قال أبو العباس: يذهب أبو عمر إلى أنه ما جاء في معنى لكذا لا يقوم مقام الفاعل، ولو قام مقام الفاعل لجاز سِيرَ عليه مخافةُ الشر، ولم يُجِز في ذا غيرُه، كما لا يجوز إلا دُخِلَ البيتُ، لأن معناه في البيت. فلما حذفت "في" رفعت، ولو جاز "سِيرَ به المخافةُ" لم يكن إلا رفعا.
[ ١ / ٢٢٣ ]
قال الرياشي: فكأن مخافةً وما أشبهه لم يجيء [إلا] نكرة فأُخرج مُخرج ما لا يقوم مقام الفاعل نحو الحال [والتمييز ولو جاز] لما أشبه "مخافة الشر" أن يقوم مقام الفاعل لجاز "سِيرَ بزيدٍ راكبٌ" فأقمت "راكبًا" مقام الفاعل.
و"مخافة الشر" -وإن أضفته إلى معرفة بمنزلة مِثلِك وغيرك وضاربك غدًا- نكرة.
قال أبو العباس: أخطأ الرياشي في قوله: "مخافة الشر" ونحوه حال أقبح الخطأ وهو خلاف قول سيبويه لأن سيبويه يجعله معرفة، ونكرة إذا لم يضفه أو لم تدخله الألف واللام كمجراه في سائر الكلام، لأنه لا يكون حالًا.
فآ: لم يمتنع "مخافة الشر" ونحوه من أن يقوم مقام الفاعل [أن]
[ ١ / ٢٢٤ ]
التقدير فيه التنكير كالحال والتمييز-؛ لأنه يكون معرفة ونكرة.
ألا ترى أن قوله:
٢ - بنت عليه المُلك أطغابها كأسٌ رنوناةٌ وطرفٌ طِمر
[ ١ / ٢٢٥ ]
[ ١ / ٢٢٦ ]
/٥٤ ب "المُلكَ" فيه معرفة وهو مفعول له، وليس هو مما يجوز فيه تقدير [الفعل]، وكذلك قول رؤبة:
٣ - وبأبي أن أُنسى الحريصا
وقال الآخر:
٤ - والهولَ من تهولِ الهبور
[ ١ / ٢٢٧ ]
وإنما امتنع أن يقام مقام الفاعل؛ لأن انتصابه ليس كانتصاب المفعول به
[ ١ / ٢٢٨ ]
إنما هو مفعول فهو علة للفعل وغرض له، فامتنع أن يقوم مقام الفاعل كما امتنع الظرف أن يقام مقام الفاعل وهو ظرف، وإنما يقام المفعول به مُقام الفاعل من حيث كان مع الفعل بمنزلة الفاعل معه.
ألا ترى أن الفعل يبنى له كما يبنى للفاعل، ويضاف المصدر إلى المفعول به كما يضاف إلى الفاعل، ويضاف المصدر إلى المفعول به ولا يذكر الفاعل، كما يضاف إلى الفاعل ولا يذكر المفعول به، وليس المفعول له هكذا ولا ما أشبهه مما لم يقم مقام الفاعل.
فلما لم يكن المفعول له في هذا كالمفعول به في هذه المناسبات وغيرها التي بينه وبين الفاعل لم يجز أن يقام المفعول له مقام الفاعل، كما جاز أن يقام المفعول به مقامه.
فإن قلت: فهلا أجزت ذلك اتساعًا كما أجزت ذلك في الظرف وإن كانت اللام معه مرادة كما لم يمتنع إرادة "في" ونحوه في الظرف أن يقام مقام الفاعل إذا اتسع فيه فحذف حرف الظرف منه وجعل كالمفعول به في تعدي الفعل إليه على حد تعديه إلى المفعول به؟
قيل: الظرف يُتسع فيه بأن ينصب نصب المفعول به، فإذا نصب نصبه أقيم مقام الفاعل كما يقام المفعول به مقامه ولا يخرج في المعنى عن أن يكون ظرفًا.
ألا ترى أنك إذا قلت "سِيرَ فرْسَخَانِ، أو سِيرَ يومُ الجمعةِ" علمت أنهما في المعنى ظرفان متسع فيهما كما أنك إذا قلت "زيدٌ ضربته" فابتدأته علم أنه في المعنى مفعول به وإن كان محدثًا عنه في اللفظ، وليس كذلك المفعول له، لأنك متى أقمته مُقامَ الفاعل خرج عن أن يكون مفعولًا له، ولم يكن عليه
[ ١ / ٢٢٩ ]
دلالة؛ لأنه إنما يُعلمُ [كونه] مفعولًا له متى كان [فضلة] بعد الفاعل يُقدرُ وصول الفعل إليه باللام.
وهذا المعنى يبطله كونه [نائب] فاعل وينافيه لو قلت: "أتى الإكرمُ" لم يُفهم عنك [أنك] أتيت أمرًا من أجل الإكرام، بل يُفهمُ أنه فُعِل نفسُ الإكرام لا شيء غيرهُ من أجله.
