قال أبو علي -أيده الله-: زيد عمرو الضاربه" لا يخلو اللام من أن تكون لزيد أو لعمرو، فإن كانت لعمرو جاز أن يكون خبرًا للمبتدأ، لأن خبر المبتدأ ينبغي أن يكون المبتدأ في المعنى، فإذا كانت إياه جاز أن يكون خبرًا، وإن كانت اللام لزيد لم يكن خبرًا، لأنه إذا كانت زيدًا لم تكن عمرًا، وإذا لم تكن عمرًا لم تكن خبرًا عنه، وإذا لم تكن خبرًا عنه كانت مبتدأ، وإذا كانت مبتدأ احتاجت إلى خبر.
فإن قلت: إذا لم تكن خبرًا عن "عمرو" من حيث لم تكن إياه فهلا أجزت أن تكون خبرًا عن "زيد"؛ لأنها هو في المعنى، وإذا كانت إياه في المعنى جاز أن تكون خبرًا عنه؟
قلنا: لا يجوز ذلك. ألا ترى أنك لو جعلته خبرًا عن "زيد"، وقد
[ ١ / ٥٢٧ ]
فصلت بينهما بـ "عمرو" لم يجز، لأنك تفصل بين المبتدأ وخبره بما هو أجنبي منهما، وإذا فصلت بينهما بالأجنبي لم يجز، فإذا لم يجز حمله على الخبر لهذا المعنى حملته على أنه مبتدأ ثالث؛ إذ لا قسمة فيه ثالثة، وإذا كان مبتدأ اقتضى خبرًا، وخبره "هو" في قولك: "زيد عمرو الضاربه هو" إذا جعلت اللام لزيد فصار "الضاربه" مبتدأ و"هو" خبره.
فإن قلت: فهلا لم يجز أن تجعل "هو" الخبر؛ لأنه لا فائدة فيه. ألا ترى أنك إذا قلت: "زيد عمرو الضاربه هو" لم يجز أن توقع موقع "هو" غيره؛ لأنك لو أوقعت موقعه "عمرا" ونحوه من المظهر لم يرجع إلى "زيد" الفاعل في المعنى ذكر من "الضاربه هو". ألا ترى أنك لو قلت: "زيد عمرو الضاربه بشر" فرفعت الضاربه بالابتداء، أو جعلت فيه ذكرا مرتفعا يرجع إلى "الذي" وهو"بشر" في المعنى، وجعلت "بشرا" خبر للمبتدأ لم يرجع إلى "زيد" الفاعل في المعنى ذكر كما رجع إلى "عمروٍ" المفعول به في المعنى الذكر من "الضاربه".
وإذا لم يرجع إليه ذكر لم يجز، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخبر "هو" وهو في المعنى اللام، وإذا كان الخبر لا يجوز أن يقع في موضعه الأجنبي لم يجز أن يكون خبرًا؛ لأنه لا فائدة فيه. ولذلك لم يجيزوا: "أحق
[ ١ / ٥٢٨ ]
الناس بمال ابنه أبوه" ولم يجيزوا الإخبار عن الهاء في: "زيد ضربته" إذا حملوا الكلام على المعنى، فقالوا: "الذي زيد ضربته هو"، إذا رد ما في ضربته إلى "زيد"؛ وصار برده إليه كأنه رده إلى "الذي"؛ لأنه هو في المعنى من حيث لم نفد بالخبر شيئًا.
فالقول: أن "زيد عمرو الضاربه هو" إذا جعلت اللام لـ "الضاربه" جائز وإن لم يجز ما ذكرناه؛ لأن "هو" وإن كانت خبر "الضاربه" في اللفظ فهي في المعنى "زيد"، وإذا كانت إياه في المعنى كان الذكر عائدًا
[ ١ / ٥٢٩ ]
إليه، فحسن لذلك وصار مفيدًا، وإن لم تجز المسألتان اللتان ذكرناهما؛ لأنه ليس فيهما شيء محتاج إلى ذكر عائد إليه احتياج زيد في مسألتنا إلى ما يرجع إليه وعلى ٦٨ ب هذا أجاز أبو عثمان المازني الإخبار عن الضمير في "المسيرا" من قولك "الفرسخان اليومان المسيرا هما زيدهما" الألف واللام لما كانا للإخبار عن الضمير وجب أن يكون إياهما؛ لأن اللام إنما تكون في المعنى ما تخبر عنه [به].
فلما كان خبرًا عن ضمير الفرسخين كان في المعنى الفرسخين، ولما كان الفرسخين في المعنى، وقد جرى على اليومين لم يجز أن يكون خبرًا لهما من حيث لم يكن إياهما، ولما لم يكن إياهما كما مبتدأ، ولما كان مبتدأ صار له خبر، وحسن الخبر وإن كان خبرًا عن اللام من حيث كان الفرسخين، وكان عائدًا عليهما.
