إنما جعلت الحروف- نائبة عن الحركات في الإعراب، لأن الحركات هي الأصل فيه، والحروف قائمة مقامها فيه، وإنما كان كذلك لأن الإعراب طارئ على الكلمة وزائد عليها للمعني المراد به. والحروف التي أعرب بها إما أصول في الكلمة وإما متنزلة منزلة الأصول لكونها دالة على معان آخر غير المعاني التي يدل عليها الإعراب. والحركات زوائد على الكلم، وطوارئ عليها، فشرط الإعراب موجود فيها، فهي إذا الأصول فيه، ولأنها أيضًا مجردة له مع زيادتها.
والحروف ليست كذلك فمن الحروف المعرب بها ما تستوفي فيه ضروب الإعراب فيقوم كل حرف مقام حركة، ويدل على ما تدل عليه من نصب أو جر أو رفع ومنها ما ينقص عن ذلك.
فمثال الأول الأسماء الستة المعتلة المضافة وهي: أبوك، وأخوك، وفوك، وهنوك، وذو مال وحموها.
سميت هذه الأسماء معتلة لكون لاماتها حروف اعتلال، ومضافة لأنها تعتل ما دامت مضافة، فإذا أفرد منها ما يجوز إفراده لحق بحكم الصحيح في الإعراب، للحذف الذي يلحقها في الأفراد، وهي (٢) في النصب بالألف وفي الرفع
_________________
(١) انظر جمل الجرجاني ورقة ٢: ٢.
(٢) يرى الكوفيون أنها معربة من مكانين، والرأي الذي ذكره هو رأي البصريين. أنظر الأنصاف ١: ١٧.
[ ٥٤ ]
بالواو وفي الجر بالياء، فالألف لام الكلمة وعلامة النصب، والواو لام الكلمة وعلامة الرفع، والياء لام الكلمة وعلامة الجر.
وكان الأصل في هذه الكلم أن تستعمل مقصورة، لكنهم غيروها هذا التغيير في اللغة الجيدة والاستعمال الكثير توطئه للتثنية والجمع فيما يراه جمهور المعللين (١) من أهل الصناعة، وذلك أنهم لما اعتزموا إعراب التثنية والجمع الذي على حدها بالحروف، - لما اعتزموه- توهموا نفور النفوس والطباع من ذلك، إذ كان المألوف في الإعراب أن يكون بحركة لا بحرف، فغيروا جزءًا من الأسماء المفردة المعتلة هذا التغيير- وهي هذه-، وجعلوا إعرابها بالحروف لتقع الأتسة بها، فتأتي التثنية والجمع في الإعراب بالحروف على قاعدة قد استقر مثلها في جزء من المفردات. فأما صفة التغيير الذي لحق هذه الكلم، فإنك إذا قلت في الرفع: جاءني أبوك وأخوك، فالأصل جاءني أبوك وأخوك، كما تقول في الصحيح: أعجبني جملك وعملك، ثم إنهم سلبوا الحرف الذي قبل الواو التي هي حرف الإعراب- وهو الباء والخاء- حركته، فسكن، وضموه إتباعًا لحركة الواو كما قالوا: هذا أمرؤ، فأتبعوا الراء حركة الهمزة- وهي حرف الإعراب كالواو- فضموا الراء لضم الهمزة في الرفع، وكسروها لكسرها في الجر وفتحوها لفتحها في النصب، فقالوا: رأيت أمرًا ومررت بامرئ، ثم حذفوا حركة الإعراب استثقالا لها على الواو لتؤول الحال بهم إلى الصورة التي أرادوها من التوطئة للتثنية والجمع، فصارت الكلمة إلى ما رأيت في (٢) الرفع.
_________________
(١) انظر شرح المفصل ١: ٥٢.
(٢) في الأصل و(ب): من.
[ ٥٥ ]
والأصل في الجر إذا قلت: مررت بأبيك وأخيك: مررت بأبوك وأخوك، على ما أصلنا، ثم أسكنت ما قبل الواو لتحركه بحركة الإتباع وهي الكسرة فكسرته، ثم حذفت حركة الإعراب، استثقالا لها على الواو مع الإتباع قبلها كما استثقلت الضمة عليها في حال الرفع فحذفتها كما حذفتها فصار معك واو ساكنة قبلها كسرة، إذ اللفظ قد آل بالتغيير المذكور إلى صورة هي مررت بأبوك، فانقلبت الواو ياء كما انقلبت في ميعاد وميقات، وذاك لسكونها وانكسار ما قبلها، ولتصير حالها إلى ما يطلبونه من التوطئة (فآل اللفظ إلى: مررت بأبيك وأخيك.
