الدابة: سرجٌ للدابة، فلهذا كانت هذه الإضافة - على انقسامها إلى نوعين - إضافةً بمعنى اللام.
_________________
(١) في (آ): إن.
[ ٢٦٠ ]
وأما الإضافة بمعنى "من" فكقولك خاتم فضةٍ، وباب ساجٍ (١) وثوب خزٍ والمراد بهذه الإضافة تبيين جنس المضاف بإضافته إليه، فالمعنى ثوبٌ من خزٍ وبابٌ من ساج وخاتم من فضة، فلهذا قيل: إضافةٌ بمعنى "من" كما قيل في الأولى إضافةٌ بمعنى اللام.
فالأول من الاسمين المضاف أحدهما إلى الآخر عاملٌ في الثاني الجر، إذ (٢) كانت الإضافة محضة (٣) بحكم النيابة عن أحد هذين الحرفين، لا (٤) أنه تضمنه أي تضمن الحرف – على ما أصلوا – يكون مبنيًا، إذ كان أحد علل بناء الأسماء تضمن معاني الحروف.
ولما كانت الإضافة المحضة، على ما ترى، منقسمة إلى هذين القسمين ظهر الفرق بينهما في كثير من المواضع بالمعنى، وذاك مفهومٌ بأول نظرٍ، كقولك: غلام زيدٍ، وثوب خز.
ووردت إضافات لا تبين (٥) بأول نظرٍ من أي القسمين هي، أمن الإضافة بمعنى اللام أم من الإضافة بمعنى "من"، فوجب أن ترسم كل واحدةٍ من الإضافتين برسمٍ تنفصل به عن الأخرى، ويتضح التمييز بهما فيما أشكل من الإضافتين كل الوضوح لأنك إذا سبرت الإضافة
_________________
(١) الساج: شجر ينتج أحد أجود الأخشاب الصلبة.
(٢) في (ب): إذا.
(٣) في (د): مختصه.
(٤) في (آ): لأنه، تحريف.
(٥) في (ج) و(د): تتبين.
[ ٢٦١ ]
بأحد الرسمين ووجدته صحيحًا فيها حملتها عليه وإن لم يصح فيها فهي من القسم الآخر لا محالة، فتقول: إن من شرط الإضافة بمعنى "من" أن يكون الثاني وهو المضاف إليه مما يصح أن يقع – إذا فككت الإضافة ونونت الأول – صفةً للأول، أو خبرًا عنه، والمثال فيه قولك: ثوب خز؛ ألا ترى أنه يصح فيه – إن شئت – وصف المضاف بالمضاف إليه، فتقول: عندي ثوبٌ خزٌ، وبابٌ ساجٌ، وخاتمٌ فضةٌ.
ويقع المضاف إليه أيضًا في صورة أخرى، خبرًا عن الأول، إذا قلت: الثوب خزٌ والباب ساجٌ والخاتم فضةٌ. والمعنى لم يستحل، وهو على ما كان عليه في الإضافة وإن تغير لضد الكلام، ولو أردت مثل هذا في الإضافة بمعنى اللام لم تستطع إذ كان الثاني ليس بجنس للأول، فلو قلت في قولك: غلامٌ زيدٍ غلامٌ زيدٌ، فوصفت الغلام بزيدٍ بعد فك الإضافة لم يجز، لأن زيدًا ليس مما يوصف به.
وإذا كانت الإضافة بمعنى "من" إذا فككتها ووصفت الأول بالثاني، لم يكن الوصف بالجنس إلا على التأويل؛ وكانت الصفة مقدرة تقدير المشتق، فالوصف بالجوامد مستحيل (١)، فكذا لو أخبرت به فقلت الغلام زيدٌ (٢) وهو غيره كان محالًا، إلا أن تنزله تنزيله، وليس ذلك بالمقصود هنا، فتدبر ذلك واعتبر (٣) به الإضافتين، فإنك تعرف به الفرق بينهما إن شاء الله.
_________________
(١) في (ب) و(ج): غيره مستحيل وفي (د): غير مستحيل.
