قوله: الحرف ما جاء لمعنى، ليس فيه معنى اسم ولا فعل (١)
الحرف هو القسم الثالث من الكلم الثلاث، وينحط عن رتبة الفعل كما انحط الفعل عن رتبة الاسم، وذلك أن الاسم يخبر عنه وبه كما علمت، والفعل يخبر به، ولا يخبر عنه، والحرف لا يخبر به ولا عنه.
وحده أنه كلمة تجيء لمعنى في غيرها من إثبات أو نفي، أو غير ذلك من المعاني. وربما قالوا: الحرف ما جاء لمعنى ليس بمعنى اسم ولا فعل. وربما قيل أيضًا: الحرف ما لم يكن أحد جزئي الجملة وجزءا الجملة ركناها، وهما: الخبر والمخبر عنه.
فأما الرسم الأول، وهو كونه دالًا على معنى في غيره فبين، وذلك أنك (٢) إذا قلت: قام زيد كان هذا الكلام خبرًا محضًا يحتمل الصدق والكذب، فإذا ألحقته هل فقلت: هل قام زيد؟ صار (٣) الكلام استفهامًا لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا بعد أن كان خبرًا يحتملهما، فقد دلت هل وهي الحرف على معنى - وهو الاستفهام - في غيرها وهو قيام زيد.
وأما كونه لفظة دالة على معنى، ليس باسم ولا فعل فلأن معنى الاستفهام في مثالنا الذي مثلنا به، ليس بالفعل الذي هو قام، ولا الاسم الذي
_________________
(١) الجمل ٢/ ١.
(٢) أنك: ساقطة من (ب) و(ج).
(٣) في (ج) و(د): صار هذا الكلام.
[ ٢٣ ]
هو زيد.
وإن شئت فسرته بأن الاسم يدل على معنى في ذاته، وكذلك الفعل، والحرف يدل على معنى في غيره، فليس معناه حينئذ معنى اسم ولا فعل، إذ كان لا يدل على معنى في ذاته.
وكونه ليس بأحد جزئي الجملة ظاهر أيضًا في تمثيلنا، لأن الحديث هو قولك: قام وهو ركن، وإن شئت قلت: جزء (١) للجملة.
وزيد المحدث عنه، وهو جزء الجملة الآخر (٢)، وهل الداخلة عليهما للاستفهام (٣) ليس بواحد منهما، إذ لو كانت ركنًا من أركان الجملة لم يكن للجملة بد منها، وفي استقلال الجملة بنفسها دونها دليل على أنها نيف وزيادة لمعنى لا هو الخبر ولا المخبر عنه.
فأما اشتقاقه فمن حرف الشيء وهو طرفه، وذلك أنه يكون تارة وصلة للاسم وتارة وصلة للفعل، فهو كالطرف لهما.
والحرف ينقسم انقسامات: منها انقسامه من طريق العمل والإهمال، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون عاملًا، وهو كل حرف اختص بأحد القبيلين: الاسم أو الفعل، فيعمل فيما اختص به، كحروف الجر المختصة بالأسماء، وكحروف الجزء المختصة بالأفعال، أو يكون مهملًا فلا يعمل، وذلك إذا كان مترددًا في الدخول على القبيلين: الاسم والفعل، يدخل على هذا تارة وعلى هذا أخرى، كحروف الاستفهام وما أشبهها، ألا ترى أنك تقول: هل قام زيد وهل زيد قائم. أو يكون عاملًا عند قوم على صفة مخصوصة ومهملًا عند غيرهم، كما النافية عند أهل الحجاز، فأنها عاملة عندهم عمل ليس من رفع الاسم ونصب الخبر، بشرط ألا ينتفض النفي الذي تدل عليه، ولا يتقدم خبرها على اسمها.
_________________
(١) في (ج) و(د): جزءًا الجملة.
(٢) يلي ذلك في (ج) و(د): وركنها أيضًا.
(٣) في (ج) و(د): لمعناها وهو الاستفهام.
