قال أبو علي: من شبه "مَا" بـ"لَيْسَ" فنصب بها، فلدخولها على المبتدأ والخبر كما أن "ليس" كذلك، ولأنها نَفْيُ الحال كـ"لَيْسَ"،
[ ١ / ٦٤٦ ]
ولا يجوز على هذا أن تنصب بـ "إنْ" كما تنصب بـ "مَا" وإن كنت نافية، لأنها ليست لنفي الحال كـ"ما" ألا ترى أنك تقول:
"إنْ جئتني أمْسِ" تريد لَمْ تجئني، وكذلك "فيما إنْ مكناكمْ فيه".
وإذا كان كذلك لم يجز أن تكون كـ"مَا"؛ لأنها قد اجتمع فيها شبهان بـ "ليسَ" والشبهان يجذبان ما هما فيه إلى حكم ما هما منه، ألا ترى أن جميع ما لا ينصرف أنه كذلك، ولو أشبه الفعل من وجه لم يمتنع الصرف فكذلك "إنْ" لا تنصب كما تنصب "مَا" وقد جاء ذلك في "لا" في قوله:
٢٧٨ - [حين] لا مُسْتَصْرَخٌ ولا براحُ
[ ١ / ٦٤٧ ]
وهو ضعيف قليل ولا ينبغي أن يجوز ذلك في "إنْ" كما جاز في "لا" لأن باب هذه الحروف وقياسها ألا تعمل عمل الفعل، فلا ينبغي أن يخرج شيء منها عن أصله إلا بسماع ولم نعلم ذلك جاء مسموعًا في "إنْ" كما جاء في "لا" فأما ما يقوله أبو العباس أنه يجيز قياسًا "إنْ زيدٌ قائمًا" ويقيسه على "لا" فليس بشيء لما أعلمتك.
فإن قلت: فهل يجوز إذا كان فيه شبه واحد من الفعل أن يُمْنَعَ من الصرف كما أجرى "لا" مجرى ليس وإن كان فيه شبه واحد من "ليس"؟
[ ١ / ٦٤٨ ]
قيل: إن هذا لا يجوز في الاسم؛ لأن الاسم حقه الصرف فلا يخرجه شبه واحد عن الأصل والتمكن. ألا ترى أن ذلك لو جاز لجاز أن تُمنع من صرف جميع المعارف وهذا يفحش، فإذا كان كذلك لم يكن مثل "لا" على أن "لا" قد صار فيه آكدُ الشبهين وهو النفي.
ونصبهم بـ "لا" الخبر يُقوى تأويل سيبويه في نصب خبر "ما" مقدمًا في الشعر لقيام النفي فيه إذا قُدم الخبر قيامهُ إذا أخرَ، وليس كذلك في نقض النفي؛ لأن آكد الشبهين قد بطل.
[ ١ / ٦٤٩ ]
فأما قولهم: ما إن زيدٌ منطلقٌ، وأنهم إذا أدخلوا "إن" كفوا العمل الذي كان لـ "ما" فلا حجة فيه في منع "إنْ" أن تعمل عمل "مَا" لأنها ليست النافية. ألا ترى أن الكلام في قوله:
٢٧٩ - [وما] إنْ طبُّنا جُبْنٌ.
نفي، ولو كانت "إنْ" في "ما إنْ" نفيًا، كما أنها في الابتداء نفي لكان الكلام إيجابًا؛ لأنه كان يكون نَفْيَ نَفْيٍ.
ولكن وجه الدلالة على أنها لا تعمل عمل "مَا" في النصب ما قدمناه.
فإن قلت: فأجعلُ "ما" زائدة في "ما إنْ" وأجعلُ النفي بـ"إنْ"
[ ١ / ٦٥٠ ]
فهذا الذي عليه قول الناس أحسن؛ لأنك على هذا تصير إلى أن تزيد الحرف أولا، وأن تزيدهُ في تضاعيف كلام أكثرُ.
فـ"إنْ" في النفي زائدة كافة كما كانت "ما" زائدة كافة في "إنما يقومُ زيدٌ"، وقد ذهب أبو عبيدة إلى أن "إنْ" زائدة في قوله:
(وإِنْ مِنْ خريفٍ فلنْ يعدما)
كأنه سقته من صيفٍ ومن خريفٍ فلن يعدم السقي.
فإذا جاز كونها زائدة غير كافة كان كونها كافة أجدرَ.
ألا ترى أن "ما" أيضًا لما كانت كافة فيما ذكرت لك كانت أيضًا زائدة.
فقول أبي عبيدة غير مستحيل ولا ممتنعٍ إل أن قول سيبويه أولى؛ لحمله إياها على أنها غيرُ زائدةٍ مع الصيغة التي تدخلها إلا أن "إما" لما كانت قد حذفت من قول:
٢٨٠ - تُهَاضُ بدارٍ قدْ تقادم عهدها
[ ١ / ٦٥١ ]
وحذفت "ما" من "إنْ" في قوله:
٢٨١ - فإن جزعًا وإنْ إجمال صبرٍ
[ ١ / ٦٥٢ ]
لم يمتنع اجتماع الأمرين في البيت، إذ قد جاءا جميعًا في الشعر.
ومما يقوى قول أبي عبيدة أن "أنْ" لما جاءت زائدة في "ولما أنْ جاءت رُسُلُنَا" جاءت أيضًا زائدة منفردة في قوله:
٢٨٢ - كأنْ ظبيةٍ
[ ١ / ٦٥٣ ]
فيما /٧٣ أأنشده أبو زيد فكذلك "إنْ" في البيت في تأويل أبي عبيدة.
فأما "إنْ" في قولك "واللهِ إنْ لو جئتني لأكرمْتُكَ" فليست بزائدة، ولكن هي مثل اللام التي تلحق [لَئِنْ] ألا ترى أن ما دخلت [عليه] لما لم يكن نفس المقسم عليه، وإنما تعلق بالجزاء الذي هو المقسم عليه في الحقيقة أثبتتْ تارة وحذفت أخرى كقوله تعالى: "وإنْ لمْ ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا"، وقوله: "لئنْ لمْ ينته المنافقون" [واللذين في قلوبهم مرضٌ والمرجفون في المدينة] لنغرينكَ بهمْ".
[ ١ / ٦٥٤ ]
فهي مثلها في أنها تثبتُ وتُحْذف والتي في "لما أنْ" زائدة.
وحُكيَ لي أن بعض الكوفيين أجاز: "ما ما زيدُ قائمًا" فأدخل النفي على النفي ونصب، وهذا ينبغي أن [لا] يجوز، لأن النفي قد انتقض، وهو أعظم السببين. فكما لا يجوز ذلك مع "إلا" كذلك لا يجوز في "ما".
فإن قال: أدخلتُ الأول على كلام قد عمل بعضه في بعض فلم أيغرهُ.
قيل له: فإنك أيضًا قد أدخلت "إلا" على ذلك فأجره مجرى ليس، فكما لا يجوز هذا في "إلا" لنقض النفي، كذلك لا يجوز في "ما" إذا أدخلتها على "ما".