قال أبو علي - أيده الله- مما يدل على صحة قول أبي عثمان في مفارقة همزة الوصل اللاحقة للام التعريف سائر الهمزات التي تلحق وصلا، وأنه لا يجوز على قياس قولهم "الحمرُ"، "اسَل" أن هذه الهمزة لما لحقت ما لا يصحب إلا الأسماء، ووقعت مفتوحة كان ذلك مُضارعةً لها بهمزة أحمر ونحوه، فجاز لذلك عندهم أن تثبت حيث تسقط سائر الهمزات المجتلبة للوصل، لأنها
[ ١ / ٢١٦ ]
عريت من هذه المشابهة، فلم يجز فيهن ما جاز فيها من الثبات حيث سقطن.
ألا ترى أنهم لما رأوا هذه المشابهة فيها قطعوها في مواضع لم يُقطع فيها غيرها [كقولهم] "يا أله اغفر لي" و"أفألله ليفعلن" وألزموها الإثبات مع حرف الاستفهام، وقالوا في تذكر الخليل ونحوه "اَلىِ" فلم يحذفوها مع حركة اللام وليس شيء مما ذكرناه في سائر هذه الهمزات.
فكما اختصت بالثبات في هذه الأشياء كذلك ثبتت في قولهم: الحْمَرُ.
ولا يجوز على هذا القياس: "اِسَلْ" ولا: "اقتلوا" لتعريها من الشبه الذي ذكرناه.
[فآ]: اقتلوا أصله اقتتلوا فأدغم التاء الأولى في الثانية، وألقى حركتها على القاف.
[فآ]: قلنا الخليلُ، ولم نقل/٥٤ أالرجل ولا الصاحب؛ لأن لام التعريف لا تظهر معهما، وتظهر مع الخليل.
[ ١ / ٢١٧ ]
فإن قلت: فهلاَّ ألزمت القطع ولم توصل كـ"أحمر" وبابه؟ فإن ذلك لا يجوز.
ألا ترى أن ما لا ينصرفُ لم يُجعل كالأفعال ولم تنتزع منه أحكام الأسماء، وإن كان قد شبه بها في بعض الأحوال؟
فإن قلت: فهلا استجيز قطعها في "ايمُنِ" لانفتاحها ودخولها في الاسم؟ قيل: قد أُقِرَّتْ مع همزة الاستفهام ولم يكن فيها مثل ما كان في همزة اللام لأنها لم تكثر كثرتها ولم تقاربها في ذلك، والتغيير على ما يكثر في كلامهم أشد تسلطًا منه على ما لم يكثر.
يدلك على ذلك: "لمْ يَكُ" و"لا أدْرِ" و"لم أُبَل" و"لم أُبَلِهْ" ونحو ذلك مما كثر، فغُيِّر عن حال نظيره.
فكذلك "ايمُنِ" لما لم يكثُر كثرة هذا الحرف اللاحق لعامة الأسماء لم يلحقه من التغيير ما لحقه.
والذي أجاز في تحقير "اضطرب اضيريب" أفحش خطأ عندنا ممن زعم أن من قال "اَلاَنَ" لزمه أن يقول "اِسَلْ"، وذلك أن الحركة في
[ ١ / ٢١٨ ]
"اِسَل" إنما هي حركة الهمزة المحذوفة، وإذا كانت الحركة للهمزة كانت الفاء في تقدير السكون، وإذا كانت في تقدير السكون جاز أن يظن جواز لحاق الهمزة.
ألا تراهم قالوا: "ضوٌ" فحركوا الواو طرفا، ولم تقلب حيث كانت في نية السكون.
وقد نطقت العرب بهمزة الوصل حيث حركت الساكن بحركة الهمزة المحذوفة في "اَلاَنَ" و"والَحْمَر"، ولم يفعلوا ذلك بالفاء إذا كانت ساكنة في التكبير ثم حُقِّر.
ألا تراهم قالوا "ابنٌ" فاجتلبوا الهمزة ثم قالوا "بُنيٌّ" فأسقطوها ولم يثبتوها.