[ ٢٤ ]
وهي عند تميم وغيرهم من العرب، خلال الحجازيين مهملة غير عاملة. ومن انقساماته انقسامه (١) من طريق لفظه وصيغته، وذلك أن منه ما هو على حرف واحد كباء الجر وواو العطف، ويسمى أحاديًا، ومنه ما هو على حرفين كعن وهل وقد وبل ويسمى ثنائيًا، ومنه ما هو على ثلاثة أحرف كأن وثم وسوف ويسمى ثلاثيًا، ومنه ما هو على أربعة أحرف نحو حتى وإلا وأما ويسمى رباعيًا، ومنه ما هو على خمسة أحرف وهو لكن وذلك نزر فيه. ومنه ما هو موقوف الآخر كمن وما ومنه ما هو محرك الآخر، إما بالفتح كثم وليث وإنَّ أو بالضم وهو منذ (٢) في لغة من يجربها، أو بالكسر نحو جير في قول من يراها حرفًا، إلى غير ذلك من خواصه.
وربما عرف بعلامة سلبية فقيل: الحرف ما لم تحسن فيه علامات الأسماء ولا علامات الأفعال، ألا ترى أنك لا تقول: من قد ولا قد سوف.
فأما معاني الحروف التي وضعت لها لتدل عليها، فتجيء في فرش الأبواب إن الله شاء.
وإذ قد عرفت هذه الخواص، لهذه الكلم الثلاث التي يمتاز بها بعضها عن بعض، فربما وردت عليك لفظة لا تكاد تقبل في الظاهر شيئًا منها، فإذا أردت سَبرَها - هل هي اسم أو فعل أو حرف - فعرضت (٣) عليها علامات الأسماء فلم تقبلها وعلامات الأفعال فلم تصح فيها ثم لم ترها تدل على ما تدل عليه الحروف من المعنى في غيرها عدلت إلى الحكم عليها بأنها اسم لأن الاسم هو الأصل، والمجهولات ترد إلى الأصول وتحمل عليها دون الفروع.
_________________
(١) في (ج) و(د): انقسام.
(٢) في (د) كمنذ.
(٣) في (ج) و(د): فعرضت عليها العلامات المذكورة أو غيرها مما يعرف الكلمة ما هي مما لم نذكره، وقد ذكر في غير هذا الاختصار فنبا عنه استعماله فيها، فاعدل إلى الحكم على الكلمة بأنها اسم دون الفعل والحرف، لأن الاسم هو الأصل
[ ٢٥ ]
فمن ذلك "كيف" (١)، لا تحسن فيها علامات الأسماء في اللغة الجيدة (٢) وإن كانوا قد حكوا في الشواذ: على كيف تبيع الأحمرين؟ وحكوا أيضًا: انظر إلى كيف يصنع، فأدخلوا عليه حروف الجر كما ترى، فليس ذلك بالشائع ولا القياس (٣)، وإن كان فيه بعض التنبيه على أن العرب وضعت الكلمة اسمًا.
وطريق النظر إن سبرتَ وقَسمتَ أن تحللها، فتقول: لا تخلو كيف من أن تكون اسمًا، أو فعلًا، أو حرفًا (وقد قدمنا أن الأسماء هي الأصول) (٤)، فلا تكون فعلا لأن الأفعال تليها إذا قلت: كيف تصنع؟ وكيف تقول؟، والفعل لا يلي الفعل إلا أن يكون بينهما (٥) حاجز مقدر، وذلك في التحقيق لم يله وليس بين كيف وما وليها من الفعل حاجز مقدر - أعني ضميرًا مستترًا - فبطل أن تكون فعلًا، ولا تكون حرفًا لا يستقل به مع الاسم كلام تام إلا في النداء نحو قولك (٦): يا زيد، وليس قولك: كيف زيد بنداء، وهو كلام تام فبطل أن تكون حرفًا، فإذا لم تكن فعلًا ولا حرفًا بقي أن تكون اسمًا. وعلى (٧) هذا فقس أمثاله.
_________________
(١) في (ج) و(د): مثال ما ذكرناه كيف.
(٢) في (ج): الشائعة.
(٣) في (ب): القياس الفاشي.
(٤) ما بين قوسين ساقط من (آ) و(ب).
(٥) في (ج) و(د): بين لفظيهما.
