الفصل: سميت هذه الأفعال أفعال مقاربة لأنها لمقاربة الفعل والأخذ فيه، كقولك: كاد يفعلُ، وكَرَبَ يفعل، وأنشأ يقول وجعل يقول.
فأما عسى معناها الطمع والإشفاق، كما أن معنى لعل ذلك.
والدليل على أنها فعل اتصال الضمير بها على حد اتصاله بالفعل الذي لا شك فيه، تقول: عَسَيْتُ أن أقوم كما تقول: رميت، وفيها لغة أخرى: عَسِيْتُ بكسر السين وهي دون هذه، وقد قرئ بها قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] (٢) فأما علة جمودها وامتناعها من التصرف، فذهب
_________________
(١) انظر الجمل ورقة ٦/ ٢.
(٢) [محمد: ٢٢] ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ والقراءة المشار إليها هي قراءة نافع المدني، وجمهور القراء بفتح السين. انظر زاد المسير ١/ ٢٩٢.
[ ١٢٨ ]
بعضهم (١) في ذلك إلى أنها محمولة فيه على «لعلَّ»، و«لعلَّ» حرف معنى والحروف لا تتصرف، فأجريت عسى مجراها.
وأجود من ذلك أن يقال إنها جمدت لأنها تدل على الاستقبال ولفظها لفظ المضي، فاستغني عن أن يتكلف لها بناء المضارع منها، ولهذه العلة لزم خبرها «أن» فلم يجز تعرية منها في الاختبار وحال السعة.
ولها في الاستعمال وجهان، أحدهما أن يرتفع بها الاسم، ومعناها معنى قارب فتفتقر إلى خبر منصوب، كقولك عسى زيد أن يقوم، ولا يكون خبرها إلا مصدرًا مقدرًا غير مصرح بلفظه، وذلك المصدر هو «أن» والفعل.
وعلة ذلك أنهم حققوا الخبرها الاستقبال «بأن» لأنها لا تقتضي غير ذلك إذا وقع بعدها المضارع، فلو جاؤوا مكانها بالمصدر الصريح الذي هي في معناه لم يتحقق فيه معنى الاستقبال، لأن زمن المصدر مبهم غير معين، وقد جاء على جهة الشذوذ والندور والتنبيه على الأصل خبرها مصدرًا مصرحًا به، وذلك في قولهم في المثل «عسى الغُوَير أبؤسا» (٢) وأبؤس جمع بأس كرأس وأرؤس،
_________________
(١) انظر مغنى اللبيب ١: ١٥١.
(٢) الغوير تصغير غار، وهو مكان على الفرات. أصل هذا المثل فيما يقال من قول الزباء حين قالته لقومها عند رجوع قصير من العراق ومعه الرجال، وبات الغوير على طريقه، أي لعل الشر يأتيكم من قبل الغار. يضرب الرجل يخبر بالشيء فيتهم به. ونصب أبؤسا على معنى الغوير يصير أبؤسًا. مجالس ثعلب ٢: ٣٧٢ الإيضاح العضدي ١: ٧٦ مجمع الأمثال ٢: ١٧، شرح المفصل ٣: ١٢٢، اللسان (غور).
[ ١٢٩ ]
هكذا جاء هذا المثل، وقدروه بأن تبؤس، والوجه عسى الغوير أن يبئس أي يأتي بالبأس، عسى أن يكون البأس من قبله، وجاء في المنظوم: عسى بإبآسِ (١)، وفي المثل كلام غير هذا.
والوجه الثاني من استعمال عسى أن يكون مرفوعها أن والفعل، فيحكم على موضعها (٢) بالرفع، ويستغنى في هذا الوجه، بذكر ما تضمنه اسمها من الحدث عن الخبر الذي لا يكون إلا حدثًا كقولك عسى أن يقوم زيدٌ وعسى أن يخرج عمرو.
