قال (أبو علي): قول الخليل في "معيشةٍ" إنها مَفْعُلةٌ أو مَفْعِلةٌ.
[ ١ / ٦٥٥ ]
قال أبو الحسن لا يكون إلا مَفْعِلَة ولا يصحح في الواحد الياء كما يصحح في الجمع.
فمما يحتج له في ذلك أن الجمع ليس كالواحد؛ لأنه يُستثقل فيه مالا يُستثقل في الواحد. ألا تراهم قلبوا باب "دُلِيّ" ونحوه، وسمحوا في الواحد نحو "عُتُوٍ".
فكذلك صُحِّحَتْ الياء في بيض، ولا يلزم على هذا الواحد الذي ليس بجمع.
فيقول: الخليل بناء الجمع في هذا النحو والواحد سواء. أل ترى أن هذا الضرب من الجمع كالواحد، ولا ثقل فيه ليس في الواحد.
يدلك على ذلك أنهم يصرفون هذا الضرب من الجمع كما يصرفون الواحد.
فإذا لم يختص هذا بثقل ليس في الواحد وجب أن يستوي مع الواحد، وإذا استوى مع الواحد لم يجز أن يخالف بين الواحد وبينه في الإعلال، بل ينبغي أن تصحح الياء في الواحد كما صُححتْ في بيض.
[ ١ / ٦٥٦ ]
والدلالة على مساواة هذا الضرب الواحد أنك لو سميت بـ "فعُل" الذي هو جمع لصرفت كم أنك لو سميت بـ "فُعْل"، وكذلك لو سميت بفلوس صرفته.
فإن قلت: فكيف أُعِلّ الجمعُ في نحو "دُلِيّ" وصُحح الواحد؟ وهلا دل هذا على (استثقالهم) للجميع؟
قيل: ليس هذا من قبل أنه جمع، ولكن لما كان الواحد الذي ليس بجمع قد غير نحو "عُتِيٌّ" فقلبت الواو منه، وكان الجمع يعتوره من التغيير أكثر مما يعتور الاسم؛ لأنه يدخله واوٌ زائدةٌ لم تكن ثابتة في الواحد، وغُير أيضًا بجمعهم إياه على أدنى العدد يعني "أدْلٍ" فقلبوا منه الواو إلى
[ ١ / ٦٥٧ ]
الياء، فزاد ضُروبُ التغيير فيه على الاسم ألزم الإعلال كما ألزموا الياء في "حنيفة" الحذف لما حُذِفتْ التاء، ولم تلزم ياء قريش الحذف.
فلهذه التغييرات التي اعتورت الجمع ألزم الإعلال لا من حيث كان جمعًا. ألا ترى استواء الواحد والجمع في "أدلٍ وقَلَنْسٍ"، فلو خالف الجمعَ الواحدُ لكان خليقًا أن تصح الواو في الواحد في "قلَنْسٍ" ولا يستوي مع الجمع في "ثُنٍ" جمع "ثَنِيّ".
ويدلك على أنه ليس الجمع أنه قد اعتلت الآحاد نحو مسنيةٍ. فإذا جاء هذا في الآحاد دل أنه ليس في باب "دُلِيَّ
لاختصاصه بالجمع.
[ ١ / ٦٥٨ ]
ويدل أيضًا على أنه لم يُستثقلْ ذلك من أجل الجمع قولهم "صُوَّام" وأنهم لم يقلبوه البتة. فأما صميمٌ فليس من أجل أنه جمع بل للقرب من الطرف.
يدل على ذلك أن الذي يقول "صُميمٌ" إذا بعدتْ من الطرف فقال: صُوامٌ لم يقلب.
فصول من الكتاب فيها اختلاف على ما عندنا.
١ - في باب "وحده" بعد قوله: "والذي نأخذ به الأول":
وكان يونس يجيز: "زيدٌ وحدهُ" يجعله خبر الأول، وكان الخليل لا يجيز ذلك؛ لأنه ليس بالأول ولا [ظرفًا].
وأما كُلُّهُمْ وجميعهمْ وأجمعونَ و[جماعتُهم]، وأنفسهمْ [فلا يكون] أبدًا إلا صفة.
[ ١ / ٦٥٩ ]
[ويقال]: هُوَ نسيجُ وحدهِ؛ لأنه اسم مضاف إليه بمنزلة نفسه إذا قلت: [هُوَ جُحيْشُ نفسهِ) وجعل يونس نصب "وحْدَه" و[عُيَيْرٌ وحدهُ] و[جُحيشٌ وحده] كأنك قلت: مررت برجل على حيا له [وطَرَحْتَ] على [فَشُبِّهَ بالظرف] فمن ثم قال: هو مثلُ "عِنْدَهُ" وهو عند الخليل كقولك: مررت به خصوصًا، ومررت بهم خمستَهُمْ مثله ومثل ذلك] مررتُ بهم عما، ولا يكون مثل [جمعا] لما ذكرت لك [فصار] "وحده" بمنزلة "خمستهم"؛ لأنه مكان قولك: مررت به واحدهُ فإذا قلت: "وحْدَهُ" فكأنك قلت هذا.