(٢) في (د): ولم يكن اسمه زيدًا كان محالًا ..
(٣) في (ج): واسبر به الإضافتين واعتبرهما.
[ ٢٦٢ ]
فمن الإضافة بمعنى اللام إضافة الظروف إلى أربابها، كقولك: خلفك وقدامك وفوقك وتحتك ويمينك وشمالك، أي خلفٌ لك وقدام لك وكذلك البواقي.
والأمر في ذلك ظاهر، إذ ليس المكان بعضًا للشخص الذي أضيف إليه وكذا إضافة "كل" كقولك كل القوم وكل الناس هي إضافة بمعنى اللام، لأن الأول – وهو كل – ليس ببعض لثاني، إذ "كل" اسم لمجموع أجزاء الشيء، فالأمر في المعنى بالعكس من الإضافة التي بمعنى "من" وكذا لا يكون الثاني وصفًا للأول عند فك الإضافة ولا خبرًا عنه إن قدر خبرًا.
وكذا قولك: رأس زيدٍ، ويد عمرو؛ إضافةٌ بمعنى اللام أيضًا، وإن أوهمت أن الأول بعض الثاني، يدلك على ذلك وأنها ليست بمعنى من أنك لو وصفت الأول بالثاني أو أخبرت (١) به لم يصح، وكذا بقية أجزاء الشخص كالرجل والبطن وغيرهما.
ومن الإضافة بمعنى "من" إضافة الأعداد إلى ما يميزها ويبين من أي شيء هي. وإضافتها لا تخلو من أن تكون إلى جمع أو مفرد، فالجمع تضاف إليه جموع القلة؛ وهي العشرة فما دون ذلك (٢) كقولك: ثلاثة أبوابٍ؛ وخمسة رجال وعشر نسوةٍ، ولو أضفت هذا الضرب إلى مفردٍ لم يستقم؛ لو قلت: تسعة رجلٍ أو خمسة ثوبٍ لم يجز، فإن كان المضاف إليه لفظ العدد مفردًا في اللفظ مجموعًا في المعنى جازت
_________________
(١) في (ج): وأخبرت عنه به.
(٢) في (ب): فما دونها.
[ ٢٦٣ ]
الإضافة إليه كرهطٍ ونفرٍ هما مفردان في اللفظ؛ ومعناهما الجمع قال الله تعالى ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ (١) [النمل: ٤٨].
فإذا تجاوزت العشرة بطلت الإضافة، ولزم التمييز بواحدٍ منصوبٍ، كقولك: أحد عشر رجلًا وثلاث عشرة امرأة، وكذلك إلى تسعة وتسعين. فأما نصب أسماء العقود من العشرين إلى التسعين لما ميزت به فعلى التشبيه بأسماء الفاعلين على ما علل النحويون (٢)؛ فقولك: عندي عشرون رجلًا مشبهٌ عندهم بقولك: ضاربون رجلًا، ووجه الشبه بينهما أن قولك: عشرون – جمعٌ، وإن شئت قلت: عددٌ، وإن شئت، قلت: كثرةٌ؛ كما أن قولك: ضاربون كذلك، وهو (٣) ممنوع بالنون عن (٤) الإضافة إلى ما بعده، كما أن المشبة به ممنوع بها من الإضافة إلى ما بعده، وأن المنصوب مبينٌ للأول وهو عشرون كما أن مفعول ضاربين مبينٌ لزيادته (٥) في الفائدة؛ و"عشرون" بما فيه من إبهامٍ يشبه الفعل لما فيه من تنكير.
ولما كان الشبه لفظيًا فقط لم يتنزل "عشرون" وبابه منزلة
_________________
(١) النمل ٢٧: ٤٨ ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾.
(٢) انظر المقتضب ٣: ٣٤.
(٣) في (ب) و(ج): وهذا.
(٤) في (ج): من.
(٥) في (ج) و(د): لزيادة.