(٦) في (ب): في قولك وفي (ج) و(د): إذا قلت.
(٧) في (ج) و(د): فعلى هذا فقس، وبمثل هذا النظر فاسبر أمثاله مما يرد عليك منه.
[ ٢٦ ]
فصل
أعلم أن الكلم الثلاث، إذا ألف بعضها مع بعض حصل (١) من ذلك ستة تآليف، اثنان منها مفيدان إفادة مطردة، وآخر منها مفيد إفادة مخصوصة بموضع واحد مقصورة عليه، وثلاث مطرحة لأنها لا تفيد.
والقسمان الأولان: الاسم مع الاسم كقولك: زيد منطلق، والله إلهنا والفعل مع الاسم كقولك: قام زيد وانطلق بشر، والثالث مخصوص وهو الحرف مع الاسم، في النداء خاصة، كقولك يا زيد، والثلاثة المطرحة هي الفعل مع الفعل والحرف مع الفعل، والحرف مع الحرف.
فإذا وقعت الفائدة بالتآليف على ما ذكرنا، سمي ذلك المؤتلف كلامًا. فالكلام اسم للمفيد عند النحويين، يدلك على ذلك من رأيهم قول سيبويه (٢): "وأعلم أن كلمة "قلت"، إنما وقعت في كلام العرب
_________________
(١) " في (ج) و(د): حصل من ذلك تسعة تآليف، يسقط منها ثلاثة للتكرير فتبقى ستة. اثنان منها مفيدان إفادة مطردة وثالث مفيد مخصوصة، وإلى أحد الاثنين يرجع كما سنبين في موضعه، وثلاثة مطرحة لأنها لا تفيد. والقسمان الأولان المطردان في الإفادة، الاسم مع الاسم كقولك زيد منطلق، والله إلهنا، والفعل مع الاسم كقولك قام زيد وينطلق بشر في المظهر من الأسماء وفي المضمر منها كقولك في الأمر قم وفي النهي لا تقم. والثالث المخصوص في الإفادة هو الحرف مع الاسم في النداء خاصة كقولك: يا زيد، والثلاثة المطرحة في التأليف هي الفعل مع الفعل والحرف مع الفعل والحرف مع الحرف.
(٢) : أبو البشر، عمرو بن عثمان بن قنبر (١٤٨/ ٧٦٥ - ١٨٠/ ٧٩٦)، إمام النحاة وأول من بسط علم النحو وترك فيه (الكتاب) لزم الخليل ففاقة، مات بالأهواز وقيل بشيراز، مراتب النحويين: ٥٠، نزهة الألبا: ٧١، وفيات الأعيان ١: ٣٨٥.
[ ٢٧ ]
على أن يحكى بها، وإنما يحكى بها بعد القول ما كان كلامًا لا قولًا نحو: قلت: زيد منطلق" (١).
يريد بالكلام الجملة التامة قد عمل بعضها في بعض، تقع بعد قلت محكية للفظ، فيكون موضعها نصبًا بقلت كقولك: قلت: زيد قائم وقلت: انطلق زيد، وقلت: هل زيد منطلق، وقلت: قم يا زيد: .
كل هذه جمل محكية بعد "قلت" مستقلة بأنفسها في الفائدة، وهي التي تسمى كلامًا.
واشتقاق الكلام من الكلم وهو الجرح، لأن له تأثيرًا في نفس السامع وفي سمعه أيضًا، ولهذا قال الشاعر:
( وجرح اللسان كجرح اليد (٢»
قال الآخر:
( والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر (٣»
وقال الآخر:
(فإن القوافي يتلجن موالجًا تضايق عنها أن تولجها الإبر (٤»
_________________
(١) الكتاب ١: ٢.
(٢) الشاهد عجز بيت لامرئ القيس (١٣٠/ ٤٦٧ – ٨٠/ ٥٤٥) وصلته: (وذلك من نبأ جاءني ونبثته عن أبي الأسود) (ولو عن نشا غيره جاءني وجرح اللسان تجرح اليد) وهو في الديوان: ١٨٥، الجمهرة ٢: ٥٥، العمدة: ١: ٧٨.
