الإبدال:
حُرُوفُ الإبْدَال:
فمن ذلك حروف البدل لغير١ إدغام، وهي الحروف التي يجمعها قولك: "أُجُدٌ طُوِيَتْ مَنهلا"٢. فهذه الحروف تُبدَل من غير إدغام، على ما يُبيَّنُ٣ بعدُ، إن شاء الله. فإن كان البدل لأجل إدغام لم يكن مختصًّا بهذه الحروف. بل جائزٌ في كلِّ حرف يُدغم في مُقاربه أن يُبدل حرفًا من جنس مُقاربه الذي يُدغم فيه، على ما يُبيَّنُ٤ في الإدغام، إن شاء الله.
_________________
(١) ١ م: "بغير". وانظر شمس العلوم ١: ١-١٦ والأمالي: ١٨٦-١٨٧ وشرح الشافية ٤: ١٩٧-٢٣٣ وشرح المفصل ١٠: ١-٤٥. ٢ في حاشية ف قول آخر يجمع تلك الحروف هو: طال يوم أنجدته. ٣ ف: يتبين. ٤ ف: يتبين.
[ ٢١٣ ]
[باب إبدال الهمزة من الألف]:
فأمَّا الهمزة فأُبدِلت من خمسة أحرفٍ. وهي الألف، والياء، والواو، والهاء، والعين.
فأُبدلت١ من الألف على غير قياس، إذا كان بعدها ساكنٌ، فِرارًا من اجتماع الساكنين، نحو ما حُكي عن أيوبَ السِّختيانيِّ٢، من أنَّه قرأ: "ولا الضَّأَلِّينَ"٣ –فهَمز الألف وحرَّكها بالفتح؛ لأنَّ الفتح أخفُّ الحركات- ونحو ما حَكى أبو زيد في كتاب الهمزِ٤ من قولهم: شَأَبَّةٌ ودَأَبَّةٌ.
وأنشدتِ الكافَّةُ٥:
يا عَجَبَا، لَقَد رأَيتُ عَجَبا حِمارَ قَبَّانٍ، يَسُوقُ أَرنَبا
خاطمها زأَمَّها، أن تَذهَبا
أراد "زامَّها" فأبدل. وحكى٦ المبرّد عن المازنيِّ، عن أبي زيد، قال: سمعتُ عمَرو بن عُبيد يقرأ: "فيَومَئذٍ لا يُسأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ ولا جأَنٌّ"٧، فظننتُ أنه قد لحن، حتَّى سمعتُ العربَ تقول: دأَبَّةٌ وشَأَبَّةٌ. [٣١ أ] .
_________________
(١) ١ انظر سر الصناعة ١: ٨٢-١٠٦. ٢ تابعي من البصرة، سيد فقهاء عصره، ثقة من حفاظ الحديث. تهذيب التهذيب ١: ٣٩٧-٣٩٩. ٣ الآية ٧ من سورة الفاتحة. وانظر الخصائص ١: ٢٨١ والإبدال ٢: ٥٤٤ والبحر المحيط ١: ٣٠ وشرح الشافية ٢: ٢٤٨ وشرح شواهدها ص١٦٨-١٦٩. ٤ ذكر البغدادي أن هذا في آخر كتاب الهمز. شرح شواهد الشافية ص١٦٨. ولكن مطبوعة كتاب الهمز ببيروت خالية منه. ٥ الرجز مما تحكيه العرب على ألسنة البهائم. الخصائص ٣: ١٤٨ والضرائر ص٢٢٢ والمنصف ١: ٢٨١ وسر الصناعة ١: ٨٢ وشرح الشافية ٢: ٢٤٨ وشرح شواهده ص١٦٧-١٧٤ واللسان "زمم". م: "وأنشد الكلابي". وحمار قبان: دويبة. وخاطمها أي: يقودها من أنفها. وزامها مثل خاطمها. ٦ في الخصائص والمنصف وسر الصناعة والمحتسب وشرح الشافية والبحر المحيط. ٧ الآية ٣٩ من سورة الرحمن.
[ ٢١٤ ]
ومن ذلك قولُ الشاعر١:
وبَعدَ انتِهاضِ الشَّيبِ، مِن كُلِّ جانِبٍ علَى لِمَّتِي، حَتَّى اشْعأَلَّ بَهِيمُها
يريد "اشعالَّ" من قوله تعالى: ﴿واشتَعلَ الرأسُ شَيبًا﴾ ٢. وقال دُكين٣:
راكِدةٌ مِخلاتُهُ، ومَحلَبُهْ وجُلُّهُ، حَتَّى أبيأَضَّ مَلبَبُهْ
يريد: ابياضَّ. وقال كُثيّر٤:
ولِلأرضِ: أمَّا سُودُها فتَجَلَّلَتْ بَياضًا، وأمَّا بِيضُها فادهأَمَّتِ
يريد: فادهامَّت.
وقد كاد يتسع هذا عندهم٥. إِلَّا أنه مع ذلك لم يكثر كثرة تُوجب القياس. قال أبو العبَّاس٦: قلتُ لأبي عُثمانَ: أَتَقيسُ هذا النحوَ؟ قال: "لا، ولا أَقبلُه". بل ينقاس ذلك عندي، في ضرورة الشعر. ومن هذا القَبيل جَعَلَ ابنُ جنِّي٧ قولَ الراجز٨.
من أيِّ يَومَيِّ مِنَ المَوتِ أَفِرْ أيَومَ لم يُقدَرَ أم يَومَ قُدِرْ؟
وذلك٩ أنَّ الأصل "أيومَ لم يُقدَرْ أَم يَومَ"، فأُبدلت الهمزة ألفًا، وإن كان قبلها ساكن، على حدِّ قولهم في المَرْأة: "المَراة"، وفي مُتْأر: "مُتار"١٠. قال:
إِذا اجتَمَعُوا علَيَّ، وأَشقَذُونِي فصِرتُ كأنَّنِي فَرَأٌ، مُتارُ١١
وذلك بأن أَلقَوا حركة الهمزة على الساكن، ولم يحذفوا الهمزة، بل جاءت ساكنة بعد الفتحة،
_________________
(١) ١ سر الصناعة ١: ٨٣ والمقرب ٣: ١٦١ وشرح المفصل ٩: ١٣٠ و١٠: ١٢ والضرائر ص ٢٢٣ وشرح شواهد الشافية ص١٦٩ واللسان والتاج "شعل". والانتهاض: الانتشار. واللمة: شعر الرأس يجاوز شحمة الأذن. والبهيم: الأسود. ٢ الآية ٤ من سورة مريم. ٣ سر الصناعة ١: ٨٣ والخصائص ٣: ٤٨ والمحتسب ١: ٣٢٠ والضرائر ص٢٢٢ والإبدال ٢: ٥٤٥ وسمط الآلي ص٥٨٦-٥٨٧. وفي النسختين: "رائدة مخلاته". والتصويب من المصادر المذكورة. والراكدة: الساكنة الدائمة. والمخلاة: ما يوضع فيه طعام الدابة. والمحلب: إناء الحليب. والملبب: موضع اللبة. والأصل: الملبّ بالإدغام. يصف إكرامه لفرسه. ٤ ديوانه ٢: ١١٣ وسر الصناعة والخصائص وشرح شواهد الشافية. وادهامت: اشتد سوادها. ٥ في سر الصناعة وشرح شواهد الشافية: عنهم. ٦ هو المبرد. المنصف ١: ٢٨١. ٧ الخصائص ٣: ٩٤-٦٥ وسر الصناعة ١: ٨٥. ٨ النوادر ص١٣ والضرائر ص١١٢ والمحتسب ٢: ٣٦٦ والخصائص ٣: ٩٤ وسر الصناعة ١: ٨٥ والخزانة ٤: ٥٨٩ ووقعة صفين ص ٣٩٥. ونسب في الأخير إلى الإمام علي برواية: أيومَ ما قُدّرَ. ٩ م: ومن ذلك. ١٠ م: وفي مثأر مثار. ١١ عامر بن كثير المحاربي. سر الصناعة ١: ٨٧ والخصائص ٢: ١٧٦ و٣: ١٤٩ واللسان "تأر" و"تور" و"شقذ" وأشقذوني: طردوني. والفرأ: حمار الوحش. والمتار. المضروب بالعصا ليطرد.
[ ٢١٥ ]
فأبدلت ألفًا كما فُعل ذلك بـ"كاس"، فصار "يُقدَرَامْ"، فاجتمعت الألف مع الميم الساكنة، فأبدلت همزة مفتوحة فرارًا من اجتماع الساكنين. وقد تَقَدَّمَ في "الضرائر"١ أنه ممّا حُذف٢ منه النون الخفيفة، نحو قول الآخر٣:
اضرِبَ عَنكَ الهُمُومَ، طارِقَها ضَرْبَكَ بالسَّوطِ قَونَسَ الفَرَسِ
وأُبدلت أيضًا من الألف، وإنْ لم يكن بعدها ساكن. وذلك قليل جدًّا لا يُقاس لقلَّته في الكلام ولا في الضرورة. فقد رُوِيَ أنَّ العجَّاج يَهمِزُ "العالَم" والخاتَم"٤. قال:
يا دارَ سَلمَى، يا اسلَمِي، ثُمَّ اسلَمِي
ثمَّ قال٥:
فَخِندِفٌ٦ هامةُ هذا العأْلَمِ
وحُكِي عن بعضهم: تأْبَلتُ القِدرَ، إذا جعلتَ فيها التَّابَلَ٧.
وتكون الهمزة ساكنةً. إِلَّا أن تكون الألفُ في النِّيَّة متحرِّكةً فإنَّ الهمزة إذ ذاك تكون متحرِّكةَ بالحركة التي للألف في الأصل. فمن ذلك ما حكاه بعضهم مِن قولهم: قَوقأَتِ الدَّجاجةُ، وحَلَّأْتُ٨ السَّويقَ، ورثَأَتِ المرأةُ زَوجَها، ولَبَّأَ الرَّجلُ بالحجِّ. ومنه قول ابن كَثْوة٩:
ولَّى نَعامُ بَنِي صَفوانَ، زَوزَأَةً لَمَّا رأَى أَسَدًا، في الغابِ، قَد وثَبَا
ومنه ما أَنشده الفرَّاء، من قول الآخر١٠:
_________________
(١) ١ يريد كتابه الموسوم بالضرائر. انظر ص١١٢ منه. ٢ م. "متى حذفت". ويريد ابن عصفور أن الرجز المذكور حمله في كتاب الضرائر على حذف النون. ٣ ينسب إلى طرفة، وقيل إنه مصنوع عليه. ديوان طرفة ص١٩٥ والنوادر ص١٣ وسر الصناعة١: ٩٣ واللسان والتاج "قنس". وقونس الفرس: عظم ناتئ بين أذنيه. واضربَ أي: اضربَنْ. والطارق: الآتي ليلًا. ٤ م: "العألم والجأر". وانظر سر الصناعة ١: ١٠٢ وشرح الشافية ٣: ٢٠٤ وشرح شواهده ص٤٢٨. ٥ ديوان العجاج ص٥٨-٦٠ وشرح الشافية ٣: ٢٠٥ وشرح شواهدها ص٤٢٨ وسر الصناعة ١: ١٠١. وذكر ابن عصفور في "الضرائر" أن العجاج همز الألف هنا ضرورة، ليجنب البيت السناد. انظر ص٢٢٣ منه. ٦ في النسختين: وخندف. ٧ التابل: أبزار الطعام. وقد تهمز. الخصائص ٢: ١٤٥ وسر الصناعة ١: ١٠٢. ٨ الخصائص ٣: ١٤٦. قلت: التمثيل بقولهم "حلأْتُ" سهو؛ لأنَّ الهمزة فيه ساكنة لا متحركة. ٩ في النسختين: "قول كثير". والتصويب من الخصائص وسر الصناعة. والشاعر هو زيد بن كثوة. الخصائص ٣: ١٤٥ وسر الصناعة ١: ١٠٢ والحيوان ٦: ١١٦ والضرائر ص٢٢١ والمقرب ٢: ١٦٠ والمحتسب ١: ٣١٠ والصحاح واللسان والتاج "كثو" و"نعم" و"زوي". جعل أعداءه كالنعام. وهو إزاءهم كالأسد. والزوزأة من قولك: زوزى، إذا نصب ظهره وأسرع. ١٠ رؤبة. سر الصناعة ١: ١٠٢ وشرح الشافية ٢: ٢٥٠ و٣: ٢٠٤ وشرح شواهدها ص١٧٥-١٧٦. والدكاديك: مع دكداك. وهو الرمل المتلبد في الأرض. والبرق: جمع برقة. وهي غلظ فيه حجارة ورمل.
[ ٢١٦ ]
يا دارَ مَيٍّ، بِدَكادِيكِ البُرَقْ صَبرًا، فقَد هَيَّجتِ شَوقَ المُشتَئِقْ
وحَكى أيضًا من كلامهم: رَجُلٌ مَئِلٌ١، من المال. والأصل في ذلك: قَوقَى وحَلَّى ورَثَى ولَبَّى والزَّوزاة والمُشتاق ورَجلٌ مالٌ٢.
وأُبدلت من الألف باطِّراد في الوقف، نحو قولك في الوقف٣ على حُبلَى ومُوسَى ورأيتُ رجلًا: حُبلأْ، ومُوسأْ، ورأيتُ رَجُلأْ. وقد تَقَدَّم ذلك في باب الوقف٤.
وأُبدلت أيضًا باطِّراد من الألف الزائدة، إذا وقعت بعد ألف الجمع، في نحو "رسائل" في جمع رسالة، هروبًا من التقاء الساكنين: ألف الجمع وألف"رسالة"، فقُلبت همزةً لأنَّ الألف لا تقبل الحركة، والهمزةُ قريبةُ المخرج٥ من الألف لأنها معًا من حُروف الحلق. وحُرِّكت الهمزة بالكسر، على أَصل التقاء الساكنين. ولا يجوز في هذا وأمثاله إِلَّا البدل.
ومن هذا القبيل، عندي٦، إبدالُها من الياء والواو، إذا وقعتا طرفًا بعد ألف زائدة، نحو: كِساءٍ ورِداءٍ. وذلك أنَّ الأصل "كِساوٌ" و"رِدايٌ"، فتحرَّكتِ الواو والياء٧ وقبلهما فتحة، وليس بينهما وبينها حاجز إِلَّا الألف، وهي حاجز غير حصين لسكونها وزيادتها، والياء والواو في محلِّ التغيير –أعني طَرَفًا- فقُلبتا٨ ألفًا. فاجتمع ساكنان: الألف المبدلة من الياء أو الواو٩ مع الألف الزائدة. فقُلبت همزة. ولم تُرَدَّ إلى أصلها من الواو والياء١٠ لئلّا يُرجع إلى ما فُرَّ منه.
فإن كان بعد الياء أو الواو تاء التأنيث، أو زيادة التثنية، فلا يخلو أن تكون الكلمة قد بُنيت على التاء أو الزيادتين أو لا تُبنى. فإن بُنيت عليها بقيت الياء والواو على أصلهما ولم يُغيَّرا، نحو: رِماية وشَقاوة وعَقَلتُه بثِنايَينِ١١. وإن لم تُبن عليها وجُعلت كأنها١٢ ليست في الكلمة قُلبت، نحو: عَظاءة١٣ وصَلاءة١٤ وكِساءانِ ورداءانِ.
_________________
(١) ١ أي: كثير المال. ٢ كذا. والأصل الأول "مَوِل" قلبت الواو ألفًا. ٣ الكتاب ٢: ٢٨٥ والإبدال ٢: ٥٤٥. ٤ كذا. ولم يتقدم للوقف باب في هذا الكتاب. وانظر ص٦٨ و٧٨ و٨١-٨٢ و١١٣. ٥ م: قريبة في المخرج. ٦ م: "أعني". وسقطت من ف. ٧ ف: الياء والواو. ٨ م: "فقلبتها". ف: فقلبت. ٩ ف: والواو. ١٠ م: من الياء والواو. ١١ عقلت البعير بثنايين أي: عقلت يديه بحبل أو بطَرَفَي حبل. انظر التاج "ثني". ١٢ م: كأنهما. ١٣ العظاءة: دويبة. ١٤ الصلاءة: مدقُّ الطيب.
[ ٢١٧ ]
وقد يُفعل ذلك بالياء والواو، وإن كانتا بعد ألف غير زائدة، نحو قولهم في آية وثاية١ وطاية٢ في النسب: [٣١ ب] آئيّ وثائيّ وطائيّ، تشبيهًا للألف غير الزائدة بالألف الزائدة.
ومن هذا القبيل أيضًا، عندي٣، إبدالُهم الهمزةَ من الياء والواو، إذا وقعتا عينينِ في اسم الفاعل بعد ألف زائدة، بشرط أن يكون الفعل الذي أُخذ منه اسم الفاعل قد اعتلَّت عينه، نحو: قائم وبائع. الأصل فيهما "قاوِمٌ" و"بايِعٌ"، فتحرَّكت الواو [والياء] ٤ وقبلهما فتحة، وليس بينها وبينهما حاجز إِلَّا الألف الزائدة -وهي كما تَقَدَّم حاجزٌ غيرُ حصينٍ- وقد كانت الياء والواو قد اعتلَّتا في الفعل في "قامَ" و"باعَ"، فاعتلَّتا٥ في اسم الفاعل حملًا على الفعل، فقُلبتا٦ ألفًا فاجتمع ساكنان، فأُبدل من الثانية همزة، وحُرِّكت ٧ هروبًا من التقاء الساكنين. وكانت حركتها الكسر على أصل التقاء الساكنين.
وزعم٨ المبرّد أن ألف "فاعِل" أُدخلت قبل الألف المنقلبة، في "قالَ" و"باعَ" وأمثالهما، فالتقى ألفان –وهما لا يكونان إِلَّا ساكنين- فلزم الحذفُ لالتقاء الساكنين أو التحريكُ. فلو حذفتَ لالتبس٩ الكلام وذهب البناء، وصار الاسم على لفظ الفعل. فتحرَّكت العين لأنَّ أصلها الحركة، والألف إذا تحرَّكت صارت همزة.
فإن صحَّ حرف العِلَّة في الفعل صحَّ في اسم الفاعل، نحو: عاوِر١٠، المأخوذ من "عَوِرَ"١١، على ما يُحكم في باب القلب١٢.
فالهمزة في هذا الفصل والذي قبله، وإن كانت مبدلة من الياء والواو، من جنس ما أُبدلت فيه الهمزة من الألف؛ لأنهما لا تُبدل منهما همزةٌ إِلَّا بعد قَلبهما ألفًا كما تَقَدَّم، ولا يجوز اللفظ بالأصل في "قائم" وبائع" وبابهما، لا تقول "قاوِمٌ" ولا "بايِعٌ"١٣.
_________________
(١) ١ الثاية: مأوى الغنم والبقر. ٢ الطاية: مربد التمر. ٣ سقط من م. ٤ من م. ٥ في النسختين: فاعتلت. ٦ في النسختين: فقلبت. ٧ م: وحركة. ٨ سقط حتى قوله "صارت همزة" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف على طيارة. وقد نقل جهل مالكي النسخة هذا الطيارة إلى موضع آخر من الكتاب، فأثبتناها هنا على الصواب. وانظر المقتضب ١: ٩٩. ٩ ف: لا التبس. ١٠ ف: مُعاود. ١١ ف: عاوَدَ. ١٢ كذا. وفي باب القلب أحال على ما هنا، دون بيان. انظر الورقة ٤٢. ١٣ ويجوز فيما كانت فاؤه أن تبدل الهمزة بعد الألف فيه ياء، نحو: آيِبٌ وآيِمٌ وآيِلٌ وآيِنٌ.
[ ٢١٨ ]
ومن قبيل ما أُبدلت الهمزة فيه من الألف باطِّراد إبدالُهم الهمزة من ألف التأنيث، في نحو: صَحراء وحَمراءَ وأشباههما. الهمزة في جميع هذا مبدلةٌ من ألف التأنيث.
فإن قال قائل: وما الدليل على ذلك؟ فالجواب أن تقول١: الدليل على ذلك أنَّ الهمزة لا تخلو من أن تكون للتأنيث بنفسها، أو بدلًا من ألف التأنيث. فباطلٌ أن تكون بنفسها للتأنيث لأمرين:
أحدهما: أنَّ الألف قد استقرَّت للتأنيث في "حُبلَى" وأشباهه، والهمزة لم تَستقرَّ له، إذ قد يمكن أن تجعل بدلًا من ألف. وإذا أمكن حمل الشيء على ما استقرَّ وثَبَتَ كان أَولَى من أن يُدَّعى أنه خلاف الثابت والمستقرِّ٢.
والآخر: أنهم قالوا في جمع صحراءَ: صَحارِيٌّ، وفي بطحاءَ: بَطاحِيٌّ. قال الوليد بن يزيد٣:
لَقَد أَغدُو، على أَشقَـ ـرَ، يَغتالُ الصَّحارِيَّا
وقال غيره٤:
إِذا جاشَتْ حَوالِبُهُ تَرامَتْ ومَدَّتْهُ البَطاحِيُّ، الرِّغابُ
ولو لم تكن هذه الهمزةُ مُبدلةً من ألف التأنيث لوجب، في لغة من يُحقِّقُ، أن يُقال: "بَطاحِيءُ" و"صَحارِيءُ"، كما قالوا: قُرَّاءٌ٥ وقَرارِيءُ. لكن لمَّا كانت مبدلة، لأجل الألف التي قبلها، وجب رجوعها إلى أصلها لزوال مُوجب القلب في الجمع٦، وهو الألف التي قبلها، فصار "صحارِيْ ا"، فوقعت الياء الساكنة قبل الألف التي للتأنيث، فقلبت الألف ياء لوقوع الياء والكسرة قبلها، ثمَّ أُدغمت الياء في الياء.
فإن قال قائل: إِنَّما يدلُّ قولهم "صحاريّ" على أنَّ الهمزة مبدلةٌ من غيرها، إذ لو لم٧ تكن بدلًا لقالوا "صَحارِيءُ"٨. فأمَّا أنها مبدلة من الألف فليس على ذلك دليلٌ. إذ لعلَّها بدلٌ من ياء أو واو. فالجواب أنه إذا ثَبَتَ أنها بدلٌ فينبغي أن تجعل بدلًا من ألفٍ؛ لأنَّ الألف قد ثَبَتَتْ
_________________
(١) ١ م: يقول. ٢ م: خلاف المستقر. ٣ ديوانه ص٥٨ وسر الصناعة ١: ٩٧ والإنصاف ص٨١٦ وشرح الشافية ١: ١٩٤ وشرح شواهده ص٩٥ وشرح الملوكي ص٢٦٩ وشرح المفصل ٥: ٥٨ والخزانة ٣: ٣٢٤-٣٢٦. وأغدو: أذهب صباحًا. والأشقر: فرس حمرته صافية. ويغتال: يقطع بسرعة فائقة. ٤ سر الصناعة ١: ٩٧ والخزانة ٣: ٣٢٥ وشرح المفصل ٥: ٥٨. وجاشت: اضطرمت. والحوالب: منابع العرق. والبطاحي: جمع بطحاء والرغاب: الواسعة. ٥ القراء: الناسك المتعبد. ٦ سقط "في الجمع" من م. ٧ سقط من م. ٨ ف: صحاريّ.
[ ٢١٩ ]
للتأنيث، كما١ ذكرنا في "حُبلَى" وأمثاله، ولم تثبتِ الياء ولا الواو للتأنيث، في موضع من المواضع.
فهذا٢ جميع ما أُبدلت فيه الهمزة من الألف، مَقيسًا ذلك فيه، وغيرَ مَقيس٣.
_________________
(١) ١ م: لما. ٢ م: هذا. ٣ في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة.
[ ٢٢٠ ]
باب إبدال الهمزة من الواو: ١
الواو٢ لا يخلو من أن تكون ساكنة أو متحرِّكة. فإن كانت متحرِّكة فلا يخلو من أن تكون أوَّلًا أو غير أوَّل. فإن كانت أوَّلًا فلا يخلو أن تكون وحدها، أو ينضاف إليها واو أُخرى. فإن انضاف إليها أُخرى أُبدلت الأُولى٣ همزةً، هروبًا من ثقل الواوين. وذلك نحو قولهم في جمع واصِل: أَواصِلُ٤. أصله "ووَاصِلُ" فقلبت الواو همزة. وكذلك أُوَلٌ أصله "وُوَلٌ"؛ لأنه "فُعَلٌ"٥ من لفظ أَوَّلَ، وأَوَّل فاؤه وعينه واو. فقُلبت الواو الأُولى همزة. ولا يجوز في هذا وأمثاله إِلَّا الهمز.
فإن كانت وحدها فلا يخلو٦ من أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة. فإن كانت مكسورة أو مضمومة جاز أن تُبدِل منها همزةً، فتقول في "وُعِدَ": أُعِدَ، وفي "وُقِّتَتْ": أُقِّتَتْ، وفي "وِسادة": إِسادة، وفي "وِعاء": إِعاء. وقد [٣٢ أ] قُرئ: "ثُمَّ استَخرَجَها مِن إِعاءِ أَخِيهِ"٧. وكذلك تَفعل بكلِّ واوٍ تقع أوَّلًا مكسورةً أو مضمومة.
وإنَّما فعلتَ ذلك، لثقل الضَّمَّة والكسرة في الواو. وذلك أنَّ الضَّمَّة بمنزلة الواو، والكسرة بمنزلة الياء. فإذا كانت الواو مضمومة فكأنه قد اجتمع واوان. وإذا كانت مكسورة فكأنه قد
_________________
(١) ١ سقط "باب" من ف. ٢ سقط من م. وانظر سر الصناعة ١: ١٠٤-١١٣ والكتاب ٢: ٣١٣. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك وغيره أحكام إبدال الواو همزة إذا كانت أوَّلًا أو حشوًا. انظر الارتشاف ١: ١٢٦-١٢٧. ٣ م: الأول. ٤ م: "قولهم أواصل في جمع واصل". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك: أُوَيصِل تصغير واصل أصله: وُوَيصِل. ٥ م: "وكذلك أولى أصله وولى لأنه فعلى". ومثله في سر الصناعة ١: ١١١ وفي نسخة الخفاف كما جاء في حاشية ف. ٦ م: فلا تخلو. ٧ الآية ٧٦ من سورة يوسف. وهذه قراءة سعيد بن جبير. انظر البحر المحيط ٥: ٣٣٢، حيث ذكر أبو حيان أن هذه لغة هذيل. وانظر المنصف ١: ٢٣٠.
[ ٢٢١ ]
اجتمع لك ياء وواو. فكما أنَّ اجتماع الواوين، والياء والواو١، مستثقل فكذلك اجتماع الواو والضمَّة، والواو والكسرة.
وزعم المازنيُّ٢ أنه لا يجوز همز الواو المكسورة بقياس، بل يُتَّبع في ذلك السماع. وهذا الذي ذهب إليه فاسد، قياسًا وسماعًا:
أمَّا القِياس فلِما ذكرنا من أنَّ الواو المكسورة بمنزلة الياء والواو، فكما يكرهون اجتماع الياء والواو، حتَّى يَقلِبونَ الواو إلى الياء، تَقَدَّمتْ أو تأخَّرتْ، فيقولون: "طَوَيتُ طَيًّا" والأصل "طَوْيًا"، ويقولون: "سَيِّدٌ" والأصلُ "سَيْوِدٌ". فكذلك ينبغي أن يكون النُّطقُ بالواو المكسورة مستثقلًا٣.
فإن قال قائل: هلَّا قِستم "وشاحًا" وأخواتِه على وَيح ووَيس وأمثالهما. فكما أنَّ الواو والياء إذا اجتمعتا في أوَّلِ الكلمة لم يوجب ذلك قلب الواو همزة، فكذلك الواو مكسورة. فالجواب أنَّ الواو المكسورة إنَّما تُشبه الواو الساكنة إذا جاءت بعدها ياء نحو طَيّ. وذلك أنَّ الحركة في النيَّة بعد الحرف. وسيقام الدليل على ذلك في موضعه. فالكسرة إذًا من وِشاح في النيِّة بعد الواو، وهي بمنزلة الياء، وتبقى الواو ساكنة. فكما أنه إذا كانت الواو قبل الياء، وكانت ساكنة، يجب إعلالها. نحو طَيّ، فكذلك يجب إعلال ما أشبهها، نحو: وِشاح.
فإن قيل: فهلَّا أُعلَّت بقلبها ياء، كما فُعل بها في طَيّ. فالجواب أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنَّ المقصود بالإعلال التخفيف، والكسرة في الياء ثقيلة، فأُعلَّت بإبدال الهمزة منها٤.
وأمَّا السماع فلأنهم ٥ قد قالوا: إسادةٌ وإشاح وإعاء وإفادة. وكثُرَ ذلك كثرةً، توجب القياس في كل واو مكسورة وقعت أوَّلًا.
وإنْ كانت مفتوحةً لم تُهمز إِلَّا حيثُ سُمِعَ؛ لأنَّ الفتحة بمنزلة الألف. فكما لا تُستثقَل٦ الألف والواو،٧ في نحو: عاوَدَ٨، وأمثاله فكذلك لا تُستثقل الواو المفتوحة. والذي سُمِع من
_________________
(١) ١ م: والواو والياء. ٢ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بنص، نقله من "الشرح الصغير" على الجمل لابن عصفور. وفيه أن مذهب المازني هو خلاف ما يذكره ابن عصفور هنا، وأن الجرميَّ هو الذي منع القياس في هذه المسألة. وفي الحاشية أيضًا بخطه أن أكثر النحاة على القياس في ذلك. وأن همز أحد وأناة شاذ باتفاق. وفي الارتشاف١: ١٢٧ أن همز المكسورة وعدم همزها مرويان عن الجرمي والمازني. ٣ م: مستقبلًا. ٤ سقط "فإن قال قائل هلا قستم بإبدال الهمزة منها" من م. ٥ ف: فإنهم. ٦ م: لا تستقبل. ٧ كذا، فهو يقيس الواو المفتوحة على اجتماع الألف والواو. والفتحة هناك هي بعد الواو، والألف هنا هي قبلها. وبين الوجهين ما ترى من الفارق. وانظر ما احتج به في قياس وشاح على طيّ ص٢٢٢. ٨ كذا بحمل الواو المفتوحة أوَّلًا على "عاود"، وسيحمل فيما بعد "عاود" على الواو المفتوحة أوَّلًا. انظر ص٢٢٣-٢٢٤.
[ ٢٢٢ ]
ذلك: أَجَمَ في "وَجَمَ"، و١ امرأة أَناةٌ وأصله "وناةٌ" من الوُنِيِّ وهو الفُتور، وأَحَدٌ في "وَحَدٍ"، وأسماءُ في "وَسماءَ".
فإن وقعت غير أوَّل فلا يخلو من أن تكون مكسورة أو مفتوحة أو مضمومة. فإن كانت مضمومة جاز إبدالها همزة، بشرط أن تكون الضَّمَّة لازمة، وألَّا يمكن تخفيفها بالإسكان. قالوا٢ في جمع نارٍ: "أَنْؤُرٌ"، ودارٍ: "أَدْؤُرٌ"، وثَوبٍ: "أَثْؤُبٌ". قال٣.
لِكُلِّ حالٍ، قَد لَبِستُ أَثؤُبا
وإنَّما قُلبت همزة لِما ذكرنا من استثقال الضَّمَّة في الواو، مع أنه لا يمكن تخفيفها بالإسكان، لئلَّا يؤدِّي ذلك إلى التقاء الساكنين. ولو أمكن ذلك لم تُبدل همزةً، نحو قولهم: سُوُر٤، في جمع سِوار.
فإن كانت الضَّمَّة غيرَ لازمة لم تُبدل الواو همزة، لا تقول: هذا "غَزْءٌ" تريد: هذا غَزْوٌ، ولا تقول: "لَؤُ استَطَعنا" تريد: لوُ استَطَعنا؛ لأنَّ الضَّمَّة في غزو إعراب، وفي واو "لو" لالتقاء الساكنين، وحركة الإعراب وحركة التقاء الساكنين عارضتان٥، فلا يُعتدُّ بهما.
وزعم ابن جنِّي أنه لا يجوز قلب الواو المضمومة همزة إذا كانت زائدة، وإن اجتمع الشرطان؛ فلا يقال: "التَرَهْؤُكُ" في مصدر تَرَهوَكَ. والسبب في ذلك عنده أنها إذا كانت أصليَّة فإنَّ تصريف الكلمة، أو اشتقاقها، يدلُّ على أنَّ الهمزة مبدلة من واو، ولا يُتصوَّر ذلك فيها إذا كانت زائدة. فلو أُبدلت لأدَّى ذلك إلى الإلباس، في بعض المواضع، فلم يُدرَ: أزِيدَتِ ابتداءً، أم زِيدَتِ الواو أوَّلًا ثمَّ أُبدلت الهمزة منها؟ فلمَّا كان إبدال الزائدة يؤدِّي إلى الإلباس، في بعض المواضع، رُفض إبدالها. وممّا يقوِّي هذا المذهب أنها لا تُحفظ من واو زائدة مبدلةً٦.
وإن كانت مفتوحةً لم يجز قلبُها أصلًا؛ لأنَّ قلبها في أوَّل الكلمة –كما ذكرنا- لا يُقاس.
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٢٣١-٢٣٢. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: جاء في الحديث: "فقد ذهبتْ أَبَلَتُه" –وذلك من الثقل والوخامة– وقولهم: استوبلت البلد. وانظر الفائق والنهاية "أبل". وبخطه أيضًا عن ابن الخشاب أن أناة تحمل على كونها من "ء ن ي"، وأحد من الوحدة مع ورود "أحِّدْ أحِّدْ"، وأبلة من الوبالة، وناقة أفْتٌ للسريعة فيه قلب مكاني وإبدال لأنه في الأصل فوت مصدر وصف به، فقدمت الواو وأبدلت همزة. قلت: الصواب أنَّ الأفت لا قلب فيه ولا إبدال. ٢ المنصف ١: ٢٨٤. ٣ معروف بن عبد الرحمن. الكتاب ٢: ١٨٥ والمقتضب ١: ٢٩ و١٣٢ و٢: ١٩٩ وسر الصناعة ص٨٠٤ وديوان حميد بن ثور ص٦١ ومجالس ثعلب ص٣٧١-٣٧٢ والمنصف ١: ٢٨٤ واللسان "ثوب" والعيني ٤: ٥٢٢. ٤ م: أسؤر. ٥ م: عارضتين. ٦ سقط "وزعم ابن جني أنه زائدة مبدلة" من م. وفي الارتشاف ١: ١٢٦-١٢٧ أن هذا الحكم خلاف لابن جني.
[ ٢٢٣ ]
[٣٢ ب] فإذا كانت لا تُهمز في أوَّل الكلمة إِلَّا حيث سُمِعَ، مع أنَّ أوَّلَ الكلمة طرف، فالتغيير إليه أسرع من التغيير إلى الحشو، فالأحرى ألَّا تنقلب١ حشوًا. فلا تقول في عاوَدَ: "عاءَدَ"، ولا في ضَوارِب: "ضآرِب". ولا يُحفظ من كلامهم شيء من ذلك.
فإن كانت مكسورةً، أو واقعة موقعَ حرف مكسور، فلا يخلو أن تقع بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد أو لا تقع. فإن٢ لم تقع بعدها لم تُهمز. وهي في مثل قائم بدل من ألف لا من واو. فإن وقعت بعدها فلا يخلو أن يكون قبل الألف ياء أو واو أو لا يكون. فإن كان٣ قبلها واو أو ياء لزم قلب الواو همزة، إن كانت تلي الطرف. فتقول في جمع أوَّل: أَوائلُ، وفي جمع سَيِّد: سَيائدُ. والأصل "أَواوِل" و"سَياوِد"، فقُلبت الواو همزة لاستثقال الواوين والألف، أو الياء والواو والألف، وبناء الجمع الذي لا نظير له في الآحاد.
هذا مذهب جمهور النحويين، إِلَّا أبا الحسن الأخفش، فإنه كان لا يهمز من ذلك إِلَّا ما كانت الألف منه بين واوين، ويجعل ذلك نظيرًا للواوين إذا اجتمعا في أوَّل الكلمة. فكما أنك تهمز الأُولى منهما للعِلَّة التي تقدَّم ذكرها. فكذلك تهمز الواو الآخرة في أوائل وأمثاله. ولا يرى مثل ذلك، إذا اجتمعت ياءان أو واو وياء. ويقول: لأنه إذا التقى الياءان أو الياء والواو أوَّلًا، نحو بَيْن اسم موضع، ووَيل ويَوم، لم يلزم الهمز. فكذلك لا يُهمز عنده مثل: سَيائق٤ وسَيائد٥.
ما لم تَصِحَّ الواو في المفرد، في موضع ينبغي أن تعتلَّ٦ فيه، أو تكونُ الواو في نيَّة ألَّا تَلِيَ الطرف، فإنها تصحُّ إذ ذاك ولا يجوز أن تُبدل منها الهمزة. فتقول٧ في جمع ضَيْوَنٍ٨: ضَياوِنُ. ولا تقلب الواو همزةً لصحَّة الواو في ضَيْوَن، إذ قد٩ كان ينبغي أن يكون ضَيَّنًا وتقول١٠ في جمع عُوَّارٍ١١، إذا قَصرته للضرورة: عَواوِرُ؛ لأنَّ الأصل فيه "عَواوِير"، فلا تكون
_________________
(١) ١ م: "ألا يقلب". وقد حمل ههنا الواو حشوًا عليها أوَّلًا، وكان قد حمل قبلُ الواو أوَّلًا عليها حشوًا، انظر ص٢٢٢-٢٢٣. ٢ سقط حتى "لا من واو" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف عن نسخة الخفاف. ٣ المنصف ٢: ٤٣-٤٦. ٤ السيائق: جمع سيّقة. وهي ما سيق من النهب وطرد. ٥ سقط: "هذا مذهب جمهور النحويين.. وسيائد" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. والسيائد: جمع سيّد وسيّدة. وانظر آخر هذا الباب. ٦ م: تعمل. ٧ المنصف ٢: ٤٦-٤٦. ٨ الضيون: السنَّور الذكر. ٩ م: "إذ وقد". وانظر ص١٥٠ و٢٠٤ و٢٢٤ و٣٢٩ و٤٣٠. ١٠ المنصف ٢: ٤٧-٥٠. ١١ العوار: القذى أو الرمد.
[ ٢٢٤ ]
الواو تلي الطرف في التقدير. قال١:
وكَحَّلَ العَينَينِ، بالعَواوِرِ٢.
فلم تُهمز لأنَّ الأصل "العواوير".
وإن كانت الواو لا تَلي الطرف لم تهمز أصلًا نحو: عواوير في جمع عُوَّار، وطَواوِيس في جمع طاووس؛ لأنها قد قَويت ببُعدها عن محلِّ التغيير. وهو الطَّرفُ. إِلَّا أن تكون في نيَّة أن تَلِيَ الطَّرف، فإنه يلزمُ همزُها. وذلك نحو: أوائيل٣ في جمع أوَّل، إذا اضطُررت إلى زيادة هذه الياء قبل الآخِر في الشعر؛ لأنَّ هذه الياء زِيدت للضَّرورة فلم يُعتدَّ بها.
فإن لم يكن قبل الألف واو، ولا ياء، فلا يخلو من أن تكون الواو في المفرد زائدة للمدِّ أو لا تكون. فإن كانت زائدة للمدِّ قُلبتْ همزة، نحو: حَلُوبة٤ وحَلائب. وسبب ذلك أنها اجتمعت ساكنةً مع ألف الجمع، ولا أصل لها في الحركة فتُحَرَّكَ، فأُبدلت همزةً؛ لأنَّ الهمزة تَقبلُ الحركة.
وإن لم تكن زائدةً للمدِّ لم تُقلب همزةً أصلًا، إِلَّا حيث سُمع شاذًّا. والذي سُمع من ذلك: أَقائيمُ٥ في جمع أَقوام. وأصله "أَقاويم"، فأُبدل من الواو المكسورة همزة، وإن كانت غير أوَّل، تشبيهًا لها بالواو المكسورة إذا وقعت أوَّلًا.
وأمَّا مَصائبُ في جمع مُصِيبة فكان القياس فيها "مَصاوِب"، على ما يُبيَّن في باب القلب٦.
فإمَّا أن يكونوا همزوا الواو المكسورة غير أوَّلٍ شذوذًا، فتكون مثل أقائيم في جمع أقوام –وهو مذهب الزَّجَّاج- وإمَّا أن يكونوا غَلِطوا فشبَّهوا ياء مُصيبة، وإن كانت عينًا، بالياء الزائدة في نحو صحيفة، فقالوا: مَصائب، كما قالوا: صَحائف. وهو مذهب سيبويه٧. والأوَّلُ أَقيسُ عندي؛ لأنَّه قد ثَبَت له نظيرٌ. وهو أَقائيم٨.
فإن٩ لم تقع بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، أو وقعت بعدها في غير الأماكن.
_________________
(١) ١ جندل بن مثنى الطهوي. الكتاب ٢: ٣٦٤ والمنصف ٢: ٤٩ والخصائص ١: ١٩٥ و٣: ١٦٤ و٣٢٦ وشرح الشافية ٣: ١٣١ وشرح شواهده ص٣٧٤-٣٧٦. ٢ م: بالعواوير. ٣ في النسختين: أوائل. ٤ الحلوبة: ذات الحليب من الأنعام. م: حُلوبه. ٥ م: أقائم. ٦ انظر ص٣٢٣. ٧ الكتاب ٢: ٣٦٧. ٨ م: أقائم. ٩ سقط من م حتى قوله "إبدال الهمزة من الألف".
[ ٢٢٥ ]
المذكورة، لم تُهمز أصلًا، بلا خلاف في شيء من ذلك. إِلَّا أن تقع بعد ألف زائدة، في اسم مفرد يوافق الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، في الحركات وعدد الحروف، وقد تقدَّم الألفَ ياءٌ أو واو، فإنَّ في ذلك خلافًا. فمذهب سيبويه إجراء ذلك مُجرى الجمع لقربه منه، فتُبدل الواو همزة. ومذهب الزَّجَّاج أنه لا يجوز إبدالها لأنَّ الاسم مفرد، وإنَّما ثَبَتَ إبدالها في المجموع. فتقول في "فُواعِل" من القوَّة، على مذهب سيبويه:" قُواءٍ". وعلى مذهب الزَّجَّاج: "قُواوٍ". وهذا النوع لم يَرِد به سماع، لكنَّ القياس يقتضي ما ذهب إليه سيبويه. أعني من١ أنه إذا قوي الشبه بين شيئين حُكِم لكلِّ واحد منهما بحكم الآخر.
فأمَّا قائم وأمثاله فمن قَبيل ما أُبدلت فيه الهمزة من الألف، وقد تقدَّم ذلك في فصل٢ إبدال الهمزة من الألف.
فإن كانت الواو ساكنةً لم تُهمز إِلَّا في ضرورة، بشرط أن يكونَ ما قبلها حرفًا مضمومًا، فتُقدَّر الضَّمَّة على الواو، فتُهمز كما تُهمز الواو المضمومة. فتقول [٣٣ أ] في الشعر في٣ مثل مُوعِد: مُؤعِدٌ. قال٤:
أَحَبُّ المُؤقِدِينَ إليَّ مُؤسَى [وجَعْدةُ، إِذ أضاءهُما الوَقُودُ]
_________________
(١) ١ كذا. ٢ كذا. ٣ سقط من م. ٤ خرجناه في ص٦٩. وفي حاشية ف بخط أبي حيان. لَحَبَّ المؤقِدانِ إليَّ مُوسَى وجَعْدةُ، إذ أضاءهُما الوَقُودُ
[ ٢٢٦ ]
باب إبدال الهمزة من الياء:
الياء١ تُبدل همزةً باطِّراد، إذا وقعت بعد الألف التي في الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، في مذهب سيبويه٢، بشرط أن تكون قد زيدت في المفرد للمدِّ، نحو: صَحِيفة وصَحائف وكَتِيبة وكَتائب.
فإن لم تكن الياء زيدت٣ في المفرد للمدِّ لم تُهمز، إِلَّا بشرط أن تكون تلي الطرف لفظًا أو نيَّة، وبشرط أن يكون ألف الجمع يلي واوًا أو ياءً. فتقول٤ في جمع عَيِّلٍ٥: عَيائل، فتهمز لثقل البناء مع ثقل اجتماع حروف العلَّة –وهي الياءان٦ والألف– مع قرب الياء من محلِّ التغيير. وهو الطرف. وكذلك لو اضطُرِرتَ فقلتَ في جمعه٧: عَيائيل، فزدت ياءً لَهمزتَ؛ لأنَّ الياء في النِّيَّة تلي للطرف، ولا يُعتدُّ بالياء المزيدة لأنها عارضة في الجمع، إنَّما أُتي بها للضرورة. فإذا زالت من محلِّ الضرورة حذفتَ الياء. قال الشاعر٨:
فِيها عَيائيلُ أُسُودٍ، ونُمُرْ
فهمز.
وكذلك لو بنَيتَ٩ "فَوعَلًا" من البَيع لقلت: بَيَّعٌ. أصله "بَويَعٌ"، فقلبتَ الواو ياء لأجل الإدغام. فإذا جمعته قلت: بَوائعُ، فتهمز الياء لما ذكرنا من ثقل البناء، وثقل اجتماع حروف
_________________
(١) ١ انظر سر الصناعة ١: ١٠٤-١١٣ والكتاب ٢: ٣١٣. ٢ سقط "في مذهب سيبويه" من النسختين وأُلحق بحاشية ف بخط أبي حيان. ٣ م: مزيدة. ٤ المنصف ٢: ٤٣-٤٥. ٥ العيل: واحد العيال. وهي الأولاد الذين يعال بهم. ٦ م: الياء. ٧ ف: "في جمع". وألحق في الحاشية "عيل". ٨ حكيم بن معية الربعي. الكتاب ٢: ١٧٩ وشرح أبياته ٢: ٣٩٦ والمخصص ١١: ٧ والمقتضب ٢: ٢٠٣ وشرح المفصل ٥: ١٨ و١٠: ٩١ وشرح الشافية ٣: ١٣٢ وشرح شواهده ص٣٧٧-٣٨١. وروي: عياييل. ٩ المنصف ٢: ٤٤.
[ ٢٢٧ ]
العلَّة –وهي الياء والواو والألف- مع القرب من محل التغيير. وهو الطرف. وكذلك لو اضطررت فزدت ياء قبل الآخر، فقلتَ: بَوائيعُ، لهمزت لأنَّ الياء عارضة كما تَقَدَّم.
ولو جمعتَ مثل "بَيَّاع" لقلت "بَيايِيعُ"١، ولم تهمز. وإن قدَّرتَ بَيَّاعًا: "فَوعالًا" قلت: بَوايِيعُ، ولم٢ تهمز أيضًا لبعد الياء من الطرف لفظًا ونيَّةً.
وزعم ٣ أبو الحسن الأخفش أنه لا يجوز قلب الواو همزة، إِلَّا إذا اكتنف ألفَ الجمع واوان٤، نحو أوَّل وأوائل. فأمَّا إن اكتنفها ياءان، أو واو وياء، فلا يحوز عنده قلب حرف العلَّة الذي بعد الألف. بل يقول في جمع "فَوعَل" من البيع: بَوايِعُ، وفي جمع بَيَّن: بَيايِنُ، وفي جمع سيِّد المتقدِّم في فصل٥ الواو: سَياوِدُ. وحجَّته على ذلك أنَّ الواوين أثقل من الياءين، ومن الواو والياء، والقلبُ لم يُسمع إِلَّا في الواوين، نحو قولهم في جمع أوَّل: أوائلُ. فلا يقاس عليه ما ليس من رتبته من الثقل.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد، بدليل ما حكاه المازنيُّ عن الأصمعيِّ. من قولهم في جمع عَيِّل: عَيائلُ بالهمزة، ولم تكتنف ألفَ الجمع واوان. فدلَّ ذلك على أنَّ العرب استثقلت في هذا وأمثاله اكتناف ألف الجمع حرفا علَّة.
فإن قال قائل: فلعلَّ قولهم في [جمع] عَيِّل: "عَيائلُ" شاذّ. لذلك لم يُسمع من ذلك إِلَّا هذه اللفظة، فلا ينبغي أن يقاس عليه. فالجواب أنه، وإن لم يُسمع منه إِلَّا هذه اللفظة، لا ينبغي أن يُعتقد فيه الشذوذ؛ لأنه لم يرد له نظير غير مهموز،٦ فيُجعلَ الهمز في هذا شذوذًا. بل جميع ما أتى من هذا النوع هذا اللفظُ –وهو مهموز- فكان جميع ما أتى من هذا الباب مهموزًا. إذ هذا اللفظ هو جميع ما أتى من هذا الباب.
وقد جعل أبو الحسن مثل هذ أصلًا يقاس عليه. وذلك أنه قال في النسب إلى فَعُولة: "فَعَلِيّ"٧، نحو: رَكَبِيّ في النسب إلى رَكُوبة، قياسًا على قولهم في النسب إلى شَنُوءة: شَنَئيَ. ثم أورد اعتراضًا على نفسه فقال: فإن قال قائل: فإنَّ قولهم [شَنَئيّ] شاذّ، فلا ينبغي أن
_________________
(١) ١ م: بيائيع. ٢ ف: فلم. ٣ سقط من م حتى قوله "ولا موافقًا أصلًا يقاس عليه". وانظر ص٢٢٤ والمنصف ٢: ٤٥-٤٦. ٤ في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك مذهب الأخفش، مع جمعه صايدة على صوايِد، وبنائه مثل عُوارض من القول "قُواوِل" لأنه في مفرد لا جمع. ٥ كذا. والصواب: باب. ٦ كذا أيضًا. وقالوا: أيِّم وأيايم، وأيِّل وأيايل، وفي جمع عيِّل عيايل. ٧ كذا. وهو مذهب سيبويه لا الأخفش. انظر الكتاب ٢: ٧٠ وشرح الشافية ٢: ٢٣ وشرح المفصل ٥: ١٤٨ وحاشية الصبان ٤: ١٣٤.
[ ٢٢٨ ]
يقاس عليه إذ لم يجئ غيره. فالجواب أنه جميع ما أتى من هذا النوع. فجعله، لمّا لم يأت غيره مخالفًا له ولا موافقًا، أصلًا يقاس عليه.
فهذا جميع ما تُبدل فيه الياء همزة باطِّراد. فأمَّا مثل بائع ورِداء فإنَّ الهمزة فيهما١ وأمثالهما بدل من ألف، وإن كان الأصل "بايِع" و"رِداي" كما تَقَدَّمَ.
وأُبدلت منها، من غير اطِّراد، في: أَدْيٌ. وأصله "يَدْيٌ"، فردَّ اللَّام، ثمَّ أُبدلت الياء همزةً. حُكي من كلامهم: قَطَع الله أَدْيَه. وقالوا: في أسنانِه ألَلٌ. وأصله يَلَلٌ٢، فأبدلوا الياء همزة. وقالوا: رِئبال. وأصله رِيبال٣، فأُبدلت الياء همزة. وكذلك قالوا: الشِّئمة، يريدون٤ الشِّيمة -ومعناها الخليقة- فأبدلوا أيضًا الياء همزة.
وإنَّما جعلنا الهمزة في أَلَل ورِئبال والشِّئمة٥ [٢٣ ب] بدلًا من الياء، ولم تُجعل أصلًا بنفسها؛ لأنَّ الأكثر في كلامهم: يَلَلٌ ورِيبال وشِيمة٦ بالياء، واستعمال هذه الأسماء بالهمزة قليل. فدلَّ ذلك على أنَّ الهمزة بدل، وأنَّ الياء هي الأصل.
فهذا [أيضًا] ٧ جميعُ ما جاءت فيه الهمزة بدلًا من الياء، على غير اطِّراد.
_________________
(١) ١ كذا. والضمير يعود على "مثل". ٢ اليلل: قصر الأسنان والتزاقها وإقبالها إلى داخل الفم. ٣ الريبال: الأسد. ٤ في النسختين: يريد. ٥ الحق في حاشية ف: وضئزى. ٦ ألحق بعدها في ف: "وضيزى". والقسمة الضيزى: الناقصة الجائرة. ٧ من م.
[ ٢٢٩ ]
باب إبدال الهمزة من الهاء:
أُبدلت الهمزة من الهاء١ في ماء. وأصله "مَوَهٌ"، فقلبت الواو ألفًا والهاء همزة. والدليل على ذلك قولهم في الجمع: أَمواهٌ. وقد أُبدلت الهاء أيضًا٢ همزة في جمع ماء٣، فقالوا: أَمواءٌ. قال٤:
وبَلدةٍ، قالِصَةٍ أَمواؤُها تَستَنُّ، في رأْدِ الضُّحَى، أَفياؤُها
وإنَّما جُعلت الهاء هي الأصل؛ لأنَّ أكثر تصريفِ الكلمة عليها. قالوا: أَمواهٌ ومِياهٌ، وماهَتِ٥ الرَّكِيَّةُ. إلى غير ذلك من تصاريفها.
وأُبدلتْ أيضًا منها في آل. أصله أَهْل، فأبدلت الهاء همزة فقِيل "أَأْل"، ثمَّ أُبدلت الهمزة ألفًا فقيل: آلٌ.
فإن قيل: فهلَّا جعلتَ الألف بدلًا من الهاء أوَّلًا. فالجواب أنه لم يَثبت إبدال الألف من الهاء في غير هذا الموضع، فيُحملَ هذا عليه. وقد ثَبَتَ إبدال الهمزة من الهاء في ماء، فلذلك حُمل آلٌ على أنَّ الأصل فيه أهل، ثمَّ "أأْل" فأبدلت الهاء همزة.
فإن قيل: وما الذي يدلُّ على أنَّ الأصل أهل، وهلَّا جعلتَ الألف منقلبة عن واو. فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على ذلك قولُهم في التصغير: أُهَيلٌ. ولو كانت الألف منقلبة عن واو لقيل في تصغيره٦ "أُوَيلٌ". وممَّا يؤيِّد٧ أنَّ الأصل أَهلٌ أنهم إذا أضافوا إلى المضمر قالوا: أَهلُكَ وأَهلُهُ.
_________________
(١) ١ انظر المنصف ٢: ١٤٩-١٥٢ وسر الصناعة ١: ١١٣-١٢٠. ٢ م: وأبدلت أيضًا الهاء. ٣ ف: الماء. ٤ سر الصناعة ١: ١١٣ والمنصف ٢: ١٥١ ورصف المباني ص٨٤ والمخصص ١٥: ١٠٦ واللسان والتاج "موه" وشرح الشافية ٣: ٢٠٨ وشرح شواهده ٤٣٧-٤٤٠. والقالصة: المفقودة. وتستنَّ: تجري في السنن. وهو وجوه الطريق. ورأد الضحى: ارتفاع النهار. والأفياء: جمع فيء. يريد: ليس فيها ماء ولا ظل. ٥ ماهت: ظهر ماؤها وكثر. ٦ م: التصغير. ٧ م: ومما يؤكد.
[ ٢٣٠ ]
لأنَّ المضمر يردُّ الأشياء ١ إلى أصولها. ولا يقال: آلُكَ وآلُه، إِلَّا قليلًا جدًّا، نحو قوله٢:
وانصُرْ، عَلى دِينِ الصَّلِيـ ـبِ، وعابِدِيهِ، اليَومَ، آلَكْ
وقول الآخر ٣:
أنا الرَّجُلُ الحامِي حَقِيقةَ والِدِي وآلِي، كَما تَحمِي حَقِيقةَ آلِكا
ونحو قول الكِنانِيِّ: رَجلٌ من آلِكَ وليس منك.
وممّا ٤ يدلُّ، على أنَّ الألف في آل بدل من الهمزة المبدلة من الهاء، أنَّ العرب تجعل اللفظ فيه بدل من بدل مختصًّا بشيء بعينه؛ ألا ترى أنَّ تاء القَسَم لمّا كانت بدلًا من الواو المبدلة من باء القسم لم تدخل إِلَّا على اسم "الله" –تعالى- ولم تدخل على غيره من الأسماء الظاهرة، ولا دخلت أيضًا على مضمر؟
وكذلك: أَسنَتَ الرَّجلُ. لمّا كانت التاء فيه بدلًا من الياء المبدلة من الواو؛ لأنَّ "أسنَتَ" من الفظ السَّنة، ولام سنة واو٥ بدليل قولهم في جمعها: سنوات، جعلوها مختصَّة بالدخول في السنة الجدبة، وقد كان "أسنَى" قبل ذلك عامَّة، فيقال: أسنَى الرَّجلُ، إذا دخل في السنة، جدبة أو غير جدبة.
فكذلك آل. لمّا لم يُضف إِلَّا إلى الشريف، فيقال: آل اللهِ وآلُ السلطانِ، بخلاف "الأهل" الذي يُضاف إلى الشريف وغيره، دلَّ ذلك [على] أنَّ الألف فيه بدل من الهمزة المبدلة من الهاء، كما تَقَدَّمَ. وإنَّما خصَّت العرب ما فيه بدل من بدل بشيء؛ لأنه فرعُ فرعٍ، والفروع لا يُتصرَّف فيها تصرُّف الأصل، فكيف فرعُ الفرع؟
وأُبدلت أيضًا من الهاء في "هَلْ"، فقالوا: أَلْ فَعلتَ كذا؟ [يريدون: هل فعلتَ كذا]؟ ٦ حكى ذلك قُطربٌ٧ عن أبي عُبيدة. والأصل "هل" لأنه الأكثر.
_________________
(١) ١ م: الأسماء. ٢ عبد المطلب جد النبي، ﷺ. الأشباه والنظائر ٢: ٢٠٧ وشرح التسهيل ٣: ٣٤٤ وهمع الهوامع ٢: ٥٠ والدرر اللوامع ٣: ٦٢ والتاج "أهل". وهو من أبيات قالها يوم غزا الأحباش مكة. السيرة ١: ٥١ والكامل ١: ١٥٩. ٣ خفاف بن ندبة. ديوانه ص٦٤ وشرح التسهيل ٣: ٢٤٤ والمساعد ٢: ٣٤٧ وشرح الكافية الشافية ص٩٥٤ والخزانة ٢: ٤٧١. م: آلك. ٤ سقط من م حتى قوله "فكيف فرع الفرع ". ٥ وقيل: إنها تاء. ٦ من م. ٧ محمد بن المستنير النحوي، أخذ عن سيبويه وكان عالِمًا ثقة، توفي سنة ٢٠٦. إنباه الرواة ٣: ٢١٩.
[ ٢٣١ ]
وأُبدلت أيضًا من الهاء في "هذا"، فقالوا: آذا. قال١:
فقالَ فَرِيقٌ: آأَذا، إِذ نَحَوتُهم، نَعَم، وفَرِيقٌ: لَيمُنُ اللهِ ما نَدرِي
أراد "أهذا" فقلب الهاء همزة، ثمَّ فصل بين الهمزتين بألف.
فأمَّا قولهم: تُدْرأٌ وتُدْرَةٌ، للدَّافع عن قومه فليس أحدُ الحرفين فيهما بدلًا من الآخر، بل هما أصلان بدليل مجيء تصاريف الكلمة عليهما. فقالوا: دَرأهُ ودَرَهَهُ ومِدْرأٌ٢ ومدْرَهٌ.
_________________
(١) ١ نصيب بن رباح. ديوانه ص٩٤ والأزهية ص٢١ وتخليص الشواهد ص٢١٩ ورصف المباني ص٤٣ والمقتضب ١: ٢٢٨ و٢: ٩٠ و٣٣٠ والأمالي ٢: ٢٠٨ والمغني ص١٠١ وشرح شواهده ص١٠٤ وشرح أبياته ٢: ٢٦٨ والكتاب ٢: ١٤٧ وشرح أبياته ٢: ٢٨٨ وشرح بانت سعاد ص٣٢-٣٣ والصناعتين ص٣٤١ ونقد الشعر ص١٤٩ وتهذيب الإيضاح ١: ١٤٤ والمنصف ١: ٥٨ وسر الصناعة ١: ١٢٠ و١٣٠ والإنصاف ص٤٠٧ والصحاح واللسان والتاج "يمن". ويلاحظ أنه خفف فأسقط الألف بعد الهاء. ونحوتهم: قصدتهم. ونعم أي: وقال فريق: نعم. وما ندري أي: ما عندنا علم بذلك. ٢ م: درأة ودُرهة ومُدرأ.
[ ٢٣٢ ]
باب إبدال الهمزة من العين:
لم يجئ من ذلك إِلَّا قولُهم:١ أُبابٌ، في قولهم: عُباب. والأصل العين لأنَّ عُبابًا أكثر استعمالًا من أُباب. قال٢:
أُبابُ بَحْرٍ، ضاحِكٍ زَهُوقِ
_________________
(١) ١ سر الصناعة ١: ١٢١. وفيه يرى ابن جنِّي أنَّ الوجه الأرجح أن تكون الهمزة في "أباب" أصلًا. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أنَّ من هذا الإبدال نحو "عما" في "أما". وانظر الارتشاف ١: ١٣٠. ٢ سر الصناعة ١: ١٢١ وشرح الشافية ٣: ٢٠٧ وشرح شواهده ص٤٣٢-٤٣٦ والمفصل ٢: ٢٥٤ وشرحه ١٠: ١٥ والأشموني ٤: ٢٩٧ والمقرب ٢: ١٦٤ واللسان والتاج "أبب". م: "أباب مجر". وفي النسختين: "ضاحك زخور". والتصويب من المفصل. والعباب: ارتفاع الموج وكثرته. وقوله ضاحك كناية عن امتلائه. والزهوق: المرتفع. ويُروى: "هزوق" وهو المستغرق في الضحك.
[ ٢٣٣ ]
باب الجيم:
وأمَّا الجيم١ فأُبدلت من الياء لا غيرُ، مُشدَّدةً ومُخفَّفةً. فيُبدلون من الياء المشدَّدة جيمًا مشدَّدة، ومن الياء المخفَّفة [٣٤ أ] جيمًا مخفَّفة.
فمن البدل من الياء المشدَّدة ما أنشده الأصمعيُّ عن خَلَفٍ٢، قال: أَنشدني رجلٌ من أهل البادية٣:
خالِي عُوَيفٌ، وأبُو عَلِجِّ المُطعِمانِ اللَّحمِ، بالعَشِجِّ
وبالغَداةِ، فِلَقَ البَرنِجِّ٤
يريد: وأبو عليٍّ، وبالعَشِيِّ وفِلَقَ البَرنِيِّ ومنه أيضًا ما حكاه٥ أبو عمرِو بنُ العلاء من أنه لقي أعرابيًّا [كان حنظليًّا] ٦، فقال له: ممَّن أنتَ؟ فقال: فُقَيمِجّ. فقال له: مِن أيِّهم؟ فقال: مُرِّجّ. يريد: فُقَيمِيّ، ومُرِّيّ.
وهو مطَّرد في الياء٧ المشدَّدة. قال يعقوب٨ "وبعض العرب إذا شَدَّد الياء صَيَّرَها جيمًا. وأنشد
_________________
(١) ١ سر الصناعة١: ١٩٢-١٩٥ والكتاب ٢: ٣١٤. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن الإبدال لأبي الطيب١: ٢٥٨ أن هذا الإبدال في بني دبير وتميم وطيئ بخلاف بينهم. انظر ص٢٦٦ من ابن عصفور والتصريف. ٢ هو أبو محرز خلف بن حيان الأحمر، راوية علامة بالشعر واللغة، توفي في حدود ١٨٠. بغية الوعاة ١: ٥٥٤. ٣ سر الصناعة ١: ١٩٢ وشرح الملوكي ص٢٤٨ و٣٢٩ والتصريف الملوكي ص٥٠ والمقرب ٢: ٢٩ والمنصف ٢: ١٧٨ و٣: ٧٩ وشرح الشافية ٢: ٢٨٧ وشرح شواهده ص٢١٢-٢١٥ والكتاب ٢: ٢٨٨ والمفصل ٢: ٢٦٥ وشرحه ٩: ٧٤ و١٠: ٥٥ والعيني ٤: ٥٨٥ وشمس العلوم ١: ١٥ والإبدال ١: ٢٥٧. وألحق أبو حيان بحاشية ف بالرجز بيتًا رابعًا، وذكر عن شيخه الرضي عن الفراء أن بعض بني أسد يقول في مَسجِد: مَسْيِد. ٤ الغداة: الصباح. والبرني: ضرب من التمر. ٥ الأمالي ٢: ٧٧ والإبدال ١: ٢٥٩. وأبو عمرو هو زبان بن العلاء الخزاعي المازني، أحد القراء السبعة وحافظ للغة والأخبار، توفي سنة ١٥٤. غاية النهاية ١: ٢٨٨. ٦ تتمة من حاشية ف بخط أبي حيان. ٧ م: الجيم. ٨ القلب والإبدال ص٢٩. ويعقوب هو ابن إسحاق ويعرف بابن السكيت، إمام في اللغة والنحو والأدب. توفي سنة ٢٤٥. البلغة ص٢٨٨.
[ ٢٣٤ ]
ابن الأعرابيِّ١:
كأنَّ في أذنابِهِنَّ الشُّوَّلِ مِن عَبَسِ الصَّيفِ، قُرُونَ الأُجَّلِ
يريد: الأُيَّل.
ومن إبدال الجيم من الياء المخفَّفة٢ ما أنشده أبو عمرِو بنُ العلاء، لهِميان بن قُحافة من قوله٣:
يُطِيرُ عَنها الوَبَرَ، الصُّهابِجا
يريد: الصُّهابِيَ، من الصُّهبة. وأصلُه الصُّهابِيَّ، فحذف٤ إحدى الياءين. ومن ذلك ما أنشده الفرَّاءُ من قول الشاعر٥:
لاهُمَّ، إِن كُنتَ قَبِلتَ حَجَّتِجْ فلا يَزالُ شاحِجٌ يأتِيكَ بِجْ
أَقمَرُ، نَهَّاتٌ، يُنَزِّي وَفرَتِجْ
يريد: حَجَّتي، ويأتيكَ بِي، ويُنَزِّي وَفرَتِي.
ومن ذلك أيضًا قولُهُ٦:
حَتَّى إِذا ما أَمسَجَتْ، وأَمسَجا
يريد: "أَمسَيَتْ وأَمسَيا"٧، فأبدل من الياء جيمًا ولم يُبدلها ألفًا. وهو غيرُ مطَّرد في الياء الخفيفة، بل يوقف في ذلك عند السماع٨.
_________________
(١) ١ لأبي النجم. سر الصناعة ١: ١٩٣ والأمالي ٢: ٧٨ وشمس العلوم ١: ١٥ والإبدال ١: ٢٥٩ وشرح الشافية ٣: ٢٢٩ وشرح شواهده ص٤٨٥ والمفصل ٢: ٢٦٥ والسمط ص٧١٢ واللسان والتاج "عبس" و"أجل" و"أول" و"شول". والشوّل: الأذناب المرتفعة. والعبس: ما يبس على هلب الذنب من البول والبعر. والأيل: ذكر الأوعال. وابن الأعرابي هو أبو عبد الله محمد بن زياد، إمام في اللغة والنحو والأخبار، توفي سنة ٢٣١. البلغة ص٢٢١. ٢ م: الخفيفة. ٣ الأمالي ٢: ٧٧ والإبدال ١: ٢٦٠ والسمط ص٧١٢ وسر الصناعة ١: ١٩٣ وشرح شواهد الشافية ص٢١٦ واللسان والتاج "صهب" و"صهبج". ٤ ف: فخفف بحذف. ٥ رجل من اليمن. النوادر ص١٦٤ ومجالس ثعلب ص١٤٣ وسر الصناعة ١: ١٩٣ والإبدال ١: ٢٦٠ والمفصل ٢: ٢٦٦ وشرحه ٩٠: ٧٥ و١٠: ٥٠ والدرر ٢: ٢١٤ والمحتسب ١: ٧٥ والعيني ٤: ٥٧٠ وشرح الشافية ٢: ٢٨٧ وشرح شواهده ص٢١٥-٢١٨ واللسان والتاج "ج". ولا هم أي: اللهم. والشاحج: الحمار أو البغل. والأقمر: الأبيض. والنهات: النهاق. وينزي: يحرك. والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن. وكنى بالوفرة عن نفسه. ٦ العجاج. ديوانه ٢: ٢٩٨ وشرح شواهد الإيضاح ص٦٢٧ والمقرب ٢: ١٦٦ والتصريف الملوكي ص٥١ وشرحه ص٣٢٩ و٣٣١ وسر الصناعة ١: ١٩٤ والمفصل ٢: ٢٦٦ وشرح الشافية ٣: ٢٣٠ وشرح شواهده ص٤٨٦-٤٨٧ وشمس العلوم ١: ١٥ واللسان والتاج "مسي" والعيني ٤: ٥٧٠. ٧ م: وأمسينا. ٨ قال البغدادي: "وذهب ابن عصفور في كتاب الضرائر إلى أن إبدال الياء الخفيفة جيمًا خاص بالشعر. ولم أره لغيره". شرح شواهد الشافية ص٢١٦ وضرائر الشعر ص٢٣١-٢٣٢.
[ ٢٣٥ ]
باب الدال:
وأمَّا الدال١ فأُبدلت من التاء والذال. فأُبدلت من تاء "افتَعَلَ" باطِّراد، إذا كانت الفاء زايًا. فتقول في "افتَعَلَ" من الزَّينِ: ازدانَ، ومن الزُّلفَى: ازدَلَفَ، ومن الزَّجرِ: ازدجَرَ، ومن الزِّيارة: ازدارَ. والأصل "ازتانَ" و"ازتَجَرَ" و"ازتَلَفَ" و"ازتارَ"، فرفضوا الأصل وأبدلوا من التاء دالًا.
والسبب في ذلك أنَّ الزاي مهجورةٌ والتاء مهموسة، والتاء شديدة والزاي رخوة، فتباعد ما بين الزاي والتاء، فقرَّبوا أحد الحرفين من الآخر ليقرب النطق بهما، فأبدلوا الدال من التاء؛ لأنها٢ أخت التاء في المخرج [والشِّدَّة] ٣، وأختُ الزاي في الجَهر.
وكذلك تُبدل فيما تَصرَّف من "افتَعَلَ". فتقول: مُزدَلِفٌ ومُزدَجِرٌ ومُزدانٌ ومُزدارٌ، وازدِجارٌ وازدِيانٌ وازدِيارٌ وازدِلافٌ. ومن كلام ذي الرُّمَّة في بعض أخباره٤. هل عِندَكَ مِن ناقةٍ فتَزدار عليها مَيًّا؟
وكذلك٥ أيضًا تبُدل منها، إذا كانت الفاء دالًا. إِلَّا أنَّ ذلك من قَبيل البدل الذي يكون للإدغام. فتقول في "افتَعَلَ" من الدَّين: ادّانَ.
وقد قُلبتْ تاء "افتَعَلَ" دالًا، بغير اطِّراد، مع الجيم في: اجتمعُوا واجتَزَّ٦، فقالوا: اجدَمَعُوا واجدَزَّ٧. والأكثر التاء. قال٨:
_________________
(١) ١ سر الصناعة ١: ٢٠٠-٢٠٢ والكتاب ٢: ٣١٤. ٢ م: من الفاء فإنها. ٣ من م. ٤ مجالس ثعلب ص٣٩ والأغاني ١٦: ١٢٤ ومصارع العشاق ٢: ١٨٦ وتزيين الأسواق ص٧٩. ٥ سقط من النسختين حتى قوله "ادّان"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. وانظر سر الصناعة ١: ٢٠٢ وفي حاشية ف أيضًا بخط أبي حيان أن من يقول "حَفِظْطُ" يقول في مثل فُزتُ وأجدتُ وأخذتُ: فُزدُ وأجَدُّ وأخذدُ. فيبدل التاء دالًا. ٦ م: اجتر. ٧ م: اجدر. ٨ مضرس بن ربعي الأسدي أو يزيد بن الطثرية. سر الصناعة ١: ٢٠١ وتأويل مشكل القرآن ص٢٢٤ والأشباه والنظائر ٨: ٨٥ والمقرب ٢: ١٦٦ وشرح الشافية ٣: ٢٢٨ وشرح شواهده ص٤٨١-٤٨٤ والمفصل ٢: ٢٦ والعيني ٤: ٥٩١ والصحاح واللسان والتاج "جزز". واجدز: اقطع. والشيح: نبات له رائحة طيبة.
[ ٢٣٦ ]
فقُلتُ لِصاحِبِي: لا تَحبِسَنَّا بِنَزعِ أُصولِهِ، واجدَزَّ شِيحا
يريد "واجتزَّ". ولا يُقاس ذلك، فلا يقال في "اجتَرأ": اجدَرأ،١ ولا في "اجترَحَ": اجدَرَحَ.
وأُبدلت أيضًا من تاء "افتَعَلَ"، إذا كانت الفاء ذالًا، من غير إدغام. فقالوا: اذْدَكَرَ ومُذْدَكِرٌ٢. حكى ذلك أبو عمرو. وقال أبو حِكاك٣:
تُنحِي علَى الشَّوكِ جُرازًا مِقضَبا والهَرْمَ تُذْرِيهِ، اذدِراءً عَجَبا
يريد: "اذتراءً"، وهو "افتِعال" من: ذراه يَذريه. فأمَّا "ادَّكَرَ" فالدال فيه مبدلة من الذال لأنه إبدالُ إدغامٍ٤، فلا يُذكرُ٥ هنا.
وأُبدلتْ من التاء في غير "افتَعَلَ" بغير اطِّراد في تَولَجٍ٦، فقالوا: دَولَجٌ، فأبدلوا الدال من التاء المبدلة من الواو؛ لأنَّ الأصل "وَوْلَج"؛ لأنه من الوُلُوج. ولا تُجعلُ الدال بدلًا من الواو؛ لأنه قد ثَبَتَ إبدال الدال من التاء في "افتَعَلَ"، كما تَقَدَّمَ، ولم يثبت إبدالها من الواو في موضع من المواضع.
فهذا جميع ما أُبدلت فيه الدال من التاء.
وأُبدلتْ من الذال في ذِكَرٍ جمع ذِكْرةٍ، فقالوا: دِكَرٌ.٧ قال ابن مقبل٨:
يا لَيتَ لِي سَلوةً، تُشفَي النُّفُوسُ بِها مِن بَعضِ ما يَعتَرِي قَلبِي، مِنَ الدِّكَرِ
بالدال٩. كذا رواه أبو عليٍّ. وكأنَّ الذي سَهَّلَ ذلك قلبهم لها في "ادَّكَرَ" و"مُدَّكِر"، فأُلِفَ فيها القلب١٠ فَقَلبها دالًا، وإن كان مُوجِبُ القلب قد زال. وهو الإدغام١١.
_________________
(١) ١ م: أجدر. ٢ سقط من م. ٣ سر الصناعة ١: ٢٠٢ والمقرب ٢: ١٦٦ وشرح المفصل ١٠: ٤٩ و١٥٠ والمفصل ٢: ٢٩٩ وشرح التفتازاني ص١٦ واللسان والتاج "ذكر". ف: "ينحي". وفي النسختين "عن الشول حوارًا". والتصويب من سر الصناعة واللسان والتاج وشرح المفصل. وتنحي: توجه وتلقي. وأراد بالجراز أسنانها. والهرم: ضرب من نبات الحمض. وتذريه: تطيره. ٤ في النسختين: "فأمَّا ادَّكر فإبدال إدغام". وقد صوبه أبو حيان في حاشية ف كما أثبتنا. ٥ م: فلا يتكلم فيه. ٦ التولج: كناس الوحش. ٧ م: ذكر. ٨ ديوانه ص٨١ وسر الصناعة ١: ٣٠٢ والخصائص ١: ٣٥١ والمنصف ٣: ١٤٠. ويعتري: يصيب. ٩ م: بالذال. ١٠ سقط من م. ١١ في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة.
[ ٢٣٧ ]
باب الطاء:
وأمَّا الطاء١ فأُبدلتْ من التاء لا غيرُ. أُبدلت٢ باطِّرادٍ البتَّةَ، ولا يجوز غير ذلك، من تاء "افتَعَلَ" إذا كانت الفاء صادًا أو ضادًا أو طاء أو ظاء. فتقول في "افتَعَلَ" من الصَّبر: اصطَبَرَ، ومن الضَّرب: اضطَرَبَ، ومن الظَّهرِ اظطَهرَ،٣ و٤ من الطَّرْدِ: اطَّرَدَ، [٣٤ ب] فتُدغِم لأنك لمّا أبدلتَ التاء طاء اجتمع لك مِثلان، الأوَّلُ منهما ساكنٌ، فأدغمت. ولم تُبدِلِ التاءَ لأجل الإدغام، بل للتباعد الذي بين الطاء والتاء، كما فعلتَ ذلك مع الضاد والظاء والصاد؛ ألا ترى أنك أبدلت من التاء طاء ولم تُدغِم، لمَّا لم يجتمع لك مثلان؟
والتباعدُ الذي بين التاء وبين هذه الحروف أنَّ التاء منفتحةٌ مُنسفلةٌ، وهذه الحروف مُطبَقةٌ٥ مُستعلِيةٌ. فأبدلوا من التاء٦ أُختَها في المخرج، وأختَ هذه الحروف في الاستعلاء والإطباق وهي الطاء.
وأُبدلتْ بغير اطِّراد، من تاء الضمير بعد الطاء والصاد، ٧ فقالوا: فَحَصْطُ وخَبَطُّ وحَفِظْطُ وحِضْطُ٨، يريدون: فَحَصتُ وخَبَطتُ وحَفِظتُ وحِضتُ٩. والأكثر التاء. والعِلَّة في الإبدال كالعِلَّة في "افتَعَلَ" من التباعد الذي ذكرنا بين التاء وبين الصاد والطاء، فقرَّبوا ليسهل النُّطقُ.
_________________
(١) ١ انظر سر الصناعة ١: ٢٢٣-٢٣١ والكتاب: ٢: ٣١٤ وفي حاشية ف بخط أبي حيان مواضع إبدال الطاء التاء عن ابن القطاع. ٢ سقط من م. ٣ م: "اضطهر". ويقال اظطهر بحاجتي، إذا استخف بها وجعلها وراء ظهره. ٤ أقحم أبو حيان في حاشية ف: "إذا كانت الفاء طاء كان ذلك من قبيل البدل الذي يكون بسبب الإدغام، فتقول في افتعل". وهذا يناقض ما يذكره ابن عصفور بعد. وانظر سر الصناعة ١: ٢٢٣. ٥ سقط من م. وانظر شرح الشافية ٣: ٢٢٦. ٦ م: الياء. ٧ ضرب عليهما في ف واستبدل بهما: "هذه الحروف". يريد: الصاد والضاد والطاء والظاء. ٨ سقط "وحفظط وحضط" من م. وفي الكتاب ٢: ٣١٤: فحصط وحصط. ٩ سقط "يريدون وحضت" من م.
[ ٢٣٨ ]
ومن ذلك قوله١:
وفي كُلِّ حَيٍّ، قَد خَبَطَّ بِنِعمةٍ فحُقَّ لِشأسٍ، مِن نَداكَ، ذَنُوبُ
رواه أبو عليٍّ عن أبي بكر عن أبي العبَّاس: "خَبَطَّ"، على إبدال الطاء من التاء.
_________________
(١) ١ علقمة الفحل. ديوانه ص٣٧ وسر الصناعة ١: ٢٢٥ وشرح اختيارات المفضل ص١٥٩٨. وخبطت: أنعمت. وشأس هو أخو علقمة. والذنوب: النصيب.
[ ٢٣٩ ]
باب الواو:
وأمَّا الواو فأُبدلت من ثلاثة أحرف. وهي الهمزة والألف والياء. إِلَّا أنَّ الذي يُذكر هنا إبدالها من الهمزة؛ لأنَّ إبدالها من الياء والألف١ يذكر في باب القلب.
فتُبدل من الهمزة باطِّراد، إذا كانت مفتوحةً وقبلَها حرفٌ مضمومٌ، نحو: جُؤَن٢ وسُؤَلة٣، تقول في تخفيفهما٤: جُوَن وسُوَلة. ولا يلزم ذاك.
وتُبدل أيضًا باطِّراد، إذا كانت ساكنةً وقبلها ضَمَّةٌ، ولا يلزم ذلك أيضًا. نحو بُؤْس ونُؤْي٥، تقول فيهما إذا أردت التخفيف: بُوسٌ ونُويٌ.
وتُبدل أيضًا باطِّراد، إذا كانت قبل الألف في الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، بشرط أن يكتنف ألفَ الجمع همزتان، نحو: ذَوائب، في جمع ذُؤابة. أصله "ذآئب"، فأُبدلت الهمزة واوًا هروبًا من ثِقل البناء، مع ثقل اجتماع الهمزتين والألف؛ لأنَّ الألف قريبة من الهمزة لأنها من الحلق، كما أنَّ الهمزة كذلك. فكأنه قد اجتمع في الكلمة ثلاثُ هَمَزات، فالتزموا لذلك إبدال الهمزة واوًا.
وأُبدلت أيضًا باطِّراد على اللزوم، إذا كانت للتأنيث في ثلاثة مواضع: التثنية، والجمع بالألف والتاء، والنسب. نحو: صَحراوَينِ وصَحراوات وصَحراويّ٦.
وباطِّراد من غير لزوم، في الهمزة المبدلة من أصل، أو من حرف زائد مُلحِق بالأصل، إذا كانت طرفًا بعد ألف زائدة، نحو: كِساء ورِداء وعِلباء ودِرحاء٧، حيث قُلبت همزة التأنيث٨، نحو: عِلباوَينِ
_________________
(١) ١ في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع أن بعض طيئ يبدل الألف واوًا في الوقف، نحو: أفعَوْ، وحُبْلَوُ. انظر ص٣٨٢. ٢ الجؤن: جمع جؤنة. وهي سلة مستديرة مغشاة جلدًا يجعل فيها الطيب والثياب. ٣ السؤلة: الكثير السؤال. وانظر الكتاب ٢: ٣١٤. ٤ ف: تخفيفها. ٥ النؤي: الحفير حول الخيمة يمنع عنها ماء المطر ويبعده. ٦ ف: صحراوي وصحراوين وصحراوات. ٧ العلباء: عصب عنق البعير. والدرحاء: الدرحاية. وهو اللئيم الخلقة. ٨ يشير إلى ما في الفقرة المتقدمة.
[ ٢٤٠ ]
وكِساوَينِ ورِداوَينِ ودِرحاوَينِ، وعِلباوِيٌّ وكِساوِيٌّ ورِداويٌّ، ودِرحاوات في جمع دِرحاءة.
ومن الهمزة الأصليَّة إذا وقعت طرفًا بعد ألف زائدة –وذلك قليل١- حيث قُلبت همزة التأنيث أيضًا، نحو: قُرَّاءٍ٢، لأنه من "قَرَأَ". فإنه قد حُكي: قُرَّاوِيٌّ، وفي التثنية: قُرَّاوانِ.
وأُبدلت من غير اطِّراد، في: واخَيتُ. أصلُه: آخَيتُ، فأُبدلت الهمزة واوًا. ولا يمكن أن يُدَّعى أنَّ الواو في "واخيتُ" أصلٌ، وليست٣ ببدل من الهمزة؛ لأنَّ اللام من "واخَيتُ" واو؛ لأنه من الأُخُوَّة، وإنَّما قُلبت ياء٤ في واخَيتُ لوقوعها رابعةً، كما قُلبتْ في "غازيت"، على ما يُبيَّنُ في بابه٥. فإذا تَبيَّنَ أنَّ اللَّام واو لم يمكن أن تكون الفاء واوًا؛ لأنه لم يجئ في كلامهم مثل "وَعَوتُ".
وتُبدل ٦ أيضًا واوًا على غير اللزوم، إذا وقعت بعد الواو الزائدة للمدِّ، فتقول في مَقرُوء: مَقرُوّ.
وتُبدل أيضًا إذا وقعت بعد الواو،،وإن لم تكن زائدة للمدِّ، فتقول في سَوْءة: سَوَّة. إِلَّا أنَّ ذلك قليل جدًّا.
فهذا جميع ما أُبدلت فيه الهمزة واوًا، إذا لم تنضمَّ إليها همزة أُخرى. فإن انضمَّ إليها همزة أُخرى فلا يخلو أن تكون الثانية ساكنة أو متحرِّكة. فإن كانت ساكنة فإنه يلزم إبدالها واوًا، إذا كانت الهمزة الأُولى مضمومة. فتقول في "أُفْعِلَ" من "أَتى": أُوتِيَ٧. وأصله "أُؤْتِيَ". إِلَّا أنه رُفض الأصل، هروبًا من اجتماع الهمزتين، فلزم البدل.
فإذا كانت الثانية متحرِّكةً فإنها تُبدل واوًا، إذا كانت [٣٥ أ] متحرِّكة بالضمِّ أو بالفتح. فتقول في مثل أُبْلُم٨ من "أَمَمْتُ": أُوُمٌّ٩. أصله "أُؤْمُمٌ"، فنَقلتَ ضمَّة الميم إلى الهمزة، وأدغمتَ فقلتَ: "أُؤُمٌّ". ثمَّ أَبدلت الهمزة واوًا لانضمامها، فقلت: أُوُمٌّ. ولزم ذلك.
وتقول١٠ في "أَفْعَل"١١ من "أَمَمْتُ": أَوَمُّ. وأصله "أَأْمَمُ"، ثمَّ نَقلتَ فتحة الميم إلى الهمزة، [وأدغمتَ] فقلتَ:١٢ "أَأَمُّ"١٣. ثمَّ أبدلتَ الهمزة واوًا، فقلت: أَوَمُّ. كما أنهم لمَّا اضطُرُّوا إلى
_________________
(١) ١ كذا. والصواب أنه سماعي لا يقاس عليه. ٢ القراء: الناسك المتفقه القارئ. ٣ ف: وليس. ٤ م: تاء. ٥ في الورقة ٥١. وسقط "على ما يبين في بابه" من م. ٦ سقط من م حتى قوله "قليل جدًّا". ٧ ف: أؤتي. ٨ الأبلم: خوص المقل. ٩ انظر المنصف ٢: ٣١٥. ١٠ المنصف ٢: ٣١٥-٣٢٣. ١١ وهو اسم تفضيل كما جاء في المنصف. ولكن ناسخ م جعله فعلًا ماضيًا. ١٢ ف: فقلبت. ١٣ م: أؤمّ.
