مصدره (١) كقولك في التعجب: ما أحيينه وما أميلحه. فالتصغير قد تناول لفظ الفعل والمراد تصغير المصدر، وهو الحسن والملاحة، ونحو ألف التكسير في قولك: دراهم ودنانير.
وأما ما يلحقه آخرًا فنحو التنوين في قولك: رجل وقوس. والتنوين: نون ساكنة تلحق آخر الاسم المتمكن علامة لخفتيه، ويدخل الكلام على خمسة أقسام.
الأول: التنوين الدال على خفة الاسم المذكور.
والثاني: تنوين يلحق الاسم المبني فرقًا بين المعرفة والنكرة كقولك: صهْ وصهِ، ومهْ ومهٍ، فهذا الاسم وما جرى مجراه، إذا لم تنونته كان معرفة (٢)، وإذا نونته كان نكرة، فإذا قلت صهِ، كان كأنك قلت: افعل السكوت، وإذا قلت صهٍ كان كأنك قلت افعل سكوتًا.
والثالث: تنوين يدخل عوضًا من جملة محذوفة كأن الأصل أن تذكر، وذلك في نحو إذ، إذا قلت حينئذ ويومئذ، فإذ ظرف زماني مبني على السكون والأصل أن تقول: كأن كذا يوم إذ كأن كذا، ثم تحذف الجملة المضاف إليها "إذ" علمًا بها واستغناء بما تقدم عنها، وتعوض "إذ" من الجملة المحذوفة التنوين فيلتقي التنوين وهو ساكن بالذال وهي ساكنة فتكسر الذال لالتقاء الساكنين فيصير اللفظ على ما رأيت، قال الله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ (٣) [الحاقة: ١٨]، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾ (٤) [الرحمن: ٣٩].
_________________
(١) يلي ذلك في (ج): فيما يرون وذلك كقولك.
(٢) في ج: كان عندهم معرفة.
(٣) الحاقة: ١٨ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
(٤) الرحمن: ٣٩.
[ ٩ ]
ومن ذلك قوله الهذلي (١):
(نهيتك عن طلابك أم عمرو بعافية وأنت إذ صحيح (٢»
والأصل: وأنت - إذ نهيتك - صحيح، ثم حذفت (٣) الجملة وعوض منها التنوين.
والرابع: تنوين يلحق آخر الجموع المؤنثة السالمة، نظيرًا للنون في الجموع المذكورة السالمة، وذلك في نحو مسلمات وصالحات. فالتنوين في هذا الجمع نظير للنون في مسلمين ورسيل لها، وليس بتنوين الصرف، بدليل قوله ﷿ ﴿فإذا أفضتم من عرفات (٤)، فنون "عرفات"، وهي مؤنث معرفة، وما كان فيه علتان من العلل التسع التي تذكر - إن شاء الله - في باب ما لا ينصرف فإنه يمنع الصرف (٥)، وقد رأيت عرفات كيف استعملت منونة، فدل على أن تنوينها ليس بتنوين الصرف.
ويدلك على أنها معرفة قولهم: هذه عرفات مباركًا فيها، فمباركًا حال منها (٦)، والحال أصلها أن تقع من المعرفة لا من النكرة.
_________________
(١) خويلد بن خالد بن محرث، أبو ذؤيب (.. - نحو ٢٧ هـ الموافق .. - ٦٤٨ م) شاعر مخضرم عاش إلى أيام عثمان (٤٧ ق هـ - ٣٥ هـ الموافق ٥٧٧ - ٦٥٦ م). ومات بمصر. قال البغدادي: هو أشعر هذيل من غير مدافعة. طبقات فحول الشعراء: ١٠٣، الشعر والشعراء ٢: ٦٤٣، خزانة البغدادي ١: ٢٠٣.
(٢) ديوان الهذليين ١: ٦٨، شرح المفصل ٩: ٣١، لسان العرب (أذذ، شلل، تفسير أذ وإذا وأذن) خزانة الأدب ٣: ١٤٧، ٥٧١، والرواية في بعض هذه المصادر بعاقبة.
(٣) في (ب) و(ج): حذف.
(٤) البقرة: ١٩٨، والآية بتمامها ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾.
(٥) في (ج): يمنع من الصرف.
(٦) فمباركًا حال منها: ساقطة (ج).
[ ١٠ ]
والخامس: تنوين يلحق أواخر الكلم التي تقع في قواف في الشعر (١) المطلق عوضًا عن مذات الترنم، ومدات الترنم الألف في مثل قوله:
(أقلي اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابا (٢»
والواو في مثل قوله:
( سقيت الغيث أيتها الخيامو (٣»
والياء في مثل قوله:
( كانت مباركة من الأيامي (٤»
_________________
(١) في (ب) و(ج) وحاشية (أ) في نسخة: في قوافي الشعر.
