قال أبو علي -أيده الله-: مما ينظر فيه يعمل ويعملة، وأرمل وأرملة، إن قلت: هلا لم تصرفهما في النكرة، لكونهما وصفين وعلى زيادة الفعل فهما كأحمر.
فالقول: أن "يرمع" ليس "كأحمر"، وأن "يرمع" يجب أن يكون "يعمل" بهذه الزيادة لم يشبه الفعل بها [وإن كان أحمر قد أشبهه بها]. وذلك أن في "أحمر" زيادة الفعل ووزنه وعلامة التأنيث ممتنعة من الدخول عليه امتناعها من الدخول على الفعل.
[ ١ / ٥٠٧ ]
ألا ترى أنك لا تقول: أحمرة، وأن للتأنيث بناء آخر. فلما كان كذلك صار كالفعل، ولما لم يكن دخولها في "يعملةٍ" على حد الدخول في "أحمر" لم يشبه بالزيادة زنة الفعل.
ولما لم يشبهه في الزنة صار فيه معنى واحد وهو الوصف.
فإن قلت: وما في دخول التاء في يعملةٍ مما يمنع من شبه الفعل، والفعل قد تدخل عليه تاء التأنيث نحو قامت وقام، فإذا كانت قد دخلت على الفعل وقد دخلت في "يعملةٍ" فلم يزل هنا شبه الفعل، ولا شيء يمنع من أن يكون الشبهان حاصلين في الاسم؟
قلنا: إن التاء وإن كانت قد دخلت في "فعلت" فلم تدخل في "يعملةٍ" على ذلك الحد الذي دخل في "فعلت" لكنه على وجهٍ لا يكون إلا للاسم دون الفعل.
ألا ترى أن علامة التأنيث في "تفعل" في الفعل إذا لحقت إنما تلحق أول الفعل كقولك: "هي تفعل"، ولا نلحق آخر الفعل كما لحقت "في قامت".
فلما دخلت علامة التأنيث في "يعملةٍ" على حد لا يكون إلا للأسماء ثبت أن الاسم لم يشابه بهذه الزيادة الفعل؛ إذ لحقته العلامة على حد لا يكون عليه الفعل.
فلما لم يشبه بالزيادة الفعل لما ذكرت لك بقى وجه واحد.
[ ١ / ٥٠٨ ]
وكذلك "أرملة" لما دخلته التاء على حد لا تدخله في "أفعل" لم يشبه بالزيادة الفعل [إذا كانا زيادتين].
فإن قلت: فالتاء والهمزة في الأول هنا إذا لم تكونا زائدتين فأي زيادةٍ هي: للإلحاق أم لغيره؟ فإن قلت الهمزة للإلحاق، فالهمزة لم تجيء أولا للإلحاق. فأما ألندد فلم تقع الهمزة فيه للإلحاق بل النون.
ألا ترى أن سيبويه لما حذف النون أدغم في التحقير فإذا لم يشبه بها الفعل لم يكن من أجلها الاسم ثانيًا.
تقول: "مررت برجل معه صقر صائدٍ به"، يرتفع "صقر"، بـ "معه" ولا يرتفع بالابتداء؛ لأن "معه" صفة جرت على موصوفها، وإذا جرت
[ ١ / ٥٠٩ ]
على موصوفها فهي في موضعها ومرتبتها، وإذا كانت في مرتبتها، ٦٧/ب وموضعها لم يجز أن ينوي بها غير ذلك الموضع، كما أن الفاعل إذا وقع في موضعه في ضرب غلامه زيدًا لم يجز أن ينوي به غير موضعه.
ولهذا قال النحويون -عندي- في قوله:
١٨٢ - وجيرانٍ لنا كانوا كرام
[ ١ / ٥١٠ ]
إن "كان" ملغاة كأنهم لم يستحيزا أن يجعلوا "لنا" خبر "كان" فيقدرونه في غير موضعه، وقد جرى صفة على "جيران" فقالوا "كان" لغو.
وإذا كان قد جاز في ضربٍ من القياس أن يرفع بالظرف في نحو: "في الدار زيد" مع أنه لم يجر صفة على موصوف وجب إذا جرت معه صفةً أن يجب الرفع بها؛ لأنها إذا جرت صفةً كانت أذهب في باب الفعل وأقعد فيه منها إذا لم تجر صفةً؛ لأن الصفة تؤكد معنى الفعلية وتحقق الشبه.
[ ١ / ٥١١ ]