[ ٢٤١ ]
ذلك، في جمع آدَمَ، قالوا: أَوادِمُ، فأبدلوا الهمزة واوًا.
وسواء كان ما قبل هذه الهمزة المفتوحة مفتوحًا أو مضمومًا،١ في التزام إبدالها واوًا٢.
فمثال انضمام ما قبلها: "أُواتِي" في مضارع "آتَى": "فاعَلَ" من الإتيان. أصله "أؤاتِي"، ثمَّ التزموا البدل هروبًا من اجتماع الهمزتين. ثمَّ حملوا "يُواتِي" و"نُواتِي" [وتُواتِي] ٣ و"مُواتٍ"، على أُواتِي في التزام البدل٤.
وزعم المازنيُّ٥ أنَّ الهمزة إذا كانت مفتوحة، وقبلها فتحة، أنها تُبدل ياءً. فقال في"أَفْعَل" من "أَمَمْتُ": أَيَمُّ، كما تُبدَلُ إذا كانت مكسورة، نحو أَيِمَّة جمع إمام؛ لأنَّ الفتحة أختُ الكسرة، فالأقيسُ أن يكون حكم الهمزة المفتوحة كحكم المكسورة في الإبدال، لا كالمضمومة في إبدالها واوًا. ورأى أنه لا حُجَّة في "أَوادِم"؛ لأنهم لمَّا قالوا في المفرد "آدَمُ" صار بمنزلة تابَل، فأجرَوُا الألفَ المبدلة مُجرى الزائدة. فكما قالوا: تَوابِلُ٦ فكذلك قالوا: أَوادِمُ. فالواو عنده بدلٌ من الألف لا من الهمزة. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنَّ الألف المبدلة لو كانت تجري مجرى الألف الزائدة لجاز أن يُجمع بينها وبين الساكن المُشَدَّد، فكنتَ تقول في جمع إمام: "آمَّة"، فيكون أصله "أَأْمِمَة"، فتُبدل الهمزة ألفًَا فيصير "آمِمَة"، ثمَّ تُدغِمُ الميمَ في الميم فتَسكنُ الأُولى٧ لأجل الإدغام، فتقول "آمَّة"، وتجمع بين الألف والساكن المُشَدَّد، كما جاز ذلك في دابَّة٨. فقول العرب: أيِمَّةٌ، ونقلهم الحركة إلى ما قبلُ، دليلٌ على أنها لم تُجرَ مُجرى الألف الزائدة٩.
_________________
(١) ١ م: مفتوح أو مضموم. ٢ كذا، ومثله في المقرب ٢: ١٦٨. وهو خطأ بما مثَّل له فيه تعميم من أصل صحيح. وإنَّما يجب إبدال هذه الهمزة واوًا إذا كانت الهمزة التي قبلها لغير المضارعة، ويكون في نحو أُوَيدِم تصغير آدَم، وفيما يصنع لبيان الحكم، نحو أن تصوغ من "أمم" على وزن "أُصْبَع". وذلك "أُؤْمَم" في الأصل، فتنقل حركة الميم الأولى إلى الساكِن قبلها وتدغم فيصير "أُؤَمّ". وهذا يجب فيه إبدال الهمزة الثانية واوًا: أُوَمّ. فإذا كانت الهمزة الأولى للمضارعة جاز إبدال الثانية وتحقيقها. وهذا قل من تنبه إليه أو نبه عليه من النحاة. انظر التسهيل ص٣٠٢ وحاشية الصبان ٤: ٣٠١ وحاشية الخضري ٢: ١٩٦. فالمضارع: أؤاتي، أؤاسي، أُؤاكل، أُؤَمّن، أُؤَلّف، أُؤَدّي، أُؤَمَّر، أُؤَجَّل يجوز في همزته الثانية البدل. وقد جاء تحقيق الهمزة في مثله. ومنه قول ملك الموت عن الأرواح: "أُؤَيِّه بها كما يُؤيَّهُ بالخيل فتجيبني"، وقول المرأة لعائشة: "أُؤَخِّذُ جملي"؟ وروي هذا أيضًا مع لفظ همزة الاستفهام، فكان فيه ثلاث همزات مجتمعة. انظر الفائق والنهاية واللسان والتاج "أخذ" و"أيه". ٣ من م. ٤ كذا أيضًا. والبدل جائز لا لازم. ٥ المنصف ٢: ٣١٦-٣١٨. ٦ التوابل: الأبزار. ٧ ف: فيسكن الأول. ٨ م: دآبة. ٩ في حاشية ف بخط أبي حيان حوار بين ابن جنِّي والفارسي، يجعل قياس المازني "أيمّ" على أيمّة فاسدًا، ويوجب عليه أن يكون كالأخفش في قوله: "أوَمّ" بإبدال الهمزة واوًا.
[ ٢٤٢ ]
فكذلك أيضًا آدَمُ، لا ينبغي أن تُجرى هذه الألف مُجرى الألف الزائدة. فينبغي أن يُعتقد أنها تُرَدُّ إلى أصلها من الهمزة، إذا جَمَعْتَ لزوال موجب إبدالها ألفًا. وهو سكونها وانفتاح ما قبلها. فإذا رُدَّتْ إلى أصلها قالوا "أآدِمُ"، فاستثقلوا الهمزتين فأبدلوا الثانيةَ واوًا. فإذا تَبَيَّنَ أنهم أبدلوا من الهمزة المفتوحة واوًا في أَوادِم وجب أن يقال في "أَفْعَلَ" من "أَمَمْتُ": "أَوَمُّ". وهو مذهب الأخفش.١
وهذا ٢: أيضًا جميع ما أُبدلت فيه الهمزة واوًا، إذا التقت مع همزة أُخرى.
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ٣١٥-٣١٨. ٢ م: فهذا.
[ ٢٤٣ ]
باب الياء:
وأمَّا الياء فتُبدل من ثمانيةَ عشرَ حرفًا. وهي: الألف، والواو، والسين، والباء، والراء والنون، واللام، والصاد، والضاد، والميم، والدال، والعين، والكاف، والتاء، والثاء، والجيم، والهاء، والهمزة. إِلَّا أنه لا يذكر هنا إبدالها من الألف١ والواو؛ لأنَّ ذلك من باب القلب.
فأُبدلت من السين من غير لزوم٢، في سادِس وخامِس. فقالوا: "سادِي" و"خامِي". قال الشاعر٣:
إِذا ما عُدَّ أربَعةٌ، فِسالٌ فزَوجُكِ خامِسٌ، وحَمُوكِ سادِي
أي: سادسٌ. وقال الآخر٤:
مَضَى ثَلاثُ سِنينَ، مُنذُ حُلَّ بِها وعامُ حُلَّتْ، وهذا التَّابِعُ الخامِي
أي: الخامسُ.
_________________
(١) ١ في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع أن الألف تبدلها طيئ ياء في الوقف إذا كانت طرفًا. قلت: هذه لغة فزارة وبعض قيس. أمَّا طيئ فتبدلها في الوصل والوقف. ٢ صرح ابن عصفور في الضرائر أن هذا الضرب من الإبدال ضرورة. شرح شواهد الشافية ٤٤٨ وضرائر الشعر ص٢٢٥-٢٢٧. ٣ ينسب إلى النابغة الجعدي يهجو ليلى الأخيلية وإلى الحادرة وامرئ القيس. شرح الشافية ٣: ٢١٣ وشرح شواهده ٤٤٦-٤٤٨ والمفصل ٢: ٢٥٨ والإبدال ٢: ٢١٧ وتهذيب الألفاظ ص٥٩١ والضرائر ص١٥١ والهمع ٢: ١٥٣ والدرر ٢: ٢١٣ والألفباء٢: ٥٧٤ والصحاح واللسان والتاج "فسل". والفسال: جمع فسل. وهو الرذل من الرجال. ٤ الحادرة. ديوانه ص٣٥٩ وتهذيب الألفاظ ٥٩١ والإبدال ٢: ٢١٨ وشرح شواهد الشافية ص٤٤٧ والقلب والإبدال ص٦٠ والضرائر ص١٥١ والدرر اللوامع ٢: ٢١٢ والمخصص ١٧: ١١٢ واللسان والتاج "خمس" و"خما". يصف الديار. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد أن من هذا الإبدال "دسَّاها" في الآية ١٠ من سورة الشمس، أصله دسَّسَها، أبدلت السين الثالثة ياء كراهية التضعيف، ثمَّ قلبت الياء ألفًا. ومنه: وأنتَ الَّذي دَسَّيتَ عَمرًا فأصبَحَتْ حَلائلُهُ مِنهُ أرامِلَ جُوَّعا قلت: هذا يحسن ذكره مع تسريت. ودسيت: أغريت.
[ ٢٤٤ ]
وأُبدِلت من الباء١ على غير لزوم، في جمع ثَعْلَبٍ وأَرنَبٍ، في الضرورة. أنشد سيبويه٢:
لَها أَشارِيرُ، مِن لَحمٍ، تُتمِّرُهُ مِنَ الثَّعالِي، ووَخْزٌ مِن أَرانِيها
أراد الثعالب٣ وأرانب،٤ فلم يمكنه٥ أن يُسكِّن الباء فأبدل منها ياء.
وأُبدلت أيضًا من الباء على اللزوم، في دِيباج. وأصله "دِبّاجٌ"، فأبدلوا الباء الساكنة ياءً هروبًا من اجتماع المِثلين. والدليل على ذلك قولهم في الجمع: دَبابيج،٦ فرَدُّوا الباء لمَّا فَرَّقتِ الألف بين المِثلين.
وأُبدِلت أيضًا من الباء الثانية هروبًا من التضعيف، وفي "لا وَرَبِّكَ"، فقالوا: لا وَرَبْيِكَ. حكى ذلك أحمد بن يحيى٧.
وأُبدِلت من الراء على اللزوم، في قِيراطِ وشِيراز٨ والأصل "قِرّاط" و"شِرّاز" [فأبدلوا الياء من الراء الأولى هروبًا من التضعيف] ٩. والدليل على أنَّ الأصل "قِرّاط" و"شِرّاز"١٠ قولُهم قَرارِيط وشَرارِيز، [٣٥ ب] فردُّوا الراء لمَّا فَصلت الألف بين المِثلين١١.
وأُبدلت أيضًا في: تَسرَّيتُ وأصله "تَسَرَّرتُ"١٢ لأنه "تَفعَّلْتُ" من السُّرِّيَّة. والسُّرِّيَّة "فُعْلِيَّة".
_________________
(١) ١ م: الياء. ٢ لأبي كاهل اليشكريّ. وينسب إلى النمر بن تولب. الكتاب ١: ٣٤٤ وشرح الشافية ٣: ٢١٢ وشرح شواهده ص٤٤٣-٤٤٦ ومجالس ثعلب ص٢٢٩ والمفصل ٢: ٢٥٨ والإبدال ١: ٩٠ والهمع ١: ١٨١ والصحاح واللسان والتاج "تمر" و"شرر" و"وخز". والأشارير: القطع من اللحم يجفف للادخار. وتتمره: تجففه. والوخز: قطع من اللحم. يصف عقابًا. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن شيخه الرضي عن كتاب "العروض" لابن القطاع: صوابه: وذُخرٌ من أرانِيها. ٣ وقال ابن عصفور في الضرائر ص٢٢٦: "وقد يمكن أن يكون جمع ثعالة، فيكون الأصل فيه إذ ذاك الثعائل، إِلَّا أنه قلب". شرح شواهد الشافية ص٤٤٣. ٤ م: الأرانب. ٥ ف: فلم يمكن. ٦ م: "دبابج". وانظر شرح الشافية ٣: ٢١٠-٢١١. ٧ انظر شرح الشافية ٣: ٢١٠ واللسان "ربب". ٨ الشيراز: اللبن الرائب المستخرج ماؤه. وانظر الكتاب ٢: ٣١٣-٣١٤. ٩ من م. ١٠ ف: والدليل على ذلك. ١١ شرح الشافية ٣: ٢١١. ١٢ وهذا قول ابن السكيت. انظر القلب والإبدال ص٥٩. واللسان "سري".
[ ٢٤٥ ]
من السرور لأنَّ صاحبها يُسَرُّ بها، أو من السِّرِّ لأنَّ صاحبها يُسِرُّ أمرها عن حُرَّتِه١ وربَّة منزله. ومن جعل سُرِّيَّة "فُعيِّلة"٢ من سَراة الشيء –وهو أعلاه- كانت اللام من "تَسَرَّيتُ" واوًا أُبدلت ياء، لوقوعها خامسة؛ لأنَّ السَّراة٣ من الواو بدليل قولهم في جمعه: سَرَوات. قال٤:
وأَصبَحَ مُبيَضُّ الصَّقِيعِ كأنَّهُ علَى سَرَواتِ البَيتِ،٥ قُطنٌ مُنَدَّفُ
والذي ينبغي أن يُحمل عليه سُرِّيَّة أنه "فُعلِيَّةٌ" من السِّرِّ، أو من السُّرور. فقد دفع أبو الحسن اشتقاقَها من سَراة الشيء -وهو أعلاه- بأن قال: إنَّ الموضع الذي تُؤتَى٦ منه المرأة ليس أَعلاها وسَراتها. وهذا الدفع صحيح، واشتقاقه من السِّرِّ أو السرور واضح، فلذلك كان أَولى.
فهذا جميع ما أُبدلت فيه الياء من الراء.
وأُبدلت من النون على اللزوم٧، في دِينار. أصلُهُ "دِنّارٌ" فأُبدلت الياء من النون الأُولى هروبًا من ثِقل التضعيف، بدليل قولهم: دنَانيرُ في الجميع٨ ودُنَِنيرٌ في التحقير.
وأُبدلت أيضًا من نُون إنسان الأُولى٩، على غير اللزوم١٠، فقالوا: إِيسانٌ١١. قال عامر بن جُؤين١٢:
فيا لَيتَني، مِن بَعدِ ما طافَ أَهلُها هَلَكتُ، ولَم أَسمَعْ بِها صَوتَ إِيسانِ
_________________
(١) ١ م: حرمته. ٢ ف: فعليّة. ٣ م: السرواة. ٤ الفرزدق. ديوانه ص٥٥٩. ٥ كذا، والمشهور: "النّيبِ". والنيب: جمع ناب، وهي الناقة المسنة. ٦ ف: يؤتى. ٧ شرح الشافية ٣: ٢١١ والكتاب ٢: ٣١٣. ٨ م: في الجمع دنانير. ٩ ف: الأول. ١٠ م: على غير لزوم. ١١ وهذه لغة طيئ. انظر الإبدال ٢: ٤٦١ واللسان "أنس". ١٢ م: "عامر بن جوي". والبيت في سر الصناعة ص٧٥٧ والمحتسب ٢: ٢٠٣ والمقرب ٢: ١٧١ واللسان "أنس" والتاج "أيس".
[ ٢٤٦ ]
وقالوا في الجميع١: أَياسِينُ٢، بالياء. والأصل النون لأنَّ إنسانًا وأَناسيَّ بالنون أكثر منه بالياء.
وأُبدلت أيضًا على اللزوم من نون ظَرِبان٣ ونون إنسان التي بعد الألف، في الجمع فقالوا: أَناسِيُّ وظَرابِيُّ، فعاملوا النون معاملة همزة التأنيث لشبهها بها. فكما يُبدِلون من همزة التأنيث ياءً، فيقولون في صَحراء: "صَحارِيُّ"، كذلك فعلوا بنون إنسان وظَرِبان، في الجمع.
وأُبدلت أيضًا من النون في: تَظَنَّيتُ٤؛ لأنه "تَفَعَّلْتُ" من الظَّنِّ. فأصله "تَظَنَّنتُ"، فأُبدلت النون ياءً هروبًا من اجتماع الأمثال.
وأُبدلت أيضًا على اللزوم من النون في: تَسنَّى، بمعنى: تَغيَّرَ. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَم يَتَسَنَّ﴾ ٥، فحُذفت٦ الألف المبدلة من الياء للجزم. والأصل "يَتَسَنَّنْ"، فأُبدلت النون [ياء] ٧ هروبًا أيضًا من اجتماع الأمثال. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ٨ أي: مُتغيِّر. فقوله تعالى: ﴿مَسْنُون﴾ يدلُّ على أنَّ "يَتَسَنَّ"٩ في الأصل من المُضَعَّف كمَسنُون، وليس من قَبيل المُعتلِّ.
فهذا جميع ما أُبدلت فيه الياء من النون.
وأُبدلت من اللام في: أَملَيتُ الكِتابَ١٠ إنَّما أصله "أَملَلتُ"، فأُبدلت اللام الأخيرة ياءً هروبًا١١ من التضعيف. وقد جاء القرآن باللغتين جميعًا. قال تعالى: ﴿فهِيَ ١٢ تُملَى عَليهِ بُكْرةً وأَصيلًا﴾ . وقال ﷿: ﴿ولْيُمْلِل ِ١٣ الَّذِي عَليهِ الحَقُّ﴾ ١٤. وإنَّما جعلنا اللام هي الأصل لأنَّ "أَملَلتُ" أكثرُ من "أَملَيتُ".
_________________
(١) ١ م: الجمع. ٢ ويقال: أياسيّ أيضًا. ٣ الظربان: دابة. وانظر شرح الشافية ٣: ٢١١-٢١٢. ٤ الإبدال ٢: ٤٥٩-٤٦٠ وشرح الشافية ٣: ٢١٠. ٥ الآية ٢٥٩ من سورة البقرة. وهذه قراءة عامة أهل الكوفة. تفسير الطبري ٥: ٤٦٠. ٦ م: فحذف. ٧ من م. ٨ الآيات ٢٦ و٣٣ و٣٨ من سورة الحجر. ٩ م: يتسنن. ١٠ شرح الشافية ٣: ٢١٠. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد أن بعض العلماء جعل "تَنسَلِي" من معلقة امرئ القيس أصله تَنسَلّ، أبدلت اللام الثانية ياء وكسر الأولى من أجل الياء. فهو مطاوع سَلَّ يَسُلُّ. قلت: كسر اللام الأولى هو الأصل، ظهر لما فك الإدغام لإبدال الثانية. وليس مجتلبًا لأجل الياء. ١١ م: هربًا. ١٢ الآية ٥ من سورة الفرقان. م: هي. ١٣ في النسختين: فليملل. ١٤ الآية ٢٨٢ من سورة البقرة.
[ ٢٤٧ ]
وأُبدلت من الصاد على غير اللزوم، في: قَصَّيتُ أَظفاري١: بمعنى: قَصَّصت. فأبدلوا من الصاد الأخيرة ياء هروبًا من اجتماع الأمثال. حكى ذلك اللِّحيانيُّ.
وأُبدلت من الضاد، في قول العجَّاج٢:
تَقَضِّيَ البازِي، إِذا البازِي كَسَرْ
إنَّما هو "تَفَعُّل" من الانقضاض. وأصله "تقَضُّض"، فأُبدلت الضاد الأخيرة ياء. وقالوا أيضًا: تَفضَّيتُ، من الفِضَّة. وهو مثل: تَقضَّيت.
وأُبدلت من الميم في: يأتَمي٣، على غير اللزوم٤ في الشعر. قال٥:
تَزُورُ امرَأً أمَّا الإله فيَتَّقِي وأمَّا، بِفِعلِ الصَّالِحِينَ، فيأتَمِي
أصله "يأتَمُّ" فأُبدل من الميم الثانية ياء هروبًا من التضعيف.
وأُبدلت أيضًا ف٦: تُكُمُّوا؛ لأنه "تُفُعِّلُوا" من: كممْتُ الشيءَ إذا سترتَه. فأصله "تُكُمِّمُوا"، فأبدلوا من الميم الأخيرة ياءً فقالوا "تُكُمِّيُوا"، فاستُثقلت الضَّمَّة في الياء فحُذِفَت، فبقيت الياء ساكنةًَ، فحُذِفَت لالتقائها مع واو الضمير الساكنة، فصار: تُكُمُّوا٧. قال الراجز٨:
بَل لَو شَهِدْتَ النَّاسَ، إِذ تُكُمُّوا بقَدَرٍ، حُمَّ لَهُم، وحُمُّوا
وأُبدلت أيضًا من الميم الأولى في: أمَّا،٩ فقالوا "أَيْما" هروبًا من التضعيف. وقد رُوِي بيتُ ابن أبي ربيعة١٠ [٣٦ أ]:
رأتْ رَجُلًَا، أيما إِذا الشَّمسُ عارَضَتْ فيَضحَى، وأيما بالعَشِيِّ فيَخصَرُ١١
_________________
(١) ١ شرح الشافية ٣: ٢١٠. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد: يمكن أن يكون معناه: أخذتُ أقاصيها. فلا يكون بدلًا. انظر الارتشاف ١: ١٥٣. ٢ ديوانه ص١٧. وكسر: ضم جناحيه للانقضاض. ٣ الإبدال ٢: ٤٥٣. م: يأتمّ. ٤ م: على غير لزوم. ٥ البيت لكثير عزة من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز. ديوانه ٢: ١٢٢ والإبدال ٢: ٤٥٣ واللسان والتاج "أمم" والاقتضاب ص١٣٨. ٦ اللسان والتاج "كمم". ٧ أغفل ضمَّ الميم لتسلم واو الجماعة. ٨ العجاج. ديوانه ص٦٣. وحم: قضي. وحموا أي: قدروا له وقضوا. ٩ الإبدال ٢: ٤٥٣ والمغني ص٥٥-٥٦. ١٠ ديوانه ص٨٦. ويضحى: يظهر للشمس. ويخصر: يبرد. ١١ م: فيحصر.
[ ٢٤٨ ]
وأُبدلت أيضًا من الميم الأولى في ديماس، هروبًا١ من التضعيف. وأصله دِمَّاس، بدليل قولهم في الجمع: دَمامِيس.
وأُبدلت من الدَّال٢ في قوله تعالى٣: ﴿إِلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾، والتصدية: التصفيق والصوت. و"فَعَلتُ" منه: صَدَدْتُ أصِدُّ٤. ومنه قوله تعالى٥: ﴿إِذا قَومُكَ منهُ يَصِدُّونَ﴾ أي: يَعِجُّون ويَضِجُّون. فأصله "تَصْدِدَة"، فحُوِّلت إحدى الدالين ياء هروبًا من اجتماع المثلين. وليس قول من قال إنَّ الياء غير مبدلة من دال، وجعله من الصَّدَى الذي هو الصوت، بشيء، وإن كان أبو جعفر الرّستَمِيُّ٦ قد ذهب إليه؛ لأنَّ الصَّدَى لم يُستعمل منه فِعْل. فحمله على أنه من هذا الفعل المستعمل أولى.
وأُبدلت من العين فيما أنشده سيبويه، من قوله٧:
ومَنهلٍ لَيسَ لَهُ حَوازِقُ ولِضَفادِي جَمَّهِ نَقانِقُ
يريد: ولِضفادِع، فَكرِهَ أن يُسكِّن العينَ في موضع الحركة، فأبدل منها ما يكون ساكنًا في حال الجرِّ. وهو الياء.
وأُبدلت أيضًا من العين في٨ "تَلَعَّيتُ"٩ من اللُّعاعة١٠ تَلعِيةً. والأصل١١ "تَلعَّعتُ تَلِععَةً"، فأُبدلت العين الأخيرة ياءً هروبًا ١٢ من اجتماع الأمثال.
_________________
(١) ١ شرح الشافية ٣: ٢١٠-٢١١. والديماس: الكن والحمَّام. م: هربًا. ٢ الإبدال ١: ٣٩٧. ٣ الآية ٤٥ من سورة الأنفال. والمكاء: الصفير. ٤ في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد أن هذا التفسير لأبي عبيدة. انظر مجاز القرآن ١: ٢٤٦ والارتشاف ١: ١٥٤. ٥ الآية ٥٧ من سورة الزخرف. ٦ لعله محمد بن رستم غلام المازني وشيخ الزجاجي، كان نحويًّا وله كتاب في غريب القرآن. وقيل هو أحمد بن محمد بن رستم. إنباه الرواة ١: ١٢٨ وتاريخ بغداد ٥: ١٢٥ ونزهة الألباء ص٢٣٩ والارتشاف ١: ١٥٤ والإيضاح ص٧٨. ٧ صنعه خلف الأحمر. الكتاب ١: ٣٤٤ وشرح أبياته ٢: ٣١ والموشح ص٩٨ والمقتضب ١: ٢٤٧ وسر الصناعة ص٧٦٢ وشرح الشافية ٣: ٢١٢ والإبدال ٢: ٣١٥ والمفصل ٢: ٢٥٧ وشرحه ١٠: ٢٤. والحوازق: جمع حازق. وهو الحاجز. والجم: الكثرة والاحتشاد. والنقانق: جمع نقنقة. وهي الصوت. ٨ الإبدال٢: ٣٢٥ والصحاح واللسان والتاج "لعي". ٩ تلعيت: رعيت. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن السِّيد: حُكي عن العرب: خرجنا نتلعَّى أي: نرعى اللعاع. وهو أول ما يظهر من النبت. ١٠ اللعاعة: أصل النبت. ١١ ف: فالأصل. ١٢ م: فرارًا.
[ ٢٤٩ ]
فإن١ قال قائل: فلعلَّ "تَلَعَّيتُ": "تَفَعلَيتُ" والياء زائدة مثلها في "تَجَعبَيتُ"، فلا تكون إذ ذاك بدلًا. فالجواب أنَّ التاء إنَّما دخلت على "لعَّيتُ"، ولَعَّيتُ: "فَعَّلتُ"، بدليل قولهم "تَلعِيَة"، إذ لا يجيء المصدر على "تَفْعِلة" إِلَّا إذا كان الفعل على وزن "فَعَّلَ". فإذا تبيَّن أنَّ التاء دخلت على "فَعَّلتُ" ثَبَتَ أنَّ تَلَعَّيتُ: "تَفعَّلتُ"، وأنَّ الياء بدل من العين.
وأُبدلت من الكاف فيما حكاه أبو زيد، من قولهم: مَكُّوكٌ٢ ومَكاكِيُّ. وأصله "مَكاكِيكُ"، فأُبدلت الياء من الكاف الأخيرة هروبًا أيضًا من ثقل التضعيف٣.
وأُبدلت من التاء. أَنشد بعضهم٤:
قامَتْ بِها، تُنشِدُ كُلَّ مُنشَدِ فايتَصلَتْ، بِمثلِ ضَوءِ الفَرقَدِ.
يريد: فاتَّصلَتْ، فأبدل من التاء الأولى ياء كراهيةَ التَّشديد.
وأُبدلت من الثاء في ثالث٥، فقالوا: الثالي. قال الراجز٦:
يَفدِيكَ، يا زُرْعَ، أبِي وخالِي قَد مرَّ يَومانِ، وهذا الثّالِي
وأنتَ، بالهِجرانِ، لا تُبالِي
أراد: وهذا الثالث.
وأُبدلت من الجيم في جمع دَيجُوج٧ فقالوا: الدَّياجِي. وأصله "دياجِيجُ"، فأُبدلت الجيم الأخيرة ياء، وحذفت الياء قبلها تخفيفًا.
وأُبدلت من الهاء في٨: دَهدَيتُ الحَجَرَ أي: دَحرجتُه. وأصله "دَهدَهتُهُ"؛ ألا تراهم قالوا:
_________________
(١) ١ سقط من م حتى قوله "وأن الياء بدل من العين". ٢ المكوك: طاس يشرب به. ٣ يريد: تكرار الكاف. ٤ سر الصناعة ص٧٦٤ والمقرب ٢: ١٧٣ وشرح الملوكي ص٢٤٨ وضرائر الشعر ص٢٢٤ والأشموني ٤: ٣٣٧ واللسان والتاج "وصل" والمفصل ٢: ٢٥٧ وشرحه ١٠: ٢٦. وتنشد: تغني. والمنشد: الغناء. والفرقد: نجم. ٥ شرح الشافية ٣: ٢١٢-٢١٣. ٦ سر الصناعة ص٧٦٤ وضرائر الشعر ص٢٢٧ وشرح الملوكي ص٢٥٥ والهمع ٢: ١٥٧ والدرر ٢: ٢٢٤ والأشموني ٤: ٣٣٧. وشرح الشافية ٣: ٢١٣ وشرح شواهده ص٤٤٨ والمفصل ٢: ٢٥٩ وشرحه ١٠: ٢٨. وزرع: مرخم زرعة. وقال البغدادي: "وخصه ابن عصفور بالضرورة" يريد أنه خصه بذلك في كتابه الضرائر ص٢٢٧. ٧ الديجوج: الليل المظلم. ٨ الإبدال ٢: ٥٣١.
[ ٢٥٠ ]
دُهدُوهَةُ الجُعَلِ، لما يُدَحرجُه؟ قال أبو النَّجم١:
كأنَّ صَوتَ جَرْعِها المُستَعجَلِ جَندَلةٌ، دَهدَيتَها بِجَندَلِ
وقالوا في "صَهصَهتُ بالرَّجلِ" إذا قلتَ له "صَهْ صَهْ": صَهصَهيتُ، فأبدلوا من الهاء ياء
وأُبدلت من الهمزة باطِّراد، إذا كانت ساكنة وقبلها كسرة. فتقول في ذِئب وبِئر ومِئرة٢ ذِيبٌ وبِيرٌ ومِيرةٌ، ولا يلزم ذلك، إِلَّا أن يكون٣ الحرف المكسور الذي قبل الهمزة الساكنة همزةً أُخرى٤، نحو: إيمان وإيتاء في مصدر: آمَنَ وآتَى. وأصلُهما "إئمان" و"إئتاء".
وأُبدلت من الهمزة المفتوحة المكسورِ ما قبلها، نحو: مِيَر وأُريدُ أن أُقرِيَكَ٥، على غير لزوم. وقد مضى السبب في ذلك في باب تخفيف الهمز٦.
وكذلك أيضًا تُبدل٧ من الهمزة المضمومة المكسورِ ما قبلها، عند الأخفش، نحو: هو يُقرِيكَ٨، [في "يُقرِئُكَ"] ٩ على غير لزوم أصلًا. وقد تَقَدَّمَ الدليل على بطلان هذا المذهب، في باب تخفيف الهمز١٠ أيضًا.
وتُبدل منها أيضًا إذا وقعت بعد ياء "فَعِيلٍ" ونحوه، ممّا زِيدت فيه لمدٍّ، وبعد ياء التحقير، على غير لزوم، فيقولون في خَطِيئة: خَطِيَّةٌ، وفي نَسِيء: نَسِيٌّ، وفي تحقير أَفؤُس: أُفَيِّسٌ١١.
وإذا التقت همزتان، وكانت الثانية متحرِّكة بالكسر، قُلبت الثانية ياءً على اللزوم١٢، نحو قولهم: أيِمّةٌ في جمع "إمام". أصله "أَأْمِمَةٌ"، ثمَّ أَدغمتَ فقلتَ: أَئِمَّةٌ، ثمَّ أَبدلتَ من الهمزة المكسورة ياء.
_________________
(١) ١ الجندلة: الحجر. م: "خنذية". والخنذية: رأس الجبل. والرجز في الطرائف الأدبية ص٦٥ والمنصف ٢: ١٧٦ وسر الصناعة ص٢٣٣ وشرح المفصل١٠: ٢٦. ٢ المئرة: العداوة. ٣ زاد في ف: ذلك. ٤ سقط من م. ٥ م: أقربك. ٦ كذا. ولم يتقدم لتخفيف الهمز باب. م: "الهمزة". وانظر ص٢١٧. ٧ ف: وكذلك تبدل أيضًا. ٨ م: يقرئك. ٩ من م. ١٠ كذا. ولم يتقدم لتخفيف الهمز باب. م "الهمزة". وانظر ص٢١٧. ١١ م: أبؤس أبيّس. ١٢ هذا اللزوم شرطه أيضًا في الفعل ألا تكون الهمزة الأولى للمضارعة. انظر ص٢٤٢. فالمضارع: أئزّ وأئطّ وأئلّ وأئن وأئيد وأئيم وأئين، يجوز فيه إبدال الهمزة ياء ولا يجب. وفي حاشية الخضري ٢: ١٩٦: "لم أر من ذكرها على الخصوص". قلت: نص عليها ابن مالك في التسهيل ص٣٠٢. أمَّا أئمة فيجوز فيها تحقيق الهمزتين أيضًا، ويجوز إدخال ألف بينهما محققتين، أو جعل الثانية بين بين، أو إشمامها الياء. انظر النشر ١: ٣٧٨-٣٨١.
[ ٢٥١ ]
وتُبدل أيضًا من الهمزة الواقعة طرفًا بعد ألف زائدة، في التثنية، في لغة لبعض بني فَزارة، فيقولون في تثنية كِساء [٣٦ ب] ورِداء: كِسايانِ ورِدايانِ. حكى ذلك أبو زيد عنهم.
وأُبدلت بغير اطِّراد في: قَرأتُ وبَدأتُ وتَوضَّأتُ، فقالوا: قَرَيتُ وتَوضَّيتُ وبَدَيتُ. وعلى "بَدَيتُ" جاء قول زهير١:
جَرِيءٍ، مَتَى يُظلَمْ يُعاقِبْ بِظُلمِهِ سَرِيعًا، وإِلَّا يُبْدَ بالظُّلمِ يَظلِمِ
فحَذَفَ الألف المنقلبة عن الياءِ المبدلةِ من الهمزة، للجزم في "يُبْدَي".
وقالوا في واجِئ٢: واجٍ، فأبدلَ٣ الهمزة ياء، وأجراها مُجرى الياء الأصليَّة. الدليل على ذلك أنه جعلها وصلًا لحركة الجيم، في قوله٤:
وكُنتَ أَذلَّ مِن وَتِدٍ بِقاعٍ يُشَجِّجُ رأسَهُ، بالفِهرِ، واجِي
وأجراها مُجرى الياء الأصليَّة في قوله قبلُ٥
ولَولاهُم لكُنتَ كَحُوتِ بَحرٍ هَوَى، في مُظلِمِ الغَمَراتِ، داجِي
ولو كانت الهمزة منويَّة عنده لم يجز أن تكون الياء٦ وصلًا كما لا يجوز ذلك في الهمزة. ونحو من ذلك قول ابن هرمة٧:
إِنَّ السِّباعَ لَتَهدَى في مَرابِضِها والنَّاسُ لَيس بِهادٍ شَرُّهُم أَبَدا
فأبدل الهمزة من "هادئ" ياءً ضرورة. وجميعُ هذا لا يقاس عليه إِلَّا في ضرورة شعر.
وأُبدلت أيضًا من الهمزة في أَعْصُر اسم رجل٨، فقالوا: يَعْصُر. قال أبو عليٍّ: إنَّما سُمِّيَ
_________________
(١) ١ من معلقته. ديوانه ص٢٤ وشرح الشافية ١: ٢٦ وشرح شواهده ص١٠-١١. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع: "بَدَيت بالشيء وبَدِيت به وبه بَدِينا". الأفعال ١: ٩٩-١٠٠. وعن الجوهري: "أهل المدينة يقولون: بَدِينا دِينا". الصحاح "بدي". وفي الحاشية أيضًا أن الياء ليست مبدلة من الهمزة لأنها أصل. ٢ الواجئ: الضارب في أي موضع كان. ٣ كذا، بإفراد الضمير هنا وفيما يلي. ٤ سقط من م حتى نهاية البيتين التاليين. وهما لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، من قصيدة يهجو بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص. الكتاب ٢: ١٧٠ وشرح أبياته ٢: ٣٠٦ وشرح شواهد الشافية ص٣٤١ والوحشيات ص٢٢٧ والكامل ص١٤٩ و٢٨٨ و٢٨٩ "مطبوعة ليبسيغ" والعقد الفريد ٦: ١٤٨. والقاع: الأرض المستوية الطيبة الطين. والفهر: حجر صلب يدق به. والواجئ: الذي يدق ويكسر. ٥ الغمرة: الموجة. والداجي: المظلم. ٦ م: الواو. ٧ ديوانه ص٩٧ واللسان والتاج "هدأ" حيث روي: "عن فرائسها". م: "عن مرابضها". والمرابض: جمع مربض. وهو مكان الإقامة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: "أراد: لتهدأ وبهادئ، فأبدل يجوز الزحاف". اللسان والتاج "هدأ". ٨ وهو منبه بن سعد بن قيس عيلان.
[ ٢٥٢ ]
أَعصُرًا لقوله١:
أَبُنَيَّ، إِنَّ أباكَ شَيَّبَ رأسَهُ كَرُّ اللَّيالِي، واختِلافُ الأعصُرِ٢
_________________
(١) ١ م: "بقوله". والبيت في طبقات فحول الشعراء ص٢٩ والخصائص ٢: ٨٦ و٣: ١٨٢ والمحتسب ١: ٢٠ وسر الصناعة ص٧٤٠ والتاج "عصر". وقال ابن سلام: "فبهذا البيت سمِّي أعصر. وقد يقول قوم: يعصر. وليس بشيء". والأعصر: جمع عصر. وهو الزمن. ٢ في حاشية ف بخط أبي حيان: "بلغت المقابلة". وفيها عن الجوهري: "يعصر وأعصر باهلة". الصحاح "عصر".
[ ٢٥٣ ]
باب التاء:
وأمَّا التاء١ فأُبدلت من ستَّة أحرف. وهي: الواو، والياء، والسين، والصاد، والطاء، والدال.
فأُبدلت من الواو٢ على غير اطِّراد٣، في تُجاهٍ وهو "فُعال" من الوجه، وتُراثٍ: "فُعال" من وَرِثَ، وتَقِيَّةٍ: "فَعِيلَة" من وَقَيتُ، والتَّقوَى: "فَعلَى" منه، وتُقاةٍ: "فُعَلَة" منه.
وتَوراةٌ٤ عندنا "فَوعَلَةٌ" من وَرِيَ الزندُ يَرِى. وأصله "وَوْراةٌ" فأبدلوا الواو الأُولى تاء؛ لأنهم لو لم يفعلوا ذلك لأبدلوا منها همزة هروبًا من اجتماع الواوين في أوَّل الكلمة. وكذلك تَولَجٌ٥: "فَوعَلٌ" من الوُلوج أصله "وَوْلَجٌ". وهو عند البغداذيِّين "تَفْعَل"، والتاء زائدة وحملها٦ على "فَوعَلٍ" أَولى، لقِلَّة "تَفْعَل" في الكلام [وكثرة "فَوعَل"] ٧. وكذلك تَوراة٨.
وكذلك تُخَمةٌ لأنها من الوَخامة، وتُكَأةٌ لأنها من: تَوكَّأتُ، وتُكْلانٌ لأنه من: تَوكَّلتُ، وتَيقُورٌ٩ "فَيعُولٌ" من الوَقار، أصله "وَيقُورٌ". ومن أبيات الكتاب١٠.
فإِن يَكُنْ أَمسَى البِلَى تَيقُورِي
يريد: وقاري. ورجلٌ تُكَلةٌ من: وَكَلَ يَكِلُ.
_________________
(١) ١ سر الصناعة ١: ١٦١-١٧٤ والكتاب ٢: ٣١٤. ٢ المنصف ١: ٢٢٥-٢٢٨ وشرح الشافية ٣: ٢١٩-٢٢٠. ٣ ف: "قياس". وصوبت في الحاشية كما أثبتنا. ٤ م: نوراة. ٥ التولج: كناس الوحش. ٦ كذا، بتأنيث الضمير. ٧ من م. ٨ سقط "وكذلك توراة" من م. ٩ التيقور: الوقار. م: وتكلان أيضًا وتيقور. ١٠ للعجاج. ديوانه ص٢٧ والكتاب ٢: ٣٥٦ وسر الصناعة ١: ١٦٢ والمنصف ١: ٢٢٧ وفي حاشية ف بخط أبي حيان: "أصله ويقور من الوقار. ابن جنِّي في شرح البيت. أي: فإن يكن أمسى وقاري للبلى".
[ ٢٥٤ ]
وقالوا: أَتلَجَهُ أي١ أَولَجَهُ. وكذلك ما تصرَّف، نحو: مُتْلِج، و"أَتكأَهُ" وما تصرَّف منه لأنه من: تَوكَّأتُ، أيضًا.
وأُبدلت٢ من واو القسم في نحو: تاللهِ؛ لأنَّ٣ الأصل الباء، بدليل أنك إذا جررتَ المضمر أتيتَ بالباء فقلت: به وبك؛ لأنَّ المضمرات تردُّ الأشياء إلى أصولها، ثمَّ أُبدلت الواو من الباء٤، ثمَّ أُبدلت التاء من الواو.
فإن قال قائل: ولعلَّها أُبدلت من الباء. فالجواب أنَّ إبدال التاء من الواو قد ثَبَتَ. ولم يثبت إبدالها من الباء، فكان الحمل على ما له نظير أولى. وأيضًا فإن العرب لمَّا لم تَجُرَّ بها إلَّا اسم الله –تعالى- دلَّ ذلك على أنها بدلٌ من بدل؛ لأنَّ العرب تخصُّ البدلَ من البدل بشيء بعينه. وقد تَقَدَّمَ تبيين ذلك٥.
وكذلك التَّلِيدُ والتَّلادُ من: وَلَدَ وتَتْرَى: "فَعْلَى" من المُواتَرة وأصلها "وَتْرَى"، وأُختٌ لأنه من الأُخُوَّة، وبِنْتٌ لأنه من البُنُوَّة، وهَنْتٌ لقولهم في الجمع: هَنَوات، و"كِلتا" لأنه لا يُتصوَّر أن تكون أصلًا لحذفها في "كِلا"٦، ولا زائدةً للتأنيث لسكون ما قبلها وهو حرف صحيح، ولكونها حشوًا، ولا زائدةً لغير تأنيث لأنَّ التاء لا تُزاد حشوًا٧.
فلم يبق إِلَّا أن تكون ممّا انقلبت عنه ألف "كِلا" –وهو الواو- لأنَّ الألف إِذا جُهِل أصلها حُملت على الواو؛ لأنه الأكثر. وأيضًا فإنَّ إبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء.
وأُبدلت باطِّراد من الواو في "افتَعَلَ" وما تَصرَّف منه، إذا كانت فاؤه واوًا، نحو: اتَّعَدَ واتَّزَنَ واتَّلَجَ، فهو مُتَّعِدٌ ومُتَّزِنٌ ومُتَّلِجٌ، ويَتَّعِدُ ويَتَّزِنُ ويَتَّلِجُ، واتِّعادٌ واتِّزانٌ واتِّلاجٌ.
قال٨:
فإِن تَتَّعِدْنِي أَتَّعِدْكَ مَواعِدًا٩ وسَوفَ أَزِيدُ الباقياتِ القَوارِصا
وقال طرفة١٠:
_________________
(١) ١ سقط من م. ٢ م: وأبدل. ٣ سقط من م حتى قوله "وقد تقدم تبيين ذلك". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن كتاب "الجماهير" لقطرب: وزعم قوم أن التاء في تالله بدل من الواو، وهو مذهب. إِلَّا أنه يضعف لأنه يقال: وأبيك لا أفعل. ولا يقال: تأبيك لا أفعل. فلو كانت بدلًا منها جرت مجراها. ٤ كذا. ولم يذكره في باب الواو. انظر ص٢٤٠-٢٤٣. ٥ انظر ص٢٣١. ٦ م: وكلتا لا يتصور أن تكون أصلًا في كلا. ٧ كذا. وانظر ص١٨٣. ٨ الأعشى يهجو علقمة بن علاثة. ديوانه ص١٠١. ٩ في م وحاشية ف عن نسخة أخرى: "بمثلها". وهي رواية سر الصناعة١: ١٦٣. ١٠ ديوانه ص١٨٢ وسر الصناعة ١: ١٦٣. وسكن ياء القوافي للتخفيف.
[ ٢٥٥ ]
فإِنَّ القَوافِيْ يَتَّلِجْنَ مَوالجًِا تَضايَقُ، عَنها، أن تَوَلَّجَها الإِبَرْ
وقال سُحيمٌ١:
وما دُمْيةٌ، مِن دُمَى مَيْسَنا نَ، مُعْجِبةٌ نَظَرًا واتِّصافا [٣٧ أ] .
والسبب في قلب الواو في ذلك تاءً أنهم لو لم يفعلوا ذلك لوجب أن يقلبوها ياءً، إذا انكسر ما قبلها، فيقولوا:٢ ايْتَعدَ٣ وايْتَزنَ وايْتَلَجَ، وإذا انضمَّ ما قبلها رُدَّت للواو فيقولون: مُوتَعِدٌ ومُوتَزِنٌ ومُوتَلِجٌ، وإذا انفتح ما قبلها قُلبت ألفًا فيقولون: ياتَعِدُ وياتَزِنُ وياتَلِجُ. فأبدلوا منها التاء؛ لأنها حرف جلدٌ لا يَتغيَّرُ لِما قبله، وهي مع ذلك٤ قريبةُ المخرجِ من الواو؛ لأنَّها من أصول الثنايا والواو من الشفة.
فإن٥ قلت: إنَّ التاء بدل من ٦ وهي قريبة منها. فالجواب أنها ليست من حروف البدل. فلذلك لم تدل منها. ومن العرب من يجريها على القلب ولا يُبدِلها تاء٧.
فهذا جميع ما أُبدلت فيه الواو تاء.
وأُبدلت من الياء على قياس، في "افتَعَلَ"، إذا كانت فاؤه ياءً، وفيما تَصَرَّف منه. فقالوا في "افتَعَلَ" من اليُسرِ: اتَّسَرَ، ومن اليُبس: اتَّبَسَ٨. والعِلَّة في ذلك ما ذكرناه في الواو، من عدم استقرار الفاء على صورة واحدة؛ لأنك تقلبها واوًا إذا انضمَّ ما قبلها نحو: مُوتَسِر ومُوتَبِس، وألفًا٩ متى انفتحَ ما قبلها في نحو: ياتَسِرُ وياتبِسُ. فأبدلوها تاء لذلك، وأَجروها مُجرى الواو. ومن العرب من لا يُبدِلها تاء، بل يُجريها على القلب.
فإن١٠ قال قائل: فلأيِّ شيء قُلبت الياء في مثل "ياتَسِرُ" إذا انفتح ما قبلها؟ فالجواب أنه
_________________
(١) ١ ديوانه ص٤٢ والخصائص ١: ٢٨٢ و٢: ٤٣٧ وسر الصناعة ١: ١٦٣. وميسنان: اسم موضع فيه قبر عزير النبي، تخدمه اليهود وتأتيه النذور. ٢ في النسختين: "فيقولون". والتصويب من سر الصناعة ١: ١٦٤. ٣ م: ايتَّعد. ٤ ألحق في حاشية ف: أقرب الزوائد من الفم إلى الواو. ٥ سقط من النسختين حتى "لم تبدل منها"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٦ هنا كلمات مخرومة لم أتبينها. ٧ في حاشية ف بخط أبي حيان عن المسائل الإسكندرانية لابن الخشاب: "أن ذلك لغة الحجازيين من الوطء". انظر ص٢٦٥ من ابن عصفور والتصريف. ٨ م: من اليسر واليبس اتسر واتبس. ٩ م: والفاء. ١٠ سقط من م حتى قوله "مثل ايتعد وموتعد".
[ ٢٥٦ ]
لمَّا وجب في حرف العِلَّة أن يكون على حسب ما قبله إذا انكسر أو انضمَّ، فتقول: ايتَبَسَ ومُوتَبِسٌ، حملوا الفتح على الكسر والضمِّ، فجعلوا حرف العِلَّة إذا كان ما قبله مفتوحًا ألفًا. فيكون موافقًا للحركة التي تقدَّمته، كما كان ذلك في حين انكسار ما قبله وانضمامه. ولهذه العِلَّة بنفسها قُلبت الواو ألفًا في مثل "ياتَعِدُ" من الوعد. أعني أنه حُملَ الفتح على الكسر والضمِّ في مثل: ايتَعَدَ ومُوتَعِد.
وأُبدلت من الياء١ على غير اطِّراد، في قولهم: ثِنتانِ. ويَدلُّ على أنها من الياء أنها من "ثَنَيتُ"؛ لأنَّ الاثنين قد ثُنِيَ أحدهما إلى صاحبه. وأصله "ثَنَيٌ". يدلُّ على ذلك جمعُهم إيَّاه على أثناء بمنزلة أبناء وآخاء. فنقلوه من "فَعَلٍ" إلى "فِعْلٍ"، كما فعلوا ذلك٢ في بِنْتٍ.
وأَبدلوا من الياء في: كَيْتَ وكَيْتَ وذَيْتَ وذَيْتَ، وأصلهما: كَيَّة وكَيَّة وذَيَّة وذَيَّة. ثمَّ إنَّهم حذفوا التاء٣ وأبدلوا من الياء التي هي لامٌ تاءً.
وأُبدلت من السين على غير اطِّراد في سِتٍّ [في العدد] ٤. وأصله "سِدْسٌ"، بدليل قولهم في الجمع: أَسداس، وفي التصغير: سُدَيسَةٌ٥. وسيُذكر السبب في ذلك في الإدغام٦.
وقد أَبدلوها أيضًا من السين في الناس وأكياس. أنشد أحمد بن يحيى٧:
يا قاتَلَ اللهُ بَنِي السِّعلاةِ عَمرِو بنِ يَربُوعٍ شِرارِ النَّاتِ
غَيرِ أَعفَّاءَ ولا أَكياتِ
وإنَّما أُبدِلت من السين لموافقتها إيَّاها في الهمس٨، والزيادة وتجاور المخرج.
وأُبدِلت أيضًا منها في طَسٍّ فقالوا: طَسْتٌ. وإنَّما جُعلت التاء في طَسْت بدلًا [من السين] ٩.
_________________
(١) ١ م: الفاء. ٢ سقط من م. ٣ في م وسر الصناعة. الهاء. ٤ من م. ٥ إنما زيدت التاء في التصغير لأنَّ "ستّ" عدد لما هو مؤنث. ف: سديس. ٦ في الورقة ٦٧. ٧ لعلباء بن أرقم اليشكري. النوادر ص١٠٤ و١٤٧ والقلب والإبدال ص٤٢ وسر الصناعة ١: ١٧٢ والإنصاف ص١١٩ والإبدال ١: ١١٧ وشرح الشافية ٣: ٢٢١ وشرح شواهده ص٤٦٩-٤٧٢ والخصائص ٢: ٥٣ والأمالي ٢: ٧١ والسمط ص٧٠٣ والمفصل ٢: ٢٦١ وشرحه ١٠: ٣٦ والجمهرة ٣: ٣٣ والمخصص ٣: ٢٦ و١٣: ٢٨٣ واللسان "أنس" و"مرس" و"نوت" و"سعل". والسعلاة: أنثى الغيلان. وزعموا أن عمرو بن يربوع تزوج سعلاة. ٨ م: الهمز. ٩ من م.
[ ٢٥٧ ]
ولم تُجعل أصلًا؛ لأنَّ طَسًّا أكثرُ استعمالًا من طَسْت.
وأُبدلت من الصَّاد في لِصْتٍ١ ولُصُوتٍ –والأصل لِصٌّ ولُصُوصٌ- لأنهما أكثر استعمالًَا بالصاد من التاء.
وأُبدلت من الطاء في فُستاط –والأصل فُسطاط- بدليل قولهم: فَساطِيطُ، ولا يقولون "فَساتيطُ"٢، وفي "أَسْتاعَ يُستِيعُ" والأصل: أَسْطاعَ يُسْطِيعُ.
وأُبدلت من الدَّال في قولهم: ناقةٌ تَرَبُوتٌ، والأصل دَرَبُوتٌ أي: مُذلّلةٌ٣؛ لأنه من الدُّرْبة.
_________________
(١) ١ ضبط أولها في ف بالتثليث وفوقه: معًا. ٢ هذا قول ابن جني في سر الصناعة ١: ١٧٤. وعلَّق عليه أبو حيان في حاشية ف بقوله: "في كتاب الإبدال لأبي الطيب اللغوي الحلبي، ﵀: التاء والطاء: يقال فسطاط وثلاثة فساطيط. وفستاط وثلاثة فساتيط". انظر الإبدال ١: ١٣٢. ٣ م: مدربة.
[ ٢٥٨ ]
باب الميم:
وأمَّا الميم فأُبدلت من أَربعة أحرف وهي: الواو، والنون، والياء، واللَّام.
فأُبدلت من الواو١ في قولهم: فَمٌ. والأصل "فَوْهٌ"، فحُذِفَت الهاء تخفيفًا. فلمَّا صار الاسم على حرفين، الثاني منهما حرف لين، كرهوا حذفه للتنوين فيجحفوا به٢، فأبدلوا من الواو ميمًا لقُرب الميم من الواو، وقد تُشَدَّدُ الميم في ضرورة الشعر، نحو قوله٣:
يا لَيتَها قَد خَرَجَتْ، مِن فَمِّهِ حَتَّى يَعُودَ البَحرُ في أُسْطُمِّهِ
رُوي بفتح الفاء من فمِّهِ وضمِّها. والدليل على أنَّ الأصل فيه٥ "فَوْهٌ" قولهم: أَفواهٌ وفَوهاءُ٦ وأَفوَهُ ومُفَوَّهٌ.
وأُبدلت باطِّراد٧ من النون الساكنة عند الباء في نحو: عَمْبَرٍ وشَمْباءَ٨. وذلك لأنَّ النون أُخت الميم وقد أُدغِمَت في الميم، فأرادوا إعلالها أيضًا مع الباء كما أعلُّوها مع الميم بالإدغام. وسنُبيِّن ذلك بأكثر من هذا في [٣٧ ب] الإدغام٩، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ شرح الشافية ٣: ٢١٥-٢١٦ والإبدال ٢: ٣٧٨-٣٨١ والكتاب ٢: ٣١٤. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن "الجماهير" لقطرب أن بعض النحاة جعل الميم بدلًا من الهاء مع حذف الواو، وآخرين قالوا: هي عوض من الواو والهاء معًا بدليل قولهم: أفواه. انظر الارتشاف ١: ١٥٩. ٢ نصب الفعل بـ"أن" مضمرة. والمصدر المؤول معطوف على المصدر حذف. ٣ محمد بن ذؤيب العماني الفقيمي. الخصائص ٢: ٢١١ وسر صناعة الإعراب ص٤١٥ والمحتسب ١: ٧٩ والهمع ١: ١٣٩ والدرر ١: ١٠٩ والخزانة ٢: ٢٨٣ والصحاح والمقاييس "فمم" واللسان والتاج "فمم" و"فوه". وانظر ص٨٩ من ديوان العجاج. وأسطم البحر: معظمه. ٤ الرواية المشهورة: حتى يعود الملك. ٥ م: أن أصل فم. ٦ م: فوها. ٧ شرح الشافية ٣: ٢١٦. ٨ الشمباء: العذبة الفم. م: عنبر وشنباء. ٩ في الورقة ٦٥.
[ ٢٥٩ ]
وقد أُبدلت من نون البَنان، فقالوا: البَنامُ. قال١:
يا هالَ ذاتَ المَنطِقِ التَّمتامِ وكَفِّكِ، المُخَضَّبِ البَنامِ
يريد البَنان.
وأُبدلت أيضًا من الباء في قولهم٢: بَناتُ بَخْرٍ وبَناتُ مَخْرٍ. وهنَّ سحائب يأتين قُبُلَ الصَّيفِ٣، بيضٌ مُنتصباتٌ في السَّماء. قال طرفة٤:
كَبَناتِ المَخْرِ، يَمأَدْنَ كَما أَنبَتَ الصَّيفُ عَسالِيجَ الخَضِرْ
وإنَّما جُعلت الباء الأصل؛ لأنَّ البَخْر مشتقٌّ من البُخار؛ لأنَّ السحاب إنَّما ينشأ عن بُخار البحر.
وأُبدلت أيضًا من الباء فيما حكاه أبو عمرو الشيبانيُّ، من قولهم٥: ما زالَ راتِمًا على كذا، وراتِبًا أي: مُقيمًا، من الرُّتبة.
وأُبدلت أيضًا من الباء، في قولهم٦: رأيتُه مِن كَثَبٍ، ومن كَثَم أي: من قُرب. ثمَّ قالوا: قد أَكثَبَ هذا الأمرُ أي قَرُبَ، ولم يقولوا: "أَكثَمَ". فدلَّ ذلك على أنَّ الباء هي الأصل.
وأُبدلت أيضًا من الباء، في نُغَب جمع نُغْبة٧، فقالوا: نُغَمٌ. قال الشاعر٨:
فبادَرَتْ شِربَها، عَجلَى مُثابِرةً حَتَّى استَقَتْ، دُونَ مَحنَى جِيدِها، نُغَما
وأُبدلت من النون٩ فيما حكاه يعقوب عن الأحمر١٠ من قولهم: طانَهُ اللهُ على الخَيرِ،
_________________
(١) ١ ينسب إلى رؤبة. ديوانه ص١٨٣ وسر الصناعة ص٤٢٢ والأشموني ٤: ٣١٩ والتصريح ٢: ٣٩٢ والعيني ٤: ٤٠١ وشرح الشافية ٣: ٢١٦ وشرح شواهده ص٤٥٥-٤٥٩ والمفصل ٢: ٢٦٠ وشرحه ١٠: ٣٣. وهال في حاشية ف بخط أبي حيان عن شيخه الرضي: "هو ترخيم هالة". والتمتمام: الذي يتردد في نطق التاء. ٢ الإبدال ١: ٤١ وشرح الشافية ٣: ٢١٧. ٣ سقط "قبل الصيف" من م. ٤ ديوانه ص٧٤. ويمأدن: يتحركن ويتثنين. والعساليج: تخرج في الصيف تنقاد كما ينقاد الخيزران. والخضر: نبات أخضر. ٥ الإبدال ١: ٤٨ وشرح الشافية ٣: ٢١٧. ٦ الإبدال ١: ٤٩ وشرح الشافية ٣: ٢١٨. ٧ النغبة: الجرعة من الماء. ٨ سر الصناعة ص٤٢٦ والمقرب ٢: ١٧٨ واللسان والتاج "نغب" والمفصل ٢: ٢٦ وشرحه ١٠: ٣٣. ٩ كذا. وحق هذه الفقرة أن تقدم وتلحق بإبدال الميم من النون فيما مضى بعد: البنان. ١٠ القلب والإبدال ص٢٠ والإبدال ٢: ٤٢٨ وشرح الشافية ٣: ٢١٧. والأحمر هو علي بن المبارك صاحب الكسائي وأول من دوَّن عنه، أعلم من الفراء بعلل النحو ومقاييس التصريف. توفي سنة ١٩٤. إنباه الرواة ٢: ٣١٣.
[ ٢٦٠ ]
وطامَهُ أي: جَبَلَه١، وهو يَطينُه. ولا يقال "يَطِيمُه". فَدَلَّ ذلك على أنَّ النون هي الأصل.
وأنشد٢:
[لَقَد كانَ حُرًّا، يَستَحِي أن تَضُمَّهُ] ألا تِلكَ نَفْسٌ، طِينَ مِنها حَياؤُها
وأُبدلت٣ من لام التعريف. ومنه قوله، ﵇: "لَيسَ مِنَ امْبَرِّ امْصِيامُ في امْسَفَرِ"٤.
_________________
(١) ١ م: "حمله". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن الجوهري: "ابن السكيت: طامه مثل طانه". الصحاح "طيم". ٢ الإبدال ٢: ٤٢٨ والقلب والإبدال ص٢٠ وشرح الشافية ٣: ٢١٧ وشرح شواهده ص٤٥٩-٤٦٠ والصحاح واللسان والتاج "طين". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن بري: "صوابه: إلى تلك إلى تلكَ نفسٌ طِينَ فيها حَياؤها". اللسان "طين" وابن عصفور والتصريف ص٢٧٢. وطين فيها أي: هو من جبلتها وسجيتها. ٣ سقطت الفقرة من النسختين، وألحقها أبو حيان بحاشية ف. وانظر الإبدال ٢: ٣٧٨-٣٨٢ وشرح الشافية ٣: ٢١٦. ٤ ذكر ابن جني أن هذا الحديث رواه النمر بن تولب ولم يرو غيره. وانظر صحيح مسلم ص٧٨٦ وسنن ابن ماجه ص٥٣٢ وسنن النسائي ٤: ١٧٥-١٧٦ والجامع الصغير ٢: ٢٣٢ وشرح المفصل١٠: ٣٤ وحاشية الأمير على المغني ١: ٤٧ وحاشية الدسوقي ١: ٥١. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن كتاب الإبدال لأبي الطيب: ذلك في لغة حِمير والسَّلِمة.
[ ٢٦١ ]
باب النون:
وأمَّا النُّونُ فأُبدلت من اللَّام في١ "لعلَّ"، فقالوا: لَعَنّ. قال أبو النجم٢:
اغْدُ لَعَنَّا٣ في الرِّهانِ نُرسِلُهْ
وإنَّما جُعِل الأصل "لعلَّ" لأنه أكثر استعمالًا.
وأُبدلت من الهمزة، في النسب إلى٤ صَنعاء وبَهراء، فقالوا: صَنعانِيٌّ وبَهرانِيٌّ.
وزعم بعض النحويِّين أنَّ النون في "فَعْلان" الذي مؤنَّثه "فَعْلَى" بدل من الهمزة٥، واستدلُّوا على ذلك بأنهما قد تشابها -أعني فَعلان وفعلاء٦- في العدد والتوافق في الحركات والسَّكَنات والزيادتين في الآخِر، وأنَّ٧ المذكَّر [في البابين] ٨ بخلاف المؤنَّث، وأنَّكَ تقول في جمع سَكران: سَكارَى، كما تقول في جمع صَحراء: صَحارَي.
والصحيح أنها ليست ببدل؛ إذ لم يَدْعُ إلى الخروج عن الظاهر داعٍ؛ لأنه لا يلزم من توافقهما في الوزن، ومخالفة المذكَّر للمؤنَّث٩، أن يشتبها في أن يكون كلُّ واحد منهما مؤنَّثًا بالهمزة. وأمَّا جمعهم "فَعْلان" على "فَعالَى" فللشَّبه الذي بينه وبين "فَعْلاء"١٠ فيما ذُكر،
_________________
(١) ١ شرح الشافية ٣: ٢١٨ والإبدال ٢: ٢٩٦ والمفصل ٢: ٢٦١ وشرحه ١٠: ٣٦. ٢ الإبدال ٢: ٢٩٧ والأمالي ٢: ١٣٤ والسمط ٣٢٨ و٧٥٨. وهو من أرجوزة في العقد ١: ١١٨. واغد أي: اذهب باكرًا. ٣ في الإبدال: "اغد لغنا". والأمالي: اغد لعلْنا. ٤ شرح الشافية ٣: ٢١٨. ٥ يريد: بدل من الهمزة في فعلاء لأنَّ فعلى مقصور من فعلاء. وفسَّر ابن جنِّي هذا الزعم، على غير ما ذهب إليه ابن عصفور. انظر المنصف ١: ١٥٨. ٦ م: فعلى. ٧ م: فإن. ٨ من م. ٩ م: المؤنث. ١٠ م: فعلى.
[ ٢٦٢ ]
لا أنه في الأصل "فَعْلاء". وأيضًا فإنَّ النون لا تُبدل من الهمزة إِلَّا شذوذًا، نحو: بَهرانِيّ١ وصَنعانِيّ٢ لا يُحفظ غيرهما٣.
_________________
(١) ١ م: نهراني. ٢ م: ضبعاني. ٣ كذا. وانظر شرح الشافية ٢: ٥٤-٥٨ وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن الإبدال لأبي الطيب: "الفراء: يقال: هو الحِنَّاء والحِنَّان، لهذا الذي يختضب به والسين". وانظر التاج "حنأ".
[ ٢٦٣ ]
باب الهاء:
وأمَّا١ الهاء فأُبدلت من خمسة أحرف. وهي: الهمزة، والألف، والياء، والواو، والتاء.
فأُبدلت من الهمزة، في٢ "إِيَّاكَ"، فقالوا: هِيَّاكَ. أنشد أبو الحسن٣:
فهِيَّاكَ والأَمرَ الَّذِي إِن تَوَسَّعَتَ مَوارِدُهُ ضاقَتْ، علَيكَ، مَصادِرُهْ
ويقال أيضًا: أَيَّاكَ وهَيَّاكَ، بالفتح.
وطَيِّئ تُبدِل همزة٤ "إن" الشرطيَّة هاء، فتقول: هِنْ فَعَلتَ فَعَلتُ، تُريد٥ "إنْ".
وأُبدلت أيضًا من الهمزة في٦ "إنَّ" مع اللام، على اللزوم، فقالوا: لَهِنَّكَ٧. قال الشاعر٨:
ألا يا سَنا بَرقٍ، علَى قُلَلِ الحِمَى لَهِنَّكَ، مِن برقٍ، عَلىَّ كَرِيمُ
وقرأ بعضهم٩: "طَهْ، ما أَنزَلْنا علَيكَ القُرآنَ لِتَشقَى"، وقالوا: أَراد "طَأِ الأرضَ بقدمَيك
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢: ٣١٣ وشرح المفصل ١٠: ٤٢-٤٥. ف "فأما" وفي الحاشية تعليقه بخط أبي حيان مخروم أكثرها تعذرت قراءتها. ٢ الإبدال ٢: ٥٩٦-٥٧٠ وشرح الشافية ٣: ٢٢٣. ٣ لطفيل الغنوي أو مضرس بن ربعي. ديوان طفيل ص١٠ والمحتسب ١: ٤٠ وشرح الملوكي ص٢٨٣ و٣٠٤ و٣٦٤ وشرح المفصل ٨: ١١٨ و١٠: ٤٢ والإنصاف ص٢١٥ وشرح الحماسة للمرزوقي ص١١٥٢ وللتبريزي ٣: ١٥١ وشرح الشافية ٣: ٢٢٣ وشرح شواهده ص٤٧٦-٤٧٧ وشمس العلوم١: ١٦. ٤ شرح الشافية ٣: ٢٢٢-٢٢٣. ٥ ف: يريد. ٦ شرح الشافية ٣: ٢٢٢-٢٢٣. ٧ الكتاب ١: ٤٧٤ والنوادر ص٢٧. ٨ محمد بن مسلمة أو محمد بن يزيد بن مسلمة. الأمالي١: ٢٢ ونثار الأزهار ص٧٩ ومجالس ثعلب ١١٣ والزهرة ص٢٢٧ والخصائص ١: ٣١٥ و٢: ١٩٥ وأمالي الزجاجي ص٢٥٠ وديوان المعاني ٢: ١٩٢ وشرح شواهد المغني ص٢٠٥ وشرح أبياته ٤: ٣٤٧ والجنى الداني ص١٢٩ والهمع ١: ١٤١ والدرر ١: ١١٨ والخزانة ٣: ٣٣٩- ٣٤١ واللسان والتاج "لهن" و"قذي" وشرح المفصل ٨: ٦٣ و١٠: ٤٢. والسنا: الضوء. والقلل: جمع قلة. وهي أعلى الجبل. ٩: جماعة منهم الحسن وعكرمة وأبو حنيفة وورش. البحر المحيط ٦: ٢٢٤.
[ ٢٦٤ ]
جميعًا"؛ لأنَّ النبيَّ -﵇- كان يَرفع إحدى رجليه في صلاته.
وقالوا: أَيا وهَيا، في النداء١. والهاء بَدَلٌ من الهمزة؛ لأنَّ "أَيا" أكثرُ من "هيا". قال٢:
وانصَرَفَتْ، وهْيَ حَصانٌ مُغضَبَهْ ورَفَعَتْ، بِصَوتِها: هَيا أَبَهْ
يريد: أَيا أَبَهْ.
وقالوا: هَمَا واللهِ لقد كان كذا، يريدون: أَما واللهِ لقد كان كذا.
وأُبدلت أيضًا من الهمزة، في:٣ أَثَرتُ التُّرابَ٤ وأَرَحتُ الماشيةَ، وأَرَقتُ الماءَ وأَرَدتُ الشَّيء، وفيما يتصرَّف منها، فقالوا: هَثَرتُ وهَرَحتُ وهَرَقتُ وهَرَدتُ، وأُهَثِيرُ وأُهَرِيحُ وأُهَرِيقُ وأُهَرِيدُ، ومُهَثِيرٌ ومُهَرِيحٌ ومُهَرِيقٌ ومُهَرِيدٌ.
وتُبدل أيضًا من همزة الاستفهام، فيقولون٥: هَزَيدٌ مُنطلِقٌ؟ يريدون: أزيد منطلق؟ وأَنشد الفرَّاء٦:
وأَتَى صَواحِبُها فقُلنَ: هَذا الَّذِي مَنَحَ المَوَدَّة غيرَنا، وجَفانا؟
يريد: أذا الذي.
وأُبدلت من الألف في "هُنا" في الوقف، فقالوا: هُنَهْ. قال الراجز٧:
قَد وَرَدَتْ، مِن أَمكِنَهْ مِن ههُنا، ومِن هُنَهْ
وأُبدلت من الياء في ٨ "هذِي"، فقالوا: هذِهْ، [٣٨ أ] في الوقف. وقد تُبدل أيضًا منها في
_________________
(١) ١ الإبدال ٢: ٥٦٩. م: أيا في النداء وهيا. ٢ الأغلب العجلي. ديوانه ص١٤٨ ومجمع الأمثال ٢: ١٣٤ وفصل المقال ص٢١٨ وسر الصناعة ص٥٥٤ والإبدال ٢: ٥٦٩ وشرح المفصل ٨: ١١٩. والحصان: العفيفة. ٣ الإبدال ٢: ٥٦٩ -٥٧٠ وشرح الشافية ٣: ٢٢٢-٢٢٣. ٤ في شرح الشافية وشرح المفصل والإبدال "أنرت الثوب" أي: جعلت له علمًا. وفي الكتاب: همرت. ٥ شرح الشافية ٣: ٢٢٣-٢٢٤. ٦ أنشده اللحياني عن الكسائي لجميل بن معمر. اللسان والتاج "ذا". وانظر المفصل ٢: ٢٦٢ وشرحه ١٠: ٤٣ ورسالة الملائكة ص٩٣ والصحاح والقاموس والتاج "ها" وشرح الشافية ٣: ٢٢٤ وشرح شواهده ص٤٤٧ حيث قال البغدادي: "وقائله مجهول، ويشبه أن يكون من شعر عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فإن في غالب شعره أنَّ النساء يتعشَّقنه". قلت: وليس في ديواني عمر وجميل المطبوعين، والصواحب: جمع صاحبة. ٧ سر الصناعة ١: ١٨٢ وشمس العلوم ١: ١٦ والمفصل ٢: ٢٦٢ وشرحه ١٠: ٤٣ وشرح الشافية ٣: ٢٢٤ وشرح شواهده ص٤٧٩-٤٨٠ والمنصف ٢: ١٥٦ وشرح الملوكي ص٣١٢ و٣١٥ والمقرب ٢: ٣٢ ورصف المباني ص١٦٣ والمحتسب ١: ٢٧٧ والأشموني ٤: ٣٣٤ والدرر ١: ٥٢ والهمع ١: ٧٨. يذكر إبلًا. وبعدهما: إنْ لم أُرَوِّها فَمَهْ أي: فما أصنع؟ ٨ الكامل ص٨٤٢-٨٤٣ والإبدال ٢: ٥٣٠ والمنصف ٣: ١٣٩.
[ ٢٦٥ ]
الوصل. والدليل على أنَّ الياء هي الأصل قولهم في تحقير ذا: "ذَيَّا" [وفي تحقير ذِي: تَيَّا] ١. و"ذي" إِنَّما هو تأنيث "ذا"، فكما لا تجد الهاء في المذكَّر أصلًا فكذلك المؤنَّث.
وأُبدلت أيضًا من الياء في تصغير هَنَة٢: هُنَيهة. والأصل "هُنَيْوةٌ" لقولهم في الجمع: هَنَواتٌ، ثمَّ "هُيَنَّةٌ" لأجل الإدغام، ثمَّ أبدلوا من الياء الثانية هاء فقالوا: هُنَيهةٌ.
وأُبدلت من الواو في هَناه٣. والأصل "هَناو"٤، فأُبدلت الواو هاء، وهو من لفظ "هَنٍ". ولا تُجعل الهاء التي بعد الألف أصلًا؛ لأنه لا يُحفظ تركيب "هَنَهَ". وأيضًا فإنه لو كان كذلك لكان من باب: سَلِسَ وقَلِقَ. وذلك قليل.
وذهب أبو زيد٥ إلى أنَّ الهاء إنَّما لَحِقتْ في الوقف لخفاء الألف، كما لحقت في الندبة في "زَيداهْ"، ثمَّ شُبِّهت بالهاء الأصليَّة فحُرِّكت. فيكون ذلك نظير قوله٦:
يا مَرحَباهُ، بِحِمارِ ناجِيَهْ إِذا أَتَى قَرَّبتُهُ، لِلسَّانِيَهْ
فيكون ذلك من باب إجراءِ الوصل مُجرى الوقف المختصِّ بالضَّرائر. ويكون، على القول الأوَّل، قد أُبدلت فيه الواو هاء. وذلك أيضًا شاذٌّ لا يُحفظ له نظير.
والوجه عندي أنها زائدة للوقف؛ لأنَّ ذلك قد سُمِع له نظير في الشعر، كما ذكرتُ لك. وأيضًا فإنَّ ابن كَيسان -﵀- قد حكى في "المختار"٧ له أنَّ العرب تقول "يا هناه"٨ بفتح الهاء الواقعة بعد الألف، وكسرها وضمِّها. فمن كسرها فلأنها٩ هاء السَّكت، فهي في الأصل ساكنة، فالتقت مع الألف، فحرّكت بالكسر، على أصل التقاء الساكنين. ومَن حرَّكها١٠ بالفتح فإنه أَتبعَ حركتَها حركةَ ما قبلها. ومن ضمَّ فإنه١١ أجراها مُجرى حرف
_________________
(١) ١ زيادة من الكامل ص٨٤٣. ٢ المنصف٣: ١٤٠. ٣ المنصف ٣: ١٤٠-١٤٣. م: هناة. ٤ وهذا مذهب البصريين عدا أبي زيد والأخفش. شرح الشافية ٣: ٢٢٥ وشرح الكافية ٢: ١٣٨. ٥ المنصف ٣: ١٤٢. ٦ الخصائص ٢: ٣٥٨ والمنصف ٣: ١٤٢ وشرح الملوكي ص٢٠١ والأشباه والنظائر ٢: ٣٨٠ ورصف المباني ص٤٠٠ وشرح المفصل ٩: ٤٦ والهمع ٢: ١٥٧ والدرر ٢: ٢٤٨ والخزانة ١: ٤٠٠ واللسان والتاج "سني". والسانية: الدلو العظيمة. ٧ كتاب في علل النحو. وهو في ثلاث مجلدات. معجم الأدباء ١٧: ١٣٧. ٨ ذكر ابن جنِّي أنه لم يسمع فيها إِلَّا الضمَّ. المنصف ١٤٣. م: يا هناة. ٩ م: فلامها. ١٠ ف: ومن حرك. ١١ م: فلأنه.
[ ٢٦٦ ]
من الأصل، فضمَّها١ كما يُضَمُّ آخرُ المنادى. ولو كانت الهاء بدلًا من الواو لم يكن للكسر والفتح وجه، ولوجبَ٢ الضمُّ كسائر المنادَيات.
وأُبدلت من تاء التأنيث في الاسم، في حال الإفراد في الوقف، نحو: طَلحهْ وفاطمهْ٣. وحكى قُطرب عن طَيِّئ أنهم يفعلون ذلك بالتاء من جمع المؤنث السالم، فيقولون: "كيف الإِخْوةُ والخَواهْ؟ وكيف البَنُونَ والبَناهْ"؟
_________________
(١) ١ ف: فضم. ٢ م: والوجه. ٣ في النسختين: طلحة وفاطمة.
[ ٢٦٧ ]
باب ١ اللَّام:
وأمَّا اللَّام فأُبدلت من الضاد٢ في "اضطجعَ". قال الراجز٣.
لَمَّا رأَى أنْ لا دَعَهْ، ولا شِبَعْ مالَ إِلى أرطاةِ حِقفٍ، فالطَجَعْ
[يريد: فاضطَجع] ٤.
وأَبدلوا اللَّام من النون، في٥ أُصَيلان تَصغير أُصْلان، فقالوا: أُصَيلانًا وأُصَيلالًا.
_________________
(١) ١ ف: "حرف". وسقط من م. ٢ شرح الشافية ٣: ٢٢٦ وشرح المفصل ١٠: ٤٥. ٣ منظور بن حبة الأسدي. شرح الشافية ٢: ٣٢٤ و٣: ٢٢٦ وشرح شواهده ص٢٧٤-٢٧٦ و٤٨٠ والخصائص ١: ٦٣ و٢٦٣ و٣: ١٦٣ والمخصص ٨: ٢٤ والمحتسب ١: ١٢٤ والأشموني ٤: ٢٨٠ و٣٣٢ والتصريح ٢: ٣٦٧ والأشباه والنظائر ٢: ٣٤٠ وإصلاح المنطق ص٩٥ وتهذيب الإصلاح ١: ١٦٧ وشرح شواهد الإصلاح الورقة ٩٠ والمنصف ٢: ٣٢٩ والمفصل ٢: ٢٦٤ وشرحه ٩: ١٤٣ و١٠: ٤٦ والعيني: ٥٨٤ والصحاح واللسان والتاج "أرط". والدعة: الخفص والطمأنينة. والأرطاة: شجرة. والحقف: التل المعوج من الرمل. ٤ من م. ٥ الكتاب ٢: ٣١٤ وشمس العلوم ١: ١٥ وشرح الشافية ٣: ٢٢٦ والمفصل ٢: ٢٦٣ وشرحه ١٠: ٤٦.
[ ٢٦٨ ]
باب ١ الألف:
وأمَّا الألف فأُبدلت من أربعة أَحرف. وهي: الهمزة، والياء، والواو، والنون الخفيفة. إِلَّا أنَّ الذي يُذكر هنا إبدالها من الهمزة والنون؛ لأنَّ إبدالها من الياء والواو من باب القلب.
فأُبدلت من الهمزة٢ باطِّراد، إذا كانت ساكنة وقبلها فتحة، نحو: رأس وكأس، تقول فيهما [إِذا خَفَّفتَهما] ٣: كاسٌ وراسٌ. إِلَّا أنه إذا كان الحرف المفتوح الذي تليه الهمزة الساكنة همزةً التُزم قلب الهمزة الساكنة ألفًا، نحو: آدَم وآمَنَ. أصلهما "أَأْدَم"٤ و"أَأْمَن". إِلَّا أنه لا يُنطق بالأصل، استثقالًا للهمزتين في كلمة واحدة.
وأُبدلت، على غير قياس، من الهمزة المفتوحةِ المفتوحِ ما قبلها. وإنَّما يُحفظ حفظًا، نحو قوله٥:
إِذا مَلا بَطنَهُ ألبانُها حَلَبًا باتَتُ تُغَنِّيهِ وَضرَى ذاتُ أَجراسِ
يريد: مَلأَ، فأَبدل من الهمزة ألفًا٦. ومن أبيات الكتاب٧.
راحَتْ، بِمَسلَمةَ، البِغالُ عَشِيَّةً فارعَيْ، فَزارةُ، لا هَناكِ المَرتَعُ
يريد: لا هَنَأَكِ، فأبدل الهمزة ألفًا. ومن أبيات الكتاب أيضًا٨.
_________________
(١) ١ ف: "حرف". وسقط من م. وانظر الكتاب ٢: ٣٣ والمفصل ٢: ٢٥٦ وشرحه ١٠: ١٦-٢١. ٢ شرح الشافية ٣: ٢٠٩ والإبدال ٢: ٥٤٨. ٣ من م. ٤ في حاشية ف بخط أبي حيان عن اللباب أن الهمزة الثانية في التصغير والجمع تبدل واوًا، للثقل ولأنَّ حركتها عارضة. ٥ سر الصناعة ص٦٦٦ والمبهج ص٣٠ والمحتسب ٢: ١٦٢ وضرائر الشعر ص٢٣٠ واللسان والتاج "وضر". والوضرى: المرأة الوسخة. ٦ ف: فأبدلت الهمزة. ٧ للفرزدق. الكتاب ٢: ١٧ وديوان الفرزدق ص٥٠٨. قال هذا حين عُزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق، ووليها عمر بن هبيرة الفزاري. ٨ لحسان بن ثابت. ديوانه ص٣٤ والكتاب٢: ١٣٠ و١٧٠ والمفصل ٢: ٢٤٣. ويروى: "بما جاءت" و"بما سالت". يعرِّض حسان بهذيل لأنها سألت النبي -ﷺ- أن يباح لها الزنى.
[ ٢٦٩ ]
سالَتْ هُذَيلٌ رَسُولَ اللهِ فاحِشةً ضَلَّتْ هُذَيلٌ بِما قالَت، ولَم تُصِبِ
يريد: سأَلَتْ، فأبدل.
وأُبدلت أيضًا من الهمزة المفتوحة الساكنِ ما قبلها، إذا كان الساكن ممّا يمكن نقل الحركة إليه١، نحو "المرَاة" في المرأَة، و"الكمَاة" في الكَمْأَة. وذلك أنهم نقلوا الفتحة إلى الساكن قبلها، ولم يحذفوا الهمزة، بل أبقوها ساكنة، فجاءت ساكنة بعد فتحة فقلبت ألفًا.
وأُبدلت من النون الخفيفة، في ثلاثة مواضع:
أحدها: في الوقف على المنصوب٢ المنوَّنِ [٣٨ ب] غيرِ المقصور٣، نحو: رأيتُ زيدًا، وأَكرمتُ عَمْرًا. وقد بُيِّنَ في الوقف لِمَ٤ كان ذلك، وأنهم قَصدوا بذلك٥ التَّفرقةَ بين النونِ الزائدة على الاسم بعد كماله، والنونِ التي هي من كمال الاسم.
فإن كان الاسم مقصورًا فإنك تقفُ عليه بالألف نحو٦: عَصا، ورَحَى. لكن اختلفوا في الألف:
فمنهم من ذهب إلى أنَّها بدلٌ من التنوين، في الرفع والنصب والخفض. وهو مذهب المازنيِّ، وحُجَّتُه أنَّ الذي مَنعَ٧ أنْ يُبدل من التنوين في الرفع والخفض إنَّما هو الاستثقال؛ لأنه إنَّما ينبغي أن تُبدِل من التنوين حرفًا من جنس الحركة التي قبله. فلو أَبدلتَ في الرفع لقلت٨ "زَيدُو"، وفي الخفض لقلت٩ "زَيدِي"، والياء والواو ثقيلتان. وأمَّا في النصب فتُبدِل لأنَّ الذي قَبلَ التنوين فتحة. فإذا أَبدلت فإنَّما تُبدِل الألف -وهي خفيفة- نحو: رأيتُ زيدًا. فلمَّا كان ما قبلَ التنوين في المنقوص١٠ فتحةً في جميع الأحوال ساوى الرفعُ والخفضُ النصبَ، فوجب الوقف عنده في الأحوال الثلاثة بالألف.
وهذا الذي ذَهب إليه باطلٌ، إذ لو كان الأمر على ما زَعمَ لم تَقعِ الألف من المقصور قافيةً؛ لأنَّ مجيء الألف المبُدلة من التنوين قافيةً لا يجوزُ.
_________________
(١) ١ في حاشية ف بخط أبي حيان أنه إذا كان قبل الهمزة ألف تعذر النقل، نحو: الهناءة والمساءة. ٢ م: منصوب. ٣ شرح الشافية ٢: ٢٧٩-٢٨٠. ٤: ف: "لما". ولم تتقدم إشارة إلى هذه المسألة قبل. وانظر ص٢١٧ و٢٥١. ٥ سقط من م. ٦ شرح الشافية ٢: ٢٨٠-٢٨٤. ٧ م: منع من. ٨ م: لقلنا. ٩ م: لقلنا. ١٠ كذا.
[ ٢٧٠ ]
ومنهم من ذهب إلى أنَّ الألف هي١ الأصل، والمبدلة من التنوين محذوفة في جميع الأحوال. وهو الكسائيُّ، وحجَّتُه٢ أنَّ حذفَ الألف الزائدة أَولى من حذف الأصليَّة.
وذلك باطل؛ لأنَّ الزيادة لمعنى، فإبقاؤها أَولى من إبقاء الأصل. وممّا يدلُّ على ذلك أنهم إذا وصلوا قالوا: هذه عَصًا مُعْوجَّةٌ، فحذفوا الألف الأصليَّةَ وأَبقَوْا التنوينَ، فكذلك يجب في الوقف أن يكون المحذوف الألفَ الأصليَّةَ، ويكون الثابت٣ ما هو عوضٌ من التنوين.
ومنهم من ذهب إلى أنَّ الألف في حال الرفع والخفض هي الألفُ الأصليَّةُ والتنوينُ محذوفٌ، وفي النصب هي الألف المبدلةُ من التنوين والألفُ الأصليَّةُ محذوفةٌ، قياسًا للمعتلِّ على الصحيح. وهو مذهبُ سيبويه٤، وهو الصحيح. وممّا يؤيِّد ذلك كونُ المنقوص٥ يُمال في حال الرفع والخفضِ، ولا يُمال في حال النصب، ومجيءُ الألف قافيةً في الرفع والخفض، ولا تكون قافية في حال النصبِ إِلَّا قليلًا جِدًّا، على لغة من قال: رأيتُ زَيدْ.