(٣) الشاهد للأخطل التغلبي (١٩/ ٦٤٠ – ٩٠/ ٧٨٠)، وصدره حتى استكانوا وهم مني على مضض. وهو في الديوان: ١٠٥، البيان والتبيين ١: ١٥٨، الخصائص ١: ١٥.
(٤) الشاهد لطرفة بن العبد البكري (٨٦/ ٥٣٨ – ٦٠/ ٥٦٤). يتلجن: يدخلن، من الولوج. وهو في الديوان: ٤٧ مجاز القرآن ١: ٢٥٤، ٢٨٤، العمدة: ١: ٧٨، شرح المفصل: ١٠: ٣٧، أوضح المسالك ٣: ٣٢٨، اللسان (ولج)، المقاصد النحوية ٤: ٥٨١، التاج (ولج).
[ ٢٨ ]
وفسر المفسرون قوله ﷿ ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ (١) [النمل: ٨٢] من الكلام ومن الجراح، وقرأ بعض القراء: تكلمهم، بالتخفيف وفتح التاء. وحدث الكلام أنه جملة (٢) مؤلفة من الحروف المسموعة المتمايزة المفيدة فائدة تامة يحسن السكوت عليها، وهو في قول المحققين اسم موضوع موضع المصدر، وليس بمصدر، لأنه لا يخلو من أن يكون مصدرًا لكلم أو تكلم، ومصدر كلم التكليم، قال الله ﷿ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣) [النساء: ١٦٤]، ومصدر تكلم التكلم بدليل قول القائل:
( ونشتم بالأفعال لا بالتكلم (٤»
وأنت تقول: كلمته كلامًا حسنًا، وتكلمت كلامًا جيدًا، وليس الكلام
_________________
(١) صلة الآية ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢].
(٢) : في (ج) و(د): وقد حدوا الكلام بحد نحوي، وذلك قول من قال إنه جملة مؤلفة ..
(٣) صلة الآية ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
(٤) قائله معبد بن علقمة المازني (.. – ٧٠/ ٦٩٠) وهو بتمامه: (وتجهل أيدينا ويحلم رأينا وتشتم بالأفعال لا بالتكلم) حماسة أبي تمام ٢: ١٨٣، التنبيه على أوهام القالي: ٤٥.
[ ٢٩ ]
بأحد المصدرين المتقدمين الجاريين على الفعلين (١)، فهو لذلك واقع موقعهما، وهو بمنزلة السلام من التسليم، إذا قلت: سلمت سلامًا، فسلام اسم واقع موقع التسليم، والفرق بينه وبين الكلم أن الكلم جنس لكلمة يعمها (٢)، فكلمة وكلم كثيفة ونبق ولبنة ولبن.
والكلام (٣) أقل ما يكون ثلاثة أجزاء، ويكون مفيدًا وغير مفيد والكلام لا يشترط فيه عدة الأجزاء، ولكن تشترط فيه الإفادة فقط. والقول أعم منهما، فإذا قلت: زيد منطلق، سميت هذا اللفظ كلامًا لأنه مفيد وقولًا لأنه ينطلق (٤) على المفيد وغير المفيد ولم تسمه كلمًا، لأن أقل ما ينطلق عليه الكلم كما تقدمنا ما كان ثلاثة أجزاء.
وقولك: زيد منطلق جزءان، إلا في قول من يطلق على الاثنين اسم الجمع، وليس ذلك بالمأخوذ به في التحقيق (٥).
_________________
(١) في (ج) و(د): على الفعلين اللذين مثلنا بهما لكنه واقع موقعهما، وهو فيما مثلوا بمنزلة السلام من التسليم إذا قلت: سلمت سلامًا، فسلام واقع موقع التسليم.
(٢) في (ج) و(د): يعم كل لفظة مفردة.
(٣) في (ج) و(د): فأقل ما يكون الكلام ثلاثة أجزاء ويجوز أن يكون مفيدًا أو غير مفيد ..
(٤) في (ج) و(د): ينطلق في عرفهم على المفيد وغيره.
(٥) يلي ذلك في (ج) و(د): لما قد بينوه من الفرق بين الاثنين والجمع.