وإذا نصبت فقلت: رأيت أباك، فالأصل أبوك، ثم انقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والقياس أن تكون الفتحة في الباء فتحة إتباع لحركة الواو، لا الفتحة التي هي أصل في الكلمة وإن كان اللفظ واحدًا، وليستمر الباب في الإتباع استمراره في امرئ في الأحوال الثلاث، فقد تراعي اللغة مثل هذا كثيرًا ومقاييسها تنطق به. وأعلم أن ما ذكرناه من هذا التغيير والإتباع هو مذهب صاحب الكتاب على ما يفهم) (١) من كتابه (٢).
وقال ابن برهان حين ذكر هذا الفصل، وأشار إلى الإتباع فيه: "وقد ظهر التابع والمتبوع في قولهم: هذا امرؤ" (٣)، ومثل كما مثلنا في الأحوال الثلاث.
_________________
(١) ما بين قوسين ساقط من (ب).
(٢) انظر الكتاب ١: ١٥٨.
(٣) لم أعثر على قول ابن برهان هذا في الكتب التي رجعت إليها.
[ ٥٦ ]
وذهب بعض المتأخرين في هذه الأسماء إلى تغيير غير هذا، وإن قاربه، فجعل الحركات التي قبل هذه الحروف، أعني الألف والواو والياء، ليست بحركات إتباع فقال: الأصل في قولك: رأيت أباك رأيت أبوك، فانقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ففي الاسم في حال النصب قلب فقط.
والأصل في الجر مررت بأبوك، ثم أسكنت الباء ونقلت إليها حركة الواو، وهي حركة الإعراب، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها فانقلبت ياء، ففي الاسم في حال الجر نقل وقلب.
والأصل في الرفع أبوك، ثم أسكنت الباء ونقلته إليها ضمة الواو، فسكنت الواو وانضم ما قبلها، ففي الاسم في حال الرفع نقل فقط. هذا القول لعلي بن عيسى الربعي (١).
وهناك أقوال آخر غير: هذين القولين في صفة إعراب هذه الأسماء يرغب عن ذكرها لنزولها وضعفها.
وتنقسم هذه الأسماء في الاستعمال إلى ثلاثة أقسام، منها ما يستعمل مضافًا ومفردًا، فيتمم في حال الإضافة، ويحذف منه في حال الأفراد، ومنها ما يستعمل مضافًا فقط مع إلزامه الحذف، ومنها ما يستعمل مضافًا محذوفًا ويفرد فيغير في الأفراد ببدل من حرف.
_________________
(١) أبو الحسن الربعي (٣٢٨/ ٩٤٠ - ٤٢٠/ ١٠٢٩)، عالم بالعربية، أصله من شيراز، أشتهر وتوفي ببغداد، له تصانيف في النحو منها كتاب "البديع" و"شرح الإيضاح" لأبي علي الفارسي. نزهة الألبا: ٤١٤، إنباه الرواة ٢: ٢٩٧، وفيات الأعيان ١: ٣٤٣.
[ ٥٧ ]
فالأول أربعة أسماء وهي: أخوك، وأبوك، وحموك، وهنوك، إذا أضفتها أعربتها بالحروف كما سبق، وإذا أفردتها حذفت لاماتها وأعربتها بالحركات إعراب الصحاح، لأنها بالحذف صحيحة، فقلت في الرفع: هذا أب وأخ وحم وهن، وفي النصب: رأيت أبًا وأخًا وخمًا وهنًا، وفي الجر: مررت بأب وأخ وحم وهن، فتجري في حال الأفراد على هذا مجرى يد ودم.
الثاني: ما تلزمه الإضافة، مع حذف لزم لفظه، ولا يفرد البتة وهو "ذو" والتي بمعني صاحب في قولك: جاءني رجل ذو مال، ورأيت رجلًا ذا مال، ومررت برجل ذي مال، لا ذو التي بمعني الذي في لغة طيء كقول شاعرهم:
(فإن الماء، ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت) (١)
أراد التي حفرت، لأن الأولى معربة وهذه مبنية.