قال العجَّاج:
خالَطَ، مِن سَلمَى، خَياشِيمَ وفَا
والثاني: الوقف على النون الخفيفة٧ اللَّاحقة للأفعال المضارعة [للتأكيد] ٨، نحو: هل تَضرِبَنْ؟ فإنك إذا وقفتَ عليه قلت: هل تَضرِبا؟ والسببُ في ذلك أيضًا ما ذكرناه في التنوين، من قصدِ التفرقةِ بين النون التي هي من نفس الكلمة، والنون التي تلحق الكلمةَ بعد كمالها، نحو قوله:٩
فإيَّاكَ والمَيْتاتِ، لا تَقرَبَنَّها ولا تَعبُدِ الشَّيطانَ، واللهَ فاعبُدا
يريد: فاعبُدَنْ.
_________________
(١) ١ م: أن الألف ألف. ٢ م: وحجتهم. ٣ م: التأنيث. ٤ كذا. وهو ليس مذهب سيبويه. انظر الكتاب ٢: ٢٩٠ وشرح الشافية ٢: ٢٨٠-٢٨٤. ٥ كذا. ٦ ديوانه ص٨٣ والمقتضب١: ٢٤٠ والمخصص ١: ١٣٦-١٣٨ و١٤: ٩٦ و١٥: ٧٨ والعيني ١: ١٥٢ والخزانة ٢: ٦ والهمع ١: ٤٠ والدرر ١: ١٤ وإصلاح المنطق ص٨٤ وشرح أبيات سيبويه ١: ٢٠٤ واللسان والتاج "فوه". والخياشيم: جمع خيشوم. وهو أقصى الأنف. ٧ شرح الشافية ٣: ٣٧٩-٣٨٠. ٨ من م. ٩ الأعشى. ديوانه ص١٠٣ حيث رُوي كما يلي: فإيَّاك والمَيْتِاتِ، لا تأكلَنَّها ولا تأخُذَنْ سَهمًا حَدِيدًا، لِتَفصِدا وذا النُّصُبِ المَنصُوبَ لا تَنسكنّهُ ولا تَعبُدِ الشَّيطانَ، واللهَ فاعبُدا وانظر العيني٤: ٣٤٠- ٣٤١ والمغني ص٣٧٢ والإنصاف ص٦٥٧.
[ ٢٧١ ]
والثالث: الوقفُ على نون١ "إِذنْ". تقولُ "أَزُورُكَ إِذا" تُريد: إِذن٢. وإنَّما جاز ذلك في "إِذن"، وإن كانت النون من نفس الكلمة، لمضارعتها نون الصَّرفِ ونونَ التأكيد في السكون، وانفتاحِ ما قبلها، وكونها قد جاءت بعد حرفين. وهما أقلُّ ما يكون عليه الاسم المتمكِّن نحو: يَد ودَم. وليست كذلك [في]: أنْ ولنْ [وعنْ] ٣. لمجيئها بعد [حرف] ٤ واحد، فلم تُشْبِه٥ لذلك التنوينَ.
فهذه جملة النونات التي أُبدلت منها الألف٦.
_________________
(١) ١ شرح الشافية ٢: ٢٧٩ -٢٨٠. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: سواء أُعملت أو أُلغيت. وقال الفراء: إذا أُعملت لم تبدل، لئلا تلتبس بـ"إذا" الزمانية. ٢ في النسختين: إذًا. ٣ من م. ٤ من م. ٥ سقط من م. ٦ سقط من م.
[ ٢٧٢ ]
[ما لم يذكره سيبويه من حروف الإبدال]:
وزاد١ بعض النَّحويِّين في حروف البدل: السين، والصاد، والزاي، والعين، والكاف، والفاء، والشين.
فأمَّا السين٢ فأُبدلت من الشين في الشَّدَهِ ومَشدُوه، فقال: السَّدَه ومَسدُوه٣. فأمَّا قول نُصيب٤:
فلَو كُنتُ وَردًا لَونُهُ لَعَسِقْتِنِي ولكِنَّ رَبِّي سانَنِي، بِسَوادِيا
فلم يُبدِلِ السينَ من الشين في "عشقتني" ولا في "شانني"، بل كان له لَثَغٌ في الشين، فكان يَتعذَّرُ عليه النُّطقُ بها حتَّى يجعلها سينًا٥.
وأمَّا الصاد فتبدل من السين٦ إذا كان بعدها قاف أو خاء أو طاء أو غين. فتقول في سَقَر وسِراط وسَخِرَ وأَسبَغَ: صَقَرٌ وصِراطٌ وصَخِرَ وأَصبَغَ؛ والسبب في ذلك أنَّ القاف والطاء والخاء والغين٧ حروفُ استعلاء، والسين حرف مُنسفِل، فكرهوا الخروج من تَسفُّل إلى تَصعُّد، فأبدلوا من السين صادًا ليتجانس الحرفان.
وأمَّا الشين٨ فأُبدلت [٣٩ أ] من كاف المؤنث في [نحو] "ضَربتُكِ"، فقالوا: ضَرَبتُشِ. ومنه
_________________
(١) ١ شرح الشافية ٣: ١٩٩-٢٠٣ و٢٣٠-٢٣٣. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن إبدال أبي الطيب أن العرب يبدلون الميم باء في ما اسمك؟ فقط، فيقولون: بااسمك؟ وعن المحتسب١: ٢٨٠: قراءة الأعمش: "فشَرِّذْ بِهِم" مجهوران متقاربان. ٢ سر الصناعة ١: ٢١٠-٢١٤ والإبدال ٢: ١٥٤-١٧٢. ٣ ف: "الشِّدّة ومشدود فقالوا السدّة ومسدود". والتصويب من المبدع وسر الصناعة ١: ٢١٠ والإبدال ٢: ١٦٤. ٤ كذا. وهو لسحيم عبد بني الحسحاس. ديوانه ص٢٦ وسر الصناعة ١: ٢١٤ والمحكم واللسان والتاج "عسق". ٥ في اللسان والتاج "عسق" أن هذا الادعاء فيه نظر. ٦ سر الصناعة ١: ٢٢٠ وشرح الشافية ٣: ٢٣٠ والإبدال ٢: ١٧٢-١٩٦ وشرح المفصل ١٠: ٥١. ٧ م: والعين. ٨ شرح الشافية ٣: ١٩٩ وسر الصناعة ١: ٢١٥-٢١٧، والإبدال ٢: ٢٣٠-٢٣٢ و١: ٢٢٦-٢٢٩.
[ ٢٧٣ ]
قوله١:
فعَيناشِ عَيناها، وجِيدُشِ جِيدُها خَلا أنَّ عَظمَ السَّاقِ مِنشِ، دَقِيقُ٢
وأُبدلت٣ من الجيم في مُدْمج فقالوا: مُدْمَشٌ. وذلك في الشعر ضرورة. قال٤:
إِذْ ذاكَ، إِذ حَبلُ الوِصالِ مُدْمَشُ
يريد: مُدْمَجُ.
وقالوا: جُعشُوشٌ وجُعسُوسٌ، أي: صغير ذليل. والأصل السينُ بدليل قولهم في الجمع: جَعاسِيسُ. فلا يأتون بالشين.
وأمَّا الزاي٥ فأُبدلت من الصاد، إذا كان بعدها قاف أو دال٦، فقالوا في مَصْدَق ومَصدُوقة: مَزْدَقٌ ومَزدُوقةٌ. وإنَّما تَفعَلُ ذلك كَلْبٌ. قال٧:
يَزِيدُ، زادَ اللهُ في خَيراتِهِ حامِي نِزارٍ، عِندَ مَزدُوقاتِهِ
وقال الآخَر٨:
ودَعْ ذا الهَوَى قَبلَ القِلَى، تَركُ ذِي الهَوَى مَتِينَ القُوَى، خَيرٌ مِنَ الصَّرْمِ مَزدَرا
وأمَّا العين٩ فأُبدلت من همزة "أنْ" فقالوا: عَنْ. قال الشاعر١٠:
أَعَن تَوَسَّمتَ، مِن خَرقاءَ، مَنزِلةً ماءُ الصَّبابةِ، مِن عَينَيكَ، مَسجُومُ؟
_________________
(١) ١ مجنون ليلى يخاطب ظبية. ديوانه ص٢٠٧ وسر الصناعة ١: ٢١٦ والكامل ص٨٥٩ وذيل الأمالي ص٦٤ والإبدال ٢: ٢٣١ والخزانة ٤: ٥٩٥-٥٩٧ الجمهرة ١: ٥ والتمام ص٣٧ وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن أمالي ثعلب: "أنشدني ابن الأعرابي المكسورة لا غير". انظر مجالس ثعلب ص١١٦ وابن عصفور والتصريف ص٢٦٥. ٢ م: رقيق. ٣ سقط من م حتى قوله "وقالوا جعشوش". وانظر الإبدال ١: ٢٢٦-٢٢٩ و٢: ١٦٠. ٤ سر الصناعة ١: ٢١٥ وضرائر الشعر ص٢٣٢ والأشموني ٤: ٣٣٥ واللسان "دمج". والمدمج: المحكم الفتل والشدِّ. ٥ الإبدال ٢: ١٢٢-١٣٣ وسر الصناعة ١: ٢٠٨ والمفصل ٢: ٢٦٧ وشرحه ١٠: ٥٢-٥٤ وشرح الشافية ٣: ٢٣١-٢٣٢. ٦ سقط من م وسر الصناعة. ٧ سر الصناعة ١: ٢٠٨ والمقرب ٢: ١٨١ واللسان "صدق" والتاج "زدق". والمزدوقات: المصدوقات، جمع مصدوقة. وهي الصدق. ٨ سر الصناعة ١: ٢٠٨ وأمالي ابن الحاجب ١: ٣١٢ والمفصل ٢: ٢٩٧ وشرحه ١٠: ٥٢ واللسان والتاج "صدر". وفي النسختين "ترك ذا الهوى من الصرم مزدقا". والتصويب من سر الصناعة. والقلى: البغض. والصرم: القطيعة. ٩ سر الصناعة ١: ٢٣٤-٢٤٦ والإبدال ٢: ٥٥٢-٥٥٦. ١٠ ذو الرمة. ديوانه ص٥٦٧ وسر الصناعة ١: ٢٣٤ والخصائص ٢: ١١١ ومجالس ثعلب ص١٠١ والخزانة ٤: ٤٩٥ وشرح شواهد الشافية ص٤٢٧. وسقط "الشاعر" من م وروي فيها: "منسجم". وتوسمت: تخيلت وتفرست. وخرقاء: اسم امرأة. والصبابة: العشق. والمسجوم: المصبوب.
[ ٢٧٤ ]
يريد: أَأَن [توسَّمتَ]؟ ١ وقال آخَر٢:
أعَن تَغَنَّتْ، علَى ساقٍ، مُطَوَّقةٌ وَرقاءُ، تَدعُو هَدِيلًا فَوقَ أَعوادِ؟
[يريد: أَأَنْ تَغنَّتْ]؟ ٣.
وقد أُبدلت من همزة "أنَّ"، فقالوا: يُعجِبُني عَنَّ عَبدَ اللهِ قائمٌ، [يريدون: "أنَّ عبدَ اللهِ قائمٌ] ٤. وأُبدلت من الهمزة في "مُؤتلِي"، فقالوا: "مُعتلي". قال الشاعر٥:
فنَحنُ مَنَعْنا، يَومَ حَرْسٍ، نِساءكُم غَداةَ دَعانا عامِرٌ، غَيرَ مُعتَلِي٦
يُريدُ: غيرَ مُؤتلي.
وأُبدلت الفاء من الثاء٧ في "ثُمَّ" و"جَدَثٍ"٨. فقالوا: قامَ زيدٌ فُمَّ عَمرٌو. والأصل الثاء لأنَّ "ثُمَّ" أكثر استعمالًا من "فُمَّ". وقالوا: "جَدَفٌ" في جَدَث. والأصل الثاء لقولهم في الجمع: أَجداث، ولم يقولوا: أجداف٩.
وأُبدلت الكاف١٠ من تاء ضمير المخاطب في "فَعلْتَ" فقالوا: فَعَلْكَ. وأُنشِدَ سُحيمٌ قصيدةً فقال: أَحسنْكَ واللهِ، يريد: أَحسنَتَ واللهِ. وأَنشد أبو الحسن لبعضهم١١:
ديا بنَ الزُّبَيرِ، طالَما عَصَيكا وطالَما عَنَّيْتَنا، إِلَيكا
لَنَضرِبَنْ، بِسَيفِنا، قَفَيكا
والسبب في أنْ لم يذكر سيبويه -﵀- هذه الحروفَ السبعة في حروف البدل
_________________
(١) ١ من م. ٢ ابن هرمة. ديوانه ص١٠٥ والخصائص ٢: ١١ وسر الصناعة ١: ٢٣٥ ومجالس ثعلب ص١٠١ والخزانة ٤: ٤٩٥. والمطوقة: الحمامة. والهديل: ذكر الحمام. ٣ من م. ٤ من م. ٥ طفيل الغنوي. ديوانه ص٣٧ وسر الصناعة ١: ٢٤٠ والأمالي ٢: ٧٩ والإبدال ٢: ٥٥٤. والمؤتلي: المقصر. ٦ في النسختين. "جرس". وفي حاشية ف: "صوابه حرس بالحاء المهملة وهو ماء لبني عقيل. وقيل جبل في بلاد عامر بن صعصعة. وبالحاء ذكره أبو عبيد البكري في معجم ما استعجم والحازمي في ما اتفق وافترق مسماه". ٧ سر الصناعة ١: ٢٥٠-٢٥٢ وشرح الشافية ٣: ٢٠١ والإبدال ١: ١٨١-٢٠٠. م: التاء. ٨ الجدث: القبر. ٩ هذا قول ابن جني في المحتسب وسر الصناعة. وخالفه أبو الطيب في الإبدال١: ١٩٢. ١٠ سر الصناعة ١: ٢٨١ والإبدال ١: ١٤٠-١٤٢. ١١ الراجز من حمير. النوادر ص١٠٥ وسر الصناعة١: ٢٨١ وشرح الشافية ٣: ٢٠٢ وشرح شواهده ص٤٢٥-٤٢٧ والعيني ٢: ٢٥٧ والأشموني ١: ٢٦٧ و٤: ٢٨٣ والمغني ص١٦٤ وشرح أبياته ٣: ٣٤٧ والجني الداني ص٤٦٨ والمقرب ٢: ١٨٣ والإبدال ١: ١٤١ وأمالي الزجاجي ص٢٣٦ والخزانة ٢: ٢٥٧. وقفيكا: أصله قفاكا، قلبت فيه الألف ياء. ورُوي "عنَّيكنا" بدل: عنَّيتنا.
[ ٢٧٥ ]
أنها تنقسم قسمين: قسمٌ: الإبدالُ فيه٢ مرادٌ٣ به تقريبُ الحرف من غيره، فبابه أن يُذكر في البدل الذي يكون بسبب الإدغام لأنه يشبهه. وهو إبدال الصاد من السين، إذا كان بعدها طاء أو خاء أو غين أو قاف. وقد تَقَدَّمَ تبيين ذلك. وقسم: الإبدال فيه قليلٌ جدًّا أو في لغة بعض العرب، فلم يعتبره. وهو ما بقي من سبعة الأحرف. فأمَّا الكاف والسين والشين والفاء فإبدالها قليل جدًّا. وأمَّا العين فإبدالها من الهمزة قليل، ولا يفعل ذلك إِلَّا بنو تميم٤. وكذلك إبدال الزاي من الصاد إنَّما تفعله كَلْبٌ٥.
_________________
(١) ١ الجملة الاعتراضية ليست في م. ٢ في النسختين: فيها. ٣ ف: المراد. ٤ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بقوله: "قال أبو الطيب: وقبائل من قيس. وأنشد: - أعن توسّمتَ البيتَ. قال: ورَوَوا بيت الشماخ: نُبِّئتُ أنَّ رُبَيعًا عَن رَعَى إِبلًا يُهدِي إليَّ خَناهُ ثانيَ الجيدِ يريد: أن رعى إبلًا". وانظر ص٢٦٧ من ابن عصفور والتعريف. ٥ في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة.
[ ٢٧٦ ]
القلب والحذف والنقل
مدخل
باب ١: القَلْب وَالحَذْف وَالنَّقْل
وإنما أَفردتُ لذلك بابًا واحدًا؛ لأنَّ جميع ذلك إنما يُتَصوَّر باطِّراد في حروف العلَّة. فإنْ جاء شيء من الحذف أو القلب، في غير حروف العلَّة، أو في حروف العلَّة في خلافِ ما يتضمَّنه هذا الباب، فيُحفَظ ولا يُقاس عليه، وسيُذكر من ذلك شيء عند الفراغ من هذا الباب.
فحُروف العلَّة هي الواو والياء والألف. وهذا الحروف تكون أُصولًَا وزوائدَ، فليُقدَّمِ الآن الكلامُ على الأصول. وقد بُيِّنَ، فيما تَقَدَّم٢، أنَّ الألف لا تكون أصلًا بنفسها، بل تكون منقلبةً عن ياء أو واو. فعلى هذا لا يخلو أن تقع الياء والواو فاءينِ أو عَينينِ أو لامينِ.
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢: ٣٥٥-٣٩٢ وشرح الشافية ٣: ٦٦-١٩٦ والمفصل ٢: ٢٦٨-٢٨٧ وشرحه ١٠: ٥٤-١٢٠. ٢ في الورقة ٢٧.
[ ٢٧٩ ]
[المعتلّ الفاء]:
فإن وقعت الواو فاءً فلا يخلو من أن تقع فاء في فعل على وزن "فَعَلَ"، أو "فَعِلَ"، أو "فَعُلَ"، أو لا تَقَع.
فإن وقعت فاءً في فعل على وزن "فَعَل" فإنها تُحذَف في المضارع١. فتقول في مضارع "وَعَدَ": يَعِدُ، وفي مضارع "وَزَنَ": يَزِنُ. وإنَّما حُذفتِ الواو لوقوعها بين ياءٍ وكسرة، وهما ثقيلتان. فلمَّا انضاف ذلك إلى ثِقَل الواو وَجب الحذف. وحَذفوا مع الهمزة والنون والتاء، فقالوا: تَعِدُ وأَعِدُ ونَعِدُ، حملًا٢ على الياء، كما أنهم قالوا: أُكرِمُ، وأصله "أُؤَكْرِمُ" فحذفوا الهمزة الثانية استثقالًا لاجتماع الهمزتين، ثم حملوا يُكرِمُ وتُكرِمُ ونُكرِمُ على "أُكرِمُ".
فإن قيل: فلأيِّ شيء حُذفتِ الواو في "يَضَعُ" مضارع "وَضَعَ"، ولم تقعْ [٣٩ ب] بين ياءٍ وكسرة؟ فالجواب أنها في الأصل وقعتْ بين ياء وكسرة؛ لأنَّ الأصل "يَوْضِعُ". لكن فُتحتِ العينُ٣ لأجل حرف الحلق. ولولا ذلك لم يجئ مضارع "فَعَلَ" على "يَفعَلُ" بفتح العين. فلمَّا كان الفتحُ عارضًا لم يُعتدَّ به، وحُذفتِ الواو رَعيًا للأصل.
فإن قيل: لو كان وقوع الواو بين ياء وكسرة يُوجِب حذف الواو لوجب حذفُها في "يُوعِدُ" مضارع "أَوعَدَ"؛ فالجواب٤ أنَّ الأصل في يُوعِدُ: "يُؤَوْعِدُ"٥ فالواو إنَّما٦ وقعت في التقدير بين همزة وكسرة، فثَبَتتْ لذلك، ولم يُلتفَت إلى ما اللفظ الآن عليه، كما لم يُلتفَت إلى اللفظ في "يَضَعُ".
_________________
(١) ١ المنصف ١: ١٨٤ و١٨٨. ٢ المنصف ١: ١٩١-١٩٢. ٣ أي: عين الفعل وهي الضاد. ٤ المنصف ١: ١٩٤. ٥ م: يؤعد. ٦ م: قالوا وإنما.
[ ٢٨٠ ]
فإن قيل: فلأيِّ شيء التزموا١ في مضارع "فَعَلَ" الذي فاؤه واو "يَفْعِل" بكسر العين، وقد كان نظيره من الصحيح يجوز فيه "يَفعُل" و"يَفعِل"، بضمِّ العين وكسرها؟ فالجواب٢ أنهم التزموا "يَفعِل" لأنَّه يؤدِّي إلى حذف الواو، فيَخِفُّ اللفظ.
فإن قيل: لو ضمُّوا العين في "يَفْعلُ"، فقالوا "يَوعُدُ"، لوجب حذفُ الواو لوقوعها بين ياء٣ وضمَّة، وهما ثقيلان؛ ألا ترى أنهم لمَّا شَذُّوا من ذلك في حرف واحد، فجاءوا به على "يَفعُلُ"، حذفوا الواو فقالوا: وَجَدَ يَجُدُ؟ ٤ قال الشاعر٥:
لَو شِئتِ قَد نَقَعَ الفُؤادُ بِشَربةٍ تَدَعُ الصَّوادِيَ لا يَجُدْنَ غَلِيلًا.
فالجواب أنَّ وقوع الواو بين ياء وضمَّة لا يُوجِبُ الحذف، بدليل قولهم في مضارع "وَطُؤَ" و"وَضُؤَ": يَوطُؤ ويَوضُؤ٦، فلا يحذفون. فأمَّا حذفُهم في "يَجُدُ" فلأنَّ "يَجُدُ" شاذٌّ، فالضمُّ فيه عارض٧، فحُذفَت فيه٨ الواو، كما حُذفتْ في "يَضَعُ".
فإن قال قائل: فلعلَّ٩ الواو في "يَجُدُ" حُذفت للثقل، ولم تُحذف في "يَوضُؤ" و"يَوطُؤ" مضارع "وَطُؤ" و"وَضُؤ" لأنهم التزموا في مضارع "فَعُلَ" طريقةً واحدةً١٠ ألا ترى أنه إنَّما يجيء على "يَفعُلُ" بضمِّ العين خاصَّةً؟ فكرهوا الحذفَ لئلَّا يتَغيَّر المضارِع عن أصله، كما التُزمَ الضمُّ في غير المضارع لذلك. فالجواب أنَّ الحذف ليس بمُغيِّر لمضارع "فَعُلَ" عن أصله.
ألا ترى أنك إذا خفَّفتَ "يَوضُؤ"، ثمَّ أَدخلت الجازم، حذفتَ الواو للجزم في١١ أحد الوجهين، على حدِّ قوله١٢:
[جَرِيءٍ مَتَى يُظلَمْ يُعاقِبْ بِظُلمِهِ سَرِيعًا] وإِلَّا يُبْدَ بالظُّلمِ يَظلِمِ
فخفَّف همزة "يُبدأ"، ثمَّ أجراها مُجرى حروف العلَّة، فحذفها للجازم. فكما أنَّ هذا القدر غير مُعتدٍّ به، فكذلك حذفُ الواو في مثل "يَوضُؤ" و"يَوطُؤ" لا يكون تغييرًا. فدلَّ ذلك على أنَّ الواو
_________________
(١) ١ ف: ألزموا. ٢ المنصف ١: ١٨٥-١٨٦. ٣ م: واو. ٤ م: يجِد. ٥ تقدم في ص١٢٢. م: لا يجِدنَ. ٦ م: يوضؤ ويوطؤ. ٧ المنصف ١: ١٨٧. ٨ م: منه. ٩ ف: لعل. ١٠ هذا مذهب المازني وابن جني. انظر المنصف ١: ٢٠٩-٢١٠. ١١ سقط من م حتى قوله "فحذفها للجازم". ١٢ زهير بن أبي سلمى. انظر ما تقدم في ص٢٥٢.
[ ٢٨١ ]
لا تُستثقل بين الياء والضمَّة، وأنها إنَّما حُذفت في "يَجُدُ" لِما ذكرناه.
وإنَّما لم يكن ثقل الواو بين الياء والضمَّة كثقلها بين الياء والكسرة؛ لأنَّ الكسرة والياء مُنافِرتان للواو -ولذلك إذا اجتمعت الواو والياء وسَبقت إحداهما بالسُّكون قُلبت الواو ياءً وصُيِّرَ اللفظُ بهما واحدًا- فإذا وقعت الواو بينهما كانت واقعةً بين شيئين ينافرانها، وإذا وقعت بين ياء وضمَّة كانت واقعة بين مُجانس ومُنافر. فلذلك كان وقوعها بين ياء وضمَّة أخفُّ من وقوعها بين ياء وكسرة.
فإذا رددتَ الفعل إلى ما لم يُسمَّ فاعله لم تَحذفِ الواو، فقلتَ: يُوعَد١. فإن قيل: ولِمَ لمْ تحذف الواو، وأنتم تزعمون أنَّ الفعل المبنيَّ للمفعول مغيَّرٌ من فِعل الفاعل، ولذلك لم تُدغم العرب الواو في الياء في "بُويِعَ" و"سُويِرَ" وأمثالهما٢؛ لأنَّ الأصل "بايعَ" و"سايَر". فكذلك كان يَنبغي أن يقال "يُعَدُ" و"يُزَنُ"؛ لأنَّ الأصل "يَعِدُ" و"يَزِنُ"؟ فالجواب أنَّ كلَّ فعلٍ مضارع ثلاثيٍّ مبنيٌّ للمفعول يأتي أبدًا على وزن "يُفعَلُ"، بضمِّ حرف المضارعة وفتح العين، ولا يَنكسر ذلك في شيء منه، فأشبهَ مضارعَ "فَعُلَ" في أنه يُلزَمُ [فيه] ٣ طريقةٌ واحدةٌ.
ألا ترى أنَّ مضارع "فَعُلَ" إنَّما يأتي أبدًا على "يَفعُلُ"، بفتح حرف المضارعة وضمِّ العين، فحُمل٤ عليه لذلك. وأيضًا فإنَّ العرب قد تَعتدُّ بالعارض، ولا تلفت إلى الأصل، فيكون قول العرب "يُوعَدُ" من قبيل الاعتداد بالعارض، فلذلك لم يُحمل على فِعل الفاعل. ويكون "سُويِرَ" من قبيل ترك الاعتداد بالعارض، فلذلك حُمل على "سايَر"، فلم تُحذف٥ الواو منه٦ كما لم تُحذف من مضارع٧ "فَعُلَ".
ويأتي مصدر "فَعَلَ" الذي فاؤه واو أبدًا٨ على وزن "فِعْلَة"، أو "فَعْل" في الغالب٩، نحو: وَعْد [٤٠أ] ووِعْدَة، ووَزْن ووِزْنة. وقد ١٠ يأتي على خلاف هذين البناءيَن، ممّا يَرِد عليه الصحيح، نحو: وَرَدَ الماءَ وُرودًا.
_________________
(١) ١ المنصف١: ٢١٠. ٢ م: وأمثالها. ٣ من م. ٤ سقط من م حتى قوله "على ساير". ٥ م: فلم يحذف. ٦ أي: من يُوعد. ٧ يريد: من يوضؤ ويوطؤ. ٨ كذا. وهو يخالف ما سيذكره بعد. ٩ سقط "في الغالب" من م. ١٠ سقط من م حتى قوله "ورودًا".
[ ٢٨٢ ]
فأمَّا "فَعْلٌ" فلم تُحذف الواو منه لخِفَّة الفتحة. وأمَّا "فِعْلَةٌ" فحُذفت الواو منه لثقل الكسرة في الواو، مع أنَّ المصدر لفعل قد١ حُذفت منه الواو، فقالوا في "وِعْدة": عِدة، فألقوا كسرة الواو على ما بعدها وحذفوها.
فإن قيل: وهلَّا حَذفوا الواو بكسرتها. فالجواب أنهم لو فعلوا ذلك لاحتاجوا إلى تكلُّفِ وصلٍ؛ لأنَّ ما بعد الواو ساكن. ولزمت التاء لأنها جُعلت كالعوض من الواو.
فإن قيل: ولأيِّ شيء التُزمَ في المصدر هذان البناءان. وقد كان الصحيح يجيء على غير ذلك من الأبنية؟ فالجواب أنهم التزموهما لخفَّتهما؛ ألا ترى أنَّ "فَعْلًا" على ثلاثة أحرف، وهو أخفُّ أبنية الأسماء الثلاثيَّة٢، وأكثرها وُجودًا؟ وأمَّا "فِعْلَةٌ" فلأنه يؤدِّي إلى حذف الواو، وهو حرف مستثقَل، كما أنهم التزموا في المضارع "يَفْعِل" بكسر العين؛ لأنَّه يؤدِّي إلى التخفيف، ولو جاء على غير ذلك، من الأوزان التي يجيء عليها مصدرُ الفعل الثلاثيِّ الصحيح٣، لم يكن في خفَّة ذلك.
وإن٤ وقعت [الواو فاء] ٥ في فِعل على وزن٦ "فَعِلَ" بكسر العين فإنَّ مضارعه يجيء على قياسه من الصحيح، وهو "يَفعَلُ"، ولا تُحذف الواو لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، نحو: وَجِلَ يَوجَلُ.
فإن قيل: فلأيِّ شيء لم يجيئوا بمضارعه على "يَفعِلُ" بكسر العين، فيكونَ ذلك سببًا للتخفيف بحذف الواو؟ فالجواب: أنهم لو فعلوا ذلك لخرجوا عن قياس مضارع "فَعِلَ"؛ ألا ترى أنه لا يجيء على "يَفعِلُ" إِلَّا شاذًّا، نحو: حَسِبَ يَحسِبُ؟ وليس كذلك "فَعَلَ"؛ لأنَّ "يَفعِل" مَقيسٌ فيه.
ومن العرب من يقلب هذه الواو طلبًا للتخفيف، فيقول٧: ياجَلُ وياحَلُ٨. وأيضًا فإنه أراد أن يُغيِّرَ الواو في مضارع "فَعِلَ"، كما غيَّرَها في مضارع "فَعَلَ"، فأبدل منها أخفَّ حروف العلَّة، وهو الألف.
_________________
(١) ١ م: "مع أن المصدر قد". وانظر المنصف ١: ١٩٥. ٢ م: أبنية الثلاثة. ٣ سقط من م. ٤ ف: فإن. ٥ زيادة يقتضيها السياق. ٦ المنصف ١: ٢٠١-٢٠٢. ٧ المنصف ١: ٢٠٢-٢٠٣. ٨ ياحل: مضارع وحِل أي: وقع في طين يضطرب فيه. م: ويوجل.
[ ٢٨٣ ]
ومنهم من يُبدل الواو ياءً، فيقول١: يَيجَلُ ويَيحَلُ. وذلك أنه قد اجتمع له واو وياء، وإحداهما ساكنة، فأشبه "يَوجَلُ" وبابُه لذلك طَيًّا مصدر "طَويتُ". فكما قَلب الواو ياءً في طيّ، وأصله "طَوْيٌ"، فكذلك٢ فعل في "يَوجَلُ". ثمَّ حمل "تَفعَلُ" و"نَفعَلُ" و"أفعَلُ" على "يَفعَلُ".
ومنهم من أراد أن يجعل قلب الواو لمُوجِب٣ على كلِّ حال، فاستعمل لغة من يكسر حرف المضارعة من "فَعِلَ" فيقول "تِعْلَمُ"٤، فقال: تِيجَلُ ونِيجَلُ [وإِيجَلُ] ٥ ويِيجَلُ، فكَسرَ حرفَ المضارعة إذا كان ياء استثقالًَا للفتحة٦ في الياء، فجاءت الواو بعد كسرة فقُلبتْ ياء.
فإن قيل: فإنهم لا يقولون "يِعلَمُ"، فيكسرون٧ حرف المضارعة إذا كان ياء، استثقالًا للكسرة في الياء. فالجواب أنهم احتَملوا هذا القَدْر من الثقل؛ لأنه يؤدِّي إلى التخفيف بقلب٨ الواو ياء.
إِلَّا أن يكون٩ مضاعفًا فإنه لا تُغيَّرُ١٠ الواو فيه، نحو: وَدِدْتُ أَوَدُّ. ولا تقول "آدُّ" ولا "أَيَدُّ: ولا "إِيَدُّ" لقوَّة الواو بالحركة.
وقد شذَّت ألفاظ، فجاء المضارع منها على١١ "يَفعِل"، فحُذفَت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة. وهي: وَرِث يَرِثُ ووَرِيَ الزَّندُ يَرِي ووَفِقَ يَفِقُ ووَغِمَ يَغِمُ ١٢ ووَمِقَ يَمِقُ ووَثِقَ يَثِقُ ووَحِرَ صَدرُه يَحِرُ ووَغِرَ يَغِرُ١٣ ووَعِمَ يَعِمُ ووَسِعَ يَسَعُ ووَطِئَ يَطَأُ١٤.
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٢٠٢-٢٠٣. ٢ م: كذلك. ٣ م: بالموجت. ٤ م: "يعلم" وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن شرح الثمانيني لتصريف ابن جني اختلاف العرب في كسر حرف المضارعة. انظر ٢٦٧-٢٦٨ من ابن عصفور والتصريف. ٥ من م. ٦ سقط "إذا كان في الياء" من م. ف: للضمة. ٧ كذا، بإثبات النون. وهو جائز مرجوح. انظر شرح القصائد العشر ص٢٧٣. ٨ ف: لقلب. ٩ يريد: مضارع "فَعِلَ يَفعَل" الذي فاؤه واو. ١٠ م: لا يغير. ١١ المنصف١: ٢٠٧. ١٢ وغم: حقد. ١٣ وغر صدره: امتلأ غيظًا. ١٤ وزاد في المنصف: ورم يرم ووله يله.
[ ٢٨٤ ]
فإن قيل: وما الدليل على أنَّ يَسَعُ ويَطَأُ: "يَفعِلُ" بكسر العين؟ وهلَّا وُقف فيهما مع الظاهر وهو "يَفعَلُ" لأنَّ العين مفتوحة، وأيضًا فإنَّ قياس مضارع "فَعِلَ": "يَفعَلُ"، فما الذي دعا إلى جعل "يَسَعُ" و"يَطَأُ" شاذَّين؟ فالجواب١ أنَّ الذي حمل على ذلك إنَّما هو حذف الواو، إذ لو كانا "يَفعَلُ" لكانا٢ "يَوطَأُ" و"يَوسَعُ". فدلَّ حذفُ الواو على أنهما في الأصل "يَوطِئُ" و"يَوسِعُ" فحُذفتِ الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ثمَّ فُتحتِ العين لأجل حرف الحلق، ولم يُعتدَّ بالفتح لأنه عارض.
وإنَّما كان الشاذُّ من "فَعِل يَفعِلُ" فيما فاؤه واو أكثرَ من الشاذِّ منه في الصحيح؛ لأنَّه شذوذ يؤدِّي إلى تخفيف اللفظ بالحذف.
وزعم الفرَّاءُ أنَّ موجِبَ الحذف إنَّما هو التَّعدِّي٣ نحو: يَعِدُ ويَزِنُ، وموجبَ الإثبات إنَّما هو عدمُ التَّعدِّي نحو: يَوجَلُ ويَوحَلُ٤.
وهذا [٤٠ب] الذي ذهب إليه فاسدٌ٥؛ لأنه خارج عن القياس؛ ألا ترى أنَّ الحذف إنَّما القياس فيه أن يكون لأجل الثقل؟ وأيضًا فإنهم قالوا: وَأَلَ زيدٌ ممّا كان يَحذرُه يَئِلُ ووَبَلَ المطرُ يَبِلُ ووَقَدَتِ النَّارُ تَقِدُ ووَحِرَ صَدرُه يَحِرُ ووَغِرَ يَغِرُ. فحذفوا الواو في جميع ذلك، وإن كان غيرَ متعدٍّ، لمَّا وقعت بين ياء وكسرة٦.
وإن وقعت [الواو فاء] ٧ في فعل على وزن "فَعُلَ" فإن مضارعه لا تحذف٨ منه الواو، نحو:٩ يَوضُؤ ويَوطُؤ، لِما ذكرنا١٠ من أنَّ الواو بين الياء والضَّمَّة أخفُّ منها بينَ الياء والكسرة.
وما عدا ذلك، ممّا تقع الواو فيه فاء، من اسم أو فعل على ثلاثة أحرف أو أزيد، فإنها لا تُقلب ولا تُحذف، إِلَّا أن تَقَعَ:
ساكنةً بعد كسرةٍ، فإنها تُقلب ياء، نحو: ميزان ومِيعاد. الأصل فيهما "مِوْزان" و"مِوْعاد"؛ لأنهما من الوزن والوعد، فقلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها.
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٢٠٧-٢٠٨. ٢ ف: لكان. ٣ المنصف ١: ١٨٨. ٤ م: يوجِل ويوجَل. ٥ المبرد هو الذي تصدى للفراء. انظر الكامل ص٧٨ والمنصف ١: ١١٨. ٦ في م تقديم وتأخير وتصرُّف. ٧ زيادة يقتضيها السياق. ٨ م: لا يحذف. ٩ المنصف ١: ٢٠٩. ١٠ في ص ٢٨١-٢٨٢.
[ ٢٨٥ ]
أو ساكنةً بعد فتحة في مضارع١ "افتَعَلَ"، فإنها تُقلب ألفًا نحو: يا تَعِدُ. أصله "يَوْتَعِد"؛ لأنَّه من الوعد، فقُلبت الواو ألفًا لأنها تُقلب ياءً بعد الكسرة في ايتَعَدَ، وتَثبتُ بعد الضَّمَّة٢ في مُوتَعِد. فلمَّا كانت بعد الكسرةِ والضَّمَّةِ على حَسَبهما٣ كانت بعد الفتحة على حسَبها، فقُلبت ألفًا بالحمل.
وأمَّا الياءُ إذا وقعت٤ فاء فلا تُقلب، إِلَّا أن تقع ساكنةً بعد ضمَّة فإنها تقلب واوًا، نحو: مُوقِن. أصله "مُيْقِنٌ"؛ لأنه من اليقين، فقُلبتْ واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها. أو تقعَ ساكنةً بعد فتحة في مضارع "افتعَلَ" نحو: يا تَئِسُ، من اليأس. أصله "يَيتَئِسُ"، فقُلبت الياءُ٥ ألفًا، للعلَّة التي قلبت الواو في "ياتَعِدُ" ألفًا. أعني: الحملَ على: ايتأسَ ومُوتَئس٦.
ولا تُحذف أصلًا إِلَّا في لفظتين شَذَّتا وهما: يَبِسُ٧ ويَئِسُ، في مضارع يَبِسَ ويَئِسَ. وأصلهما "يَيبِسُ" و"يَيئِسُ"٨، فحُذفت الياء لوقوعها بين ياء وكسرة، كما حذفت الواو من "يَعِدُ"، تشبيهًا بها في أنهما حرفا علَّة، وقد وقعا بين ياء وكسرةٍ٩. وإنَّما لم تحذف الياء باطِّراد، إذا وقعت بين ياء وكسرة؛ لأنها أخفُّ من الواو.
وكذلك جاء المصدر على قياسه من الصحيح، فجاء على "فُعْلٍ" نحو: يُنْع١٠، وعلى "فُعال" نحو: يُعار١١، وعلى ١٢ "فُعُول" نحو: يُنُوع١٣.
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٢٠٥-٢٠٦. ٢ م: الواو. ٣ م: حسبها. ٤ المنصف: ١: ١٩٥. ٥ ف: "الواو". وقيل أيضًا: يَبِسَ يابَسُ. فقلبت الياء ألفًا. ٦ م: مؤتئس. ٧ المنصف ١: ١٩٦. وقيل أيضًا: يَسِرُ. ٨ م: يبس. ٩ سقط "في أنهما وكسرة" من م. ١٠ الينع: إدراك الثمر وحينونة قطافه. ١١ اليعار: صوت الغنم والمعز. ١٢ سقط من م. ١٣ في حاشية ف بخط أبي حيان: بلغت المقابلة.
[ ٢٨٦ ]
[المعتل العين]:
فإن وقعتِ الواو والياء عينين فلا يخلو من أن يكونا عينين، في كلمة على ثلاثة أحرف، أو على أزيدَ. فإن كانت الكلمة على ثلاثة أحرف فلا يخلو أن تكون اسمًا أو فعلًا. فإن كانت الكلمة فِعلًا فإنَّ الفعل لا يخلو من أن يكون مبنيًّا للفاعل، أو مبنيًّا للمفعول.
فإن كان مبنيًّا للفاعل١ فإنَّ الفعل من ذوات الواو يكون على "فَعَلَ" و"فَعِلَ" و"فَعُلَ"، بضمِّ العين وفتحها وكسرها. فـ"فَعَلَ": قامَ، و"فَعُل": طالَ، و"فَعِلَ": خافَ. ومن ذوات الياء على "فَعَلَ" و"فَعِل"، بفتح العين وكسرها. ولا يجوز الضمُّ استثقالًَا له في الياء. فـ"فَعَلَ": باع. َ و"فَعِلَ": كادَ.
فإن قيل: فلأيِّ شيء اعتلَّت هذه الأفعال؟ وهلَّا بقيت على أُصولها، فكنتَ تقول "قَوَمَ" و"طَوُلَ" و"خَوِفَ" و"بَيَع" و"كَيِد". فالجواب أنَّ "فَعُل" و"فعِل" قُلِبت فيهما الواو والياء استثقالًا للضَّمَّةِ في الواو، والكسرةِ في الواو والياء، فقُلِبت الواو والياء إلى أخفَّ حروف العلَّة وهو الألف، ولتكون العَينات من جنس حركة الفاء وتابعةً لها. وأمَّا "فَعَلَ" فقُلِبت الواو والياء فيها٢ ألفًا لاستثقال حرف العلَّة، مع استثقال اجتماع المِثلَينِ -أعني: فتحةَ الفاء وفتحةَ العين- فقالوا في "قوَمَ" و"بَيَع": قامَ وباعَ، فقلبوا الواو والياء ألفًا لخفَّة الألف، ولتكون العين حرفًا٣ من جنس حركة الفاء.
هذا حكم هذه الأفعال، إذا أُسندت إلى ضمير غَيبة، نحو: زيد٤ قامَ وعمرٌو باعَ، أو إلى ظاهر نحو: قامَ زيدٌ وباعَ عمرٌو الطعامَ. إِلَّا فعلَينِ شذَّت العرب٥ فيهما -وهما كادَ وزالَ-
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٢٣٣-٢٤٤. ٢ م: فيهما. ٣ سقط من م. ٤ سقط من م. ٥ المنصف ١: ٢٥٢-٢٥٣.
[ ٢٨٧ ]
فأعلُّوها بنقل حركة الكسرة من العين إلى الفاءِ، فقالوا: كِيْدَ ومازِيْلَ. قال١:
وكِيدَ ضِباعُ القُفِّ يأكُلْنَ جُثَّتِي وكِيدَ خِراشٌ، يومَ ذلِكَ، يَيتَمُ
فأجرَوهما على ما يُجرَيان عليه، إذا أُسند الفعل إلى ضمير المتكلِّم أو المخاطب. وسنبيِّن حكم هذه الأفعال، إذا أُسنِدت إلى ضمير المتكلِّم أو المخاطب.
فإن أُسند الفعل [٤١أ] إلى ضمير متكلِّم أو مخاطَب٢ فإنه لا يخلو أن يكون على "فَعِلَ" أو "فَعُلَ" أو "فَعَلَ". فإن كان على "فَعِل" أو "فَعُلَ"، بضمِّ العين وكسرها، فإنك تنقل حركة العين إلى الفاء قبلها، وتحذف العين لالتقاء الساكنين، أعني: حرف العلَّة مع ما بعده. فتقول: خِفتُ وكِدْتُ وطُلتُ، فتكسر الفاء من "فَعِل"، وتضمُّ الفاء من "فَعُل".
فإن قيل: فلأيِّ شيء، لمَّا حذفوا العين، نَقلوا حركتها إلى الفاء؟ فالجواب أنهم لمَّا اضطُرُّوا إلى الحذف كان الأسهل عندهم ألَّا يحذفوا الحرف بحركته، وأن يُبقوا الحركة التي كانت في العين، فنقلوها إلى الفاء لذلك. وأيضًا فإنهم أرادوا أن يفرِّقوا بين حذف عين الفعل المتصرِّف٣، وغير المتصرِّف. فلمَّا كانوا لا ينقلون في غير المتصرِّف٤، فيقولون "لَستُ" في "لَيسَ"، نقلوا في المتصرِّف.
فإن قيل: ليست٥ عين "ليس" متحرِّكة، فلم يكن فيها ما يُنقل. فالجواب أنَّ أصلها٦ "لَيِسَ" نحو "صَيِدَ" ثمَّ خُفِّفتْ، والتُزم فيها التخفيفُ لثقل الكسرة في الياء.
فإن قيل: وما الدليل على ذلك؟ فالجواب أنه قد ثبَتَ أنها٧ فِعل، والأفعال الثلاثيَّة لا تخلو من أن تكون على وزن "فَعَلَ" أو "فَعِلَ" أو "فَعُلَ". فلا بدَّ لها من أن تكون على وزن من هذه الأوزان. وباطلٌ أن تكون مفتوحة العين في الأصل؛ لأنَّ الفتحة لا تُخفَّف٨. وباطل أن تكون
_________________
(١) ١ أبو خراش الهزلي. المنصف ١: ٢٥٢ وشرح المفصل ١٠: ٧٢ عن الأصمعي. م "خُراش". والقف: ما ارتفع من الأرض وغلظ. وضبطت التاء من "ييتم" بالفتح والضمِّ والكسر في ف. ورُوي في ديوان الهذليين ٢: ١٤٨. كما يلي: فتَقعُدُ أو تَرضَى مكاني خَلِيفةً وكادَ خِراشٌ، يَومَ ذلِكَ، يَيتَمُ وكذلك رواية شرح أشعار الهذليين، وفيه الرواية التي أثبتها ابن عصفور، مقدمًا لها بالعبارة التالية: قال أبو سعيد: وسمعت من ينشد. ٢ كذا، بإغفال نون النسوة الغائبات. وانظر ص٢٩٣، ٢٩٥، ٢٩٦، ٣٠٧. ٣ المنصف ١: ٢٣٤. ٤ يعني الجامد. م: غير المنصرف. ٥ م: أليست. ٦ المنصف ١: ٢٥٨-٢٥٩. ٧ ف: أنه. ٨ م: لا تحذف.
[ ٢٨٨ ]
مضمومة العين؛ لأنَّ "فَعُلَ" ممّا عينه ياء لم يُوجد١، فلم يبق إِلَّا أن تكون في الأصل مكسورة العين.
فإن كان الفعل على "فَعَلَ" فإنه لا يخلو أن يكون من ذوات الياء أو من ذوات الواو. فإن كان من ذوات الواو حوَّلتَه إلى "فَعُل"٢، بضمِّ العينِ، ثمَّ نقلتَ حركة العين إلى الفاء. فتقول: قُلتُ وقُلتَ. وإن كان من ذوات الياء حوَّلتَه إلى "فَعِلَ"٣، بكسر العين، ثمَّ نقلتَ حركة العين إلى الفاء. فتقول: بِعتُ وبِعتَ.
فإن قيل: ولأيِّ شيءٍ حوَّلتَ "فَعَل" إلى "فَعُلَ" في ذوات الواو، وإلى "فَعِلَ" في ذوات الياء؟ فالجواب أنه لو نَقلنا الفتحة من العين إلى الفاء، ولم نُحوِّلها كسرة ولا ضمَّة، لم يُدْرَ: هل الفتحة التي في الفاء هي الفتحة الأصليَّة التي كانت قبل النقل أو فتحة العين؟ بخلاف "فَعِلَ" و"فَعُلَ"؛ لأنَّه إذا انضمَّت الفاء أو انكسرت، بعد أن كانت مفتوحة، عُلم أنَّ الحركة التي في الفاء حركة العين نُقلت. فلذلك حُوِّلت الفتحة إلى غيرها، ليُعلم أنَّ الحركة التي في الفاء هي حركة العين، وحُوِّلت حركة العين٤ في ذوات الواو إلى الضَّمَّة وفي ذوات الياء إلى الكسرة، ليحصل بذلك الفرقُ بين ذوات الواو وذوات الياء؛ لأنَّ الضَّمَّة تدلُّ على الواو لأنها منها، والكسرةَ تدلُّ على الياء لأنها أيضًا منها.
فإن قيل: فما الدليل على أنَّ قال:٥ "فَعَلَ" في الأصل، ثمَّ نُقل٦ إلى "فَعُلَ"؟ وهلَّا ادُّعي أنه "فَعُل" في الأصل. فالجواب٧ أنَّ الذي يدلُّ على أنه ليس بـ"فَعُل" في الأصل تَعَدِّيه نحو قُلتُه -و"فَعُلَ" لا يتعدَّى- ومجيءُ اسم الفاعل منه على "فاعِل" إِلَّا شاذًّا٨ نحو: حَمُضَ فهو حامِضٌ٩. فأمَّا "قام" وأمثالُه، ممّا هو غير متعدٍّ، فالذي يدلُّ على أنه "فَعَلَ" بفتح العين مجيءُ اسم الفاعل منه على "فاعِل" نحو: قائم.
فإن قيل: وما الدَّليل على أنَّ باعَ: "فَعَلَ" في الأصل؟ وهلَّا ادَّعيتُم أنه "فَعِلَ" بكسر العين في
_________________
(١) ١ كذا. وقالوا: هَيُؤَ. انظر ص٣٠٢. ٢ المنصف: ١: ٢٣٥-٢٣٦. ٣ المنصف: ١: ٢٤٢-٢٤٤. ٤ سقط "وحولت حركة العين" من م. ٥ م: ذلك. ٦ م: ونقل. ٧ المنصف ١: ٢٣٦-٢٣٨. ٨ ف: شاذ. ٩ في الخصائص ١: ٣٨٢ أن هذا من تداخل اللغات.
[ ٢٨٩ ]
الأصل، ولم تدَّعوا أنَّ هذا الكسرة في "بِعتُ"١ أُبدلت من الفتحة. فالجواب٢ أنَّ الذي يدلُّ عل ذلك أنَّ المضارع "يَفعِلُ" نحو: يَبِيعُ، و"يَفعِلُ" لا يكون مضارعَ "فَعِلَ" إِلَّا شاذًّا.
وأمَّا "خافَ" و"كادَ" فالذي يدلُّ على أنهما "فَعِلَ" مجيءُ مضارعهما على "يَفعَلُ" بفتح العين، نحو: يَكادُ ويَخافُ.
وأمَّا "طالَ"٣ فالذي يدلُّ على أنه "فَعُلَ" في الأصل مجيءُ اسم الفاعل منه على "فَعِيل". فتقول: طَويل.
فأمَّا مضارعُ "فَعُلَ" المضمومة العين فعلى "يَفعُلُ" بضمِّ العين، على قياس نظيرها من الصحيح. لم يشذَّ من ذلك شيء.
وأمَّا "فَعِلَ" المكسورةُ العين فيجيء مضارعها أبدًا على "يَفعَلُ" بفتح العين، نحو: كِدتَ تَكادُ وزِلتَ تَزالُ. ولم يشذَّ من ذلك شيء إِلَّا لفظتان، وهما: مِتَّ تَمُوتُ ودِمتَ تَدُومُ، فجاء مضارعهما على "يَفعُلُ" بضمِّ العين. على أنه يمكن٤ أن يكون هذا من تداخل اللُّغات٥ وذلك أنهم قد قالوا: مُتَّ [٤١ب] ودُمتَ كـ"عُدتَ"٦، فيكون "تدوم" و"تموت"٧ مضارعين لـ"دُمتَ" و"مُتَّ". ومن قال٨ "مِتَّ" بالكسر و"دِمتَ" لم يستعمل لهما مضارعًا٩، بل اجترأ بمضارع "مُتَّ" و"دُمتَ" عنه.
وأمَّا "فَعَلَ" من ذوات الياء فمضارعها أبدًا على "يَفعِلُ" بكسر العين، نحو: باعَ يَبِيعُ. ولم يشذَّ من ذلك شيء.
وأمَّا "فَعَلَ" من ذوات الواو فمضارعها أبدًا على "يَفعُل" بضمِّ العين، نحو: قالَ يَقُولُ. ولم
_________________
(١) ١ سقط "في بعت" من م. ٢ المنصف ١: ٢٤٢-٢٤٤. ٣ المنصف ١: ٢٣٨-٢٤١. المراد ما كان معناه: امتدَّ. أمَّا طاله بمعنى ناله فهو على "فَعَلَ". انظر البحر المحيط ٣: ٢٢٠-٢٢١. وكذلك ما كان معناه: غلبه في الطول. واسم الفاعل من هذين: طائل. ولعل منهما قولهم: طائل وطائلة. ٤ ف: ممكن. ٥ الخصائص ١: ٣٧٤-٣٨١ والمنصف ١: ٢٥٦-٢٥٧. ٦ م: قلت. ٧ م: يدوم ويموت. ٨ م: ومن ذلك. ٩ كذا. وفي الخصائص ١: ٣٨٠ أن مضارعهما هو "تَماتُ وتَدامُ". وانظر اللسان والتاج "دوم" والمنصف١: ٢٥٦ وأضداد ابن الأنباري ص١٢.
[ ٢٩٠ ]
يشذَّ من ذلك شيء إِلَّا لفظتان، وهما١: طاحَ يَطِيحُ وتاهَ يَتِيهُ، في لغة من قال: ما أَطوَحَهُ وما أَتوَهَهُ! ٢ ولا يمكن أن يكونا٣ على هذا "فَعِلَ"٤ بكسر العين؛ لأنَّ "فَعِل يَفعِلُ" شاذٌّ من الصحيح والمعتلِّ، و"فَعَلَ يَفعِلُ" وإن كان شاذًّا فيما عينُه واو فليس بشاذٍّ في الصحيح. فحملُهما على ما يكون مَقيسًا في حالٍ أَولَى.
فأمَّا من قال "ما أَتيَهَهُ"! فقوله "يَتِيهُ" على القياس. والدليل أيضًا على أنَّ "تاهَ" قد يكون من ذوات الياءِ قولهم٥: وَقَعَ في التُّوهِ والتِّيه. فقولهم "في التِّيه" دليلٌ على أنه من ذوات الياء، بقاءً مع الظاهر. وكذلك أيضًا "تَيَّهَ" يدلُّ على أنَّ "تاهَ" من ذوات الياء.
فإن قيل: فلعلَّ تَيَّهَ: "فَيعَلَ"٦، وهي٧ من ذوات الواو، والأصل "تَيْوَهَ" فقُلبت الواو ياءًَ وأُدغمت الياء في الياء. فالجواب٨ أنَّ "فَعَّل" أكثرُ من "فَيعَلَ"، فيجبُ أن يُحمل "تَيَّهَ" على "فَعَّل" لذلك. وأيضًا فإنَّ "تَيَّه" للتكثير، فينبغي أن يكون على "فَعَّل"؛ لأنَّ "فَعَّلَ" من الأبنية التي وضعتها العربُ للتكثير، نحو: قَطَّعَ وكَسَّرَ.
وأيضًا فإنهم يقولون فيه إذا ردُّوه لِما لم يُسمَّ فاعلُه: تُيِّهَ٩. ولو كان "فَيعَلَ" لقالوا١٠ "تُوْيِهَ" إن كان من ذوات الياء، و"تُوْوِهَ" إن كان من ذوات الواو١١ كـ"بُوْطِرَ". ولم يجز الإدغام كما لم يُدغم مثل "سُوْيِرَ"؛ لأنَّ الواو مَدَّة. وسيُبيَّن ذلك في بابه، إن شاء الله تعالى١٢.
فإن قيل: فلأيِّ شيء قالوا في مضارع "فَعَلَ" من ذوات الواو: "يَفعُلُ"، ومن ذوات الياء: "يَفعِلُ"، وقد
كان "فَعَلَ" من الصحيح يجوز في مضارعه "يَفعُلُ" و"يَفعِل"، نحو: يَضرِبُ ويَقتُلُ؟ فالجواب عن ذلك شيئان:
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٢٦١-٢٦٢. ٢ في م تقديم وتأخير وتصرف. ٣ ف: يكون. ٤ مذهب الخليل أن تاه وطاح هما على "فعِل يفعِل". المنصف ١: ٢٦١-٢٦٢. ٥ رواه المازني عن أبي زيد في المنصف ١: ٢٦٥. ٦ المنصف ١: ٢٦٢-٢٦٣. ٧ م: وهو. ٨ المنصف ١: ٢٦٣-٢٦٤. ٩ وأنشد فيه المازني وابن جني لرؤبة. تُيِّهَ في تِيهِ المُتيَّهِينْ ١٠ ف: لقال. ١١ سقط "إن كان من ذوات الياء الواو" من م. ١٢ سقط من م. وانظر الورقة ٤٥.
[ ٢٩١ ]
أحدهما: أنه لمَّا حُوِّلَ "فَعَلَ" من ذوات الواو إلى "فَعُلَ"١ جاء مضارعه كمضارع "فَعُل"، فالتزموا فيه "يَفعُلُ" بضمِّ العين. وأمَّا "فَعَلَ" من ذوات الياء فلمَّا حُوِّلَ إلى "فَعِل" أشبَهَ "فَعُلَ" من ذوات الواو، في أنَّ بناءهما في الأصل "فَعَلَ" مفتوح العين، وأنَّ كلَّ٢ واحدٍ منهما حُوِّلت٣ حركة عينه الأصليَّة إلى حركة من جنس العين. فكما التزموا في مضارع "فَعَلَ" من ذوات الواو أن تكون حركة العين من جنسها، كذلك التزموا في مضارع "فَعَلَ" من ذوات الياء أن تكون حركة العين من جنسها.
فإن قيل: فهلَّا لمَّا حوَّلوا "فَعَلَ" من ذوات الياء إلى "فَعِلَ" جعلوا مضارعه "يَفعَلَ" بفتح العين، كمضارع "فَعِلَ"، ثمَّ حملوا "فَعَل"٤ من ذوات الواو على "فَعَل" من ذوات الياء. فالجواب أنَّ "فَعِل" المكسورَ العين قد شذُّوا في مضارعه. فجاء على "يَفعِلُ" نحو: حَسِب يَحسِبُ ونَعِمَ يَنعِمُ، وعلى "يَفعُلُ" بضمِّ العين نحو: فَضِلَ يَفضُلُ. فإذا فعلوا ذلك فيما عينه مكسورة في الأصل فالأحرى أن يجيء ذلك فيما عينه في الأصل مفتوحة. وأمَّا "فَعُل" فلم يشِذُّوا في شيء من مضارعه. فلذلك لمَّا حُوِّلتْ "فَعَلَ" إليها التزموا في المضارع "يَفعُل" بضمِّ العين.
وأيضًا فإنهم إذا جعلوا مضارع "فَعَلَ"٥ من ذوات الواو "يَفعُلُ" بضمِّ العين لم يُخرجوه عمَّا كان يجوز فيه قبل نقله٦ إلى "فَعُلَ"؛ لأنَّ "يَفعُلُ" مضارعُ "فَعَلَ" في فصيحِ الكلامِ. بل يكون قد التُزم فيه أحد البناءين اللذين كانا له في نظيره من الصحيح. ولو جعلتَ مضارع "فَعَلَ" ممّا عينه ياء على "يَفعَلُ" بفتح العين٧ لكنتَ قد جعلت مضارعه بعد النقل خارجًا عن قياس ما كان عليه قبل النقل.
والآخر٨: أنهم أَرادوا التفرقة بين ذوات الواو وذوات الياء، فالتزموا في ذوات الواو "يَفعُلُ" بضمِّ العين؛ لأنَّ الضَّمَّة٩ من جنس الواو، وفي "فَعَلَ" من ذوات الياء "يَفعِلُ" بكسر العين؛ لأنَّ الكسرة من جنس الياء.
_________________
(١) ١ يريد: عندما اتصل بضمير رفع متحرك. ٢ م: كان. ٣ سقط من م. ٤ م: فعِل. ٥ سقط من م. ٦ م: قلبه. ٧ وهو خاص بحلقي العين أو اللام. ٨ ذكر السبب الأول في الفقر الثلاث المتقدمة. ٩ ف: الضم.
[ ٢٩٢ ]
وهذا الوجه الآخر أَولى؛ لأنهم قد فعلوا مثل ذلك في المعتلِّ اللام١: التزموا في "فَعَلَ" من ذوات الواو "يَفعُلُ" بضمِّ العين نحو: يَغزُو، وفي مضارع "فَعَلَ" من ذوات الياء "يفعِلُ" بكسر العين نحو: يَرمِي، تفرقةً بين الياء والواو. وسنبيِّنُ ذلك بعدُ٢، إن شاء الله.
فإن قيل: فهلَّا فرَّقوا في مضارع [٤٢أ] "فَعِلَ" المكسورةِ العين، بين ذوات الياء والواو، فالتزموا في مضارع ذوات الواو "يَفعُلُ" بضمِّ العين، وفي مضارع "فَعِلَ" من ذوات الياء "يَفعِلُ" بكسر العين، كما فعلوا٣ في "فَعَلَ". فالجواب أنهم لو فعلوا ذلك لأخرجوا مضارع "فَعِلَ" المكسورِ العين عن قياسِهِ؛ لأنَّ المضارع منه إنَّما يأتي على "يَفعَلُ" بفتح العين. وليس كذلك "فَعَلَ"، بل مضارعه يأتي على "يَفعُلُ" و"يَفعِلُ". فالتزمنا في ذات الواو أحد الجائزين، وهو "يَفعُلُ" المضموم٤ العين، وفي ذوات الياء أيضًا أحد الجائزين، وهو "يَفعِلُ" المكسور العين.
فإن قيل: فإنَّ٥ الأصل "يَقْوُمُ و"يَصْوُلُ" و"يَبْيِعُ" و"يَكْيَدُ" و"يَخْوَفُ". فحرفا العلَّة -وهما الواو والياء- قد أُسكن٦ ما قبلهما، وإذا أُسكن ٧ ما قبلَ حرف العلَّة صَحَّ نحو: ظبْي وغزْو. وهذا في المعتلِّ اللام، فالأحرى أن يكون ذلك في المعتلِّ٨ العين؛ لأنَّ العين أقوى من اللام وأقربُ إلى أن تَصِحَّ. فالجواب٩ أنهم أَعلُّوا المضارع حملًا على الماضي، فلم يمكنهم أن يُعِلُّوا بقلب حرف العلَّة ألفًا، مع إبقاء سكون ما قبل حرف العلَّة، فأعلّوا بالنقل، فنقلوا حركة العين١٠ إلى الفاء، كما نقلوها في إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم والمخاطب١١.
فلمَّا نقلوا في "يَقْوُلُ" و"يَطْوُلُ" صارا: يَقُولُ ويطُولُ. ولمَّا نقلوا في "يَبْيِعُ"١٢ صار: يَبِيعُ. ولمَّا نقلوا في "يَكْيَدُ" و"يَخْوَفُ" صارا "يَكَيْدُ" و"يَخَوْفُ". ثمَّ قلبوا الواو والياء ألفًا، لتحرّكهما١٣ في الأصل قبل النقل، وانفتاحِ ما قبلَهما في اللفظ، ولم يعتدُّوا بالسكون؛ لأنَّه
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٢٤٥-٢٤٦. ٢ في الورقة ٥٠. ٣ ف: كما جعلوا. ٤ م: المضمومة. ٥ ف: إن. ٦ م: سكن. ٧ م: سكن. ٨ م: في المعتل اللام فكيف في المعتل. ٩ المنصف ١: ٢٤٧. ١٠ ف: فأعلوا بنقل حركة العين. ١١ كذا، بإغفال ضمير الإناث الغائبات. وانظر ص٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦، ٣٠٧. ١٢ م: يَبِيع. ١٣ م: لتحركها.
[ ٢٩٣ ]
عارض بسبب النقل، والعارضُ الغالبُ فيه ألَّا يُعتدَّ به.
وكذلك: قُمْ وبِعْ، وأصلُهما "اقْوُمْ" و"ابْيعْ"، ثمَّ نقلت حركة العين إلى ما قبلها، فتحرَّك١ فذهبت همزة الوصل؛ لأنها إنَّما أُتي بها لأجل الساكن، فزالت بزواله، ثمَّ سكَّنوا الآخِر، وحذفوا حرفَ العلَّة لالتقاء الساكنين.
ويُحكى٢ أنَّ أبا عُمرَ٣ الجَرميَّ -﵀- دخل بغداذ، وكان بعض كبار الكوفيِّين يغشاه ويكثر عليه المسائل - ويقال هو الفرَّاء٤- وهو يجيبه. فقال له بعض أصحابه: إنَّ هذا الرجل قد ألحَّ عليك بكثرة المسائل فلمَ لا تسأله؟ فلمَّا جاءه قال له: يا أبا فلان، ما الأصل في "قُمْ"؟ فقال له: "اقْوُمْ". فقال له: فما الذي عملوا به؟ فقال: استثقلوا الضَّمَّة على الواو، فأسكنوها. فقال له: أخطأت لأنَّ القاف قبلها ساكنة. فلم يَعُدْ إليه الرجل بعدها.
فأمَّا اسم الفاعل من "فَعَلَ" فـ"فاعِلٌ" نحو: قائم وبائع. وقد ذكرنا من أيِّ شيء أُبدلت الهمزة٥، في باب البدل.
وأمَّا من "فَعُلَ" المضمومة العين فعلى قياس الصحيح. فتقول: طَويل، كما تقول: ظَريف.
وأمَّا مِن "فَعِل"، إن جاء على "فاعِل"، فإنك تُبدل الهمزة من العين نحو "خائف"، وقد ذكر في البدل٦، وإن جاء على "فَعِل" فإن حرف العلَّة ينقلب ألفًَا لتحرُّكه وانفتاح ما قبله، كما فُعِل بالفعل٧، نحو: خافٍ٨ ومالٍ، اسما فاعل من "خافَ٩ الرجلُ"، و"مالَ" إذا كثر ماله. جاء على "فَعِل" على حدِّ قولهم: حَذِرَ يَحذَرُ فهو حذِرٌ، في الصحيح١٠.
فإن كان الفعل مبنيًّا للمفعول١١ صيَّرتَه على "فُعِلَ"، فتضمُّ فاءه وتكسر عينه، فتقول "قُوِلَ"
_________________
(١) ١ م: إلى فاء قبلها فتحركت. ٢ المنصف ١: ٢٤٨. ٣ م: أبا عمرو. ٤ كان بين الفراء والجرمي مناظرات. انظر إنباء الرواة ٢: ٨١ وتاريخ بغداد ٩: ٣١٣-٣١٥. والقصة هذه في الخصائص ٣: ٢٩٩ والمزهر ٢: ٣٧٧-٣٧٨. ٥ في الورقة ٣١. ٦ في الورقة ٣١. ٧ المنصف ١: ٣٣٣. ٨ م: جاف. ٩ م: جاف. ١٠ سقط "جاء على فعل في الصحيح" من م. ١١ المنصف ١: ٢٤٨-٢٥٠.
[ ٢٩٤ ]
و"بُيِع". فتُستثقل الكسرة في الياء والواو:
فمنهم من يحذفها فيُسْكن الواو فتصيرُ: قُوْلَ، ويُسْكن الياء، فتصير ساكنة بعد ضمَّة فتُقلب واوًا، فيقول١: بُوْعَ. وجُعلت العين في هذا الوجه تابعة لحركة الفاء، كما كانت في فعل الفاعل.
ومنهم من ينقل الكسرة من العين إلى الفاء، فيقول: بِيْعَ. وأمَّا "قُوْلَ" فينقل٢ الكسرة من العين إلى الفاء فتصير الواو ساكنة بعد كسرة فتَنقلب ياءً، فيقول٣: قِيْلَ.
وإنَّما جاز نقل حركة العين إلى الفاء، في فعل المفعول، من غير أن يُسند إلى ضمير المتكلِّم أو المخاطَب٤، ولم يجز ذلك في فعل الفاعل إِلَّا في "كاد" و"زال" كما تقدَّم -تشبيهًا٥ للكسرة التي في عين "فُعِل" بالكسرة التي في عين "فَعِل" من ذوات الياء إذا حُوِّلت، من جهةِ أنَّ كلَّ واحدة من الكسرتين أصلها الفتح؛ ولأنَّ في نقل حركة العين إلى الفاء تخفيفًا بقلب الواو ياءً، والياءُ أخفُّ من الواو، فتصير ذوات الواو والياء بلفظ واحد. وفي نقل حركة العين إلى الفاء في فِعل الفاعل تثقيلٌ؛ لأنك تقول: كِيْدَ وزِيلَ، و"كادَ" و"زالَ" أخفُّ؛ لأنَّ الألف أخفُّ من الياء. ولذلك كان النقل في "فُعِلَ"٦ أحسنَ من حذف الكسرة [٤٢ب] من العين؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى قلب الياء واوًا، فتقول "بُوْعَ"، فتُخرِجُ الأخفَّ إلى الأثقل.
ومن العرب٧ من إذا نقل الكسرة من العين إلى الفاء أشمَّ الفاءَ الضَّمَّةَ، دليلًا على أنَّ٨ الفاء مضمومة في الأصل. وذلك بأن تضُمَّ شفتيك ثمَّ تَنطق بالفعل، ولا تلفظَ بشيء من الضَّمَّة. ولو لفظتَ بشيء من الضَّمَّة لكان رَومًا لا إشمامًا. قال الزَّجاجيُّ: "وذلك لا يُضبَطُ إِلَّا بالمُشافهة"٩. إشارةً إلى أنه لا يُسمَعُ بل يُرى. وأمَّا بعضُ النَّحويِّين. وكافَّةُ القُرَّاء فإنهم يجعلون الكسرةَ بينَ الضَّمَّة والكسرة. والذي عليه المُحقِّقون من النحويِّينَ ما ذكرتُ لك. ولذلك سَمَّوه إشمامًا.
_________________
(١) ١ م: فتقول. ٢ سقط "الكسرة من العين فينقل" من م. ٣ م: فتقول. ٤ م: "ضمير متكلم أو مخاطب". وأغفل ابن عصفور ذكر ضمير الإناث الغائبات. وانظر ص٢٨٨، ٢٩٣، ٢٩٦، ٣٠٧. ٥ سقط من النسختين حتى قوله "أصلها الفتح"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. وانظر الورقة٤٠. ٦ م: فَعِل. ٧ المنصف ١: ٢٤٨-٢٥١. ٨ سقط من م. ٩ الجمل في النحو ص٧٦. والزجاجي هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق النحوي، توفي سنة٣٤٠. البلغة ص١٢١.
[ ٢٩٥ ]
هذا ما لم تُسنِدِ الفعلَ إلى ضمير المتكلِّم أو المخاطَب ١. فإن أَسندته إليهما٢ فإنَّ الذي يُخلِصُ الضمَّ، فيقول: بُوعُ وكُولَ٣ زيدٌ الطعامَ. يقول: بُعتُ وكُلتُ الطعامَ، فيُخلِص الضمَّ٤ أيضًا. والذي يقول: بِيعَ وكِيلَ، فيُشِمُّ يَقُول: بِعتُ وكِلتُ فيُشِمُّ. والذي يقول: بِيعَ وكِيلَ، فيُخلص الكسر يقول: بِعتُ وكِلتُ، فيُشمُّ، تَفرقةً بين فعل الفاعل وفعل المفعول. ومنهم من يُخلص الكسر -وذلك قليل- ويَتَّكلُ في التَّفرقة على القرائن وما يَتَّصل بالفعل، من قبلُ أو بعدُ.
فإذا بَنَيتَ منه المضارع ضممتَ أَوَّلَه وفتحتَ ما قبلَ آخِره، فقلت "يُقْوَلُ" و"يُبْيَعُ". ثمَّ تُعِلُّه حملًا على الماضي، كما كان ذلك في مضارع فعل الفاعل، فتنقل فتحة العين إلى الفاء، فيصير "يُقَوْلُ" و"يُبَيْعُ". فتُقلَب الواو والياء ألفًا، لانفتاح ما قبلهما ولتحرُّكهما٥ في الأصل؛ لأنَّ السكون عارض بسبب النقل، والأحسن في العارض ألَّا يُعتدّ به، فيقال: يُقالُ ويُباع.
وأمَّا اسم المفعول ٦ فإنَّه يأتي على وزن "مَفعُول" على قياس الصحيح، نحو "مَبْيُوع" و"مَقْوُول". فيُعلُّ حملًا على فعله، فتُنقَل حركة العين إلى الساكن قبل، فيصير "مقُوْوْل" و"مَبُيْوْع" فيجتمع ساكنان: واو "مَفعول" والعينُ، فتُحذَف واو "مَفعول"، فيُقال: مَقُولٌ، في ذوات الواو. وأمَّا "مَبُيْوْعٌ" فإنه إذا حُذِفت واو "مَفعول" قُلبت الضَّمَّة التي قبل العين كسرةً، لتصِحَّ الياء، فتقول: مَبِيعٌ. هذا مذهب الخليل وسيبويه٧.
وأمَّا أبو الحسن ٨ فإنه ينقل٩ الحركة من العين إلى الفاء، في ذوات الواو، فيلتقي له ساكنان، فيحذف العين فيقول: مَقُول. وفي ذوات الياء نحو "مَبْيُوع" ينقل١٠ الضَّمَّة من الياء
_________________
(١) ١ كذا، بإغفال ضمير الغائبات. وانظر ص٢٨٨، ٢٩٣، ٢٩٦، ٣٠٧. ٢ المنصف ١: ٢٥٣-٢٥٥. ٣ كول: أُعطي بالكيل. ٤ م: الضَّمَّة. ٥ م: ما قبلها لتحركها. ٦ انظر المنصف ١: ٢٦٩-٢٧٢ والمقتضب لابن جني ص١-٢٧. وقد سماه الناشر "المغتصب" خطأ. ٧ الكتاب ٢: ٢٦٣ والمنصف ١: ٢٨٧ والمقتضب ص ١. ٨ المنصف ١: ٢٨٧-٢٨٨ والمقتضب ص ٢. ٩ م: فانه يقول ينقل. ١٠ م: تنقل.
[ ٢٩٦ ]
إلى ما قبلها، ثمَّ يقلب١ الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء فيلتقي الساكنان٢: الياء وواو "مفعول"، فتُحذف الياء، فتجيء الواو ساكنة بعد كسرة، فتقلب الواو ياء، فيقول٣ مَبِيعٌ.
فممَّا يُحتَجُّ٤ به للخليل أنَّ الساكنين، إذا اجتمعا في كلمة، حُرِّك الثاني منهما دون الأول٥، فكما يُوصل إلى إزالة التقائهما بتحريك الثاني منهما، كذلك يوصل إلى إزالة التقائهما بحذف الثاني منهما. وأيضًا فإنَّ حذف الزائد أسهل من حذف الأصل. فلذلك كان حذف واو "مفعُول" أسهلَ من حذف العين.
وأيضًا فإنهم [قد] ٦ قالوا٧: "مَشِيبٌ" في مَشُوب، و"غارٌ مَنِيلٌ"٨ في مَنُول، و"أرضٌ مَمِيتٌ عليها" في مَمُوت، و"مَرِيحٌ"٩ في مَرُوح. فقلبوا الواو ياء شذوذًا. فدلَّ ذلك على أنَّ الواو المُبقاةَ هي العين، وأن المحذوفة واوُ "مفعول"؛ لأنهم قد قلبوا الواو التي هي عين ياءً، فقالوا "حِيرٌ" في حُور. أنشدَ أبو زيدٍ١٠.
عَيناءُ حَوراءُ، مِن العِينِ الحِيْرْ
ولا يُحفَظ قلب واو "مَفعول" ياءً، إِلَّا أن يُدغَم١١ نحو: مَرمِيّ. وأيضًا فإن واو "مَفعُول" أقرب إلى الطَّرَف فحَذفُها أَسهلُ.
وأمَّا أبو الحسن فيستدلُّ١٢، على أنَّ المحذوف هو العين، بأنها لغَيرِ معنًى، وواوُ "مَفعولٍ" حرفُ معنًى١٣ يدلُّ على المفعوليَّة. فحَذفُ ما لا معنى له أسهلُ، كما أنَّه لمَّا اجتمعت التاءان
_________________
(١) ١ م: ثم تقلب. ٢ م: ساكنان. ٣ بالياء والتاء في ف. ٤ انظر المنصف١: ٢٠٩-٢٩١ وأمالي ابن الشجري ١: ٢٠٠-٢١٠. ٥ ومثله في المنصف ١: ٢٩٠. وذلك نحو لم يردَّ ولم يلْدَهُ، ورُدَّ وانطلقَ في صيغة الأمر، حرك فيه الثاني لالتقاء الساكنين. وزاد ابن جني في المنصف "ولأبي الحسن أن يردَّ هذا ويقول: إنهما إذا التقيا في كلمة واحدة حذف الأول نحو: خفْ وقُلْ وبعْ. لا سيما إذا كان الثاني منهما جاء لمعنى نحو التنوين في غازٍ". وانظر أمالي ابن الشجري ١: ٢٧٧-٢٠٨ وشرح الشافية ٢: ٢٣٨-٢٤٠. ٦ من م. ٧ الكتاب٢: ٣٦٣ والمنصف١: ٢٨٩ و٣٠٠ والمقتضب ص٢-٣. ٨ المنيل: الذي ينال ما فيه. ٩ الغصن المريح: الذي حركته الريح. ١٠ لمنظور بن مرثد. شرح المفصل ٤: ١١٤ و١٠: ٧٩ والمخصص ١: ١١٩ و٤: ١٢٤. وكتاب مسائية بذيل النوادر ص٢٣٦ والمنصف ١: ٢٨٨ وأمالي ابن الشجري ١: ٢٠٩ واللسان "حور". والحير: جمع حوراء. ١١ زاد في م: "معًا". الصواب: في ياء. ١٢ أمالي ابن الشجري ١: ٢٠٥. ١٣ سقط من م.
[ ٢٩٧ ]
في "تَذَكَّرُونَ" ونحوه حُذفتِ الثانية، ولم تُحذف الأولى حيث كانت لمعنًى.
وللخليل أن يَفرق بينهما فيقول:١ إنَّ التَّاء الأولى في "تَذَكَّرُونَ" وأمثاله حرف منفرد، فلو حُذفتْ لم يبق ما يدلُّ على المعنى الذي كانت التاء تعطيه. وأنت إذا حذفت واو "مَفعُول" أبقَيتَ الميم تدلُّ على معنى المفعوليَّة.
فإن قال٢: إنَّ الزِّيادة التي لمعنى إذا كانت معها زيادة أُخرى فإنهما يجريان مجرى الزِّيادة الواحدة؛ ألا ترى أنَّ المعنى يقع بمجموعهما؟ فإذا وقع٣ بمجموعهما لم يَجُز أن تُحذف واحدة منهما، كما لم يجز أن تُحذف [٤٣أ] الزيادة الواحدة؛ ألا ترى أنَّ الزيادتين إذا لحَقتا لمعنًى فحُذفت إحداهما حُذفت الأُخرى، نحو زيادتي "سَكران" إذا رخَّمته اسم رجل؟ وكذلك الزيادتان في "مَفعُول"، لو حذفتَ واحدة منهما للزمكَ حذفُ الأخرى. فللخليل أن يقول٤:
لا تجري الزِّيادتان مجرى الزيادة الواحدة. بل يجوز حذف إحداهما وإبقاءُ الأُخرى، لتدلَّ على الأُخرى المحذوفة؛ ألا ترى أنهم قالوا: اسطاعَ يَسطِيعُ٥، فحذفوا إحدى الزيادتين -وهي التاء٦- وأبقوا السين، وهما جميعًا زِيدا لمعنًى، كما أنَّ الميم والواو في "مَفعول" كذلك؟ فأمَّا "سكران" وبابُه فإنَّما حُذفتا فيه معًا، لوقوعهما طرفًا غير مُفترقتينِ. فكان الحذف أغلب عليهما، إذ كان الطرف موضعًا تُحذف٧ فيه الأصول في الترخيم والتكسير٨. فالزِّيادتان في "مَفعول" أشبه بالزِّيادتين في "اسطاعَ" من زيادتي سَكران، لكونهما حشوًا في "مَفعول" كما أنهما في "اسطاع" كذلك.
فإن قيل: فقد٩ وجدناهم حذفوا الأصل وأَبقَوُا الزيادة، لمَّا كانت لمعنًى، فقالوا "تَقَى" في اتَّقَى، فحذفوا التاء الأصليَّة وأبقوا تاء "افتعل". فالجواب أنَّ الذي حَمل على ذلك كونُ الزيادة مُنفَردةً.
وممَّا يدلُّ على صحَّةِ مذهب سيبويه والخليل، وفسادِ مذهب الأخفش، أنَّك إذا نقلتَ الضَّمَّة من العين إلى الفاء، في "مَفُعول" من ذوات الياء، اجتمع لك ساكنان: واو "مفعول"
_________________
(١) ١ أمالي ابن الشجري ١: ٢٠٥. ٢ المنصف ١: ٢٨٩ وأمالي ابن الشجري ١: ٢٠٥-٢٠٦. ٣ في النسختين: وقعت. ٤ أمالي ابن الشجري ١: ٢٠٥-٢٠٧. ٥ م: يُستطيع. ٦ م: الياء. ٧ م: "حذف". ونقل ابن عصفور نص أمالي ابن الشجري. ٨ زاد في الأمالي: والتحقير. ٩ أمالي ابن الشجري ١: ٢٠٥ والمنصف ١: ٢٩٠. م: قد.
[ ٢٩٨ ]
والياءُ، فتحذف واو "مفعول" فتجيء١ الياء ساكنة بعد ضمَّة، قريبةً من الطرف، فتقلبُ الضَّمَّة كسرة، على مذهب سيبويه في الياء الساكنة بعد الضَّمَّة إذا كانت تَلي الطرف، فإنه تُقلب الضَّمَّة كسرة، مفردًا كان الاسم أو جميعًا، نحو "بِيض" جمع أبيضَ. أصلُه "بُيْضٌ" نحو حُمْر، ثمَّ قُلبتِ الضَّمَّة كسرة. وكذلك لو بَنيتَ من البياض٢ اسمًا على "فُعْلٍ" لقلت: بِيضٌ. فالأصل في مَبِيع على أصله:٣ "مَبْيُوْعٌ" ثمَّ "مَبُيْوعٌ" ثمَّ "مَبُيْعٌ" ثمَّ مَبِيْعٌ.
وأمَّا أبو الحسن الأخفش فيلزمه٤، على مذهبه، أن يقول: مَبُوعٌ. وذلك أنَّ الأصل "مَبْيُوعٌ". فإذا نُقلت الضَّمَّة اجتمع له٥ ساكنان، فيحذف الياء، فيلزمه أن يقول٦: مَبُوعٌ. فإن قال: لا أحذف إِلَّا بعد قلب الضَّمَّة كسرة. فالجواب أن يقال له: لِمَ تَقلبُ الضَّمَّة كسرة، وأنت تزعم أنَّ الياء إذا جاءت ساكنة بعد ضمَّة في مُفرد فإنَّ الياء هي التي تُقلب واوًا، بشرط القرب من الطرف؟ فأمَّا مع البُعد فلا يجوز قلب الضَّمَّة كسرة، في مذهب أحد من النحويِّين.
فإن قلتَ٧: فإنَّما قَلبتُ الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء؛ لأنِّي لو لم أفعل ذلك، فقلت "مَبُوعٌ"، لالتبستْ ذوات الياء بذوات الواو. فالجواب أنَّ هذا القَدْر لو كان لازمًا لوجب أن تقول٨ "مِيقنٌ" في مُوقِن، لئلَّا يلتبس بذوات الواو. فكما أنَّ العرب لم تفعل ذلك في مُوقِن، فكذلك لا تفعله في مَبِيع وأمثاله.
وثمرة٩ الخلاف بين سيبويه وأبي الحسن تظهر في تخفيف مَسُوء وأمثاله. قال أبو الفتح في "القدّ"١٠ له: سألني أبو عليٍّ عن تخفيف مَسُوء. فقلت: أمَّا على قول أبي الحسن فأقول: رأيتُ مَسُوًّا١١؛ لأنها عنده واو "مَفعول". وأمَّا على مذهب سيبويه فأقول: رأيت مَسُوًا، بتحريك الواو لأنها عنده العين. فقال لي أبو عليٍّ: كذلك هو، اللهمَّ إِلَّا أن تقول: إنهم حملوا الماضي على المضارع. وإذا كانت العرب قد حملت المضارع في الإعلال على
_________________
(١) ١ م: لمجيء. ٢ أمالي ابن الشجري ١: ٢٠٩ والمنصف ١: ٣٠٠. ٣ أي: على مذهبه والأصل الذي يعتمده في الإعلال. ٤ م: فيلزم. ٥ ف: لك. ٦ أمالي ابن الشجري: ٢٠٩. ٧ أمالي ابن الشجري: ١: ٢٠٩. ٨ ف: يقول. ٩ سقط من النسختين حتى قوله "في ثبات الواو"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ١٠ القدّ: كتاب لابن جنِّي، يُسمى أيضًا "ذا القدِّ". الخزانة ٢: ١٢٩. ١١ علق عليه في الحاشية بما يلي: كما تقول في مقروء: مقروّ.
[ ٢٩٩ ]
الماضي، مع أنَّ الأكثر على أنَّ المضارع ١ فالأحرى أن يُحمل الماضي على المضارع في ثبات الواو.
ويجوز الإتمام٢ في "مَفعُول" من ذوات الياء، وهي لغة بني تميم. قال٣:
وكأنَّها تُفَّاحةٌ، مَطْيُوبةٌ
وقال علقمة٤:
[حَتَّى تَذكَّرَ بَيضاتٍ، وهَيَّجَهُ] يَومُ رَذاذٍ، علَيهِ الرِّيحُ، مَغْيُومُ.
والإِعلالُ أَفصحُ.
ولا يجوز الإتمام٥ في ذوات الواو إِلَّا فيما سُمع. والذي سُمع من ذلك٦: مِسكٌ مَدْوُوفٌ، قال الراجز٧.