(٢) البيت مطلع قصيدة لجرير (٢٨ - ١١٠ هـ الموافق ٦٤٠ - ٧٢٨ م) بهجو فيها الراعي النميري (.. - ٩٠ هـ الموافق .. - ٧٠٩ م)، وهو يدل على أن تنوين الترنم يلحق الترنم يلحق الفعل والمعرف باللام، وقد اجتمعا في هذا البيت. وهو ديوان جرير: ٦٤، الكتاب ٢: ٢٩٨، نوادر الأنصاري: ١٢٧ الكامل للمبرد: ٧٥٨ المنصف في شرح تصريف المازني ١: ٢٢٤، الخصائص ٢: ٩٦ العمدة لابن رشيق ٢: ٣١٢. شرح ابن عقيل ١: ١٨، لسان العرب (خنى، روى) خزانة البغدادي ١: ٣٤.
(٣) الشاهد مطلع قصيدة لجرير يهجو فيها الأخطل (١٩ - ٩٠ هـ الموافق ٦٤٠ - ٧٠٨ م) والبيت بتمامه: متى كان الخيام بذي طلوح سقيت الغيث أيتها الخيام وهو في ديوان جرير: ٥١٢، مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٢: ٢٤٦، حماسة أبي تمام ٢: ١٧٤، جمهرة ابن دريد، ٢: ١٧١، المنصف ١: ٢٤٤، العمدة لابن رشيق ٢: ٤٦، شرح المفصل ٤: ١٥ شرح شواهد الشافية: ٢٨٨ لسان العرب: (روى، قوى، الخزانة ٣: ٦٧٢). الطلوح: جمع طلحة، وهي شجرة حجازية طويلة.
(٤) الشاهد من قصيدة لجرير، وهو بتمامه: (أيهات منزلنا بنعف سويقة كانت مباركة من الأيام) وهو في الكتاب ١: ٢٩٩، شرح المفصل ٤: ٣٦، لسان العرب: (روى، قوى) ولم أعثر عليه في ديوانه. لعف: مكان مرتفع، سويقة: تصغير ساق: مواضع كثيرة في بلاد العرب، وهي قاعدة مستطيلة تشبه بساق الإنسان، موضع قرب المدينة، جبل بين ينبع والمدينة، راجع معجم البلدان ٥: ١٨.
[ ١١ ]
فيقع هذا التنوين موقع هذه الحروف، فيكون الإنشاد:
(أقلي اللوم عاذل والعتابن وقولي إن أصبت لقد أصابن)
وكذلك ينشد الذاهب هذا المذهب في الإنشاد:
( سقيت الغيث أيتها الخيامن)
(و كانت مباركة من الأيامن)
فهذه أقسام التنوين في قول الجمهور من النحاة.
والتنوين الذي يعتبر (١) به الاسم فيكون علامة له هو الأول وما يليه وهو غنة تلحق آخر الاسم، تثبت وصلا في اللفظ وتحذف في الخط لأن موضوع على الوقف.
ومن خواص الاسم اللفظية اللاحقة آخره الفذ التثنية وواو الجمع في مثل قولك: الزيدان والزيدون، والياء الواقعة موقعهما في (٢) مثل الزيدين والزيدين.
ومن خواصه: الإضافة، وهو أن يضاف أو يضاف إليه كقولك: غلام زيد، فغلام اسم مضاف وزيد اسم مضاف إليه.
ومن خواصه أن يوصف، كقولك: الرجل: الظريف، أو (٣) يضمر كقولك زيد مررت به.
فهذه أغلب علاماته اللفظية.
وأما علاماته المعنوية فنحو (٤) أن يكون فاعلًا أو مفعولا كقولك:
_________________
(١) في (أ) و(ب) يعمر. يعتبر من العبرة، واستعمالها هنا خطأ شائع، صوابه يعد.
(٢) في: ساقطة من (ب) و(ج).
(٣) في (ب) و(ج): وأن.
(٤) في (ج): فمثل.
[ ١٢ ]
ضرب زيد عمرًا، فزيد فاعل وعمرو مفعول، وأن يخبر عنه تارة، ويخبر به أخرى كقولك: الرجل قائم، فالرجل مخبر عنه (١)، والقائم الرجل، فالرجل ها هنا خبر، وعلى هذا علاماته المعنوية.
* * *
_________________
(١) يلي ذلك في (ج): بقولك. هذه الصورة خبرًا، وكأن في تلك.
[ ١٣ ]