قال أبو علي أيده الله: لا ينبغي أن يجوز في قول الكوفيين: "ظُنَّ
[ ١ / ٤٨١ ]
زيدٌ قائمًا أبوه" على أن يكون المراد: "ظُن زيدٌ أن يقوم أبوه" كما قالوا: إنهم يجيزونه عليه من حيث جاز:
(أظنَّ ابنُ طرثوثٍ عُتيبةُ ذاهبًا بعاريتي تكذابه وجعائلة)
وذلك أن البيت إنما عَمِلَ فيه "الظن" في اسم فاعل مبتدإ به مُعملٍ عمل الفعل فاعله سادٌّ مسد خبر الابتداء، فدخل "ظننتُ" وسد مسد المفعول اثاني، كما كان سد مسدَّ خبر المبتدأ، فالظن إنما عمل في جملة واحدة، وهذا مستقيم.
ونظيره قولهم: علمت أن زيدًا قائمٌ، وظننتُ أن يقوم زيدٌ، فالفاعل وخبر "أن" -هاهنا- قد سدا مسد المفعول الثاني. فكذلك في اليبت، والظن عامل في جملة واحدة.
وهم حيث أجازوا: ظُنَّ زيدٌ قائمًا أبوه، فقد أعملوا الظن في "زيد"، وأعملوه في "قائم" الذي هو من جملة أخرى واقعةٍ في موقع خبر الظن المنقول من خبر المبتدأ، فأعملوا الظن في اسم مفرد، وبعضِ جملة أخرى، وليس لهذا نظير في كلامهم، ولا وجه له في القياس. ألا ترى أن الجملة التي تقع في موضع المفعول الثاني لا يعمل الظن، ولا "كان"، ولا "إنَّ" في شيء من جزءيها على انفراده، وإنما يعمل في موضع جزءيها مجتمعين، تقول: كان زيدٌ أبوه منطلق فيكون "الأبٌ" و"منطلقٌ" في موضع نصب. ولو نصبت منطلقًا في هذه المسألة فأعملت "كان" في بعض الجملة/ ٦٦ أكان خطأ عند الناس جميعًا.
[ ١ / ٤٨٢ ]
فكما أن هذا خطأ، فكذلك ما أجازوه في الظن. ألا ترى أن هذا في الجزء الثاني من الجملة في "كان" مثل ما [أجازوه] في الجزء الأول من الجملة في "ظُنَّ".
فكما لا يجوز ما أعلمتك في "كان" كذلك لا يجوز ما أجازوه في "ظُنَّ".
ولو قلت مبتدئًا: "زيدٌ أبوه قائمٌ" فجعلت "الأب" ابتداء ثانيًا، ثم قدمت الخبر فقلت: "زيدٌ قائمٌ أبوه"، فأدخلت "ظننتُ" قلت: "ظننتُ زيدًا قائمٌ أبوه" لم يجز أن تُعمِل الظن في "قائم"؛ لأن خبر مبتدإٍ، فالجملة في موضع نصب، ولا يُعملُ شيء من هذه العوامل الداخلة على المبتدإ وخبره في اسم وجُزءٍ من واقعة في موقع خبر المبتدإ.
ولكن لو قلت: "زيدٌ قائمٌ أبوه" فرفعت "القائم" بأنه خبر المبتدإ لقلت: "ظننتُ زيدًا قائمًا أبوهُ"، "وظُنَّ زيدٌ قائمًا أبوه" كما تقول: "ظُنَّ زيدٌ قائمًا". ألا ترى أن ما عاد إليه من "أبيه" بمنزلة ما عاد إليه من "قائم"، فالظن على هذا عَمِلَ في جزءَي جملة واحدة، وهكذا شأنها أن تعمل [أن تعمل].
[ ١ / ٤٨٣ ]
وعلى قول الكوفيين أن قولك: "ذاهبٌ زيدٌ"، "ذاهبٌ" بمنزلة "رجل"، ويجوز أن يكون خلفًا من محذوف لا مَثَلَ له، فإنما هو خطأ في القياس، فقف عليه إلى هنا فليس ما أجازوه قياس البيت.