ولو جعلت اللام لليومين لجاز أن يكون خبرًا عنهما؛ لأنه كان يكون إياهما، فكنت تقول. "الفرسخان اليومان العسير هما هما زيد" فصارت اللام خبرًا عن "اليومين"، وعاد ما أظهرته من إضمار الفاعل لما جرى الفعل على غير من هوله إلى المبتدأ الذي هو "الفرسخان"، وليس الرجوع إلى الفرسخين في هذه المسألة كالرجوع إليه في المسألة الأولى وأنت قد جعلت اللام لضمير "الفرسخين" دون "اليومين" ألا ترى أن الضمير الذي هو "هما" خبر "الذي"، وهما يرجعان إلى الفرسخين فهما في هذه المسألة في كونهما خبرًا للمتبدأ مثل "هو" في قولنا: "زيد عمرو الضاربه هو" واللام لزيد، و"هو"
[ ١ / ٥٣٠ ]
خبر "الضاربه" الذي هو مبتدأ ثالث كما كان "هما" هو خبر اللام في المسيراهما، وهما [للفرسخين] دون اليومين.
وفي إجازة أصحابنا هذه المسائل التي هي أخبار لشيء وترجع إلى شيء آخر دلالة من قولهم على أنهم لا يجعلون في خبر المبتدأ -إذا كان اسمًا غير جار على الفعل ولا مناسب له -ذكرًا من المبتدأ.
ألا ترى أنه لو كان فيه ذكر من المبتدأ لم يجز أن يرجع إلى غير ما هو خبر له.
ففي رجوع هذا إلى ما ليس هو بإخبار له دلالة من قولهم عى ما ذكرنا.
فإذا جعلت اللام في "زيد عمرو الضاربه هو" لـ "زيد"، والفعل لـ "زيد" فاسم الفاعل جاز على من هوله وفيه ضمير يعود إلى ما دلت عليه اللام، وإذ جرى على من هو له احتمل الضمير.
ولو جعلت اللام لـ "عمروٍ" والفعل لـ "زيدٍ" لصار خبرًا لـ "عمروٍ"؛ لأنه هو، واحتجت أن تظهر الضمير، و"زيد" فاعل في هاتين المسألتين في المعنى.
ولو قلت: "زيد عمرو الضاربه" فجعلت اللام لـ "زيدٍ" والفعل لـ "عمروٍ" لم يجز أن يكون "الضاربه" خبرًا لـ "عمروٍ"؛ لأنه ليس
[ ١ / ٥٣١ ]
بعمرو، وإذا لم يجز أن يكون خبرًا [كان مبتدأ، وإذا] كان مبتدأ واسم الفاعل لعمرو، واللام لزيد فقد جرى على غير من هو له وإذا جرى على غير من هو له وجب إظهار الضمير فقلت: هو [و] إذا أظهرت الضمير لزمك أن تذكر بعده أيضًا خبر المبتدأ فقلت: "زيد عمرو الضاربه هو هو" ولا يجوز أن تذكر "هو" الذي خبر قبل "هو" الذي هو إظهار الفاعل. ألا ترى أنك إن فعلت ذلك فصلت بين [الفعل] والفاعل بشيء أجنبي منهما، والفصل بينهما بالأجنبي لا يجوز، فإذا لم يجز ذلك ذكرت الذي "هو" الفاعل قبل الذي "هو" خبر المبتدأ، و"زيد" مفعول في هذه المسألة في المعنى، و"عمرو" فاعل على خلاف المسألتين اللتين تقدمتاها.
ولو جعلت الألف واللام لـ "عمروٍ" والفعل لـ "عمروٍ" كان خبرًا له، لأنه هو هو، وكان "عمرو" الفاعل في المعنى، والهاء ترجع إلى "زيد"، وما في "ضارب" يعود إلى الألف واللام.
فلنجمع الآن إلى ما يجوز في هذا، وكم قسما هو، ونقول:
"زيد عمرو يضربه، وزيد عمرو ضاربه، وقولك: زيد عمرو الضاربه هو -واللام لزيد-، والفرسخانٍ اليومانٍ المسيرا هما زيدهما" -إذا كانت اللام لليومين- ففيه أربعة مواضع:
[ ١ / ٥٣٢ ]
أحدها: لم لا يكون اللام خبرًا عن زيد إذا لم يجز أن يكون خبرًا عن عمرو [من] حيث لم يكن إياه؟
والآخر: لم جاز أن يكون خبر "المسيران" "هما"، و"الضاربه" "هو" ولم يجز "أحق الناس بمال أبيه ابنه" ونحو ذلك فيه؟
والثالث: الاستدلال بهذا من قول أصحابنا: إن الخبر إذا كان اسمًا لم يحتمل ضمير المبتدأ.
والرابع: ليس في المسيرا هما ولكن في قولك: زيد عمرو الضاربه هو هو -أن ضمير الفاعل لا يتأخر عن الخبر- وجميع ذلك مذكور في هذه المسألة.