والمِسكُ في عَنبَرِه المَدْوُوفُ
والأشهر: مَدُوف. وقالوا: رَجلٌ مَعْوُودٌ وفَرَسُ مَقْوُودٌ وثَوبٌ مَصْوُونٌ وقولٌ مَقْوُولٌ. وإنَّما لم يَجزِ الإتمامُ٨ في "مُفْعُول" من ذوات الواو، إِلَّا فيما شذَّ؛ لأنَّ الواو أثقل من الياء.
وخالفَ المبرّد٩ كافَّة النَّحويِّين١٠، فأجاز الإتمام١١ في ذوات الواو قياسًا على ما ورد.
_________________
(١) ١ كلمة مخرومة لم أتبينها. ٢ م: الإشمام. ٣ أنشده الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء. المقتضب ص٣ وشرح المفصل ١٠: ٨ وشرح الملوكي ص٣٥٣ والخصائص ١: ٢٦١ ومقتضب المبرد ١: ١٠١ والمنصف ١: ٢٨٦ وأمالي ابن الشجري ١: ٢١٠ والعيني ٤: ٥٧٤ والصحاح واللسان والتاج "طيب". ٤ من مفضلية له. ديوانه ص٥٦ والمفضلية ١٢٠ والمنصف ١: ٢٨٦ وأمالي ابن الشجري ١: ٢١٠. ٥ م: الإشمام. ٦ المقتضب ص٣ والمنصف ١: ٢٨٥- ٢٨٧ وأمالي ابن الشجري ١: ٢٠٩. ٧ المقتضب ص٣ والمنصف ١: ٢٨٥ والخصائص ١: ٢٦١ وشرح المفصل ١٠: ٨٠ وشرح الملوكي ص٣٥٥. واللسان والتاج "دوف". المدووف: المسحوق أو الممزوج أو المبلول. م: "المذروف" بالذال وكذلك فيما يلي. ٨ جعله سيبويه مكروهًا. انظر الكتاب ٢: ٣٦٣ والخصائص ١: ٩٨. م: الإشمام. ٩ كذا. والصواب أنه الكسائي. انظر شرح الشافية ٤: ١٤٩-١٥٠ والمقتضب ١: ٩٩-١٠٣. وقد نقل أبو حيان إلى حاشية ف من خط ابن عصفور ما يلي: هذا الذي ذكرته عن المبرد هو الذي حكاه أبو الفتح عنه. وأمَّا الذي ذهب إليه أبو العباس في تصريفه فخلاف هذا. وذلك أنه إنَّما أجاز رد مبيع إلى أصله في الضرورة، ولم يجعله قياسيًّا، وحكى عن النحويين أجمعين أنهم يجيزون إتمام مفعول من ذوات الواو في الضرورة. وأجاز ذلك هو عند الضرورة، واحتج أنه قد جاء في الكلام مثله، لكنه معتل لاعتلال الفعل، والذي جاء في الكلام ليس على فعل. فإذا اضطر الشاعر أجرى هذا على ذلك. فمما جاء منه: النَّوُور وقولهم: سُرتُ سُوُورًا. ثمَّ قال: وهذا أثقل من مفعول من الواو؛ لأنَّ فيه واوين وضمَّة، وإنَّما ثَمَّ واوان بينهما ضمَّة. ١٠ انظر المقتضب ص٣-٤ والمنصف ١: ٢٨٥. ١١ م: إلاشمام.
[ ٣٠٠ ]
منه، وقال: ليس بأثقلَ من: سُرتُ سُوُورًا١ وغارتْ عَينُه غُوُورُا؛ لأنَّ في "سُوُور" و"غُوُور" واوين وضمَّتين، وليس في "مَعْوُود"٢ مع الواوين إِلَّا ضمَّة واحدة. وهذا الذي ذهب إليه باطل٣؛ لأنَّ ما ورد من الإتمام٤ في ذوات الواو من القلَّة بحيث لا يُقاس عليه.
وأمَّا احتجاجه بـ"سُوُور" و"غُوُور" فباطل؛ لأنَّ مثل "سُوُور" شاذٌّ، ولو لم يُسمع لما قيل. وأيضًا فإنَّ الضَّرورة دعت إلى ذلك في مثل "سُوُور"؛ لأنهم لو أَعلُّوا فأسكنوا الواو الأُولى، وبعدها واو ساكنة، لوجب حذف إحداهما، فيصير لفظ "فُعُول" و"فُعْل" واحدًا، فيقع اللَّبس. وكذلك أيضًا لو أَعلُّوا الواو في مثل "قَوُول" فقلبوها [٤٣ب] ألفًا لالتقى ساكنان: الألف والواو، فيجب حذف أحد الساكنين، فيصير "فَعُول" و"فَعْل"٥ في اللفظ واحدًا.
فيقع اللَّبس؛ لأنَّ المصدر قد يأتي على "فُعْل" كظُلْم، وكذلك الصفة قد تأتي على "فَعْل" كضَخْم. ولا يلزم شيء من ذلك في إعلال "مفعول"؛ لأنَّ اسم المفعول لا يأتي أبدًا من الفعل الثلاثي إِلَّا على وزن "مفعول". فإذا أعللته عُلم أنه مُغيَّر من ذلك٦.
فإن وقعت الواو والياء عينين، في اسم على ثلاثة أحرف، فإنه لا يخلو من أن يكون على وزن من أوزان الأفعال، أو لا يكون.
فإن كان على وزن٧ من أوزان الأفعال أُعلَّ الفعل، فقلبت الواو والياء ألفًا نحو: باب ودار وساق. فإنها في الأصل "بَوَبٌ" و"دَوَرٌ" و"سَوَقٌ"٨، على وزن "فَعِلٍ"، فاستُثقل حرف العلَّة واجتماعُ المِثلَينِ -أعني الفتحتين- فقُلب حرف العلَّة ألفًا، كما فُعِل بـ"قالَ" و"باعَ". وكذلك: رجلٌ خافٌ ومالٌ، وكبشٌ صافٌ. الأصل فيها "خَوِفٌ" و"مَوِلٌ" و"صَوِفٌ"، فاستُثقلت الكسرة في حرف العلَّة، فقُلب حرف العلَّة ألفًا، كما فَعلوا في الفعل نحو: خافَ وهابَ.
وكذلك لو أردت بناء اسم على "فَعِل" من البيع أو القول، لقلت: باعٌ وقالٌ، على قياس٩: خافٍ وصافٍ. وكذلك لو جاء١٠ من المعتلِّ العين شيء على وزن "فَعُل"، بضمِّ العين،
_________________
(١) ١ م: سؤورًا. ٢ م: مصوون. ٣ المنصف ١: ٢٨٥ والمقتضب ص٣. ٤ م: الإشمام. ٥ م: وفَعَلَ. ٦ م: فيقع اللبس ولا يلزم شيء من ذلك في إعلال مفعول. ٧ سقط "من أوزان على وزن" من م. ٨ المنصف ١: ٣٣٢. ٩ م: على وزن. ١٠ المنصف ١: ٣٣٤-٣٣٥.
[ ٣٠١ ]
لوجب قلب حرف العلَّة ألفًا، كما وجب ذلك في "فَعَلٍ" و"فَعِلٍ" بفتح العين وكسرها، وإن لم يُحفظ١ شيء من ذلك في كلامهم.
فإن قيل: وما الدليل على أنَّ بابًا ودارًا وساقًا وأمثالها على "فَعَلٍ" بفتح العين، في الأصل، ولعلَّها مضمومة في الأصل أو مكسورة؟ فالجواب أنه لا بدَّ من ادِّعاء أنَّ العين متحرِّكة في الأصل؛ لأنَّ الألف لا تكون أبدًا أصلًا، إلَّا مُنقلبةً عن ياء أو واو، ولا يُمكن أن يُدَّعى قلبُ الألف في باب ودار وساق إِلَّا عن حرف علَّة متحرِّك، إذ لو كان ساكنًا في الأصل لصحَّ كما صحَّ قَوْلٌ وبَيْنٌ. فإذا ثَبَت أنه متحرِّك٢ في الأصل فأولى ما يُدَّعى من الحركات الفتحةُ؛ لأنها أخفُّها؛ ولأنَّ "فَعَلًا"٣ المفتوحَ العين أكثرُ من "فَعُلٍ" و"فَعِلٍ"، بضمِّ العين وكسرها.
وأمَّا٤ خافٌ ومالٌ وصافٌ فالذي يدلُّ على أنَّها "فَعِلٌ"، في الأصل، أنَّها أَسماءُ فاعلِينَ، من "فَعِلَ" نحو: خافَ يَخافُ وصافَ يَصافُ ومالَ يَمالُ. فمجيء المضارع على "يَفعَلُ" دليلٌ على أنَّ الماضي على "فَعِلَ". واسم الفاعل من "فَعِلَ" يأتي على "فَعِلٍ" بكسر العين، نحو: فَرِقَ فهو فَرِقٌ وحَذِرَ فهو حَذِرٌ. ولا يأتي على "فَعَلٍ" ولا "فَعُلٍ" بضمِّ العين أو فتحها.
ولا تصحُّ العين في شيء، مما جاء على وزن الفعل، إِلَّا فيما٥ كان مصدرًا لفعل لا يعتلُّ، نحو: العَوَرِ والصَّيَدِ؛ لأنهما مصدران لـ"عَوِرَ" وصَيِدَ"، فصَحَّا كما صحَّ فعلُهما. أو ما جاء شاذًّا٦ -نحو: القَوَدِ والحَوَكةِ ورَوِعٍ وحَوِلٍ- فإنَّ العين صحَّت فيها٧، وكان القياس إعلالها كما تَقَدَّمَ. وفي ذلك مَنْبَهة على ما ادَّعينا من أنَّ الأصل في باب: "بَوَبٌ"، وفي مال: "مَوَلٌ"، وأمثالهما.
فإن٨ قال قائل: لأيِّ شيء لم تَجرِ هذه الأسماء التي هي على وزن الفعل، على أصلها فتصحَّ، ليكون ذلك فرقًا بينها وبين الفعل، كما فعلوا ذلك فيما لحقته الزوائد، فقالوا "هو أطوَلُ منه" فصحَّحوا، فرقًا بينه وبين "أطالَ" على ما تبيَّن في موضعه؟ ٩ فالجواب أنَّ ما لحقته زيادة.
_________________
(١) ١ في حاشية ف بخط أبي حيان: "حُفظ: هَيُؤَ الرجلُ فهو هَيِّئ: حَسُنَتْ هيئته. نقله ابن مالك". قلت: وهذا وهم، فالحاشية ليس لها علاقة بما يذكره ابن عصفور؛ لأنه يتحدث عن الاسم الذي على وزن "فعُل"، وما في الحاشية هذه خاص بالفعل. انظر ص٢٨٩. ٢ سقط من م. ٣ ف: فعل. ٤ المنصف ١: ٣٣٣. ٥ م: إِلَّا ما. ٦ المنصف: ١: ٣٣٣-٣٣٤. ٧ ف: فيهما. ٨ سقط من النسختين حتى قوله "فأمن اللبس"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٩ انظر ص٣١٣.
[ ٣٠٢ ]
من الأسماء تبلغ به زِنةَ الأفعال لا ينصرف، فلو أعللته لالتبس بالفعل؛ لأنه لا يدخله خفض ولا تنوين كما أنَّ الفعل كذلك، وما كان على ثلاثة أحرف فالتنوين والخفض يفصلانَ بينه وبين الفعل، فأُمِنَ اللَّبس.
فإن لم يكن على وزن فعل من الأفعال فإنه لا يعتلُّ، ولا يُغيَّر عن بنائه الأصليِّ١ بل يجري مجرى الصحيح نحو: سُوَلةٍ٢ وعُيَبةٍ٣ وحِوَلٍ٤ وصِيَرٍ٥، وكذلك إذا بنيت٦ من القول أو البيع مثل "إِبِل" قلتَ٧: قِوِلٌ وبِيِعٌ. إِلَّا أن يكون الاسم على "فُعُل" بضمِّ العين والفاء من الواو، أو "فُعْلٍ" من الياء بضمِّ الفاء وإسكان العين، أو "فِعَلٍ" من الواو بكسر الفاء وفتح العين، جمعًا لاسم قد اعتلَّت عينه فقُلبت الواو فيه ألفًا وياء، أو "فِعْلٍ" من الواو بإسكان العين وكسر الفاء.
فإن كان على "فُعُلٍ" من الواو فإنه يخالف الصحيح، في التزام إسكان عينه٨. فتقول في جمع نَوارٍ: "نُوْرٌ"، وعَوانٍ: "عُوْنٌ"، وسِوارٍ: "سُوْرٌ"، بالإسكان ليس إلَّا. وليس كذلك الصحيح، بل يجوز فيه التحريك والإسكان نحو: رُسْل ورُسُل. وذلك أنه لمَّا انضاف إلى ثقل الضَّمَّة ثقلُ الواو لم يجزْ إِلَّا السكونُ؛ لأنَّه كلَّما كثر الثقل كان أدعى للتخفيف.
ولا يجوز تحريك العين من "فُعُلٍ" المعتلِّ العين، إِلَّا في ضرورة، نحو، قوله٩:
عَن مُبْرِقاتٍ بالبُرِينَ، وتَبـ ـدُو في، الأكُفِّ اللَّامِعاتِ، سُوُرْ١٠
وقولِ الآخر١١:
أَغَرُّ الثَّنايا، أحَمُّ اللِّثا تِ، تَمنَحُهُ سُوُكَ الإِسحِلِ
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٣٣٥-٣٣٦. ٢ السولة: الكثير السؤال، من: سِلتَ تَسالُ. ٣ العيبة: الكثير العيب للناس. ٤ الحول: التحول والحذق. ٥ الصير: جمع صيرة، وهي الحظيرة. م: "صيَد" وفي حاشية ف "سيبويه: وبِيَع ودِيَم". انظر الكتاب ٢: ٣٦٨. ٦ م والمنصف: إذا أردت. ٧ م: فقلت. ٨ المنصف ١: ٣٣٦ والكتاب ٢: ٣٦٨-٣٦٩. ٩ عدي بن زيد. ديوانه ص١٢٧ والكتاب ٢: ٣٦٨ وشرح الشافية ٢: ١٢٧ و٣: ١٤٦ وشرح شواهده ص١٢١-١٢٥ والمنصف ١: ٣٣٨ ورسال الغفران ص١٧٩ وشرح المفصل ١٠: ٨٤. والمبرقات: النساء المتزينات المتعرضات. والبرون: جمع برة. وهي الخلخال. ١٠ م: بالبرير وتبدو وفي. ١١ عبد الرحمن بن حسان. ديوانه ص٤٨ والمقتضب ١: ١١٣ وشرح شواهد الشافية ص١٢٢ والمنصف ١: ٣٣٨ وشرح المفصل ١٠: ٨٤ واللسان والتاج "سوك" والعيني ٤: ٣٥٠-٣٥١. والأحمّ: من الحمّة، وهي لون بين الدهمة والكمتة. والإسحل: شجر تتخذ منه المساويك.
[ ٣٠٣ ]
وليس الأمر كذلك١ في "فُعُلٍ" الذي عينه ياء. بل يجوز [فيه] ٢ التحريك والتسكين، نحو: عِيَان٣ وعُيُن. وقالوا: بَيُوضٌ٤ وبُيُضٌ. فإذا سَكَّنتَ الياء [٤٤أ] كان حكمه حكم "فُعْلٍ" بسكون العين، ممّا عينه ياء، وسيُبيَّنُ حكمه.
فإن قيل: ولأيِّ شيء لم يَفِرُّوا من الواو المضمومة في [مثل] ٥ سُوُك إلى الهمزة، كما قالوا: أدْؤُرٌ وأَنْؤُرٌ، في جمع دار ونار؟ فالجواب٦ أنه لا يُبدل من الواو المضمومة همزة، إِلَّا حيث لا يمكن تخفيفها بالإسكان نحو أَدْوُر؛ لأنَّك لو سكَّنت٧ الواو لالتقى ساكنان. وليس كذلك سُوُر وعُوُن. وقد يجوز أن تُبدل الواو همزة، وإن أمكن التسكين. فقد حُكي: جَوادٌ وجُؤُدٌ وجُوْدٌ، بالهمزة وبإسكان الواو.
فإن كان على "فُعْلٍ" وعينه ياءٌ فلا يخلو من أن يكون مفردًا أو جمعًا.
فإن كان جمعًا قُلبتِ الضَّمَّة كسرة، لتصحَّ الياء، نحو: أَبيَض وبِيض. أصله "بُيْضٌ" كحُمْر، فقُلبت الضَّمَّة كسرة. وذلك أنَّ الياء٨ لمَّا كانت تلي الطَّرف عُوملت معاملة الطرف. فكما أنَّ الياء إذا كانت طرفًا وقبلها ضمَّة تُقلب٩ الضَّمَّة كسرة نحو "أَظْبٍ" في جمع ظَبْيٍ، أصله "أَظْبُيٌ" نحو "أَفْلُس"، فكذلك إذا كانت تلي الطرف، لا خلاف بين النَّحويِّين في ذلك.
وإن كان مفردًا فحكمه عند سيبويه والخليل كحكم الجمع. فإذا بنيتَ من البياض اسمًا على "فُعْل" قلتَ: بِيضٌ. فـ"ديكٌ"، على مذهب سيبويه، يحتمل أن يكون "فُعْلًا" و"فِعْلًا". وأبو الحسن يَقلب الياء واوًا، ويقرّ الضَّمَّة، فيقول: بُوضٌ. ولا يكون "دِيك" عنده إِلَّا "فِعْل". وحجَّته أنَّ قلب الضَّمَّة كسرة قد استقرَّ في الجمع، نحو "بِيض" في جمع أَبيَض، ولم يستقرَّ في المفرد، والقياس١٠ يقتضي التفرقة؛ لأنَّ الجمع أثقل من الواحد، فهو أدعى للتخفيف. فلذلك قُلبت الضَّمَّة كسرة في الجمع لتصحَّ الياء، ولم تُقلب الياء واوًا؛ لأنَّ الياء أخفُّ من الواو. وأمَّا المفرد فلِكونه أخفَّ من الجمع يُحتمل فيه الواو.
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٣٣٩-٣٤٠ وشرح الشافية ٣: ٨٧. ٢ سقط من النسختين. ٣ العيان: حديدة في متاع الفدان. م: عَيان. ٤ البيوض: الدجاجة الكثيرة البيض. ٥ من م. ٦ المنصف ١: ٣٣٧-٣٣٨. ٧ ف: أسكنت. ٨ م: الواو. ٩ م: نقلت. ١٠ المنصف ١: ٢٩٩-٣٠٠.
[ ٣٠٤ ]
والصحيح ما ذهب إليه سيبويه، بدليل ما ذكرناه١ في مَبِيع وأمثاله، من أنه لمَّا اجتمع ساكنان وحُذفت الواو -على مذهب سيبويه- جاءت الياء ساكنةً، وقبلها ضمَّة تلي الطَّرف، فقُلبت الضَّمَّة كسرة لتصِحَّ الياء. وقد تَقَدَّمَ الديل على صحَّةِ ذلك. فكذلك في "فُعْل" من الياء، ينبغي أن تُقلب الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء. فأمَّا٢ قوله٣.
وكُنتُ، إِذا جارِي دَعا لِمَضُوفةٍ، أُشَمِّرُ، حَتَّى يَنصِفَ السَّاقَ مِئزَرِي
فقَلبَ الياء من مَصُوفة واوًا، وأَقَرَّ الضَّمَّة مع كون الياء تلي الطَّرف؛ لأنَّ الأصل "مَضْيُفةٌ" لأنَّه من "ضافَ يَضِيفُ"، ثمَّ نُقلت الضَّمَّة إلى الساكن قبلها٤، فصار "مَضُيْفة" فجاءت الياء ساكنة بعد ضمَّة٥، ثمَّ قُلبت الياء واوًا، فشاذٌّ لا يُعرَّج عليه. بل ينبغي أن يُعوَّل على باب: مَبِيع ومَكِيل؛ لأنَّه مطَّرد.
وكذلك ما حكاه٦ الأصمعيُّ، من أنهم يقولون للريح الحارَّة: هَيْفٌ وهُوْفٌ. فلا حجَّةَ فيه لأبي الحسن، في قوله في "فُعْل" من البيع: "بُوْعٌ"، فيَقلبَ الياء واوًا [ويُقرَّ الضَّمَّة] ٧، لاحتمال أن يكونا لغتين، فيكون هَيْفٌ من ذوات الياء، وهُوْفٌ من ذوات الواو، نحو:٨ التِّيهِ والتُّوهِ. ويحتمل أن يكون الهَيفُ والهُوفُ معًا من ذوات الواو، فيكون أصل هَيْف: "هَيْوِف" مثل مَيّت، ثمَّ أُدغمت الياء في الواو فقُلبت الواو ياء فصار "هَيِّف" وحُذفتْ، فقالوا٩: هَيْف، كما قالوا: مَيْت.
وإن كان١٠ على "فِعَل" من الواو، بكسر الفاء وفتح العين، جَمعًا لِما قُلبت فيه الواو ياءً أو ألفًا، فإنَّ الواو تَنقلب فيه ياءً لانكسار ما قبلها، مع أنهم أرادوا أن تعتلَّ في الجمع كما اعتلَّت في المفرد. وذلك [نحو] ١١: قامَة وقِيَم ودِيمَة ودِيَم وقِيمَة وقِيَم. والأصل "قِوَمٌ" و"دِوَمٌ"؛ لأنهما من: قامَ يَقُومُ ودامَ يَدُومُ.
_________________
(١) ١ في الورقة ٤٣. ٢ المنصف ١: ٣٠٠-٣٠١. ٣ لأبي جندب الهذلي. خرجناه في شرح اختيارات المفضل ص١٢٠. ٤ ف: قبله. ٥ سقط "فجاءت الياء ساكنة بعد ضمة" من م. ٦ المنصف ١: ٢٩٩. ٧ من م. ٨ م: ونحو. ٩ م: مثل ميت فقلبت الواو وحذفت فقالوا. ١٠ المنصف ١: ٣٤٤-٣٤٥ وشرح الشافية ٣: ١٣٧-١٣٩. ١١ سقط من النسختين.
[ ٣٠٥ ]
فإن كانت الواو لم تعتلَّ في المفرد لم تعتلَّ في الجمع١، نحو: زَوج وزِوَجة وعُود وعِوَدة، إِلَّا لفظةً واحدةً شَذَّتْ وهي: ثَورٌ وثِيَرةٌ. فذهب٢ أبو بكر إلى أنَّ الذي أوجب قلبَ الواو ياءً أنَّ الأصل "ثِيارَةٌ" كحِجارة وذِكارة٣، فقلبت الواو ياء لأجل الألف التي بعدها. كما قلبت٤ في سياط جمع سوط، على ما يُبيَّن بعدُ٥. فلمَّا قَصَره منه٦ بقيت الياء، تنبيهًا على أنَّه مقصور من ثِيارة٧، كما صَحَّ "عَوِرَ"٨ حملًا على "اعْوَرَّ".
وذهب٩ المبرّد إلى أنهم أرادوا أن يفرِّقوا بين جمع "ثَور" الذي هو الحيوان، والثَّور الذي يراد به القطعة من الأَقِط١٠، فقالوا في الحيوان: ثِيَرة، وفي الأقط: ثِوَرة، كما قالوا: نَشيانُ للخَبَرِ١١، وأصله نَشْوان، فرقًا بينه وبين نَشوانَ بمعنى سكران.
ومنهم من ١٢ ذهب إلى أنَّ الأصل "ثِوْرة" بالإسكان، فقُلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، ثمَّ حرّك بالفتح [٤٤ب]، وأُبقي١٣ الياء؛ لأنَّ الأصل الإسكان.
ومنهم من علَّل ذلك بأنهم قد قالوا ثِيْرة وثِيرانٌ فقلبوا الواو ياء، فأحبُّوا أن يُجروا جمعه كلَّه على الياء، فقالوا: ثِيَرة، كما قالوا: ثِيْرة١٤ وثِيران، كما حملوا: أَعِدُ وتَعِدُ ونَعِدُ، على "يَعِدُ".
وكلُّ ذلك توجيهُ شذوذٍ.
وكذلك لو كان "فِعَلٌ" من ذوات الواو مفردًا لم تقلب واوه ياء، نحو: طِوَل١٥.
فإن كان الاسم على "فِعْلٍ" من الواو، بكسر الفاء وإسكان العين، قُلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، نحو: قِيْلٍ. أصله "قِوْلٌ" لأنَّه من القول.
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٣٤٥-٣٤٩. ٢ المنصف ١: ٣٤٧. ٣ الذكارة: جمع الذكر. م: دكارة. ٤ م: تقلب. ٥ في الورقة ٤٦. ٦ المنصف: فلما قصرت الكلمة بحذف الألف. ٧ م: ثيار. ٨ م: "عِور". وانظر ص٣٠٩. ٩ المنصف ١: ٣٤٦-٣٤٧ وشرح المفصل ١٠: ٨٨. ١٠ الأقط: ضرب من الطعام. ١١ النشيان للخبر: الذي يتخبر الخبر أول وروده. ١٢ كذا. ونسب ابن جني هذا المذهب إلى المبرد أيضًا، انظر المنصف ١: ٣٤٦-٣٤٧ و٣٤٩ حيث ضبطت "ثورة" بفتح الواو خطأ. ١٣ م: وإبقاء. ١٤ سقط "كما قالوا ثيرة" من م. ١٥ الطول: الحبل الطويل جِدًّا.
[ ٣٠٦ ]
فإن وقعت الواو أو الياء١ عينًا في فعل، على أزيدَ من ثلاثة أحرف، فإنه لا يخلو أن يكون ما قبل حرف العلَّة ساكنًا أو متحرِّكًا.
فإن كان متحرِّكًا -وذلك في "انفَعَلَ" و"افتَعَلَ" نحو: انقادَ واقتادَ واختارَ- فإنك٢ تُعامل ما بعد الساكن معاملةَ فعل، على ثلاثة أحرف. وذلك أنَّ الأصل "انقَوَدَ" و"اقتَوَد" و"اختَيَرَ"، فعاملتَ "قادَ" مِن "انقاد"، و"تادَ" مِن" اقتاد"، و"تارَ" مِن "اختار"، معاملة: قالَ وباعَ، فأعللتَ كما أعللتهما.
ولا يصحُّ شيءٌ من ذلك، إِلَّا أن يكون في معنى ما لا يعتلُّ، نحو٣: اجتَوَرُوا واهتَوَشُوا واعتَوَنُوا؛ لأنها في [معنى] ٤: تَجاوَرُوا وتَعاوَنُوا وتَهاوَشُوا؛ ألا ترى أنَّ الفعل فيه ليس فعلَ واحدٍ؟ فبابُه أن يكون على وزن "تَفاعَلَ". وكذلك جميع ما يأتي على معنى "تَفاعَلَ" لا يُعلُّ شيء منه كما لم يعلَّ: عَوِرَ وصَيِدَ؛ لأنهما في معنى٥: اعوَرَّ واصيَدَّ.
إِلَّا أنك إذا أسندتَهما٦ إلى ضمير متكلِّم أو مخاطَب٧ لم تُحوِّل الفتحة التي في العين إذا كانت واوًا ضمَّة، أو ياءً كسرةً، كما فعلتَ ذلك في "قُلتُ" و"بِعتُ" بل تقول: انقَدْتُ واختَرْتُ٨، فتُسكِّن آخر الفعل للضمير، وما قبلَه ساكن فتحذفُه لالتقاء الساكنين من غير تحويل.
وإنَّما لم تُحوِّل لأنك لو حوَّلتَ في ذوات الواو حركة العين ضمَّةً لنقلتَ "انفَعَلتُ" و"افتَعَلتُ" إلى "انفَعُلَ" و"افتَعُلَ"، وهما بناءان غير موجودين. وكذلك لو حوَّلتَ في ذوات الياء حركة العين كسرةً لنقلتَهما إلى "انفَعِل" و"افتَعِل"٩، وهما بناءان غير موجودين. فلمَّا كان النقل يؤدِّي إلى بناء غير موجود لم يجُز. وليس١٠ كذلك "فَعَلَ"؛ لأنَّه إذا حُوِّل إلى "فَعُلَ" بضمِّ العين، أو "فَعِلَ" بكسرها، كان محوَّلًا إلى بناءٍ موجودٍ.
_________________
(١) ١ ف. والياء. ٢ المنصف ١: ٣٠٦. ٣ المنصف ١: ٣٠٥-٣٠٦. ٤ من م. ٥ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: "حَمَلَ بعدُ افعلَّ على عَوِرَ وصَيِدَ. فانظره" قلت: انظر ص٣١٢. ٦ المنصف ١: ٢٩٢-٢٩٤. ٧ أغفل نون النسوة الغائبات. وانظر ص٢٨٨ و٢٩٣ و٢٩٦ و٢٩٧. ٨ زاد ههنا في ف: "فتنقل الحركة من حرف العلة إلى ما قبله". وهذا وهم. ٩ م: افتعَل. ١٠ م: وليست.
[ ٣٠٧ ]
وإذا بَنيتَه للمفعول١ عاملت ما بعد الساكن معاملة الفعل على ثلاثة أحرف. فمن قال في "قال" و"باع". قِيلَ وبِيعَ، قال: انقِيْدَ اختِيْرَ واقتِيْدَ. ومن أشار إلى الضَّمَّة هنالك فأشَمَّ أَشَمَّ هنا. ومن قال: قُوْلَ وبُوْعَ، قال: انقُوْدَ واختُوْرَ واقتُوْدَ٢.
وكذلك إذا أسندته إلى ضمير المفعول المتكلِّم أو المخاطَب٣ قلت: "اختُرْتُ"، على لغة من قال: اختُوْرَ. ومن أَشَمَّ فقال: اختِيْرَ، قال "اختِرْتُ" فأشَمَّ. ومن تَرك الإشمام فقال: اختِيْرَ، تركَ الإشمام فقال: "اختِرْتُ"؛ لأنَّه لا يدخله لبس كالذي يدخل في "بِعْتُ". والعمل في إعلال ذلك كلِّه كالعمل في إعلال: قِيلَ وبيعَ، وقد تَقَدَّمَ٤.
وكذلك المستقبلُ٥ مبنيًّا كان للفاعل أو المفعول واسمُ الفاعل والمفعولِ، يجري ما بعد الساكن في جميع ذلك مجرى الفعل على ثلاثة أحرف، فتقول: يَنقادُ ويُنقادُ ويَقتادُ ويُقتادُ٦ ومُقتادٌ ومُنقادٌ. فتُجري٧ "قادَ" و"تادَ" في جميع ذلك مُجرى: قالَ وباعَ.
وإن كان ما قبل حرف العلَّة ساكنًا فلا يخلو أن يكون الساكن حرف علَّة، أو حرفًا صحيحًا. فإن كان حرفَ علَّةٍ فإن العين لا تعتلُّ أصلًا. وذلك نحو٨ "فاعَلتُ" و"تَفاعَلتُ"٩ و"فَعَّلتُ"١٠ و"فَيعَلتُ"، جميعُ ذلك لا تعتلُّ١١ فيه العين، وذلك نحو: سايَرتُ وتَسايَرَ وعاوَنتُ وتَعاوَنَ وقَوَّمتُه ومَيَّزتُه١٢. وإنَّما لم تَعتلَّ العين؛ لأنَّ ما قبلها ساكن. فلو أسكنتها لالتقى ساكنان فيجب الحذف، فيصير لفظ "فاعَلَ" كـ"فَعَلَ"، نحو: سايَرَ لو قلبتَ الياء ألفًا ثمَّ حَذفتَها لالتقاء الساكنين لقلتَ "سارَ". وكذلك "فَعَّل" و"فَيعَلَ" لو أعللتَ العين، فقلبتها ألفًا ثمَّ حَذفتَها، أو الساكنَ قبلها، لصار اللفظ بهما كاللفظ بـ"فَعَل" أو بـ"فَعْلَ". فكنت
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٢٩٣-٢٩٤. ٢ م: انقَود واختَور واقتَود. ٣ أغفل ضمير الإناث الغائبات. وانظر ص٢٨٨و٢٩٣ و٢٩٦ و٢٩٧. ٤ في الورقة ٤٢. ٥ المنصف ١: ٢٩٣. ٦ م: وتقتاد. ٧ م: فيجري. ٨ المنصف ١: ٣٠٢-٣٠٣. ٩ في المنصف: تفاعلنا. ١٠ زاد في المنصف "تفعَّلنا" ولم يذكر "فيعلت". ١١ ف: لا يعل. ١٢ ف: صيرته.
[ ٣٠٨ ]
تقول في: مَيَّزَ١ وقَوَّمَ، لو حذفت الساكن الأوَّل بعد إعلال العين٢: "مازَ"٣ و"قامَ". ولو حذفت العين لقلت: "مَيْزَ"٤ و"قَوْمَ". فلمَّا كان الإعلال يؤدِّي إلى لحذف والإلباس لم تُعِلَّ شيئًا٥ من ذلك. إِلَّا أنك تقلب الواو ياء في "فَيْعَلَ" ممّا عينه واو، لاجتماع الياء والواو وسبقِ الياء بالسكون، فتقول في "فَيْعَلَ" من القَول: قَيَّلَ.
وكذلك [٤٥أ] تصحُّ٦ في المضارع، وفي الفعل المبنيِّ للمفعول، واسم الفاعل والمفعول، كما صحَّت في الفعل [الماضي المبنيِّ للفاعل] ٧، فتقول٨ في الماضي المبنِيِّ للمفعول: سُوْيِرَ وعُوْوِنَ٩، وتُسُوْيِرَ وتُعُوْوِنَ، وقُوِّمَ ومُيِّزَ. وفي "فُيْعِلَ"١٠ من القول: قُوْوِلَ، فتقلب ياءَ "فُيْعِل" واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها١١، كما فعلت ذلك في بُوطِرَ.
ولا تُدغِم الواو من: سُوْيِرَ وعُوْوِنَ وتُسُوْيِرَ وتُعُوْوِنَ؛ لأنها بَدَلٌ من الألف في "سايَرَ" و"تَسايَرَ" و"عاوَنَ" و"تَعاوَنَ". فكما لا تُدغم الألف في الياءِ [أو الواو] ١٢ فكذلك ما هو بدل منها، وكذلك [أيضًا] ١٣ لا تدغم الواو من "قُوْوِلَ" في الواو التي بعدها؛ لأنها لمَّا صارت مَدَّة أَشبهتِ الواو المنقلبة من الألف في "سُوْيِرَ" وأمثالِه، فلم تُدغِم كما لم تُدغِم ١٤ واو "سُوْيِرَ" فيما بعدها.
وكذلك حكم كلِّ حرف قد كان لغير المدِّ ثمَّ صار في بعض المواضع مدَّة، لا يُدغَم لشَبَهِه بالألف في "فاعَلَ"، من حيث هو للمدِّ ولا يلزم كما لم تلزم الألف. فإن كان حرف المدِّ لازمًا أُدغم نحو: مَغْزُوّ، أُدغِمت واو "مفعول" في الواو التي بعدها، لمَّا كانت لازمة لكونها في لفظ لا يتصرَّف.
[وتقول]، في المضارع واسم الفاعل والمفعول: يُسايِرُ١٥ ويُسايَرُ ويُعاوِنُ ويُعاوَنُ،
_________________
(١) ١ م: مير. ٢ ف: بعد الإعلال في العين. ٣ م: مار. ٤ م: مير. ٥ ف: لم يعل شيء. ٦ ف: يصح. ٧ تتمة يقتضيها السياق. ٨ زاد في م: سوير. ٩ ف: "عوور" بالراء. وكذلك فيما يلي. ١٠ كذا. دون قلب الياء واوًا، لبيان لفظ الأصل. ١١ م: لسكون ما قبلها. ١٢ تتمة يقتضيها السياق. ١٣ من م. ١٤ م: لم يدغم. ١٥ م: ويسايِر.
[ ٣٠٩ ]
[ويَتسايَرُ] ١ ويُتسايَرُ، ويَتعاوَنُ ويُتعاوَنُ، ويُقَوِّمُ ويُقَوَّمُ، ويُمَيِّزُ ويُمَيَّزُ، ومُسايِرٌ ومُسايَرٌ٢، ومُعاوِنٌ ومُعاوَنٌ، ومُتسايِرٌ ومُتسايَرٌ، ومُتعاوِنٌ ومُتعاوَنٌ عليه، ومُقَوِّمٌ ومُقَوَّمٌ٣، ومُميِّزٌ ومُميَّزٌ. فلا تعتلُّ العين في شيء من ذلك.
وتقول في المضارع من "فَيعَلَ" واسم الفاعل واسم المفعول: يُقَيِّلُ ويُقَيَّلُ ومُقَيِّلُ ومُقَيَّل. فتُدغم ياء "فَيْعَلَ": في الواو فتقلبها ياءً، ولا تُعِلّ٤ العينَ بأكثرَ من قلبها ياءً، كما كان ذلك في الماضي المبنِيِّ للفاعل.
وإن كان الساكن حرفًا صحيحًا فلا يخلو أن يكون الفعل على وزن "افعَلَّ" أو "افعالَّ"، أو على غير ذلك من الأوزان.
فإن كان على غير ذلك من الأوزان -وذلك "أَفْعَلَ" و"استَفْعَلَ"- فإنك تنقل الفتحة من حرف العلَّة إلى الساكن قبله، وتقلب حرف العلَّة ألفًا. وذلك نحو: أقامَ واستَقامَ وأبانَ واستَبانَ. الأصل "أَقْوَمَ" و"استَقْوَمَ" و"أَبْيَنَ" و"استَبْيَنَ". فنقلتَ الفتحة من حرف العلَّة إلى الساكن قبله، فصار "أَقَوْمَ" و"استَقَوْمَ" و"أَبَيْنَ" و"استَبَيْنَ". فانْفَتحَ ما قبل الواو والياء في اللفظ، وهما متحرِّكان في الأصل، والسكونُ عارضٌ، فقَلبتَ حرف العلَّة ألفًا، لانفتاح ما قبله في اللفظ وتحرُّكه في الأصل.
فإن قيل: ولأيِّ شيءٍ أُعِلَّ حرف العلَّة وما قبله ساكن؟ فالجواب أنَّه حُمِلَ عليه قبل لحاقِ الزِّيادة له؛ لأنَّ الزِّيادة في "أَقامَ" و"استَقامَ" لحقَتْ "قامَ". وكذلك ما كان نحوَهما.
وكذلك أيضًا تفعل بالمضارع، فتقول: يُقِيمُ ويُقامُ، ويَستَقِيمُ ويُستَقامُ. والأصل "يُقْوِمُ" و"يُقْوَمُ"، و"يَستَقْوِمُ" و"يُستَقْوَمُ". فنقلتَ حركةَ حرف العلَّة إلى الساكن قبله، حملًا على مضارع الثلاثيِّ غير المزيد نحو: يَقُومُ ويَخافُ.
فإن جاءت الواو ساكنة بعد كسرة قُلبت ياء، نحو: يُقِيمُ ويَستَقِيمُ. وإن جاءت الياء٥ ساكنة بعد كسرة ثَبَتَتْ، نحو: يُبِينُ ويَستَبِينُ.
وإنْ جاءت الياء أو الواو بعد فتحة قُلبت٦ ألفًا، لانفتاح ما قبلها في اللفظ وتحرُّكها٧ في
_________________
(١) ١ تتمة يقتضيها السياق. ٢ م: ومسايَر ومسايِر. ٣ زاد في م: عليه. ٤ ف: ولا تعتلّ. ٥ سقط "ساكنة بعد كسرة الياء" من م. ٦ م: قبلتا. ٧ م: وتحركهما.
[ ٣١٠ ]
الأصل، نحو: يُقامُ ويُستَقامُ، ويُبانُ ويُستَبانُ.
وكذلك اسم الفاعل واسم المفعول، تُعِلُّهما حملًا على الفعل. وذلك نحو: مُستَبِين ومُستَبان، ومُستَقِيم ومُستَقام، ومُقِيم ومُقام، ومُبِين ومُبان، الأصل "مُستَقْوِمٌ" و"مُستَقْوَمٌ"١، و"مُستَبْيِنٌ" و"مُستَبْيَنٌ"، و"مُقْوِمٌ" و"مُقْوَمٌ"، و"مُبْيِنٌ" و"مُبْيَنٌ". فعَمِلتَ بهما ما عملت بالمضارع.
ولا يصحُّ شيء من ذلك، إِلَّا أن يكون فعلَ تعجُّب٢، نحو: ما أَقْوَلَهُ وما أَطْوَلَهُ! وأَقْوِلْ به وأطْوِلْ بِهِ! فإنه يصحُّ لشَبَهِه بـ"أَفْعَلَ" التي للمفاضلة، نحو: هو أَقوَلُ منه وأَطوَلُ. ووجه الشَّبه بينهما أنهما لا يُبنيان إِلَّا من شيء واحد، وأنَّ فعلَ التعجُّب فيه تفضيل للمتعجَّب منه على غيره٣، كما أنَّ "أَفعَلَ" يقتضي التفضيل، وأنَّ فعل التعجُّب لا مصدر له ولا يتصرَّف، فصار بمنزلة الاسم٤ لذلك.
وما عدا فِعلَ التعجُّب لا يصحُّ إِلَّا فيما شذَّ. والذي شذَّ من٥ ذلك: استَنْوَقَ الجَمَلُ واستَصْوَبتُ٦ رأيَهُ -حكاهما ابنُ مِقسَم عن ثعلب٧- واستَتيَسَتِ الشَّاةُ واستَرْوَحَ٨ واستَحْوَذَ. ولا يُحفَظُ في شيء من ذلك [٤٥ب] المجيءُ على الأصل.
وشذَّ من "أَفْعَلَ": أَطْيَبَ وأَجْودَ وأَغْيَلَتِ المَرأة وأَطْوَلْتَ. قال٩:
صَدَدْتَ، فأطْوَلتَ الصُّدُودَ، وقَلَّما وِصالٌ، علَى طُولِ الصُّدُودِ، يَدُومُ
وقد سُمِعَ: أَطالَ وأَجادَ وأَطابَ. وأمَّا "أَغْيَلَ" فلا يحفظُ فيه كافَّةُ النَّحويِّين إِلَّا التَّصحيحَ، إِلَّا أبا زيد الأنصاري فإنه حكى: أغْيَلَتِ المرأةُ وأَغالَتْ بالتَّصحيح والإعلال.
وجميع هذه الشواذِّ مَنْبَهةٌ على ما ادَّعيناه، من أنَّ أصل١٠ أَقامَ: "أَقْوَمَ"، واستقامَ: "استَقْوَمَ".
_________________
(١) ١ ف: يستقوم ويُستقوم. ٢ المنصف ١: ٣١٥-٣٢١. ٣ سقط "على غيره" من م. ٥ المنصف ١: ٢٧٦- ٢٧٩. ٦ م: استضويت. ٧ مجالس ثعلب ص٤٧٠ والمنصف ١: ٢٧٧. ٨ سقط من م. ٩ ينسب إلى عمر بن أبي ربيعة والمرار الفقعسي. الكتاب ١: ١٢ و٤٥٩ وشرح أبياته ١: ١٠٤ والأغاني ١٠: ٣١٥ والمقتضب ١: ٨٤ والإنصاف ص٨٤ والمغني ص٣٣٩ وشرح شواهده ص٧١٧ وشرح أبياته ٥: ٢٤٦ وديوان المرار ص٤٨٠ والمنصف ١: ١٩١ و٢: ٦٩ والمحتسب ١: ٩٦ والخصائص ١: ١٤٣ و٢٥٧ وديوان عمر ص ٤٩٤ والخزانة ٤: ٢٨٧-٢٩٠ وشرح المفصل ١٠: ٧٦. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن إيجاز التعريف لابن مالك بعض ما شذ في تصحيحه تنبيهًا على خفته، وأنَّ أبا زيد جعله قياسيًّا لا سماعيًّا. ١٠ المنصف ١: ١٩٠-١٩١.
[ ٣١١ ]
وإن كانَ على وزن "افعَلَّ" أو "افعالَّ"، نحو: ابيَضَّ وابياضَّ، واعوَرَّ واعوارَّ، فإنَّ العين تصحُّ ولا تَعتلُّ١. وإنَّما لم تعتلَّ؛ لأنَّك لو أعللتَ "ابيَضَّ" و٢ "اعوَرَّ" لقلتَ "باضَّ" و"عارَّ"، فيلتبس بـ"فاعَلَ". وذلك أنك كنت تنقل الفتحة من الياء والواو إلى الساكن قبلهما، وتحذف ألف الوصل لزوال الساكن، وتقلب الواو والياء ألفًا، لتحرُّكهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما في اللفظ.
وكذلك لو أَعللَت "ابياضَّ" واعوارَّ" لَلِزمك أن تقول "باضَّ" و"عارَّ" فيلتبس بـ"فاعَلَ". وذلك أنك إذا فعلت بهما٣ ما فعلتَ بـ"افعَلَّ" التقى ساكنان: ألف "افعالَّ" والألفُ المبدلة، فتحذف إحداهما، فيصير اللفظ "باضَّ" و"عارَّ".
وممّا يوجب أيضًا تصحيحَ "افعلَّ" و"افعالَّ" أنَّ المزيد إنَّما اعتلَّ بالحمل على غير المزيد، [وغيرُ المزيد] ٤ ممّا هو في معنى "افعَلَّ" و"افعالَّ" لا يعتلُّ٥ نحو: عَوِرَ وصَيِدَ. فليس لـ"افعَلَّ" و"افعالَّ" ما يُحملان عليه في الإعلال.
فإن كان الاسم على أزيدَ من ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون موافقًا للفعل في وزنه، أو لا يكون. فإن كان موافقًا للفعل في وزنه٦ -وأعني بذلك أن يكون عدد حروفه موافقًا لعدد حروف الفعل، وحركاتُه كحركاته وسكناتُه كسكناته– فلا يخلو من أن يكون موافقًا للفعل في جنس الزيادة فلا٧ يخلو من أن يكون إعلاله إعلالَ الفعل مصيِّرًا له على لفظ الفعل، أو لا يكون.
فإن لم يكن مصيِّرًا له على لفظه أعللته لأمن اللَّبس. وذلك نحو أن تبني من القول اسمًا على "يُفْعُلٍ" بضمِّ الياء والعين، فإنك تقول "يُقْوُلٌ". وكذلك إن بنيته من البيع قلتَ "يُبِيْعٌ". والأصل "يُبْيُعٌ"، فنقلت الضَّمَّة من الياء إلى الباء، فصارت الياء ساكنة بعد ضمَّةٍ، فقلبت الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء، كما فعلوا في بِيْض ومَبِيع، في مذهب٨ [سيبويه في إعلالهما. هذا مذهب جماعة
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٣٠٤-٣٠٥. ٢ م: أو. ٣ م: به. ٤ من م. ٥ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: "قد نبهنا على هذا قبل، فانظره". يريد أن ابن عصفور حمل ههنا المزيد على غير المزيد في الاعتلال، مع أنه كان قد حمل من قبلُ غير المزيد على المزيد في ذلك. انظر ص٣٠٥ و٣٠٧ و٣٦٢. ٦ سقط "أو لا يكون في وزنه" من م. ٧ سقط من النسختين إلى قوله "لم يعلَّ لئلَّا يلتبس"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٨ انظر الكتاب ٢: ٣٦٥-٣٦٦.
[ ٣١٢ ]
النحويِّينَ لكونه] ١ ليس مبنيًّا على فعل. والصحيح ما ذهب إليه من أنك تُعلُّ، لموافقته "يُفعلُ" في الوزن، وإن لم يكن مبنيًّا على الفعل. وسيقام الدليل على صحَّة ذلك، فيما زيادته مخالفة لزيادة الفعل.
وإن كان الإعلال مصيِّرًا له على لفظ الفعل لم يُعلَّ، لئلَّا يلتبس الاسم بالفعل. وذلك نحو قولك:٢ هذا أطوَلُ منك؛ ألا ترى أنك لو أعللتَ فقلت "أطالَ" لالتبس بلفظ الفعل؟ وكذلك٣ لو بَنَيتَ مثل "يَفْعَلٍ"٤ و"تَفعَلٍ"، من القول والبيع، لقلت "يَقْوَلٌ"٥ و"يَبْيَعٌ"٦، و"تَقْوَلٌ" و"تَبْيَعٌ". وكذلك أيضًا لو ألحقتَ التاء لم تَعتدَّ بها، وصَحَّحتَ الاسم، فكنت تقول "يَقْوَلةٌ"٧ و"يَبْيَعةٌ"٨، و"تَقْوَلَةٌ" و"تَبْيَعةٌ".
أو٩ أَلِفَيِ التأنيث أو الألف والنون الزائدتين المشبهتين لهما أو ياءي النسب أو علامة التثنية [والجمع السالم]، لم تعتدَّ بهما وصححت الاسم. قالوا: تَدوِرةٌ، في اسم مكان. وقالوا أخيَليٌّ، في النسب إلى أخيل، وأبيضِيٌّ، ويومٌ أروَنانٌ وهَيّنٌ وأهوِناءُ. وقالوا في اسم موضع: [أبْيَنُ، وفي جمع بَيِّن]: أبْيِناءُ. وقال بعضهم أبِيْناءُ، فأعلّ وهو شاذٌّ، ووجهه أنه أعلّه لكونه على وزن الفعل، واعتدَّ بأَلِفَي التأنيث في رفع العلَّة الموجبة للتصحيح قبل لحاقها. وهو خوف اللبس بالفعل؛ ألا ترى أنه لا يمكن التباسه بالفعل بعد لحاقهما؟
وكذلك حكم ما لفظه لفظ الفعل١٠، وزيادتُه كزيادة الفعل. قال الشاعر١١:
جاءُوا بِتَدْوِرةٍ، يُضيءُ وُجُوهَنا دَسَمُ السَّلِيطِ، علَى فَتِيلِ ذُبالِ
فأمَّا١٢ "يَزِيدُ" اسمَ رجلٍ فإنَّما اعتلَّ من قِبَل أنه كان فِعلًا لَزِمَه الإعلال، ثمَّ نُقِلَ من الفعل فسُمِّي به. فهو في المعتلِّ نظيرُ "يَشكُرَ" في الصحيح. وكذلك "تَزِيدُ" بالتاء.
_________________
(١) ١ ما بين معقوفين مخروم تتعذر قراءته. ٢ م: قوله. ٣ الكتاب ٢: ٣٦٥. وانظر المنصف ١: ٣٢٢. ٤ الكتاب: تُفعل. ٥ الكتاب: تُقول. ٦ الكتاب: تُبيع. ٧ الكتاب: تَقوِلة. ٨ الكتاب: تَبيِعة. ٩ العطف على "التاء". وسقطت الفقرة من النسختين وألحقها أبو حيان بحاشية ف. ١٠ المنصف ١: ٣٢٤-٣٢٥. وفي النسختين: "ما هو على وزن الفعل". والتصويب من حاشية ف. ١١ ابن مقبل. ديوانه ص٢٥٧ والكتاب ٢: ٣٦٥ والمنصف ١: ٣٢٤ واللسان "دور" و"ذبل". والتدورة: مكان مستدير تحيط به جبال. والسليط: الزيت. ١٢ من المنصف ١: ٢٧٩ حتى قوله "في الصحيح".
[ ٣١٣ ]
قال أبو ذؤيب١:
يَعثُرْنَ في حَدِّ الظُّباتِ، كأنَّما كُسِيَتْ بُرُودَ بَنِي تَزِيدَ الأذرُعُ
وإن كان مخالفًا له في جنس الزيادة فإنه يُعَلُّ إعلال الفعل الذي يكون على وَفقه، في الحركات وعدد الحروف؛ لأنه قد أُمن التباسه بالفعل. فتقول في "مَفْعَلٍ" من القول والقيام: مَقالٌ ومَقامٌ. والأصل "مَقْوَلٌ" و"مَقْوَمٌ"، فأعللتَهما كما أَعللت "يَخافُ". وكذلك "مَفْعِلَةٌ"٢ من البَيع تقول فيها: مَبِيْعةٌ٣. فتنقل الكسرة من حرف العلَّة إلى الساكن قبله، كما فعلتَ ذلك في نظيره من الفعل وهو "يَبِيعُ".
وكذلك تقول في "مَفْعُلَةٍ" من البيع، على مذهب سيبويه٤؛ لأنك إذا نقلت الضَّمَّة من الياء٥ إلى الساكن قبلها جاءت الياء ساكنة بعد ضمَّةٍ قريبةٍ من الطرف. فعلى مذهب سيبويه تُقلب الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء، وعلى مذهب الأخفش تُقلب الياء واوًا؛ لأنه مفرد. ولا تُقلب الضَّمَّة عنده كسرة لتصحَّ الياء، إِلَّا في الجمع. فتقول على مذهبه: مَبُوعةٌ. وتقول في "مَفْعُلَةٍ" من القول: مَقُولةٌ، فتُعِلُّها كما تُعِلُّ "يَقُولُ".
وكذلك تفعل بما خالفت زيادتُه زيادةَ الفعل، أو كان٦ فيه ما يقوم مقام الانفراد بالزيادة، نحو بنائك من القول والبيع مثل تِحْلِئ٧، إِلَّا "مِفْعَلًا"٨ فإنك لا تُعلُّه. وذلك نحو: مِقْوَل ومِتْيَح٩. وذلك لأنه مقصورٌ من "مِفْعالٍ". فلم يَعَلَّ كما لا يُعَلُّ "مِفْعالٌ" نحو: مِقْوال، كما لم يُعَلَّ "عَوِرَ" لأنَّه في معنى "اعوَرَّ".وممّا يُبيِّن أنَّ "مِفْعَلًا" يمكن أن يكون مقصورًا من "مِفْعال" كونُهما في معنًى واحد من المبالغة -تقول: رَجلٌ مِطْعَنٌ ومِطعانٌ، إذا وصفته بكثرة الطعن- وكونُهما قد يتعاقبان على معنًى واحد نحو: مِفتَح ومِفتاح.
وقد شذَّتْ [٤٦أ] ألفاظ فجاءت مصحَّحة، وبابُها أن تعتلَّ١٠ وهي: مَزْيَدٌ ومَرْيَمُ ومَكْوَزةُ ومَقْوَدةٌ. وحكى أبو زيد: وقَعَ الصَّيدُ في مَصْيَدَتِنا، وشَرابٌ مَبْوَلةٌ، وهي مَطْيَبةٌ للنفس. وقرأ بعض
_________________
(١) ١ من مفضليته المشهورة. المنصف١: ٢٧٩ وديوان الهذليين ١: ١٠ وتزيد هو ابن حلوان بن عمران وكان تاجرًا يبيع البرود بمكة. يصف أبو ذؤيب أتنًا صبغتها طرائق الدماء. ٢ المنصف ١: ٣٢٤. ٣ م: مبْيعة. ٤ الكتاب ٢: ٣٤٦. ٥ م: الواو. ٦ سقط حتى قوله "تحلئ" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٧ التحلئ: القشرة على وجه الجلد. ٨ المنصف ١: ٣٢٣. ٩ المتيح: من يتعرض لما لا يعنيه. ١٠ المنصف ١: ٢٩٦-٢٩٧. م: تعلّ.
[ ٣١٤ ]
القُرَّاءِ١: "لَمَثْوَبةٌ مِن عِندِ اللهِ خَيرٌ".
وذهب أبو العبَّاس٢ إلى أنَّ نحو: مَقام ومَباع، إنَّما اعتلَّ لأنه مصدرٌ للفعل أو اسم مكان، لا لأنه على وزن الفعل. وجعل "مَزْيَد" و"مَرْيَم" و"مَكْوَزة" على القياس؛ لأنها ليس لها أفعالٌ فتُحملَ في الإعلال عليها، إنَّما هي أسماءٌ أعلامٌ.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنَّه إن زعم أنه٣ لا يُعَلُّ إِلَّا أسماء المصادر، وأسماء الأزمنة والأمكنة، فقد أعلَّت العرب "مَعِيْشة" وهو اسم ما يعاش به، وليس باسم مصدر، ولا زمان ولا مكان. وكذلك "المَثُوبة" وهو اسم ما يُثاب به من خير أو شرٍّ، وإن زعم أنَّ الذي يُعَلُّ ما هو جارٍ على الفعل -أعني مشتقًّا منه٤ بقياس مطَّرد- فباطلٌ؛ لأنهم قد أعلُّوا مثل "مَعِيْشة"٥، وليس "مَفِعْلةٌ" ممّا عينه ياء ممّا يُقال باطِّراد. وإن زَعَم أنَّ الذي يُعَلُّ ما هو بالجملة مأخوذ من الفعل فهذه الأسماء، وإن كانت أعلامًا، فإنها منقولة في الأصل ممّا أُخِذ من الفعل. فمَزْيَدٌ في الأصل مصدَرٌ قد شُذَّ في تصحيحه، وحينئذ سُمِّي به. وكذلك مَرْيَمُ ومَكْوَزةُ.
هذا هو المذهب الصحيح في الأعلام، أعني أنها كلَّها منقولة، سواء عُلِم لها أصلٌ نُقِلت منه أو لم يُعلم؛ لأنَّ الأسماء الأعلام كلَّها يُحفظ لها في النكرات أصولٌ نُقِلت منها، وما لا يُحفظ له أصلٌ منها يُحمل على الأكثر فيُقضى بأنَّ له أصلًا، وإن لم يحفظ. قال أبو عليٍّ: وممّا يُبيِّن أنَّ الإعلال قد يكون في الاسم، بمجرَّد كونه على وزن الفعل، إعلالُهم نحو باب ودار، ولا مناسبة بينه وبين الفعل أكثرَ من الوزن. فإذا تَبيَّن أنَّ الوزن موجِب للإعلال وجب أن يُحملَ مَزْيَدٌ وأخواته على الشذوذ، لكونها لم تَعتلَّ، وهي على وزن الفعل.
فإن٦ قال قائل: لعلَّ إعلال دار وأمثاله ليس بالحمل على الفعل، بل الموجب له في الموضعين استثقال حرف العلة مع المثلين -أعني الفتحتين- وليس كذلك في مقام وأمثاله؛ لأنَّ حرف العلَّة إذا سكن ما قبله في الاسم حكمه أن يصحَّح نحو: عِثْيَر وحِذْيَم. فقد كان الواجب على هذا تصحيح مَقام وأمثاله، لولا حمله على أقامَ. فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على إعلال دار وأمثاله بالحمل على الفعل شيئان: أحدهما أنَّ الثلاثيَّ المجرَّد من الزيادة إذا لم يكن على وزن الفعل لا يُعلُّ باتفاق. وأبو العبَّاس ممن يوافق على ذلك، نحو: حِوَل وبِيَع
_________________
(١) ١ الآية ١٠٣ من سورة البقرة. وهذه قراءة قتادة. انظر التبيان١: ٣٨٦. ٢ انظر المقتضب ١: ١٠٧-١١٢. ٣ سقط من النسختين حتى قوله "أو شرّ وإن زعم". وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٤ أي: من مصدره. ٥ م: مَعْيِشة. ٦ سقطت الفقرة من النسختين، وألحقها أبو حيان بحاشية ف.
[ ٣١٥ ]
وصُوَر. وكذلك لو بنيتَ من القول مثل إبِل لقلتَ: قِوِلٌ، فصحَّحتَ. فلمَّا وجدناهم يعلُّونه إذا كان على وزن الفعل، ويمتنعون من إعلاله إذا لم يكن على وزنه، دلَّ ذلك على أنَّ إعلاله بالحمل عليه. والآخر تصحيحهم مثل: صَوَرَى وحَيَدَى وأشباههما، بزوال الشبه الذي بين الاسم والفعل، لمَّا لحقت ألف التأنيث الخاصَّة بالأسماء.
وإن كان الاسم على غير وزن الفعل فلا يخلو من أن يكون جاريًا على الفعل، أو لا يكون، ونعني بالجاري: ما يكون للفعل من الأسماء باطِّراد. فإن كان جاريًا أُعلَّ بالحمل على الفعل. وذلك نحو "إِفعال"١ مصدر "أُفْعَلَ"، و"استِفعال"٢ مصدر "استَفْعَلَ". فإنك تنقل الفتحة من العين إلى الفاء الساكنة قبلُ، ثمَّ تَقلب٣ حرف العلَّة، لتحرُّكه في الأصل وانفتاح ما قبله في اللفظ، فيلتقي ألفان: الأف المبدلة من حرف العلَّة والألف الزائدة قبل الآخر، فتحذف الواحدة لالتقاء الساكنين. فمذهب الخليل وسيبويه أنَّ المحذوفة الزائدة، ومذهب الأخفش أنَّ المحذوفة الأصليَّة٤. وقد تَقَدَّمَ:٥ أيُّ المذهبين أحسنُ في مسألة "مَفْعول" ممّا عينه حرف علَّة، إذ الأمر فيهما واحد.
فإذا حُذفتْ عُوِّض منها تاء التأنيث، إذ كانت التاء ممَّا يُعوَّض من المحذوف نحو: زنادقة، وكانت أيضًا ممَّا لا يمتنع منها٦ المصادر إذا أردت المرَّة الواحدة، نحو "ضَرْبة" لفظه لفظ الضرب وزيادته كزيادة الفعل. وذلك [نحو] ٧: إقامة مصدر "أَقامَ"، واستِقامة مصدر "استَقامَ".
وكذلك "انفِعالٌ" مصدر "انفَعَلَ"٨ المعتلِّ العين، إن كان من ذوات الواو قُلِبت الواو ياء، وذلك نحو: انقِياد مصدر "انقادَ". أصله "انقِواد"، فجعلت "قِواد" من "انقِواد" بمنزلة قِيام، فقَلبت الواو ياء كما فعلتَ ذلك في قِيام. وسيُبيَّنُ لِمَ قُلبتِ الواو ياء في "قيام" وأمثاله٩.
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٢٩١-٢٩٢. ٢ م: استفعل. ٣ وقيل: إنه يحذف أحد الساكنين دون قلب حرف العلة. ٤ المنصف ١: ٢٩١-٢٩٢. ٥ في الورقتين ٤٢ و٤٣. ٦ كذا، على تأنيث الضمير العائد إلى "ما". وسقط "إذا كانت.. كزيادة الفعل" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٧ من م. ٨ م: الفعل. ٩ في الورقة ٤٦ ب.
[ ٣١٦ ]
فإن كانت هذه المصادر لفعل لم تَعتلَّ عينه صحَّت كما يصحُّ فعلها. وذلك نحو: استِحْواذ وإغيال مصدر: استحْوَذَ وأَغيَلَتْ.
وإن كان غيرَ جار فلا يخلو من أن يسكن ما قبل حرف العلَّة، أو ما بعده، أو ما قبله وما بعده، أو يتحرَّكَ ما قبله وما بعده.
فإن تحرَّك ما قبله وما بعده فلا يخلو من أن تكون العين ياءً ساكنة وقبلها ضمَّة أو واوًا ساكنة وقبلها كسرة، أو لا تكون. فإن لم تكن كذلك صحَّت، وذلك نحو: صَوَرَى١ وحَيَدان٢ ومَيَلان٣. وذلك أنَّ ألف التأنيث لمَّا لَحِقَت "صَوَرَ"، والألف والنون لمَّا لَحِقَتا "حَيَدَ و"مَيَلَ" -وهي من خواصِّ الأسماء- أزالَتِ الشَّبَهَ الذي بين هذه الأسماء في الوزن وبين الفعل، فلم تعتلَّ٤.
إِلَّا ألفاظ شذَّت تُحفَظ، ولا يقاس عليها. وهي: دارانُ٥ وهامانُ٦ وحادانُ٧. وذلك أنهم شَبَّهوا في هذه الأسماء الألفَ والنون بتاء التأنيث٨. فكما أنَّ تاء التأنيث لا تَمنع الإعلال في مثل: دارة ولابة وقارة، فكذلك الأف والنون. ووجهُ الشَّبه بينهما أنك تحذفهما في الترخيم كما تحذف التاء. وكذلك أيضًا تُحقِّر الاسم ولا تَعتدُّ بالألف والنون، كما تفعل بالاسم الذي فيه تاء التأنيث [٤٦ب] .
فإن قيل: وما الدليل على أنَّ دارانَ وهامانَ وحادانَ: "فَعَلان"؟ وهلَّا جعلتها٩ "فاعلًا" نحو: ساباط. فالجواب أنَّ حمله على "فَعَلان" أولى، لكثرته وقلَّة "فاعال". وأيضًا فإِن مَنْعَ صرفها يدلُّ على أنها "فَعَلان".
فإن١٠ كانت الواو ساكنة بعد كسرة فإنها تقلب ياء نحو: ثِيران جمع ثَور. أصله "ثِوْران" فقلبت الواو ياء. وإن كانت الياء ساكنة بعد ضمَّة فإنها تقلب واوًا، وإن كانت بعيدة من الطرف.
_________________
(١) ١ م: "فإن تحرك ما قبله وما بعده صح وذلك نحو صورى". وصورى: اسم موضع. ٢ الحيدان: مصدر حاد عن الشيء إذا عدل عنه. م: جيدان. ٣ الميلان: مصدر مال يميل. ٤ شرح الشافية ٣: ١٠٥-١٠٦. ٥ داران: اسم علم من دار يدور. ٦ هامان: اسم علم من هام يهيم. وفي النسختين والمبدع: ماهان. ٧ حادان: اسم علم من حاد يحيد. م: "جاذان". وفي شرح الشافية: حالان من حال يحول. ٨ هذا هو مذهب المبرد. شرح الشافية ٣: ١٠٦. ٩ م: جعلتهما. ١٠ سقط من م حتى قوله: "فقلبت الضَّمَّة كسرة لتصح الياء".
[ ٣١٧ ]
نحو: عُوْطَط١. أصله "عُيْطَط"؛ لأنهم يقولون: عاطَ يَعِيطُ وعَيَّطتُه، فقلبت الياء واوًا. إِلَّا "فُعْلَى" ممَّا عينه ياء فإنه لا يخلو أن يكون اسمًا أو صفة. فإن كان اسمًا قلبت الياء واوًا نحو: طُوبَى وكُوهَى٢، على القياس؛ لأنها بعيدة من الطرف.
وإن كانت صفة قلبت الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء قالوا: قِسمةٌ ضِيزَى٣. وأصله "ضُيْزَى"، على وزن "فُعْلَى" بضمِّ الفاء، والدليل على ذلك أنه لا يحفظ في الصفات "فِعْلَى" بكسر الفاء، بل بضمِّها نحو: حُبلَى. وإنَّما قُلبت الضَّمَّة كسرة؛ لأنهم لم يعتدُّوا بألف التأنيث، فجرت لذلك مُجرى القريبة من الطرف، واعتدُّوا بها في الاسم كما اعتدُّوا بها في: صَوَرَى وحَيَدَى، فلم ينقلب حرف العلَّة ألفًا، وكأنَّ الذي سنَّ ذلك فيهما كون الصفة أثقلَ من الاسم، إذ الصفة من العلل الموانع للصرف، فهي أدعى للتخفيف، والياء أخفُّ من الواو، فقلبت الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء.
فإن سَكنَ ما قبله أو ما بعده، أو ما قبله وما بعده، صَحَّ٤ إِلَّا ما يُستثنى بعدُ. وذلك نحو: خِوان٥ وصِوان٦ وقَوام وحُوَّل٧ ومِقْوال ومِشْوار٨ والتَّجْوال وأَقوال وأَدواء. وكذلك أَهْوِناءُ٩، إنَّما صحَّ لسكون ما قبله، لا لأنَّ زيادته كزيادة الفعل؛ لأنَّ ألف التأنيث أزالت عنه الالتباس الذي كان يكون فيه بالفعل، لو أُعلَّ قبل لحاقها.
وإنَّما صحَّت العين في مثل هذه الأسماء؛ لأنها لو قُلبتْ ألفًا لالتقى ساكنان، فتحذف الألف، فكان ذلك تغييرًا كثيرًا١٠، وكان مؤدِّيًا في بعض المواضع١١ إلى الإلباس؛ ألا ترى أنَّك لو أَعللتَ قَوُولًا فقلبت واوه ألفًا ثمَّ حذفتها لصار اللفظ قَوْلًا على وزن "فَعْل"، ولم يُعلَم: هل هو "فَعُول" في الأصل؟ وأيضًا فإنه ليس لها ما يُوجب إعلالها، إذ ليست على وزن الفعل ولا جاريةً عليه.
_________________
(١) ١ العوطط: الناقة التي لم تحمل سنين من غير عقم. وفي حاشية ف بخط أبي حيان: "في تحقير عوطط: عُيَيْطِط. لا تقرّ الواو، والواو مبدلة من ياء. من المحتسب". ٢: الكوهى: طائر. ٣ الضيزى: الجائرة. وانظر الآية ٢٢ من سورة النجم. ٤ المنصف ١: ٣١٤-٣١٥. ٥ م: "حوار". والحوار: ولد الناقة. ٦ م: "صوار" والصوار: القطيع من البقر. ٧ الحول: ذو الحيلة والتجربة. ٨ المشوار: المحجن يجذب به العسل. ٩ في حاشية ف بخط أبي حيان: أهوناء: جمع هيّن". وفيها بخطه أيضًا نقلًا عن خط ابن عصفور: فأمَّا أهوناء فإنما صحَّ لأنَّ زيادته كزيادة الفعل، لا لسكون ما قبله؛ لأنَّ أَلِفَي التأنيث لا يعتدّ بهما ولذلك صحت العين. ١٠ م: ذاك كثيرًا. ١١ م: في بعض هذه الأسماء.
[ ٣١٨ ]
وقد أُعلَّ من هذا الفصل أشياءُ١ لأسباب أَوجبتْ ذلك فيها، وأنا أذكرها لك، إن شاء الله.
فمن ذلك "فِعالٌ"٢ إذا كان مصدرًا لفعل معتلِّ العين بالواو، أو جمعًا لمفرد عينُه واوٌ، وقد سَكَنَتْ الواو في مفرده، أو اعتلَّت بقلبها ألفًا، فإنك تقلب الواو ياءً. وذلك نحو: قامَ قِيامًا وسَوط وسِياط ودار ودِيار. والأصل "قِوامٌ" و"سِواطٌ" و"دِوارٌ":
فقُلبت الواو في "قِوام" ياءً، لانكسار ما قبلها، مع الحمل على الفعل في الاعتلال، مع أنَّ الواو بعدها ألفٌ وهي قريبة الشَّبه من الياء. فلمَّا اجتمعت هذه الأسباب خُفِّف اللفظ بقلب الواو ياء. ولو نقص شيء من هذه الأسباب لم تُقلب الواو ألفًا؛ ألا ترى أنَّ لِواذًا٣ صحَّت واوه لصحَّتها في "لاوَذَ"، وحِوَل٤ صَحَّت واوه لكونها ليس بعدها ألف، والقَوام صحَّت واوه؛ لأنها ليس قبلها كسرة؟
وقُلبت الواو في سِياط ودِيار لانكسار ما قبلها، وكونِ الألف بعدها وهي تشبه الياء، وكون الواو قد توهَّنتْ في مفرد سِياط بالسكون، وفي مفرد دِيار بقلبها ألفًا، وكون الكلمة جمعًا والجمعُ ثقيل. ولو نقص شيء من هذه الأسباب لم تُقلب الواو ياء؛ ألا ترى أنَّ زِوَجة ٥: صحَّت واوه؛ لأنها ليس بعدها ألف، وطِوال صَحَّت واوه؛ لأنها متحرِّكة في المفرد، وجَوارِب٦ جَمع جَوربٍ صَحَّت واوه؛ لأنها ليس قبلها كسرة؟
وزاد أبو الفتح في الشروط ألَّا تكون العين في المفرد مُضعَّفة. فإن كانت مضاعفة لم تنقلب الواو في الجمع ياء نحو: رِواء في جمع رَيَّانَ. وإنَّما ٧ صَحَّت لاعتلال اللام بانقلابها همزة، فكرهو إعلالها، لِما يلزم عن ذلك من توالي إعلالين. ويجوز عندي أن يكون رِواءٌ جمعَ رَوِيٍّ لا جمع رَيَّانَ، فتكون صِحَّة الواو في الجمع لمِا ذكرناه٨، ولتحرُّكها في المفرد.
وقد قُلبت الواو في جمع طَويل، فقالوا: طِيالٌ. وذلك في الشعر ولا يُقاس عليه. قال الشاعر٩:
_________________
(١) ١ في حاشية ف: جملتها أربعة: فِعال كقيام، وفُعّل كصُيّم، وفيعِل كسيِّد، وفيعلولة ككيّنونة. ٢ المنصف ١: ٣٤١-٣٤٣. ٣ اللواذ: مصدر لاوَذته. ٤ الحول: التحول. ٥ الزوجة: جمع زوج. ٦ م: جوارية. ٧ سقط من النسختين حتى قوله "توالى إعلالين"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٨ سقط من النسختين "لما ذكرناه"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٩ أنيف بن زبان النبهاني. المنصف ١: ٣٤٢ والكامل ٨٢ و٨٦٥ وعيون الأخبار ٤: ٥٤ والمحتسب ١: ١٨٤ وشرح شواهد الشافية ص٣٨٥-٣٨٧ والعيني ٤: ٥٨٨ والمفصل ٢: ٢٧٥ وشرحه ٨٨:١٠ واللسان والتاج "طول" ومجالس ثعلب ص٤١٢ والحماسة البصرية ١: ٣٥. وانظر شرح الحماسة للمرزوقي ص١٦٩ وللتبريزي ١: ١٦٦. والقماءة: صغر الجسم.
[ ٣١٩ ]
تَبَيَّنَ لِي أنَّ القَماءَةَ ذِلَّةٌ وأنَّ أَشدَّاءَ الرِّجالِ طِيالُها
ومن ذلك "فُعَّلٌ"١ إذا كان جمعًا، ولم يكن معتلَّ اللام، فإنه يجوز قلب الواو الأخيرة ياء، ثمَّ تُقلب [٤٧أ] الواو الأولى ياء، وتدغم الياء في الياء حملًا للعين على اللام. وذلك نحو: صائم وصُيَّم وصُوَّم، وجائع وجُيَّع وجُوَّع. قال الشاعر٢:
ومُغَرَّضٍ، تَغلي المَراجلُ تَحتَهُ، عَجَّلتُ طَبختَهُ، لرَهطٍ جُيَّعِ
يريد "جُوَّعًا". والوجه ألَّا تُقلب.
وذلك أنك كنت تقول في جمع عات: عُتِيّ، فتقلب في الجمع لا غير، للعلَّة التي تذكر في موضعها٣. فلمَّا كانت قريبة من الطرف شُبِّهت باللام. ولك أيضًا أن تقلب الضَّمَّة كسرة، إذا قلبت الواو ياء، فتقول: صِيَّمٌ، كما فعلتَ ذلك في عُصِيٍّ٤. ولا يلزم ذلك٥، كما لَزمَ في عُصِيٍّ لبعد العين٦ من الطَّرف.
فإن كان مفردًا٧ لم يجز القلب. وذلك نحو قولك: رجلٌ حُوَّلٌ. وإنَّما لم يجز القلب؛ لأنَّ الوجه فيما اعتلَّت لامه فكانت واوًا أن تثبت في المفرد، نحو قولك: عَتا يَعتُو عُتُوًّا. قال تعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ ٨. وإذا كان الوجه في اللام، أن تثبت لم يجز في العين إِلَّا الثبات؛ لأنَّ العين أقوى من اللام. وكذلك أيضًا لا يجوز قلب الواو الواقعة عنها في الجمع، إذا كانت اللام معتلَّة، كراهيةَ توالي الإعلال من جهة واحدة. وذلك نحو: شاوٍ وشُوًّى.
فأمَّا "فُعَّالٌ"٩، نحو: صُوَّام، فلا تُقلبُ الواو فيه ياء لبعدها من الطَّرف. وقد جاء حرفان شاذَّان وهما١٠ قولُهم: فلان في صُيَّابةِ قومِه، يريدون "صُوَّابة"، أي: صَميمهم وخالصهم. وهو من: صابَ يَصُوبُ، إِذا نَزَل. كأنَّ عِرقَهُ فيهم قد شاع وتمكَّن، وقولُهم١١: نُيَّام، بمعنى نُوَّام
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ١-٤. ٢ الحادرة من مفضلية له. ديوانه ص ٣١٧ وشرح اختيارات المفضل ص٢٢٨ والمنصف ٢: ٣. والمغرض: اللحم الطريّ، والرهط: الجماعة. ٣ في الورقة ٥٢. ٤ فوقها في ف: "عتيّ". وهو ما مثَّل به ابن جني في المنصف. ٥ أي: قلب الواوين والإدغام. ٦ في النسختين: الفاء. ٧ سقط من النسختين حتى قوله: "إذا كانت اللام معتلَّة"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف واستبدل به فيهما: فإن كان معتل اللام لم يجز قلب الواو ياء. ٨ الآية ٢١ من سورة الفرقان. ف: كثيرًا. ٩ المنصف ٢: ٤-٥. ١٠ م: "وقد جاء حرف واحد شاذ وهو". وكذلك في المنصف. ١١ سقط من م: "وقولهم نيام " مع ما أنشده ابن الأعرابي. وكذلك في بعض نسخ المنصف.
[ ٣٢٠ ]
جمع نائم. أنشد ابن الأعرابيِّ١:
ألَا طَرَقَتْنا مَيَّةُ بنةُ مُنذِرٍ فما أرَّقَ النُّيَّامَ إِلَّا سَلامُها
ومن ذلك "فَيْعِل"، نحو: سَيِّد ومَيِّت ولَيِّن. فإنَّه إن كان من ذوات الياء أُدغمت الياء في الياء من غير تغيير. وإن كان من ذوات الواو قُلبت الواو ياءً وأُدغمت الياء في الياء. فمن ذوات الياء: لَيِّنٌ، ومن ذوات الواو: سَيِّدٌ ومَيِّتٌ. وإن شئت حذفت الياء المتحرِّكة تخفيفًا فقلت: سَيْدٌ ومَيْتٌ ولَيْنٌ، لاستثقال ياءين وكسرة.
والفارسيُّ لا يرى التخفيف في ذوات الياء٢ قياسًا، فلا تقول في بَيِّنٍ: "بَيْنٌ"، قياسًا على لَيْنٍ، ويقيس ذلك في ذوات الواو. وحجَّته أنَّ ذوات الواو قد كانت الواو فيها قد قلبت ياء فخُفِّفت بحذف إحدى الياءين منها؛ لأنَّ التغيير يأنَس بالتغيير؛ ألا ترى أنهم يقولون في النسب إلى "فَعِيل": "فَعِيلىّ" فلا يحذفون الياء، ويقولون في النسب إلى "فَعِيلة": "فَعَلِيّ" فيحذفون الياء، لحذفهم٣ التاء.
وزعم البغداذيون٤ أنَّ سَيِّدًا ومَيِّتًا وأمثالهما في الأصل على وزن "فَيْعَلٍ" بفتح العين، والأصل "سَيَّدٌ و"مَيَّتٌ"، ثمَّ غُيِّرَ على غير قياس، كما قالوا في النَّسبِ إلى بَصرة: "بِصرِيّ"، فكسروا الباء. والذي حملهم على ذلك أنه لم يوجد "فَيْعِلٌ" في الصحيح مكسورَ العين، بل يكون مفتوحَها٥، نحو: صَيرَف وصَيقَل.
وهذا الذي ذهبوا إليه فاسدٌ؛ لأنه لا ينبغي أن يُحمل على الشذوذ ما أمكن. وأيضًا فإنه لو كان كتغيير "بِصريّ" لم يطَّرد. فاطِّرادُه٦، في مثل سَيِّد ومَيِّت ولَيِّن وهَيِّن وبَيِّن، دليلٌ على بطلان ما ذهبوا إليه. فأمَّا مجيئُه على "فيعِلٍ" مع أنَّ الصحيح لم يجئ على ذلك فليس بموجبٍ لادِّعاءِ٧ أنه في الأصل مفتوحُ العين؛ لأنَّ المعتلَّ قد ينفرد في كلامهم ببناء لا يوجد في الصحيح٨.
_________________
(١) ١ لذي الرمة. ديوانه ص٣٨ والمنصف ٢: ٥ وشرح الشافية ٣: ٤٣ و١٧٣ وشرح شواهده ص٣٨١-٣٨٣ وشرح المفصل ١٠: ٩٣ والعيني ٤: ٥٧٨. ونسبه الأخير إلى أبي عمر الكلابي. وطرقت: جاءت ليلًا. ٢ كذا. وانظر التكملة للفارسي ص٢٦٠. ف: الياء المتحرِّكة. ٣ ف: بحذفهم. ٤ المنصف ٢: ١٦. ٥ ف: مفتوحًا. ٦ م: لم يطرد باطراده. ٧ م: الادعاء. ٨ الكتاب ٢: ٣٧١ والمنصف ٣: ١٦-١٧.
[ ٣٢١ ]
وذلك نحو قَرْية قالوا في جمعه: قُرًى، ولا يُجمع "فَعْلٌ" من الصحيح على "فُعَلٍ" بضمِّ الفاء١ أصلًا. وكذلك قاضٍ وغازٍ قالوا في جمعهما: قُضاةٌ وغُزاةٌ، فجمعوهما على "فُعَلَة" بضمِّ الفاء، ولا يجمع الصحيح اللام٢ إِلَّا بفتح الفاء، نحو: ظالم وظَلَمة وكافِرٍ وكَفَرة.
فإن قيل: إنَّ قُضاة على ما ذهب إليه الفرَّاءُ٣، من أنها "قُضًّى" في الأصل نحو: ضارِب وضُرَّب، ثمَّ أَبدلوا من أحد المضعّفين ألفًا٤ فقالوا "قُضاا"٥، فالتقى ألفان: الألف التي هي لام، والألف المبدلة من أحد المضعّفين، فحذفوا إحداهما ثمَّ أبدلوا منها التاء. فالجواب أن يقال: إنَّ٦ إبدال الألف من أحد٧ المضعّفين ليس بقياس. واطِّراد قُضاة وغُزاة ورُماة يدلُّ على بُطلان ما ذهب إليه، إذ لو كان كما ذهب إليه لم يطَّرد.
وذهب الفرَّاء٨ إلى أنَّ الأصل في سَيِّد: "سَوِيْدٌ" على وزن "فَعِيْل"، ثمَّ قُلِب فأُدغم٩. وكذلك ما كان نحوه. وحَمَلَه على ذلك عدمُ "فَيْعِلٍ" بكسر العين في الصحيح.
وهذا الذي ذهب إليه فاسدٌ؛ لأنَّ القلب ليس بقياس، وأيضًا فإنه لم يجئ على الأصل في موضع. ولو كان الأمر كما ذكر لسُمعَ "سَوِيدٌ" و"مَوِيتٌ". وأيضًا فإنَّ "فَعِيلًا" لا يحفظ ممّا عينه ياء ولامه حرفُ صحَّة؛ ليس في كلام العرب مثل "كَيِيل". فإذا حَمَلَ بَيِّنًا ولَيِّنًا على أنَّ الأصل فيهما "لَيِيْنٌ" و"بَيِيْنٌ" فقد ادَّعى شيئًا لا يُحفظ في كلام العرب مثله.
وقد بيَّنَّا أنَّ المعتلَّ ينفرد بالبناء لا يكون للصحيح١٠، فينبغي أن يُبقَى في١١ سَيِّد وبابه على الظاهر من أنَّه "فَيْعِلٌ". وأيضًا فإنَّ الفرَّاء والغداذيِّين إنَّما رامُوا أن يجعلوا المعتلَّ على قياس [٤٧ب] الصحيح، ولا يُفردَ المعتلُّ بما لا يكون في الصحيح، ثمَّ حَملواه على ما لم يثبت في الصحيح؛ ألا ترى أنَّ "فَيْعَلًا" في الصحيح لا تُكسر عينه، وكذلك [عين] ١٢ "فَعِيلٍ" في
_________________
(١) ١ سقط "بضم الفاء" من م. ٢ في النسختين: العين. ٣ شرح الشافية ٣: ١٥٤. ٤ م: أبدلوا ألفًا من إحدى المضعّفين. ٥ م: قضا. ٦ سقط "يقال إن" من م. ٧ م: من إحدى. ٨ شرح الشافية ٣: ١٥٤. ٩ سقط من م. والمراد بالقلب هنا تقديم الياء على الواو. ١٠ انظر ص٣٢١. ١١ م: مثل. ١٢ تتمة يقتضيها السياق.
[ ٣٢٢ ]
الصحيح لا تقلبُ. فدلَّ ذلك على فسادِ مذهبهم.
ومن ذلك "فَيْعَلُولةٌ"١ فإنه إن كان من ذوات الياء أُدغمت الياء في الياء، ثمَّ حُذفت الياء المتحرِّكة، استثقالًا للياءين مع طول البناء. وإن كان من ذوات الواو قُلبت الواو ياء، ثمَّ أُدغمت الياء في الياء، ثمَّ حُذفت الياء المتحرِّكة. وإنَّما التُزم في "فَيعَلُولة" الحذفُ؛ لأنه قد بلغ الغاية في العدد إِلَّا حرفًا واحدًا؛ ألا ترى أنَّه على ستَّة أحرفٍ٢، وغايةُ الأسماء أن تنتهي بالزيادة إلى سبعة أحرف. فلمَّا كان الحذف في "فَيْعِل" جائزًا٣ لم يكن في هذا الذي قد زاد ثِقلًا، بالطول، إِلَّا الحذفُ. وذلك نحو: كَيَّنُونة وقَيَّدُودة٤.
فإن قيل: وما الذي يدلُّ على [أنَّ] ٥ كَيْنُونة٦ وقَيْدُودة٧ وأمثالهما في الأصل "فَيْعَلُولةٌ"؟ فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على ذلك شيئان: أحدهما أنهما من ذوات الواو، فلولا أنَّ الأصل ذلك لقيل "قَودُودةٌ" وكَونُونةٌ"، إذ لا مُوجِب لقلب الواو ياء. والآخر أنَّه ليس في كلام العرب "فَعْلُولةٌ"، على ما تَقَدَّمَ في الأبنية.