فكذلك لا يجوز في اضطراب اُضيريبٌ كما لم يجز في "ابنٍ اُبينٌ".
فالذي أجاز في "اضطراب" هذا أخطأ نصَّ العربِ على ما كان مثله وفي حكمه، والذي أجاز "اِسَل" لم يخطئ نصهم إنما أجاز على نصهم شيئًا هو عنده في حكمه، وقد أجازت العرب مثله وإن كان عند مُخالفهِ ليس كذلك.
فإن قال: إنما حذفتُ التاء وبقيتُ الهمزة لأني لو حذفتها لصرت إلى ما ليس مثله من الأبنية.
[ ١ / ٢١٩ ]
قيل: فالذي صرت إليه من تحريك ما بعد همزة الوصل وإقرار الهمزة مع ذلك أعظم في الخطأ.
ألا ترى أنك لست واجدًا لذلك نظيرًا في شيء من كلامهم، وأنت لو حقرت على حذف الهمزة وإثبات التاء لصادفت له في أمثلة التحقير نظيرًا، وليس يلزم أن تكون أمثلة التحقير على ما تكون عليه الأصول.
ألا ترى أن النحويين حذفوا [في] نحو عُطىٌّ فلم يثبتوا لامه وحقروا [يُصيعٌ] وسفيرجٌ على حذف الأصل ولم يمتنع ذلك.
فكذلك إقرار التاء من ذلك أسهل. ألا ترى أنه موضع تقع فيه الزوائد وأن الهمزة إنما لحقت للسكون، فإذا حرَّكت ما بعدها سقطت.
واعلم أن من قال: "الحْمَرُ" فأثبت الهمزة مع حركة اللازم، فإن اللام وإن كانت متحركة فهي في نية السكون، فمن حيث أثبت الهمزة في قوله "الحمرُ" لزمه حذف الواو من "قالُ لانَ"، فعلى هذا قال: "قالَ
[ ١ / ٢٢٠ ]
لاَنَ" بحذف الضمير وإن كانت اللام من "لاَنَ" متحركة كما أثبت همزة الوصل وإن كانت اللام متحركة فقياسه أن يقول في "مِلآنَ" "مِلاَنَ" فلا يرد النون المحذوفة لالتقاء الساكنين؛ لأن اللام في تقدير السكون في قوله.
ألا تراه كيف أثبت همزة الوصل في "الحَمْرَ".
ومن قال: لَحمرُ قال في "مِلآن": "منلان" ألا ترى أنه اعتد بحركة اللام ولم يجعلها في نية السكون، فيُبقى الهمزة كما فعل من قال "الحمر". فكما اعتد بحركتها في حذف الهمزة كذلك يعتد بها في رد النون من "مِنْ".
وحذفت النون في ذا النحو لالتقاء الساكنين لِمُضارعتها الحروف اللينة.
ومما حمل على قول من قال: "لحمرُ" فحذف الهمزة ولم يقدر باللام السكون ما أنشدنيه أحمد بن موسى بن مجاهد عن الكسائي:
[ ١ / ٢٢١ ]
١ - فقد كنتَ تُخفي حُب سمراء حقبةً فبُح لانَ منها بالذي أنت بائحُ
ألا تراه أسكن الحاء قبلها ولم يحركها.
ومن ذلك أيضًا قراءة أبي عمرو "وأنه أهلك عاد لولى" ألا تراه
[ ١ / ٢٢٢ ]
أدغم النون في اللام، والإدغام إنما يكون في المتحرك دون الساكن إلا في قول من قال "رُدَّ"، ولو كانت اللام عنده في تقدير السكون لحرك الساكن الأول، ولو حركه لامتنع الإدغام ألا ترى أن من قال "فَخِذٌ" لم يدغم نحو "وَندٌ"، فهذا أيضًا يدلك أنه قدر اللام غير ساكنة.
فآ: "رُد" أدغم ساكن في ساكن، فلما التقى ساكنان حرك الثاني لملاقاته ساكنًا.