قال [أبو علي]: اعلم أن "حتى" على ثلاثة أضرب:
أحدها أن تكون جارة نحو: "حتى مطلع الفجر" وهذه الجارة هي التي تُنصبُ الأفعال بعدها بإضمار "أنْ"، و"أنْ" معها في موضع جر بـ "حتى".
والآخر أن تكون عاطفة في نحو:
٢٨٦ - والزاد حتى نعلَه ألقاها
فهذه تكون عاطفة، والدليل على ذلك أنها لا تخلو من أن تكون جارة أو عاطفة فلو كانت جارةٌ لانخفض الاسم بعدها ولم يُعطف على ما قبلها
[ ١ / ٦٨٢ ]
ولمْ تشركه في إعرابه فلما شرك ما قبلها ما بعدها في إعرابه ثبت أنها عاطفة، إذ لو كانت غير عاطفة لجرتْ، ولم يجز أن لا تجر؛ لأن حروف [الجر] لا تعلق.
والثالث أن تكون داخلة على الجعل وينصرفُ الكلام الذي بعدها إلى الابتداء كـ"أمَّا"، و"إذا" ونحوهما، وذلك نحو قوله:
٢٨٧ - فيا عجبا حتى كُليبٌ تسُبُّنِي
[ ١ / ٦٨٣ ]
فهذا قسم ثالث.
ألا ترى أنها لا تخلو من أن تكون عاطفة أو جارة أو على الوجه الآخر.
فلا يجوز أن تكون عاطفة. ألا ترى أنه لا يحسن: "يا عجبًا وزيدٌ منطلقٌ"، لأنك لا تشركُ زيدًا في النداء، ولا تدخله أيضًا في الحديث الأول، لأنه ليس من شكله، ومخالف له في جنسه، لأن النداء ليس بخبر، وقد روعي في باب عطف الجمل من التشاكل والتشابه ما لا خفاء به.
فإذا لم يكن من شكله لم ينعطف عليه، وإذا لم ينعطف عليه كان كأنه قال مبتدئًا: "وزيدٌ منطلقٌ" وهذا غير سائغ.
ألا ترى أن من أجاز في الشعر تقديم المعطوف على المعطوف عليه نحو:
[ ١ / ٦٨٤ ]
(عَليْكِ ورحمةُ اللهِ اللامُ)
لم يجزْ "إن وزيدًا عمرًا في الدار" إذا أراد: "إن عمرًا وزيدًا في الدار"، لأن "إنَّ" إنما أحدثت معنى تأكد، فكأنه قال مبتدئًا: وزيدٌ عمروٌ قائمٌ.
فإذا لم يجزْ هذا فيما ذكرنا لم يجز في النداء أيضًا، وكان أن لا يجوز في النداء أجدر؛ لأنه إذا لم يجز التقديم حيث ينوي التأخير فأن لا يجوز التقديم في الابتداء، وحيث لا ينوي التأخير أجدر.
فإن قلت: فقد جاء في شعر:
٢٨٨ - (يا عجبًا وقدْ رأيتُ العجبا)
فالرواية (يا عجبًا لقدْ رأيتُ عجبًا) كذا روى أبو عمرو، وقد شرحنا ذلك في موضع آخر، وليس هذا مما يعترض به على ما قدمنا من القياس الصحيح.
[ ١ / ٦٨٥ ]
ويدلك على أنها ليست العاطفة دخول حرف العطف عليها في قوله:
٢٨٩ - وحتى الجيادُ ما يُقدنَ بأرسانِ
وحرف العطف لا يدخل على مثله. ألا ترى أن حرف عطف لا يدخل على حرف عطف، فإذا كان كذلك علمت أنها بمنزلة قوله: "وأما ثمودُ فهديناهمْ" في أن حرف العطف دخل على حرف يصرف الكلام إلى الابتداء.