فإن قيل: فإنهما مصدران، وليس في المصادر ما هو على وزن "فَيْعَلُولة". فالجواب أنَّ "فَيعَلُولة" قد ثَبَتَ في غير المصادر، نحو: خَيسَفُوجة٨، ولم يثبت "فَعْلُولة" في موضع من المواضع. فحملُه على ما ثَبَتَ في بعض المواضع أحسن، إن أَمكن. وإِلَّا فقد يجيء المعتلُّ على بناء لا يكون للصحيح كما قَدَّمنا٩.
وزعم الفرَّاء١٠ أنهما في الأصل "كُونُونَةٌ" و"قُودُودةٌ" [بضمِّ الفاء] ١١، وكذلك "صُيرُورةٌ" وطارَ "طُيرُورةً"، ثمَّ قُلبت الضَّمَّة فتحة في صَيرورة وطَيرورة، لتصحَّ الياء. ثمَّ حُملت ذوات الواو على ذوات الياء، ففتحوا الفاء وقلبوا الواو ياء؛ لأنَّ مجيء المصدر على "فَعْلُولة"١٢ أكثرُ [ما
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ٩-١٥ وشرح الشافية ٣: ١٥٤-١٥٥ وأمالي الزجاجي ص١٤٤-١٤٩. ٢ وذلك دون اعتبار تاء التأنيث. ٣ م: جائز. ٤ سقط "وذلك نحو كينونة وقيدودة" من م. ٥ سقط من النسختين وألحق بحاشية ف. ٦ الكينونة: مصدر كان يكون. ٧ القيدودة: مصدر قاد يقود. ٨ الخيسفوجة: سكان السفينة. ٩ انظر ص٣٢١. ١٠ المنصف ١: ١٢ وشرح الشافية ٣: ١٥٤. ١١ من م. ١٢ م: فُعلولة.
[ ٣٢٣ ]
يكون] ١ في ذوات الياء٢، نحو: صَيرُورة وسَيرُورة وطَيرُورة وبَينُونة.
وهذا الذي ذهب إليه فاسدٌ من جهات:
منها أنَّ ادِّعاء قلب الضَّمَّة فتحة لتصحَّ الياءُ مخالفٌ لكلام العرب. بل الذي اطَّرد في كلامهم أنه٣ إذا جاءت الياء ساكنة بعد ضمَّة قُلبتْ واوًا، نحو قولهم: مُوقِنٌ وعُوطَطٌ٤، وهما من اليقين والتَّعيُّط.
ومنها أنَّ الضَّمَّة إذا قُلبتْ لتصحَّ الياء فإنَّما تُقلب كسرة، كما فعلوا في بِيضٍ، لا فتحةً. فإن قيل٥: لم يقلبوها كسرة، استثقالًا للخُروج من كسر إلى ضَمٍّ. فالجواب أنَّ الكسر إذا كان عارضًا فلا يكرهون الخروج منه إلى ضمٍّ، نحو: بِيُوت وشِيُوخ.
ومنها أنَّ حمله ذواتِ الواو على ذوات الياء ليس بقياس مطَّرد. أعني أنَّه إذا كثُر أمر ما في ذوات الياء، ثمَّ جاء منه في ذوات الواو شيء، لم يُوجِبْ ذلك حملَ ذوات الواو على الياء، وإنْ فُعِلَ ذلك فشذوذًا٦؛ ألا ترى أنَّ كثرة ٧ "فِعالة" في المصادر من ذوات الياء نحو: السِّقاية٨ والرِّماية والنِّكاية٩، وقلَّتَها من ذوات الواو١٠، لم تُخرِج "جِباوة" عن الشذوذ؟
ومنها أنَّ ما ادَّعاه، من أنَّ "فَعْلُولة" في ذوات الياء قد كثر، غيرُ مُسَلَّم. بل هذا الوزن في المصادر قليل في ذوات الياء والواو، وما جاء١١ منه في ذوات الواو كالمُعادِلِ لما جاء منه في ذوات الياء.
وممّا يدلُّ على صحَّة مذهب سيبويه١٢ ما حُكِي من مجيء "كَيَّنُونة" على الأصل. أَنشدَ المبرّد١٣.
_________________
(١) ١ من م. ٢ ف: الواو. ٣ م: أن. ٤ العوطط: الناقة لم تحمل سنين من غير عقم. ٥ م: "فإن قال". المنصف: فإن قال قائل. ٦ م: فشذوذ. ٧ م: أن قلة. ٨ م: السعاية. ٩ زاد في م: وكثرتها. ١٠ م: الياء. ١١ سقطت الواو من م. ١٢ الكتاب ٢: ٣٧٢. ١٣ المنصف ٢: ١٥ والإنصاف ص٧٩٧ واللسان "كون" وشرح الشافية ٣: ١٥٢ وشرح شواهده ص٣٩٢ والاقتضاب ص٢٨٢ والأشباه والنظائر ٥: ٢٠٥ و٦: ١٤. وشحطت: بعدت.
[ ٣٢٤ ]
قَد فارَقَتْ قَرِينَها القَرِينَهْ وشَحَطَتْ، عَن دارِها الظَّعِينَهْ
يا لَيتَ أنَّا ضَمَّنا سَفِينَهْ حَتَّى يَعُودَ الوَصلُ كَيَّنُونَهْ
وما عدا هذا المستثنياتِ١ ممَّا سَكَن ما قبلَه، أو ما بعدَه، أو ما قبلَه وما بعدَه، فلا يُعلُّ أَصلًا بأكثرَ من أن تُقلب الواو فيه ياء، إِذا اجتمعت مع الياء وقد٢ تَقَدَّمَ أَحدُهما بالسكون. فإذا قَلبتَ الواو ياء أدغمتَ الياء في الياء. وذلك نحو "فَيْعُول"٣ من القيام، تقول فيه: قَيُّومٌ. وكذلك "فَيْعال"٤ نحو: قَيَّام٥. الأصلُ فيهما "قَيْوُوْمٌ" و"قَيْوامٌ"، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.
وكذلك تَفعل في كلِّ عينٍ، تكون واوًا فتجتمع مع ياء، ويَسبِقُ أحدُهما بالسكون، إِلَّا أن يَشِذَّ من ذلك شيء نحو٦ ضَيْوَنٍ٧، أو يكون أحدُهما مَدَّةً فإنك لا تُدغم. فلو بَنَيتَ مثل "فُوعَل"٨ من القول لقلت "قُوْوَلٌ"٩ ولم [٤٨أ] تُدغم؛ لأنَّ الواو مدَّة، وقد تَقَدَّمَ السبب في ذلك في الفعل.
فإن جمعتَ اسمًا معتلَّ العين١٠ على وزن "مَفاعِلَ" أو "مَفاعِيلَ" فإنك تُبقي العين على أَصلها، من ياء أو واو، ولا تُعِلُّ. إِلَّا أن تَقَعَ في الجمع على حَسَبِ ما كانت عليه في المفرد معتلَّة -نحو قولك في قائم: "قَوائم"، فتَقلِب العينَ همزةً كما قلبتَ في "قائم"؛ لأنها بعد ألف زائدة في الجمع كما كانت في المفرد- أو يكتنفَ ألفَ الجمع واوان أو ياءان أو واو وياء، بشرط القرب من الطَّرَف. وقد تَقَدَّمَ إحكام ذلك في البدل.١١ وذلك نحو قولك في جمع "فُعَّل"١٢ من القول نحو قُوَّل: "قَوائل"، وفي [جمع] ١٣، "فَيْعَل" نحو قَيَّل: "قَيائل"، وفي
_________________
(١) ١ م: المستثنات. ٢ سقط من م. ٣ المنصف ٢: ١٧-١٨. ٤ م: فعال. ٥ المنصف ٢: ١٨-١٩. ٦ المنصف ٢: ٤٦-٤٧. ٧ الضيون: السنَّور. ٨ وهذا بناء صناعي لم يذكره في الأبنية. ٩ كذا، وليس في المثال ياء. فلعله يريد من البيع، فيكون: بُويَعٌ. ١٠ المنصف ٢: ٤٣-٤٦. ١١ في الورقتين ٣٢ و٣٣. ١٢ م: "فَعَّل". المنصف: فيعل. ١٣ من م.
[ ٣٢٥ ]
[جمع] ١ "فُعَّل"٢ من البيع: "بَيائع".
فإن لم تقع في الجمع على حَسَب ما اعتلَّت عليه في المفرد، ولا اكتنفَ ألفَ الجمع حرفا علَّة، فإنك تُبقي العين على أصلها من واو أو ياء. فتقول في جمع مِقْوَل: "مَقاوِلُ"، وفي جمع مَقام: "مَقاوِمُ"، وفي جمع مَعِيشة: "مَعايش"، إِلَّا لفظةً واحدةً شَذَّت فيها العرب -وهي٣ مُصيبة- قالوا في جمعها: "مَصائِبُ" فهمزوا العين، وكان ينبغي أن يقال في جمعها "مَصاوِبُ"؛ لأنها من ذوات الواو.
ووجه إبدالهم من العين همزةً أنهم شَبَّهوا الياء في "مُصِيبة" لسكونها وانكسار ما قبلها، بالياء الزائدة في مثل صَحِيفة. فكما قالوا في صَحيفة: صَحائفُ، فكذلك قالوا في مُصِيبة: مَصائبُ. هذا مذهب سيبوبه، ومذهب الزَّجَّاج أنهم قالوا "مَصاوِبُ"، ثمَّ أبدلوا من الواو المكسورة همزة تشبيهًا لها، حشوًا، بها في أوَّل الكلام. وقد تَقَدَّمَ في البدل٤ ترجيحُ مذهب الزَّجَّاج على مذهب سيبويه.
هذا حكم العين المعتلَّة، إذا كانت اللام حرفًا صحيحًا ليس الهمزة. فإن كانت اللام همزة٥ فلا تخلو الفاء، إذ ذاك من أن تكون همزة أو لا تكون.
فإن كانت همزة فإنه لا يجيء٦ منه شيء في الأفعال؛ لأنَّ حروفه كلَّها تعتلُّ؛ ألا ترى أنَّ الألف من حروف العلَّة، وكذلك الهمزتان٧. فكما لا تكون حروف الفعل كلُّها معتلَّة، فكذلك لا تكون عينه حرف علَّة وفاؤه ولامه همزتان. وإنَّما يجيء في الأسماء؛ قالوا "آءُ" وهو شجر. ونظيره من الأسماء في اعتلال جميع حروفه "واو".
وإن لم تكن الفاء همزة فحكمه حكم ما لامُه غير همزة، إِلَّا فيما أَستثنيه لك:
من ذلك٨ اسم الفاعل في نحو "جاءَ"، فإنه يُخالف اسم الفاعل من "قامَ" وأمثاله، في أنَّك إذا أَبدلتَ من العين همزة كما فعلتَ ذلك في قائم وأمثاله، اجتمع لك همزتان: الهمزة التي هي لام والهمزة المبدلة من العين، فتُبِدل من الهمزة الثانية ياء، لانكسار ما قبلها. هذا مذهب
_________________
(١) ١ من م. ٢ م: "فَعَّل". وفي المنصف: فيعل. ٣ المنصف ١: ٣٠٩-٣١١ وشرح الشافية ٣: ١٣٤. وشذَّ أيضًا معائش ومنائر وأقائيم. جمع معيشة ومنارة وأقوام. ٤ انظر ص٢٢٥. ٥ سقط من النسختين حتى قوله "وإن لم تكن الفاء"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٦ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بقوله: جاء في الأسماء والأفعال. ٧ يريد أن الهمزة تشبه أحرف العلَّة، لكثرة التصرف فيها. ٨ المنصف ١: ٣٠٩-٣١١ وشرح الشافية ٣: ١٢٤.
[ ٣٢٦ ]
سيبويه. ومذهب الخليل١ أنهم قَلبوا اللَّام في موضع العين، فلم تَلتق همزتان.
فإن قيل: وما الذي حَمل الخليل على ادِّعاءِ القلب؟ فالجواب أنَّ الذي حمله على ذلك كثرةُ العمل الذي في مذهب سيبويه؛ ألا ترى أنَّ جائيًا في مذهب سيبويه أصله "جايِئٌ" ثمَّ٢ "جائئٌ" ثمَّ "جائِيٌ" ثمَّ "جاءٍ"٣، وفي مذهب٤ الخليل أصله "جايِئٌ"، فقُلب فصار "جائِيٌ" ثمَّ "جاءٍ"؟ فمذهب سيبويه فيه زيادٌ [عملٍ] ٥ على مذهب الخليل. فلذلك تكلَّف القلب، إذ كانوا يقلبون فيما لا يؤدِّي فيه عدم القلب إلى اجتماع همزتين، نحو قولهم: شاكٍ ولاثٍ. والأصل فيهما: شائكٌ ولائثٌ.
وكلا المذهبين عند سيبويه حسن. ورَجَّحَ الفارسيُّ٦ مذهب الخليل على المذهب الأوَّل، بأنه يلزم في مذهب سيبويه توالي إعلالين على الكلمة من جهة واحدة. وهما قلب العين همزةً، وقلب الهمزة التي هي لام ياءً. وتوالي إعلالين على الكلمة، من جهة واحدة، لا يوجد في كلام العرب إِلَّا نادرًا أو في ضرورة الشعر٧، نحو قوله٨:
وإِنِّي لأَستَحْيي،٩ وفي الحَقِّ مُستَحًى، إِذا جاءَ باغِي العُرفِ، أن أَتَنَكَّرا
أصل مُستَحًى: "مُستَحْيَيٌ" فتحرَّكت الياء الأخيرة وما قبلها مفتوح، فقلبت١٠ ألفًا فصار "مُستَحْيًا". ثمَّ أَعلُّوا الياء التي هي عين، بنقل حركتها إلى الساكن قبلها وقَلبِها ألفًا، فالتقَى ساكنان فحذف أحدهما. ولا يلزم في مذهب الخليل إِلَّا القلب، والقلب أكثر في كلام العرب من توالي الإعلالين على الكلمة، حتى إنَّ يعقوب قد وضع كتابًا في "القلب والإبدال"١١.
وهذا الترجيح حسن. إِلَّا أنَّ السماع يشهد للمذهب الأوَّل. وذلك أنَّ من العرب من يقول١٢: شاكٌ ولاثٌ، فيحذف العين من شائك ولائث. ومنهم من يقول: شاكٍ ولاثٍ، كما تَقَدَّمَ فيقلب١٣. والذي من لغته القلب ليس من لغته الحذف، وكلّهم يقول: شائكٌ
_________________
(١) ١ الكتاب ٢: ٣٧٨. ٢ كذا. وقد أغفل "جااءٌ". ٣ م: جائي ثمَّ جايئ ثمَّ جاءَ. ٤ م: ومذهب. ٥ من م. ٦ المنصف ٢: ٥٣. ٧ في النسختين "إِلَّا في ضرورة شعر". وفي حاشية ف تصويب كما أثبتنا. ٨ التمام ص٧٠ و١٦٣. وانظر ص٣٧٠ والباغي: الطالب. والعرف: المعروف. ٩ م: استحى. ١٠ م: قلبت. ١١ نشر عام ١٩٠٥م. واستشهاد ابن عصفور به وهم؛ لأنَّ القلب الذي فيه هو إعلالي، لا مكاني كما في المسألة المعنية. ١٢ المنصف ٢: ٥٤. وانظر ص٣٩١. ١٣ م: ويقلب.
[ ٣٢٧ ]
ولائثٌ. فلمَّا وَجدنا العرب كلَّها تقول: جاءٍ، ولا تَحذف١، علمنا أنه في لغة الحاذفين على أصله. إذ ليس من لغتهم القلب، ومن لغتهم البقاء على الأصل. وأمَّا في لغة القالِبينَ في: شاكٍ ولاثٍ فيحتمل أن يكون مقلوبًا، ويحتمل [٤٨ب] أن يكون باقيًا على أصله. فقد حصل إِذًا ما ذهب إليه سيبويه سماعًا. وما ذهب إليه الخليل ليس له من السماع ما يقطع به، فهو محتمل.
ومن ذلك الجمعُ، فإنه يوافق جمع ما لامه غير همزة، في جميع ما ذُكر. فتقول في جمع جاءٍ: "جَواءٍ"، كما تقول في جمع قائم:"قَوائم". والأصل "جَوائِئٌ"٢، فقُلبت الهمزة الثانية ياءً لاجتماع الهمزتين. وعلى مذهب الخليل: "جَوايِئُ" فقُلبت الهمزة٣. وتقول في جمع مَجِيء: "مَجايِئُ"٤ كما تقول في جمع مَبِيع: "مَبايِع".
إلا٥ أن يؤدِّي الجمع إلى وقوع همزة عارضة بعد ألف الجمع -أعني لم تكن٦ في حال الإفراد- فإنك إذا قلبتَ الهمزة الثانية ياء فإنك تُحوِّل كسرة الهمزة التي هي عين٧ فتحةً، فتجيء٨ الياء متحرِّكة وما قبلها مفتوح فتُقلب٩ ألفًا، فتجيء الهمزة متوسِّطة بين ألفين، والهمزة قريبة الشَّبَه من الألف، فتجيء الكلمة كأنها اجتمع فيها ثلاثةُ أمثال، فتقلب الهمزة ياءً فرارًا من اجتماع الأمثال. وذلك نحو١٠ "فُعَّل"١١ من المجيء نحو: جُيَّأ١٢. فإنك تقول في جمعه: جَيايا.
والأصلُ "جَيايِئُ"، فاكتنف ألفَ الجمع ياءان، فقلبت الثانية همزة فقالوا "جَيائِئُ"، فقلبت١٣ [الهمزة] الثانية ياء لاجتماع الهمزتين وانكسار ما قبل الثانية فقالوا "جَيائِيُ"، ثمَّ حوَّلوه إلى "جَياءَيُ"، فتحرَّكت الياء وما قبلها مفتوح فقلبت ألفًا، فصار "جَياءَى" -وكان هذا التحويل لازمًا إذ كانوا قد يحوِّلون في مثل "صحارَى" مع أنه أخفُّ من "جياءَى"؛ لأنه لم تَعرِض فيه همزة كما عرضت في "جياءَى". وإنَّما لَزمَ تحويله، لمَّا عرضت فيه الهمزة؛ لأنَّ
_________________
(١) ١ يريد: ولا تقول "جاءُ" فتحذف عين فاعل. وفي حاشية ف بيان لما كان للفظ في الحذف. ٢ م: جوئيٌ. ٣ أي: قدمت الهمزة على الياء. ٤ م: مجائئ. ٥ م: إلى. ٦ م: لم يكن. ٧ م: غير. ٨ م: فجاءت. ٩ م: فقلبت. ١٠ المنصف ٢: ٦٠-٦٢. ١١ في النسختين: "فَعّل" وفي حاشية المبدع: فَعال. ١٢ م: جياء. ١٣ سقط "الثانية فقلبت" من م.
[ ٣٢٨ ]
عُروضها تغيير، والتغير يأنس بالتغيير– ثمَّ قُلبت الهمزة ياء لوقوعها بين ألفين فصار جَيايا.
وإنَّما لزم قلب الهمزة ياء لمَّا وقعت بين ألفين؛ لأنَّ مخرج الهمزة يقرب من مخرج الألف، فكان كالتقاء ثلاث ألفات. وكذلك تَفعل بكلِّ ما تَعرِضُ فيه الهمزة من الجمع. فأمَّا قوله١:
سَماءُ الإلهِ فَوقَ سَبعِ سَمائيا.
فإنه ردَّه إلى أصله، لمَّا اضطرَّ، كما تُرَدُّ جميع الأشياء إلى أصلها عند الضرورة.
ومن ذلك "أشياءُ"٢. فمذهب سيبويه والخليل٣ أنَّها "لَفْعاءُ" مقلوبة من "فَعْلاء"، والأصل "شَيْئاء" من لفظ شيء، وهو اسم جمع كقَصْباء٤ وطَرْفاء٥ ومذهب الكسائيِّ أنها "أَفعال" جمع شيء. ومذهب الفرَّاء والأخفش أنها "أَفعِلاء"٦، والأصل "أَشيِئاء"، فحذفت الهمزة التي هي لام وانفتحت الياء لأجل الألف.
ويخالف الفرَّاءُ أبا الحسن في "شيء" الذي هو مفرد أشياء. فمذهب أبي الحسن أنه "فَعْل" كبَيت، ومذهب الفرَّاء أنه مخفَّف من "فَيْعِل"، والأصل "شَيِّئٌ" فخُفِّف كما خفَّف هَيِّنٌ ومَيِّتٌ فقالوا: هَيْنٌ ومَيْتٌ.
فالذي يُردُّ به على الكسائيِّ أنه لو كان "أَفعالًا" لكان مصروفًا، كأبيات وأجمال وأعباءٍ، إذ لا موجب لمنع الصرف. فإنه احتَجَّ بأنهم لمَّا جمعوه بالألف والتاء، فقالوا: أشياوات، أَشبَه "فَعْلاءَ" فمُنع الصرف. فالجواب أنَّ "أَفعالًا" لا يُجمع بالألف والتاء. فإِذ قد٧ جَمعوا أشياء بالألف والتاء فذلك دليل على ما ادَّعى الخليل من أنها "فَعلاء". وبتقدير أنها "أفعال" جُمعت بالألف والتاء فإنَّ هذا القَدر لا يُوجب منع الصرف٨؛ لأنَّ ذلك لم يستقرَّ في العلل المانعة للصرف.
وأمَّا الفرَّاء والأخفش فالذي يَدلُّ على فساد مذهبيهما أنَّ حذف اللام لم يجئ منه
_________________
(١) ١ عجز بين لأمية بن أبي الصلت صدره: لَهُ ما رأتْ عَينُ البَصِيرِ، وفَوقَهُ. ديوانه ص٧٠ والكتاب ٢: ٥٩ وشرح أبياته ٢: ٣٠٤. وسمائي: مجرور بالفتحة عوضًا عن الكسرة، جمع سماء على وزن فَعائل. ٢ المنصف ٢: ٩٤-١٠٢ وشرح الشافية ١: ٢١-٣٢ والإنصاف ص٨١٢-٨٢٠. ٣ الكتاب ٢: ١٧٤ و٣٧٩-٣٨٠. ٤ القصباء: القصب. ٥ الطرفاء: شجر. ٦ كذا، وهو ميزان الأصل قبل الحذف. والصواب: أفعاء. ٧ في النسختين "فإذ وقد". وانظر ص١٥٠ و٢٠٥ و٢٦٨ و٤٣٥.
[ ٣٢٩ ]
إِلَّا "سُؤتُه١ سَوايةً". والأصل سَوائِيَة كرَفاهية٢. وحكى الفرَّاءُ "بُراءُ" ممنوعَ الصرف٣، والأصل بُرَآءُ فحُذفت الهمزة التي هي لام. وذلك من القلَّة بحيث لا يقاس عليه، والقلب٤ أوسع منه.
وأيضًا فإنه لو كان الأصل "أَفعِلاء" لكان من أبنية جموع الكثرة، وجموعُ الكثرة لا تُصغَّر على لفظها، بل تُردُّ إلى جموع القِلَّةِ إن كان للاسم جمع قلَّة. وإلَّا تُردُّ على المفرد، ثمَّ يُصغَّر المفرد ويجمع بالواو والنون إن كان مذكَّرًا، وبالألف والتاء إن كان مؤنثًا. فتقول في تصغير فُلُوس: أُفَيلِسٌ، وفي تصغير رجال: رُجَيلُون، وفي تصغير دَراهم: دُرَيهِمات. وهم قد قالوا في تصغير أشياء: أُشَيَّاء فصغَّروها على لفظها. فدلَّ ذلك على فساد مذهبيهما.
ولا يُردُّ بالتصغير على الكسائيِّ؛ لأنَّ "أَفعالًا" من أبنية جموع القلَّة، وجموع القلَّة تصغَّر على ألفاظها. وكذلك لا يُردُّ على الخليل بذلك؛ لأنَّ أسماء الجموع تُصغَّر على لفظها.
وأيضًا فإنَّ "أَفعِلاء" لا يكون جمعًا لـ"فَعْل"٥ ولا لـ"فَيْعِل". فأمَّا قولهم: هَيِّنٌ وأَهوِناءُ، فشاذٌّ لا يقاس عليه. ولا حجَّة للأخفش فيما ذَكَر، من أنَّ "أَفعِلاء" أختُ "فُعَلاء". يعني أنهما يشتركان في كونهما جمعين لـ"فَعِيل"، فكما جمعوا سَمْحًا، وهو "فَعْلٌ"، على سُمَحاء، فكذلك جمعوا شَيئًا، وهو "فَعْلٌ"، على "أَفعِلاء". وذلك أنَّ جمع سَمْح على سُمْحاء شاذٌّ، لا يقاس عليه مثلُه، فكيف نظيره.
فإن قيل: فإنَّ الفرَّاء قد ذهب [٤٩أ] إلى أنَّ "فَيْعِلًَا" في الأصل "فَعِيْل" فقُلب. فإذا كان كذلك فبابه أن يُجمع على "أَفعِلاء". فاجواب أنه تَقَدَّمَ الدليل٦ على فساد مذهبه في ذلك.
وممّا يدلُّ أيضًا على فساد مذهب الفرَّاء أنَّه ادَّعى أنَّ الأصل في شيء: "شيِّئ". وذلك لم يُنطق به في موضع من المواضع. ولو كان شَيء كمَيْتٍ وهَيْنٍ لجاء على أصله، في موضع من المواضع.
فثَبَتَ إذًا أنَّ الأحسن مذهب الخليل، إِذ ليس فيه أكثر من القلب، والقلب كثير في كلامهم.
_________________
(١) ١ م: سواة ٢ في حاشية ف: لحق مخروم أكثره يتعذر إدراكه. ٣ في حاشية ف بخط أبي حيان "المحفوظ: بُراءٌ، مصروف. قال كثيِّر: فسِيرُوا بُراءً، في تَفرُّقِ مالِكٍ بِنَصرٍ، وأرحامٍ يَئطُّ قَرِيبُها". انظر ديوان كثيِّر ص٢٦٩. ٤ يعني القلب المكاني. ٥ كذا. والصواب "فَيْل" لأنَّ العين حذفت وبقيت الياء الزائدة. ٦ في الورقة ٤٧.
[ ٣٣٠ ]
ومن ذلك١ "أَشاوَى" في معنى أشياءَ. حُكي من كلامهم: إنَّ لكَ عِندي لأشاوَى. وفيها خلاف أيضًا.
فمذهب المازنِيِّ٢ أنها جمع أشياءَ. وكان الأصل أن يقال "أشايا"٣، فأُبدلت الياء واوًا٤ شذُوذًا، كما قالوا: جَبَيتُ الخَراجَ جِباوةً. ففيها على هذا شذوذان: قلب اللام إلى أوَّل الكلمة، وقلب الياء واوًا.
ومذهب سيبويه٥ أنها جمع "إشاوة"، وإن لم يُنطق بها. وتكون "إِشاوة" المتوهَّمة كأنها في الأصل "شِياءَة" فقلبت اللام إلى أوَّل الكلمة، [وأُخِّرت العين إلى موضع اللام] ٦، وأُبدِلت الياء واوًا. فلمَّا جمعوا فعلوا به ما يُفعل بـ "عِلاوة"٧ -وسيُذكر ذلك في المعتلِّ اللَّام- فقالوا: أَشاوَى، كما قالوا: عَلاوَى.
ورأى سيبويه أنَّ هذا أَوْلى، ليكونَ الشُّذوذ في المُتوهَّم -وهو المفرد الذي لم يُنطق به- ثمَّ يجيء الجمع على قياس المفرد. وإذا جعلنا أَشاوَى جمع أشياءَ كان الشُّذوذُ في الملفوظ به. وأيضًا٨ فإنَّ أبا الحسن الأخفش حكى أنَّ العرب التزمت فيه الفتح٩، فلم يقولوا "أشاوٍ" كصحارٍ، فدلَّ ذلك على أنَّه ليس جمع أشياء بل جمع إِشاوة. ولذلك التزم فيه الفتح كما التزم في جمع إِداوة وهِراوة وأمثالهما.
وذهب بعض النَّحويِّين١٠ إلى أنَّ أَشاوَى غير مقلوب، وأنَّ الواو غير مبدلة [من ياء] ١١، وجعله من تركيب "أش و". وقد جاء١٢ ذلك في قول الشاعر١٣:
وحَبَّذا، حِينَ تُمسِي الرِّيحُ بارِدةً، وادِي أُشَيٍّ، وفِتيانٌ بِهِ، هُضُمُ
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ٩-١٠٠ والإنصاف ص٨٠٧ وشرح الشافية ١: ٣١ ٢ المنصف ٢: ٩٤. ٣ م: "أشائي". ف: "أشاي". وفي حاشيتها: "أشاوِيُّ". والتصويب من المنصف ٢: ٩٩. ٤ ف: الواو ياء. ٥ الكتاب ٢: ٣٧٩-٣٨٠. ٦ من شرح الشافية ١: ٣١. ٧ العلاوة: أعلى الرأس. وانظر الورقة ٥٧. ٨ سقط حتى قوله: "وأمثالهما" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف نقلًا عن خط المصنف. ٩ كذا. وجاء عنهم الكسر. التاج "شيأ". ١٠ المنصف ٢: ٩٩-١٠٠. ١١ من م. ١٢ م: وقد وجدنا. ١٣ زياد بن منقذ أو زياد بن حمل. وينسب إلى المرار بن منقذ وبدر بن سعيد. المنصف ٢: ٩٩ وشرح الحماسة للمرزوقي ص١٣٩٠ وللتبريزي ٣: ٣٢٥ والأغاني ٩: ١٥٤ وزهر الآداب ٤: ١٩٥ والعيني ١: ٢٥٧ وشرح شواهد المغني ص٤٩ والخزانة ٢: ٣٩١-٣٩٣ ومعجم البلدان ١: ٢٦٧ و٥: ٣٥٩ ومعجم ما استعجم ص١٦١ واللسان والتاج "هضم". والهضم: جمع هضوم. وهو الذي ينفق ما له في الشتاء.
[ ٣٣١ ]
فأُشَيٌّ في الأصل "أُشَيْوٌ"؛ لأنَّ اللام الغالبُ عليها إذا كانت حرف علَّة أن تكون واوًا. فتكون على هذا موافقة لأَشياء في المعنى، ومخالفة لها في الأصل، فيكون ذلك من باب لؤلؤ ولأال، وسَبِط وسِبَطر. وذلك قليل جِدًّا.
ومن ذلك١ سَوايَةٌ. أعني أنه شَذَّ عن القياس، بحذف الهمزة منه التي هي لام. والأصل "سَوائِيَةٌ". وقد تَقَدَّمَ٢.
ومن ذلك ما حكاه أبو زيد٣ من قولهم: غَفَر الله مسائِيَتَكَ، جمع مَساءَة. والأصل "مساوِئتَكَ"، فقُلب فصار "مَسائِوتَك"، فجاءت الواو طرفًا بعد كسرة فقُلبت ياءً، وأُلحقت التاء التي تلحق لتأنيث الجمع، فصار مسائيتك.
فهذه المستثنيات لا يقاس على شيء منها.
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ٩١-٩٣. ٢ انظر ص٣٢٩. ٣ في حاشية ف: "حكاه سيبويه فلا حاجة إلى أبي زيد". وانظر النوادر ص٢٣٢ والمنصف ٢: ٩٣ والكتاب ٢: ٣٧٩.
[ ٣٣٢ ]
[المعتلُّ اللام]:
فأمَّا المعتلُّ اللام فلا يخلو أن يكون اسمًا أو فعلًا. فإن كان فعلًا فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف، أو على أزيد. فإن كان على ثلاثة أحرف فإنَّه يكون على "فَعَلَ" و"فَعُلَ" و"فَعِلَ" بفتح العين وضمِّها وكسرها:
أمَّا المفتوحة العين والمكسورتها فإنها تكون في ذوات الواو والياء. فمثال "فَعَلَ"١ من الياء: رَمَى، ومن الواو: غَزا. ومثال "فَعِلَ"٢ من الواو: شَقِيَ،٣ ومثاله من الياء: عَمِيَ.
وأمَّا المضمومةُ٤ العين فلا توجد إِلَّا في الواو نحو: سَرُوَ. ولا تُوجد في الياء٥ إِلَّا في التعجُّب نحو: لَقَضُوَ الرَّجُلُ! ٦ أصله "لقَضُيَ"، فقُلبت الياء واوًا لانضمام ما قبلها؛ لأنَّ الياء وقبلها الضَّمَّة بمنزلة الياء والواو. فكما أنَّ اجتماع الياء والواو ثقيل فكذلك الياء إذا كان قبلها ضمَّة، لا سيَّما والياء في محل التغيير. وهو الطَّرف. فلم يكن بدٌّ من قلب الياء حرفًا من جنس الضَّمَّة وهو الواو، أو قلب الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء، فلم يمكن قلبُ٧ الضَّمَّةِ كسرة كراهيةَ أن يلتبس "فَعُلَ" بـ"فَعِلَ"، فقُلبت الياء واوًا.
فإن قيل: ولأيِّ شيء امتنع بناءُ "فَعُلَ" من ذوات الياء؟ فالجواب٨ أنَّ الذي مَنَعَ من ذلك أنهم لو فعلوا ذلك لأدَّى٩ إلى الخروج من الخفيف إلى الثقيل؛ لأنه يلزم فيه كما ذكرنا قلبُ.
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ١١١-١١٢. ٢ المنصف ٢: ١١٢. ٣ م: سقي. ٤ المنصف ٢: ١١٢ -١١٣. ٥ كذا، وقالوا: نَهُوَ يَنهُو. وهو من اليائيِّ. ٦ تقول: لقضو الرجل، إذا بالغت في الخبر عنه بجودة القضاء. المنصف ١: ٣٠٧. ٧ م: وهو الواو وقلب. ٨ المنصف ١: ١١٣. ٩ زاد في م: ذلك.
[ ٣٣٣ ]
الياء واوًا، والياء أخفُّ من الواو، مع أنَّه يلزم أن يكون المضارع على "يَفعُلُ". فكنت تقول "رَمُوَ يَرْمُو"، فيجتمع لك في الماضي والمضارع ضمَّةٌ وواو وذلك ثقيل. وليس كذلك ذوات الواو؛ لأنَّه لا يلزم فيها١ أكثر من ثقل الواو والضَّمَّة نحو: "سَرُوَ يَسْرُو"، إذ ليس يلزم فيها خروج من خفيف إلى ثقيل.
وإنَّما ساغ ذلك في فعل التعجُّب؛ لأنَّه لا مضارع له، فقَلَّ فيه الثقل لذلك. وأيضًا فإنه يشبه الأسماء، ولذلك صَحَّحوا الفعل في نحو: ما أَطوَلَهُ! تشبيهًا له بـ"أطوَلَ منه". فكذلك أيضًا قَلَبوا الياء في مثل "رَمُوَ"٢، إذا أرادوا التعجُّب، واوًا تشبيهًا له [٤٩ب] بـ"فَعُلَة"٣، ممّا لامه ياء، إذا بُنيَتْ على التأنيث، نحو "رَمُوة"٤ من الرمي.
فإن قيل: وكيف شُبِّهت الياء المُتطرِّفة في الفعل بالياء غير المتطرِّفة في الاسم؟ بل كان يجب أن تُشبَّه٥ بالياء المتطرِّفة. فكما أنَّ الياء المضموم ما قبلها، إذا كانت في آخر الاسم٦، تُقلب الضَّمَّة كسرة نحو: أظْبٍ جمع ظَبْيٍ، فكذلك كان يجب فيما أشبهه من الفعل. فالجواب٧:
أنَّ الذي مَنَعَ من قلب الياء المضموم ما قبلها واوًا في آخر الاسم [أنَّ الواو المضموم ما قبلها في آخر الاسم] ٨ مستثقلة، وهي مع ذلك معرَّضة لأن تليها ياء النسب وياء الإضافة، نحو "أَدْلُوِيّ" و"أَدْلُوِيْ"٩ لو ثَبَتَتِ الواو. والفعل ليس بمعرَّض لذلك، فلم يُستثقل أن يكون آخره واوًا مضمومًا ما قبلها، كما استُثقل١٠ ذلك في الاسم. فلذلك شُبّه "رَمُوَ" في التعجُّب بـ"فَعُلَة" من الرَّمي نحو "رَمُوَة"؛ لأنَّ الواو إذ ذاك لا تليها ياءُ الإضافة كما أنَّ الفعل كذلك.
فإن كان الفعل على "فَعُلَ" بضمِّ العين فإنَّ لامه تصحُّ نحو "سَرُوَ"، إذ لا موجب للإعلال فيه؛ لأنَّ الضَّمَّة مع الواو بمنزلة واوين. فكما تصحُّ الواوان في مثل عدوّ، فكذلك تصحُّ الواو المضموم ما قبلها في آخر الفعل١١. إِلَّا أن يكون من ذوات الياء فإنه يُصنع به ما ذكرنا من
_________________
(١) ١ م: فيه. ٢ م: رموا. ٣ م: فُعلة. ٤ م: رُموة. ٥ م: يشبه. ٦ ف: اسم. ٧ المنصف ٢: ١١٧-١١٨. ٨ من م. ٩ م: أدلو. ١٠ م: استثقلت. ١١ سقط "فكما تصح آخر الفعل" من م. وانظر تعليقة لنا في ص٣٤٨.
[ ٣٣٤ ]
قلب الياء واوًا، لِما تَقَدَّمَ من ثقل الياء وقبلها الضَّمَّة، نحو: لَقَضُوَ الرَّجُلُ!
فإن خَفَّفتَ١ العين فقلتَ: لقَضْوَ الرَّجلُ! أَبقيتَ الواو على أصلها؛ لأنَّ التسكين عارض. وأيضًا فإنَّ الفعل إذا لَزم فيه الإعلال في بعض المواضع حُملت سائر المواضع على ذلك، وإن لم يكن فيها موجب، نحو: أَغزَيتُ٢، قُلبت فيه الواو ياء حملًا على: يُغْزِي، وإن لم يكن في "أغزَيتُ" ما في "يُغزِي" من انكسار ما قبل الواو المتطرِّفة. فكذلك قُلبت الياء في "لَقَضْوَ" [واوًا] ٣ حملًا على "لَقَضُوَ"، وإن لم يكن في لغة المخفِّف ما قبل الياء مضمومًا.
فإن كان الفعل على "فَعِلَ" بكسر العين فلا يخلو من أن يكون من ذوات الياء، أو من ذوات الواو:
فإن كان من ذوات الياء بقي على أصله ولم يعتلَّ، نحو: غَنِيتُ" في الغُنية، كما لم يعتلَّ ما في آخره واو قبلها ضمَّة. بل إذا صحَّت الواو في مثل: سَرُوَ، فالأحرى أن تصحَّ الياء في مثل: غَنِيَ؛ لأنَّ الياءَ وقبلها الكسرة أخفُّ من الواو وقبلها الضَّمَّة.
وإن كان من ذوات الواو قُلبت الواو ياء، نحو: شَقِيَ ورَضِيَ٤؛ لأنَّ الواو وقبلها الكسرة بمنزلة الياء والواو؛ لأنَّ الكسرة بعضُ الياء. فكما أنَّ الياء والواو إذا اجتمعتا٥ في مثل سيِّد ومَيِّت قلبت الواو ياء، والأصلُ "سَيْوِدٌ" و"مَيْوِتٌ"، فكذلك يُفعل بالكسرة مع الواو. فإن سكَّنتَ العينَ٦ قلتُ: شَقْيَ٧ ورَضْيَ، ولم تَردَّ الواو؛ لأنَّ الإسكان عارضٌ. وأيضًا فإنك تَحمِل التخفيف على التحريك، كما فعلتَ ذلك في "لَقَضْوَ" للعلَّة التي ذكرنا.
وإن كان الفعل على وزن "فَعَلَ" بفتح العين فإنك تقلب حرف العلَّة ألفًا، ياءً كان أو واوًا، نحو: غَزا ورَمَى، من الغَزْو والرَّمْي. والسبب٨ في ذلك اجتماع ثقل المِثلَينِ -أعني فتحة العين واللام- مع ثقل الياءِ أو الواو٩، فقلبت الياء والواو ألفين١٠ لخفَّة الألف؛ ولأنها لا تتحرَّك فيزولُ اجتماع المِثلَينِ؛ ولأنَّه ليس للياء والواو ما يقلبان إليه، أقربُ من الألف.
_________________
(١) ١ م: لقضو الرجل خُففت. ٢ م: أغريت. ٣ من م. ٤ م: "زكي". وضرب عليها بقلم مخالف، وأثبت في الحاشية: رضي. ٥ م: اجتمعت. ٦ سقط من م. ٧ م: سقي. ٨ المنصف ٢: ١١٦-١١٧. ٩ ف: والواو. ١٠ م: والعين.
[ ٣٣٥ ]
لاجتماعهما معها١ في أنَّ الجميع حروف علَّة ولِين.
وأيضًا فإنَّه لَمَّا قُلبت الواو، إذا كان قبلها كسرةٌ، حرفًا من جنس الحركة التي قبلها -وهو الياء في نحو: رَضِيَ- والياءُ المضمومُ ما قبلها حرفًا٢ أيضًا من جنس الحركة التي قبلها -وهو الواو في نحو: لَقَضُوَ- كذلك قُلبت الياء والواو، إذا انفتح ما قبلهما، حرفًا من جنس الحركة التي قبلهما. وهو الألف.
فإن٣ بُنِي شيءٌ، من هذه الأوزان الثلاثة، للمفعول٤ صُيّر الفعلُ على وزن "فُعِلَ" بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه. فإن كان من ذواتِ الياء لم يَعتلَّ، كما لم يَعتلَّ "فَعِلَ"، نحو: عُنِيَ بزيدٍ ورُمِيَ السَّهمُ. وإن كان من ذوات الواو قُلبت الواو ياء، لانكسار ما قبلها، نحو: شُقِيَ به وغُزِيَ العدُوُّ، كما قُلبت في "فَعِلَ" نحو: شَقِيَ.
فإن خُفِّفَتِ٥ العينُ بقيت الياء ولم ترجع الواو، نحو: غُزْيَ، كما لم تَرجع في "رَضِيَ" إذا خُفِّفَتْ. والدليل، على أنَّ الفعل بعد التخفيف يبقى على حكمه قبل التخفيف، قوله٦:
تَهزأُ مِنِّي أُختُ آلِ طَيسَلَهْ قالَتْ: أَراهُ دالِفًا، قَد دُنْيَ لَهْ
يريد: قد٧ دُنِيَ له -وهو من "دَنوتُ"- فأسكن [٥٠أ] النون وأَقرَّ الياء بحالها.
فإن اتَّصل بشيء من هذه الأفعال علامةُ تأنيث فإنه يبقى على ما كان عليه، إن كان لامه في اللفظ ياءً أو واوًا -نحو: سَرُوَ ورَضِيَ وغُزِيَ- نحو: سَرُوَتِ المرأةُ ورَضِيَتْ هِندٌ وغُزِيَتِ الأعداءُ. وإن كان لامه ألفًا حُذفت لالتقاء الساكنين، نحو: رَمَتْ هِندٌ. وإن تحرَّكت التاء
_________________
(١) ١ م: لاجتماعهما معهما. ٢ م: حرف. ٣ م: وإن. ٤ م: لما لم يسمّ فاعله. ٥ المنصف ٢: ١٢٤-١٢٥. ٦ من أرجوزة تنسب إلى صخير بن عمير التميمي. ونسبها بعضهم إلى الأصمعي وإلى خلف الأحمر. وهي ذات الرقم ٢٤ في الزيادات من كتابي المفضليات والأصمعيات. الأصمعيات ص٢٧٣-٢٧٨ والأمالي ٢: ٢٨٤ و٢٨٥ والسمط ص٩٢٩-٩٣٠ وإرشاد الأريب ٣: ٤-٥ وديوان المعاني ٢: ٧٣ والمنصف ٢: ١٢٥ واللسان والتاج "طسل" والتاج "بلط" و"دنو". والشطر الثاني في اللسان "دنو" معلقًا عليه بما يلي: "وكان الأصمعي يقول في هذا الشعر الذي فيه هذا البيت: هذا الرجز ليس بعتيق، كأنه من رجز خلف الأحمر أو غيره من المولدين". وطيسلة: اسم علم، والدالف: الذي يقارب الخطو في المشي. ٧ سقط من م.
[ ٣٣٦ ]
لالتقاء الساكنين لم ترجع الألف؛ لأنَّ التحريك عارض، نحو: رَمَتِ المرأةُ والهِندانِ رَمَتا.
ومن العرب من يَعتدُّ بالحركة في "رَمَتا"، وإن كانت عارضةً، لشدَّة اتِّصال الضمير بما قبله حتَّى كأنَّه بعضه، فيردُّ الألف فيقول: رَماتا. وذلك ضرورة، لا يجيء إِلَّا في الشعر. وعليه قوله١:
لَها مَتنَتانِ، خَظاتَا، كَما أَكَبَّ، علَى ساعِدَيهِ، النَّمِرْ
أراد: خَظَتا. وقد يجوز أن يكون تثنية خَظاة٢، كأنَّه قال: خظاتانِ. ولكنه حذف النون ضرورة، فيكون كقوله٣:
ومَتْنانِ، خَظاتانِ كَزُحلُوقٍ، مِنَ الهَضْبِ
ومِن حذف نون الاثنين ضرورةً قولُه٤:
هُما خُطَّتَا: إِمَّا إِسارٌ ومِنَّةٌ وإِمَّا دَمٌ، والقَتلُ بالحُرِّ أَجدَرُ
أراد: هما خُطَّتانِ -وممّا يُعزَى إلى كلام البهائم قولُ الحَجَلةِ للقطا: "قَطا قَطا، بَيضُك ثِنتا، وَبيضِي مِائتا" أي: ثِنتانِ٥ ومِائتانِ- وقولُ الآخر٦:
لَنا أَعنُزٌ، لُبْنٌ ثَلاثٌ،٧ فبَعضُها لأولادِ ها ثِنتا، وما بَينَنا عَنْزُ
والأوَّل٨ أَولى؛ لأنَّ له نظائر كثيرة من الاعتداد بالعارض، في الكلام وحذف نون الاثنين للضرورة قليل جدًّا.
فإن أُسند شيء من هذه الأفعال إلى ضمير رفع فلا يخلو أن يكون المسند ما في آخره ألف، أو ما في آخره ياء أو واو:
_________________
(١) ١ هو امرؤ القيس. ديوانه ص١٦٤ وشرح الشافية ٢: ٢٠ وشرح شواهده ص١٥٦-١٦٠. يصف فرسًا. وخظا: ارتفع. وقوله كما أكب على ساعديه النمر أي: كأن فوق متنها نمرًا باركًا لكثرة لحم المتن. ٢ من قولك: خظا بظا، إذا كان كثير اللحم صلبه. ٣ لأبي داود الإيادي. شعره ص٢٨٨ وشرح شواهد الشافية ص١٥٧. والزحلوق: الحجر الأملس. ونسب البيت إلى عقبة بن سابق الجرمي في الخيل ص١٥٨ لأبي عبيدة. ٤ لتأبط شرًّا من حماسية. ديوانه ص٨٩ وشرح الحماسة للمرزوقي ص٧٩ وللتبريزي ١: ٧٨ والإسار: الأسر. والمنة: المن بإطلاق السراح. ٥ م: بيضك بيت وبيضي مائتا أي بيتان. وانظر المغني ص٢٣٨. ٦ الخصائص ٢: ٤٣٠ وشرح الحماسة للمرزوقي ص٨٠ وللتبريزي ١: ٧٨ وضرائر الشعر ص١٠٧ وسر الصناعة ص٤٨٧ وشرح القصائد السبع ص٣٠٥ وشرح شواهد الشافية ص١٥٩. واللبن: جمع لبون، وهي ذات اللبن. وثنتا: ثنتان. وهو بدل من بعض. ٧ في النسختين: سمان. ٨ يعني الاعتداد بالحركة العارضة في نحو: رماتا. م: فالأول.
[ ٣٣٧ ]
فإن كان ما في آخره ألف فإنه إن أُسند إلى ضمير غائب مفرد بقي على ما كان عليه قبل الإسناد، نحو: زيدٌ غَزا وعمرٌو رَمَى. وإنْْ أُسند إلى ضمير غائبَينِ رُدَّت الألف إلى أصلها، نحو: غَزَوَا ورَمَيا، ولم تُحذف لالتقاء الساكنين١، لئلَّا يلتبس فعل الاثنين بفعل الواحد.
وإن أُسند إلى ضمير غائبِينَ حُذفت لالتقاء الساكنين وعدم اللَّبس، نحو: غَزَوْا ورَمَوْا. وإن أُسند إلى ضمير غائبات رُدَّتِ٢ الألف إلى أصلها، ولم تعتلَّ، نحو: غَزَوْنَ ورَمَيْنَ؛ لأنَّ ما قبل نون٣ جماعة المؤنَّث ساكنٌ أبدًا، وحرف العلَّة إذا سكن وانفتح٤ ما قبله٥ لم يعتلَّ إِلَّا في "يَوْجَلُ" خاصَّة٦.
وإن أُسند إلى ضمير متكلِّم أو مخاطَب، كائنًا ما كان، رددتَ ٧ الألف إلى أصلها من الياء أو الواو، نحو: رَمَيتُ وغَزَوتَ، ورَمَيتُما وغَزَوتُما، ورَمَيتُم وغَزَوتُم، وَرَمَيْتُنَّ وغَزَوتُنَّ، ورَمَينا وغَزَونا؛ لأنَّ ما قبل ضمير المتكلِّم أو المخاطَب أبدًا ساكن أيضًا.
وإن كان٨ ما في آخره ياء أو واو فإنه إن أُسند إلى ضمير غائب٩ أو مخاطَب أو متكلِّم بقي١٠ على حاله لا يتغيَّر، نحو: رَضِيَ وسَرُوَ، ورَضِيا وسَرُوَا، ورَضِيْنَ وسَرُوْنَ، ورَضِيْتَ ُِوسَرُوتَ ُِ، ورَضِيتُما١١ وسَرُوتُما، ورَضِيتُم وسَرُوتُم، ورَضِيتُنَّ وسَرُوتُنَّ ورَضِينا وسَرُونا. إذ لا موجب لتغييرها عن حالها، إِلَّا أن يكون الضمير ضمير جماعة مذكَّرينَ غائبين١٢ فإنك تحذف الواو والياء، وتضمُّ ما قبل واو الجمع١٣ نحو: رَضُوْا وسَرُوْا.
وسبب ذلك أنَّ الواو يتحرَّك ما قبلَها أبدًا بالضمِّ١٤ نحو: ضَرَبُوا. فلو قلتَ "رَضِيُوا"١٥ و"سَرُوُوا"١٦ لاستَثقلتَ الضَّمَّة في الياء والواو لتحرُّك ما قبلهما، فيجب حذفُها فيجتمع.
_________________
(١) ١ في حاشية ف أن الساكنين هما الألف المنقلبة عن لام الفعل وألف الاثنين. ٢ ف: رددت. ٣ سقط من م. ٤ م: أو انفتح. ٥ سقط من م. ٦ كذا. وانظر ص٢٨٦. ٧ سقط من م. ٨ سقط من م. ٩ م: غائبات. ١٠ سقط من م. ١١ م: رضوتما. ١٢ م: عاقلين. ١٣ م: الجميع. ١٤ م: بالضمَّة. ١٥ م: رَضيوا. ١٦ م: سروا.
[ ٣٣٨ ]
ساكنان: واو الضمير والياء والواو اللتان قبلها١. فتَحذف ما قبل واو الضمير؛ لأنَّ حذف الحرف أسهل من حذف الاسم، فتقول: "سَرُوا". وتَضمُّ بعد الحذف ما قبل الواو في مثل "رَضِيَ" فتقول رَضُوا، لتسلم واو الضمير؛ لأنك لو أَبقيتَ الكسرة لانقلبتْ واو الضمير ياء، لسكونها وانكسار ما قبلها، فكنتَ تقول "رَضِي"، فيلتبس الجمع بالمفرد.
هذا ما لم يكن ما قبل الياء والواو ساكنًا. فإن كان ما قبلهما ساكنًا نحو: رَضْيَ وسَرْوَ، فإنَّ الياء والواو يجريان مجرى الحرف الصحيح، فلا يحذفان أصلًا، نحو: رَضْيُوا وسَرْوُوا٢. ولا تُردُّ [الياءُ] ٣ إلى أصلها من الواو في "رَضْيُوا" كما لم تُردَّ٤ في المفرد.
وأمَّا حكم المضارع من هذه الأفعال فإنَّ الماضي إن كان على "فَعُلَ" أتى مضارعه أبدًا على "يَفْعُلُ"، كما كان ذلك في الصحيح، فتقول: يَسْرُو. وإن كان على "فَعِل" فإنَّه يأتي مضارعه على "يَفْعَلُ"، فيتحرَّك حرف العِلَّة، وما قبلَه مفتوحٌ، فينقلب ألفًا٥. [٥٠ب] نحو: يَرْضَى، على قياس الصحيح. فإن كان على "فَعَلَ" فإنَّ مضارعه، إنْ كان من ذوات الياء، على "يَفْعِلُ" بكسر العين٦ نحو: يَرْمِي، وإن كان من ذوات الواو، على "يَفْعُلُ" نحو: يَغزُو.
فإن قيل: فلأيِّ شيء لم يجئ مضارع "فَعَلَ" على قياس الصحيح، كما جاء ذلك في "فَعِلَ" و"فَعُلَ"، فيكونَ تارة على "يَفْعِلُ" وتارةً على "يَفْعُلُ" بالضمِّ والكسر، في ذوات الياء وذوات الواو؟ فالجواب أنهم لو فعلوا ذلك لالتبست ذوات الياء بذوات الواو؛ ألا ترى أنَّ مضارع "غَزا" لو جاء على "يَفْعِلُ" لكان "يَغزِي"، فيصير كـ"يرمي". وكذلك مضارع "رَمَى"، لو جاء على "يَعفُلُ" لقلتَ "يَرمُو" كـ"يَدعُو".فالتزموا في مضارع ذوات الواو "يَفْعُلُ"، وفي مضارع ذوات الياء "يَفْعِلُ"، لئلَّا تختلط ذوات الياء بذوات الواو.
فإن قيل: فهلَّا فَعلوا ذلك في مضارع "فَعِلَ" و"فَعُلَ". أَعني يلتزمون "يَفْعُلُ" في ذوات الواو٧، و"يَفْعِلُ" في ذوات الياء، خوفَ الالتباس. فالجواب أنهم لو فعلوا ذلك لأخرجوا مضارعهما عن قياس نظائرهما من الصحيح؛ لأنَّ "يَفْعلُ" من "فَعُلَ" المضمومِ العين في
_________________
(١) ١: م: قبلهما. ٢ م: سروا. ٣ من م. ٤ م: كما لم تردها. ٥ أغفل انقلاب الواو ياء حملًا على الماضي. فهو يَرضَوُ، ثمَّ يَرضَيُ، ثمَّ يَرضَى. انظر ص٣٥٥. ٦ سقط "بكسرِ العين" من م. ٧ م: الياء.
[ ٣٣٩ ]
الصحيح إنَّما يأتي مضموم العين، و"يَفْعلُ" من "فَعِلَ" المكسور العين إنَّما يأتي على "يَفْعَلُ" بفتح العين، إِلَّا ما شذَّ نحو: حَسِبَ يَحسِبُ. وليس كذلك "فَعَلَ"، بل يأتي على "يَفْعِلُ" و"يَفْعُلُ"، بضمِّ العين وكسرها. فإذا التزموا في ذوات الياء "يَفْعِلُ" وفي ذوات الواو "يَفْعُلُ"، لم يخرجوا عن قياس المضارع، بل أَتَوا بأحد الجائزين.
وأيضًا فإنَّ المعتلَّ اللام أُجري مُجرى المعتلِّ العين. فكما أنَّ "فَعَلَ" المعتلَّ العين يُلتَزَمُ١ في ذوات الواو منه "يَفْعُلُ" بضمِّ العين، وفي ذوات الياء "يَفْعِلُ" بكسرها، فكذلك المعتلُّ اللام. إِلَّا ما شذَّ من ذلك فجاء على "يَفْعَلُ" بفتح العين نحو: أَبَى يأبَى، أو ما كان عينه حرف حلق نحو: نأَى يَنأَى، فإنَّ المضارع يأتي أبدًا على "يَفْعَلُ" بفتح العين، كما كان ذلك في الصحيح.
ووجه مجيء٢ مضارع" أبَى" على "يَفْعَلُ" تشبيه الألف بالهمزة، لقربها منها في المخرج. فكما أنَّ ما لامه حرف حلق من "فَعَلَ" يأتي مضارعه على "يَفْعَلُ"، نحو: يقرأُ، فكذلك٣ ما لامه ألفٌ.
وما كان من ذلك لِما لم يُسمَّ فاعله فإن مضارعه أبدًا يأتي على "يُفْعَلُ" بفتح العين وضمِّ أوَّل الفعل، نحو: يُرْضَي ويُغْزَى، على قياس الصحيح، ثمَّ يُقلب حرف العلَّة ألفًا٤، لتحرُّكه وانفتاح ما قبله.
وحكمُه٥ أبدًا إذا أُسند إلى الألفِ التي هي ضمير المثنَّى، أو الواو التي هي ضمير جماعة المذكَّرِينَ، أو النونِ التي هي ضمير جماعة المؤنَّثات، حكمُ الماضي المعتلّ اللام إذا أُسند إلى شيء من ذلك. وقد تَقَدَّمَ إِلَّا أنَّك إذا قلبتَ الألف في الماضي رددتها إلى أصلها من ياء أو واو نحو: غَزَوَا ورَمَيا، وإذا قلبتَ الألف في المضارع رددتَها أيضًا إلى أصلها، من ياء أو واو، نحو: "يَخشَى" تقول: يَخشَيانِ، وفي ٦ "يَبْأى" من البأْو: ٧ يَبْأَوانِ.
إِلَّا أن تكون الواو قد قُلبت ياء في الماضي، فإنَّ المضارع يَجري على قياس الماضي، فتُردُّ الألف إلى الياء فتقول في "يَرضَى": يَرضَيانِ، وفي "يَشقَى": يَشقَيانِ، كما قالوا: رَضِيَ وشَقِيَ.
_________________
(١) ١ م: يلزم. ٢ م: ذلك في الصحيح العين فيجيء. ٣ م: وكذلك. ٤ أغفل انقلاب الواو ياء حملًا على الماضي. فهو يُغزَوُ، ثمَّ يُغْزَيُ، ثمَّ يُغْزَى. ٥ أي: حكم المضارع. ٦ سقط من م. ٧ البأو: الفخر والتكبر.
[ ٣٤٠ ]
فحَملوا المضارع على الماضي في الإعلال، وإن لم يكن في المضارع كسرةٌ قبل الواو تُوجب قلبها ياء، كما كان ذلك في الماضي. وإذا حملوا اسم الفاعل والمفعول على الفعل في الإعلال، في نحو: قائل وبائع ومَقُول ومَبِيع، فحملُ الفعلِ أَوْلى.
إِلَّا لفظةً واحدةً شذَّت فقُلبت الألف فيها ياء وأصلها الواو، ولم تُقلب في الماضي ياء، وهي١: شأَى٢ يَشْأَى، من الشَّأو٣، فإنهم قالوا: يَشْأَيانِ، وكان القياسُ "يَشْأَوانِ". لكنَّهم شذُّوا فيه فقلبوا الألف ياء لغير مُوجِب. وعلَّل ذلك أبو الحسن بأن قال: لمَّا كان "شأَى": "فَعَلَ"، وجاء مضارعه على "يَفعَلُ" نحو: "يَشأَى" -و"يَفعَلُ" إنَّما هو مضارع "فَعِلَ" المكسور العين- عاملوه معاملة مضارع "فَعِلَ" من ذوات الواو، نحو: رَضِيَ٤ يَرضَى. فكما قالوا: "يَرضَيانِ" قالوا: يَشْأَيانِ.
وهذا الذي علَّل به أبو الحسن باطلٌ؛ لأنَّ "شأَى" عينه٥ حرف حلقٍ، وما عينه حرف حلق فإنَّ قياس مضارعه أن يجيء على "يَفْعَلُ" بفتح العين، نحو: جأرَ يَجأرُ. ولو كان هذا القَدْر يوجب قلب الألف ياء لوجب أن تَثبُت الواو في مثل: يَطأُ ويَسَعُ، كما يُفعَلُ٦ ذلك في [٥١أ] مضارع "فَعِلَ" الذي فاؤه٧ واو، نحو وَجِلَ يَوْجَلُ. فكما لم يُرْع هنا شَبَهُه بـ"فَعِلَ"، فكذلك ينبغي أن يُفعل في "يَشأَى".
وكأنَّ أبا الحسن أخذ هذا التعليل من سيبويه، حيث علَّل كسرَ أوَّل "تِئبَى"، وإن٨ كان الماضي على "فَعَلَ"، وإنَّما يُكسر أوَّل المضارع من "فَعِلَ"، بكون المضارع جاءَ على "يَفْعَلُ"٩. فلمَّا جاء مضارعُه كمضارعِ "فَعِلَ" المكسور العين كُسر أوَّل المضارع، كما يُكسر أَوَّل المضارع من "فَعِلَ".
وليس ما ذهب إليه أبو الحسن مثل ما ذكر سيبويه؛ لأنَّ "أَبَى" ليس لامه١٠ حرفَ حلق، فكان قياس مضارعه أن يجيء على "يَفعِلُ" بكسر العين، فجاء مضارعه مفتوح العين كمضارع "فَعِل". فتوهُّمُ ماضي "يأبَى" على "فَعِل" توهُّمٌ صحيح.
_________________
(١) ١ في النسختين: وهو. ٢ سقط من م. وشأى القوم: سبقهم. ٣ م: الشأى. ٤ سقط من م. ٥ سقط من م. ٦ ف: كما تفعل. ٧ م: لامه. ٨ انظر الكتاب ٢: ٢٥٦ م: ولو. ٩ م: يفعُل. ١٠ كذا. والصواب: ليس عينه أو لامه.
[ ٣٤١ ]
وما كان من هذه الأفعال المضارَعة في آخره واو أو ياء فإنه يكون في موضع الرفع١ ساكنَ الآخر نحو: يَغزُو ويَرمِي. فتُحذف الضَّمَّة لاستثقالها في الياء والواو؛ لأنها مع الواو بمنزلة واوين، ومع الياء بمنزلة ياء وواو. وذلك ثقيل.
ويكون٢ في موضع الجزم محذوف الآخِر، نحو: لم يَرمِ ولم يَغْزُ. وإنَّما حُذفت الياء والواو في الجزم، لئلَّا يكون لفظ المرفوع كلفظ المجزوم لو أُبقيَت الياء والواو. وأيضًا فإنَّ الياء والواو لمَّا عاقبَتا الضَّمَّة فلم تظهر معهما، أُجريَتا مُجرى الضَّمَّة، فحُذفتا للجزم كما تُحذف الضَّمَّة.
ويكون٣ في موضع النَّصب٤ مفتوح الآخِر، نحو: لن يَغزُوَ ولن يَرمِيَ؛ لأنَّ الفتحة خفيفة. وقد تُسْكِن الياء والواو في موضع النصب ضرورةً٥، تشبيهًا لها بالضَّمَّة أو للياءِ والواوِ بالألف، فتقول: لن يَغزُوْ ولن يَرمِيْ. ومن ذلك قولُه٦:
وأَن يَعرَيْنَ، إِن كُسِيَ الجَوارِي فتَنبُوْ العَينُ، عن كَرَمٍ، عِجافِ.
يريد: فتَنبُوَ العينُ. وقولُ٧ الأخطل٨:
إِذا شئتَ أن تَلهُوْ، بِبَعضِ حَدِيثِها، رَفَعْنَ، وأَنزَلْنَ القَطِينَ، المُوَلَّدا
كما أنهما قد تُثبِتُ فيهما الضَّمَّة، ولا تَحذف في الجزم آخرَ المعتلِّ، وتجريه مُجرى الصحيح٩ -وذلك في الضرورة أيضًا- نحو: يَغزُوُ ويَرمِيُ. وعلى ذلك قوله١٠.
ألَم يأتِيكَ، والأنباءُ تَنمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ١١٣-١١٤. ٢ م: وتكون. ٣ في النسختين: وتكون. ٤ المنصف ٢: ١١٤-١١٥. ٥ هذا هو الشائع لدى جمهور النحاة. والصواب أنه ليس ضرورة. بل هو للتخفيف. ٦ هو عيسى بن فاتك الخارجي أو أبو خالد القناني أو سعيد بن مسحوج أو عمران بن حطان. اللسان "كرم" و"كسا" والخصائص ٢: ٢١٢ و٣٤٢ واللسان والتاج "عجف" والكامل ص٨٩٥ وشرح شواهد المغني ص٣٠٠ وعيون الأخبار ٣: ٩٧ والوحشيات ص٩٠ ومعجم الشعراء ص٩٥-٩٦ والأغاني ١٦: ١٤٦. وكرم: كريمات. يذكر بناته وأنهن كن سبب قعوده عن نصرة الخوارج. ٧ في النسختين: وقال. ٨ ديوانه ص٩٠ والمنصف ٢: ١١٥ والخزانة ٣: ٥٢٩. ورفعن: سرن سيرًا دون العدو. والقطين: الخدم. يقول: إذا أردت أن تلهو بحديثهن أسرعن السير وأنزلن خدمهن لئلا يسمعوا حديثهن. ٩ م: "ولا تحذف إجراء للمعتل مجرى الصحيح". وكذلك في إحدى النسخ كما جاء في حاشية ف. ١٠ قيس بن زهير العبسي. الكتاب ٢: ٥٩ والمنصف ٢: ١١٤-١١٥ والمغني ص١٠٨ وشرح شواهده ص١١٣ والإنصاف ص٣٠ وشرح الشافية ٣: ١٨٤. وشرح شواهدها ص٤٠٨ والعيني ١: ٢٣٠-٢٣٤ واللسان والتاج "أتي". يفخر بنهبه إبل بني زيد وبيعها. واللبون: ذات اللبن من النوق.
[ ٣٤٢ ]
وقولُ الآخر١:
هَجَوتَ زَبَّانَ، ثُمَّ جِئتَ مُعتَذِرًا مِن هَجْوِ زَبَّانَ، لَم تَهجُو، ولَم تَدَعِ
فكأنهما قبلَ دخول الجازم عليهما كانا "يأتيُكَ" و"تَهجُوُ"٢، فدخل الجازم فحذف الحركة. ومنهم من حمل "ألم يأتيك" و"لم تهجو" على حذف الضَّمَّة المقدَّرة. وما قَدَّمناه أَولى، لئلَّا يؤدِّي ذلك إلى كون المجزوم والمرفوع على صورة واحدة.
وما كان منها في آخره ألف فإنَّه يكون في موضع الرفع والنصب ساكنَ الآخر، لتعذُّر الحركة في الألف، وفي موضع الجزم محذوفَ الألف، لمعاقبتها الحركةَ. فكما أنَّ الجازم يَحذف الحركة فكذلك ما عاقبها.
وزعم بعض النحويِّينَ٣ أنَّ العرب قد تُثبِتُ الألف في الجزم ضرورةً، فتَحذف الحركة المقدَّرة، وتُجريها في الإثبات مُجرى الياء والواو، وإن لم يكن تحريكها كتحريكهما. واستدلَّ على ذلك بما أنشده أبو زيد من قوله٤:
إِذا العَجوزُ غَضِبَتْ فطَلِّقِ ولا تَرضَّاها، ولا تَمَلَّقِ
وبقراءة حمزةَ: "لا تَخَفْ دَرَكًا ولا تَخشَى"٥، بجزم "تَخَفْ" وإثبات الألف في "تَخشَى"؛ ألا ترى أنَّ "تَخشَى" معطوف على "لا تخفْ" وهو مجزوم؟ وكذلك أيضًا "تَرضَّاها" في موضع جزم بـ"لا"؛ ألا ترى أنَّه قد عُطِفَ عليه "ولا تملَّقِ" وهو مجزوم؟.
ولا حجَّة عندي في شيء من ذلك: أمَّا قوله تعالى "ولا تَخشَى" فيحتمل أن يكون خبرًا مقطوعًا، كأنَّه قال: وأنت لا تَخشَى، امتثالًا لنهينا لك. وكذلك "ولا تَرضَّاها" يحتمل أن يكون جملة خبريَّة، في موضع الحال، كأنه قال: فطَلِّقْ وأنت لا تَرضَّاها. ويكون "ولا تَمَلَّقِ" نهيًا معطوفًا على جملة الأمر التي هي: فطلِّقِ.
_________________
(١) ١ ينسب إلى أبي عمرو بن العلاء واسمه زبان، مخاطبًا به الفرزدق. المنصف ٢: ١١٥ والإنصاف ص٢٤ وشرح الشافية ٣: ١٨٤ وشرح شواهدها ص٤٠٦-٤٠٧ والعيني ١: ٢٣٤-٢٣٦. يريد: هجوتني ثمَّ اعتذرت. فكأنك لم تهج، على أنك لم تدع الهجو. ٢ م: يهجو. ٣ في حاشية ف: هو ابن بابشاذ. ٤ ينسب إلى رؤبة. ديوانه ص١٧٩ والمنصف ٢: ١١٥ و٢: ٧٨ والخصائص ١: ٣٠٧ والضرائر ص١٧٤ والعيني ١: ٢٣٦ وشرح المفصل ١٠: ١٠٦ والإنصاف ص١٠ وشواهد التوضيح ص٢٠ وسر الصناعة ١: ٢٩ والدرر واللوامع ١: ٢٨ واللسان والتاج "رضو". وانظر ديوان سلامة بن جندل ص١٧٣. ٥ الآية ٧٧ من سورة طه.
[ ٣٤٣ ]
فإن كان الفعل على أزيد من ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون الفعل مبنيًّا للفاعل أو للمفعول.
فإن كان مبنيًّا للفاعل فإنَّ حرف العلَّة١ ينقلب ألفًا. لتحرُّكه وانفتاح ما قبله، إن كان ياء نحو: استَرمَى ورامَى ووَلَّى. وإن كان حرف العلَّة واوًا قُلب ياء، ثمَّ قُلبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، نحو: أَغزاه واستَدعاه واستَدناه. أصلها "أَغْزَوَ" و"استَدْعَوَ" و"استَدْنَوَ". ثمَّ قلبت الواو ياء فصار "أَغزَيَ" و"استَدْعَيَ" و"استَدْنَيَ". ثمَّ قلبت الياء [٥١ب] ألفًا، لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، كما كان ذلك فيما كان على ثلاثة أحرف إذا انفتح ما قبلَ حرف العلَّة.
فإن قيل: ولأيِّ شيء قُلبت الواو في الفعل ياء، إذا وقعت طرفًا رابعة فصاعدًا، وليس معها ما يوجب قلبها ياء؟ فالجواب أنها في ذلك محمولة على المضارع، نحو: يُغزي ويَستَدنِي ويَستَدعِي. وقُلبت في المضارع ياء لانكسار ما قبلها، كما قلبت في مثل: شَقِيَ٢ ورَضِيَ.
فإن قيل: فلأيِّ شيء انقلبت الواو ياء في مثل "تَفاعَلَ" و"تَفَعَّلَ"، نحو: تَرَجَّى وتَغازَى، وليس لها ما يوجب قلبها في الماضي ولا في المضارع؟ ألا ترى أنَّ ما قبل الآخِر٣ في المضارع مفتوح، كما أنَّ الماضي كذلك، نحو: يَتغازَى ويَتَرجَّى؟ فالجواب أنَّ التاء في "تَرجَّى" و"تَغازَى" وأمثالهما إنَّما دخلت على "رَجَّى" و"غازَى". وقد كان وجبَ قلبُ الواو ياء في "غازَى" و"رَجَّى"، حملًا على: يُرَجِّى ويُغازِى٤. فلمَّا دخلت التاء٥ بقي على ما كان عليه.
فإن رددتَ شيئًا من ذلك إلى ما لم يُسمَّ فاعله ضممتَ الأوَّل وكسرت ما قبل الآخِر، وصارت الألف التي كانت في الآخِر ياء، نحو: أُغْزِيَ واستُرْمِيَ واستُدْعِي واستُدْنِيَ، من ذوات الواو٦ كان الفعل أو من ذوات الياء٧ وإنَّما قُلبت الواو ياء إمَّا بالحمل على فِعل الفاعل، أو لأجل انكسار ما قبلها كما قلبت في مثل: شَقِيَ٨.
وأمَّا المستقبل٩ فيجيء أبدًا على قياس نظيره من الصحيح. فإن كان ما قبل حرف العلَّة فتحةً قُلب ألفًا١٠، نحو: يَتغازَى ويَتَرَجَّى، ويُغزَى ويُستَدعَى ويُستَرمَى. وإن كان ما قبله كسرةً
_________________
(١) ١ يريد: في الفعل الماضي. ٢ م: سقي. ٣ م: الأحرف. ٤ م: تغازى. ٥ م: الياء. ٦ م: الياء. ٧ م: الواو. ٨ م: سقى. ٩ المبني للفاعل والمبني للمفعول. ١٠ كذا. والواو تُقلب ياء، ثمَّ تُقلب الياء ألفًا.
[ ٣٤٤ ]
ثَبَتَ، إن كان ياء نحو: أَستَرمِي، وإن كان واوًا قُلبت ياء نحو: يُغزِي ويَستَدعِي ويَستَدنِي.
ويكون حكم ما في آخره ألف، من الماضي أو المضارع المزيد، في الإسنادِ إلى الضمير المرفوع، أو اتصالِ تاء التأنيث بالماضي، كحكم غير المزيد في القلب والحذف والإثبات، وحكم ما في آخره ياء قبلها كسرة كحكم الماضي غير المزيد في الإثبات والحذف. إِلَّا أنك إذا قلبت الألف لم تَرُدَّها في المزيد إلى أصلها، بل تَردُّها إلى الياء، من ذوات الياء كان الفعل أو من ذوات الواو، نحو: أَغزَينا واستَدنَينا واستَدعَينا، للعِلَّة التي ذكرنا من الحمل على المضارع.
وإن كان المعتلُّ اسمًا فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف أو على أزيدَ. وكيفما كان فإنه لا يخلو من أن يكون ما قبل حرف العلَّة، ياء كان أو واوًا، ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا فلا يخلو أن يكون الساكن حرف علَّة أو حرفًا صحيحًا.
فإن كان الساكن حرفًا صحيحًا١ جرت الياء والواو مجرى حرف٢ الصِّحَّة، ولم تَتغيَّرا٣، نحو: غَزْوٍ وظَبْيٍ.
إِلَّا أن يكون [الاسم] ٤ على [وزن] ٥ "فَعْلَى"٦ ممّا لامه ياء. وذلك قولهم: شَرْوَى وتَقْوَى٧ وفَتْوَى. فإنَّ العرب تُبدل من الياء واوًا في الاسم، والصفةُ تُتركُ على حالها نحو: خَزْيا وصَدْيا ورَيّا٨.
وإنَّما فعلوا ذلك تفرقةً بين الاسم والصفة. وقلبوا الياء واوًا في الاسم دون الصفة؛ لأنَّ الاسم أخفُّ من الصفة؛ لأنَّ الصفة تُشبه الفعل، والواو أثقل من الياء. فلمَّا عزموا٩ على إبدال الياء واوًا جعلوا ذلك في الاسم لخِفَّته، فكان عندهم من أجل ذلك أَحمل للثقل
وكأنَّ العرب جَعلَت قلب الياء واوًا في هذا عِوضًا من غلبة الياء على الواو؛ ألا ترى أنَّ انقلاب الواو إلى الياء أكثر من انقلاب الياء إلى الواو؟، وإِلَّا فليس ذلك بقياس. أعني قلب الأخفّ
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ١٢٢. ٢ م: حروف. ٣ م: لم تتغير. ٤ من م. ٥ من م. ٦ المنصف ٢: ١٥٧-١٦٠. ٧ كذا. و"تقوى" من المعتل الفاء واللام. ٨ كذا. و"ريا". من المعتل العين واللام. ٩ م: لأنَّ الصفة تشبه الواو والفعل أثقل من الواو فيما زعموا.
[ ٣٤٥ ]
-وهو الياء- إِلى الأثقل. وهو الواو. ولولا ما ورد١ السماع به لم يُقَل. لكنَّ الذي لحظت٢ العرب في ذلك -والله أعلم- ما ذكرنا. وإنَّما خصُّوا بها الفعل المعتلَّ اللام دون المعتلِّ العين أو الفاء؛ لأنها أَقبَلُ للتغيير لتأخُّرها وضعفها.
والشَّرْوَى٣ من [شَرَيتُ] ٤، والتَّقْوَى من "وَقَيتُ"، والفَتْوَى من ذوات الياء بدليل قولهم: الفُتْيا٥، بالياء، ولا تحمل٦ الفُتْيا على القُصْيا -أعني ممّا قُلبت فيه الواو ياء- لأنه٧ لا نعلم٨ لها أصلًا في الواو. ومع هذا فإنَّ الفُتْيا تقوية٩ لنفس المستفتي، فهو من معنى الفتَى١٠ والفَتاء١١.
أو يكونَ١٢ الاسم على وزن١٣ "فُعْلَى" وتكونَ لامه واوًا. فإنَّ العرب تبدل من الواو ياء في الاسم. وذلك نحو: العُلْيا والدُّنْيا والقُصْيا. الأصل فيها "الدُّنْوَى" و"العُلْوَى" و"القُصْوَى". فقُلبت الواو ياء. والدليل على ذلك١٤ أنَّ الدُّينا من الدنوِّ، والعُليا من "عَلوتُ"، وأنهم قد قالوا في القُصيا: "القُصْوَى"، فأظهروا الواو.
فإن قال قائل: فإنَّ القُصيا والعُليا والدُّنيا صفات. فالجواب أنها قد استُعملت استعمال الأسماء [٥٢أ] في وِلايتِها العواملَ وتركِ إجرائها تابعةً١٥. فلذلك قُلبت فيها١٦ الواو ياء.
_________________
(١) ١ يريد: ولولا ورود. انظر ص٢٩١. ٢ م: لحظته. ٣ م: السروى. ٤ من م. ٥ م: الفتي. ٦ م: ولا يحمل. ٧ المنصف ٢: ١٥٨: لأنا. ٨ ف: لا يعلم. ٩ المنصف ٢: ١٥٨: فإن في الفتيا تقوية. ١٠ في النسختين: الفتا. ١١ أُقحمت بعده مسألتا "ريّا" و"العوّى" في م وبعض النسخ، كما جاء في حاشية ف وفي طيارة أُلحقت بها. وسترد هاتان المسألتان في المعتلِّ العين واللام. فكأنَّ ابن عصفور تابع ابن جني في المنصف ٢: ١٥٨-١٦٠، فأقحمهما سهوًا في المعتلِّ اللام. ثمَّ استدرك فنقلهما إلى المعتلِّ العين واللام. فكان هذا الخلاف في النسخ. والعجب أن بعض النسخ أثبتت هاتين المسألتين مع غيرهما في خاتمة المعتلِّ العين. ١٢ معطوف على قوله "يكون" في ص٣٤٢. وقد جاء هذا النص من هنا إلى قوله "سائر أبيات القصيدة" مثبتًا على الطيارة بعد مسألتي "ريّا" و"العوّي"، مع أنه وارد في موضعه هنا في ف. فهو مكرر سهوًا. ١٣ المنصف ٢: ١٦١-١٦٣. ١٤ في م والطيارة: ألا ترى. ١٥ المنصف: قد أُخرجت إلى مذاهب الأسماء بتركهم إجراءها وصفًا في أكثر الأمر، واستعمالهم إياها استعمال الأسماء. ١٦ في النسختين والطيارة: فيه.
[ ٣٤٦ ]
فإن كانت صفة بقيت على لفظها ولم تُقلب الواو ياء، نحو:١ خُذِ الحُلْوَى وأَعطِه المُرَّى.
وقد شَذَّ من "فُعْلَى" الاسم شيءٌ، فلم تُقلب فيه الواو ياء. وذلك: القُصْوَى٢ وحُزْوَى اسمَ موضع. وكأنَّ القُصْوَى -والله أعلم- إنَّما صَحَّت فيه الواو تنبيهًا على أنَّه في الأصل صفة.
وإنَّما قُلبت الواو ياء في الاسم دون الصفة، فرقًا بين الاسم والصفة. وكان التغيير هنا٣ في الاسم دون الصفة٤، كما٥ كان التغيير في "فَعْلَى" من الياء في الاسم دون الصفة٦، ليكون قلب الواو هنا ياء كالعِوَض من قلب الياء [هنالك] ٧ واوًا. وهذا أحسن -أعني قلب الواو إلى الياء- لأنَّ في ذلك تخفيفًا للثقل؛ لأنَّ الياء أخفُّ من الواو. وهو مع ذلك على غير قياس؛ لأنَّه قلب لغير موجِب. ولولا وُرود السماع بذلك لما قيل.
فأمَّا "فُعْلَى"٨ من الياء، اسمًا كانت أو صفة، فإنها لا تُغيَّر عما تكون عليه؛ لأنهم إذا كانوا يفِرُّون فيها من الواو إلى الياء فإذا وجدوا الياء فينبغي ألَّا يُجاوزوها، كما أنَّ "فَعْلَى" من الواو لا تُغيَّر عمَّا تكون عليه، اسمًا أو صفةً، لكونهم يفِرُّون فيها من الياء إلى الواو. فإذا وجدوا الواو فينبغي ألَّا يُعدَل عنها.
وأمَّا "فِعْلَى"٩ فينبغي أن يَبقَى١٠ على الأصل ولا يُغيَّر١١، من الياء كان أو من الواو؛ لأنَّ التغيير في "فَعْلَى" و"فُعْلَى" على غير قياس، ولولا السماع لما قيل به، ولم يرد سماع بتغيير في "فِعْلَى". فينبغي أن يبقى على الأصل. وأيضًا فإنَّ التغيير إنَّما وقع في هذا الباب فرقًا بين الاسم والصفة، و"فِعْلَى" لا يكون١٢ صفة١٣. فلا ينبغي أن يُغيَّر؛ لأنَّه لا يحصل بتغييره فرق بين شيئين.
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ١٦٢-١٦٣. ٢ القصوى: طرف الوادي. ٣ أي: في فُعلى. ٤ ف: الوصف. ٥ سقط من م حتى "دون الصفة". ٦ ف: الوصف. ٧ أي: في فَعْلَى. وهذه الكلمة زيادة من م والطيارة. ٨ م: فَعلى. ٩ المنصف ٢: ١٦٣. ١٠ ف: أن تبقى. ١١ ف: ولا تغير. ١٢ ف: لا تكون. ١٣ كذا. وذكر في ص٦٧ أنه يجيء صفة بالهاء نحو: رَجلٌ عِز هاةٌ. وذكره ابن القطاع بغير هاء. انظر المزهر٢: ١٤. وكذلك كِيصَى. انظر التاج "عزه".
[ ٣٤٧ ]
وإن كان الساكن حرف علَّة فلا يخلو أن يكون ياء أو واوًا أو ألفًا. فإن كان ألفًا فإنَّ الياء والواو يُقلبان بعدها همزة، إذا وقعتا١ طرفًا نحو: كِساء وسِقاء؛ لأنهما من "كَسَوتُ" و"سَقَيتُ". وإنَّما فُعل ذلك بهما لوقوعهما في محلِّ التغيير -وهو الآخر- مع أنَّ ما قبلهما مفتوح، وليس بين الفتحة وبينهما إِلَّا حرف ساكن زائد من جنس الفتحة. فكأنه لم يقع بينهما وبين الفتحة حاجز. فكما أنَّ الياء والواو يُقلبان إلى الألف، إذا انفتح ما قبلهما وكانا٢ في الطرف، فكذلك قلبا في هذا الموضع. فلمَّا قُلبت الياء والواو ألفًا التقى ساكنان: الألف المبدلة والألف الزائدة قبلها، فقُلبت الثانية همزة لالتقاء الساكنين؛ إذ لا بدَّ من التحريك، وتحريكُ الألف لا يمكن٣. فقُلبت إلى أقرب الحروف لها، ممّا يقبل الحركة. وهو الهمزة٤.
وكذلك تفعل أيضًا، إذا دخل على الكلمة تاءُ التأنيث، أو علامة التثنية، أو ياءا النسب، نحو [كِساءة] ٥ وسِقاءة٦، وكِساءانِ وسِقاءانِ، وكِسائي ّ وسِقائيّ. إِلَّا أنه يجوز مع علامة التثنية وياءيِ النسب أن تُبدِل من الهمزة واوًا، فتقول: كِساوانِ وكِساويّ، على ما تَقَدَّمَ٧ في النسب٨.
إِلَّا أن يُبنى٩ الاسم على التاء أو علامة التثنية، فإنَّ حرف العلَّة لا يُبدل إذ ذاك منه همزة، نحو: عِلاوة ونِهاية وإداوة١٠؛ ألا ترى أنَّ الكلمة هنا مبنيَّة على التاء١١، [وأنه لا يجوز١٢ أن تُحذف هذه التاء]، فتقولَ: "عِلاء" و"نِهاء" و"إِداء"١٣. وكذلك [قول العرب] ١٤ "عَقَلتُه بِثِنايَينِ". كأنه١٥ تَثنيةُ "ثِناء" وإن لم يُنطق به، بل الواحد في هذا لم يُسمع إِلَّا مثنًّى.
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ١٣٧-١٣٩. وفي ف والطيارة: وقعت. ٢ ف: وكان. ٣ في النسختين: "لم يكن". والتصويب من الطيارة. ٤ م: "الألف". وأقحم بعدها في الطيارة: "فكما تصح الواو في مثل عدوّ فكذلك تصح الواو المضموم ما قبلها في آخر الفعل". انظر ص٣٣٤. ٥ سقط من النسختين والطيارة. ٦ م: سقاء. ٧ م: "ما أحكم". وفي الطيارة: ما يحكم. ٨ كذا. ولعله يريد "في الإبدال". انظر ص٢٤٠. ٩ المنصف ٢: ١٢٧ و١٣٤-١٣٥. ١٠ الإداوة: إناء من جلد يتخذ للماء. ١١ سقط ما بين معقوفين من ف. ١٢ في الطيارة: لا ينبغي. ١٣ م: فتقول علاونها وإذا. ١٤ سقط من ف. وانظر المنصف ٢: ١٠٢. ١٥ زاد في ف: قال.
