الفرزدق:
٢٠٦ - ولو سئلت عني نوار ورهطها
إذن أحد لم تنطق الشفتان
[ ١ / ٥٦١ ]
قال بعضهم: يريد لم تنطق شفتاه.
[قال أبو علي أيده الله]: وهذا عندنا على لم تنطق الشفتان منه، لابد من تقدير الراجع المحذوف؛ لأن الخبر لا يخلو من راجع إلى الخبر عنه أو شيء يكون إياه في المعنى، وليس هذا كقول الفرزدق:
٢٠٧ - وقد علم الجيران أن قدورنا
ضوامن للأرزاق والريح زفزف
[ ١ / ٥٦٢ ]
لأن الكلام هنا غير محتاج إلى راجع كما احتاج في البيت الأول.
ولو قال قائل أراد لأرزاقهم [لجاز] وأن لا يقدر هذا أجود في المعنى وأبلغ.
ألا ترى أنه إذا قدر هذا التقدير كان مقصورًا على الجيران، وإذا كان على ظاهره كان لهم ولغيرهم، فالمعنى -في قوله: "الأرزاق" مطلقًا غير مضاف- أرزاقهم بإطعامنا إياهم وأرزاق من عداهم بمشاهدتهم لهم.
وأما قول الآخر:
٢٠٨ - يا ليلةً خرس الدجاج طويلة
ببغداد ما كادت عن الصبح تنجلي
[ ١ / ٥٦٣ ]
فالأصل في هذا "خرسًا دجاجها" فكما حذف الضمير وأضاف الصفة إلى ما كان فاعلًا لها في المعنى، فكان ينبغي أن يفرد الصفة فيقول "خرساء الدجاج".
ألا ترى أنه قد صار فيها ضمير الليلة إذ قد حذف الراجع مما كان يرجع من الصفة إلى الموصوف كما قال الآخر:
[ ١ / ٥٦٤ ]
٢٠٩ - شنباء أنيابًا
فأفرد الصفة حيث خلصت للأول، وأجراها عليها، ولم يقل شنبةً أنيابًا على "قد شنبت الأنياب فيها" كما كان يقوله لو رجع الذكر من الفاعل في المعنى، وكما قال أبو زبيد:
٢١٠ - كهباء أهدابًا
[ ١ / ٥٦٥ ]
فأما [بغداذ] فيكون متعلقًا بـ "طويلة" كأنه طالت [ببغداذ]
[ ١ / ٥٦٦ ]
لشجو كان له بها فاستطال الليل، ولا تجعله متعلقًا بمحذوف؛ لأنه لا فائدة فيه. ألا ترى أن الليلة [ببغذاذ] وبغيرها، وحكم الصفة أن تكون مختصة لتفصل الموصوف بالاختصاص من غيره، وهذا بعيد من الاختصاص.
فإذا كان كذلك لم يكن مثل قوله "أدارا بحزوى" لأن هذا تخصيص كما تخصص رجلًا في "رجل من البصرة" والأول ليس كذلك.
وإنما قال "خرس" فجمع؛ لأن خرسها خرسهن فلذلك جاز، ويضم إليه:
٢١١ - ومهمةٍ هالك من تعرجا
[ ١ / ٥٦٧ ]
و:
٢١٢ - بأدماء [في حبل] مقتادها
فكأنه قال: هالك من تعرج فيه أي هالك المتعرج. فـ "من تعرجا" على هذا التقدير فاعل في المعنى، وعلى تقدير من حمله على "مهلك" إلا أنه حذف مفعوله في المعنى بمنزلة "ضارب زيدًا"، وتأويلنا بمنزلة "حسن الوجه" كأنه قال "بحسنةٍ وجهها"؛ لأن الأصل: "بآدم
[ ١ / ٥٦٨ ]
مقتادها" كما يقول: "مررت برجلٍ أحمر وجهه" ثم أضمر في "آدم" فقال "إدماء" لأن فيه ضميرها، ثم أضافه إلى الفاعل في المعنى وهو "مقتادها" كما يضيفه إليه إذا قال: بإدماء المقتاد؛ لأن الألف واللام يعرفه كما يعرفه الضمير فهو مثل:
٢١٣ - جونتا مصطلاهما
[ ١ / ٥٦٩ ]
على قول سيبويه [فإنه باب لمحقوق]
الباهلي:
٢١٤ - وفقئت عين التي أرتها
أرتها قال: عملتها.
[ ١ / ٥٧٠ ]
٢١٥ - يتبعن هدابًا قبا قبيا من القفير يأت أو كعبيا
تحسب لولا أنه بختيا
أي تحسبه من تمام خلقته بختيا لولا أن لونه لون العربي:
٢١٦ - يا رب إن عامر بن عمرو
الأعور الأعسر أو لا أدري
أخذها عائذة بحجر
معناه أخذها عائذة بحجر أولا أدري فقدم؛ لأن الباهلي حكى أنه أغير على هذه الإبل في آخر يوم من الشهر الحرام بحجرٍ أي بحرمةٍ.
وهذا البيت في التقديم والتأخير مثل ما قبله في هذه الصفحة.
شعر قديم:
[ ١ / ٥٧١ ]
٢١٧ - إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقيل