"زيدًا جاريتك أبوها ضارب" أجازها أبو [العباس] في المقتضب.
ولم يختلف الكسائي والفراء في أن ذلك لا يجوز، واختلفا إذا جرى اسم الفاعل على المبتدأ الأول نحو "زيد ضارب أبوه عمرا" فأبى الفراء تقدمة الصلة قبل الاسم الأول كانت مفعولًا أو صفة، وقال: لا يتقدم صلة فعل الثاني على الأول، إنما يتقدم المفعول والصفة على فعل الثاني؛ لأنه له وليس للأول فلا يتقدم مفعول الثاني على الأول إذا لم يكن له.
[ ١ / ٥٤٥ ]
وأجاز الكسائي تقدمة الصفة والمفعول قبل الأول إذا توسط، وقال: قد صار [له]. قال أحمد ثعلب: والقياس ما قال الفراء، وإذا تأخر الفعل فلا اختلاف بينهما أنه خطأ.
قال [أبو علي -أيده الله-: إنكار هذه المسألة لتقديم المفعول فيها لا ينبغي؛ لأن المفعول قد يقدم إلا أنها على قول أصحابنا فيها بعض القبح، وذلك أنه من قولهم: إن المعمول يقع حيث يقع العامل، والعامل هنا خبر الابتداء الذي هو "ضارب الأب"، ولو قدمت خبر الابتداء هنا فأوقعته في موقع "زيدٍ" لقبح.
ألا ترى أنك كنت تفصل بين المبتدأ وخبره والمبتدأ الأول وهو أجنبي منهما، فهذا قبيح لا تعلمه جائزًا في الكلام، وقد جاء في بيت الفرزدق:
(أبو أمه حي أبوه يقاربه)
فأما في حال السعة والاختيار فغير جائز.
وهذا الفصل إذا وقع بين الفاعل والفعل كان ممتنعًا، وهو -عندي- في الابتداء أحسن منه في الفعل والفاعل: لأن اتصال الفعل بالفاعل أشد من اتصال المبتدأ بالخبر، ألا ترى أن كل واحد منهما قد يحذف لدلالة الآخر عليه، ولا يفعل هذا بالفعل والفاعل.
[ ١ / ٥٤٦ ]
والوجه في هذا أن يقدم تقديم الخبر بأسره، كأنك قلت: "أبوها ضاربٍا زيدًا جاريتك". ألا ترى أنك إذا قدرته كذا لم يفصل بين الابتداء والخبر بأجنبي، وهكذا ينبغي؛ لأن الخبر بأسره بمنزلة المفرد، فكما يجوز: "ضارب زيدًا عمرو" كذلك تجوز هذه المسألة.
فإن قلت: فإنك تضمر قبل الذكر إذا قدرت التقديم على حد ما ذكرت. ألا ترى أنك تضمر الهاء في "أبيها" ولم تذكرها؟
قيل: هذا جائز عندنا. ألا ترى "مررت به المسكين"، وفيه مع هذا بعض القبح؛ لأن الخبر جلمة وليس بمفرد فلا ينبغي أن يحوز فيه ما جاز في الأصل الذي هو المفرد.
فأما قول ثعلب في المسألة الأخرى أن القياس ما قال الفراء، فإنه ليس بقياس.
ألا ترى أن اسم الفاعل وإن كان للثاني فهو جار على الأول، وقد عاد الضمير مما يتصل به إليه كما يعود من فعله إليه، وقد استغنى به كما يستغنى بفعل نفسه.
فإذا كان كذلك لم يكن بأن يضاف إلى أحدهما بأولى من أن يضاف إلى الآخر. فإذا تساويا في ذلك وجب التساوي في التقديم عليهما فكان تقديمه على الأول كتقديمه على الثاني في الجواز.
وأما امتناع الفراء من إجازة "عمرًا زيد ضارب أبوه" فلا يجب أن يمتنع؛ لأنه ليس هنا شيء يكره من فصل بين متصل، و"ضارب" بمنزلة "يضرب".
[ ١ / ٥٤٧ ]
وعلى قولنا: لو قدمت "ضارب أبوه" على "زيدٍ" كان حسنا، ولوقع العامل موقع المعمول فيه ولم يمتنع كما يمتنع إذا أخرت اسم الفاعل، لدخول القفص بين المبتدأ وخبره بالمبتدأ الآخر. فهذا أحسن بلا إشكال فيه.