[ ٣٤٨ ]
فأمَّا قوله١:
إِذا ما المَرْءُ صَمَّ، ولَم يُكَلَّمْ، ولَم يَكُ سَمعُهُ إِلَّا دُعايا٢
وسائر أبيات [هذه] ٣ القصيدة٤ فضرورة، ولم يُسمع مثله في غير هذا الموضع. ووجهه أنه أجرى ألف الإطلاق مُجرى تاء التأنيث التي بُنيت عليها الكلمة. فكما لم تُقلب الواو ولا الياء، في مثل: إِداوة ونِهاية، همزة فكذلك لم تُقلب في "دُعايا" وأخواته٥.
فإن كان الساكن ياء أو واوًا أدغمتَ٦ فيما بعده. فإن كان الساكن مخالفًا للام -أعني بأن يكون أحدهما واوًا والآخر ياء- قُلبت الواو ياء تَقدَّمتْ أو تأخَّرتْ، وأُدغمت الياء في الياء نحو: بَغِيّ وسَرِيّ. أصلهما "بَغُوْيٌ" و"سَرِيْوٌ"٧، فقُلبت الواو ياء وأُدغمت الياء٨ في الياء، ثمَّ قُلبت الضَّمَّة التي في العين من "بَغيّ" كسرة، لتصحَّ الياء. والدليل على أنَّ بَغِيًّا: "فَعُول" كونه للمؤنَّث بغير تاء. قال الله تعالى٩: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ . ولو كان بَغِيّ١٠: "فَعِيل" لكان بالتاء كظريفة.
فإن كان الساكن موافقًا للام أدغمتَ من غير قلب. وذلك نحو: عَدُوّ ووَلِيّ. وقد حُكي القلب في الواو -وهو قليل- قالوا١١: أَرضٌ مَسنِيَّةٌ، من "يَسنُوها [٥٢ب] المطَرُ"١٢ وقالوا: مَعْدِيٌّ، من "عَدَوتُ". قال١٣:
_________________
(١) ١ أعصر بن سعد بن قيس عيلان أو المستوغر بن ربيعة. المنصف ٢: ١٥٦ وضرائر الشعر ص٢٣٠ وطبقات فحول الشعراء ص٢٩-٣٠ وحماسة البحتري ص٢٠٣ وسر الصناعة ١: ١٨٣ واللسان "حمي". وذكر عجزه في حديث لابن عوف: النهاية واللسان والتاج "ودي" و"ندي". ٢ م: "دعابا". وتحتها في الطيارة. "ندايا". وهذه رواية أخرى. ٣ من م. ورواية حماسة البحتري للأبيات بالهمزة رويًا لا بالياء. ٤ سقط من م حتى قوله "في دعايا وأخواته". ٥ ألحق أبو حيان بحاشية ف: "وإن كان [الساكن] ياء أو واوًا فإنك تدغمها في الياء والواو اللتين تكونان لازمتين. إِلَّا أنه إذا كانت اللام ياء وما قبلها ياء أدغمت الياء في الياء من غير تغيير، نحو: وليّ. وإن كانت اللام واوًا والساكن قبلها ياء، أو اللام ياء". وقد تعذر عليّ إلحاقه بالمتن؛ لأنه يخل بالتعبير، وسيرد مضمونه بعد. ٦ م: وأدغمت. ٧ في النسختين: "وسروي". وفي حاشية ف بقلم مخالف. وسريو لأنه من سرو. ٨ سقط من م. ٩ الآية ٢٨ من سورة مريم. ١٠ م: بمعنى. ١١ المنصف ٢: ١٢٧-١٧٨. والمسنية: المسقيَّة. ١٢ م: يسنو ماء المطر. ١٣ عبد يغوث الحارثي. شرح اختيارات المفضل ص٧٧١ والكتاب ٢: ٣٨٢ والمنصف ١: ١١٨ و٢: ١٢٢ وشرح الشافية ٣: ١٧٢ وشرح شواهده ص٤٠٠-٤٠١ والخزانة ١: ٦١٦ والاقتضاب ص٤٦٧.
[ ٣٤٩ ]
وقَد عَلِمتْ عِرسِي مُلَيكةُ أنَّنِي أنا اللَّيثُ، مَعْدِيًّا علَيهِ، وعادِيا
وإنَّما جاز القلب، على قلَّته، لكون١ الواو متطرِّفةً لم يَفصِل بينها٢ وبين الضَّمَّة إِلَّا حاجز غير حصين. وهو الواو الساكنة الزائدة الخفيَّة٣ بالإدغام. فكما قُلبت الواو ياء إذا تَطرَّفت وقبلها الضَّمَّة، وتُقلب الضَّمَّة التي قبلها كسرة، فكذلك تُقلب هنا.
وزعم الفرَّاء أنه إنَّما جاز في مَسنِيَّة ومَعدِيّ؛ لأنهما مبنيَّان على "سُنِيَ"٤ و"عُدِي"٥. فكما قُلبت الواو ياء في الفعل فكذلك فيما بُني عليه. وهذا باطل؛ لأنهم قد فعلوا ذلك في غير اسم المفعول، فقالوا: عَتا عُتِيًّا. قال الله تعالى٦: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ .والمصدر ليس مبنيًّا٧ على فعل المفعول. فدلَّ ذلك على أنَّ العِلَّة فيه ما ذكرنا.
إِلَّا في "فُعُول"٨ جمعًا فإنه يلزم قلب الواو الثانية ياء، ثمَّ تُقلب الواو الأولى ياء لإدغامها٩ في الياء، ثمَّ تُقلب الضَّمَّة كسرة لتصحَّ الياء، وذلك: عُصِيّ ودُلِيّ. والسبب في ذلك ثقل الجمعيَّة، مع شبهه بأجْرٍ وأَدْلٍ، كما تَقَدَّمَ.١٠ ومن العرب من يكسر حركة الفاء١١ إِتباعًا لحركة العين، فيقول: عِصِيٌّ. وضمُّها أفصح وأَكثر.
وقد شذَّ من ذلك جمعان١٢، فجاءا على الأصل. وهما نُحُوٌّ١٣ وفُتُوٌّ جمع فَتًى ونَحْوٍ. حُكي عن بعض العرب أنه قال: إِنكم لتَنظُرونَ في نُحُوٍّ كثيرةٍ. وقال الشاعر١٤:
_________________
(١) ١ م: ليكون. ٢ م: بينهما. ٣ م: الساكنة الواحدة الحقته. ٤ م: سَني. ٥ م: عَدي. ٦ الآية ٨ من سورة مريم. ٧ ف: يبنى. ٨ المنصف ٢: ١٢٤. م: فَعول. ٩ م: الواو الأولى بالإدغام. ١٠ في الورقة ٤٧. ١١ م: حركته. ١٢ في شرح الشافية ٣: ١٧١ شواذ أخر. وفي م والمبدع وحاشية ف عن نسخة أخرى: "حرفان". وفي حاشية ف بخط أبي حيان أنهم جمعوا البهو والأب والأخ والابن على: بُهُوّ وبُهِيّ وأُبُوّ وأُخُوّ وبُنُوّ، مع شاهد شعري على الأبوّ للقناني. انظر شرح المفصل ٥: ٣٦. ١٣ في حاشية ف بخط أبي حيان أيضًا: جمع نَجْو -وهو السحاب- على نُجُوّ. مع شاهد من شعر جميل بثينة. ديوانه ص٢١٧. ١٤ من أبيات لجذيمة الأبرش. شرح شواهد المغني ص١٣٥ وشرح أبياته ٣: ١٦٣ وتاريخ الطبري ٢: ٢٩ والخزانة ٤: ٥٦٧ وكتاب الاختيارين ص٧١٨. والرابئ: الذي يرقب الأعداء لجماعته.
[ ٣٥٠ ]
في فُتُوٍّ، أنا رابِئُهُم مِن كَلالِ غَزْوةٍ، ماتُوا
فإن كان ما قبل حرف العلَّة حركة فلا يخلو أن تكون الحركة فتحة أو ضمَّة أو كسرة.
فإن كانت فتحة قلبتَ١ حرف العلَّة ألفًا، لتحرُّكه وانفتاح ما قبله، كما فعلت ذلك في الفعل، تَطرَّفَ حرف العِلَّة نحو: عَصًا [ورَحًى] ٢ وفَتًى، أو لم يتطرَّف نحو: قَطاة. إِلَّا أن يؤدِّي الإعلال إلى الإلباس فإنك تُصحِّح. وذلك٣ نحو: قَطَوانٍ ونزوانٍ. فإنك تُصحِّح الواو؛ لأنك لو أعللتها٤ فقلبتها ألفًا لالتقى ساكنان -الألف المبدلة من حرف العِلَّة، والألف التي من "فَعَلان"٥ -فيجب حذف أحدهما لالتقاء الساكنين، فتقول: "نَزانٌ" و"قَطانٌ"، فيلتبس "فَعَلانٌ" بـ"فَعال".
ومثل ذلك٦: رَحَيانِ وعَصَوانِ. صحَّحتَ لأنك لو أعللت لحذفتَ لالتقاء الساكنين، فكان يلتبس تثنية المقصور بتثنية المنقوص، فيصير "رَحانِ" و"عَصانِ"، كيَدَين ودَمَين.
فإن كانت الحركة كسرة قلبتَ الواو ياء، تطرَّفت نحو: غازٍ وداعٍ من الغزو والدَّعوة، أو لم تتطرَّف نحو: مَحْنِيَة من: حَنا يَحنُو، للعِلَّة التي ذُكرت في الفعل. بل إذا كانوا قد قلبوا الواو في المعتلِّ العين نحو: ثِيَرة وسِياط، مع أنَّ العين أقوى من اللام، فالأحرى أن يقلبوها إذا كانت لامًا. فأمَّا قولهم: مَقاتِوَةٌ٧، فشاذٌّ.
وإن كان حرف العِلَّة ياء لم يُغيَّر٨ نحو: رامٍ وقاضٍ ومَعْصِية ومَحْمِية. إِلَّا أنَّ الياء المكسور ما قبلها إذا كانت حرف إعراب فإنه لا يظهر الإعراب فيها إلَّا في النصب، نحو: رأيتُ قاضيًا وغازيًا. وأمَّا في حال الرفع والخفض فيكون الإعراب مقدَّرًا فيها، استثقالًا للرفع والخفض [في الياء] ٩، فتسكن الياء لذلك. فإن لقيها ساكن حُذفت، وإن لم يلقها ساكن ثَبَتَتْ. وذلك نحو: هذا قاضٍ ومررت بقاضٍ -حُذفتِ الياء، لمَّا اجتمعت ساكنة مع التنوين- وهذا القاضي ومررت بالقاضي. أُثبتت١٠ الياءُ، لمَّا لم يلها ساكن تُحذف من أجله.
_________________
(١) ١ ف: قلب. ٢ من م. ٣ سقط من م. وفي حاشية ف: "وكذلك تصحح ما كانت حركة حرف العِلَّة فيه عارضة لتسهيل الهمزة بعده. وذلك: جَيَل، المخفَّف من جَيئل". ٤ م: أعللتهما. ٥ م: وألف فعال. ٦ م: ومثله. ٧ المقاتوة: جمع مَقتويّ. وهو الخادم. شرح الشافية ٣: ١٦١-١٦٤. ٨ م: لم تقلب. ٩ من م. ١٠ م: أثبت.
[ ٣٥١ ]
هذا إن كان الاسم منصرفًا. فإن كان الاسم الذي في آخره ياء قبلها كسرة غيرَ منصرف فإنَّ الفتحة تظهر، في الياء في حال النصب لخفَّتها، نحو: رأيتُ جَواريَ وأُعَيمِيَ١. وأمَّا في حال الرفع والخفض فإنَّ العرب تستثقل الرفع والخفض فيها٢، مع ثقل الاسم الذي لا ينصرف، فتحذف الياء بحركتها٣ فينقص البناء، فيدخل التنوين فيصير التنوين عوضًا٤ من الياء المحذوفة، فتقول: هذه جَوارٍ، ومررت بجوارٍ، وهذا أُعَيمٍ٥ ومررت بأُعيمٍ.
هذا مذهب سيبويه، ومذهب أبي إسحاق أنَّ٦ المحذوف أوَّلًا إنَّما هو الحركة في الرفع والخفض استثقالًا، فلمَّا حُذفت الحركة عُوِّض منها التنوين، فالتقى ساكنان -الياء والتنوين- فحذفت الياء لالتقاء الساكنين.
والصحيح٧، ما ذهب إليه سيبويه؛ لأنَّ تعويض الحرف٨ من الحرف أكثر في كلامهم٩ من تعويض الحرف من الحركة. وأيضًا فإنه كان يجب١٠ أن يُعوَّض التنوين من الحركة التي [قد] ١١ حذفت في الفعل نحو [٥٣أ]: يَقضِي ويَرمِي. فإن قيل: إنَّما منع من ذلك أنَّ١٢ التنوين لا يدخل الفعل. قيل له: وكذلك التنوين لا يدخل الأسماء التي لا تنصرف.
وأيضًا فإنه كان يجب١٣ أن يُعوَّض من الحركة المحذوفة التنوينُ١٤ في مثل حُبلَى. بل كان يجب أن يكون العِوَض في حُبلَى أَلزم؛ لأنه لا تظهر الحركة في حُبلَى في حال، وقد تظهر في "جَوارٍ وأُعيمٍ وأمثالهما١٥ في حال النصب. فإنْ لم يفعلوا ذلك دليل على فساد مذهب أبي إِسحاق.
_________________
(١) ١ الأعيمي تصغير أعمى. ٢ م: منها. ٣ م: لحركتها. ٤ ف: ويصير عوضًا. ٥ م: أغيم. ٦ سقط من م. ٧ المنصف ٢: ٦٧-٨٠ والكتاب ٢: ٥٦-٥٧. ٨ الحرف هذا يراد به التنوين؛ لأنه نون ساكنة. ف: الحركة. ٩ م: في كلامهم أكثر. ١٠ أي: على مذهب أبي إسحاق. ١١ من م. ١٢ ف: لأن. ١٣ م: ينبغي. ١٤ سقط من ف وألحق بحاشيتها بعد "حبلى". ١٥ سقط من م.
[ ٣٥٢ ]
وممّا يدلُّ، على أنَّ التنوين في جَوارٍ وغَواشٍ١ وأمثالهما عِوَضٌ من الحرف المحذوف، أنهم لا يحذفون في مثل الجواري والأُعَيمِي وجَوارِيك وأُعَيمِيك؛ لأنهم لو حذفوا لم يكن لهم سبيل إلى العوض؛ لأنَّ التنوين لا يمكن اجتماعه مع الإضافة، ولا مع الألف واللام. وهم قد عزموا على ألَّا يحذفوا إِلَّا بشرط العِوَض، فامتنع الحذف لذلك.
وقد تُجري العرب الاسمَ الذي في آخره ياء مكسور ما قبلها مُجرى الصحيح الآخِر، في الأحوال كلِّها، فتُظهر الإعراب. وذلك في ضرورة الشعر، نحو قوله٢.
فيَومًا يُوافِينَ الهَوَى، غَيرَ ماضِيٍ ويَومًا تَرَى، مِنهُنَّ، غُولًا تَغَوَّلُ
فجرَّ الياء من "ماضي".
وقال الآخر٣:
تَراهُ، وقَد فاتَ الرُّماةَ، كأنَّهُ أَمامَ الكِلاب مُصْغِيُ الخَدِّ أَصلَمُ
فرفع الياء من "مُصغي". وقال الآخر٤:
خَرِيعُ دَوادِيَ، في مَلعَبٍ تأزَّرُ طَورًا، وتُرخِي الإِزارا
ففتح "دوادي" في موضع الخفض. وكذلك قول الآخر٥:
قَد عَجِبَتْ مِنِّي، ومِن يُعَيلِيا لَمَّا رأتْنِي خَلَقًا، مُقلَولِيا
بفتح الياء من "يُعَيلي"٦ في موضع الخفض٧.
وكذلك أيضًا قد يُجرون المنصوب من ذلك مُجرى المرفوع والمخفوض، فيُسْكِنون في
_________________
(١) ١ م: "عواش". والأرجح أن يكون بدلًا منها "أُعَيمٍ"؛ لأنَّ "غواش" لم ترد قبل ولا بعد. فكأن ابن عصفور سها، وهو ينقل من المنصف ٢: ٧٠، فأثبت "غواش" تبعًا لابن جني. ٢ جرير. ديوانه ص٣٥٥ والخصائص ٣: ١٥٩ والكتاب ٢: ٥٩ وضرائر الشعر ص٤٢ والنوادر ص٢٠٣ والخزانة ٣: ٥٣٤ واللسان ١٤: ٢١ والمنصف ٢: ٨٠. وانظر العيني ١: ٢٢٨ واللسان "مضى" ونقائض جرير والأخطل ص٦٤. وتغول: تتلون. ٣ أبو خراش الهذلي. ديوان الهذليين ٢: ١٤٦ والمنصف ٢: ٨١ والخصائص ١: ٢٥٨. والمصغي: المائل. والأصلم: المستأصل الأذنين. يصف ظليمًا. وفي ديوان الهذليين وشرح أشعار الهذليين ص٢١٩ روي "مصغي" بالنصب. وقال السكري: نصب "مصغي" على الحال. ٤ الكميت. ديوانه ١: ٩٠ والكتاب ٢: ٦٠ وضرائر الشعر ص٤٢ والمنصف ١: ٨٠. يصف جارية. والخريع: اللينة المعاطف. والداودي. موضع تسلق الصبيان ولعبهم. ومعنى المصراع الثاني أنها لا تبالي لصغرها كيف تلعب. ٥ الكتاب ٢: ٥٩ وضرائر الشعر ص٤٣ والمنصف ٢: ٦٨ والخصائص ١: ٦ واللسان "قلو". ونسبه محقق الخصائص والشنقيطي في الدرر ١: ١١ إلى الفرزدق. ويعيلٍ تصغير يَعلى. والمقلولي: الذي يتململ على الفراش حزنًا. ٦ م: ففتح فعيليا. ٧ م: في موضع الجر.
[ ٣٥٣ ]
الشعر، نحو قوله١:
وكَسَوتُ عارٍ لَحمُهُ، فتَرَكتُهُ جَذلانَ، يَسحَبُ ذَيلَهُ. ورِداءهُ
يريد: عارِيًا لحمُه.
ويجوز٢ في لغة طيِّئ أن تُحوَّل الكسرة التي قبل الياء فتحة، فتنقلب الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، فيقال في باقية وناصية: "باقاةٌ" و"ناصاةٌ". وأمَّا غيرهم من العرب فلا يُجيز ذلك إِلَّا فيما كان من الجموع على مثال "مَفاعِل"، نحو قولك في مَعايٍ جمع مُعْيِية: "مَعايا"، وفي مَدارٍ جمع مِدْرًى:"مَدارَى".
وإنَّما لم يجيزوا ذلك إِلَّا فيما ذكرنا، لثقل الكسرة قبل الياء وثقل البناء، مع أمنهم اللَّبس إذا خفَّفوا بقلب الكسرة فتحة والياء ألفًا؛ لأنه لا يكون [شيء] من الجموع التي هي على مثال "مَفاعِل" أصلُ بنائه فتح ما قبل آخره، وليس كذلك رامٍ وغازٍ؛ لأنهما إذا فُعِل [بهما ذلك] التبسا في [اللفظ] بـ"رامَى" و"غازَى".
وإن كانت الحركة ضمَّة، وكان حرف العلَّة متطرِّفًا، قلبتَها كسرة وقلبتَ حرف العِلَّة، إن كان واوًا، ياءً٣. ثمَّ يصير حكمه في الإعراب حكم الاسم الذي في آخره ياء قبلها كسرة. وذلك نحو: أَظْبٍ جمع ظَبْي، وأَحْقٍ جمع حَقْو، أصلهما "أَظبُيٌ" و"أَحقُوٌ".
فأمَّا٤ أَظبٍ فاستُثقلت فيه الضَّمَّة قبل الياء، كما تُستثقل الواو قبل الياء في مثل طَيّ أصله "طَوْيٌ"، فقُلبت الواو ياء وأُدغمت الياء في الياء. وأمَّا أَحقٍ فاستثقلوا فيه الواو المتطرِّفة المضموم ما قبلها، وإن لم تُستثقل في الفعل؛ لأنَّ الاسم تلحقه ياءا النسب، ويضاف إلي ياء المتكلِّم. فلو أُقِرَّت فيه الواو لكان داعيًا إلى اجتماع واو وضمَّة قبلها٥ مع ياءيِ النسب أو ياء المتكلِّم والكسرة التي قبلهما٦. وذلك ثقيل. فقُلبت الواو ياء، والضَّمَّة كسرة.
وإن كان حرف العِلَّة غير متطرِّف فإنَّ الواو تثبت. وذلك نحو: أُفعُوان. وذلك أنَّ الموجب لقلبها قد زال، وهو كونها معرَّضة للحاق ياءيِ النسب وياء المتكلِّم. وأمَّا الياء فإنها تقلب واوًا للضَّمَّة التي قبلها، كما فُعل ذلك في الفعل في نحو: لقَضُوَ الرَّجلُ! فتقول في جمع كُلْية، على٧
_________________
(١) ١ ضرائر الشعر ص٩٣ وشرح القصائد السبع ص٢٨٢ والهمع ١: ٥٣ والدرر ١: ٢٩. وروي "عاريْ لحمِه". وزعم أبو حاتم أنَّ السكون للتخفيف لغة فصيحة، والجذلان: الفرح. ٢ سقط حتى قوله "بِرامَي وغازَى" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٣ المنصف ١: ١١٧-١١٨. ٤: م. قلبا. ٥ في النسختين: إلى اجتماع ضمة وواو قبلها. ٦ م: قبلها. ٧ زاد في م: غير.
[ ٣٥٤ ]
قياس من قال: "رُكُبات": كُلُوات.
إِلَّا أنَّ العرب التزمت التسكين أو الفتح١ في لام "كلية" لئلَّا يخرجوا من الأخفِّ -وهو الياء- إلى الأثقل وهو الواو. وإنَّما قلبت هنا، ولم تقلب في مثل عُيَبة٢؛ لأنها في عُيَبة عين، والعين أقوى من اللام.
وحكم الاسم في جميع ما ذُكر، على ثلاثة أحرف كان أو على أزيد، حكمٌ واحدٌ. إِلَّا أنَّ الواو إذا وقعت متطرِّفة رابعة فصاعدًا، في اسم يمكن أن تصوغ منه لفظ فعل، فإنها تُقلب ياء. وذلك نحو: مَلهًى ومَغزًى. تقول في تثنيتهما: مَلهَيان ومَغزَيان، فتقلب الألف ياء، وإن كانا٣ من اللهو والغزو؛ لأنك لو صغت منهما فعلًا فقلت "مَلهَيت" و"مَغزيتَ" على حدِّ "مَرْحَبَكَ ومَسْهَلَك"لأمكن. فكما تقلب الواو رابعة فصاعدًا في الفعل ياء فكذلك في الاسم حملًا على الفعل. وقد تَقَدَّمَ٤ السبب في ذلك في الفعل.
فإن لم يمكن أن يُصاغ من الاسم فعل لم تقلب الواو ياء٥ نحو: مَغزُوّ؛ ألا ترى أنَّ الفعل لا يكون قبل آخره حرف مدٍّ ولين زائدًا. وكذلك أيضًا لو لم تقع طرفًا لم تُقلب ياء، لامتناع بناء فعل إِذ ذاك ممّا تكون٦ فيه، نحو: أُفعُوان٧ وأُرجُوان.
انتهى حكم الاسم والفعل الذي أحد أصوله حرف عِلَّة.
_________________
(١) ١ يريد: في الجمع السالم. ٢ شرح الشافية ٣: ٨٧. والعيبة: الكثير العيب للناس. م: عيْبة. ٣ في النسختين: وإن كان. ٤ في الورقة ٥١. ٥ كذا. ويرد عليه نحو: مستدعَيات ومرتضَيات ومشتهَيات ومنجلَيات ٦ م: مما يكون. ٧ كذا. وهو تكرار لما تقدم قبل فقرتين.
[ ٣٥٥ ]
ما أعتل منه أكثر من أصل واحد:
[ما اعتلَّت جميع أُصوله]:
فإن كان المعتلُّ منه أكثرَ من أصل واحد فإنه لا يخلو من أن يكون معتلَّ الفاء١ والعين صحيحَ اللام، أو معتلَّ اللام والعين صحيح الفاءِ، أو معتلَّ [٥٣ب] الفاء واللام صحيح العين٢، أو معتلَّ الجميع.
فأمَّا اعتلال الجميع فلم يوجد منه إِلَّا كلمة واحدة، وهي٣ "واو"٤. وفيما انقلبت عنه٥ هذه الألف خلاف:
فمنهم من ذهب إلى أنها منقلبة عن الواو؛ لأنَّ ما عُرف أصله من المعتلِّ العين أكثر ما تكون الألف فيه منقلبة عن الواو٦. فحمل المجهول الأصل على الأكثر. ومنهم من ذهب إلى أنها منقلبة عن ياء. وإلى هذا القول كان يذهب أبو عليٍّ، ويعتمد في ذلك على أنه لا ينبغي أن تكون حروف الكلمة كلُّها من موضع واحد، إذ ذلك مفقود في الصحيح. فأمَّا بَبَّة فقليل جِدًّا، وهو٧ أيضًا ممّا يجري مجرى حكاية الصوت٨. وكذلك دَدَدٌ؛ لأنه مستعمل في ضرب من اللَّعِب، فهو حكاية صوت عندهم٩. وإذا كانت الألف منقلبة عن ياء كان ممّا فاؤه ولامه من جنس واحد، وقد جاء ذلك في الصحيح قليلًا. نحو: سَلِس وقَلِق. فحمله على ما جاء مثله في الصحيح أَولى.
_________________
(١) ١ م: الياء. ٢ سقط "صحيح الفاء صحيح العين" من م. ٣ في النسختين: وهو. ٤ كذا. والياء أيضًا تحتمل أن يكون أصل لفظها ثلاث ياءات. انظر التاج "ياء" والارتشاف ١: ٩٠. ٥ سقط من م. ٦ سقط "لأنَّ ما عرف عن الواو" من م. ٧ م: فأمَّا فيه فقليل جِدًّا هو. ٨ م: الضرب. ٩ وجاء عن العرب تصرف في: ررّ وقق وصصّ وههّ. الارتشاف ١: ٨٩-٩٠.
[ ٣٥٦ ]
وله [أيضًا] ١ أن يستدلَّ، بأن يقول: قد جاءت الياء فاء ولامًا في قولهم: يَدَيْتُ إليه يدًا. والياء أُخت الواو؛ فينبغي أن تحمل عليها في ذلك. والصحيح عندي الأوَّل. وذلك أنه إذا جعلت فيه الألف منقلبة عن ياء اجتمع فيه حمل الألف على الأقل٢ فيها، من كونها منقلبةً عن ياء، مع حمل الكلمة على باب "وَعَوتُ" -أعني ممّا٣ لامه وفاؤه واو، وذلك معدوم في كلامهم- ومع حمل الكلمة على باب "حَيَوتُ" -أعني أن يكون عينها ياء ولامها واوًا- وذلك أيضًا لم يجئ في كلامهم. وإذا جعلت الألف منقلبة عن الواو كان حملًا على الأكثر فيها، ويكون في ذلك دخول في باب واحد معدوم، وهو كون أصول الكلمة كلِّها واوات.
_________________
(١) ١ من م. ٢ م: الأول. ٣ م: أعني ما.
[ ٣٥٧ ]
[المعتلُّ الفاء واللام]:
فأمَّا اعتلال الفاء واللام وصِحَّة العين فالذي يتصوَّر في ذلك أن تكون الفاء واللام واوين، أو ياءين، أو واوًا١ وياء: وأمَّا أن تكون الفاء والواو واللام ياء أو العكس.
فأمَّا كون الفاء واللام واوين فلم يجئ من ذلك شيء. وأمَّا كونهما٢ ياءين فلم يجئ من ذلك إلَّا: يَدَيتُ إليه يدًا. وأمَّا كون الفاء واوًا واللام ياء فكثير في كلامهم، نحو: وَقَيتُ٣ ووَشَيتُ ووِليتُ. وأمَّا عكسه فلم يجيء. وجميع ما جاء من المعتلِّ اللام والفاء فيحمل٤ أوله على باب "وَعَدَ"، وآخره على باب "رَمَى"، في جميع أحكامهما٥.
_________________
(١) ١ م: واوان أو ياءان أو واو. ٢ م: كونها. ٣ م: رقيت. ٤ م: محمل. ٥ م: أحكامها.
[ ٣٥٧ ]
[المعتلُّ الفاء والعين]:
وأمَّا [اعتلال] الفاء والعين فإنه لا يخلو من أن يكون حرفا العِلَّة واوين، أو ياءين، أو الفاء واوًا١ والعين ياء أو العكس.
فأمَّا كون الفاء والعين واوين فلم يجئ منه فِعل، لمَّا يلزم فيه من الاعتلال، ولم يجئ منه اسم٢ إِلَّا "أوَّل"٣. وسبب قلَّته أنَّ باب "سَلِس" أكثر من باب "دَدَن". فإذا لم يجئ في
_________________
(١) ١ في النسختين: أو الواو فاء. ٢ سقط "فعل لما يلزم منه اسم" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٣ شرح الكافية ٢: ٢٠٨.
[ ٣٥٧ ]
كلامهم مثل "وَعَوتُ"١ فالأحرى ألَّا يجيء مثل أوَّل؛ لأنَّ "وَعَوتُ" مثل "سَلِس"٢، وأوَّل مثل دَدن.
فإن قال قائل: إنَّما يكون ما ادَّعيته في "أوَّل" صحيحًا، من أنَّ فاءه وعينه واوان، إذا كان وزنها "أفعَل". فما تُنكر أن يكونَ وزنها "فَعَّل"، فتكونَ الواو عينًا مضعَّفة؟ فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على أنها "أفعَل" لزوم "مِن" لها، فتقول: لقيتُه أوَّلَ مِن أمسِ، كما تقول: زيدٌ أفضلُ مِن عمرو٣، مع منع الصرف.
فإن قيل: وما تُنكر أن٤ يكون "أَفعَل" من "وأَلتُ" أو مِن "أُلْتُ"٥ كما ذهب إليه الفرَّاءُ، فيما حكاه ثعلب عنه، والأصل "أَوْأَل" إن كان من "وألتُ"، أو "أَأْوَل" إن كان من "أُلتُ"، ثمَّ أُبدل من الهمزة واو٦ وأُدغمتِ الواو في الواو؟ فالجواب أنه لو كان في الأصل "أوْ أل" لجاز أن يجيء على أصله، في موضع من المواضع، ولم نسمعهم نطقوا به هكذا.
فإن قلت: فلعلَّه التُزم التخفيف فيه٧، كما فُعل في النبيِّ والبريَّة. قيل: ذلك قليل، مع أنَّ قياس تخفيف "أَوْأَل": "أَوَل"٨ بإلقاء حركة الهمزة على الواو، وحذف الهمزة.
فإن قيل: فلعلَّهم خفَّفوه على قياس: شَيّ وضَوّ. فالجواب أنَّ ذلك أيضًا لا يُقاس، وإنَّما القياس: شَيٌ وضَوٌ. وأيضًا فإنَّا إنَّما قلنا: "إنَّ النبيَّ والبريَّة ممّا أُلزِم التخفيف البتة" لقِيام الدليل على ذلك، لكونهما من النبأ ومن "برأ اللهُ الخلقَ"، ولم يقم دليل على أنَّ أوَّل من "وألَ"، فتزعمَ أنه أُلزم٩ التخفيف.
فإن قيل: الذي يدلُّ على أنَّ العين من أوَّل همزة قراءةُ من قرأ "وأَنَّهُ أَهلَكَ عادًا الُّؤْلَى"١٠، فتكون همزة العين دالَّة على أنَّ الأصل الهمزة. قيل: القراءة شاذَّةٌ، وإِذا ثَبَتَ بها رواية فقياسها أن تُحمل على قول الشاعر١١:
أحَبُّ المُؤقِدِينَ إِلىَّ مُوسَى وجَعْدةُ، إِذ أَضاءَهُما الوَقُودُ
_________________
(١) ١ م: رعوت. ٢ م: ملس. ٣ م: من عمر. ٤ ف: من أن. ٥ ف: "أالت". وصوب في حاشيتها بخط أبي حيان عن نسخة أُخرى كما أثبتنا. وألت: من آل يؤولُ. ٦ ف: واوًا. ٧ سقط من م. ٨ م: أوّل. ٩ م: فيزعم أنه التزم. ١٠ الآية ٥٠ من سورة النجم. وهذه قراءة قالون. انظر القراءات الأربع عشرة ص٤٠٣ والبحر المحيط ٨: ١٦٩ والتبيان ٩: ٤٣٧. ١١ تقدم تخريجه في ص٦٩. وانظر ص٢٢٦.
[ ٣٥٨ ]
وذلك أنه أبدل [٥٤أ] الواو الساكنة المضموم ما قبلها همزة؛ لأنَّ الحركة في النيَّة بعد الحرف، فكأنَّ الضَّمَّة في الواو. فثَبَت أنه لا يمكن أن يكون من "وألتُ".
ولا يمكن أيضًا أن يكون من "أُلتُ"١؛ لأنه لو كان منه لكان "أَأْوَل"٢، فأمَّا أن تُبدل الهمزة، أو الألف المنقلبة عن الهمزة، واوًا فغير معروف. والقول الأوَّل كأنَّه أشبَهُ٣ فأمَّا همز "أوائل"٤ فقد ذكرتُ العِلَّة فيه، فلا حجَّةَ فيه.
ولم يستعملوا منه٥ فعلًا؛ لأنه لو كان الفعل على وزن "فَعَلَ" بفتح العين لوجب، من حيث عينه واو، أن يكون مضارعه "يَفعُل" بضمِّ العين كـ"قالَ يقُولُ". وكون فائه واوًا يلزم مجيئَه على "يَفعِل" بكسر العين، حتَّى تُحذف٦ الواو كـ"يَعِدُ". فلمَّا كان ذلك يؤدِّي إلى التدافع رُفض، مع ما فيه من ثقل الواوين. ولو كان على وزن "فَعُلَ" بضمِّ العين لكان المضارع بضمِّ العين، فكنت تقول: والَ يَوُوْلُ٧، فيؤدِّي ذلك إلى اجتماع واوين وضمَّة، مع ياء المضارعة أيضًا في حال الغَيبة. فرُفض ذلك لثقله. فلمَّا امتنع "فَعَلَ" و"فَعُلَ" رُفض أيضًا "فَعِلَ" بالحمل عليهما.
وأمَّا كون الفاء والعين ياءين فلم يجئ منه فعل أصلًا، لِما يلزم في ذلك من توالي الإعلال، ولم يجئ منه اسم إِلَّا "يَيْن" اسم موضع٨.
وأمَّا كون الفاء واوًا والعين ياء نحو: وَيل ووَيح ووَيب ووَيس، أو بالعكس نحو: يَوم، فإنَّ ذلك قليل جِدًّا، ولم يجئ منه فعل أصلًا؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى ما يُستثقل من توالي الإعلال. وذلك أنك لو بنيتَ من مثل وَيل فعلًا على وزن "فَعَلَ" مفتوح العين لكان المضارع على وزن "يَفعِلُ" بكسر العين، فيجب حذف الواو كما تحذف في باب "وَعَدَ يَعِدُ"، ويجب إعلال العين كما تُعلّ ٩ في باب "يَبِيعُ". ولا يُتصوَّر بناؤه على "فَعُلَ" مضموم العين؛ لأنَّ "فَعُلَ" لا يجيء
_________________
(١) ١ ف: "أألت". وصوب في حاشيتها عن نسخة أُخرى كما أثبتنا. ٢ كذا. والصواب: "آوَل" لأنَّ الهمزة الثانية تبدل ألفًا وجوبًا. ٣ الأشبه: الأصح. ٤ يريد الهمزة الثانية. انظر الورقة ٣٢. ٥ م: فيه. ٦ م: تخفف. ٧ ف: "يوؤل". م: يؤول. ٨ في النسختين: "وأمَّا كون الفاء والعين ياءين فلم يجئ منه شيء".أمَّا ما أثبتناه فقد ألحقه أبو حيان بحاشية ف بعد ما فاؤه واو وعينه ياء أو بالعكس، وقدمناه نحن فأثبتناه هنا تبعًا للمبدع؛ لأنَّه يوافق النسق الذي قدم به ابن عصفور لما اعتلَّ فاؤه وعينه في ص٣٥٧. ٩ م: يعل.
[ ٣٥٩ ]
فيما عينه ياء١. فلمَّا تَعذَّرَ "فَعَلَ" و"فَعُلَ" رُفِض "فَعِلَ"٢ بالحمل عليهما.
وكذلك أيضًا "يَوم" لو بُني منه فعل على "فَعَلَ" أو "فَعُلَ" بفتح العين أو ضمِّها لكان المضارع على "يَفعُلُ"، فكنت تقول "بَيُوْمُ"٣، فتجتمع ياءان في إحداهما ضمَّة وواو. وذلك ثقيل. فلمَّا تعذَّر "فَعَلَ" و"فَعُلَ" رُفِضَ أيضًا "فَعِلَ" بالحمل عليهما.
فأمَّا ما أنشدوا٤ من قوله٥:
فما والَ، ولا واحَ ولا واسَ أبُو هِندِ
فمصنوع صَنعه النحويُّون. وأنشدوا بيتًا آخر، وهو قوله٦:
تُوَيِّلُ، إِذ مَلأتُ يَدِي وكَفِّي وكانَتْ لا تُعَلَّلُ، بالقَلِيلِ٧.
وهذا كأنه أشبَهُ؛ لأنه جاء على "فَعَّلَ٨، فأُمِن فيه الحذف والقلب. فأمَّا قول رؤبة٩:
عَولةُ ثَكلَى، ولَوَلَتْ بَعدَ المأَقْ
فمعنى ولولت: دَعَت بالويل. وليس من لفظ الويل، بل قريبٌ منه كلأّال١٠ من لؤلؤ. ولو كان منه لكان "وَيْلَلَتْ" لأنه "فَعْلَلَتْ"١١.
_________________
(١) ١ كذا. وقالوا: هَيُؤَ يَهيُؤُ. ٢ م: وفُعِلَ رفض فَعَلَ. ٣ م: يقوم. ٤ م: ما أنشد. ٥ المنصف ٢: ١٩٨ والمزهر: ٤٣ والتصريح ١: ٣٣٠. ٦ اللسان والتاج "ويل" والمنصف ٢: ١٩٨. ٧ م: "فويْل". اللسان: "تَويّل". ٨ م: فَعَل. ٩ ديوانه ص١٠٧ والمنصف ٢: ١٩٩. والمأق. أن يأخذ الإنسانَ عند البكاء والنشيج شبهُ فواق. ١٠ م: كلأل. ١١ م: "فعلنت". وألحق أبو حيان بعده في حاشية ف نصًّا أثبتناه قبل. انظر ص٣٥٩.
[ ٣٦٠ ]
[المعتلُّ العين واللام]:
وأمَّا إذا كانت العين واللام معتلَّتين فإنه لا يخلو من أن يكونا واوين، أو ياءين، أو يكون العين واوًا واللام ياء، أو العكس.
فأمَّا أن يكون العين ياء واللام واوًا نحو "حَيَوتُ" فلا يُحفظ في كلامهم في اسم ولا فعل. فأمَّا الحيوانُ وحَيْوَة فشاذَّان، والأصل فيهما "حَيَيَان" و"حَيَّة"، فأبدلوا من إحدى الياءين واوًا. وزعم المازنيُّ أنَّ هذا ممّا جاءت عينه ياء ولامه واو، وأنه اسم لم يُستعمل منه فعل، كما قالوا:
[ ٣٦٠ ]
فاظ١ الميِّتُ يَفِيظُ فَيظًا وفَوظًا، فاستعملوا الفعل ممّا عينه ياء، ولم يستعملوه ممّا عينه واو.
وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنه قد ثَبَتَ إبدالهم الياء واوًا٢ شذوذًا، ولم يثبت من كلامهم ما عينه ياء ولامه واو٣. وأيضًا فإنَّ الحيوان من الحياة، ومعنى الحياة موجود في الحَيا المطر٤؛ ألا ترى أنه يُحيي الأرض والنبات، كما قال تعالى٥: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾؟ وهذا كثير في القرآن والشعر. وهم يقولون في تثنيته "حَيَيانِ"٦ [بالياء] ٧ لا غيرُ. فثَبَتَ بذلك٨ أنَّ الواو في حيوان بدل من ياء، وأنَّ ما ذهب إليه المازنيُّ فاسد.
وأمَّا ما عينه واو ولامه ياء فكثير، نحو: شَوَيتُ وطَوَيتُ، وحكمُ اللام فيه حكمها في باب "رَمَيتُ"، في جميع الأحكام. وأمَّا العين فصحيحة ولا يجوز إعلالها. إِلَّا أن يؤدِّي تصريف إلى وقوع واو ساكنة قبل الياء فإنَّ الواو تُقلب ياء، وتُدغم الياء في الياء، نحو: شَوَيتُ٩ شَيًّا وطَوَيتُ طَيًّا.
إلا١٠ أن يكون اسمًا على وزن "فَعْلَى" فإن الياء تقلب فيه واوًا. فمن ذلك العَوَّى١١ اسم النجم، هو في الأصل١٢ "عَوْيا"، فقُلبت الياء واوًا كما فُعل ذلك بالمعتلِّ اللام خاصَّة نحو: شَرْوَى -وقد تَقَدَّمَ السبب في ذلك- ثمَّ أُدغمت الواو في الواو. واشتقاقها من "عَوَيتُ يَدَه" أي: لَويتُها؛ لأنها [٥٤ب] كواكب ملتوية.
فإن قيل: فهلَّا كانت العَوَّى: "فَعَّلًا" من "عَوَيتُ"، فلا يكون على ذلك ممّا قلبت فيه الياء١٣ واوًا. فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك أنه ليس من أبنية كلامهم ["فَعَّلٌ"] ١٤. فأمَّا
_________________
(١) ١ فاظ: مات. ٢ م: إبدالهم الواو ياء. ٣ م: ولا واو. ٤ م: للمطر. ٥ الآية ١١ من سورة ق. ٦ م: حيان. ٧ من م. ٨ ف: لذلك. ٩ في حاشية ف أن هذا متصل بقوله: "والسبب في أن اعتلت اللام في هذا الباب وصحت العين". انظر ص٣٦٣. ١٠ سقطت مسألتا "العوّى" و"ريّا" في م من هنا، وأقحمتا في المعتلِّ اللام مقدمة ثانيتهما على الأولى. انظر تعليقنا في ص٣٤٦. ١١ م: العوا. ١٢ المنصف ٢: ١٥٩ وسر الصناعة ١: ٩٨-١٠٠. ١٣ م: الفاء. ١٤ من م.
[ ٣٦١ ]
شَلَّمُ١ وبَذَّرُ٢ وبَقَّمٌ فأعجميَّات٣.
وقد مدَّ بعضهم فقال: العَوَّاءُ. وهو قليل، ويحتمل ذلك ضربين من الوزن:
أحدهما: أن يكون "فَعْلاء"، والأصل "عَوْياء" فقُلبت الياء واوًا وأُدغمت الواو في الواو. وإنَّما قلبوا الياء واوًا في "فَعْلاء" الممدودة، وليس قياسها ذلك؛ لأنَّ الأصل والأكثر فيه٤ القصر. وكأنهم لمَّا مدُّوه من قصر أبقَوُا الواو فيه المنقلبة٥ عن الياء، تنبيهًا على أنَّ المدَّ فيه عارض، كما صحَّ "عَوِرَ" لأنه في معنى: اعْوَرَّ. ويكون قلبهم الياء واوًا فيه شذوذًا، كما قالوا: عَوَى الكلبُ عَوَّةً، والأصل "عَوْيَة" فقلبت الياء واوًا. حكى ذلك ابن مِقسمٍ عن ثعلب٦.
والآخر: أن يكون "فَعَّالًَا"، وكأنه في الأصل "عَوَّاي"، ثمَّ قلبت الياء همزة لتطرُّفها ووقوعها بعد ألف زائدة، فصار "عَوَّاء". وكأنه ذُهِب به٧ إلى معنى المنزل ولذلك ذُكِّرَ، وذُهِب بـ"عَوَّى" المقصورة إلى معنى المنزلة ولذلك أُنِّثت.
وأمَّا "رَيّا" التي يُراد بها الرائحة، من قوله٨:
[إِذا التَفَتَتْ نَحْوِي تَضَوَّعَ رِيحُها، نَسِيمَ الصَّبا]، جاءتْ بِرَيّا القَرَنفُلِ
فصفة من معنى: رَوِيَتْ. وكان الأصل فيه "رائحة رَيَّا"٩ أي: ممتلئة طيبًا. ولو كانت اسمًا لكانت "رَوَّى"١٠؛ لأنَّ أصلها "رَوْيا"، فكنتَ١١ تُبدل الياء واوًا كما فعلتَ ذلك في "عَوَّى"١٢ ثمَّ تُدغم الواو في الواو. فلمَّا لم يقولوا ذلك علمنا أنها صفة أصلها "رَوْيا"، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء وأُدغمت الياء في الياء.
فإن قيل١٣: فهلَّا ادُّعِيَ أنَّ "رَيَّا" اسم وأنها في الأصل "رَيْيا" فيكون ١٤ من باب ما عينه
_________________
(١) ١ شلم: اسم موضع بالشام. ٢ بذر: اسم ماء من مياه العرب. وانظر معجم البلدان "بذّر". ٣ البقم: العندم. وهو صبغ معروف. وانظر التاج "بقم" والمعرب ص٦٠-٦١. ٤ أي: في العواء. ٥ م: فكأنهم مدوه من قصر فلذلك أبقوا الواو فيه منقلبة. ٦ مجالس ثعلب ص١٢٣ والمنصف ٢: ١٦٠. ٧ م: ذهب بعواء. ٨ من معلقة امرئ القيس. ديوانه ص١٥٠. وتضوع: انتشر. والريح: الرائحة. والصبا: الريح اللطيفة تأتي من المشرق. ٩ سقط من م: "أي ممتلئة طيبًا" وزاد فيها: انقلبت إلى باب ما اعتل لامه وعينه. ١٠ م: روّا. ١١ م: وكنت. ١٢ م: شروى. ١٣ م: فإن قال قائل. ١٤ م: فهي.
[ ٣٦٢ ]
ولامه ياء، ثمَّ قُلبت اللام واوًا فصار "رَيْوَى"، ثمَّ اجتمع ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك أنه لا يُحفظ من كلامهم تركيب١ "ري ي"،٢ ومن كلامهم تركيب "روي"٣ نحو: رَوِيتُ؛ ألا ترى أنَّ قوله٤ "ريّا المُخَلخَلِ" معناه: ممتلئةَ المخلخلِ؟ فهو من معنى "رَوِيَتْ"٥.
والسبب، في أن اعتلَّت اللام في هذا الباب٦ وصحَّت العين٧، أنك لو أعللتَهما جميعًا لأدَّى ذلك إلى الإعلال بعد الإعلال والحذف؛ ألا ترى أنَّك لو قلبتَ الواو من "طَوَيتُ" ألفًا، والياء ألفٌ٨، لتوالى الإعلال. ثمَّ يلتقي الألفان وهما ساكنان، فيؤدِّي ذلك على الحذف. فلمَّا لم يمكن إعلالهما معًا أعللتَ إحداهما، وكانت الأَوْلى بالإعلال٩ اللام؛ لأنها طرف.
وأيضًا فإنك لو أعللتَ العين وصحَّحتَ اللام لكنتَ تقول: شايَ يَشِيُّ وطايَ يَطِيُّ١٠ فتقلب الواو التي هي عين ياء وتُدغمها في الياء، وتدخل اللام الضَّمَّة؛ لأنها تجري مُجرى الصحيح، فكان يلزم في ذلك تغيير وتبديل كثير. فرُفِض لذلك.
وقد شذَّ من ذلك شيء، فأُعِلَّت عينه وصُحِّحت لامه، وجاء ١١ ذلك في الاسم لقوَّته وتمكُّنه١٢. وذلك نحو: طاية١٣ وثاية١٤؛ لأنهما ١٥ من: طَوَيتُ وثَوَيتُ.
وأمَّا ما عينه ولامه واوان١٦ فإنَّ العين منه تجري مَجرى [الحرف] ١٧ الصحيح أبدًا. وأمَّ
_________________
(١) ١ سقط من م. ٢ م: ريوى. ٣ م: روّى. ٤ قسيم بين لامرئ القيس من معلقته في ديوانه ص١٥، وتمامه: إذا قُلتُ: هاتِي نَوِّلِينِي، تَمايَلَتْ عليَّ، هَضِيمَ الكَشحِ، رَيَّا المُخَلخَلِ ٥ ألحقت مسألتا "ريّا" "والعوّى" بنسخة ف على طيارة مقحَمتين في المعتلِّ اللام. وقد أَلحق ههنا أبو حيان على الطيارة ما يلي: إِلَّا أنَّ الاسم الذي على وزن فعلى تقلب الياء فيه واوًا. ٦ يريد: باب طوى وشوى. ٧ م: والسبب في ذلك. ٨ كذا. فلعله يريد الفعل قبل اتصاله بالضمير؛ لأنَّ ألفه منقلبة عن ياء. وهو: طَوَى. ٩ م: بإعلال. ١٠ م: طاير يطير. ١١ زاد في م هنا: "في". وموضعها بياض في ف. ١٢ م: في الاسم تقوية للاسم وتمكنته. ١٣ الطاية: سقف البيت. ١٤ الثاية: حجارة تكون للراعي حول الغنم تأوي إليها. ١٥ م: "لأنها". وسيذكر المؤلف "طاية" و"ثاية" في ص٣٦٨، ويزيد أيضًا "راية". ١٦ م: واو. ١٧ من م.
[ ٣٦٣ ]
اللام فتجري مَجرى اللام في باب "غَزَوتُ"، في جميع ما ذُكر، مزيدًا كان الاسم أو الفِعل أو غيرَ مزيد. إِلَّا أنَّ الفِعل إذا كان على ثلاثة أحرف لم يُبنَ إِلَّا على "فَعِلَ"، بكسر العين، بخلاف باب "غَزَوتُ".
والسبب في ذلك أنَّك لو بَنَيتَ الفِعل على "فَعَلَ" أو "فَعُلَ"، بضمِّ العين أو فتحها، لكنتَ تقول: "قَوَوتُ" و"قَوُوتُ"١، فتجمع بين واوين إذا رددتَ الفعل إلى نفسك. وكذلك المضارع كنت تقول فيه: "يَقْوُو"، فتجمع أيضًا بين واوين. فلمَّا تَعذَّرا عُدِل إلى "فَعِلَ"؛ لأنَّ الواو تنقلب ياء لتطرُّفها ووقوع الكسرة قبلها نحو: قَوِيَ، ويجيء المضارع على "يَفعَلَ" نحو: يَقْوَى، فيَخِفُّ اللفظ.
فأمَّا الاسم فلا يلزم٢ "فَعِل" بكسر العين. بل قد تكون العين مفتوحة، فلا يلزم قلبُ اللام ياء نحو التَّوَى٣. وهو الهلاك، وهو مصدر: تَوِيَ يَتْوَى٤ كـ"قَوِيَ يَقْوَى". وهو من مضعَّف الواو، يدلُّك على ذلك قولهم: التَّوّ للمفرد، والمعنى واحد لأنَّ الهلاك أكثر ما يكون مع الوحدة والانفراد. هكذا قال أبو علي.
وإنَّما لم يُستنكر مجيء الاسم على "فَعَلٍ"، وإن كان يلزم في التثنية [٥٥أ] اجتماع الواوين نحو "تَوَوَين"٥، كما يلزم ذلك في الفِعل إذًا رددتَه إلى نفسك -لأنَّ الفعل أثقل، فاستُخفَّ في الاسم لخِفَّته ما لم يُستخفَّ في الفعل لثِقَله. وأيضًا فإنَّ الفِعل يَتصرَّف فيلزم فيه الثقل في مضارعه، وإذا رددتَ الفعل إلى نفسك. ولا يلزم في الاسم إِلَّا في حال التثنية.
وصحَّت العين في نحو "قَوِيَ" للعِلَّة التي تَقَدَّمت٦ في نحو: طَوَيتُ وشَوَيتُ.
وأمَّا ما عينه ولامه ياءان فإنَّ العين منه تجري مَجرى حرف صحيح، للعِلَّة التي تَقَدَّمت أيضًا في باب: طَوَيتُ. وأمَّا الياء التي هي لام فتجري مَجرى الياء فيما عينه صحيحة نحو: "رَمَى"، في جميع الأحكام، سواء كان الاسم أو الفعل٧ مزيدًا أو غير مزيد. إِلَّا ما يَعرِض في هذا الباب من الإدغام، بسبب اجتماع المِثلَين، على ما يُبيَّن:
وذلك أنَّ المِثلَين إذا اجتمعا في هذا النوع فلا يخلو من أن يكون الثاني ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا لم يجز الإدغام؛ لأنه لا يجوز الإدغام في ساكن، لما يُذكر٨ في باب الإدغام.
_________________
(١) ١ م: قوْوت. ٢ م: فلا يعرى منه. ٣ م: الثواء. ٤ م: ثوى يثوى. ٥ م: ثووي. ٦ في الورقة ٥٤. ٧ م: الفعل أو الاسم. ٨ انظر الورقة ٦١.
[ ٣٦٤ ]
وذلك نحو: حَيِيتُ وأَحيَيتُ، وأشباه ذلك.
وإن كان الثاني متحرِّكًا فلا يخلو من أن يكون ما قبله مفتوحًا أو غير مفتوح.
فإن كان مفتوحًا قلبت الياء الثانية ألفًا، لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، وزال الإدغام لاختلاف الحرفين، نحو: أَحيا واستَحيا.
فإن كان ما قبله غير مفتوح فلا تخلو الياء الثانية من أن تكون حركتها إعرابًا١ أو بناء. فإن كانت الحركة إعرابًا لم تُدغَم٢؛ لأنَّ الإعراب عارض، يزول في حال٣ الرفع والخفض فيَسكن الحرف، فلا يمكن الإدغام فيه، فيُحمل النصب في امتناع الإدغام على الرفع والخفض. وذلك [نحو]: لن٤ يُحْيِيَ ورأيتُ مُحْيِيًا. فلا تُدغِم كما لا تُدغِم في: هو يُحيِي، ولا في: هو مَحْيِيك.
وإن٥ كانت الحركة بناء فلا يخلو من أن تكون متطرِّفة أو غير متطرِّفة. فإن كان متطرِّفة جاز الإظهار والإدغام٦ نحو: أُحْيِيَ وأُحِيَّ، وحَيِيَ وحَيَّ، وحُيِيَ وحُيَّ٧. ومن قال: "بِيعَ"، قال: "حِيَّ". وهو الأكثر لأنه أخفُّ.
وقد قرأ بعض القراء "ويَحْيا مَن حَيِيَ عَن بَيِّنةٍ"٨. وبعضهم: ﴿ويَحْيا مَن حَيَّ﴾ ٩ بالإدغام. فمن أدغم فلأنَّ الحركة لازمة، ومن أظهر فلأنَّ هذه الياء من "حَيِيَ" هي الياء الساكنة في "يَحْيا" التي قُلبت ألفًا. وكذلك الياء في "أُحْيِيَ" هي الياء في "يُحْيا" التي قُلبت ألفًا. فلمَّا كانت هذه الياء في موضع قد تَسكن لم يُعتدَّ بحركتها.
ومن قال: حَيَّ وعَيَّ، أجراهما مُجرى "ردَّ"١٠، فكما تقول: "رَدُّوا"، كذلك تقول: حَيُّوا.
_________________
(١) ١ م: إعراب. ٢ المنصف: ٢: ١٩٢-١٩٣. ٣ سقط من م. ٤ سقط من م. ٥ سقط من م. ٦ المنصف ٢: ١٨٨- ١٨٩. ٧ سقط "حيي وحيّ" من م. ٨ سقط "عن بينة" من م. ٩ الآية ٤٢ من سورة الأنفال. وقرأ المدنيان ويعقوب وخلف والبزي وأبو بكر بالإظهار، وغيرهم بالإدغام. النشر ٢: ٢٦٦ والبحر المحيط ٤: ٥٠١ ومعاني القرآن ١: ٤١١ والتبيان ٥: ١٤٧. ١٠ كان عليه أن يذكر هنا "وَدّ" لأنه على "فَعِلَ" مثل عَيِيَ وحَيِيَ.
[ ٣٦٥ ]
وعَيُّوا. قال١
عَيُّوا، بأمرِهِمُ، كَما عَيَّتْ، بِبَيضتِها، الحَمامَهْ
ومن قال: حَيِيَ، أجراه مُجرى: رَضِيَ. فكما تقول: رَضُوا، تقول: حَيُوا. قال٢:
وكُنَّا حَسِبناهُم فَوارِسَ كَهمَسٍ حَيُوا، بَعدَ ما ماتُوا مِنَ الدَّهرِ أَعصُرا
فإن لم تكن متطرِّفة فلا يخلو أن يكون بعدها علامتا التثنية، أو علامتا الجمع، أو تاء التأنيث. فإن كان بعدها٣ علامتا التثنية أو علامتا الجمع لم يجز إِلَّا الإظهار. وذلك نحو٤: مُحْيِيانِ وحَيِيانِ٥ ومُحْيِيات. والسبب في ذلك أنَّ زيادتي الجمع إنَّما دخلت على الإفراد. فلمَّا كان المفرد لو لم يلحقه شيء لا يجوز فيه الإدغام؛ لأنَّ الحركة إعراب، حُملت التثنية والجمع عليه.
فإن كان بعدها٦ تاء التأنيث فلا يخلو أن تلحق التاء لفظ المفرد أو بناء الجمع. فإن لحقت بناء الجمع، نحو٧: حَياء وأَحيِية وعَيِيّ وأَعيِية، جاز الإظهار٨ والإدغام نحو: أَحِيَّة وأَعِيَّة فمن أدغم فلأنَّ الحركة بناء، ولم تدخل على بناء قد امتنع فيه الإدغام قبل لحاقها. ومن أظهر فلأنَّ هذه الياء هي التي تَسكن في: يَعيا ويَحيا.
والإدغام في أَعِيَّة أقوى منه في أَحِيَّة؛ لأنَّ الياء٩ في أَعيية تلزمها الحركة في الجمع والمفرد نحو: عَيِيّ. وأمَّا أَحيِية١٠ فالحركة تلزم في الجمع. وأمَّا في المفرد فلا تثبت الياء، بل تقول: حياء، فتنقلب الياء همزة لتطرُّفها بعد ألف زائدة.
_________________
(١) ١ عبيد بن الأبرص. ديوانه ص١٢٦ والكتاب٢: ٤٨٧ والمنصف ٢: ١٩١ وشرح الشافية ٣: ١١٤ وشرح شواهدها ص٣٥٦-٣٤٣ وديوان سلامة ص٢٤٨ و٣٠٣. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن شرح القصائد التسع ص٦٤٣ للنحاس خلاف البصريين والفراء في إدغام نحو: عيّوا. انظر ص٢٦٤ من ابن عصفور والتصريف. ٢ الوليد بن حنيفة أبو حزابة الحنظلي، وينسب إلى مودود العنبري. الكتاب ٢: ٣٨٧ والمنصف ٢: ١٩٠ والأغاني ١٩: ١٥٧ وشرح الشافية ٣: ١١٦ وشرح شواهدها ص٣٦٣-٣٦٧ والصحاح واللسان والتاج "كهمس". وكهمس: اسم علم. قيل هو أبو حي من العرب. وقيل أحد الخوارج. ٣ م: فلا يخلو أن يكون بعدها. ٤ الكتاب ٢: ٣٨٨ والمنصف ٢: ١٩٣-١٩٤. ٥ ومثله في الكتاب. وضبط في المنصف بفتح الياء الأولى، على أنه مثنى "حَيا" المطر. ٦ م: بعد. ٧ الكتاب ٢: ٣٨٧ والمنصف ٢: ١٩٠-١٩٢. ٨ في م زيادة ونقص، وفي ف تقديم وتأخير. ٩ يريد: الياء الثانية. ١٠ م: أحياء.
[ ٣٦٦ ]
فإن لحقت المفردَ فلا يخلو من أن تكون عِوضًا من محذوف أو غير عِوَض. فإن لم تكن عِوَضًا لم يجز إِلَّا الإظهار، نحو١: مُحْيِية ومُعْيِية. والعِلَّة في ذلك كالعِلَّة في: مُحْيِيات ومُحْيِيَينِ، من أنَّ العلامة دخلت على بناء لا يجوز فيه الإدغام، وهو: مُحْيٍ ومُعْيٍ.
فإن كانت التاء عِوَضًا فإنه لا يجوز إِلَّا الإغام، نحو٢: تَحِيَّة مصدر "حَيَّا". الأصل [٥٥ب] "تَحْيِيْيًا"٣، فحُذفت ياء٤ "تَفعِيل"، وعُوِّضت التاء منها على حدِّ تَكرِمة فصار "تَحْيِية"٥ فصارت هذه التاء لأجل العِوَضيَّة كأنها جزء من الكلمة فلزمت، فصارت الحركة لازمة لذلك، فلزم الإدغام.
وزعم المازنيُّ٦ أنه يجوز الإظهار، واستدلَّ على ذلك بجواز الإظهار في أَحْيِية٧، مع أنَّ الهاء من أَحْيِية لازمة لـ" أَفْعِلة"؛ لأنها لم تدخل على "أَحِيّ"٨، كما أنها في تَحِيَّة كذلك إذ لم تدخل على "تَحِيّ". وهذا الذي ذهب إليه ضعيف٩؛ لأنَّ الفرق بين تَحِيَّة١٠ وأَحْيِية بيِّنٌ. وذلك أنَّ التاء ١١ من تَحيَّة صارت عِوَضًا من حرف من نفس الكلمة١٢، فصارت كأنها حرف من نفس الكلمة لذلك. وأيضًا فإنَّ أَحْيِية جمع، والجمع فرع على الواحد، والفروع قد لا تُلحظ وقد تُلحظ. وأمَّا تَحِيَّة فمصدر، والمصدر أصل، فينبغي أن يُلحظ في نفسه.
وإذا أَظهرتَ الياءين ولم تُدغِم، كان الإدغام جائزًا مع الإظهار أو لم يكن، فإنَّ إخفاء الحركة من الياء الأُولى١٣ أفصح من الإظهار١٤؛ لأنه وسيطة بين الإظهار١٥ والإدغام، فكان أعدل لذلك.
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ١٩٣-١٩٤. ٢ المنصف ٢: ١٩٤-١٩٥. ٣ م: تحيية. ٤ م: تاء. ٥ م: تحييّة. ٦ المنصف ٢: ١٩٥-١٩٦. ٧ الأحيية: جمع حياء. ٨ في المنصف: أحيي. ٩ المنصف ٢: ١٩٦-١٩٧. ١٠ م: حية. ١١ م: الياء. ١٢ سقط من م حتى "نفس الكلمة". ١٣ م: إخفاء حركة الياء الأولى. ١٤ وكذلك في نسخة أخرى كما جاء في حاشية ف. والمراد إظهار الحركة. وفي النسختين: الإدغام. ١٥ أي: عدم الإدغام.
[ ٣٦٧ ]
والإخفاء فيما حركة الياء الأُولى منه كسرةٌ أحسنُ١ من الإخفاء فيما٢ حركتها منه فتحة. فالإخفاء في مُحيِيَينِ أحسن من الإخفاء في مُحيَيَينِ؛ لأنَّ الكسرة في الياء أثقل من الفتحة، فتكون الداعية إلى التخفيف مع الكسرة أشدَّ.
وقد شذَّ أُليفاظ٣ في هذا الفصل، فاعتلَّت فيها العين. منها: آية وراية وثاية وغاية وطاية. وكان حقُّها أن يعتلَّ منها اللام ويصحَّ العين٤. والذي سَهَّل ذلك كونُ هذه الأُلفاظ٥ أسماءً، فلا تتصرَّف فيلزمَ فيها من الإعلال والتغيير ما يلزم في الفعل.
وفي "آية" ثلاثة أقوال للنحويِّينَ٦:
فمذهب الخليل٧ ما ذكرناه، من اعتلال العين وصحَّة اللام شذوذًا.
ومذهب الفرَّاء أنَّ وزنها "فَعْلة"، وأنَّ الأصل "أيَّة"، فاستثقلوا اجتماع ياءين، فأبدلوا من الساكنة ألفًا تخفيفًا. قال: وإذا كانوا يفعلون ذلك بالياء الساكنة وحدها، في نحو: عَيبٌ وعابٌ وذَيمٌ وذامٌ٨، فالأحرى أن يفعلوا ذلك إذا انضاف إليها ياء أُخرى. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنَّ فيه إعلال العين، مع أنَّ العين٩ معتلَّة كما في مذهب الخليل، مع أنَّ إبدال الياء الساكنة ألفًا ليس بمستمرٍّ. وأمَّا العاب والعَيب والذام والذَّيم١٠ فهما ممّا جاء على "فَعْلٍ" تارة، وعلى "فَعَلٍ" أُخرى.
ومذهب الكسائيِّ أنَّ وزنها "فاعِلة" والأصل "آيِيَة"، فحُذفَتِ استثقالًَا لاجتماع الياءين، إذ حذفوها وحدها في "بالَة"١١ وقد تَقَدَّمَ. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنَّ فيه أيضًا ما في
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ١٩٤. ٢ كرر ناسخ م: "فيما حركة الياء الأولى منه كسرة أحسن من الإخفاء فيما". ٢ في النسختين "لفظان". والتصويب من حاشية ف بخط أبي حيان نقلًا عن خط المصنف. ٤ في النسختين: "أحدهما آية وكان القياس أياة". والتصويب من حاشية ف بخط أبي حيان، وفيه تكرار لما تَقَدَّمَ في ص٣٦٣. ٥ في النسختين: "اللفظة". والتصويب من حاشية ف بخط أبي حيان نقلًا عن خط المصنف. ٦ شرح الشافية ٣: ١١٨. ٧ الكتاب ٢: ٣٨٨. ٨ الكتاب ٢: ٣٨٨. ٩ في النسختين: اللام. ١٠ م: الدام والديم. ١١ لم يَتَقَدَّمْ لها ذكر من قبل. وهي مصدر باليت وأصلها بالية مثل عافية حذفت منها الياء تخفيفًا. انظر المنصف ٢: ٢٣٨ والصحاح واللسان والتاج. "بلو".
[ ٣٦٨ ]
مذهب الخليل من إعلال العين؛ لأنَّ الحذف إعلال، مع أنَّ حذف الياء التي هي عين ليس بمطَّرد، مع أنَّه ادَّعى أصلًا لم يُلفظ به، ولا مانع يمنع لو كان ذلك١.
فتَبيَّن أنَّ الأَولى ما ذَهَب إليه الخليل. وهذه المذاهب إنَّما تجري في آية؛ لأنها من ذوات الياء بدليل قوله٢:
قِفْ، بالدِّيارِ، وُقوفَ زائرْ وتَأَيَّ، إِنَّكَ غَيرُ صاغِرْ
فمعنى تأيَّ: انظُرْ آياتِها. فلو كانت عينها واوًا لقال "وتَأوَّ" كما تقول: تَلوَّ وتَسَوَّ٣.
وكذلك غاية في أحد القولين؛ لأنَّ أبا زيد حكى: غَيَّيتُ الغايةَ وأَغيَيتُها. فهذه دلالة قاطعة على أنها من الياء٤. فعلى هذا تجري فيها٥ المذاهب الثلاثة التي في آية.
وشذَّ من ذلك الفعل٦ "استَحَى"، وكان القياس "استَحْيا"، لكن شذُّوا فيه، فأجرَوه مُجرى: استَبانَ، فنقلوا حركة الياء التي هي عين إلى الساكن قبلها، وقلبوا الياء ألفًا، فصار: استَحَى.
فأمَّا المازنيُّ فيزعم أنَّ الألف حُذفت تخفيفًَا٧، كما حذفت من عُلَبِط٨ وهُدَبِد٩.
وأمَّا الخليل فيزعم أنه لما اعتلَّت العين سُكِّنت، وسُكِّنت اللام أيضًا كذلك بعدها بالإعلال، فالتقى ساكنان فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. فإن قيل: فلأيِّ شيء لم يردُّوا المحذوف في المضارع، فيقولون١٠: "يَستَحِيُّ"، ويرفعون الياء التي هي لام، ويُدغمون فيها العين؟ فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك أنهم لو فعلوه١١ لرفعوا ما لا يرتفع مثله في كلامهم؛ لأنَّ الأفعال المضارعة إذا كان آخرها معتلًّا لم يدخلها الرفع في شيء من الكلام١٢. [فأمَّا قول الشاعر١٣:
_________________
(١) ١ سقط من م. ف: ولا مانع يمنع لو كان من ذلك. ٢ الكميت. ديوانه ١: ٢٢٣ والمنصف ٢: ١٤٢ وإصلاح المنطق ص٣٣٦ واللسان والتاج "أيي". ٣ م: تشد. ٤ م: الواو. ٥ ف: فيه. ٦ المنصف ٢: ٢٠٤-٢٠٦ وشرح الشافية ٣: ١١٩-١٢٠. ٧ المنصف ٢: ٢٠٤ ونظَّر لها هناك بـ"أحَست وظِلت ومِست". ٨ العلبط: اللبن الخاثر الغليظ المتلبد. ٩ الهدبد: اللبن الخاثر. ١٠ كذا بإثبات النون. وانظر ص٢٨٤. ١١ م: لو فعلوا. ١٢ ما بين معقوفين ألحقه أبو حيان بحاشية ف نقلًا عن خط المنصف. وسيرد بعد قليل. ١٣ نسب في التاج "عيي" إلى الحطيئة، وأنشده الفراء في معاني القرآن ١: ٤١٢. وانظر ص٣٧٠ والمنصف٢: ٢٠٦ والتبيان ٥: ١٤٧ ورسالة الملائكة ص١٠٥ والمحتسب ٢: ٢٦٩ والهمع ١: ٥٣ والدرر ١: ٣١ والأشموني ٤: ٣٤٩ واللسان "عيي". وسدة البيت: فناؤه. يصف امرأة وأنها منعمة، فلو مشت بفناء بيتها لتعبت.
[ ٣٦٩ ]
وكأنَّها، بَينَ النِّساءِ، سَبِيكةٌ، تَمشِي١، بِسُدَّةِ بَيتِها، فتُعِيُّ
فبيت شاذٌّ وقد طُعن على قائله] .
وردَّ المازنِيُّ٢، مذهب الخليل، بقول العرب في التثنية: استَحَيا. قال: فلو كان الحذف لالتقاء الساكنين لوجب الردُّ هنا؛ لأنَّ اللام قد تحرَّكت لأجل ألف التثنية، فكانوا يقولون: "استَحايا". فلمَّا لم يقولوا ذلك دلَّ على أنَّ الحذف تخفيفٌ٣.
ولقائل [٥٦أ] أن يقول٤: لَمَّا حُذف عين "استَحَى"٥ أَشبَهَ "افتَعَلَ"، فصُرِّفَ كتصريف ما أشبهه. ومذهب المازنِيِّ أقوى.
وجميع ما يجري على "استَحَى" مثلُه في اعتلال عينه، من اسم فاعل واسم مفعول ومضارع، [نحو] ٦: استَحَى يَستَحِي فهو مُستَحٍ ومُستَحًى منه. قال٧ الشاعر:
وإِنِّي لأستَحيِي، وفي الحَقِّ مُستَحًى، إِذا جاءَ باغِي العُرفِ، أن أَتَنكَّرا
ولم يستعملوا الفعل٨ معتلَّ العين إِلَّا بالزيادة، فلا يقال "حايَ" ولا "يَحَيُّ". فأمَّا٩ قول الشاعر:
وكأَنَّها، بَينَ النِّساءِ، سَبِيكةٌ تَمشِي، بِسُدَّةِ بَيتِها، فتَعَيّ١٠
فبيتٌ شاذٌّ، وقد طُعن على قائله.
وأمَّا١١ اللام فتجري في اعتلالها مَجرى لام "رَمَى"، فلا تصحُّ إِلَّا أن تضعِّفها. فإنك إذ ذاك
_________________
(١) ١ ف: تمسي. ٢ المنصف ٢: ٢٠٤. ٣ م: تخفيفًا. ٤ انظر المنصف ٢: ٢٠٥-٢٠٦. ٥ م: استحيى. ٦ من م. وفيها: في إعلال عينه من اسم فاعل أو اسم مفعول أو مضارع. ٧ م: "قول". والبيت تَقَدَّمَ في ص٣٢٧. ٨ يريد: فعل حيي وما أشبهه. ٩ بقية الفقرة ساقطة من إحدى النسخ كما جاء في ف. والبيت خرجناه في ص٣٦٩. ١٠ ضبط في ف بقلم آخر بضمِّ التاء وكسر العين. وكذلك هو في معاني القرآن والمنصف والتبيان واللسان والتاج "حيي" و"عيي". فهو مضارع أعيَي. وبذلك يكون مزيدًا فيناقض ما أراده ابن عصفور، وقد ضبطناه بفتح التاء والعين تبعًا لخط أبي حيان في المبدع ليكون غير مزيد فيوافق ما أراد ابن عصفور، وإن كان "عيي" المجرد ليس من معناه التعب. انظر قصة الكسائي في تاريخ بغداد ١١: ٤٠٤ وإنباه الرواة ٢: ٢٥٧ والبغية ص٣٣٦. ١١ النص حتى نهاية الثلاثي المعتل ألحقه أبو حيان بحاشية ف. وهو ساقط من متني النسختين، وفيهما بدلًا منه الفقرة التي نشير إليها في التعليقة التالية مقدمًا لها بما يلي: "واعلم أنَّ اللام المعتلة إذا ضوعفت صحَّت اللام الأولى وجرت في ذلك مجرى العين. وأمَّا الثانية فتعتل كما تعتل إذا كانت بعد العين المعتلة".
[ ٣٧٠ ]
تُصحِّح الأُولى منهما، وتُعِلّ الثانية منهما؛ لأنَّ نسبتها إذ ذاك من الثانية نسبة العين من اللام في "شَوَى" وأمثاله. فلو١ بَنَيتَ من الرمي مثل "احمرَّ" لقلت: "ارْمَيَا". والأصل "ارْمَيَيَ"، فصحَّتِ اللام الأُولى وقلبت الثانية ألفًا. وتقول في المضارع: "يَرْمَيِي"، فتصحّ اللام الأولى كما تصحّ العين في: يُحْيِي.
وتقول في مثل٢ "احمارَّ" من الحُوَّة: احْواوَى الفرسُ واحْواوَتِ الشَّاةُ. تَرجِعُ الواوَ إلى أصلها؛ لأنه لا مانع من ذلك. واحتُملت الواوان لوقوعهما منفصلتين. فإن بنيتَ مثل "احمَرَرْتُ" قلت: "احْوَوَيْتُ". واحتُملت الواوان، وإن كانتا متصلتين؛ لأنهما في تقدير الانفصال؛ لأنَّ كلَّ "افعَلَّ" مقصورةٌ من "افعالَّ".
وتقول في اسم الفاعل من "احواوَى": مُحْواوٍ، ومن "احوَوَى": مُحْوَوٍ.
ومصدر "احواوى": احْوِيواءٌ، من غير إدغام؛ لأنَّ الياء مدّة منقلبة عن ألف "احواوَى". هكذا حكى أهل اللغة عن العرب. وزعم المبرّد٣ أنك تقول: احْوِيّاءٌ، من قِبَل أنَّ المصدر اسم. فبناؤه على حالة واحدة، فلا تكون الألف عارضة. والسماعُ يبطل ما قال.
ومصدر "احووَى": احْوِواءٌ. ومن قال في مصدر "اقتَتلَ": قِتّالًا، قال في مصدر "احووَى": حِوَّاءٌ. هذا قول أبي الحسن٤. وغيره يقول: "حِيَّاءٌ"، فيقلب الواو الساكنة ياء لانكسار ما قبلها، ثمَّ تُقلب الثانية ياء، وتُدغم الياء في الياء.
والصحيح قول أبي الحسن؛ لأنَّ الواو بالإدغام قد زال عنها المدُّ، فصارت [بمنزلة الحروف] الصحيحة. ولذلك وقع "لُيّ" في القافية مع "ظَبْي". وأَدْلٍ كان كذلك [لو] لم تقوَ الكسرة على قلبها. ويقوِّي ذلك قولهم: قُرونٌ لُيٌّ. فلم يقلبوا من الضَّمَّة كسرة، لَمَّا أمنوا قلب الياء واوًا للإدغام كما قلبوها [في أدْلٍ] .
فإن قلتَ: إنَّ القلب في حِيَّاء محمول على قول من قال: لِيٌّ، بكسر اللام. فالجواب أنَّ ذلك بعيد؛ ألا ترى أنك لا تجد كلمة من الواو المدغمة قَلَبتْها الكسرةُ إلى الياء، لزوال المدّ عنها بالإدغام؟ ٥
_________________
(١) ١ سقط من حاشية ف حتى قوله "في يحيي". وألحقناه من متني النسختين تبعًا للمبدع. وانظر الكتاب ٢: ٣٩٠ والمنصف ٢: ٦٠٧ وشرح الشافية ٣: ١٢٢. ٢ انظر شرح المفصل ١٠: ١٢٠ والكتاب ٢: ٣٩١-٣٩٢ والمنصف ٢: ٢١٩-١٢٦ وشرح الشافية ٣: ١٢٠-١٢٢. ٣ كذا. و"احويّاء" هو قول سيبويه أيضًا. انظر الكتاب ٤: ٣٩١ وشرح الشافية ٣: ١٢٠ وشرح المفصل١٠: ١٢٠. ٤ كذا. وهو قول سيبويه. انظر الكتاب ٢: ٣٩١. ٥ ينتهي ههنا ما نقلناه عن حاشية ف بخط أبي حيان.
[ ٣٧١ ]
[الرباعيُّ المعتلُّ]:
فإن كان أصول المعتلِّ على أزيد من ثلاثة فإنَّ نهاية ما يوجد عليه أربعة أحرف، بشرط أن يكون مصعَّفًا. أعني: تكون لامه الأولى من جنس فائه، ولامه الثانية من جنس عينه، كما جاءت١ لام "رَددتُ" من جنس عينه. فهو في الأربعة نظير "رَدَدتُ" في الثلاثة٢. وذلك نحو: قَوقَيتُ٣ وضَوضَيتُ٤ في بنات الواو، وحاحَيتُ وعاعَيتُ وهاهَيتُ٥ في بنات الياء. والأصل "ضَوضَوتُ" و"قَوقَوتُ" -فأبدلوا الواو الأخيرة ياء، لوقوعها طرفًا رابعة، للعِلَّة التي ذكرنا في "أغزَيتُ"٦- وحَيحَيتُ وعَيعَيتُ وهَيهَيتُ، فأبدلوا من الياء ألفًا، كراهية اجتماع الأمثال.
فإن قيل: وما الذي يدلُّ٧ على أنَّ قَوقَيتُ: "فَعْلَلتُ"؟ ولعلَّها "فَعْلَيْتُ" أو "فَوْعَلتُ". وكذلك أيضًا حاحيتُ، ما الذي يدلُّ على أنه "فَعْلَلتُ"؟ ولعلَّه "فاعَلتُ". فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على أنَّ قَوقَيتُ: "فَعْلَلتُ" أنه لو كان "فَوْعَلتُ" لكان من باب دَدَن٨، ولو كان "فَعْلَيتُ" لكان من باب سَلِسَ وقَلِقَ. وهما بابان٩ قليلان، "وقَوقَيتُ" وأمثاله كثير. فدلَّ ذلك على أنَّه ليس بـ"فَوْعَلتُ"، ولا بـ"فَعْلَيتُ".
وأمَّا حاحَيتُ وأمثاله فالذي يدلُّ١٠ على أنها "فَعْلَلتُ" لا "فاعَلتُ" المصدرُ؛ ألا تراهم قالوا: الحِيحاءُ والعِيعاءُ، فيجيء بمنزلة السِّرهاف؟ ١١ ولو كان "فاعَلَ" لكان مصدره "فِعالًا" نحو: قاتلَ قِتالًا.
_________________
(١) ١ ف: جاء. ٢ المنصف ٢: ١٦٩. ٣ قوقت الدجاجة: صاحت. ٤ ضوضيت: من الجلبة والضوضاء. ٥ حاحيت وعاعيت وهاهيت: صوّتُّ بالغنم. ٦ في الورقة ٢٥. م: "أعريت". وزاد بعدها في ف: وأصل حاحيت. ٧ ف: وما الدليل. ٨ م: ردن. ٩ م: بناءان. ١٠ المنصف ٢: ١٧١-١٧٢. ١١ السرهاف: من قولك سرهفته، إذا نعمته وأحسنت غذاءه. م: السرهاء.
[ ٣٧٢ ]
فإن قيل: وقد١ يجيء "الفِيعال"٢ مصدرًا لـ"فاعَلَ"، قالوا: "قاتَله قِيتالًا". فالجواب أنَّ ذلك قليل، فلا ينبغي أن يحمل عليه الحِيحاء والعِيعاء.
والذي يدلُّ٣ أيضًا على أنَّ حاحَيتُ وعاعَيتْ: "فَعلَلتُ" قولُهم: الحاحاةُ والعاعاةُ، بمنزلة الدَّحرَجة والقَلقَلة والزَّلزَلة. ولو كانتا "فاعَلتُ" لما جاز ذلك؛ ألا ترى أنَّه لا يقال: قاتَلَ قاتَلةً، ولا ضارَبَ ضارَبةً؟
وأيضًا فإنَّ جعل الألف زائدة يؤدِّي إلى دخولهما في الباب القليل -أعني باب: دَدَن- وهو كون الفاء والعين٤ من جنس واحد.
فإن قيل: وما الذي يدلُّ على أنَّ الألف منقلبة عن٥ الياء فيهما؟ فالجواب٦ أنَّ الذي يدلُّ على ذلك أنه لم يجئ قطُّ على أصله. فلو كان من ذوات الواو لجاء على أصله، كـ"قَوقَيتُ".
فإن قيل: ولأيِّ شيء لم تُبدَل من الواو ألف، في مثل قَوقَيتُ؟ فالجواب أنهم فرَّقوا بذلك بين ذوات الياء وذوات الواو، وكان إبدال الألف من الياء أَوْلى، لقرب الألف من الياء، ولما في إظهار الياء٧ من اجتماع الأمثال. وممّا يدلُّ على أنهم يُبدلون كراهية اجتماع الأمثال: دَهدَيتُ٨، وأصله٩ "دَهْدَهتُ"، فأُبدِلَتِ الهاء ياء.
وزعم المازنِيُّ١٠ أنَّ الألف منقلبة عن واو. وحجَّتُه أنَّ الألف لَمَّا لم يُنطق لها بأصل، لا من ياء ولا من واو، حَمَلَها على ما نُطق له بأصل. وهو: قَوقَيتُ. والأو َّل أَقيس وأحسن؛ لأنَّ فيه مُحسِّنًا لقلب الياء ألفًا. وليس في مذهب المازنِيِّ ما يُحسِّن القلب.
وجاء من ذلك في الأسماء ١١: غَوغاء، فيمن صرف فقال: غَوغاءٌ أو مَن ألحق التاء فقال: غَوغاءةٌ. والأصل "غَوغاوٌ" و"غَوغاوةٌ". فقُلبت الواو همزة ١٢ لتطرُّفها بعد ألف زائدة.
_________________
(١) ١ م: فقد. ٢ م: القيقال. ٣ المنصف ٢: ١٧٢-١٧٤. ٤ م: العين والفاء. ٥ م: من. ٦ المنصف ٢: ١٦٩-١٧١. ٧ ف: ولما في ذلك. ٨ دهديت: دحرجت. ٩ ف: والأصل. ١٠ المنصف ٢: ١٦٩-١٧١. ١١ المنصف ٢: ١٧٦-١٧٧. ١٢ بل الواو تقلب ألفًا، والألف تبدل همزة.
[ ٣٧٣ ]
فإن قيل: ولعلَّ الهمزة منقلبة عن حرف عِلَّة مُلحَق بالأصل. فالجواب أنَّ حمل الكلمة على ذلك يؤدِّي إلى كون الكلمة من باب: سَلِسَ وقَلِقَ. وذلك قليل جِدًّا. فحُملت على الباب الأوسع. وأيضًا فإنَّ العرب لم تُلحِق من بنات الثلاثة ببنات الأربعة شيئًا على وزن "فَعْلاء"، لم يوجد من كلامها مثل حمراء [٥٦ب] منوَّنًا١.
فإن٢ قيل: ولعلَّ الواو زائدة، ووزن الكلمة "فَوعالٌ" نحو: تَوراب٣. فالجواب أنَّ هذا البناء قليل، فلا ينبغي أن يُحمل عليه. وأيضًا فإنَّه يؤدِّي إلى الدخول في باب: دَدَن، وهو أقلُّ من باب: سَلِسَ.
فأمَّا٤ من منع الصرف فالهمزة عنده زائدة، والكلمة من باب: سَلِسَ.
وكذلك٥ الصِّيصِيةُ والدَّوداةُ والشَّوشاةُ. فأمَّا الصِّيصِية٦ فمن مضعَّف الياء. وأمَّا الدَّوداة٧ والشَّوشاة٨ فمن مضعَّف الواو.