[ ٢٦٤ ]
"ضاربين" في جميع أحواله بل قصر عنه إذ (١) كان عمله حملًا عليه، فلذلك عمل في مخصوصٍ؛ وذلك هو المفرد النكرة فقط؛ وضاربون يعمل في المعرفة والنكرة والمفرد وما زاد على المفرد، كقولك هؤلاء قومٌ ضاربون رجلًا أو ضاربون زيدًا أو ضاربون رجالًا، أو الزيدين أو الزيود.
ويجوز تقدم منصوبه عليه لجريه في ذلك مجرى فعله الذي يجرى عليه فأنت تقول: زيدٌ عمرًا ضاربٌ كما تقول عمرًا يضرب، ثم تقول: الزيدون العمرين ضاربون كما تقول: العمرين يضربون، والعشرون ليس بها تصرفٌ فيتقدم منصوبها عليها، فلا تقول: عندي رجلًا عشرون وكذا لا تفصل بينها وبينه في الاختيار والسعة، فلا تقول: عندي عشرون في الدار رجلًا؛ تريد: عندي عشرون رجلًا في الدار، وذاك تفصل بينه وبين منصوبه في الاختيار وحال السعة إن شئت، فتقول: القوم ضاربون في الدار عمرًا، وهذا الضرب (٢) المفصول به معمولٌ أيضًا لضاربين؛ لكنه على كل حال قد فصل بينه وبين منصوبه (٣) المشبه به المميز؛ وهو "رجلًا" في قولك: عشرون رجلًا.
وإذا بلغت المائة عدت في تبيينها إلى الإضافة فأضفتها إلى مفردٍ لا جمعٍ، فقلت: مائة – رجلٍ ومائة امرأة؛ وكذلك المئتان، وما زاد عليها من العقود الباقية إلى الألف، تقول: عندي مائتا درهم وثلاثمائة درهمٍ، وكذلك الألف تقول: الف درهم وألف غلام.
_________________
(١) في (ج): إذ كان في عمله محمولًا عليه.
(٢) في (آ) و(د): الظرف.
(٣) يلي ذلك في (ج): وهو مفعول به صحيح، وهو المشبه به.
[ ٢٦٥ ]
واعلم أن في إضافة المائة إلى المفرد لطيفةً، وذلك أنها أخذت شبهًا من العشرة وشبهًا من التسعين، فكان مبينها وهو الاسم الذي أضيفت إليه مركبًا حكمه من حكمي مبني العشرة والتسعين.
أما شبهها بالعشرة، فلأنها أول عقد من جنسها كما أن العشرة أول عقد من جنسها؛ وذلك أنها عشر عشرات كما أن العشرة عشرة آحاد، فتستحق مبينها أن تكون مضافة إليه كما كان ذلك في العشرة. وإن شئت قلت: فاستحقت أن تكون مضافةً إلى مبينها، كما كان ذلك في العشرة.
وأما شبهها بالتسعين فلأنها أول عقد يليها، فأخذت منها بحكم شبهها بها بيانها بالمفرد كما تبين التسعون به، إلا أن مبين التسعين مفردٌ مخصوص بالتنكير مقصور عليه، ومبين المائة – وإن كان مفردًا – فليس بمقصورٍ على النكرة، بل يكون نكرةً تارة كقولك: مائة درهم؛ ومعرفةً أخرى، وذلك إذا قصد تعريف المائة لتتعرف بإضافتها إليه، إذ كان المضاف إلى المعرفة إضافة محضة متعرفًا بإضافته إليها فتقول في هذا الوجه: أخذت مائة الدينار، وقبضت مائة الدينار.
وإضافة المائة عند المدققين إضافةٌ بمعنى اللام، وإضافة ثلاثمائةٍ وما بعدها من العقود إلى تسعمائة إضافةٌ بمعنى "من"، وذلك أن المائة عدد عندهم كما تعلم، وما أضيفت إليه معدودٌ، والعدد ليس ببعضٍ للمعدود ولا هو منه، بل له فكانت إضافة مائةٍ ومائتين لذلك إضافةً بمعنى اللام، وثلاثٌ وأربعٌ من قولك: ثلاثمائة وأربعمائة عددٌ والمائة التي تقع الإضافة إليها عددٌ أيضًا، فهي إضافة عددٍ إلى عدد،
[ ٢٦٦ ]
والعدد من العدد، فكانت هذه الإضافة – على ما حرر هؤلاء – إضافةً بمعنى "من".