[ ٣٠ ]
وإذا قلت: إن زيدًا منطلق، سميته كلامًا لإفادته، وكلمًا لكونه جمعًا (١)، وقولًا لعمومه كل منطوق به.
وإذا قلت: من عن مثلًا، لم تسمه كلامًا لأنه غير مفيد، ولا كلمًا لأنه (٢) ليس بجمع، بل قولًا على مقتضى الصناعة، لعمومه المفيد وغير المفيد، ولهذا لو سموه كلامًا قيدوه بالصفة فقالوا: كلام غير مفيد، وإن شاءوا (٣) قالوا فيه أيضًا: قول غير مفيد.
فأما الكلمة فمنطلقة في أصل الوضع على الجزء الواحد من الكلم الثلاث، وقد جاءت في استعمالهم منطلقة على الجمل الكثيرة المرتبط بعضها ببعض، فمن ذلك تسميتهم القصيدة بأسرها كلمة، فيقولون: لفلان كلمة شاعرة وكلمة مخزية، يريدون القصيدة. وروي أن حسان بن ثابت (٤) شاعر
_________________
(١) في (ج): لكونه جمعًا لكلمة، وقولا ً لعموم القول كل منطوق به.
(٢) في (ج) و(د): لأنه غير جمع، بل جاز أن تسميه على مقتضى الصناعة قولًا لعمومه المفيد وغيره.
(٣) في (ج) و(د): وإن شاؤوا قالوا أيضًا: قول غير مفيد.
(٤) : أبو الوليد الأنصاري ( – ٥٤/ ٦٧٤) شاعر النبي (ص)، عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام. طبقات فحول الشعراء: ٥٢، الشعر والشعراء: ١٠٤، الخزانة ١: ١١١.
[ ٣١ ]
النبي ﷺ، كان إذا قيل له أنشدنا، قال: هل أنشدتم (١) كلمة الحويدرة (٢)، يريد قصيدته العينية التي أولها:
(بكرت سمية بكرة فتمتع (٣»
وتسميتهم لها "كلمة" (٤) استعمال للمفرد (٥) استعمال الجنس في موضع الجمع، لأن القصيدة تشتمل على كلمات كثيرة، وإن شئت قلت: لأن القصيدة أو الخطبة أو المثل لما كانت الجملة من كل واحد من هذه الأشياء مرتبطًا بعضها ببعض، أجري عليها حكم الجزء الواحد، فاستعمل لها (٦) اسمه.
ولهذا أيضًا سموا البيت كله قافية، والقافية جزء منه معلوم، وسموا القصيدة كلها قافية والبيت جزء منها، فقالوا: لفلان مئة قافية أي مئة قصيدة.
_________________
(١) في (ج): أنشدكم.
(٢) : قطبة بن أوس بن محصن بن جرول المازني الغزاري الغطفاني (؟) شاعر جاهلي. يلقب بالحادرة (الضخم) أو الحويدرة. طبقات فحول الشعراء: ١٤٣، الأغاني ٣: ٨٢.
(٣) عجزه: وغدوت غدو مفارق لم يربع الديوان: ٣، المفضليات: ٤٣. أي أدركها فتمتع منها بسلام أو حديث.
(٤) يلي ذلك في (ج) و(د): أعني القصيدة.
(٥) في (د): استعمال للمفرد استعمال الجنس، ثم استعمال الجنس في موضع الجمل.
(٦) في (ج) و(د): فيها.
[ ٣٢ ]
وإن شئت قلت: إنهم يعبرون عن الكثير بلفظ القليل تركًا لاستعظامه وإظهارًا لاستقلاله، كما أنهم قد يفخمون القليل فيعبرون عنه بلفظ الكثير، كل ذلك تصرف منهم في الاستعمال، واتساع في العبارة. ومن المعنى الأول قولهم: اقطعوا إليه هذه النطفة، يريدون (١) البحر، والنطفة في الأصل القطرة.
وإن شئت قلت: سميت القصيدة كلمة، يراد أنها قطعة من اللفظ، كما يقولون: كنا في لحمة ونبيذة طيبة، يريدون قطعة من ذلك، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) في (ج) و(د): يريدون خليجًا أو نهرًا.
[ ٣٣ ]