[ ١ / ٦٨٦ ]
فإن قلت: فلم لا تكون هذه الجارة، وتكون الجملة في موضع جر؟
فذلك خطأ من غير وجه. ألا ترى أن الجمل إنما يحكم لها بمواضع من الإعراب إذا وقعت في مواضع المفردة صفات لها، أو أخبارا أو أحوالًا وليس هذا من مواضع المفردة، ألا ترى أن حتى الجارة لم تضف إلى مضمر نحو "حتاكَ" و"حتَّاهُ" حيث لم تتمكن تمكن "إلى" كما لم تضف الكاف الجارة إلى المضمر في "كَكَ، وَكَيِ" ونحو ذلك فإذا لم تضف إلى المضمر الذي هو اسم، ولم يتعد عملها الأسماء المظهرة كان من أن تعمل في الجمل أبعد، لأن الاتساع في إقامة الجملة مقام المفرد أشد منه في إقامة المضمر مقام المظهر، ألا ترى أن عامة المواضع [معها] يقوم المضمر فيها مقام المظهر ولا يقوم الجمل فيه جُمع المفرد بل في مواضع أقل من ذلك.
ومع هذا فإنك لو حكمت في موضع الجملة بالجر لمكان "حتى" لما منعك ذلك من تعليق حرف الجر، وحروف الجر لا تُعلق. ألا ترى أنك لا تحد حرفًا من حروف الجر في موضع داخلًا على جملة كائنة في موضع جر، لأن في ذلك تعليق حرف الجر، وحرف الجر لا يعلق في موضع. ألا ترى كيف فحَّش "يه" بذلك في قوله:
٢٩٠ - (أشهدُ بلذاكَ)
[ ١ / ٦٨٧ ]
فإن قلت: فكيف جاء: "بذي تسلمُ" فأضيف إلى "تسلم"، و"تسلم" في موضع جر فهلا جاز ذلك في "حتى"؟
فإن ذلك لا يدخل على ما قلنا. ألا ترى أن "ذا" اسم، ليس بحرف، والذي أنكرناه أن تكون جملةٌ في موضع جر بحرف؛ لأن في ذلك تعليقهُ، وليس قولنا "ذو "بحرف. على أن هذا في الاسم نادر في القياس والاستعمال. وإذا كن كذلك لم يسغ الاعتراض به. ألا ترى أنك لا تقول: "بذي تفرحُ" كما قلت "بذي تسلمُ"، وإنما تؤديه على شذوذه ولا تحملُ عليه غيرهُ كما لا توقع بعد "لَوْ" من الأسماء غير "أنَّ".
وكأنهم في قولهم "بذي تسلمُ" أرادوا الإضافة إلى المصدر، وأوقع
[ ١ / ٦٨٨ ]
الفعل موقعه؛ لدلالته عليه كما أنه حيث أريد تصغير المصدر في باب التعجب/٧٥ أوقع التصغير على لفظ الفعل والمصدر يراد به.
فهذه الأشياء تسلم كما جاءت، ولا يقاس عليها غيرها.
وقال أبو عثمان: فإن قلت: فإني أجد معنى "حتى" في هذه المواضع أن ما بعدها مما قبلها ومتعلق به، فهلا دل اجتماعهما في المعنى على أنه حرف واحد؟
قيل: ليس اجتماع الحرفين في معنى واحد مما يوجب أن يكون أحدهما الآخر، بل لا ينكر أن يجتمع حرفان في معنى، نحو "بَلْ، ولكِنْ". ألا ترى أنك تستدرك بهما جميعًا، ونحو "بَلْ، وأمْ" المتقطعة ألا ترى أنك تضرب بهما جميعًا، ونحو: "لا، ولنْ"؛ لأنك تنفي بهما جميعًا، ونحو "هلْ وهمزة الاستفهام" فإذا كان كذلك علمت أن الحكم بأن الجملة بعد "حتى" مجرورة من فاحش الخطأ، وما تدفعه الأصول ولا يوجد عليه شاهد فاعرف خطأه.
على أنه لو كانت الجملة التي تقع بعده في موضع جر لوجب ألا تقع الأفعال
[ ١ / ٦٨٩ ]
المرتفعة بعدها بل كان يضمر بعدها "أنْ" فينصب الفعل بها، وتكون "أنْ" مع الفعل في موضع جر.
فوقوع الفعل المرفوع بعدها [إذن] أريد به الحال، واشتهار ذلك وكثرته مما يدلك ويبصرك فساد هذا القول.
القاسم: عن أبي عبيدة:
٢٩١ - متى كُنا لأمكَ مقتوينَا
[ ١ / ٦٩٠ ]
يقال للواحد: [مقتوينٌ وللجماعة مقتوينٌ]، وللمؤنث بهذا اللفظ، وهو الذي يخدم الناس بطعام بطنه.