وتشبه في الوجه الأول بكان الناقصة لافتقارها إلى الخبر، وفي هذا الوجه بكان التامة لاستقلالها بمرفوعها، وتفسر في الوجه الأول بقارب، وفي الوجه الثاني بقَرُبَ، وقد يحذف من خبرها «أن» في الضرورة، تشبيهًا لها بكاد وحملًا لها عليها لاشتراكهما في المقاربة، وإن اختلفا في صفته نحو قول الشاعر:
(عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرجٌ قريب) (٣)
_________________
(١) «عسى بإبآس» جاءت في قول الكميت الأسدي ٦٠ - ١٢٦ هـ ٦٨٠ - ٧٤٤ م: (قالوا أساء بنو كرز فقلت لهم عسى الغوير بإبآس وإغوار) انظر الديوان: ١٨٦، اللسان (غور، بأس). الخزانة ٤: ٧٩٠. اللسان (غور، بأس)، الخزانة ٤: ٧٩٠.
(٢) في (د): موضعهما.
(٣) الشاهد لهدبة بن خشرم (٠٠ - نحو ٥٠ هـ- نحو ٦٧٠ م)، وهو في الكتاب ١: ٤٧٨ الكامل: ١٦٨، أسرار العربية: ١٢٨، والرواية فيه: عسى الهم. شرح المفصل ٧: ١١٧، مغني اللبيب ١: ١٦٤، أوضح المسالك ١: ٢٢ الخزانة (٤): ٨١. والشاهد فيه حذف أن من خبر «عسى».
[ ١٣٠ ]
واعلم أنك إذا قلت: عسى زيد أن يقوم كان في "يقوم" ضمير يرجع إلى زيد، هو فاعل يقوم؛ وذلك الضمير يثنى بحسب تثنية الاسم الذي يرجع إليه، ويجمع إن كان مجموعًا، ويؤنث إن كان مؤنثًا والمثال في كل ذلك ظاهر.
فإن قلت: عسى أن يقوم زيد كان لك في هذه المسألة وجهان: أحدهما أن تكون كالأولى، فيكون "زيد" مؤخرًا، والنية به التقديم، وهو مرفوع بعسى، و"أن يقوم" في موضع نصب، فتجري هذه المسألة في هذا الوجه في الإفراد والتذكير والتأنيث والتثنية والجمع على الأصل، والمثال فيه ظاهر، وهي في هذا مقدرة تقدير "كان" الناقصة.
وإن شئت قدرتها، أعني عسى، تقدير كان التامة، فترفع بها "أن والفعل" ويكون زيد مرفوعًا بالفعل الذي في صلة "أن" لا بعسى، فيكون الفعل في هذا الوجه موحدًا على كل حال لأنه لا ضمير فيه كقولك: عسى أن يقوم زيد عسى أن يقوم الزيدون، وعسى أن تقوم هند، وعسى أن تقوم الهندان، وعسى أن تقوم الهندات.
ويتفرع على ذلك من المسائل أن تجعل عسى وما عملت فيه خبرًا لاسم متقدم، كقولك: زيد عسى أن يقوم، إن جعلت في "عسى" ضميرًا راجعًا إلى زيد كانت ناقصة، وكانت "أن والفعل" في موضع نصب خبرًا لعسى، والضمير اسم "عسى" لارتفاعه بها.
فعلى هذا تثنى الضمير في "عسى" إن كان الاسم المتقدم المخبر عنه مثنى، وتجمعه إن كان مجموعًا، وتؤنثه إن كان مؤنثًا، فتقول: الزيدان عسيا أن يقوما، والزيدون عسوا أن يقوموا، وهند عست أن تقوم، والهندان عستا أن تقوما والهندات عسين أن يقمن.
[ ١٣١ ]
وإن شئت جعلت "عسى" فارغة من الضمير، ورفعت بها "أن والفعل" وكانت تامة، فعلى هذا تكون على صورة واحدة-مفردًا كان المبتدأ، أو مثنى، أو مجموعًا، لأن العائد حينئذ إلى المبتدأ هو ما تضمنه الفعل الذي في الصلة من الضمير، و"عسى" فارغة لارتفاع أن والفعل بها، وذلك قولك زيد عسى أن يقوم، والزيدان عسى أن يقوما والزيدون عسى أن يقوموا، وعلى هذا بقية المثال، وكأنك قلت في الأول: زيد قارب القيام. والزيدان قاربًا القيام والزيدون قاربوا القيام، وفي الثانية زيد قرب قيامه، والزيدان قرب قيامهما، والزيدون قرب قيامهم، وعلى هذا بقية المثال.