ولا ينبغي أن يُدَّعى في صِيصية٩ أنها في الأصل "صِوْصِيةٌ"، فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها، لأنَّه خروج عن الظاهر بغير دليل. وأيضًا فإنها لو كانت من ذوات الواو لقالوا في الجمع "صَواصٍ"، لتحرُّك الواو وزوال الكسرة. فلمَّا قالوا: صَياصٍ، علمنا أنها من ذوات الياء. قال تعالى١٠: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ . ولا تُجعل الياء الثانية زائدة ويكون وزن الكلمة "فِعْلِية" نحو عِفرِية١١؛ لأنَّ في ذلك دخولًا١٢ في باب: قَلِقَ. وهو قليل.
وكذلك الدَّوداة والشَّوشاة١٣ لو جُعلت الواو فيهما زائدة١٤ لكانا١٥ من باب: دَدَن.
_________________
(١) ١ كذا. وجاء عن العرب: طرفاءٌ وحلفاءٌ وقصباءٌ في أسماء النبات. انظر التاج "طرف" و"قصب". وزاد بعده في م: "فأمَّا من منع الصرف فالهمزة عنده زائدة والكلمة من باب سلس". وسترد هذه العبارة بعد فقرة. ٢ م: وإن. ٣ التوراب: التراب. ٤ قدمت هذه العبارة في م فأثبتت بعد "مثل حمراء منونًا". وكذلك في بعض النسخ كما جاء في حاشية ف. انظر التعليقة ذات الرقم١. ٥ المنصف ٢: ١٧٨-١٧٩. ٦ الصيصية: الشيء يُحتمى به كالحصن وغيره. ٧ الدوداة: لعبة للصبيان. ٨ الشوشاة: المرأة الكثيرة الحديث. م: السوساة. ٩ م: صيصة. ١٠ الآية ٢٦ من سورة الأحزاب. ١١ العفرية: الداهية. ١٢ م: دخول. ١٣ م: السوساة. ١٤ سقط من م. ١٥ م: لكان.
[ ٣٧٤ ]
وهو١ قليل. ولو كانت الألف زائدة لكانا٢ من باب: سَلِسَ. وهو قليلٌ أيضًا.
فأمَّا الفَيفاء٣ فالألف والهمزة زائدتان؛ لأنهم [قد] ٤ يحذفونهما، فيقولون٥: الفَيْفُ.
وكذلك القِيقاء٦ والزِّيزاء٧ بمنزلة عِلباء٨ ولا يكونان من باب المضعَّف؛ لأنهما ليسا بمصدرين، و"فِعلال"٩ لا يوجد إِلَّا في المصادر.
وحكم اللام المعتلَّة، في جميع الأحوال، حكمها في مزيد الثلاثيِّ. وحكم العين حكمها في الثلاثيِّ.
ولم تجئ الواو أصلًا في بنات الأربعة غيرَ المضعَّف إِلَّا في وَرَنْتَلٍ١٠ -وهو شاذٌّ- وفي أسماء قليلة١١ قد نبَّهنا عليها في الأبنية. وكذلك الياء لم تجئ أصلًا فيما زادت أصوله على ثلاثة أحرفٍ إِلَّا في يَسْتَعُورٍ١٢، وفي ألفاظ قليلة نبَّهنا١٣ أيضًا عليها في الأبنية. وقد تَقَدَّمَ الكلام فيها١٤.
_________________
(١) ١ م: وذلك. ٢ م: لكان. ٣ المنصف ٢: ١٧٩-١٨٠. والفيفاء: القفر من الأرض. ٤ من م. ٥ ف: قالوا. ٦ المنصف ٢: ١٨٠-١٨٤. والقيقاء: المكان المرتفع المنقاد المحدودب. ٧ الزيزاء: الأكمة الصغيرة أو ما غلظ من الأرض. ٨ العلباء: عرق في العنق. ٩ م: فعال. ١٠ الورنتل: الداهية. ١١ م: قليل. ١٢ اليستعور: ضرب من الشجر. ١٣ م: قليلة نبهت. ١٤ م: فيه.
[ ٣٧٥ ]
أحكام حروف العلة والزوائد
باب الياء
باب ١: أحْكام حُروف العِلَّة وَالزَّوائِد وهي ثلاثة الياء والواو والألف
باب الياء:
أمَّا الياء منها فلا تخلو من أن تكون ساكنة أو متحرِّكة. فإن كانت ساكنة فلا يخلو٢ من أن تقع بعد ساكن أو متحرِّك. فإن وقعت بعد ساكن فإن كان الساكن حرف عِلَّة [حذف، فتقول] ٣ في مُصطفى: "مُصطَفَينَ" في النصب والخفض. إِلَّا أن تكون الياء علامة تثنية فإنَّك تحرِّك الساكن [الذي قبلها] ٤ وتقلبه ياء إن كان ألفًا، فتقول: "مُصطَفَيَينِ" في النصب والخفض، أو تكون الألف ألف الجمع [الذي لا نظير له في الآحاد] ٥، فإنَّك [تبدل الياء همزة] ٦، وتحرَّك بالكسر لالتقاء الساكنين، نحو: صَحائف. وقد تَقَدَّمَ ذكر السبب في ذلك في باب البدل. فإن كان حرفًا صحيحًا كسرته وثَبَتَتِ الياء، نحو قولك في التذكّر: [قَدِيْ] ٧، والإِنكار: أزَيدُنِيهْ٨؟
وإن وقعت بد متحرِّك فلا يخلو من أن تكون بعد حرف مفتوح، أو حرف مكسور، أو حرف مضموم. فإن كانت بعد حرف مفتوح نحو: بَيطَرَ، لم تعتلَّ. إِلَّا أن ينضاف إليها ثلاث
_________________
(١) ١ سقط هذا الباب كله من م، وكذلك باب القلب والحذف على غير قياس. ٢ سقط من المتن حتى قوله "وإن وقعت بعد متحرك"، وألحقه أبو حيان بالحاشية. ٣ ما بين معقوفين مخروم. ٤ ما بين معقوفين مخروم. ٥ ما بين معقوفين مخروم. ٦ ما بين معقوفين مخروم. ٧ يعني: إذا قلت "قدْ" وزدت بعدها مدة التذكر، لتتم الكلام بعد. انظر حاشية الدسوقي ٢: ٣٢ والكتاب ٢: ٢١٣. ٨ يريد أنَّ الأصل: "أزيدٌ" ألحق به مدة الإنكار وبعدها هاء: فحرك التنوين -وهو نون ساكنة- بالكسر.
[ ٣٧٩ ]
ياءات فإنه يجوز حذفها استثقالًا. وذلك نحو أُمَيَّة إذا نَسبتَ إليه فإنَّ من العرب من يقول: "أُمَوِيّ"، فيحذف ياء أُميَّة الزائدة، فيكون كأنه قد نسب إلى "أُمًى" كهُدًى، فيقول: أُمَوِيّ كهُدَوِيّ. وإن كانت بعد حرف مكسور فهي على حالها أيضًا، نحو: قَضِيب. وإن كانت بعد حرف مضموم قلبت واوًا، نحو: "بَيطَر" إذا بنيته للمفعول فإنك تقول: بُوْطِرَ.
وإن كانت متحرِّكة فلا يخلوم من أن تكون أوَّلًا، أو بعد حرف. فإن كانت أوَّلًا لم تُغيَّر عن حالها التي تكون عليها في الأصل نحو: يَركَبُ. إِلَّا في "يَفعَلُ" مضارع "فَعِل" المكسور العين الذي فاؤه واو، فإنه يجوز كسرها، وذلك نحو: يِيْجَلُ، في بعض اللغات.
وإن كانت بعد حرف فلا يخلو من أن تكون طرفًا، أو غير طرف. فإن كانت طرفًا فلا يخلو من أن يكون ما قبلها ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ما قبلها ساكنًا فإنه لا يكون إِلَّا الألف الزائدة، أو الياء الأُولى من ياءيِ النسب أو ما جرى مجراهما، نحو: قُرَشِيّ وكُرسِيّ. ولا يُحفظ غير ذلك. وتقلب بعد الألف همزة. وذلك نحو: دِرْحاء أصله "دِرحايٌ"، بدليل قولهم في معناه: دِرحاية. لكنها قُلبت همزة لما ذكر في باب البدل. وتصحّ١ بعد الياء.
وإن كان ما قبلها متحرِّكًا فإنه لا يخلو أن تكون الحركة فتحة أو ضمَّة أو كسرة٢ فإن كانت كسرة لم تُغيَّر نحو: عِفرِيَة؛ لأنَّ٣ تاء التأنيث لا يُعتدُّ بها. وإن كانت ضمَّة [قُلبت] الضَّمَّة كسرة و[ثَبَتَت] الياء. نحو: تَقَلْسٍ٤ [مصدر]: تَقلسَى. أصله "تَقَلسُيٌ" فقلبت الضَّمَّة كسرة.
وإن كانت فتحة قلبت ألفًا، نحو: عَلقًى٥ وقَلسَى٦. والأصل "عَلقَيٌ" و"قَلَسيَ"٧، بدليل قولك: علقيانِ وقلسيتُ، لكن لَمَّا تحرَّكت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفًا. ما لم يمنع من ذلك الألفُ التي هي علامة الاثنين أو ضميرهما، نحو: قَلسَيا وعَلقَيان، فإنها تثبت ولا تقلب، لئلَّا يؤدِّي ذلك إلى اجتماع ساكنين -الألف المبدلة من الياء والألف التي بعدها- فيلزمَ الحذف
_________________
(١) ١ يريد: وتصح الياء بعد الياء. ٢ في المتن: "أن تكون الحركة فتحة أو كسرة إذ لا تحفظ زائدة في الآخر وقبلها ضمَّة". وفوقها تصويب عن إحدى النسخ كما أثبتنا. ٣ سقط من المتن حتى قوله "فقلبت الضَّمَّة كسرة". وألحقه أبو حيان بالحاشية. وقد أثبتنا بين معقوفين ما كان مخرومًا منه. ٤ هو التقلسي. وإنَّما حذفت الياء في التنكير لالتقائها ساكنة بالتنوين. وهو نون ساكنة. ٥ العلقى: ضرب من الشجر. ٦ قلساه: ألبسه القلنسوة. وأصل الفعل: قَلسَوَ. قلبت الواو ياء لتطرُّفها فوق الثالثة بعد فتح: قلسَيَ. ثمَّ قلبت الياء ألفًا. ونظيره: أرضاه وأشقاه. وهذا خلاف ما سيذكره المؤلف؛ لأنه أغفل الأصل الأوَّل. وانظر ص٢٨٤ والتاج "قلس". ٧ ف: قلسيٌ.
[ ٣٨٠ ]
فتقولَ: "قلسَى" فيلتبس بفعل الواحد، و"عَلقانِ" فيلتبس بتثنية غير المقصور. [٥٧أ] إِذ قد يُتوهَّم أنه تثنية "عَلْق" مثلًا.
وإن كانت غير طرف فلا يخلو من أن تكون بين ساكنين، أو بين متحرِّكتين، أو بين متحرِّك وساكن١. فإن كانت بين ساكنينِ لم تُغيَّر نحو: قِشْيَبّ وكَرايِيس، أو متحرِّكين٢ نحو: قَيُّوم، ثبتت ولم تُغَيَّر بأكثر من إدغامها فيما بعدها، كما فُعل في قيُّوم. أصله "قَيْوُوم" فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.
وإن كانت بين متحرِّك وساكن ثَبَتَتْ ولم تُغيَّر، نحو: حِذْيَم٣ وحِيَفْس٤، ما لم يكن الساكن ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، وتكونَ الياء ساكنة في المفرد، فإنها تقلب همزة نحو: صَحائف جمع صَحِيفة، أو تكونَ بعد الألف وقد تقدَّمها ياء أُخرى أو واو، بشرط القرب من الطرف نحو بَيِّن، وقِيَّم اسم رجل على وزن "فِعْيَل" نحو: حِذْيَم، تقول في تكسيرهما: بَيائنُ وقَوائمُ. وقد تَقَدَّمَ ذكر السبب في ذلك في باب البدل٥.
ما لم يؤدِّ ذلك إلى وقوع الهمزة بين ألفين. فإن أدَّى إلى ذلك أُبدلت من الهمزة ياء، هربًا من اجتماع ألفين مع ما يقاربهما.
وهو الهمزة. فكأنه قد اجتمع في الكلمة ثلاث ألفات. وإنَّما أُبدلت منها الياء؛ لأنها أخفُّ من الواو. وذلك نحو: مَطِيَّة ومَطايا. أصله٦ "مَطائِوُ" ثمَّ قُلبت لتطرُّفها وانكسار ما قبلها فصار "مَطائِيُ"، ثمَّ قُلبت الكسرة فتحة تخفيفًا فصار "مَطاءَيُ"، ثمَّ قُلبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها فصار "مطاءَى"، ثمَّ أُبدلت الهمزة ياء لِما قدَّمنا.
وكذلك تفعل بالهمزة المبدلة من الألف، إذا أدَّى ذلك فيها إلى وقوع الهمزة بين ألفين، نحو: صَلاءة وصَلايا٧، كما لم تكن الواو من المفرد واوًا ملفوظًا بها، فإنَّ الهمزة إذ ذاك تبدل واوًا، لتكون الواو ظاهرة في الجمع كما كانت في المفرد. نحو: عِلاوة وعَلاوَى٨، وإِداوة وأَداوَى٩.
_________________
(١) ١ في المتن: "بين ساكنين أو بين متحرك وساكن، إذ لا تحفظ من كلامهم بين متحركين"، وفوقها تصويب عن إحدى النسخ كما أثبتنا. ٢ سقط من المتن حتى قوله "وأدغمت الياء في الياء" وألحقه أبو حيان بالحاشية. ٣ الحذيم: الحاذق. ٤ الحيفس: الضخم لا خير فيه. ٥ في الورقتين ٣٢ و٣٣. ٦ بل أصله: مطايْوُ، ثمَّ صار: مطائوُ. ٧ الصلاءة: مدقّ الطيب. ٨ العلاوة: أعلى الرأس. ٩ الإداوة: إناء صغير من الجلد يتخذ للماء.
[ ٣٨١ ]
وقد يُبدلون الهمزة واوًا، وإن لم تكن ظاهرة في المفرد، إذا كانت اللام واوًا في الأصل، نحو: مَطِيَّة ومَطاوَى وشَهِيَّة وشَهاوَى. على أنه قد يجوز أن تكون شهاوَى جمع شَهْوَى، استُغني به عن جمع شَهِيَّة، لكونهما في معنًى واحدٍ. قال١:
فَهْيَ شَهاوَى، وهْوَ شَهْوانِيُّ
_________________
(١) ١ العجاج: ديوانه ص٧٠ والمنصف ٣: ٦٧. ف: فهي شَهوَى.
[ ٣٨٢ ]
باب الواو ١:
أمَّا الواو فلا يخلو أيضًا من أن تكون ساكنة أو متحرِّكة. فإن كانت ساكنة فلا يكون ما قبلها أبدًا إِلَّا متحرِّكًا -ولا يكون٢ ساكنًا إِلَّا أن يكون الساكن ألفًا، فإنك تحذفها فتقول في مُصطَفى: مُصطَفَونَ. ما لم تكن الألف للجمع الذي لا نظير له في الآحاد فإنها تقلب همزة، نحو: عَجائز- ولا تخلو الحركة من أن تكون فتحة أو ضمَّة أو كسرة.
فإن كانت فتحة ثَبَتَتِ الواو ولم تُغيَّر، نحو: حَوقَلَ، إلا٣ أن تُدغَم في ياء، فإنها تُقلب ياء نحو: قولك: "هؤلاء مُصطفىَّ".
وإن كانت ضمَّة ثَبَتَتْ أيضًا ولم تُغيَّر، نحو: "طُومار"٤، إِلَّا أن تُدغم في ياء مبدلة من واو، أو غير مبدلة، فإنها تُقلب ياء نحو بِيَّاع "فُوْعال" من البيع. وإن كان قبلها ضمَّة٥ قُلبت ياءً، والضَّمَّةُ التي قبلها كسرة، نحو: مَرْمِيّ وعُصِيّ. وقد تَقَدَّمَ ذكر ذلك٦.
وإن كانت كسرة فإنها تقلب ياء نحو: بَهالِيلَ، ما لم تكن الواو ضمير جماعة أو علامة جمع، فإنك تبدل الكسرة ضمَّة كي تصحَّ الواو، فلا يتغيَّر الضمير ولا العلامة، نحو قولك: هؤلاء قاضُونَ وهؤلاء يقضُونَ. الأصل "قاضِيُونَ" و"يَقضِيُونَ". فاستُثقلت الضَّمَّة في الياء فحُذفت، فالتقى ساكنان -الواو والياء- فحذفت الياء، وبقيت الواو ساكنة بعد كسرة، فحوِّلت الكسرة ضمَّة لتصحَّ الواو، و[ما] لم تكن مدغمة فيما بعدها، فإنها إذا كانت كذلك ثَبَتَت ولا تُغيَّر لتشبُّثها بالحكرة نحو: اعلِوَّاط، مصدر اعلَوَّطَ؛ ألا ترى أنَّ الواو التي بعد الكسرة زائدة ساكنة، ولم تنقلب ياء؟
_________________
(١) ١ سقط العنوان من المتن وألحق بالحاشية. ٢ سقط من المتن حتى قوله "نحو عجائز"، وألحقه أبو حيان بالحاشية. ٣ سقط من المتن حتى قوله "هؤلاء مصطفَىّ"، وألحقه أبو حيان بالحاشية. ٤ الطومار: الصحيفة. ٥ ذكر الضَّمَّة هنا لا حاجة إليه؛ لأنَّ الفقرة خاصة بها. وصياغة بِيَّاع قلبت فيها الضَّمَّة كسرة. ٦ في الورقة ٥٢.
[ ٣٨٣ ]
وقد جاء من ذلك شيء مقلوبًا. إِلَّا أنه يُحفظ ولا يقاس عليه، نحو: ديوان. أصله "دِوَّان" بدليل قولهم في الجمع: دَواوِينُ١. والواو الأُولى من "دِوَّان" ساكنة زائدة؛ لأنَّه قد تَقَدَّمَ الدليل على أنَّ الأوَّل من المضعَّفين زائد.
وإن كانت متحرِّكة فلا يخلو من أن تكون طرفًا أو غير طرف. فإن كانت طرفًا فلا تخلو أن يكون ما قبلها ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا ثَبَتَت ولم تُغيَّر نحو: حِنْطأْو٢. وإن كان متحر ِّكًا فلا يخلوأن تكون الحركة فتحة أو كسرة أو ضمَّة. فإن كانت فتحة ثَبَتَت نحو الواو المبدلة من ألف حُبْلَى، إذا وقفت فقلت: حُبْلَوْ٣ وإن كانت كسرة قُلبت ياء نحو: قُلَيْسِيَة، في تصغير قَلَنْسُوة على أحد الوجهين، وتاء٤ التأنيث هنا غيرُ مُعتدٍّ بها. وإن كانت ضمَّة قُلبت الواو ياء والضَّمَّة كسرة، نحو قولك: يا قَمَحْدِي، في ترخيم قَمَحدُوَة على لغة من لا ينوي ردَّ المحذوف.
إِلَّا أن تكون الكلمة مبنيَّة على تاء التأنيث، فإنَّ الواو لا تُغيَّر نحو: قَلَنسُوة -ولو لم تُبْنَ الكلمة على التاء هنا، ولم يُعتدَّ بها، لقيل: قَلنْسِيَة- أو تكونَ الواو [٥٧ب] علامة جماعة أو ضميرها، فإنها تثبت ولا تُغيَّر، محافظة على الواو؛ لأنها لمعنى، نحو قولك: زيدُونَ ويَضرِبُونَ.
وإن كانت الواو غير طرف فلا يخلو من أن تكون بين ساكنين٥، أو بين متحرِّك وساكن٦. فإن كانت بين ساكنين ثَبَتَت ولم تُغيَّر، نحو: عِثْوَلّ٧. إِلَّا أن يُدغم فيها ياء فإنها تُقلب ياء٨ نحو: بِيَّاع على وزن "فِعْوال" من البيع. وإن كانت بين ساكن ومتحرِّك ثَبَتَت أيضًا. ولم تُغيَّر، نحو: جَهْوَر.
إِلَّا أن تكونَ مضمومة نحو: تَجَهْوُر، فإنه يجوز همزها في أحد الوجهين٩، أو تُدغمَ فيها الياء فإنه يلزم قلبها ياء نحو: "فَعْوَل" من البيع، تقول فيه: بَيَّع، والأصل "بَيْوَع"، أو تقعَ بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، وقد كانت ساكنة في المفرد للمدِّ، فإنه يلزم قلبها همزة
_________________
(١) ١ وقالوا: اجلوَّاذ واجليواذ. اللسان "جلذ". ٢ الحنطأو: العظيم البطن. ٣ في المتن: "فلا يخلو أن تكون الحركة كسرة أو ضمَّة، إذ لا تحفظ زائدة متحرِّكة فتحة في الطرف". وقد صوبها أبو حيان في الحاشية كما أثبتنا. ٤ سقط: وتاء التأنيث هنا غير معتدٍّ بها" من المتن، وألحقه أبو حيان بالحاشية. ٥ ألحق أبو حيان بالحاشية عن نسخة أُخرى ههنا: "أو بين متحركين". وهو محال. ٦ كذا. والصواب: أو بين ساكن ومتحرِّك. ٧ العثول: الفدم المسترخي. ٨ زاد ههنا أبو حيان في الحاشية عن إحدى النسخ: "فتقول في مثل عثولّ من البيع: بِيّعّ. وإن كان". ٩ انظر ص٢٢٢-٢٢٤.
[ ٣٨٤ ]
نحو: عَجائز، أو تقعَ بعد ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد أيضًا، وقد تَقَدَّمَ الألفَ ياء أو واو، فإنه يلزم قلبها همزة نحو: سَوائد وبَيائع، جمع سَوَّد وبَيَّع، على وزن "فَعْول" من السُّودَد والبيع.
ما لم تصِحَّ١ في المفرد في موضع يجب إعلالها فيه، أو لم تكن قريبة من الطرف، فإنه لا يجوز همزها، نحو: ضَياوِن جمع ضَيْوَن٢، وبَياوِيع جمع بِيَّاع على وزن "فِعْوال"٣. وقد تَقَدَّمَ ذكر ذلك في باب البدل٤.
_________________
(١) ١ ف: ما لم يصح. ٢ الضيون: ذكر السنَّور. ٣ في المتن "فعّال"، وفي الحاشية: "لعله فِعوال"، وفي المبدع: "فَعوال". ٤ في الورقة ٣٢.
[ ٣٨٥ ]
باب الألف ١:
وأمَّا الألف فإنها أبدًا ساكنة، ولا يخلو أن تجتمع مع ساكن غيرها أو لا تجتمع. فإن اجتمعت مع ساكن حُذفت نحو: حُبْلَى القوم٢.
إِلَّا أن يكونَ الساكن ألف التثنية فإنها تقلب ياء ولا تحذف، فتقول في تثنية حُبلَى: حُبْلَيانِ. ولا يجوز أن تقول "حُبْلانِ" لئلَّا يُتوهَّم أنه تثنية "حُبْل" خلافًا لأهل الكوفة فإنهم يجيزون حذفها فيما زاد على أربعة أحرف، نحو: جُمادَى، فيقولون في تثنيته: جُمادانِ. والصحيح عندنا أنه لا يجوز إِلَّا جُمادَيانِ، وبه وَرَدَ السماعُ. قال٣:
شَهرَيْ رَبِيعٍ، وجُمادَيَينَهْ
وقد حُذفت في لفظتين شذَّتا -وهما: ضَبَغْطَرًى٤ وقَبَعْثَرًى٥- قالوا في تثنيتهما: ضَبَغْطَرانِ وقَبَعْثَرانِ.
أو يكونَ الساكن الياء الأُولى من ياءيِ النسب، فإنها تُقلب معها واوًا، فيما هو على أربعة أحرف، ولم٦ تتوال فيه الحركات، ويجوز فيه الحذف. فيقال في النسب إلى حُبْلَى. حُبْلِيٌّ وحُبْلَوِيٌّ٧. وأمَّا ما زاد على أربعة أحرف فلا يجوز فيه إِلَّا الحذف.
أو يكونَ الساكن ألف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد، فإنها تُقلب همزة ولا تُحذف نحو: رَسائل، في جمع رِسالة. وقد تَقَدَّمَ ذكر السبب في ذلك في باب البدل. وقد تُقلب الهمزة
_________________
(١) ١ سقط العنوان من المتن وأُثبت في الحاشية. ٢ المراد أن ألف حبلى تحذف لفظًا. ٣ ينسب الرجز إلى امرأة من فقعس. سر الصناعة ص٤٨٩ والمخصص ١٥: ١١٤ وجمهرة اللغة ١٣١١ والمقرب ٢: ٤٥ والخزانة ٣: ٣٣٨-٣٤٠ والإنصاف ص٧٥٥. ورواية ف: "وجماديين". والتصويب من المصادر. ٤ الضبغطرى: الرجل الشديد. ٥ القبعثرى: العظيم الشديد. ٦ سقط "ولم تتوال فيه الحركات" من المتن، وألحقه أبو حيان بالحاشية عن إحدى النسخ. ٧ ف: جبلوي.
[ ٣٨٦ ]
ياء، إذا وقعت بين ألفين، للعِلَّة التي تَقَدَّمَ ذكرها في فصل١ الياء.
وإن لم تجتمع مع ساكن فلا يخلو من أن تكون الحركة التي قبلها فتحة أو ضمَّة أو كسرة٢. فإن كانت فتحةً ثَبَتَت ولم تغيَّر نحو: رِسالة. إلَّا٣ أنه يجوز فيها إذا كانت طرفًا في الوقف أن تُبدل ياء أو واوًا أو همزة، فتقول: حُبلأْ، وحُبلَوْ، وحُبلَيْ.
إِلَّا ما جاء من ذلك شاذًّا، قد حُذفت فيه الألف واجتزئ بالفتحة عنها، فإنه يُحفظ ولا يقاس عليه، نحو: عُلَبِط٤ وعُكَمِس٥ وأمثال ذلك، أو في ضرورة شعر نحو قوله٦:
ألا، لا بارَكَ اللهُ، في سُهَيلٍ إِذا ما اللهُ بارَكَ، في الرِّجالِ
فحذف الألف من "الله" لإقامة الوزن.
وإن كانت ضمَّةً قُلبت واوًا نحو: ضارَبَ، إذا بنيتَه للمفعول فإنك تقول فيه: ضُورِبَ.
وإن كانت كسرةً قُلبت ياء، نحو: شَمالِيل في جمع شِملال٧.
_________________
(١) ١ كذا. والصواب: باب. ٢ سقط "أو كسرة" من المتن، وألحقه أبو حيان بالحاشية. ٣ سقط من المتن حتى قوله: "وحبلى"، وألحقه أبو حيان بالحاشية عن إحدى النسخ. ٤ العلبط: اللبن الخاثر الغليظ المتلبد. ٥ العكمس: المتراكم الظلمة من الليل. ٦ سر الصناعة ص٧٢١ والمحتسب ١: ١٨١ ورصف المباني ص٢٧٠ والخزانة ٤: ٣٣٥ و٣٤١ والخصائص ٣: ١٣٤ واللسان والتاج "أله". والشاهد في صدر البيت لا عجزه. ٧ الشملال: الناقة السريعة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان. بلغت المقابلة.
[ ٣٨٧ ]
القلب والحذف على غير قياس:
[القلب على غير قياس]:
باب: ١
القلب والحذف في غير حروف العِلَّة، أو في حروف العِلَّة في خلاف ما تضمَّنه الباب المتقدِّم، ممّا يُحفظ ولا يُقاس عليه.
فالمقلوب على قسمين:
قسم قُلب للضرورة، نحو قولهم: "شواعي"، في شوائع في الشعر. قال٢:
وكأَنَّ أُولاها كِعابُ مُقامِرٍ ضُرِبَت علَى شُزُنٍ، فهُنَّ شَواعِي
يريد: "شوائع" أي: متفرِّقات. ونحو قول الآخر٣:
مَروانُ مَروانُ أَخُو اليَومِ اليَمِي
يريد: "اليَوِم" أي الشديد؛ لأنه مشتقٌّ من اليوم، لكنه قَلَب٤.
وقسم قُلب توسُّعًا، من غير ضرورة تدعو إليه، لكنه لم يطَّرد عليه فيُقاسَ. وذلك نحو قولهم٥: لاثٍ وشاكٍ -والأصل: شائكٌ ولائثٌ؛ لأنَّ لائثًا من: لاثَ يَلُوثُ، وشائك مأخوذ من شَوكة السِّلاح- ونحو قولهم: قِسِيٌّ، في جمع قَوس -وقياس جمعها قُئوس، نحو قولهم:
_________________
(١) ١ سقط هذا الباب من م. ٢ الأجدع بن مالك الهمداني من أصمعية له. الأصمعيات ص٦٥ والاختيارين ص٤٧١ والمؤتلف والمختلف ص٤٩ والمقتضب ١: ١٤٠ والمعاني الكبير ص٥٤ وسر الصناعة ٧٤٣ والمقرب ٢: ١٩٨ والجمهرة ص٨١١ والمنصف ٢: ٥٧ والجمهرة ٣: ٣ واللسان والتاج "شيع" و"شزن". وفي حاشية ف: "الجوهري: الشزن الكعب يلعب به". وفيها أيضًا بخط أبي حيان: "البيت للأجدع بن مالك، أنشده الجوهري: وكأنَّ صَرعَيْها. ووجدت بخط الشاطبي: الشّزن: الناحية. وصوابه: وكأن صرعاها ". الصحاح "شعو". يصف خيلًا مغيرة. ٣ الرجز لأبي الأخزر الحمَّانيِّ. الكتاب ٢: ٣٧٩ وشرح أبياته ٢: ٤٢٧ وشرح الشافية ١: ١٦٩ وشرح شواهده ص٦٩ والخصائص ١: ٦٤ و٢: ٧٦ -٧٧ والمنصف ٢: ١٠٢ و٣: ٦٨ والمحتسب ١: ١٤٤. ٤ ف: قُلب. ٥ انظر ص ٣٢٦-٣٢٧.
[ ٣٩١ ]
فَوج وفُئوج- ونحو قولهم: رَعَمْلِي لقد كان كذا، يريدون: لَعَمْرِي. ولا يمكننا استيعاب ما جاء من ذلك هنا لسَعته. حتَّى إنَّ يعقوب [٥٨أ] قد أفرد كتابًا في "القلب والإبدال"١.
فإن قيل: إذا كان، من السَّعَة والكثرة، بحيث يتعذَّر ضبطه فينبغي أن يكون مقيسًا. فالجواب أنه، مع كثرته، من أبواب مختلفة لم يجئ منه في باب ما شيء يصلح أن يقاس عليه، بل لفظ أو لفظان أو نحو ذلك.
فإن قال قائل: إذا جاءت الكلمة في موضع على نظمٍ ما، ثمَّ جاءت في موضع آخر على نظمٍ آخر، فبِمَ يُعلم أنَّ أحد النظمين أصل والآخر مقلوب منه؟ بل لقائل أن يقول: لعلَّهما أصلان، وليس أحد النظمين مقلوبًا من صاحبه. فالجواب أنَّ الذي يُعلم به ذلك أربعة أشياء:
أحدها: أن يكونَ أحد النظمين أكثر استعمالًَا من الآخر، فيكونَ الأكثر استعمالًا هو الأصل، والآخر مقلوبًا منه، نحو لَعَمْرِي ورَعَمْلي. فإنَّ "لعمري" أكثر استعمالًا. فلذلك ادَّعينا أنه الأصل.
والثاني: أن يكونَ أكثر التصريف على النظم الواحد. ويكونَ النظم الآخر أقلَّ تصرُّفًا، فيُعلَمَ أنَّ الأصل هو الأكثر تصرُّفًا، والآخر مقلوب منه. وذلك نحو: شوائع، فإنه أكثر تصرُّفًا من "شواعي"؛ لأنه يقال: شاعَ يَشِيعُ فهو شائع، ولا يقال: شَعَى يَشعى فهو شاعٍ. فلذلك كان شوائع الأصل.
والثالث: أن يكونَ أحد النظمين لا يوجد إِلَّا مع حروف زوائد تكون في الكلمة، والآخر يوجد للكلمة مجرَّدًا من الزوائد. فإنَّ سيبويه جعل الأصل النظم الذي يكون للكلمة عند تجرُّدها من الزوائد، وجعل الآخر مغيَّرًا منه؛ لأنَّ دخول الكلمة الزوائدُ تغيير لها، كما أنَّ القلب تغيير، والتغيير يأنس بالتغيير. وذلك نحو: اطمأنَّ وطأمَنَ. فالأصل عند سيبويه٢ أن تكون الهمزة قبل الميم، و"اطمأنَّ" مقلوبًا منه لما ذكرنا. وخالف الجرميُّ في ذلك، فزعم أنَّ الأصل "اطمأنَّ" بتقديم الميم على الهمزة. وهو الصحيح عندي لأنَّ أكثر تصريف الكلمة أتى عليه. فقالوا: اطمأنَّ ويَطمئِنُّ ومُطمئنٌّ. كما قالوا: طأمَن يُطأمِنُ فهو مُطأمِنٌ، وقالوا: طُمأنِينة، ولم يقولوا "طُؤَمنِينة".
والرابع: أن يكونَ في أحد النظمين ما يَشهد له أنه مقلوب من الآخر، نحو: أيِسَ ويَئِسَ. الأصل عندنا "يَئسَ"، و"أيِسَ" مقلوبٌ منه، إذ لو لم يكن مقلوبًا لوجب إعلاله، وأن يقال: "آسَ". فقولهم: "أَيِسَ" دليل على أنه مقلوب من "يَئسَ". ولذلك لم يُعلَّ كما لم يعلَّ "يَئسَ". ولا ينبغي أن يُجعل "أيِسَ" أصلًا ويُجعل تصحيحه شاذًّا؛ لأنَّ القلب أوسع من تصحيح المعتلِّ وأكثر.
_________________
(١) ١ انظر ص٣٢٧. ٢ الكتاب ٢: ١٣٠ و٣٨٠.
[ ٣٩٢ ]
فهذه جملة الأشياء التي يُتوصَّل بها إلى معرفة القلب. فأمَّا إذا كان للكلمة نظمان، وقد تصرَّف كلُّ واحد منهما على حد تصرُّف الآخر، ولم يكن أحدهما مجرَّدًا من الزوائد والآخر مقترنًا بها، ولم يكن في أحد النظمين ما يشهد له بأنه مقلوب من الآخر، فإنَّ كلَّ واحد منهما أصل بنفسه. وذلك: جَذَبَ وجَبَذَ؛ لأنه يقال: يَجذِبُ ويَجبِذُ، وجاذِبٌ وجابِذٌ، ومَجذُوبٌ ومَجبُوذٌ، وجَذْبٌ وجَبْذٌ.
[ ٣٩٣ ]
[الحذف على غير قياس]:
والحذف على غير قياس يكون في: الهمزة، والألف، والواو، والياء، والهاء، والنون، والباء، والحاء، والخاء، والفاء، والطاء.
حذف الهمزة:
حُذفت الهمزة من قولنا: الله. أصله في أحد قولي سيبويه إِلهٌ، فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وصارت الألف واللام عوضًا منها.
وحذفت من أُناس فقالوا: ناسٌ١.
وحُذفت من "خُذْ" و"كُلْ" و"مُرْ". والأصل "اؤْخُذْ، اؤْكُلْ، اؤْمُرْ"؛ لأنها من الأخْذ والأكْل والأمْر. فلمَّا حُذفت الهمزة استُغني عن همزة الوصل، لزوال الهمزة الساكنة.
وحُذفت من "سَلْ"٢. والأصل "اسأل"؛ لأنه من السؤال.
_________________
(١) ١ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: "ذكر أبو جعفر الطوسي في تفسيره [التبيان ١: ٦٧] عن بعضهم أن الناس لغة غير أناس، وأنه سمع العرب تصغره: نُويس. ولو كان أصله أناسًا لقيل في التصغير: أُنَيس، فردّ إلى أصله. واشتقاق الناس من النوس وهي الحركة: ناسَ يَنُوسُ نَوسًا إذا تحرَّك. والنوس: تذبذب الشيء في الهواء. ومنه: نَوس القرط في الأذن لكثر حركته مما حذف منه الهمزة". ٢ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بقوله:"لا يتعيَّن أن يكون المحذوف في "سل" همزة؛ لأنَّ سيبويه حكى في كتابه في باب التصغير -في باب ما ذهبت عينه ٢: ١٢٢- ما نصه: ومن ذلك [أيضًا]: سل؛ لأنه من سألت. فإن حقَّرته قلت: سُؤيل ومن لم يهمز قال: سُوَيل؛ لأنَّ من لم يهمز يجعلها من الواو بمنزلة خاف يخاف. أخبرني يونس أن الذي لا يهمز يقول: سِلْتُه فأنا أسالُ، وهو مَسُول إذا أراد المفعول. انتهى كلام سيبويه. وقد حكى سيبويه في القلب [٢: ١٣٠] أنَّ ألف "سالَ" مبدلة من همزة، وأنشد: سالَتْ هُذَيلٌ رَسولَ اللهِ فاحِشةً وإنَّما ذلك ويلحظ من كلام سيبويه أن عين سلْ تحتمل وجهين: أحدهما أن تكون همزة، والثاني أن تكون واوًا. فكان ينبغي لابن عصفور ألَّا يحتّم ".
[ ٣٩٤ ]
وحُذفت من أب، فقالوا: يابَا فُلانٍ. قال أبو الأسود الدؤليّ١:
يابا المُغِيرةِ، رُبَّ أمرٍ مُعضِلٍ فَرَّجتُهُ بالمَكرِ مِنِّي، والدَّها
وحكى أبو زيد: لا با لكَ، يريدون: لا أبا لكَ.
وحُذفت أيضًا من مضارع "رأيتُ" فقالوا: يرَى وترَى. فألزموها التخفيف. وربَّما أجرَوها على الأصل عند الضرورة٢ قال سُراقة الهذّليّ٣:
أُرِي عَينَيَّ ما لَم تَرْأَياهُ كِلانا عالِمٌ، بالتُّرَّاهاتِ
وحكى أبو زيد: سُؤته سَوايَةً. والأصل سَوائِيَة كرفاهية. فحُذفت الهمزة.
وحُذفت أيضًا من بُراءَ. والأصل بُرَآءُ.
وحُذفت أيضًا من أَشياء على مذهب الأخفش والفرَّاء؛ لأنَّ أصلها عندهما "أَشيِئاء". [٥٨ب] وقد تَقَدَّمَ إِبطال مذهبيهما٤.
حذف الألف:
حذفت الألف في: أمَ واللهِ لأفعلنَّ، يريدون: أما والله. وربَّما حُذفت في الوقف تخفيفًا. قال لبيد٥:
وقَبِيلٌ، مِن لُكَيزٍ، حاضِرٌ رَهطِ مَرجُومٍ، ورَهطِ ابنِ المُعَلْ
يريد: ابن المُعَلَّى وقال أبو عثمان المازنيُّ، في قول الله ﵎: "يا أَبتَ"٦: يريد: يا أَبتاه. وأنشد أبو الحسن وابن الأعرابيِّ وغيرهما٧:
فلَستُ بِمُدْرِكٍ ما فاتَ مِنِّي بِلَهْفَ، ولا بِلَيتَ، ولا لَوَ انِّي
_________________
(١) ١ نسب في شمس العلوم ١: ١٨ إلى الأسود. وهو في مستدرك ديوان أبي الأسود ص١٣١ وشرح نهج البلاغة ٤: ٣٢٨ وأمالي ابن الشجري ٢: ١٦ والمقرب ٢: ٢٠٠ ورصف المباني ص٤٤ وشرح الملوكي ٣٦٩. وانظر التمام ص١٢٦ والمعضل: الشديد المستغلق. والدها: الدهاء. ٢ كذا. وليس إجراؤها على الأصل ضرورة شعرية، وإنَّما هو لغة يتم الرباب. انظر اللسان والتاج "رأي". ٣ كذا أيضًا. وسراقة بن مرداس هو من الأزد. ديوانه ص٧٨ والنوادر ص١٨٥ والمحتسب ١: ١٢٨ وأمالي ابن الشجري ٢: ٢٠ و٤٠٠ وشرح المفصل ٩: ١١٠ وسر الصناعة ص٧٧ و٨٢٦ والأغاني ٩: ١٣ والأشباه والنظائر ٢: ١٦ والخصائص ٣: ٥٣ وشرح شواهد الشافية ص٣٢٢-٣٢٩ وطبقات فحول الشعراء ص٣٧٦ وأنساب الأشراف ٥: ٢٣٤ والمغني ص٢٢٧ وشرح شواهده ص٢٣٢ وشمس العلوم ١: ١٨. ٤ في الورقة ٤٨. ٥ ديوانه ص١٩٩ وشرح شواهد الشافية ص٢٠٧-٢١٢ والكتاب ٢: ٢٩١ ومجاز القرآن ص١٦٠ وأمالي ابن الشجري ٢: ٨٣ والعيني ٤: ٥٤٨ والخصائص ٢: ٢٩٣ وشمس العلوم ١: ١٨. والقبيل: الجمع الكثير. والرهط: الجماعة. ٦ الآية ٤ من سورة يوسف. وفتح التاء قراءة ابن عامر وأبي جعفر. التبيان ٦: ٩٤ والبحر المحيط ٥: ٢٧٩. ٧ سر الصناعة ص٥٢١ و٧٢٨ والمحتسب ١: ٢٧٧ وشرح عمدة الحافظ ص٥١٢ والمقرب ١: ١٨١ و٢: ٢٠١ وأمالي ابن الشجري ٢: ٧٤ وشرح الملوكي ص٣٨٤ و٣٩٠ والخصائص ٣: ١٣٥ والإنصاف ص٣٩٠ والعيني ٤: ٣٤٨ والخزانة ١: ٦٣ واللسان والتاج "لهف" وشمس العلوم ١: ١٨. وفات مني: ذهب عني.
[ ٣٩٥ ]
أراد "بلهفا" ثمَّ حُذفت الألف.
وحذف الألف على الجملة قليل.
حذف الواو:
حُذفت الواو لامًا في أشياءَ صالحةٍ: فحُذفت في غد. والأصل "غَدْوٌ". قال الراجز، فاستعمله على الأصل١:
لا تَقلُواها، وادلُواها دَلْوا إِنَّ مَعَ اليَومِ أَخاهُ، غَدْوا
وقالوا: حَمٌ. وأصله "حَمَوٌ" بدليل قولك: حَمُوك٢. فحُذفت الواو، وحُذفت أيضًا من أب وأخ؛ لأنهما من الواو، لقولهم: أَبَوانِ وأخَوانِ. وحُذفت من هَنٍ. وهو من الواو، لقولهم: هَنَواتٌ. وحُذفت من ابن؛ لأنه من البُنُوَّة. وحذفت من اسم٣؛ لأنَّه من السموِّ عندنا.
وحُذفت في كُرة، لقولهم: كَرَوتُ بالكُرة. وحُذفت من قُلَة. وهو أيضًا من الواو، لقولهم: قَلَوتُ بالقُلَة. وحُذفت من ثُبَة اسم الجماعة من الناس٤ وغيرهم، ومن ظُبَة طرف السيف، وهما من الواو حملًا على الأكثر. بذلك وصَّى أبو الحسن الأخفش. وكذلك بُرَة٥ وكِفَة٦.
حذف الياء:
حُذفت الياء من يد. وأصله "يَدْيٌ" لقولك: يَدَيتُ إلى فُلان يدًا أي: أَهدَيتُ إِليه معروفًا. ومن ذلك مِائة، أصلها "مِئْيَةٌ" فحُذفت الياء. يدلُّ على ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم: أَخذتُ مَأيًا، يريدون مائة. وهذه دلالة قاطعة.
وحُذفت من دم. والأصل "دَمَيٌ" لقولهم: دَمَيانِ. قال الشاعر٧:
فلَو أنَّا، علَى حَجَرٍ، ذُبِحْنا جَرَى الدَّمَيَان، بالخَبَرِ اليَقِينِ
_________________
(١) ١ المقتضب ٢: ٣٢٨ و٣: ١٥٣ وأمالي ابن الشجري ٢: ٣٥ وتخليص الشواهد ص١٨٠ وشرح المفصل ١: ٢٣ و٥: ٨ وشرح الملوكي ص٣٩٢ و٣٩٤ والمنصف ١: ٦٤ و٢: ١٤٩ وشرح شواهد الشافية ص٤٤٩-٤٥١ وإنباه الرواة ١: ٢٤٩ و٢٥٢ وشمس العلوم ١: ١٩ و٢٤. يخاطب سائقي ناقته فينهاهما عن طردها، ويأمرهما بأن يسوقاها سوقًا رفيقًا. ونسب البيهقي الرجز في المحاسن والمساوئ ٢: ١٢٣ إلى رؤبة. ٢ كذا. ولعل الصواب: "حمَواك" لتظهر الفتحة والواو الأصليَّة. ٣ في حاشية ف بخط أبي حيان: "المهاباذيّ": في الاسم لغات: اسم وسِمٌ وسُمٌ وسُمًا وسِمًا. ومن قال سِمٌ فهو عنده من سمى يسمي سميًا. فكسر السين ليدل على أنَّ المحذوف ياء". ٤ سقط "من الناس" من المتن وألحق بالحاشية، وفيها: من الثابتين. ٥ البرة: حلقة تجعل في لحم أنف البعير. ٦ كذا، ومثله في المبدع. والكفة من الوكف. فالواو المحذوفة هي فاء، وليست لامًا. ولعل الصواب "عِضَة" أو "سَنة". ٧ علي بن بدال السلمي، وقيل هو غيره. وقد خرجنا البيت في شرح اختيارات المفضل ص٧٦٢.
[ ٣٩٦ ]
ومنهم من يقول: دَمَوانِ. وهو قليل، وهو على هذه اللغة من باب ما حُذف منه الواو، وقال بعضهم: دَمانِ١:
حذف الهاء:
حُذفت٢ الهاء من شَفَة. وأصلها "شَفَهةٌ". ولذلك قيل في التحقير: شُفَيهة، وفي التكسير: شِفاه، وفي الفعل: شافَهتُ فُلانًا، وفي المصدر: المُشافَهة. وحُذفت من عِضَة في إحدى اللغتين. وأصلها "عِضَهةٌ" لقولهم: جَمَلٌ عاضِهٌ٣، إذا أكل العِضَةَ. ومَن قال٤:
هذا طَرِيقٌ، يأزِمُ المَآزِما وعِضَواتٌ، تَقطَعُ اللَّهازما
فأصلها عنده "عِضَوةٌ".
وقالوا: فَمٌ. وأصله "فَوْهٌ". وقد تَقَدَّمَ ذكره٥. ومن ذلك شاةٌ. وأصلها "شَوْهَةٌ"٦ فحذفت
_________________
(١) ١ علق أبو حيان في حاشية ف: "المهاباذيّ: اثنان: من ثنيت؛ لأنَّ الثاني مَثنيّ على الواحد. فاللام ياء وهي محذوفة. وكان في الأصل ثني، فلمَّا حذفوا اللام عوضوا كابن. وقال أيضًا: ابن أصله بَنَوٌ كقَبَس. يدل عليه بنون وبنات. وزعم الزَّجَّاج أنه فِعْلٌ فأصله بِنْو كعدل وأعدال. ولا يدل جمعه على أفعال على أنه فِعل لقولهم: جَبل وأجبال، ولا بِنْتٌ لوجوب أن يقال في الأخ: إنه فُعْل لقولهم: أُخْت". ٢ علق أبو حيان في حاشية ف: "المهاباذيّ في شرح اللمع: أمَّا است فالأصل ستهة، فالمحذوف الهاء التي هي لام، لقولهم: أستاهٌ وسُتاهيّ وسُتهُم، وامرأة سَتهاء. فكأنهم استثقلوا الهاء، لدخول تاء التأنيث عليها وانقلابها في الوقف هاء، فيصير كاجتماع هاءين. فصار ستهة في الاستثقال بمثابة اجتماع المثلين، وتعذَّر الإدغام فهربوا إلى الحذف هنا كما يهربون إليه، ثمَّ حذفوا اللام؛ لأنَّ تاء التأنيث جاءت لمعنى، وتبعت [التاءُ] الأصلَ في الحذف، لئلَّا يُظنّ أنها عوض كالتاء في بُرة وسَنة. فلمَّا بقي "ست" عوَّضوا الهمزة فقالوا: است. ومن العرب من لا يعوِّض فيقول ستْ. قال أبو رُميض العنبريّ: يَسِيلُ علَى الحاذَينِ، والسَّتِ حَيضُها كما صَبَّ فَوقَ الرَّجمةِ الدَّمَ ناسِكُ وقال آخر: شأتكَ قُعَينٌ، غَثُّها، وسَمِينُها وأنتَ السَّتُ السُّفلَى، إذا دُعِيَتْ نَصْرُ وحذفوا العين فقالوا: سه والسه". قلت: البيتان في اللسان والتاج "سته". ونسب الأوَّل إلى ابن رميض، وروي الثاني: السَّهُ السفلى. ٣ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: ولقولهم جمعًا: عِضاهٌ وعِضاهيّةٌ. ٤ أبو مهدية. الكتاب ٢: ٨١ والمنصف ١: ٥٩ و٣: ٣٨ وشمس العلوم ٢: ٢٠ والكامل ص٧٨٨ وشرح الملوكي ص٤١٧ و٤٢٠ وجواهر الأدب ص٩٦ وشرح المفصل ٥: ٣٨ والخصائص ١: ١٧٢ ومجالس ثعلب ١: ٤٤ واللسان والتاج "أز م" و"عضه". ويأزم: يعض. يعني أنه طريق محفوف بالعضاه يؤذي من يمر فيه. واللهازم: جمع لهزمة. وهي عظم ناتئ في اللحي تحت الحنك. ٥ في الورقة ٣٧. ٦ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: بسكون الواو، وهو أقيس. حذفت الهاء، وتحركت الواو لتطرفها فانقلبت ألفًَا. وقيل: الواو متحركة في الأصل فانقلبت لتلك الحركة.
[ ٣٩٧ ]
الهاء، لقولهم في تحقيرها: شُوَيهة١، وفي تكسيرها: شِياهٌ، وبدليل ما حكاه أبو زيد من قولهم: شَوَّهتُ شاةً، أي: اصطَدتُها.
حذف النون:
حذفت النون من "مُذْ" بدليل قولهم في اللغة الأُخرى: مُنْذُ. وقالوا: "دَدٌ". وأصله على قولٍ دَدَنٌ. وقالوا: "فُلٌ". وأصله فُلان٢.
حذف الباء:
حذفت من "رُبَّ" فقالوا: "رُبَ"٣ في معناها. قال الشاعر٤:
أزُهيرُ، إِنْ يَشِبِ القَذالُ فإِنَّهُ رُبَ هَيضَلٍ لَجِبٍ لَفَفتُ بِهَيضَلِ
حذف الحاء:
حُذفت من حِرٍ. وأصله "حِرْحٌ" بدليل قولهم في تحقيره: حُرَيحٌ، وفي تكسيره: أَحراح. قال الراجز٥:
إِنَّي أَقُودُ جَمَلًا، مِمْراحا ذا قُبَّةٍ، مَملُوءةٍ أَحراحا
حذف الخاء:
حذفت الخاء من "بَخٍ"٦. والأصل "بَخّ". قال الشاعر٧:
بَينَ الأشَجِّ وبَينَ قَيسٍ باذِخٌ بَخْ بَخْ، لِوالِدِهِ، ولِلمَولُودِ!
ويدلُّ على أنَّ أصله التثقيلُ قولُ العجَّاج٨:
_________________
(١) ١ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: "قولهم في الجمع شاء قيل: قلبت الواو ألفًا والهاء همزة مثل ماء. وقيل: هو أصل آخر والمعنى متحد. وقالوا: أشاوى. وهو أصل ثالث لا واحد له من لفظه. وحذفت من است وحذفت من سنة سُنيّة". ٢ في حاشية ف بخط أبي حيان: وفي "أنَّ" و"إنَّ" فقالوا: "أنْ" و"إنْ"، بسكون النون. ٣ في حاشية ف بخط أبي حيان "وقُرئ: رُبَما". يشير إلى الآية٢ من سورة الحجر. ٤ أبو كبير الهذلي. ديوان الهذليين ٢: ٨٩ واللسان والتاج "هضل". والقذال: ما بين الأذنين والقفا. والهيضل: الجماعة من المتسلحين أمرهم واحد. ٥ الفرزدق. الحيوان ٢: ٢٨٠ والمخصص ٢: ٣٧ وأمالي ابن الشجري ٢: ٣٨ وشرح الملوكي ص٤٣١ والمقرب ٢: ٢٠٢ وسر الصناعة ١: ١٩٨ واللسان "حرح" وشمس العلوم ١: ١٩. والممراح: الكثير النشاط. ٦ في حاشية ف: كلمة تقال عند استعظام الشيء، بخٍ بخٍ وبَخْ بَخْ. ٧ أعشى همدان. الصبح المنير ص٣٢٣ واللسان والتاج "بخبخ" وشمس العلوم ١: ٢٠ وأمالي ابن الشجري ١: ٣٩٠ وشرح المفصل ٤: ٧٨ وشرح الملوكي ص٤٣٣ و٤٣٥. والأشج وقيس: اسما رجلين. والباذخ. العالي. ٨ ديوان العجاج ص٣٢ وشمس العلوم ١: ٢٠ والكتاب ٢: ١٢٣. والأقعس: الثابت لا يتضعضع ولا يذل.
[ ٣٩٨ ]
في حَسَبٍ بَخٍّ، وعِزٍّ أَقعَسا
حذف الفاء:
قالوا في التضجُّرِ: "أُفْ" خفيفًا. وأصله التشديد؛ لأنهم يقولون في معناها: "أُفّ"، بالتشديد. وحُذفت من "سَوف" فقالوا: سَوْ أَفعلُ. روى ذلك أحمد بن يحيى١ عن البغداذيِّينَ٢.
حذف الطاء:
حذفت الطاء في "قَطْ"٣؛ لأنه من قَططتُ أي قطعتُ؛ لأنَّ معنى قولك: ما فعلتُه قَطْ أي: فيما انقطع من عمري.
فهذه جملة كافية من المحذوف على غير قياس٤.
_________________
(١) ١ مجالس ثعلب ص٣٨٣ والإنصاف ص٦٤٦. ٢ كذا. والمشهور أن هذا المذهب هو مذهب الكوفيين وينسب إلى الكسائي. انظر حاشية الأمير ١: ١٢٢ وحاشية الدسوقي ١: ١٥٠-١٥١ وما يقابلهما في المغني. وانظر الإنصاف ص٦٤٦. ٣ قط أي: فيما مضى وانقطع من الزمان. وكذلك قطْ بمعنى: حَسْبُ واكتفِ، مخففة بحذف الطاء الثانية. انظر شرح الملوكي ص٤٤٠-٤٤٣ والهمع ١: ٢١٤. ٤ هنا ينتهي الخرم في م.
[ ٣٩٩ ]
الإدغام
مدخل
باب الإدغام:
الإدغام هو: رفعُكَ اللسانَ بالحرفين رفعةً واحدة، ووضعُكَ إِيَّاه بهما موضعًا١ واحدًا. وهو لا يكون إِلَّا في المِثلَينِ أو المُتقارِبَينِ٢.
والسبب في ذلك أنَّ النطق بالمِثلين ثقيلٌ؛ لأنك تحتاج فيهما إلى إِعمال العضو الذي يخرج منه الحرفُ المضعَّفُ مرَّتين، فيكثر العمل [٥٩أ] على العضو الواحد. وإذا كان الحرفان غَيرَينِ٣ لم يكن الأمر كذلك؛ لأنَّ الذي يعمل في أحدهما لا يعمل في الآخر. وأيضًا فإنَّ الحرفين إذا كانا مِثلين فإنَّ اللسان يرجِعُ في النطق بالحرف الثاني إلى موضعه الأوَّل، فلا يَتسرَّحُ اللسان بالنطق كما يَتسرَّحُ في الغَيرَينِ٤، بل يكون في ذلك شَبيهًا بمشي المقيَّد. فلمَّا كان فيه من الثقل ما ذكرتُ لك رُفِعَ اللسان بهما رفعةً واحدةً، ليقلَّ العمل ويخفَّ النطق بهما على اللسان.
وأمَّا المتقاربان فلتقاربهما أُجْرِيا مُجرى المِثلينِ؛ لأنَّ فيهما بعض الثقل؛ ألا ترى أنك تُعمل العضو وما يليه كما كنت في المِثلين تُعمل العضو الواحد مرَّتين. فكأنَّ العمل باقٍ في العضو لم ينتقل. وأيضًا فإنك تردُّ اللسان إلى ما يَقربُ من مَخرج الحرف الأوَّل. فيكون في ذلك عُقلة للِّسان٥، وعدم تسريح له في وقت النطق بهما. فلمَّا كان فيهما من الثقل هذا القدر فُعِلَ بهما ما فُعِل بالمِثلينِ، من رفع اللسان بالحرفين رفعةً واحدةً، ليخفَّ النطق بهما.
فهذا الباب إذًا ينقسم قسمين: إِدغام المِثلين، وإِدغام المتقاربين.
_________________
(١) ١ م: "وتضعه بهما موضعًا". وانظر شرح الشافية ٣: ٢٣٣-٢٣٨ وشرح المفصل ١٠: ١٢٠-١٢١. ٢ م: في مثلين أو متقاربين. ٣ الغيران: المتغايران. ٤ أي: المتغايرين. فأل: حرفية موصولة يجوز دخولها على غير، خلافًا لمن منع ذلك. انظر شرح قواعد الإعراب ص٩٥ و٢١١. ٥ م: فيكون ذلك عقلة اللسان.
[ ٤٠٣ ]
ذكر إدغام المثلين ١:
اعلم أنَّ كلَّ مِثلين قد يُدغمان إِلَّا الألفينِ والهمزتينِ. أمَّا الألف فلم يمكن الإدغام فيها٢؛ لأنه لا يُدغَم إِلَّا في متحرِّك، والألف لا تتحرَّك. وأمَّا الهمزة فثقيلة جدًّا، ولذلك يُخفِّفها أهل التخفيف منفردةً. فإذا انضمَّ إليها غيرها ازداد الثقل، فأُلزمت٣ إحداهما البدل، على حسب ما ذُكر في باب٤ تسهيل الهمز٥، فيزول اجتماع المِثلين.
فلا يُدغَم إِلَّا أن تكونا٦ عينَينِ نحو: سأّال ورأّاس. فإنك تُدغِم ولا تُبدِل، لما ذكرناه من أنك لو أَبدلت إحداهما لاختلفت٧ العينان. والعينان أبدًا في كلام العرب لا يكونان إِلَّا مِثلينِ. وقد يجوز الإدغام في الهمزتين [غيرَ عَينينِ] ٨، على ما حُكي عن ابن أبي إِسحاقَ٩ وناس معه، من أنهم كانوا يُحقِّقون الهمزتين، إذا كانتَا في كلمتين نحو: قَرأَ أّبوك١٠؛ لأنه يجتمع لهم مِثلان. وقد١١ تكلَّمت العرب بذلك وهو رديء.
فعلى هذا إذا اجتمع لك مِثلان، وكان المِثلان ممَّا يمكن الإدغام فيهما، فلا يخلو من أن يكون الثاني منهما متحرِّكًا أو ساكنًا. فإن كان الثاني متحرِّكًا فلا يخلو من أن يجتمعا في كلمة واحدة أو في كلمتين. فإن اجتمعا في كلمة واحدة فلا يخلو١٢ من أن يكونا حرفَي علَّة أو
_________________
(١) ١ انظر الكتاب ٢: ٤٠٨-٤١١ وشرح الشافية ٣: ٢٣٩-٢٥٠ وشرح المفصل ١٠: ١٢١-١٢٣ والهمع ٢: ٢٢٥-٢٢٨. ٢ م: فيهما. ٣ م: فالتزمت. ٤ سقط من م. ٥ كذا. ولم يتَقَدَّم لتسهيل الهمز باب. وانظر ص٢١٧ و٢٥١. ٦ م: يكونا. ٧ م: لاختلف. ٨ سقط من م حتى قوله "يحققون الهمزتين". وما بين معقوفين تتمة من المبدع. ٩ وهو عبد الله بن أبي إسحاق الزياديّ الحضرميّ الذي هجاه الفرزدق. توفي سنة ١١٧. الخزانة ١: ١١٥. ١٠ تحقق فيه الهمزتان متحركتين، أو يكون اللفظ بالإدغام بعد تسكين الأُولى. ١١ سقط من م حتى قوله "لك مثلان". ١٢ سقط من م حتى قوله "حرفين صحيحين".
[ ٤٠٤ ]
حرفين صحيحين، فإن كانا حرفَي علَّة فقد تَقَدَّمَ حكمهما في باب القلب. وإن كانا حرفين صحيحين فلا يخلو من أن يجتمعا في اسم أو في فعل.
فإن اجتمعا في فعل١ فالإدغام ليس إلَّا. فإن كان الأوَّل من المِثلين ساكنًا أَدغمتَه في الثاني من غير تغيير، نحو: ضَرَّبَ وقَطَّعَ. وإن كان الأوَّل منهما متحرِّكًا فإمَّا٢ أن يكون أوَّلًا في الكلمة أو غير أوَّل.
فإن كان غير أوَّل سكَّنته بحذف الحركة منه -إن كان ما قبله متحرِّكًا أو ساكنًا٣ هو حرف مدٍّ ولين- أو بنقلها إلى ما قبله، إن كان ساكنًا غير حرف مدٍّ ولين٤. وحينئذ تدغم، نحو: رَدَّ واحمَرَّ واستَقَرَّ واحمارَّ. الأوَّل من المثلين في الأصل متحرِّك؛ ألا ترى أنك إذا رددت الفعل إلى نفسك تقول: رَدَدْتُ وشَمِمْتُ ولَبُبْتُ٥ واستَقرَرْتُ واحمرَرْتُ واحمارَرْتُ٦، فتُحرِّك لمّا زال الإدغام؟ وإنَّما سكَّنته؛ لأنَّ النيَّة بالحركة أن تكونَ بعد الحرف، فتجيءَ فاصلة بين المِثلين، ولا يمكن الإدغام في المِثلين مع الفصل.
هذا ما لم تكن الكلمة مُلحَقة، ويكونَ الإدغام مُغيّرًا لها، ومانعًا من أن تكون على مثل ما أُلحقت به. فإنك حينئذ لا تُدغم، نحو: جَلبَبَ واسحَنكَكَ٧؛ لأنهما ملحقان بـ"قَرْطَسَ" و"احرَنْجَمَ"٨.
فلو أدغمتَ، فقلت: "جَلَبَّ" و"اسحَنَكَّ"، لكنت قد حرَّكت ما في مقابلته من بناء الملحق به ساكنٌ، وسكَّنتَ ما في مقابلته متحرِّكٌ؛ ألا ترى أنك كنت تُحرِّك العين من "جَلْبَبَ" وهي في مقابلة الراء من "قَرْطَسَ"، وتسكّن الباء٩ الأُولى وهي في مقابلة طاء "قَرْطَسَ"، وتُحرّك النون من "اسحَنْكَكَ" وهي في مقابلة نون "احرَنْجَمَ"، وتُسكّن الكاف الأُولى منها وهي في مقابلة الجيم من "احرَنْجَمَ"؟
_________________
(١) ١ سقط من م. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك شذوذ الفك في: لَحِحَ وصَكِكَ وقَطِطَ وألِلَ وضَبِبَ. وزاد في الارتشاف ١: ١٦٣: مَشِشَ. قلت: وسمع الفك في دَبَبَ وذَبِبَ وعَزُزَ ولَخِخَ وألبَبَ. وما لم يرد فيه الإدغام من هذه الأفعال وجب الفك في مصدره وسائر مشتقاته من الأسماء والأفعال؛ لأنَّ المضعَّف في حكم المعتلِّ في الشذوذ. الكتاب ١: ١٠ والخصائص ١: ٣٨٠. وقد وردت بعض مشتقات من ذلك. اللسان "لحح" ومتن اللغة "مشش" ٢ سقط من م حتى قوله "غير أول". ٣ م: متحرك أو ساكن. ٤ سقط من م. ٥ سقط "وشممت ولببت" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف، ولم يلحق ما يلزم قبل. ٦ سقط من م. ٧ اسحنكك الليل: اشتدت ظلمته. ٨ احرنجم القوم: اجتمعوا. ٩ م: الياء.
[ ٤٠٥ ]
أو يكن١ أحد المِثلين في أوَّل الكلمة٢ أو تاءَ "افتَعَلَ". فإن كان أحد المثلين في أوَّل الكلمة فإنه لا يخلو [٥٩ب] من أن يكون الثاني إذ ذاك زائدًا، أو غير زائد. فإن كان زائدًا لم تُدغِم، نحو: تَتَذكَّرُ؛ لأنك إذا استثقلت اجتماع المثلين حذفت الثاني فقلت تَذكَّرُ؛ لأنه زائد وليس في حذفه لَبس. وإن كان الثاني أصليًّا فإن شئت أدغمت -وذلك بتسكين الأوَّل، وتحتاج إذ ذاك إلى الإتيان بهمزة الوصل؛ إذ لا يُبتدأ بساكن- وإن شئت أَظهرت. وذلك نحو: تَتابَعَ واتَّابَعَ.
فإن قيل: ولأيِّ شيء لم تَحذِف إحدى التاءين٣ كما فعلت ذلك في: تَذكَّرُ؟ فالجواب أنَّ التاء٤ هنا أصلٌ، فلا يسهل حذفها. وأيضًا فإنَّ حذفها يؤدِّي إلى الالتباس٥؛ ألا ترى أنك لو قلت: "تابَعَ"٦، لم يُدْرَ: أهو "فاعَلَ" في الأصل أو "تَفاعَلَ"؟.
فإن قال قائل: فلأيِّ شيء لم يُدغَم في "تَتَذكَّرُ" وأمثاله؟ فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك شيئان:
أحدهما: أنَّ الفعل ثقيل. فإذا٧ أَمكن تخفيفه كان أَولى. وقد٨ أمكن تخفيفه بحذف أحد٩ المثلين، فكان ذلك أَولى من الإدغام الذي يؤدِّي إلى جلب زيادة.
والآخر: أنك لو أَدغمت لاحتجت إلى الإِتيان بهمزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الفعل المضارع لاسم الفاعل أصلًا، كما لا تدخل على اسم الفاعل١٠. وليس كذلك "تَتابَعَ" لأنه ماض، والماضي قد تكون في أوَّله همزة الوصل، نحو: انطلَقَ واستَخرَجَ واحمَرَّ.
فإن قال قائل: فلأيِّ شيء لم يُلزَم١١ "تَتابَعَ" الإدغامَ و"تَتَذكَّرُ" الحذفَ، ويُرفَضِ١٢ اجتماع المثلين كما رُفض ذلك في: رَدَّ؟ ١٣ فالجواب أنَّ التاء في مثل "تَفاعَلَ" و"تَفَعَّلَ" لا
_________________
(١) ١ العطف على "لم يكن". وفي النسختين والمبدع: أو يكون. ٢ كذا. وفيه اضطراب؛ لأنه فرع مما مضى في الفقرتين قبل، وهما فيما لم يقع أحد المثلين أول الكلمة كما جاء في مطلع التي قبلهما. ٣ م: الياءين. ٤ م: الياء. ٥ م: الإلباس. ٦ م: بايع. ٧ م: فمهما. ٨ م: فإن. ٩ م: إحدى. ١٠ في النسختين: "على الفعل المضارع أصلًا". وقد ضرب أبو حيان عليها في نسخة ف، وصوبها كما أثبتنا. ١١ سقط "لم يلزم" من م. ١٢ م: ورفض. ١٣ م: رُدّ.
[ ٤٠٦ ]
تَلزَم؛ لأنها دخلت على "فاعَلَ" و"فَعَّلَ"؛ ألا ترى أنَّ الأصل في "تَتابَعَ": "تابَعَ"، وفي "تَذَكَّرَ": "ذَكَّرَ"؟ ١ فلمَّا لم يلزم صار اجتماع المثلين غير لازم. وما لا يلزم، وإن كان ثقيلًا، قد يُحتمل لعدم لزومه؛ ألا ترى أنَّ جَيَلًا لم يُعلَّ؛ لأنَّ الأصل "جَيْئَلٌ"٢، والتخفيف المؤدِّي إلى النقل عارض فلذلك لم يُلحظ؟
ومن أَدغم في "اتَّابَعَ" وحذفَ في "تَذَكَّرُ" اعتدَّ باجتماع المِثلين، وإن كان ذلك غير لازم؛ لأنَّ العرب قد تَعتدُّ بغير اللَّازم؛ ألا ترى أنَّ الذي قال "لَحْمَرُ جاءني"، فحذف همزة الوصل اعتدَّ بالحركة التي في اللام، وإن كان التخفيف عارضًا والأصل "الأحمرُ"؟
وإن٣ كان أحد المِثلين تاء "افتَعَلَ"، نحو: اقتَتَلَ، فإنه يجوز٤ فيه الإظهار٥ والإدغام. أمَّا الإظهار؛ فلأنه يُشبه اجتماع المِثلين من كلمتين، في أنه لا يلزم تاءَ "افتَعَلَ" أن يكون ما بعدها مثلها كما لا يلزم ذلك في الكلمتين؛ لأنك تقول: اكتَسَبَ، فلا يجتمع لك مِثلان. وإنَّما يجتمع المِثلان في "افتَعَلَ" إذا بُنيت من كلمة عينها تاء، نحو: اقتَتَلَ وافتَتَحَ. فكما لا تُدغِم إذا كان ما قبل الأوَّل من المِثلين المنفصلين ساكنًا صحيحًا، فكذلك لا تُدغِم في "افتَعَلَ". وأمَّا الإدغام فلأنَّ المِثلين، على كلِّ حال، في كلمة واحدة. فتُدغِم كما تُدغِم في الكلمة الواحدة.
فإن أظهرتَ جاز لك في الأوَّل من المِثلين البيانُ، والإخفاءُ؛ لأنه وسيطة بين الإظهار والإدغام. وإذا أدغمتَ جاز لك ثلاثة أوجه:
أحدها أن تنقل الفتحة إلى فاء "افتَعَلَ"، فتُحرّك الفاء وتُسقط ألف الوصل ثمَّ تُدغِم، فتقول "قَتَّلَ" بفتح القاف.
والثاني أن تحذف الفتحة من تاء "افتَعَلَ" فتلتقي ساكنة مع فاء الكلمة، فتُحرّك الفاء بالكسر على أصل التقاء الساكنين، فتَذهب همزة الوصل لتحرّك الساكن، ثمَّ تُدغِم فتقول: "قِتَّلُوا". بكسر القاف وفتح التاء.
والثالث -وهو أقلُّها- أن تكسر التاء في هذه اللغة الثانية إتباعًا للكسرة التي قبلها، فتقول: "قِتِّلُوا" بكسر القاف والتاء، وقد حُكي عنهم: فِتِّحُوا، في "افتَتَحُوا".
_________________
(١) ١ ف: وفي تتبّع تَبَّع. ٢ الجيئل: الضخم من كل شيءٌ. ٣ في م خرم يبدأ هنا وينتهي بقوله "على ثلاثة أحرف أو على أزيد" في ص٤٠٩. ٤ الكتاب ٢: ٤١٠ وشرح الشافية ٣: ٢٨٣-٢٨٥ والمنصف ٢: ٢٢٢-٢٢٦ وشرح المفصل ١٠: ١٢٢. ٥ كذا. وينقضه نحو: اتَّخَذَ واتَّعَدَ واتَّبَعَ، إذ لا يجوز فيه إِلَّا الإدغام. وكان عليه أن يجعل أوَّل الفقرة كما يلي: وإن كان أوَّل المِثلين تاء افتعل
[ ٤٠٧ ]
فإن قال قائل: فلأيِّ شيء لمَّا تحرَّكت فاء الكلمة ذهبت همزة الوصل؟ وهلَّا جاز فيها الأمران من: الحذف لأجل تحريك الساكن، والإثبات رعيًا للأصل؛ لأنَّ الحركة عارضة كما قالوا "الَحْمَرُ" تارة، و"لَحْمَرُ" بإذهاب الهمزة أُخرى. فالجواب أنَّ الذي سهَّل إثبات الهمزة في مثل "الَحمر" أنها مفتوحة فأشبهت همزة القطع؛ لأنَّ همزة الوصل بابها أن تكون مكسورة أو مضمومة إن تَعذَّر كسرها.
فمن فتح التاء والقاف قال في المضارع: يَقَتِّلُ، بفتح القاف وكسر التاء؛ لأنَّ الأصل "يَقْتَتِلُ" فنقل الفتحة في المضارع كما نقلها في الماضي. ويقول في اسم الفاعل: مُقَتِّل؛ بفتح القاف وكسر التاء، [٦٠أ] وفي اسم المفعول: مُقَتَّل، بفتحهما؛ لأنَّ الأصل مُقْتَتِل ومُقْتَتَل، فنُقلت الفتحة إلى الساكن قبلها كما نُقلت في الفعل.
ومن قال "قِتَّلَ" بكسر القاف وفتح التاء قال في المضارع: يَقِتِّلُ، بكسر القاف والتاء؛ لأنَّ الأصل "يَقْتَتِلُ" فسكَّن التاء الأُولى وكسر القاف لالتقاء الساكنين، كما فعل ذلك في الماضي، ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعًا للقاف، أو على لغة من يقول في مضارع "افتعَلَ": "يِفْتَعِلُ" فيكسر حرف المضارعة. ومنه قول أبي النجم١:
تَدافُعَ الشِّيبِ، ولم تِقِتِّلِ
ويقول في اسم الفاعل: مُقِتِّل، بكسر القاف والتاء. والأصل مُقْتَتِل فكسر القاف، بعد تسكين التاء الأُولى، لالتقاء الساكنين. ومنهم من يستثقل الخروج من ضمٍّ إلى كسر، فيضمُّ القاف إتباعًا للميم فيقول: مُقُتِّل ولا يستثقل الخروج من ضمَّة القاف إلى كسرة التاء؛ لأنَّ بينهما حاجزًا. وهو التاء الساكنة.
و[يقول] في اسم المفعول: مُقِتَّلٌ، بكسر القاف وفتح التاء؛ لأنَّ الأصل مُقْتَتَلٌ، فسكَّن التاء الأُولى، وحرَّك القاف بالكسر على أصل التقاء الساكنين. ومنهم أيضًا من يستثقل الخروج من ضمٍّ إلى كسر فيضمُّ القاف إتباعًا للميم، فيقول:٢ مُقُتَّلٌ، بضمِّ القاف وفتح التاء.
ومن قال: "قِتِّلَ" بكسر القاف والتاء فإنَّ قياس المضارع منه واسم الفاعل واحد، وإنَّما يخالفه في اسم المفعول. فتقول في المضارع: يَقِتِّلُ، بكسر القاف والتاء؛ لأنَّ الأصل: يَقْتَتِلُ، فتُسكَّن التاء الأُولى، وتُحرَّك القاف بالكسر على أصل التقاء الساكنين. ولا تحتاج إلى إتباع حركة ما بعد٣ القافِ؛ لأنها مكسورة مثلها. وإن شئتَ أيضًا كسرتَ حرف المضارعة إِتباعًا، أو على لغة
_________________
(١) ١ المنصف ١: ٢٢٥ والطرائف الأدبية ص٦٦ والمحتسب ١: ٤٩ والخزانة ١: ٤٩. ٢ ف: فتقول. ٣ ف: "قبل". وقد صوب في الحاشية كما أثبتنا.
[ ٤٠٨ ]
من يكسر حرف المضارعة من "افتَعَلَ"، فتقول١: يِقِتِّلُ، بكسر القافِ والتاءِ التي بعدها٢ وحرفِ المضارعة.
وتقول في اسم الفاعل: مُقِتِّلٌ، بكسر القافِ والتاءِ. والأصل مُقْتَتِلٌ، فسكَّنت التاء الأُولى وكسرت القاف لالتقاء الساكنين ثمَّ أدغمت. ولم تحتج إلى إتباع التاء؛ لأنَّ حركتها من جنس حركة القاف. وإن شئتَ ضممت القاف إتباعًا لحركة الميم، كراهية الخروج من ضمٍّ إلى كسرة، فتقول: مُقُتِّلٌ.
و[تقول] في اسم المفعول: مُقِتِّلٌ، كما تقول في اسم الفاعل؛ لأنَّ الأصل مُقْتَتَلٌ، فسكَّنتَ التاء الأُولى وكسرتَ القاف لالتقاء الساكنين وأدغمت، ثمَّ كسرت التاء الثانية إتباعًا لحركة القاف. فلا يقع فرق بين اسم الفاعل على هذه اللغة واسم المفعول إِلَّا بالقرائن. فيكون نظير "مُختار"، في أنه يحتمل أن يكون اسم فاعل واسم مفعول، حتَّى يتبيَّن بقرينة تقترن به. ومن استثقل الخروج من ضمٍّ إلى كسر، من غير حاجز، ضمَّ القاف فقال: مُقُتِّلٌ.
وقياس٣ المصدر في اللغات الثلاث "قِتَّالًا" بفتح التاء وكسر القاف، والأصل اقْتِتال. فمن فتح القاف٤ نقل كسرة التاء إليها. ومن كسرها سكَّن التاء الأُولى وكسر القاف لالتقاء الساكنين. ومن كسر التاء إتباعًا للقاف فقال: قِتِّلَ، ينبغي له أن يقول في المصدر: قِتِّيلًا، فيكسر التاء٥ إتباعًا للقاف، فتنقلب الألف لانكسار ما قبلها.
وإن اجتمعا في اسم فلا يخلو من أن يكون على ثلاثة أحرف أو على أزيدَ٦. فإن كان على ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون الأوَّل ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا فالإدغام ليس إلَّا، نحو٧: رَدٍّ
_________________
(١) ١ ف: فيقول. ٢ كذا. والصواب: التاء الثانية؛ لأنَّ التاء بعد القاف ساكنة. ٣ في حاشية ف طرَّة بخط أبي حيان: "وقياس المصدر أن يقال فيه قَتَّالًا بفتح التاء والقاف في لغة من قال قَتَّلَ بفتحهما، وقِتَّالًا بفتح التاء وكسر القاف في لغة من [قال قِتَّلَ بكسر] القاف وفتح التاء، [وقِتِّيلًا] بكسر القاف والتاء فتنقلب الألف ياء [لإظهار] الكسرة التي قبلها، في لغة من قال قِتِّلَ بكسر القاف والتاء. فأمَّا قولهم تقَى يَتقي.. في اتَّقى يتَّقي بحذف الفاء وإبقاء تاء افتعل ويفتعل [فشاذٌّ] لا يقاس عليه. وإن اجتمعا في اسم. ثبت هذا في نسخة الخفَّاف، ﵀". وفوف هذه الطرّة ما يلي: "ثبت المكتوب طرّة عوض ما عُلّم عليه في المتن في نسخة، وثبت في نسخة الكرمانيّ مثل ما في الأصل". يريد أو حيان أن هذا النص الذي في الطرّة ثبت في نسخة بدل ما أثبتناه نحن عن نسخة ف، وقد اختلفت النسخ في ذلك. وقوله "قَتَّالًا" فيه نظر. ٤ يريد: القاف من قتّل. ٥ علق عليه في حاشية ف بما يلي: "لا ينبغي أن يكسر التاء في المصدر فيقول قِتِّيلًا؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى قلب الألف ياء فيكثر التغيير. وإن اجتمعا". ٦ ينتهي ههنا الخرم في م. انظر ص٤٠٧. ٧ في حاشية ف بخط أبي حيان: "فأمَّا قَصُّ الشاة وقَصَصُها فليس من فكِّ الإدغام، بل هما لغتان بسكون العين وفتحها". قلت: وقصص الشاة هو ما قُصّ من صوفها، وهو مصدر أيضًا.
[ ٤٠٩ ]
ووُدٍّ وأمثالهما. إِلَّا أن يُضطرَّ شاعر فيفكّ ويحرِّك الأوَّل، نحو قوله١:
[ثمَّ استَمَرُّوا، وقالُوا إِنَّ مَوعِدَكُم ماءٌ بِشَرقِيِّ سَلمَى]، فَيدُ أو رَكَكُ
يريد: ركًّا.
وإن كان متحرِّكًا فلا يخلو من أن يكون على وزن من أوزان الفعل، أو لا يكون. فإن لم يكن على وزن من أوزانها فلا يُدغَم نحو: سُرُرٍ٢ ودُرَرٍ٣؛ لأنَّ الأسماء بابها ألَّا تعتلَّ، لخفَّتها بكثرة دورها في الكلام، وأخفُّها ما كان على ثلاثة أحرف لأنَّه أقلُّ أصول الكلمة عددًا. ولهذه٤ [الخفّة لم يُعَلَّ مِثل]: ثِوَرة وبِيَع وصِيَر، وأشباهُ ذلك. فلو بنيتَ من "ردّ" مثلَ "إِبِل" صحَّحته؛ تقول فيه: رِدِدٌ.
فإن كان على وزن من أوزان الأفعال٥ فلا يخلو من أن يكون على "فَعَلٍ" أو "فَعُلٍ" أو "فَعِلٍ". فإن كان على وزن "فَعَلٍ" لم تُدغِم لخفّة٦ البناءِ [٦٠ب] نحو: طَلَلٍ وشَرَرٍ. فإن كان على وزن "فَعِلٍ" أو "فَعُلٍ"أدغمتَ لشَبَه الفعل في البناء مع ثقل البناء. فتقول في "فَعُلٍ" و"فَعِلٍ" من "رَدَدْت": رَدٌّ.
والدليل، على أنَّ "فَعِلًا" يُدغَم، قولُهم: طَبٌّ٧ وصَبٌّ. والأصل "طَبِبٌ"٨ و"صَبِبٌ"٩،
_________________
(١) ١ زهير بن أبي سلمى. ديوانه ص١٦٧ ومعجم البلدان ٤: ٢٧٩ ومعجم ما استعجم ص١٥ والمنصف ٢: ٣٠٩-٣١٠ واللسان والتاج "ركك". وفيد وركّ: موضعان. وسلمى: اسم جبل في بلاد طيئ. وعُلِّق عليه في حاشية ف بما يلي: "قال أبو عثمان عن الأصمعيِّ: سألت أعرابيًّا ونحن بالموضع الذي ذكره زُهير في قوله: ثُمَّ استَمَرُّوا، وقالُوا: إنَّ مَوعِدَكُم ماءٌ بِشَرقيِّ سَلمَى، فَيدُ أو رَكَكُ أتعرف رككًا هذا؟ فقال: قد كان ههنا ماء يسمى ركًّا. فعلمتُ أنَّ زهيرًا احتاج إليه فحركه. وقد يجوز أن يكونا لغتين: ركّ وركك، كالقصِّ والقصص. وقد كان يجب على الأصمعيِّ ألَّا يسرع إلى أنه ضرورة". انظر المنصف ٢: ٣٠٩-٣١٠ ومعجم البلدان ومعجم ما استعجم واللسان والتاج "ركك". ٢ السرر: جمع سرير. ٣ الدرر: جمع درة. ٤ سقط من النسختين حتى قوله "ردد"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف، نقلًا عن خط المصنف. ٥ م: من أوزانها. ٦ ألحق بعده بحاشية ف ما يلي: "البناءِ وخفّةِ الاسم نحو: طلل وشرر. وأمَّا قولهم في المصدر: قَصّ وقَصَص، فليس قصّ مدغمًا من قصص، ولكنهما لغتان كشَعْر وشَعَر. وإنَّما لم يدغموا في الاسم وأدغموا في الفعل لخفَّة الاسم؛ ألا ترى أنَّ الاسم الذي [يُبنى] على هذا البناء قد [يصحّ] فيما لا يصح فعله نحو القَوَد والخونة والحوكة؟ فإن كان على وزن فَعِل أو فَعُل". وكأن هذه الطرّة ثبتت في بعض النسخ بدل "البناءِ نحو: طلل وشرر، فإن كان على وزن فعِل أو فعُل" ممّا أثبتناه نحن من النسختين. ٧ في حاشية ف: "الطبّ: العالم. وقال كراع: الحاذق الرفيق". ٨ م: "طببَ". وفي حاشية ف بخط أبي حيان: "جاء شاذًّا: رجلٌ ضَفِفُ الحال. والقياس إدغامه. وسُمع مدغمًا". قلت: والرجل الضفف الحال هو الرقيق الحال. وانظر المنصف ٢: ٣٠١-٣٠٢ وشرح الشافية ٣: ٢٤١. ٩ م: صببَ.
[ ٤١٠ ]
لأنَّ الفعل منهما على وزن "فَعِلَ". تقول: صَبِبتُ وطَبِبتُ، واسم الفاعل من "فَعِلَ"، إذا كان على ثلاثة أحرف، إنَّما يكون على وزن "فَعِلٍ" نحو: حَذِرٍ١ وأَشِرٍ٢.
والدليل، على أنَّ "فَعُلًا" [أيضًا] ٣ يُدغَم، أنه لم يجئ مُظهَرًا في موضع من كلامهم؛ لا يُحفظ من٤ كلامهم مثل: رَدُدٍ. فإمَّا أن تقول: إنَّ "فَعُلًا" لم يأت في المضعَّف، وإمَّا أن تقول: إنه موجود في المضعَّف، إِلَّا أنه لزمه الإدغام. فالأَولى أن يُدَّعى أنه يلزمه الإدغام؛ لأنَّ المعتلَّ والمضعَّف الغالبُ فيهما أن يجيء فيهما من الأوزان ما يجيء في الصحيح. وأيضًا فإنَّ "فَعُلًا" مثلُ "فَعِلٍ"، في أنه٥ على بناء الفعل الثقيل، وقد قام الدليل على أنهم يُدغمون "فَعِلًا" لقولهم: صَبٌّ وطَبٌّ، فكذلك "فَعُلٌ".
