قال أبو عثمان كان الأخفش لا يجيز "زيد ضربته وعمرًا كلمته"، ويحتج بأن "ضربته" جملة لها موضع، وقوله: "وعمرا كلمته" جملة لا موضع لها.
والعطف في قولك: "لقيتُ زيدًا وعمرًا كلمتهُ" إنما اختير فيه
[ ١ / ٢١١ ]
النصب؛ لأن الأحسن أن يعطف الشيء على الشيء الذي هو مثله، وهذه الجملة مخالفة لما قبلها.
[ ١ / ٢١٢ ]
قال محمد بن يزيد: وهذا قول أبي إسحاق الزيادي قال وهو عندي القياس.
[قال أبو علي - الفارسي- أيده الله] اعلم أن هذه الجملة وإن كان لها موضع من الإعراب فإن ذلك الإعراب لما لم يخرج إلى اللفظ في الجملة نفسها صارت لذلك بمنزلة ما لا موضع لها، وإذا صارت كذلك لم يمتنع أن يعطف عليها ما لا موضع له من الجمل.
ويدلك على أنه لما لم يظهر هذا الإعراب في لفظها صار بمنزلة ما لا إعراب لموضعه ولا حكم له أن اسم الفاعل لما كان الضمير الذي يحتمله لا يظهر في اللفظ صار لا حكم له، فصار بمنزلة ما لا ضمير فيه.
ألا ترى أنه مُنصرفٌ أو لا ترى أنه يثنى ويجمع تثنية الأسماء التي لا تحمل ضميرًا وجمعها.
ولو كان لذلك حكم لم يثن كما لم تثن الجمل ولم تجمع.
[ ١ / ٢١٣ ]
ولو كان له حكم لصار "ضاربانِ" جملة مثل "يضربان" ولو كانت كذلك لوصلت بها [الأسماء] الموصولة فقلت: "اللذان ضاربان أخواك".
أفلا ترى أن هذا الضمير لما لم يظهر لم يكن له حكم، فكذلك إعراب هذه الجملة لما لم يظهر في لفظها - وإنما هو شيء يقدر لموضعها - لم يكن له حكم فجاز عطف ما لا موضع له عليها؛ لكونها بمنزلتها.
فإن قلت: فإنك إذا أفردت الخبر ظهر فيه لفظ الإعراب، وكان ظهوره في المفرد بمنزلة ظهوره في الجملة.
قيل: إن اسم الفاعل أيضًا إذا جرى على غير من هو له أظهر معه الضمير الذي كان يحتمله ولم يُجْعَل ظهور ذلك في الموضع الذي ظهر فيه خارجًا من حكم الأسماء التي لا تحمل ضميرًا في الموضع الذي لا يظهر فيه.
فإذا جُعِلَ اسم الفاعل بمنزلة ما لا ضمير فيه، وإن كان يظهر في موضع فأن تُجعل الجملة التي تقع موقع الخبر بمنزلة ما لا موضعَ له أجدرُ؛ لأن الجملة لا يظهر فيها إعرابٌ البتة، واسم الفاعل يظهر معه الضمير في موضع.
فإن قلت: إذا كانت الجملة تقع خبرًا للمبتدأ كما يقع المفرد خبرًا له فمن أين قلتم إن الأصل للمفرد والجملة واقعة في موضعه؟ وهلا كانت الجملة كالمفرد في أنها أصل فيمتنع في الجملة ما يمتنع في المفرد؟
قيل: المفرد هو الأصل؛ لأنه الأول والجملة منه تُرَكَّبُ، فالمفرد الأول.
[ ١ / ٢١٤ ]
ويدلك أيضًا على أن المفرد الأول في هذا الموضع خاصة دون الجملة أن المبتدأ والخبر في المعنى كالفعل والفاعل في أن كل جملة جزءان: أحدهما حديث والآخر مُحدث عنه، فكما أن الفعل أحد الجزءين من الجملة التي هي الفعل والفاعل وهو مفرد غير جملة، فكذلك خبر المبتدأ الذي هو بجزءيه ينبغي أن يكون مفردًا غير جملة.
وإذا كان مفردًا كانت الجملة واقعة في الخبر في موضعه، وإذا كانت في موضعه علمت أن الإعراب المقدر لها للموضع غير خارج إلى اللفظ، وإذا لم يخرج إلى اللفظ لم يقع به اعتداد، وإذا لم يقع به اعتداد ساوت ما لا موضع له، وغذا ساوته جاز عطفه عليها.
ومما يدلك على أن ما لا يظهر إلى اللفظ لا حكم له، وإن كان في التأويل مقدرًا قولهم: أزيدًا ضربته، وامتناع الناس جميعًا من العطف على هذه الجملة المضمرة لما لم تظهر إلى اللفظ وإن كانت قد عملت في المفعول.
ومن ثم قال البغداديون: إن المفعول منتصب بهذا الظاهر.
[ ١ / ٢١٥ ]
وإذا كان كذلك فالمشاكلة بين الجملتين في العطف جائزة لقيام المشابهة بينهما، ولم يكن ذلك بأبعد من إجرائهم "أيدع" في المعرفة مجرى "أذهبُ" لما كان على لفظه.
وليس شبه الجملة التي يتأول لها موضع تحمِلُه على لفظها وصورتها بأغمض من شبه "أيدع" بـ"أذهب".