[ ١٣٢ ]
فصل
وأما "كاد" ففعل متصرف، يستعمل منه الماضي والمضارع، كقولك: كاد زيد يقوم، ويكاد يقوم، قال الله سبحانه "يكاد البرق يخطف أبصارهم" وقال تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (١) [البقرة: ١: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٢) [النور: ٢٤ - ٤٠] وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (٣) [التوبة: ٩ - ١١٨].
إلا أنها وإن شاركت "عسى" في معنى المقاربة، فهي أشد مطالبة للفعل من "عسى" وأقرب إلى الحال منها، وتلك أبعد منه. فلهذا استغنت "كاد" عن دخول "أن" في خبرها، وكان الاستعمال الأكثر الأشيع "كاد زيد
_________________
(١) «البقرة ١: ٢٠ "يكاد البرق يخطف أبصارهم، كلما أضاء لهم مشوا فيه .. ".
(٢) «النور ٢٤ - ٤٠ "أو كظلمات في بحر لجي ، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها ".
(٣) «التوبة ٩: ١١٨ "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار، الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ".
[ ١٣٣ ]
يفعل"، وقد جيء في الشعر في خبرها بأن، وذلك حمل لها على "عسى" كما حملت "عسى، عليها في حذف "أن" من خبرها، قال الشاعر:
قد كاد من طول البلى أن يمحصا (١)
لكاد استعمال آخر، تكون فيه بمعنى "أراد". وعلى ذلك أنشد أبو الحسن (٢) وغيره:
كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من عنصر الشبيبة ما مضى (٣)
وحملوا عليه قوله سبحانه "كذلك كدنا ليوسف" (٤) أي أردنا، وتكون كاد "فعل" من الكيد من قوله الله سبحانه "فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون" (٥).
_________________
(١) «الشاهد لرؤبة بن العجاج (.. -١٤٥/ ٧٦٢) وصلته قبله. ربع عفاه الدهر طورًا فامحي الربع: المنزل، عفاه: درسه. البلى: الدرس، أمصح: أخلق وذهب وانقطع. ومر في الإيوان ١٧٢، الكتاب ١: ٤٧٨، الكامل: ١٧٦ الإنصاف: ٥٦٦، أسرار العربية: ١٢٩، شرح المفصل، ٧: ١٢١، شرح ابن، عقيل ١: ١٧١، اللسان (مصح، كود) الخزافة: ٩٠.
(٢) «أبو الحسن الأخفش، تقدمت ترجمته.
(٣) «والشاهد فيه مجيء خبره فعلًا مضارعًا مسبوقًا بأن المحتسب ٢: ٣١، الصحاح (كود)، أمالي المرتضي ١: ٣٣١، لسان العرب (كيد) ولم أجد من ينسبه.
(٤) «يوسف: ١٢: ٧٦ "فبدأ بأوعيتهم" قبل وعاء أخيه، ثم استخرجها من وعاء أخيه، كذلك كدنا ليوسف ".
(٥) «هود: ١١: ٥٥ "من دونه، فكيدوني جميعًا ثم لا. تنظرون". كيدوني: احتالوا في هلالي، تنظرون: تمهلون (لسان العرب).
[ ١٣٤ ]
وقد رووا في مصدر التي بمعنى المقاربة "لا أفعل ذلك ولا كودا ولا همًا" (١) فأما "كرب وأوشك" فيستعملان تارة استعمال "كاد"، وتارة استعمال "عسى"، كقولهم: "كربت تغيب" يعنون الشمس، فهذا بغير "أن" كما تقول: كادت تغيب "وإن افترقنا في المعنى، وتقول: يوشك أن يكون كذا أي يسرع، ويبعد في الاستعمال، يوشك يكون كذا، وأوشك زيد أن يخرج، وأوشك يخرج. إلا أن حملها على عسى في الاستعمال أكثر.
فأما "أخذ وجعل" فمستعملان استعمال "كاد"، وخاصةً إذا كانا فعلى مقاربة، وذلك بغير "أن"، كقولك: أخذ يقول، وجعل يقول، ومثلما: أنشأ يفعل.
_________________
(١) «لسان العرب (كود). والرواية فيه "لا كودًا ولا همًا".
[ ١٣٥ ]