فلما كان كذلك لم يجز إقامته مقام الفاعل ولم يصح ذلك فيه.
ومما يدلك على امتناع إقامة المفعول مقام الفاعل أنَّ "كيْ" على ضربين:
أحدهما: أن تكون كاللام في قول من قال: "كيمهْ".
والآخر: أن تكون كـ"أنْ"، وذلك على قياس قوله: (لكيلا تأسوا)، فمن قال هذا لم يقل: "أعجبني كي أضربك" كما تقول: "أعجبني أن أضربك"؛ لأن معناها أنها تجيء لعلة وهذا قول أبي عثمان.
فإذا امتنع ما كان بمعنى المفعول له وإن لم يكن على لفظه؛ لأن اللفظ كـ"أنْ" فأن يمتنع ما كان مقدرًا فيه اللام وموادًا به أجدر.
ومما لا يجوز من المفعولات أن يقام مقام الفاعل المفعول معه نحو "استوى" الماء والخشبة"، وإنما لم يجز إقامته مقام الفاعل؛ لأن كونهُ مفعولًا معه
[ ١ / ٢٣٠ ]
يُبطله قيامه مقام الفاعل، لأن كونه مفعولًا معه يقتضي أن يكون مع فاعل ليكون مفعولًا معه، فإذا أقمته مقام الفاعل لم يكن مفعولًا معه كما لا يكون الباب الأول مفعولًا له، ويمتنع إقامة هذا الاسم مقام الفاعل من وجه آخر، وهو أنه لا يخلو إذا أقمته مُقام الفاعل من أن تذكرَ الحرف الذي تدل به على أنه مفعول معه أو لا تذكره فإن أقمته مقام الفاعل ولم تذكر الحرف الذي يدل به على أنه مفعول معه لم يجز؛ لأن الاسم به يُدل على أنه مفعول معه فإذا لم تذكره لم يدُل على ذلك، وإن ذكرت الحرف أيضًا لم يجز، وذلك أن الحرف وإن لم يكن عاطفًا هنا فإنه يمتنع استعماله إلا على حد ما كان في العطف.
ألا ترى أنه في هذا الموضع، وفي نحو قوله تعالى: (وطائفةٌ قد أهمتهم أنفسهم) لا يقع إلا تابعًا لجملة أو مفرد كما لا يكون في العطف الصحيح إلا كذلك؟
وإذا كان كذلك لم يجز أن يُذكر الحرف معه في حال إقامتك إياه مُقام الفاعل.
ومثل الواو في هذا الفاء في جواب "أما" ألا ترى أنها وإن كانت غير عاطفة فإنها لا تكون إلا تابعة على حد ما تكون في العطف.
فلما كان إتباعهم إياها الحرف الذي قبلها يخرجها عما تكون عليه في العطف رُفِض ذلك فلم يُستعمل إلا بتقديم اسم أو شيء مما يقع بعدها قَبْلها ليكون اللفظ على ما ينبغي أن يكون عليه.
[ ١ / ٢٣١ ]
فمن حيث قدم الاسم في "أما" لإصلاح اللفظ رُفض إقامة المفعول معه مقام الفاعل ومعه الحرف الذي يستدل به على أنه مفعول معه.
ومن الأفعال التي لا تبنى للمفعول به الأفعال الدالة على الزمان وحده نحو "كان" وبابِها. وإنما لم يقم [معها] مقام الفاعل؛ لأن أصل الكلام بها الابتداء والخبر.
ألا ترى أنك تأتي فيه بالضمير المنفصل حيث يُقدرُ على المتصل كما كان ذلك في أصل الابتداء؟ فهذا مما يَدُلك أن [الحكم بها] حكم الابتداء وخبره، ومعناهما قائم، فلو بَنَيتَ الفعل للخبر لما ذكرت المبتدأ في اللفظ ولا في التقدير، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز في الخبر العاري مبتدؤه من كان [قال] وهذه علة أبي عثمان.
فإن قلت: فهلا أجزته على من قال كُنتُه وليسهُ ونحو ذلك؟
فإن ذلك لا يجوز من حيث لم يجز زيد اليوم [وأنت إنما تقصد أن تسند إليه مثالًا من أمثلة الأفعال لا اسمًا من أسماء الزمان].
ألا ترى أن الفعل هنا دال على الزمان وحده فالكلام لا يوازي "ضُرِبَ زيدُ"، لأنه يُنتقص منه دلالة الحدث.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ولو قلت: كأن شأنُكَ القتال فبنيت الفعل للمفعول لم يجز أيضًا "كينَ القتالُ" لانتقاصه عن إحداث القتال.
[والضمير] في أطنابها ضمير "كأس" لا ضمير "المُلْكِ، لأن الملك مذكر و"كأس" مؤنثة، و"ها" ضمير المؤنث. وإذا كان كذلك يم يجز أن يكون/ ٥٥ أ "المُلكَ" مفعولًا به، و"أطنابها" بدلًا منه، وإذن لم يكن المُلكَ إلا مفعولًا له وأطنابها [مفعول به].