فآ: الدلالة على أن الجمل لا تقوم مقام الفاعل أن الفعل نكرة كما أن الأحوال والتمييز نكرة، وأنها لا تتعرف أبدًا كما لا تتعرف الحال والتمييز أبدًا فكما لا يُجعلان فاعلين، لأن الفاعل مما يلزم إضماره، وإذا لزم إضماره وجب تعريفه، كذلك الجمل لم تقم مقام الفاعل؛ لأنها لو أقيمت مقامه لزم إضمارها والكناية عنها، وإضمارها والكناية عنها لا يصح، لأنها لا تكون معارف، ألا ترى أنها أبدًا مستفادة.
مسألة ٩٠:
فآ: قيل كيف جاز أن يقع الفعل في قوله: "لأضربنه ذهب أو مكث" حالًا وهو ماض، وإذا كان في موضع حال فهلا جاز أيضًا "لأضربنهُ يقوم أو يقعد"، لأن المضارع أدخل في الحال من الماضي؟
فالقول: أن الأصل في هذا كان الجزاء كأنه أراد "لأضربنه إن ذهب"، ثم بدا له أن يضربه البتة على جميع الأحوال فقال: "أو مكث". فهذا حال على المعنى، ليس أن الماضي في موضع نصب لوقوعه موقع الحال، ولكن المعنى أضربُهُ ذاهبًا أو ماكثًا، أي على جميع الأحوال. وإنما
[ ١ / ٧٢٢ ]
صار المعنى على هذا وحسن وإن كان الأصل الجزاء؛ لأن الجزاء ليس حكمه أن يقع إن وقع الشيء وخلافه، وإنما حكمه أن يجب بشرطه، ويقع بشيء ما، لا بذلك الشيء وخلافه.
فلما لم يكن الجزاء على هذا وقع موقع الحال في المعنى، كأنه قال: أضربُهُ على جميع الأحوال، فوقع موقع الحال من حيث كان المعنى يئول إليها، ووقعت "أوْ" هنا على إرادة أضربهُ إن فعل هذا أو هذا، أي إن فعل أدحهما إلا أن ضربه وجب؛ لأنه لا يخلو من أحد حاليه اللتين أسندتا إليه. فإذا لم يخل
[ ١ / ٧٢٣ ]
من أحدهما وقد/٧٧ أأوجب له الضرب بكونه على أحدهما كان ضربه واجبًا لا محالة؛ فلهذا المعنى وجب الضرب وإن كان معنى "أوْ" أنه لأحد الأمرين وحسن في الكلام أن يقال فيه إنه حال؛ لأن الحال ضرب من الخبر. ألا ترى أنه زيادة في الخبر وأنها قد سدت مسد خبر الابتداء في: "ضَرْبي زيدًا قائمًا" والجزاء خبر أيضًا صحيح ألا ترى أنه محتمل الصدق والكذب، وأنه يوصف به ويوصل به إلا أن حرف الشرط حسن حذفه لأمرين: أحدهما أن الكلام طال وطول الكلام يحتمل معه الحذف: والآخر أن معنى الجزاء قد زال وإن كان مبني الكلام [ومبتدؤه] عليه إلا أنه وإن كان كذلك فإنه لم يجز في موضع "ذهب"، "يَذْهَبُ" و"يمكث"؛ لأن الأصل كان الجزاء، فكما يقبح هذا في الجزاء من حيث لم يكن له جواب مجزوم كذلك قبح ذها.
فإن قلت: فقد زال الآن معنى الجزاء.
فإن الأصل لما كان جزاء وجب أن يكون الكلام على ما كان يحسن في الجزاء، وأنت لو قلت: "لأضربنك إن تتني" كان قبيحًا، فكذلك يقبح "لأضربنك إن تأتني أو لا تأتني".
وهذا الكلام في هذا المعنى أحسن عندي مما جوزه الخليل من قوله: "لأضربنه أذهب أم مكث" لأن هذا استفهام، والاستفهام ليس بخبر
[ ١ / ٧٢٤ ]
فلا يحسن أن يقع في موضع يكون المراد فيه معنى الحال كما جاز ذلك في الجزاء لاجتماع الجزاء والحال في جنس الخبر، ومباينة الاستفهام الحال إل أن ذلك جاز، لأن المعنى يَئُول إلى ما تقدم.
ألا ترى أن المعنى لأضربنك على أي ذلك كنت. ومع ذلك فإن "أوْ" و"أم" قد [وقعا] في موضع التسوية، والتسوية خبر ليس باستخبار، فلما كانا قد وقعا في التسوية وهي خبر ليس باستخبار وكان المعنى هنا يقارب ذلك- ألا ترى أن المعنى أضربه إن كان على ذلك أو ذلك فسويت بين الحالين في وجوب الضرب له - جاز أن يقعا هنا أيضًا وأن يئول الكلام إلى إرادة الحال وتقديرها كما آل في المسألة الأولى.