[ ١ / ٦٦٠ ]
واعلم أن من العرب من يجمع "جُحَيشَ" فيقول: "جُحَيْشُو وَحْدِهِمْ" [واجيْحِشُو] وحدهم، [وعُيَبْرُو] وحدهم، وأعيارُ وحدهم. ومنهم من لا يفعل ذلك، يدعه واحدًا على كل حال، فيكون الذكر والأنثى والقليل والكثير فيه سواء.
وقياس من جمع أن يؤنث.
ومنهم من يجعله وصفًا للذكور خاصة.
قال طُفيل:
٢٨٣ - إذ هي أحوى من الربعي حاجبه والعين بالإثمد الحاري مكحول
[ ١ / ٦٦١ ]
قال: إذ هي ظبيٌ أحوى، ثم قال حاجبه والعين مكحول بالإثمد.
هذا آخر [الباب].
٢ - في "أما سمنًا فسمينٌ".
في النسخ قال الخليل وينبغي أن يكون الأخفش: أنه غلط.
وذلك أن قولك: "أما سمنًا فأنت سمينٌ" حال فقد قُدمتْ قبل العامل/٧٣ ب، فلا يجوز أن تعمله فيه، وذا قوله: "أعمل [فيه] ما بعده وما قبله. والحال أيضًا فاسدة من وجه آخر؛ لأنك لا تقول: هو [سمينٌ] سمنًا وأنت تريد الحال؛ لأنك لا تقول: هو سمين في حال السمن
[ ١ / ٦٦٢ ]
إنما تجيء به وبنحوه إذا كان لا يُعلم الأول في أيةِ حال هو. وأنت إذا قلت "سَمِينُ" فقد علم على أية حال، وإذا قلت: "أنت الرجل" لم يعلم في أية حال تفضله، فإذا قلت: "عِلْمًا وفقهًا" بَيَّنْتَ وجِئْتَ بما يحتاج إليه.
قال أبو علي: الاعتراض الأول لا يلزم؛ لأنه يعمل فيه ما قبله دون ما بعده والذي قبله هو ما في "أمّا" من معنى الفعل.
[قال أبو علي]: والاعتراض الثاني أيضًا لا يلزم؛ لأن الحال قد تجيء تأكيدًا نحو "هُو الحقُّ مصدقًا" و:
٢٨٤ - أنا ابنُ دارةَ معروفًا
[ ١ / ٦٦٣ ]
ونحو ذلك:
٣ - رجع "صلفًا وكرمًا".
قال: خزلوا الفعل هاهنا كما خزلوه في الأول، لأنه صار بدلًا من قولك أكرِمْ به وأصْلِفْ به، وقال: [أبو مُرْهَبٍ محمد نبيل الدبيري] "كرمًا وطول أنفٍ" أي أكرم بك وأطولْ بأنفك.
٤ - هذا باب ما ينتصب [من الصفات كانتصاب [الأسماء] في الباب الأول.
[ ١ / ٦٦٤ ]
وذلك قولك أبيعُكهُ الساعة ناجزًا بناجز، وسادُوكَ كابرًا عن كابرٍ. فهذا كقولك: بعته رأسًا برأسٍ كأنك قلت: أبيعُكَهُ مناجزةً أي فارغًا موجبًا للبيع مِنْ قبل أنْ نتفرق أي ليس فيه خيارٌ ولا مرجوعٌ. [هذا آخر الباب].
٥ - يعلق بخملتها كهباء أهدابًا
كهباء لا ينصرف وقد أعملتَ نونها في أهدابًا.
جُدِلتْ شنباء أنيابا
أراد شنباء الأنياب، ويجوز شنباء أنيابٍ.
[ ١ / ٦٦٥ ]
٦ - باب في الأمر والنهي
بعد قوله: "طاعةٌ وقولٌ معروفٌ" أمثل، وتقول: زيدًا فاضرب، فالعامل في ذلك اضرب، فهذه الفاء معلقةٌ بما قبلها.
ويدلك على أن "اضرِبْ" هي العاملة قولك: بزيدٍ فامررْ كقولك: "أما بزيدٍ فامررْ" فهذه الباء أضافت الفعل الآخر، وإن شئت قلت: أدخلتُ الفاء في قولك: "زيدًا فاضربه"، لأنك تريد: يا عمرو زيدًا فاضربه، وإذا قلت: "يا عمرو" فكأنك "قلت" انتبه"، فعُلِّقت الفاء بـ "انتبهْ".
فإن قلت: فهلا تقول "يا زيد فقم" في معنى "انتبه"؟
فإنما أدخلت الفاء ثمةَ لطول الكلام.