قال [أبو علي]: "ما أدري أقام أو قعد" تجري بـ["أوْ" دون "أمْ"] لأن هنا فعلا معلومًا، وإذا كان كذلك كان من مواضع "أوْ" دون "أمْ" ألا ترى أن "أمْ" إنما تقع إذا كنت مدعيًا أحد
[ ١ / ٧١٢ ]
الفعلين، فإذا أوقعت "أو" هنا فقلت "أو قعد" فهنا في الحقيقة أحد الأمرين معلوم ثابت إلا أنه أجرى عليه لفظ "أوْ" فجعله وإن كان كائنًا بمنزلة ما لم يكن فكأنه قال: لا أدعي واحدًا منهما كما أنه إذا قال: "أقام أو قعد" لا يكون مدعيًا لوقوع واحد منهما، فجرى مجرى قولك "تكلمت ولمْ تتكلمْ" فهذا ليس أنك ناقضت في كلامك فنفيت ما أوجبت، ولكن لم تعتمد بالكلام لقلته، أو لأنه لم يسد المسد الذي أريد به.
فكذلك "أوْ" إذا أدخلتها هنا مع أن أحد الفعلين كائن في الحقيقة أجريته مجرى ما لم يكن، فصار بمنزلة "أوْ" في الاستفهام إذا قلت: أقامَ أو قعَدَ في أنك لا تدعي وقوع واحد منهما، وليست بمنزلة "أو" في الخبر لأن الشبه ها هنا إنما وقع في الاستفهام من حيث كان تسوية، فإذا كان الشبه واقعًا في الاستفهام وقعت المماثلة به لا بالخبر.
فمن هنا قلنا: إنك كأنك لم تثبت واحدًا من الفعلين لما أدخلت "أوْ" في "مَا أدري أقام أو قعد" كما لم تثبت واحدًا منهما في الاستفهام في قولك "أقامَ أو قعد" وليس هو كالخبر الذي يثبت فيه أحدهما في غير عينه ألا ترى أنك إذا قلت: "أقامَ زيدٌ أو قعد" مثبت أحدهما إلا أنك لا تدري أيهما هو.
[ ١ / ٧١٣ ]
وأما قوله: "ما أدري أأذن أو أقام" فالقياس فيه "أمْ": لأن هنا فعلًا مثبتًا متيقنًا إلا أنه أجرى عليه "أوْ"؛ لأنه لم يعتد به فنزله /٧٦ ب منزلة ما لم يعلمه، كقولك: "تكلم ولمْ يتكلمْ"، وفي الكتاب:
٢٩٨ - نجا سالمٌ والنفسُ منه بشدقهِ ولم ينجُ إلا جفن سيفٍ ومئزرا
فلهذا جاز هذا بـ "أوْ"، ولم يُرِدْ هذا المعنى، فجاز كما جاز
[ ١ / ٧١٤ ]
"قد علِمْتُ أقام زيدٌ" فكما جاز "علمتُ أقام زيدٌ" كذلك يجوز "ما أدري أقام أو قعد" وكلك: "ليت شعري".