لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب (١)
فالأصل عسل في الطريق، لأن الطريق مختص، لكنه حذف حرف الجر ضرورة لإقامة الوزن، فأفضى الفعل إلى الاسم فنصبه. وكل الظروف مقدر بفي، كما أن جميع السماء المنصوبة على التمييز مقدرة بمن، وكذلك الأحوال كلها تفسر بفي، فلهذا شًبهت الحال بالظرف.
فأما قوله (٢): وكذا كل زمان وقع فيه فعل، فإنه احتراز (٣) من الظرف إذا لم يُستعمل فضلة، وأخبر عنه مثلًا، كقولك: يومنا طيب، وفي المكان: أمامنا واسع، وكذلك ما أشبههما.
فصل
والمفعول له عذر وعلة لوقوع الفعل، ويسمى غرض الفاعل، ويعتبر بأنه يقع وجوبًا لمن قال: لم فعلت كذا؟ ويكون أبدًا مصدرًا منصوبًا، ناصبه فعل من غير لفظه، ويقع معرفة ونكرة، والمثال فيه قولك: جئتك ابتغاء
_________________
(١) «لدن: لين، يعل: يعدو، والعسلان عدو الذئب. أي يعسل في عدوته هذه فاضمر لتقديم ذكره كما عسل الطريق: يريد أنه لا كزازة فيه إذا هززته ولا صلابة ولا خشونة. الباء في قوله بهز، للسببية. والشاهد لساعد بن جؤية الهذلي يصف رمحًا. وهو في ديوان الهذليين: ١٩، الكتاب ١: ١٦، ١٠٩ الكامل: ٣٢١، الجمهرة ٣: ٢، والرواية فيه: لذ بهز، شرح الأبيات المشكلة الإعراب: ١٦٢، أسرار العربية: ١٨٠، مغني اللبيب ١: ٣، اللسان (وسط) الخزانة ١: ٤٧٤، والشاهد تعديه الفعل إلى ظرف المكان المختص شذوذًا.
(٢) «انظر جمل الجرجاني ورقة ٨: ١ - ٢.
(٣) «في (ج): احتراز من اسم الزمان.
[ ١٥٨ ]
لخيرك وقصدتك طمعًا في معروفك وضربته تأديبًا له. وإنما كان مصدرًا لا عينًا لأنه غرض، والأغراض إنما تكون أحداثًا لا جثثًا.
وكان العامل فيه من غير لفظه لأن الشيء يتوصل به إلى غيره، ولا يُتوصل به إلى نفسه ولا يكون كل مصدر، بل أكثر ما يقع من المصادر التي هي من أفعال النفوس كالطمع والرجاء والخيفة والإرادة والابتغاء، ولو قلت ضربته قتلًا له تريد هذا المعنى لم يصلح. ويقدر أبدًا باللام، ثم تُحذف، فيفضي الفعل إلى مجرورها فينصبه.
فالأصل في قولك: قصدتك ابتغاء عرفك، لابتغاء عرفك، ثم حذفت اللام فانتصب مجرورها، وقد يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، فيلزم حينئذ ذكر اللام، فتقول: جئتك لعرفك؛ ولا يجوز حذف اللام من مثل هذا، لأنه يكون حذفًا بعد حذف، فيُنهيك الكلام، والحذف لا يقاس عليه في كل موضع مع أنه لو حذفت اللام، فانتصب المضاف إليه لالتبس في بعض المواضع بالمفعول به. فأما وقوعه معرفة ونكرة فكقول حاتم (١):
وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما (٢)
و"ادخاره" معرفة، "وتكرما" نكرة، وقد جمع البيت شاهدين.
وقد تقع الباء ومجرورها مفعولًا له كقوله تعالى "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" (٣) وكذلك "من" ومجرورها كقوله
_________________
(١) «حاتم الطائي .. -٤/ ٥٨٧، أبو عدي، الفارس الشاعر الجواد، الشعر والشعراء: ٧٠، الخزانة ١: ٤٩٤.
(٢) «العوراء: الكلمة القبيحة أو الفعلة. ادخاره: إبقاء عليه. الديوان ٢٥ -، الكتاب ١: ١٨٤، ٤٦٤، النوادر: ١١٠، الكامل: ٢٥٠ شرح الأبيات المشكلة الإعراب: ٩٣، أمالي الشجري ١: ١٣، أسرار العربية: ١٨٧، شرح الفصل ٢: ٥٤، اللسان (عور)، الخزانة ١: ٤٩١.
(٣) «النساء: ٥٩.
[ ١٥٩ ]