فعلى هذا ينبغي أن يكون في قولهم: ثلاثمائة درهم وبابه إضافتان الأولى بمعنى "من" والأخرى بمعنى اللام، وعلى هذا التعليل كلامٌ يدق عن هذا المختصر فلا نطيل به، بل قد نبهنا عليه.
وكان القياس عندهم على (١) ما استقر من إضافة العدد القليل إلى جمعٍ لا مفردٍ، حين قلت: ثلاثة رجال، وخمس نساء أن يقال في ثلاثمائةٍ وأخوانها: ثلاث مئاتٍ أو مئين حتى تقع إضافة العدد القليل إلى الجمع لا إلى المفرد، لكن هذا من الموضع التي غلب فيها الاستعمال القياس، واستغني فيها بالمفرد عن الجمع. على أنه قد جاء في الشعر:
( وخمس مئيٍ منها قسيٌ وزائف) (٢)
وكذا جاء فيه "ثلاث مئين"، وذلك أصل في القياس مرفوض، راجعه الشاعر، وللشاعر مراجعة الأصول المرفوضة في كثير من ضروراته.
ومنزلة الألف مما قبله منزلة المائة في التشبيه والحمل، حتى
_________________
(١) على: ساقطة من (آ) و(ج).
(٢) القسي: الزائف من الدراهم، سمي بذلك لقسوته وصلابته وشدته. الزائف: الرديء. والشاهد لمزرد (٠٠ – ١٠/ ٦٣٣) وصدره في الجمهرة ٣: ١٤. (فكانت سراويل وسحق عمامة) إصلاح المنطق ١/ ٢٠٠ وفي اللسان (قسي) و(مأي): وما زودوني غير سحق عمامة.
[ ٢٦٧ ]
أضيفت إلى المفرد، ولك إضافته إلى النكرة والمعرفة كما لك ذلك في المائة، والألف مذكرٌ، فلهذا قالوا: ألفٌ أقرع ولم يقولوا: قرعاء وأتوا في عدده بالهاء حين قالوا: ثلاثة آلاف وأربعة آلاف كما قالوا: خمسة رجال وستة أثواب؛ إلا أنه جاء عدده على الأصل في إضافته إلى الجمع لا إلى المفرد، فلم يندر كما ندر في المائة، قال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (١) [آل عمران: ١٢٤] وفي الأخرى "بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (٢) وهذه الكلمة جمع على أفعالٍ، وإن كتبت في المصحف بصورة الواحد منه، وإنما فعل ذلك اختصارًا وعلمًا بأن المعنى والاستعمال معلوم، وكثيرًا ما يستغنى في الخط بصورة الواحد عن صورة الجمع للعلم بالمعنى، كما يستغنى في اللفظ الذي الخط ظل له ودالٌ عليه بالواحد عن الجمع، لأنه أخف منه، ولأنه يغني عنه، إذا كان المعنى معلومًا غير ملتبسٍ وذلك كما تكتب خمسة دراهم خمسة درهم.
وتحقيق الخط في خمسة آلاف بهمزة بعدها ألف، لأن الألف بعدها همزة (٣) هي فاء أفعالٍ قلبت ألفًا لاجتماع الهمزتين وصورت الهمزة الأولى المزيدة ألفًا. وقد يقتصر الكتاب وكثير من الناس على صورة ألف واحدة عليها مدة، ويثبتون الألف بعد اللام فاعرف ذلك. فهذا عمل الجر الذي تعمله الأسماء.
_________________
(١) آل عمران ٣: ١٢٤.
(٢) آل عمران ٣: ١٢٥ ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ مسومين: معلمين.
(٣) همزة: ساقطة من (د).
[ ٢٦٨ ]