وإنما لزمت هذه الكلمة الإضافة إذا كانت بمعنى صاحب، لأنها
_________________
(١) البيت من أبيات خمسة، أوردها أبو تمام (١٨٨/ ٨٠٤ - ٢٣١/ ٨٤٦) في الحماسة لسنان بن الفحل الطائي (؟) وهو أخو بني أم الكهف من جرم طيء، وبنو هرم بن العشراء من قزارة في ماء وهم مختلطون متجاورون ففي ذلك قال سنان أبياته. ويستدل بالبيت على ثلاثة أشياء: الأول أن ذو تأتي أسمًا موصولًا، والثاني أنها تكون بلفظ الواحد للمؤنث والمذكر، لأن البئر مؤنثة والثالث أنها تستعمل في غير العاقل كما تستعمل للعاقل. خماسة أبي تمام ٢: ٥٩١، الأزهية في علم الحروف: ٣٠٥، مجمع الأمثال ١: ٦٨. أمالي الشجري ٢: ٣٠٦، الأنصاف ١: ٣٨٤، شرح المفصل ٨: ٤٥، شرح قطر الندى: ١٠٢، أوضح المالك ١: ١١٠، اللسان (حرف الألف اللينة، باب ذو وذوي مضافين إلى الأفعال) الخزانة ٢: ٥١١.
[ ٥٨ ]
وضعت وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس، ولولا هي لم يصح الوصف بها، ألا ترى أنك تقول: مررت برجل ذي إبل وخيل وثياب فيصح، ولو قلت: مررت برجل إبل أو خيل أو ثياب لم يصح، فلما كانت ذو وصلة وذريعة إلى شيء آخر لم تقم بنفسها في الوصف، فتنفرد عما هي وصلة إليه.
وأصلها "ذوي" فلام الكلمة على هذا محذوفة، وإنما قضي بأنها قد حذف منها لأنها ظاهر على حرفين، وأقل ما يكون عليه الاسم الظاهر ثلاثة أحرف، وقضي بكون المحذوف حرف علة لأن الحذف بابه أن يكون في المعتلات اللامات التي سبرت بالتصريف. فعلم أن محذوفها معتل، وحكم بأن المحذوف الياء دون الواو حملا على الأكثر، لأن باب "طويت ولويت ونويت" أكثر من باب "قوة وجوة".
وألفاء في "ذو" و"ذا" و"ذي"، وهي الذال تابعة للعين في الحركة أو منقولة إليها حركة العين على قول من يرى ذاك، كما أن العين تابعة لحركة اللام أو منقولة إليها حركتها في الأسماء الأربعة المتقدمة.
والقسم الثالث: هو الذي يستعمل مضافًا، فيجري بالإعراب بالحروف مجرى الأسماء المتقدمة، فإذا أفرد غير مع الحذف اللاحقة حرف إعرابه بالقلب، وذلك قولك فم إذا استعملته مضافًا أجريته مجرى ذو فقلت: شحافاه، وشحافوه، وملء فيه، قال الله تعالى "ليبلغ فاه" (١) فلامه
_________________
(١) [الرعد ١٣: ١٥] ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
[ ٥٩ ]
محذوفة كما لام ذي محذوفة، إلا أنها هاء، بدليل قولهم: فوية، وأفواه وتفوهت.
فإذا استعملته مفردًا أبدلت عيقه- وهي الواو- ميمًا، لأن الميم أجلد من الواو وأصبر على تحمل الحركات منها. وتلك، أعني الواو، لو حركت كما حركت باء أب في الأفراد لثقل ذلك، ولو سكنت لحذفت للقاء التنوين إذ كان الاسم مصروفًا، ولو حذفت لبقي اسم ظاهر متمكن على حرف واحد، وذلك إجحاف شديد بالاسم ونهك له، فلذلك عدلوا في الأفراد عن الواو إلى الميم لكونها من حروف الشفة، كما أن الواو كذلك.
قالوا: وإنما تممت هذه الأسماء في الإضافة، وحذفت في الأفراد، لأن معانيها إنما تكمل في الإضافة، فجعلوا كمال لفظها مع كمال معناها، وفي الأفراد تنقص معانيها ولا تتم، فجعلوا نقصان لفظها مع نقصان معناها (١).
_________________
(١) بلي ذلك في (ج) و(د): وهذا التعليل منهم ينبغي أن يكون لما وجد فيه الحذف والإتمام منها. .
[ ٦٠ ]