وزعم٦ أبو الحسن بن كَيسانَ أنَّ ما كان على وزن "فَعِلٍ" أو "فَعُلٍ" لا يُدغَم. واستدلَّ على ذلك بأنك لو أدغمت لأدَّى ذلك إلى الإلباس؛ لأنه لا يُعلم هل هو في الأصل متحرِّك العين أو ساكنه. وهذا الذي ذهب إليه فاسد؛ لأنه إذا أدَّى القياس إلى ضرب ما من الإعلال استُعمل، ولم يُلتفت إلى التباس إحدى البِنيتين بالأُخرى؛ ألا ترى أنَّ العرب قد قالت: مُختار، في اسم الفاعل واسم المفعول، ولم يُلتفت إلى اللَّبس. وأيضًا فإنه قد قام الدليل على أنَّ صَبًّا وطَبًّا: "فَعِلٌ" في الأصل، وقد أُدغم. فدلَّ ذلك على فساد مذهبه.
فإن٧ كان الاسم على أزيدَ من ثلاثة أحرف فلا يخلو من أن يكون الذي زاد به على ثلاثة أحرف: تاءَ التأنيث، أو علامتي التثنية أو جمع السلامة، أو ياءيِ النسب، أو الألفَ والنون الزائدتين، أو ألفيِ التأنيث، أو غيرَ ذلك. فإن كان شيئًا ممّا ذُكر أُجري مُجراه قبل لحاقه إِيَّاه. فتقول: شَرَرةٌ وشَرَرانِ وطَلَلانِ ومَلَليّ، فلا تدغم كما لا تدغم في شَرَر وطَلَل ومَلَل.
وقالوا: الدَّجَجانُ، من الدَّجيج فلم يدغموا. أنشد القاليُّ٨:
تَدعُو بذاكَ الدَّجَجانَ الدَّارِجا
_________________
(١) ١ م: حذرَ. ٢ م: أشرَ. ٣ من م. ٤ ف: في. ٥ م: فإنه. ٦ سقط من م حتى قوله "على فساد مذهبه". ٧ سقط من النسختين حتى قوله "زاد به على ثلاثة غير ذلك" وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٨ لهميان بن قحافة. الأمالي ٣: ٣١٣ والسمط ص٩٦٠ واللسان والتاج "دجج" و"رجج" و"سمهج". والدججان: الدبيب في السير. والقالي هو أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي، أعلم الناس، بنحو البصريين، وأحفظ أهل زمانه للغة والشعر، توفي سنة ٣٥٦. بغية الوعاة ١: ٤٥٣.
[ ٤١١ ]
ولو بنيتَ "فَعُلان" من "رَدَدت" لقلت: رَدَّانٌ، فأدغمتَ ولو بنيتَ "فَعَلًا" من "ردَّ" لقلت "رَدَدًا"، فلم تدغم كما تُدغِم في "فَعِل". وقالوا: خُشَشاءُ١، فلم يُدغموا؛ لأنه لا يدغم "فُعَلٌ" نحو: غُرَر.
فإن كان الذي زاد به على ثلاثة غيرَ ذلك أدغمت، كان الاسم على وزن من أوزان الفعل أو لم يكن، وسواء كان الأوَّل ساكنًا أو متحرِّكًا. إِلَّا أنك تسكِّن المتحرِّك، لما ذكرنا في الفعل، بنقل حركته لما٢ قبله إن كان ساكنًا غيرَ حرف مدٍّ ولين، أو بحذفها إن كان ما قبله متحرِّكًا أو حرفَ مدٍّ ولين. نحو: خِدَبَّ ومَكَرّ ومُستقَرّ وفارّ وضارّ٣.
فأمَّا خِدَبٌّ فالأوَّل من المثلين ساكن في الأصل. والأصل في مَكَرّ ومُستَقَرّ: "مَكْرَرٌ" و"مُستَقْرَرٌ"، فنقلتَ الحركة إلى ما قبله؛ لأنه ساكن غيرُ حرف مدٍّ ولين. والأصل في فارّ وضارّ: "فارِرٌ" و"ضارِرٌ"، فسَكَّنتَ ولم تَنقل الحركة؛ لأنَّ الساكنَ حرف مدٍّ ولين. ولو٤ بنيتَ مثل "فَعِلانٍ"٥ من "رَدَدتُ" لقلتَ "رَدَّانٌ" فأدغمت، ولم تنقل الحركة إلى ما قبلها؛ لأنه متحرِّك.
هذا ما لم يمنع من الإدغام أن يكون الأوَّل٦ مدغمًا فيه [ما قبله نحو مُرَدِّد]؛ لأنهم لو أدغموا وجعلوا الحركة على الساكن الذي هو العين لم يخرجه ذلك في إدغامه وتضعيف آخره. فلمَّا كان الأمر [كذلك] امتنعوا من تحريك العين التي لم تكن في الكلام قطّ إِلَّا ساكنة، أو يمنع منه أن يكونَ الإدغام٧ مؤدِّيًا إلى تغيير بناء٨ الملحَق عمَّا أُلحِقَ به، نحو: قَرْدَدٍ٩. فإنه ملحق بجَعْفَر، ولو أدغمت فقلت "قَرَدٌّ" لحرَّكت الراء وهي في مقابلة العين من جَعْفَر، وسَكَّنتَ
_________________
(١) ١ الخششاء: عظم دقيق ناتئ خلق الأذن. ٢ كذا. ٣ ف: ومارّ. ٤ سقطت بقية الفقرة من إحدى النسخ كما جاء في ف. ووضعها ههنا من وهم المؤلف، وإسقاطها أَوْلى. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أنَّ بناء مثل: ظَرِبان وضَبُعان يجوز فيه الفك والإدغام. فالفك لمخالفة وزن الفعل كما صح نحو: فوران وصورى، والإدغام؛ لأنَّ العناية به أشد من العناية بالقلب. ولذا أدغموا نحو: أشَدُّ وما أشَدَّه! وأعدَّ واستعدَّ، وصححوا نحو: أطْوَلُ وما أطوله! وأغيلتْ واستحوذَ. حتى رأى ذلك بعض النحاة مقيسًا في مزيد الأفعال على: أفعل واستفعل. ٥ وبضمِّ العين أيضًا. انظر المنصف ٢: ٣٠-٣١٣ وشرح الشافية ٣: ٢٤٣. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن اللباب أنَّ المصدر على "فَعَلان": ردَدان، والمكسور العين والمضمومها يدغمان، وأنَّ الأخفش يوجب الفك في الجميع. وانظر الارتشاف١: ١٦٤. ٦ سقط حتى "أو يكون" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف، فانخرمت بعض كلماته. وانظر الارتشاف ١: ١٦٤. ٧ سقط من النسختين، وألحق بنسخة ف بين السطرين. ٨ م: تغير بنا. ٩ القردد: ما ارتفع وغلظ من الأرض.
[ ٤١٢ ]
الدال الأُولى وهي في مقابلة الفاء من جَعْفَر. فكنتَ تضع متحرِّكًا في مقابلة ساكن، وساكنًا في مقابلة متحرِّك.
أو يكونَ أحد١ المثلين التاء من اسم جار على "افتَعَلَ" فإنه لا يلزم [فيه] الإدغام، بل يجوز في الاسم من الأوجه ما تقدَّمَ ذكره.
أو يكونَ أيضًا أحد المثلين من اسم جار على "تفاعَلَ" نحو: "تَتَابَعَ"، فإنه لا يلزم أيضًا فيه الإدغام، بل يجوز فيه الفكُّ والإدغام كما جاز في فعله. فتقول. مُتَتابِعٌ ومُتَّابِعٌ، وتَتابُعًا واتَّابُعًا، كما يجوز: تَتابَعَ واتّابَعَ.
أو يَشِذَّ شيء، فيُحفظَ ولا يقاسَ عليه، نحو: مَحْبَبٍ وتَهْلَلٍ٢، أو تدعوَ إلى ذلك ضرورةٌ، نحو قوله٣:
الحَمدُ للهِ، العَلِيِّ، الأجلَلِ
وقوله٤:
تَشكُو الوَجَى، مِن أَظلَلٍ، وأَظلَلِ
فإن التقيا في كلمتين فلا يخلو من أن يكونا مُعتلَّين أو صحيحين. فإن كانا صحيحين فلا يخلو من أن يكون الأوَّل منهما ساكنًا أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا فالإدغام ليس إلَّا نحو: اضرِب بَّكرًا؛ لأنَّه لا فاصل بين المثلين، فهو٥ أثقل من أن لو فَصَلتْ بينهما حركة. وأيضًا فإنَّ الإدغام لايؤدِّي إلى تغيير شيء.
وإن كان الأوَّل متحرِّكًا فإنه لا يخلو من أن يكون ما قبله ساكنًا أو متحرِّكًا٦ فإن كان ما قبله متحرِّكًا جاز الإدغام والإظهار. وإذا أدغمتَ فلا بدَّ من حذف الحركة، لِما ذكرناه قبل.
_________________
(١) ١ كذا. والصواب "أول". انظر ص٤٠٧. وسقط من م حتى قوله "كما يجوز تتابع واتّابع". ٢ سقط من م. ف: شملل. ٣ مطلع أرجوزة لأبي النجم. الطرائف الأدبية ص٦٧ والخزانة ١: ٤٠١ والمنصف ١: ٣٣٩ و٢: ٣٠٢ واللسان والتاج "جلل" وشرح شواهد الشافية ص٤٩١. والأجلل: الأجَلّ. ٤ من أرجوزة للعجاج، ونسبه البغدادي خطأ إلى أبي النجم. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن بري أنَّ البيت للعجاج، مع إيراد البيت الذي بعده. انظر شرح شواهد الشافية ص٤٩٠-٤٩١ وديوان العجاج ص٤٧ والمنصف ١: ٣٩٩ وشرح الشافية ٣: ٢٤٤ والكتاب ٣: ١٦١. والوجى: الحفى. والأظلل: الأظلّ. وهو باطن خف البعير. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن المحكم لابن سيده: "الأظل من الإنسان جمعه ظُلّ"، وعن خط الرضي أنَّ هذا الجمع شاذٌّ؛ لأنَّ "فُعْل" هو جمع "أفعل" مما مؤنثه فعلاء. فقياسه: أظالُّ، مثل: أراقم وأجادل، وأنَّ التبريزي قال: الأظل: باطن الخف. وإنَّما سمي بذلك لأنه في ظل دائم. قلت: فهو منقول من الصفة المشبهة إلى اسم الذات، فجمعه على "فُعْل" قياسي، وإن لم يسمع له مؤنث. ٥ أي: الإظهار. ٦ م: أن يكون قبله ساكن أو متحرك.
[ ٤١٣ ]
وكلاهما حسن، والبيان لغة أهل الحجاز.
وإنَّما لم يُلتزم الإدغام [٦١أ] هنا؛ لأنَّ الأوَّل من المِثلين لا يلزم أن يكون ما بعده من جنسه، ويلزم ذلك في الكلمة الواحدة. فكأنَّ١ اجتماع المِثلين [فيهما] ٢ عارض، فلذلك اعتُدَّ به مرَّة٣، ولم يُعتدَّ به أُخرى. وذلك نحو: "يُكَذِّب بّالدِّينِ"٤ و"جَعَل لَّكَ"٥ ويَد دَّاودَ، وخاتَم مُّوسَى. وأقوى ما يكون الإدغام وأحسنه إذا أدَّى الإظهار إلى اجتماع خمسة أحرف بالتحريك فأكثرَ، نحو: جَعَل لَّكَ، وفَعَل لَّبيدٌ، لثقل٦ توالي الحركات. وكلَّما كان توالي الحركات أكثر كان الإدغام أحسن.
وإن كان ما قبله ساكنًا -أعني ما قبل الأوَّل من المِثلين- فلا يخلو من أن يكون الساكن حرف علَّة، أو لا يكون. فإن كان الساكن حرف عِلَّة حذفتَ الحركة من المِثلين وأدغمته في الثاني، وإن شئتَ أظهرت. وذلك نحو: دار رَّاشدٍ، وثَوب بَّكرٍ، وجَيب بَّشيرٍ، ويَظلِمونِّي٧.
وإنَّما جاز الجمع بين ساكنين٨ لِما في الساكن الأوَّل من اللِّين٩ ولِما في الحرف المشدَّد من التشبُّث بالحركة؛ ولأنَّ التقاء الساكنين فيها غير لازم إذ قد يزول بالإظهار. والبيان هنا أحسن من البيان في مثل "جَعَل لَّك"، لسكون ما قبله، فلم يتوالَ١٠ فيه من الحركات ما توالى في "جَعَل لَّك". وأيضًا فإنَّ الإدغام يؤدِّي إلى اجتماع ساكنين.
فإن كان الساكن حرفًَا صحيحًا لم يجز الإدغام، نحو: اسمُ مُوسَى، وابنُ نُوح. وإنَّما لم يجز الإدغام فيه؛ لأنَّ الإدغام في الكلمتين أضعف منه في الكلمة الواحدة؛ ألا ترى أنه يلزم في الكلمة الواحدة ولا يلزم في الكلمتين. فلمَّا كان أضعفَ لم يقوَ لعى أن يُغيَّر له الحرف الساكن بالتحريك. إذ لو أَدغمتَ لم يكن بدٌّ من تحريك سين١١ "اسم" وباء "ابن"١٢. ولكنَّك تُخفي إن شئت، وتُحقِّق إن شئت. والمُخفَى بزِنة المحقَّق، إِلَّا أنك تختلس الحركة اختلاسًا.
_________________
(١) ١ م: فكان. ٢ من م. ٣ م: تارة. ٤ الآية ١ من سورة الماعون. ٥ الآية ١٠ من سورة الفرقان. ٦ في حاشية ف: "ليقلَّ". وفوقها: كذا. ٧ ف: ويظلمونني. ٨ م: الساكنين. ٩ م: اللبس. ١٠ م: فلم يتوالى. ١١ م: بين. ١٢ سقطت بقية الفقرة من النسختين، وألحقها أبو حيان بحاشية ف.
[ ٤١٤ ]
فأمَّا قول بعضهم [في القراءة] ﴿نِعِمَّا﴾ ١: [فحَرَّكَ]، فلم يُحرِّكِ٢ العينَ للإدغام. بل جاء على لغة من يقول "نِعِمَ"، فيُحرِّك العين، وهي لغة هذيل.
فإن كانا معتلَّين فإنه لا يخلو من أن يكون الأوَّل منهما ساكنًا، أو متحرِّكًا. فإن كان ساكنًا فلا يخلو من أن يكون حرف لين، أو حرف مدٍّ ولين: فإن كان حرف لين أَدغمتَ، إذ لا مانع من الإدغام، نحو: اخشَي يَّاسرًا، واخشَوا وَّاقدًا.
وإن كان حرف مدٍّ ولين لم تدغِم، نحو: يَغزو واقدٌ٣، واضرِبِي ياسِرًا، لئلَّا يذهب المدّ بالإدغام، مع ضعف الإدغام في الكلمتين -فأمَّا مثل "مَغْزُوّ" فاحتملوا فيه ذهاب المدِّ لقوَّة الإدغام- وأيضًا فإنه يُشبه "قُوْوِلَ"٤، في أنَّ الأوَّل حرف مدٍّ ولين، ولا يلزم المِثلانَ [فيهما] كما لا يلزمان في "قُوْوِلَ"، إذ قد يزول المِثلان في "قُوْوِلَ" إذا أسندتَه٥ إلى الفاعل٦، كما يزول المِثلان في "يغزو واقدٌ" إذا لم تأت بعد "يغزو" بكلمة أوَّلها واو، نحو: يغزو راشدٌ.
وإن ٧ كان الأوَّل متحرِّكًا فلا يخلو من أن يكون ما قبله ساكنًا أو متحرِّكًا: فإن كان ما قبله متحرِّكًا جاز الإدغام والإظهار، على حسب ما ذُكر في مثله من الصحيح، نحو: وَلِي يَّزيدُ، ولَقَضُو وَّاقدٌ!
وإن كان ما قبله ساكنًا فلا يخلو من أن يكون حرف عِلَّة، أو حرفًا صحيحًا: فإن كان حرفًا صحيحًا٨ لم تُدغِم، كما فعلتَ في مثله من الصحيح، نحو: ظَبْيُ ياسرٍ، وغَزْوُ واقدٍ.
وإن كان حرفَ عِلَّة فلا يخلو [من] ٩ أن يكون مدغمًا، أو غير مدغم: فإن كان غير مدغم جاز الإظهار والإدغام، كما جاز في نظيره من الصحيح، نحو: واوُ وَّاقدٍ، وآيُ يّاسِين١٠.
وإن كان مدغمًا لم يجز الإدغام،؛ لأنَّ المدَّ الذي كان فيه قد زال بالإدغام، فصار بمنزلة
_________________
(١) ١ الآية ٥٨ من سورة النساء. ٢ انظر الكتاب ٢: ٤٠٨. والزيادتان منه. ٣ م: واحد. ٤ م: "قؤول".وانظر الكتاب ٢: ٢٠٩ وشرح الشافية ٣: ٢٣٧ -٢٣٨. ٥ م: أسند. ٦ أي إذا بني على الفاعل: قاول. ٧ م: أو إن. ٨ سقط "فإن كان حرفًا صحيحًا" من م. ٩ من م. ١٠ ف: "ياياسين" م: "أي ياسر". والمراد بياسين: سورة يس. والآي: الآيات.
[ ٤١٥ ]
الساكن الصحيح. فكما لا تُدغِم١ إذا كان الساكن صحيحًا فكذلك لا تدغم٢ إذا كان معتلًّا. وذلك نحو: وَلِيُّ يَزيدَ، وعدُوُّ واقدٍ.
والدليل على أنَّ المدَّ قد زال بالإدغام وقوعُ "لَيّ" و"قَوّ" في القوافي مع ظَبْي وغَزْو. ولو كانت غير مدغمة٣ لم يجز ذلك، كما لا يجوز٤ وقوع "عَيْن" في قافية مع "جَوْن"٥. فدلَّ ذلك على أنَّ الإدغام يُصيِّرها بمنزلة الحرف الصحيح.
فإن٦ كان الثاني ساكنًا فلا يخلو من أن يجتمعا في كلمتين، أو في كلمة واحدة. فإن اجتمعا في كلمتين لم يجز الإدغام أصلًا، نحو: اضربِ ابْنَ زيدٍ؛ لأنَّ سكون الحرف الثاني من المِثلين إذ ذاك لا تصل إليه الحركة، فلا يُتصوَّر فيه الإدغام، بل٧ يكونان مفكوكين.
وقد شذَّ العرب في "عَلْماءِ بَنُو فُلانٍ"٨، فحُذفت الألف لالتقاء الساكنين٩، فاجتمعت اللَّامان: لام "على" مع لام التعريف. واستثقل ذلك، مع أنه قد كثر استعمالهم [٦١ب] له في الكلام -وما كثر استعماله فهو أدعى للتخفيف ممّا ليس كذلك- فحُذفت لام "على" تخفيفًا، لمَّا تعذَّر التخفيف بالإدغام.
وإن اجتمعا في كلمة واحدة فلا يخلو الثاني من أن يكون حرف عِلَّة، أو حرفًا صحيحًا. فإن كان حرف عِلَّة فقد تَقدَّمَ حكمه في باب القلب، فأغنى ذلك عن إعادته. وإن كان حرفًا صحيحًا فلا يخلو من أن يكون تصل إليه الحركة في حال، أو لا تصل:
فإن وصلت إليه الحركة فإنَّ أهل الحجاز لا يُدغمون؛ لأنَّ الإدغام يؤدِّي إلى التقاء الساكنين؛ لأنك لا تدغم الأوَّل في الثاني حتَّى تسكِّنه، لئلَّا تكون الحركة فاصلةً بين المِثلين كما تَقَدَّمَ، والثاني ساكن فيجتمع ساكنان. فلمَّا كان الإدغام يؤدِّي إلى ذلك رفضوه. وذلك نحو: إن تَردُدْ أَردُدْ. ولا تُضارَرْ، واشدُدْ.
_________________
(١) ١ ف: لا يدغم. ٢ ف: لا يدغم. ٣ م: غير مدغم. ٤ م: ذلك فلا يجوز. ٥ م: حزن. ٦ سقط من م حتى قوله "عن إعادته". ٧ سقط من نسخة الكرمانيّ حتى قوله "التخفيف بالإدغام". ٨ سيورده ابن عصفور بعد في خاتمة هذا الباب ص٤٢٠. وموضعه هنا هو الصواب؛ لأنه هنا في تخفيف المِثلين في كلمتين، وليس كذلك هناك. ٩ أغفل سقوط همزة الوصل في اللفظ أيضًا.
[ ٤١٦ ]
فإن قلت: فهلَّا حرَّكوا الثاني من الساكنين إذا التقيا، ثمَّ أدغموا الأوَّل فيه. فالجواب أنَّ حركة التقاء الساكنين عارضة فلم يُعتدَّ بها، كما لم يُعتدَّ بها في نحو١: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾؛ ألا ترى أنهم لا يردُّون الواو المحذوفة من "قُم"٢ لالتقاء الساكنين، وإن كانت الميم قد تحرَّكت؛ لأنَّ الحركة عارضة؟
وأمَّا غيرهم من العرب فيُدغم ويَعتدُّ بالعارض؛ لأنَّ العرب قد تعتدّ بالعارض في بعض الأماكن. وأيضًا فإنَّ٣ الثاني أصله الحركة وليس السكون، [ويحرك إذا اتصل بالضمائر نحو: رُدّا وردُّوا] وردِّي. ولذلك لم يدغموا في: أشدِدْ بحمرة ثوبه! لأنَّ تلك الضمائر لا تلحقه أصلًا. [وأيضًا] فإنه حَملَ ما سكونُه جزمٌ على المُعرَب بالحركة؛ لأنه مُعرَب مثله. فكما أنَّ المُعرَب بالحركة تدغمه نحو: يَفِرُّ٤، فكذلك المُعرَب بالسكون. وحَملَ ما سكونُه بناء على ما سكونُه جزم؛ لأنه يُشبهه؛ ألا ترى أنَّ العرب قد تحذف له٥ آخر الفعل في المعتلِّ كما تحذفه للجزم، فتقول: "اغزُ" كما تقول: لم يَغزُ؟
وأيضًا فإنك٦ قد تُحرِّك لالتقاء الساكنين فتقول: اردُدِ القومَ. فصار بذلك يُشبه المُعرَبَ بتعاقب الحركة والسكون على آخره، كما أنّ المُعرَب كذلك في نحو: يَضرِبُ ولم يَضرِبْ. فلمَّا أشبه المُعرَبَ في ذلك حُمِل في الإدغام عليه.
والذين من لغتهم الإدغام٧ يختلفون في تحريك الثاني:
فمنهم من يُحرِّكه أبدًا بحركة ما قبله إِتباعًا، فيقول: رُدُّ وفِرِّ وعَضَّ، ما لم تتَّصل به الهاءُ والألف التي للمؤنث فإنه يَفتح على كلِّ حالٍ نحو: رُدَّها وعَضَّها وفِرَّها٨، أو الهاءُ التي هي للمذكَّر فإنه يَضمُّه نحو٩: رُدُّهُ وفِرُّهُ وعَضُّهُ -وذلك؛ لأنَّ١٠ الهاء خفيَّة فكأنك قلت: رُدَّا أو رُدُّوا. فكما أنك تفتح مع الألف وتضمُّ مع الواو فكذلك تفعل هنا؛ لأنَّ الهاء خفيَّة- أو لم
_________________
(١) ١ الآية ٢ من سورة المزمل. ٢ م: من فيه. ٣ سقط حتى "أصلًا" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف، وانخرم بعض كلماته. ٤ م: نفر. ٥ أي: للبناء. ٦ ف: فإنه. ٧ في حاشية ف بخط أبي حيان: سمع الكسائيُّ من عبد القيس: ارُدَّ وافِرَّ واعَضَّ. بهمزة الوصل وبالإدغام. ٨ فَرَّ الدابةَ يفِرُّها: إذا كشف عن أسنانها ليعرف عمرها. فالفاء مكسورة في المضارع والأمر. وقيل إنها مضمومة. القاموس واللسان والتاج "فرر". ٩ سقط من م. ١٠ ف: أنّ.
[ ٤١٧ ]
تجئ١ بعد الفعل بكلمة أوَّلها ساكن٢ فإنه يَكسر أبدًا نحو: رُدِّ ابنَكَ، ورُدِّ القَومَ.
وذلك؛ لأنك قد كنت تُحرِّك الآخِر قبل الإدغام بالكسر على أصل التقاء الساكنين نحو: "اردُدِ القومَ". فلمَّا أَدغمتَ في هذا الموضع حرَّكت بالحركة التي كانت له قبل الإدغام، كما أنهم لمَّا حرَّكوا "مُذ" لالتقاء الساكنين فقالوا: مُذُ اليوم، ضمُّوا؛ لأنَّ الأصل فيه "مُنْذُ". فلمَّا حرَّكوا أتَوا بالحركة التي [كانت] ٣ له في الأصل.
ومنهم من يفتح على كلِّ حال، إِلَّا إذا كان بعده ساكن -وذلك لأنه آثر التخفيفَ- واعتدَّ بالهاء في مثل: رُدَّهُ، ولم يلتفت إلى خفائها، إِلَّا إذا كان بعده٤ ساكن؛ لأنه آثر حركة الأصل على التخفيف. ومنهم من يفتح على كلِّ حال، كان بعده٥ ساكن أو لم يكن. وذلك لأنه آثر التخفيف في جميع الأحوال. ومنهم من يكسر ذلك أجمعَ على كلِّ حال. وهؤلاء حرَّكوا بالحركة التي هي لالتقاء الساكنين في الأصل.
هذا ما لم يتَّصل بشيء من ذلك ألفٌ أو واو أو ياء٦. فإنَّ الحركة إذ ذاك تكون من جنس الحرف المتَّصل به، لا خلافَ بينهم في شيء من ذلك، نحو: رُدَّا٧ ورُدِّي ورُدُّوا.
فأمَّا "هَلُمَّ" فللتركيب٨ الذي دخلها التزمت العرب فيها التخفيفَ لذلك، فحرَّكوها بالفتح على كلِّ حال، إِلَّا مع الألف٩ والواو والياء، نحو: هلُمَّا وهلُمُّوا وهلُمِّي.
وإن لم تصل الحركة إلى الساكن الثاني فإنَّ العرب الحجازيين وغيرهم لا يدغمون ذلك١٠، نحو: رَدَدْتُ، وكذلك: اردُدْنَ؛ لأنَّ سكون الدال هنا لا يُشبه سكون الجزم، ولا١١ سكون الأمر والنهي، وإن كان "اردُدْنَ" أمرًا؛ لأنها إنَّما سُكِّنت من أجل النون كما سُكِّنت من أجل التاء في "رَدَدْتُ.
والسبب في أنْ لم يُدغَم مثل هذا كما أُدغم "رُدَّ" أنَّ السكون في "اردُدْ"، وإن كان بناءً،
_________________
(١) ١ معطوف على قوله "لم تتصل به الهاء". ٢ في حاشية ف بخط أبي حيان: "همزة وصل". وفوقها: صح. ٣ من م. ٤ م: بعد. ٥ ف: "بعد". م: بعدها. ٦ م: أو لام. ٧ م: رَدًّا. ٨ م: فللترتيب. ٩ كذا. والحركة مع الألف هي الفتح أيضًا. ١٠ م: وذلك. ١١ م: وكذلك.
[ ٤١٨ ]
أَشبهَ المُعرَبَ من الوجهين المتقدِّمَين، فحُمل عليه في الإدغام. وليس بين سكون الدال في "رَدَدْتُ" وأمثاله وبين [٦٢أ] المُعرَب شَبَه، فلم يكن له ما يُحمل عليه.
إِلَّا ناسًا من بكر بن وائل فإنهم يُدغمون في مثل هذا، فيقولون: رَدَّتُ ورُدَّنَ. كأنهم قدَّروا الإدغام قبل دخول النون والتاء. فلمَّا دخلتا أبقوا اللفظ على ما كان عليه قبل دخولهما١.
فإن٢ كان الثاني من المِثلين ساكنًا فالإظهار. ولا يجوز الإدغام؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى اجتماع الساكنين. وقد شذَّ العرب في شيء من ذلك، فحذفوا أحد المِثلين تخفيفًا، لمَّا تعذَّرَ التخفيف بالإدغام. والذي يُحفظ من ذلك: أَحَسْتُ وظَلْتُ٣ ومَسْتُ٤. وسبب ذلك أنه لمَّا كُره اجتماع المِثلين فيها حُذف الأوَّل منها تشبيهًا بالمعتلِّ العين.
وذلك أنك قد كنت تُدغم قبل الإسناد للضمير، فتقول: أَحَسَّ٥ ومَسَّ وظَلَّ. والإدغام ضرب من الاعتلال؛ ألا ترى أنك تُغيِّر العين من أجل الإدغام بالإسكان، كما تغيِّرها إذا كانت حرف عِلَّة. فكما تُحذف العين إذا كانت حرف عِلَّة، في نحو: قُمتُ وخِفتُ وبِعتُ، كذلك حُذفت في هذه الألفاظ تشبيهًا بذلك.
وممَّا يُبيِّن ذلك أنَّ العرب قد راعت هذا القَدْر من الشَّبه؛ لأنهم يقولون: مِسْتُ، بكسر الميم، فينقلون حركة السين المحذوفة إلى ما قبلها كما يفعلون ذلك في: خِفتُ؛ ألا ترى أنَّ الأصل "خَوِفْتُ"، فنقلوا حركة الواو إلى الخاء، وحذفوها لالتقاء الساكنين، على حسب ما أُحكم في بابه؟
وأمَّا "ظَلْت٦، و"مَسْتُ" في لغة من فتح الميم فحذفوا، ولم ينقلوا فيهما٧ الحركة، تشبيهًا لهما بـ"لَسْتُ"، لمَّا كان لا يُستعمل لهما مضارع إذا حُذفا كما لا يستعمل لـ"لَيسَ"
_________________
(١) ١ م: دخولها. ٢ سقط من م حتى قوله "هذه الأسماء التي شذت". وهو ثابت في نسخة ف، وعلى حاشيته: "عُلّم على هذا المكتوب طرَّة في كتاب الكرمانيّ " فهو ثابت أيضًا في نسخة الكرمانيّ. ولو كان ساقطًا في غيرها لنص عليه في الحاشية كما نص على سقوط غيره. وقول المؤلف: "فإن كان الثاني من المِثلين يؤدِّي إلى اجتماع الساكنين" هو تكرار لما جاء في ص٤١٦. وهو أيضًا منقوض بنحو: شُذَّ وفِرَّ وعَضَّ ورَدَّتُ ويَرُدَّنَ ورُدَّنَ. وإسقاطه خير من إثباته، إِلَّا إذا أراد بالساكن ما لا يحرك أبدًا. ٣ زاد أبو حيان بحاشية ف: وهَمْتُ في هَمَمْتُ. قاله ابن الأنباري. ٤ علق عليه أبو حيان بحاشية ف بما يلي: "وعلماءِ بنو فلان. أما أحست وظلت ومست فلمَّا كُره". قلت: وكأن هذه العبارة ثابتة في بعض النسخ موضع "وسبب ذلك أنه لما كره". أمَّا قوله "علماء بنو فلان" فهو من باب التخفيف في المِثلين المجتمعين في كلمتين، لا في كلمة واحدة، وقد تَقَدَّمَ قبل. انظر ص٤١٦ و٤٢٠. ٥ ف: حسّ. ٦ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بقوله: "ظلت: كسر الظاء لغة الحجاز، وفتحها لغة تميم. قاله أبو الفتح". ٧ ف: فيه.
[ ٤١٩ ]
مضارع؛ ولأنَّ المشبَّهَ بالشيء لا يقوى قوَّة ما يُشبَّه به.
وأمَّا١ "عَلماءِ بَنُو فُلانٍ" فأصله "على الماء" فحُذفت الألف لالتقاء الساكنين٢، فاجتمع اللَّامان: لام "على" مع لام التعريف، فاستُثقل ذلك، مع أنَّ ذلك قد كَثُرَ استعمالهم له في الكلام -وما يكثر استعماله فهو أدعى للتخفيف ممّا ليس كذلك- فحُذفت لام "على" تخفيفًا لمَّا تعذَّر التخفيف بالإدغام.
فهذا وجه هذه الأسماء ٣ التي شذَّت.
_________________
(١) ١ ورد هذا من قبل في ص٤١٦ في تخفيف المِثلين في كلمتين، وذكره هنا سهو من المصنف وتكرار لِما مضى. ٢ وسقطت همزة الوصل لفظًا. ٣ كذا. والشواذ المذكورة قبل ليست من الأسماء.
[ ٤٢٠ ]
ذكر إدغام المتقاربين:
اعلم أنَّ التقارب الذي يقع الإدغام بسببه قد يكون في المخرج خاصَّةً، أو في الصِّفة خاصَّةً، أو في مجموعهما١. فلا بُدَّ إذًا، قبل الخوض في هذا الفصل، من ذكر مقدِّمة في مخارج الحروف وصفاتها.
فحروف٢ المعجم الأصول تسعةٌ وعشرون٣، أوَّلها الألف٤ وآخرها الياء، على المشهور من ترتيب حروف المعجم. لا خلاف في ذلك بين أحد من العلماء، إِلَّا أبا العباس المبرّد فإنها عنده ثمانية وعشرون، أوَّلها الباء وآخرها الياء، ويُخرِجُ الهمزة من حروف المعجم، ويستدلُّ على ذلك بأنها لا تثبت على صورة واحدة. فكأنَّها عنده من قبيل الضبط، إذ لو كانت حرفًا من حروف المعجم لكان لها شكل واحد، لا تنتقل عنه كسائر حروف المعجم.
وهذا الذي ذهب إليه أبو العباس فاسد؛ لأنَّ الهمزة لو لم تكن حرفًا لكان "أَخَذَ" و"أَكَلَ" وأمثالهما٥ على حرفين خاصَّةً؛ لأنَّ الهمزة ليست عنده حرفًا٦. وذلك باطل؛ لأنه أقلُّ أصول الكلمة ثلاثة أحرف: فاء وعين ولام.
فأمَّا عدم استقرار صورتها على حال واحدة فسبب ذلك أنها كُتبت على حسب تسهيلها. ولولا ذلك لكانت على صورة واحدة وهي الألف. وممّا يدلُّ على ذلك أنَّ الموضع الذي لا تُسهَّل فيه تُكتب فيه ألفًا، بأيِّ حركة تحرَّكت؟ وذلك إذا كانت أوَّلًا، نحو: أَحمد وأُبلُم وإِثمد.
وممّا يُبيِّن أيضًا أنَّها حرف أنَّ واضع أسماء حروف المعجم وضعها على أن يكون في أوَّل
_________________
(١) ١ م: مجموعها. ٢ الكتاب ٢: ٤٠٤ وسر الصناعة ١: ٤٦-٥١ وشرح الشافية ٣: ٢٥٠-٢٥٧ وشرح المفصل ١٠: ١٢٥-١٢٨ والمقتضب ١: ١٩٢-١٩٤. ٣ زاد في م: حرفًا. ٤ أي: الهمزة. ٥ م: وأمثالها. ٦ م: حرف.
[ ٤٢١ ]
الاسم١ لفظ الحرف المُسمَّى بذلك الاسم، نحو: جيم ودال وياء وأمثال ذلك. فـ"الألف" اسم للهمزة، لوجود الهمزة في أوَّله. فأمَّا الألف التي هي مدَّة فلم يتمكَّن ذلك في اسمها؛ لأنها ساكنة ولا يُبتدأ بساكن، فسُمِّيت ألفًا باسم أقرب الحروف إليها في المخرج، وهو الهمزة.
وممّا يُبيِّن أيضًا أنَّها حرف، وليست من قبيل الضبط، أنَّ الضبط لا يُتصوَّر النطقُ به إِلَّا في حرف، والهمزة يُتصوَّر النطق بها وحدها كسائر الحروف. فدلَّ ذلك على أنها حرف.
وقد تبلغ الحروف خمسةً وثلاثين حرفًا بفروع حسنة تلحقها، يؤخذ بها في القرآن وفصيح الكلام. وهي: النون الخفيفة٢ -وهي النون [٦٢ب] الساكنة إذا كان بعدها حرف من الحروف التي تخفى معه- والهمزة المخفَّفة، وألف التفخيم، وألف الإمالة، والشين التي كالجيم نحو: أَجْدَق في أشْدَق، والصاد التي كالزاي في نحو مَصْدر. وسيُبيَّن بعدُ، إن شاء الله [تعالى] ٣.
وقد تبلغ ثلاثة وأربعين حرفًا بفروع غيرِ مُستحسنة، ولا مأخوذٍ بها في القرآن ولا في الشعر، ولا تكاد٤ توجد إِلَّا في لغة ضعيفة مرذولة. وهي:
الكاف التي كالجيم: وقد أخبر أبو بكر بن دريد٥ أنها لغة في اليمن، يقولون في كَمَل: جَمَل٦. وهي كثيرة في عوامِّ أهل بغداد.
والجيم التي كالكاف: وهي بمنزلة ذلك، فيقولون في "رَجُل": رَكُل، فيُقرِّبونها من الكاف.
والجيم [التي] ٧ كالشين: نحو: اشتَمَعوا وأَشدَر، يريدون٨: اجتَمَعُوا وأَجدَرُ.
والطاء التي كالتاء: نحو: "تالَ" تريد٩: طالَ. وهي تسمع من عجم أهل المشرق كثيرًا؛ لأن١٠ الطاء في أصل لغتهم معدومة. فإذا احتاجوا إلى النطق بها ضعف نطقهم بها.
_________________
(١) ١ أي: اسم الحرف. ٢ وهي الخفيَّة أيضًا. انظر شرح الشافية ٢: ٢٥٤-٢٥٥ وشرح المفصل ١٠: ١٢٦. وقد صحح على كل من: الخفيفة وهي والنون والساكنة وكان ومعه، في ف، ووضع فيها الحر ف "خ" على كل من: هي والنون وكان وحرف والحروف ومعه: إشارة إلى أن ذلك في نسخة أيضًا. وفي حاشية ف تفسير لذلك. ٣ من م. وقد ذكر ابن عصفور إبدال الزاي من الصاد في ص٢٧٢. ولن يذكر الصاد التي كالزاي. ٤ م: ولا يكاد. ٥ الجمهرة ١: ٥ وشرح المفصل ١٠: ١٢٧. ٦ في مطبوعة الجمهرة: مثل جَمَل إذا اضطروا إليه قالوا: كَمَل، بين الجيم والكاف. ٧ زيادة من الكتاب ٢: ٤٠٤ وسر الصناعة ١: ٥١ وشرح المفصل ١٠: ١٢٧. ٨ م: يريد. ٩ ف: في. ١٠ م: إِلَّا أن.
[ ٤٢٢ ]
والضاد الضعيفة: يقولون في "اثْرُدْ لَهُ": اضْرُدْ لَهُ١. يُقرِّبون الثاء من الضاد. وكأنَّ ذلك في لغة قوم ليس في أصل حروفهم الضاد. فإذا تكلَّفوها ضعف نطقهم بها لذلك.
والصاد التي كالسين: نحو: "سائر" في صائر. قُرِّبت منها؛ لأنَّ الصاد والسين من مخرج واحد.
والباء التي كالفاء: وهي كثيرة في لغة الفُرس٢ وغيرهم من العجم. وهي على لفظين: أحدهما لفظ الباء أغلب عليه من لفظ الفاء، والآخر بالعكس نحو: بَلَح وبِرطِيل.
والظاء التي كالثاء: يقولون في "ظالم": ثالم.
وكأنَّ الذين تكلَّموا بهذه الحروف المسترذلة خالطوا العجمَ، فأخذوا من لغتهم٣.
_________________
(١) ١ م: "اضر دلة". ف: "يقولون في أثر ذلك: أضر ذلك". والتصويب من شرح الشافية ٣: ٢٥٦. واثرد: من الثريد. وما ذكره ابن عصفور لا يلائم قوله بعد: "ليس في أصل حروفهم الضاد ". ٢ م: في لغة أهل الفرس. ٣ م: من لغاتهم.
[ ٤٢٣ ]
تبيين مخارج حروف العربية الأصول
مدخل
تبيين مخارج حروف العربيَّة الأُصول:
وهي ستَّةَ عَشَرَ مخرجًا١:
فللحلق منها ثلاثة:
فأقصاها مخرجًا: الهمزة والألف والهاء. هكذا٢ هي هذه الثلاثة عند سيبويه. وزعم أبو الحسن٣ أنَّ الهمزة أوَّلًا، وأنَّ الهاء والألف بعدها، وليست واحدة عنده أسبقَ من الأخرى. ويدلُّ على فساد مذهبه، وصِحَّة ما ذهب إليه سيبويه، أنه متى احتيج إلى تحريك الألف اعتُمِد بها على أقرب الحروف إليها٤ إلى أسفل الفم، فقُلبت همزةً نحو: رِسالة ورَسائل. فلو كانت الهاء معها من مخرج واحد لقلبت هاء؛ لأنها إذ ذاك أقرب إليها من الهمزة.
ومن وسط الحلق مخرج: العين والحاء.
وأدنى مخارج الحلق إلى اللسان مخرج: الغين والخاء.
ومن أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى مخرج: القاف.
ومن أسفلَ من موضع القاف [من اللسان] ٥ قليلًا، وممّا يليه من الحنك الأعلى، مخرج: الكاف.
ومن وسط اللسان، بينه وبين وسط الحنك الأعلى، مخرج: الجيم والشين والياء٦.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢: ٤٠٥ وسر الصناعة ١: ٥٢-٥٣ وشرح الشافية ٣: ٢٥٠-٢٥٤ والنشر ١: ١٩٨-٢٠٢ والمقتضب ١: ١٩٢ وشمس العلوم ١: ٢٠-٢١ وشرح المفصل ١٠: ١٢٣-١٢٥ والارتشاف ١: ٤-١٠. ٢ هذا ما ذكره ابن جني. وفي مطبوعة الكتاب: "الهمزة والهاء والألف".وكذلك في شرح الشافية وشرح المفصل. وقد جاءت في الكتاب ٢: ٤٠٤ كما ذكر ابن عصفور، ولكنها في غير موضع مخارج الحروف. ٣ سقط "أبو الحسن" من م. ٤ كذا. والمراد: منها. انظر سر الصناعة. وسقط "إلى أسفل الفم" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. فكان هذا القلق في العبارة. ٥ من الكتاب. ٦ في حاشية ف بخط أبي حيان: جعل المبرد الشين تلي الكاف، والجيم والياء يليانها.
[ ٤٢٤ ]
ومن بين أوَّل حافَّة اللسان وما يليها١ من الأضراس مخرج: الضاد، إِلَّا أنك إن شئتَ تكلَّفتها من الجانب الأيمن، وإن شئتَ من الأيسر.
ومن أوَّل حافَّة اللسان٢، من أدناها إلى منتهى طرف اللسان، [ما] ٣ بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى، ممّا فُويق٤ الضاحك والناب والرَّباعِيَة والثنيَّة، مخرج: اللام.
ومن طرف اللسان، بينه وبين ما فُويق الثنايا، مخرج: النون.
ومن مخرج النون؛ غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلًا، لانحرافه إلى اللام، مخرج: الراء.
ومن٥ بين طرف اللسان وأُصول الثنايا مخرج: الطاء والدال والتاء.
ومن٦ بين طرف اللسان وفُويق الثنايا مخرج: الصاد والزاي والسين٧.
ومن ٨ بين طرف اللسان وأطراف الثنايا مخرج: الظاء والثاء والذال٩.
ومن باطن الشفة وأطراف الثنايا العُلى١٠ مخرج: الفاء.
ومن١١ بين الشفتين مخرج: الباء والميم والواو.
ومن الخياشيم مخرج: النون الخفيفة١٢.
_________________
(١) ١ الكتاب: وما يليه. ٢ في حاشية ف: "ومن حافة اللسان. في كتاب سيبويه". قلت: وكذلك في سر الصناعة. ٣ من الكتاب. وفي سر الصناعة: من. ٤ م: "مما فوق". وفي مطبوعة الكتاب: "وما فويق". ولكن ما نقله عنه شارح الشافية هو مثل ما أثبتنا. ٥ في الكتاب وسر الصناعة: ومما. ٦ في الكتاب وسر الصناعة: ومما. ٧ في مطبوعة الكتاب: "الزاي والسين والصاد". وكذلك فيما نقله عنه شارح الشافية. وما أثبته ابن عصفور هو في الشافية وسر الصناعة. ٨ في الكتاب وسر الصناعة: ومما. ٩ في الكتاب وسر الصناعة وشرح الشافية: الظاء والذال والثاء. ١٠ م: والثنايا العليا. ١١ في الكتاب وسر الصناعة: ومما. ١٢ ويقال لها الخفيَّة أيضًا. انظر ص٤١٧.
[ ٤٢٥ ]
ذكر تقسيمها بالنظر إلى صفاتها ١:
فمن ذلك انقسامها إلى مجهور ومهموس: فالمهموسة عشرة أحرف يجمعها "ستَشحَثُكَ
_________________
(١) ١ الكتاب ٢: ٤٠٥-٤٠٦ وسر الصناعة ١: ٦٨-٧٥ وشرح الشافية ٣: ٢٥٧-٢٦٤ والنشر ١: ٢٠٢-٢٠٥ والمقتضب ١: ١٩٤-١٩٦ وشمس العلوم ١: ٢٢ وشرح المفصل ١٠: ١٢٨-١٣١.
[ ٤٢٥ ]
خَصَفَهْ"١ وباقي الحروف مجهورة.
والمجهور: حرف أُشبع الاعتماد٢ عليه في موضعه، فمنَع النَّفَس أن يجري معه حتَّى ينقضي الاعتماد٣. غير أنَّ الميم [٦٣أ] والنون، من جملة المجهورة، قد يُعتمد لهما في الفم والخياشيم، فتصير فيهما غُنَّةٌ.
والمهموس٤: حرف أُضعف الاعتماد عليه في موضعه، حتَّى جرى معه النَّفَسُ. واعتبار ذلك بأن تكرَّر الحرف وحده، أو بحرف اللِّين معه، نحو: سَسَس كَكَكَكَ سِيسِيسِي كِيكِيكِيكِي٥، فتجد النَّفَس يجري مع الحرف. ولو رُمتَ في المجهور لَما أمكنك.
وتنقسم أيضًا إلى شديد، ورِخْو، وبين الشِّدَّة والرَّخاوة. فالشديد ثمانية أحرف يجمعها "أَجِدُك قَطَبْتَ". والتي بين الشديدة والرِّخوة أيضًا ثمانية أحرف يجمعها "لم يَروِعَنَّا"٦. وباقي الحروف رِخو.
والشديد: حرف يمتنع٧ الصوت أن يجري فيه لانحصار الصوت؛ ألا ترى أنك لو قلت: الحقّْ والشطّ ْ٨، ثمَّ رُمت مدّ الصوت في القاف والطاء، لكان ممتنعًا؟
والرِّخو٩: هو الذي يجري فيه الصوت من غير ترديد١٠، لتجافي اللسان عن موضع الحرف؛ ألا ترى أنك تقول: المَسّْ والرَّشّْ والشُّحّْ ونحوَ ذلك، فتجد الصوت جاريًا مع السين والشين والحاء؟
والذي بين الشديدة والرِّخوة١١. هو الذي لا يجري الصوت في موضعه عند الوقف،
_________________
(١) ١ أي: ستتكدّى عليك خصفة. وهي امرأة. وفي حاشية ف: ويجمعها أيضًا: سكت فحثه شخص. ويجمع المجهور: ظلّ قند يضغم دزطًا وإذا بعج. انظر الارتشاف١: ١٠. ٢ م: للاعتماد. ٣ زاد في سر الصناعة: "ويجري الصوت". وزاد في الكتاب: "عليه، ويجري الصوت". ٤ علق أبو حيان بحاشية ف ما يلي: ابن الأنباري: سميت الحروف المهموسة مهموسة؛ لأنَّ الاعتماد يضعف في موضعها، فيجري النَّفَس قبل انقضاء الاعتماد، ويخرج صوت الصدر مهموسًا، أي خفيًّا. ٥ م: بأن تكرر نحو سسس كككك. ٦ م: لم يروَّعنا. ٧ م: "ممتنع". وفي الكتاب: يمنع. ٨ ف: البسط. ٩ علق أبو حيان بحاشية في ما يلي: ابن الأنباري: إنَّما سميت رخوة؛ لأنَّ الاعتماد يضعف في موضع الحرف، ولا يضغط ضغطًا يمنع الصوت من أن يخرج، فيخرج الحرف رِخوًا لذلك. ١٠ سقط "من غير ترديد" من م. ١١ م: الشديد والرخو.
[ ٤٢٦ ]
ولكن يعرض له أعراض توجب خروج الصوت، باتِّصاله بغير مواضعها١:
فأمَّا العين فإنك قد تصل إلى الترديد فيها كما٢ تصل إلى ذلك في الرِّخوة، لشبهها بالحاء كأنَّ صوتَها يَنسلُّ عند الوقف إلى الحاء، فليس لصوتها الانحصار التامُّ، ولا جريُ الرِّخو.
وأمَّا اللام فإنَّ الصوت قد يَمتدُّ فيها؛ لأنَّ ناحيتي مُستدَقِّ اللسان تتجافيان٣، فيخرج الصوت منهما، وليس [يخرج] ٤ الصوت من موضع اللام؛ لأنَّ طرف اللسان لا يتجافى فليس للصوت جري تامٌّ٥. وبيان ذلك أنك لو شَددْتَ جانبي موضع اللَّام لانحصر الصوت، ولم يجر البتَّة.
وأمَّا النون والميم فيجري معهما الصوت في الأنف٦؛ لأنَّ الغُنَّة صوت، ولا يجري في الفم؛ لأنَّ اللسان لازم لموضع الحرف من الفم.
وأمَّا الراء فللتكرار الذي فيها قد يتجافى اللسان بعض تجافٍ، فيجري معه الصوت إذ ذاك.
وأمَّا الياء والواو فلأنَّ مخرجهما اتَّسع لهواء الصوت، فجرى لذلك الصوتُ بعضَ جري، وأمَّا الألف فلأنَّ مخرجها اتَّسع لهواء الصوت أشدَّ من اتِّساع مخرج الياء والواو؛ لأنك تضمُّ شفتيك في الواو وترفع في الياء لسانك قِبَلَ الحنك، وليس في الألف شيء من ذلك. فهذه الأحرف الثلاثة لها أصوات في غير موضعها من الفم. فصارت بذلك مُشبِهة للرِّخوة، وهي تشبه الشديدة للزومها مواضعها، وليس للصوت جري في مواضعها كالرِّخوة.
وتنقسم أيضًا إلى مُطْبَق ومُنفتِح. فالمطبَقة أربعة أحرف: الطاء والظاء والصاد والضاد. وباقي الحروف منفتح. والإطباق: أن تَرفعَ ظهر لسانك إلى الحنك الأعلى مُطْبِقًا له. ولولا الإطباق لصارت الطاء دالًا والصاد سينًا والظاء ذالًا؛ لأنَّ الفارق بينها إنَّما هو الإطباق، ولخرجت الضاد من الكلام؛ لأنه ليس من موضعها حرف غيرُها، فترجعَ الضاد إليه إذا زال الإطباق. والانفتاح ضدُّ ذلك.
وتنقسم الحروف أيضًا إلى مُستَعْل ومُنخفِضٍ. فالمستعلية سبعة: الأربعة المطبقة، وثلاثة
_________________
(١) ١ كذا بالجمع وتأنيث الضمير. فالمواضع ههنا مضافة إلى ضمير الحروف التي بين الشديدة والرِّخوة، لا إلى ضمير حرف واحد. انظر شرح الشافية ٣: ٢٦. ٢ م: فما. ٣ ف: "يتجافيان". م: يتجافى. ٤ من م. ٥ م: تمام. ٦ ف: الألف.
[ ٤٢٧ ]
من غيرها وهي الخاء والغين١ والقاف. والمنخفض ما عدا ذلك. والاستعلاء: أن يَتصعَّد اللسان٢ إلى الحنك الأعلى، انطبق اللسان أو لم ينطبق، والانخفاض ضدُّ ذلك.
وتنقسم إلى مكرَّر وغير مكرَّر. فالمكرَّر: الراء. وما عداها غير مكرَّر. وأعني بالتكرار: أنك إذا وقفت عليها رأيتَ طرف اللسان يَتعثَّرُ فيها. ولذلك احتُسبت في الإمالة بحرفين على ما ذُكر٣ في باب الإمالة٤،
وتنقسم أيضًا إلى مُتقَلقِل، ومُشْرَب، وما ليس فيه قلقلة ولا إشراب.
فالمتقلقلة: القاف والجيم والطاء والدال والباء. وذلك أنها تُضغَط عن مواضعها، وتُحفَز٥ في الوقف، فلا تستطيع٦ الوقف عليها إِلَّا بصوت. نحو: الحقْ واخرجْ واهبطْ واذهبْ وامدُدْ٧.
والمُشْرَبة: الزاي والظاء والذال والضاد٨ والراء. والمُشْرَب: حرف يخرج معه عند الوقف عليه نحو النفخ. إِلَّا أنه لم يُضغط ضغط المقلقل.
ومن المُشْرَب٩ ما لا يخرج بعده شيء من ذلك [٦٣ب] نحو الهمزة، والعين، والغين، واللام، والنون، والميم.
وجميع الحروف التي تَسمع معها في الوقف صوتًا متى أدرجتها ووصلتها زال ذلك الصوت؛ لأنَّ أخذك في صوت آخر وحرف سوى الأوَّل يشغلك عن إتباع الحرف الأوَّل صوتًا، نحو١٠: خُذْهُ واخفِضْهُ واحفظْهُ.
وتنقسم١١ إلى مهتوت وغير مهتوت. فالمهتوت الهاء١٢، وذلك لما فيها من الضعف
_________________
(١) ١ م: والعين. ٢ سقط من م. ٣ م: على ما ذكرت. ٤ كذا. ولم يتقدم للإمالة باب. وانظر ص٢٧٠-٢٧١ و٤٢١. ٥ م: "تخفى". ف: "تحقق". والتصويب من حاشية ف ومن سر الصناعة ١: ٧٣. ٦ م: فلا يستطيع. ٧ ألحق به في حاشية ف نص اخترم أكثره. وفيه أن الوقف على هذه الأحرف يصحبه نبرة لضغط اللسان في مخرجها، وأن بعضها أشد قلقلة من بعض. ٨ م: والضاد والذال. ٩ كذا في ف. م: "والمشرب". وفي سرِّ الصناعة: "ومن الحروف". وهو الصواب؛ لأنَّه يذكر الحروف التي ليس فيها قلقلة ولا إشراب. ١٠ سقط من م. ١١ في النسختين: وينقسم. ١٢ م: التاء.
[ ٤٢٨ ]
والخفاء. وما عداها فليس بمهتوت.
وتنقسم١ أيضًا على ذَلْقِيَّة٢ وغير ذَلْقِيَّة. فالذَّلْقِيَّة ستَّة، وهي اللام والراء والنون والفاء والباء٣ والميم. وما عداها فهو المُصْمَت. وسُمِّيت ذَلْقِيَّةً؛ لأنها يُعتمد عليها بذَلْق اللسان٤، وهو صدره وطرَفه. وفي الحروف الذَّلْقِيَّة سِرٌّ طريفٌ٥ يُنتفع به في اللغة؛ وذلك أنك٦ متى رأيت اسمًا رباعيًّا أو خماسيًّا غير ذي زوائد فلا بُدَّ فيه من حرف منها أو حرفين أو ثلاثة، نحو: جَعفَر وقَعضَب٧ وسَلهَب٨ وفَرَزدَق وسَفَرجَل٩ وقِرطَعْب١٠.
فمتى وَجدتَ كلمة رباعيَّة أو خماسيَّة معرَّاة من حروف الذَّلاقة فاقضِ بأنَّه دخيل في كلام العرب وليس منه. ولذلك سُمِّي ما عدا هذه الحروف مُصْمَتًا أي: صُمِتَ عن أن تبنى منه١١ كلمة رباعيَّة أو خماسيَّة. وربَّما جاء بعض ذوات الأربعة مُعرًّى من حروف الذَّلاقة، وذلك قليل جدًّا، نحو: العَسجَد والعَسَطُوس١٢ والدَّهدَقة١٣ [والزَّهزقة] ١٤.
وتنقسم أيضًا على مُستطيل وما ليس١٥ كذلك. فالمستطيل الضاد؛ لأنها استطالت في مخرجها على حسب ما ذُكر في المخارج. وغير المُستطيل ما عداها.
وتنقسم أيضًا إلى مُنحرف وغير مُنحرف. فالمُنحرف اللام، وما عداها ليس بمنحرف.
وتنقسم١٦ أيضًا إلى أَغَنَّ وغير أغنّ. فالأغنُّ الميم والنون. والغُنَّة: صوت في الخياشيم.
_________________
(١) ١ ف: وينقسم. ٢ الضبط في ف بفتح الذال وضمها وسكون اللام. وفي الحاشية: يجمعها: ملَّ فنبّرَ. ٣ م: "والفاء والفاء". ف: والباء والفاء. ٤ زاد بعده في ف: والفم. ٥ في حاشية ف: "ذكر هذا ابن جني في سر الصناعة". انظر سر الصناعة ١: ٧٤. ٦ ف: أنه. ٧ القعضب. الجريء الضخم. م: "قعصب". ف: مصب. ٨ السلهب: الطويل. ٩ م: "همرجل". وكلاهما في سر الصناعة. ١٠ القرطعبة: قطعة خرقة. ١١ في سر الصناعة: "صمت عنها أن تبنى منها". وفي شرح الشافية: أصمت عن أن يبنى منْها وحدها. ١٢ العسطوس: شجر كالخيزران. ١٣ مصدر دهدق اللحم: كسره وقطعه وكسر عظامه. ١٤ من م. وفي حاشية ف أنها رواية بدل "الدهدقة" في إحدى النسخ. والزهزقة: شدَّة الضحك. ١٥ م: وإلى ما ليس. ١٦ ف: وينقسم.
[ ٤٢٩ ]
وما عدا ذلك فليس بأغنَّ.
وإنَّما ذكرتُ صفات الحروف؛ لأنَّ إدغام المتقاربَينِ يُبنَى١ عليها أو على أكثرها، على ما يُبيَّن بعدُ، إن شاء الله عزَّ وجلَّ٢ وإذ قد٣ فرغنا من المقدِّمة، فينبغي أن نرجع إلى تبيين حكم إدغام المتقاربات في المخارج أو في الصفات٤.
_________________
(١) ١ سقط من م. ٢ سقط "﷿" من م. ٣ م: "وإذ وقد". وانظر ص١٥٠ و٢٠٤ و٢٦٥ و٣٢٩. ٤ م: أو في الصفة.
[ ٤٣٠ ]
ذكر أحكام حروف الحلق في الإدغام ١:
قد تَقَدَّمَ أنَّ للحق ثلاثة مخارج: فمن أقصاه الألف والهمزة والهاء، ومن وسطه العين والحاء، ومن أدنى مخارج الحلق إلى اللسان مخرج الغين والخاء.
أمَّا الألف والهمزة فلا يدغمان في شيء، ولا يدغم فيهما شيء، والسبب في ذلك أنَّ إدغام المتقارِبَينِ محمول على إدغام المِثلين. فلمَّا امتنع فيهما إدغام المِثلين، كما ذكرنا في فصل إدغام المِثلين، امتنع فيهما إدغام المتقارِبَينِ.
وأمَّا الهاء فليس لها من مخرجها ما يُدغم [فيها] ٢ أو تُدغم فيه؛ لأنها من مخرج الألف والهمزة، فلم يبق لها ما تُدغم فيه إِلَّا ما هو من المخرج الذي يلي مخرجها.
فإذا اجتمعت مع الحاء فلا يخلو أن تتَقَدَّمَ٣ الحاءَ أو تتقَدَّمَها الحاءُ. فإن تقَدَّمَت على الحاء جاز الإدغام والبيان نحو: اجبَهْ حاتِمًا٤. إن شئت لم تدغم، وإن شئت قلبت الهاء حاء وأدغمت الحاء في الحاء فقلت: اجبَحَّاتمًا؛ لأنهما٥ متقاربان ليس بينهما شيء، إِلَّا أنَّ الحاء من وسط الحلق، وهما مهموسان.
وإنَّما قَلبتَ الأوَّل إلى جنس الثاني ولم تقلب الثاني إلى جنس الأوَّل؛ لأنَّ الذي ينبغي أن يُغيَّر بالقلب الأوَّل كما غُيِّر بالإسكان؛ ألا ترى أنَّ الذي يُسكَن لأجل الإدغام إنَّما هو الأوَّل؟ فإن قُلِب الثاني إلى جنس الأوَّل في موضعٍ ما فلِعِلَّةٍ، وسيُبيَّن ما جاء من ذلك في موضعه. والبيان وتركُ الإدغام أحسن لاختلاف المخرجين؛ ولأنَّ حروف الحلق ليست بأصل للإدغام لقِلَّتها، والتصرُّفُ بابه أن يكون فيما يكثر.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢: ٤١١-٤٢٦ وشرح الشافية ٣: ٢٧٦-٢٧٨ وشرح المفصل ١٠: ١٣٤-١٣٨ والمقتضب ١: ٢٠٧-٢٠٩ والهمع ٢: ٢٢٨-٢٣١. ٢ من م. ٣ ف: تقدم. ٤ م: أحبه حاتمًا. ٥ سقط من النسختين حتى قوله "وهما مهموسان" وألحقه أبو حيان بحاشية ف نقلًَا عن خط المصنف.
[ ٤٣١ ]
وإن تَقَدَّمتها الحاء نحو: امدَحْ هِلالًا؛ فالبيانُ ولا يجوز الإدغام. والعِلَّة في ذلك أنَّ المخرجين، كما تقَدَّمَ، قد اختلفا مع أنَّ الإدغام١ في حروف الحلق ليس بأصل. وأيضًا فإنك لو أدغمت لوجب أن تقلب الأوَّل إلى الثاني على أصل الإدغام، فكنت تقلب الحاء هاء. وذلك لا يجوز؛ لأنَّ الهاء أدخل في الحلق من الحاء، ولا يُقلَب الأخرجُ إلى الفم إلى جنس الأدخل في الحلق.
والسبب في ذلك أنَّ حروف الفم أخفُّ من حروف الحلق. ولذلك يقلُّ اجتماع الأمثال في حروف الحلق. وما قرب من حروف الحلق إلى الفم كان أخفَّ من الذي هو أدخل منه في الحلق. فكرهوا لذلك [٦٤أ] تحويل الأخرج إلى جنس الأدخل؛ لأنَّ في ذلك تثقيلًا.
فإن أردت الإدغام قلبت الهاء حاء وأدغمت، فقلت: امدَ حِّلالًا٢. وجاز قلب الثاني لمَّا تعذَّر قلب الأوَّل، وليكون الإدغام فيما هو أقرب إلى حروف الفم التي هي أصل للإدغام. والإدغام في مثل هذا أقلُّ من الإدغام في مثل "اجبَهْ حاتمًا"٣؛ لأنَّ الباب -كما تقَدَّمَ- أن يُحوَّل الأوَّل إلى الثاني.
فإن اجتمعت مع العين فالبيانُ، تقَدَّمتِ العينُ أو تأخَّرتْ، ولا يجوز الإدغام إِلَّا أن تَقلِب العين والهاء حاء، ثمَّ تُدغِم الحاء في الحاء. وذلك نحو [قولك] ٤: اجبَجُّتْبةَ واقطَحَّاذا وذَهَبَ مَحُّمْ٥، تريد: اجبَهْ عُتْبةَ٦ واقطَعْ هذا وذَهَبَ مَعْهُم. وهي كثيرة في كلام بني تميم٧.
وإنَّما لم تُدغِم إِلَّا بتحويل الحرفين؛ لأنك لو قلبت العين إلى الهاء كنت قد قلبت الأخرج إلى جنس الأدخل. وقد تَقَدَّمَ ذلك، ولو قلبت الهاء إلى العين لاجتمع لك عينان. وذلك ثقيل؛ لأنَّ العين قريبة من الهمزة. فكما أنَّ اجتماع الهمزتين ثقيل٨، فكذلك اجتماع العينين.
وأيضًا فإنها بعيدة من الهاء؛ لأنها ليست من مخرجها، وتُباينُها٩ في الصفة؛ لأنَّ العين مجهورة والهاء مهموسة، والعين بين الشِّدَّة والرَّخاوة والهاء رِخوة. فكرهوا أن يقلبوا واحدة.
_________________
(١) ١ م: والإدغام. ٢ م: "امد هلالًا". ف: امدح حلالًا. ٣ م: احبه حاتمًا. ٤ من م. ٥ سقط "وذهب محم" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف، وعلق عليه بما يلي: أي: معهم. ٦ م: أحبه عينه. ٧ سقط "وذهب معهم وهي كثيرة في كلام بني تميم" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف، نقلًا عن خط المصنف. ٨ ف: "قليل". وصوب في الحاشية عن نسخة أخرى كما أثبتنا. ٩ م: ونباينها.
[ ٤٣٢ ]
منهما إلى الأُخرى، للتباعد الذي بينهما. فلذلك أبدلوا منهما الحاء؛ لأنَّ الحاء من مخرج العين، وتُقارب الهاء في الهمس والرَّخاوة.
وأمَّا العين إذا اجتمعت مع الحاء فلا يخلو أن تتقَدَّمَ أو تَتَقدَّمَ الحاءُ. فإن تَقَدَّمتْ كنتَ بالخِيار: إن شئتَ أدغمتَ فقلبتَ العينَ حاء، وإن شئتَ لم تُدغِم، نحو: اقطَعْ حَّبلًا١. وحَسَّنَ الإدغام هنا كونُهما من مخرج واحد.
وإن تقَدَّمتِ الحاءُ بَيَّنتَ ولم تدغمها في العين؛ لأنَّ العين أدخلُ في الحلق، ولا يُقلَب٢ الأخرج إلى الأدخل لِما تَقدَّم. وأيضًا فإنَّ اجتماع العينين ثقيل كما تَقَدَّم. فإن أردتَ الإدغام قلبت العين حاء، وأدغمت الحاء في الحاء؛ لأنه قد تقدَّمَ أنَّ الثاني قد يُقلب إذا تعذَّر قلب الأوَّل.
وأمَّا الغين مع الخاء فإنه يجوز فيهما البيان والإدغام، وكلاهما حَسَنٌ؛ لأنهما من مخرج واحد. وإذا أَدغمتَ قلبتَ الأوَّل منهما إلى الثاني، كائنًا ما كان، نحو: اسلِخْ غَّنمَكَ وادمَغْ خَّلَفًا. وإنَّما جاز قلب الخاء غينًا، وإن كانت أخرج إلى الفم منها؛ لأنَّ الغين والخاء لقرب٣ مخرجهما من الفم أُجريا مُجرى حروف الفم. وحروفُ الفم يجوز فيها قلب الأخرج إلى الأدخل.
وممّا يُبيّن أنهما يُجرَيان مُجرى حروف الفم أنَّ العرب قد تُخفي معهما النون، كما تفعل بها مع٤ حروف الفم، على ما يُبيَّن بعدُ٥.
ولهذه العِلَّة بنفسها لم يجز إدغام واحد من الحاء والعين٦ والهاء في الغين والخاء أعني: لكونهما قد أُجريا مُجرى حروف الفم. فكما أنَّ حروف٧ الحلق لا تُدغَم في حروف الفم، فكذلك لا تُدغَم الهاء ولا الحاء ولا العين٨ فيهما.
هذا٩: مذهب سيبويه. وحكى المبرّد أنَّ من النحويِّين من أجاز إدغام العين والحاء في
_________________
(١) ١ م: "حملًا". وكذلك في الكتاب ٢: ٤١٣. ٢ م: ولا تقلب. ٣ م: بقرب. ٤ سقط من م. وانظر ص٤٣٥، ٤٤١، ٤٤٣. ٥ سقط من م. وانظر ص٤٣٥، ٤٤١، ٤٤٣. ٦ سقط "والعين" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٧ سقط "الفم فكما أن حروف" من م. ٨ سقط "ولا العين" من النسختين، وألحق بحاشية ف. ٩ ألحق أبو حيان هذه الفقرة والتي تليها بحاشية ف نقلًا عن خط المصنف. وقد اخترم بعض الثانية فتعذر إثباته. وانظر المقتضب ١: ٢٠٨-٢٠٩.
[ ٤٣٣ ]
الغين والخاء، نحو قولك: امدَ غّالبًا وامدَ خَّلَفًا واسمَغَّالبًا واسمَخَّلَفًا. تريد: امدحْ غالبًا وامدحْ خلفًا واسمعْ غالبًا واسمعْ خلفًا. وزعم أنَّ ذلك مستقيم في اللغة معروف، جائز في القياس؛ لأنَّ الخاء والغين أدنى حروف الحلق إلى الفم. فإذا كانت الهاء تدغم في الحاء، والهاء من المخرج الأوَّل من الحلق، والحاء من الثاني، وليست حروف الحلق بأصل للإدغام، فالمخرج الثالث أَوْلى أن يدغم فيما كان بعده؛ لأنَّ ما بعده متصل بحروف الفم، التي هي أصل للإدغام؛
ألا ترى أنهم أدغموا الباء في الفاء -والباءُ من الشفة محضة، والفاءُ من الشفة السفلى وأطراف الثنايا العُلى- فقالوا: اذْهَفِّي ذلك واضرِ فَّرَجًا، لقرب الفاء من حروف الفم؟ وسيبويه يأبى ذلك، لِما ذكر من أنَّ العرب كما لا تُدغِم حروف الحلق في حروف اللسان، ولا حروف اللسان في حروف الحلق ولا إدغامهما فيها للتراخي الذي بينها؛ ألا ترى أنَّ الهاء من المخرج الأوَّل، وهما من المخرج الثالث؟ [وكذلك لا يجوز] إدغام الخاء والغين في الحاء والعين، لما يلزم ذلك من قلب الأخرج إلى الفم إلى جنس الأدخل في الحلق. وذلك لا يجوز
[ ٤٣٤ ]
ذكر حكم حروف الفم ١ في الإدغام:
فأوَّلها ممّا يلي [حُروف] ٢ الحَلق، كما تَقَدَّم، القاف والكاف. وكلّ واحد منهما يُدغَم في صاحبه فتقول: الحَق كَّلَدَةَ٣ وانهَك قَّطَنًا، تَرفع٤ اللسان بهما رفعة واحدة.
والبيانُ والإدغامُ في "الحقْ كَّلَدَة"٥ حسنانِ؛ فالبيان حسن والإدغام أحسن٦. والبيانُ في "انهكْ قطَنًا" أحسن من الإدغام، لقُرب القاف والكاف من حُروف الحلق٧، وحُروف الحلق كما تقَدَّمَ لا يجوز إدغام الأخرج منها في الأدخل. فلذلك ضعف إدغام الكاف التي هي الأخرج، في القاف التي هي أدخل، كما شُبّه أقرب حروف الحلق إلى اللسان -وهما الغين والخاء- بحروف اللسان، كذلك شُبّه أقرب حروف الفم بحروف الحلق، ولا يجوز البيان٨، فأخفيت النون الساكنة عندهما كما تقَدَّم٩.
ولا يجوز إدغام كلِّ واحد من١٠ القاف والكاف في غيرهما، ولا غيرهما فيهما.
ثمَّ الجيم والشين والياء:
أمَّا الجيم فإنها تُدغم في الشين خاصَّة، كقولك: ابعَج شَّبثًا١١. ويجوز البيان، وكلاهما
_________________
(١) ١ الكتاب ٢: ٤١١-٤٢٦ وشرح الشافية ٣: ٢٧٩-٢٩٢ والمقتضب ١: ٢٠٩-٢٢٤ وشرح المفصل ١٠: ١٣٨-١٥٣. وفي م وإحدى النسخ كما جاء في حاشية ف: "حروف اللسان". وفي المبدع: "اللسانية". ٢ من م. ٣ ومثله في الكتاب ٢: ٢١٤. ف: كندة. ٤ م: انهك قطب وترفع. ٥ ومثله في الكتاب ٢: ٢١٤. ف: كندة. ٦ سقط "فالبيان أحسن" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. وانظر شرح الشافية ٣: ٢٧٨ وشرح المفصل ١٠: ١٣٨. ٧ سقط "حروف الحلق" من م. ٨ سقط "كذلك البيان" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف عن إحدى النسخ. ٩ في ص ٤٣٣. ١٠ سقط "كل واحد من" من م. ١١ م: اخرج شيئًا.
[ ٤٣٥ ]
حسن. وإنَّما جاز إدغامها١ فيها لكونهما من حروف وسط اللسان.
ولم يجز إدغامها٢ في الياء، وإن كانت٣ من مخرجها؛ لأنَّ الياء حرف عِلَّة. وحروف العِلَّة٤ بائنة من جميع الحروف، بأنها لا يُمدّ صوت إِلَّا بها؛ ولأنَّ الحركاتِ بعضُها، ولذا كانت منفردة بأحكام لا توجد لغيرها؛ ألا ترى أنك تقول: عَمْرُو وبكْرُ ونصْرُ، وما أشبه ذلك في القوافي، فيعادِل الحروفُ بعضُها بعضًا، ولو وقعت ياء أو واو بحذاء حرف من هذه الحروف نحو: "جَوْر" و"خَيْر" لم يجز؟
وكذلك تكون القافية مثل سَعِيد وقُعُود، ولو وقع مكان الياء والواو غيرُهما لم يصلح. وتحذف لالتقاء الساكنين في الموضع الذي يحرّك فيه غيرها، نحو: يَغزو القومُ ويرمي الرجلُ ومَثنَى القومِ. فصارت لذلك قِسمًا برأسه٥. فلذلك لم تدغم في غيرها، ولا أُدغم غيرها فيها، ما عدا النون فإنها أُدغمت فيها، لعِلّة تُذكر في موضعها٦.
ولا يدغم في الجيم من مخرجها شيء: أمَّا الشين فلم تدغم فيها [٦٤ب] لأن٧ فيها تفشِّيًا، فكرهوا إذهابه بالإدغام. وأيضًا فإنَّ الشين٨ بتفشِّيها لحقت بمخرج الطاء والدال، فبعُدت عن الجيم. وأمَّا الياء فلم تدغم لِما تقَدَّم. من ذكر٩ العِلَّة المانعة من إدغام الياء والواو في حروف الصحَّة.
ويدغم فيها من غير مخرجها ستَّة أحرف. وهي: الطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء، نحو: لم يربِط جَّملًا وقد جَّعَلَ و"وَجَبَت جُّنُوبُها"١٠ واحفظ جّابرًا وانبِذ جَّعفرًا وابَعث جَّامعًا. وإنَّما جاز إدغام هذه الأحرف في الجيم، وإن لم تكن من مخرجها؛ لأنها أخت الشين وهي معها من مخرج واحد. فكما أنَّ هذه الأحرف تدغم في الشين، فكذلك أدغمت في أختها -وهي الجيم- حملًَا عليها.
_________________
(١) ١ م: إدغامهما. ٢ م: إدغامهما. ٣ م: كانتا. ٤ سقط من النسختين حتى قوله: "ومثنى القوم". وألحق بنسخة ف على طيارة، نقلًا عن خط المصنف. وقد نُقلت الطيارة جهلًا إلى موضع آخر، فأرجعناها نحن إلى موضعها هنا على الصواب. وانظر المقتضب ١: ٢١٠. ٥ م: برأسها. ٦ في ص٤٤١. م: ولا أدغم غيرها فيها فلم يدغم فيها ما عدا النون. ٧ م: أمَّا الشين فلأن. ٨ م: فإنها. ٩ م: وذكر. ١٠ الآية ٣٦ من سورة الحج. والجنوب: جمع جنب. ووجبت: سقطت. أي: سقطت جنوب الإبل إلى الأرض بعد نحرها.
[ ٤٣٦ ]
والبيانُ في جميع ذلك أحسن للبعد الذي بينها١ [وبينهنّ] . وإذا أدغمتَ الطاء والظاء في الجيم فالأحسن أن تُبقي الإطباق الذي فيهما، لئلَّا تُخِلَّ٢ بهما وتُضعِفَهما، بزوال الإطباق منهما. وقد يجوز أن تُذهب الإطباق جملةً.
وأمَّا الشين فإنها لا تُدغَم في شيء٣. وسبب ذلك أنها متفشِّية، كما تقَدَّم. والإدغام في مقاربها يُذهبه، فيكون ذلك إخلالًَا بها.
وتُدغَم٤ فيها الجيمُ -وقد تقَدَّم ذكر ذلك- والطاءُ والدال والتاء والظاء والذال والثاء واللام. أمَّا إدغام الجيم فيها فلكونهما من مخرج واحد. وأمَّا إدغام سائر الحروف فيها؛ فلأنها استطالت بالتفشِّي الذي٥ فيها، حتَّى اتَّصلت بمخرجها، فجرت لذلك مجرى ما هو من مخرج واحد. والبيان عربيُّ جيِّد، لِبُعد ما بينه وبينهنّ.
وأمَّا الياء فلا تُدغَم في حرف صحيح [أصلًَا] ٦. وقد تقَدَّم سبب ذلك، وتُدغَم في الواو؛ لأنها شابهتها في اللِّين والاعتلال. إِلَّا أنَّ الواو هي التي تُقلب لجنس الياء، تقدَّمت أو تأخَّرت؛ لأنَّ القصد بالإدغام التخفيف، والياء أخفُّ من الواو، فقلبوا الواو ياء على كلِّ حال -وأيضًا فإنَّ الواو من الشِّفة، والياء من حروف الفم، وأصل الإدغام أن يكون في حروف الفم٧- نحو: سَيِّد ومَيِّت -الأصل فيهما "سَيْوِدٌ" و"مَيْوِتٌ"٨- وطَيّ ولَيّ. الأصل فيهما "طَوْيٌ" و"لَوْيٌ".
ولا يُدغَم فيها حرف صحيح أصلًا، إِلَّا النون نحو: مَن يُّوقِنُ -والسبب في أن أُدغمت٩ النون وحدها، من بين سائر الحروف الصحاح، في الياء أنَّ النون غَنَّاءُ فأشبهت بالغُنَّة التي فيها الياءَ١٠؛ لأنَّ الغُنَّة فَضْلُ صوتٍ في الحرف، كما أنَّ اللِّين فضل صوت في حروف١١ العِلَّة. وأيضًا فإنَّ النون قريبة في المخرج من الواو التي هي أخت الياء- ويُدغَم فيها الواو لتشاركهما في الاعتلال واللِّين، كما تقَدَّم. وذلك نحو: طَوَيتُ طَيًّا ولَوَيتُ لَيًّا.
_________________
(١) ١ م: بينهما. ٢ م: يخل. ٣ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: تدغم في الجيم نحو أعطِش جَّحدرًا. ٤ م: ويدغم. ٥ م: التي. ٦ من م. ٧ سقط ما بين معترضين من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف نقلًا عن خط المصنف. ٨ سقط بقية الفقرة من النسختين، وألحقت بحاشية ف. وسيرد بعدُ ما هو تكرار لها تقريبًا. ٩ م: أن أدغمت إلى. ١٠ م: للياء. ١١ م: حرف.
[ ٤٣٧ ]
ثمَّ١ الضاد، ولا تُدغَم في شيء من مقارباتها٢. وسبب ذلك أنَّ فيها استطالة وإطباقًا واستعلاء، وليس في مقارباتها ما يَشركها في ذلك كُلِّه. فلو أُدغمت لأدَّى ذلك إلى الإخلال بها، لذهاب هذا الفضل الذي فيها.
فأمَّا إدغام بعضهم لها في الطاء بقوله: مُطَّجِع، يريد: مُضطجِعًا٣، فقليل جِدًّا ولا ينبغي أن يقاس. والذي شجَّعه على ذلك أشياء، منها: موافقةُ الضاد للطاء في الإطباق الذي فيها٤ والاستعلاءِ، وقربُها٥ منها في المخرج، ووقوعُها معها في الكلمة الواحدة أكثر من وقوعها في الانفصال؛ لأنَّ الضاد التي تكون آخر كلمة٦ لا يلزمها أن يكون أوَّل الكلمة التي تليها طاء، ولا يكثر ذلك فيها بخلاف مضطجع. فلمَّا اجتمعت هذه الأسباب أدغموا، واغتفروا لها ذهاب الاستطالة التي في الضاد.
وتُدغَم فيها الطاء والدال والتاء والظاء٧ والذال والثاء واللام. وذلك نحو: هل ضَّلَّ زيدٌ؟ وابَعث ضَّرمَةَ -قال سيبويه٨: "وسَمِعنا من يُوثَق بعربيَّته قال٩:
ثارَ، فضَجَّت ضَّجَّةً رَكائبُهْ
فأدغم التاء في الضاد" -واضبِط ضَّرَمةَ واحفَظ ضَّرمَةَ١٠ وخُذ ضَّرمَةَ وقَد ضَّعُفَ١١.
أمَّا اللام فأدغمت فيها، لقربها منها في المخرج. وأمَّا سائر الحروف فإنَّ الضاد، بالاستطالة التي فيها، لحقت مخرج الطاء والدال والتاء؛ لأنها اتَّصلت بمخرج اللام، وتطأطأت عن اللام حتى خالطت أصولَ ما اللامُ فوقه، إِلَّا أنها لم تقع من الثنيَّة موقع١٢ الطاء١٣ لانحرافها؛ لأنك
_________________
(١) ١ م: وثم. ٢ في النسختين: متقارباتها. ٣ انظر الكتاب ٢: ٤٢٢. م: مضطجعها. ٤ سقط "الذي فيها" من م. ٥ في النسختين: وقريبة. ٦ سقط "التي تكون آخر كلمة" من م. ٧ م: والضاد. ٨ الكتاب ٢: ٤٢٠ م: قال س. ٩ أبو خالد القناني. وسيرد الشاهد بعد. انظر ص٤٤٦ والكتاب ٢: ٤٢٠ وشرح أبياته ٢: ٤١٦ وأسرار العربية ص٩٩-١٠٠ والإنصاف ص٦٨ والمقرب ٢: ١٢ والخزانة ٤: ١٠٦. وصف رجلًا ثار ليرحل إبله فجعلت تضجّ. ١٠ زاد في م: وابعث ضرمة. ١١ سقط المثال من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. فكأن ابن عصفور أغفل التمثيل لإدغام الدال في الضاد، تبعًا لسيبويه في الكتاب ٢: ٤٢٠، ثمَّ استدرك فألحقه فيما بعد. ١٢ م: موضع. ١٣ م: الظاء.
[ ٤٣٨ ]
تضع [لسانك] ١ للطاء٢ بين الثَّنيَّتَين. وقرُبت بسبب ذلك من الظاء والذال والثاء؛ لأنهنّ من حروف طرف اللسان والثنايا، كالطاء وأختيها. والبيان عربيّ جيّد، لتباعُد ما بينها [وبينهنّ] .
ثمَّ اللام والنون والراء.
أمَّا اللام فإنها تدغم في ثلاثةَ [٦٥أ] عَشَرَ حرفًَا٣. وهي: التاء والثاء والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والنون. وإنَّما أُدغمت في هذه الحروف لموافقتها لها. وذلك أنَّ اللام من طرف اللسان. وهذه الحروف: أحدَ عَشَرَ حرفًا منها حروفُ طرفِ اللسان. وحرفان منها -وهما الضاد والسين- يخالطان طرف اللسان. وذلك أنَّ الضاد لاستطالتها اتَّصلت بمخرج اللام، وكذلك الشين بالتَّفشِّي الذي فيها لحقت أَيضًا مخرجها.
فإن كانت اللام للتعريف التُزم الإدغام ولم يجز البيان٤. والسبب في ذلك أنه انضاف إلى ما ذكرناه من الموافقة كثرةُ لام المعرفة في الكلام؛ ألا ترى أنَّ كُلَّ نكرةٍ أردتَ تعريفها أدخلت عليها اللام التي للتعريف إِلَّا القليلَ منها. وكثرة دور٥ اللفظ في الكلام تستدعي التخفيف.
وأيضًا فإنَّ لام المعرفة قد تَنزَّلت منزلةَ الجزء ممّا٦ تدخل عليه، وعاقبها٧ التنوين، واجتماع المتقاربين فيما هو كالكلمة الواحدة أثقل من اجتماعهما فيما ليس كذلك. فلمَّا كان فيها ثلاث مُوجبات للتخفيف -وهي: ثِقلُ اجتماع المتقاربات، وكثرة التكلُّم بها، وأنها مع ما بعدها كالكلمة الواحدة- التُزم فيها الإدغام.
وإن كانت لغير تعريف أُدغمت لأجل المقاربة، وجاز البيان؛ لأنها لم يكثر استعمالها ككثرة لام التعريف، ولا هي مع ما بعدها بمنزلة كلمة واحدة كما أنَّ لام التعريف كذلك. والإدغام٨ إذا كانت اللام ساكنة أحسن منه، إذا كانت متحرِّكة نحو: جَعَل رَّاشدٌ. وإدغامها في بعض هذه الحروف٩ أحسنُ منها في بعض:
_________________
(١) ١ من م. ٢ ف: الطاء. ٣ الكتاب ٢: ٤١٦. ٤ في حاشية ف بخط أبي حيان عن شرح السيرافي على كتاب سيبويه: "قال الفرَّاء: قال الكسائيُّ: سمعت العرب تظهر لام التعريف عند هذه الحروف، إِلَّا عن اللام والراء والنون فقط. يقولون: لونُ الْصامتِ وكان صدوقًا في روايته. يعني الكسائيَّ. وهذا لم يحفظه البصريون ولا الفرَّاء". ٥ م: دورة. ٦ م: فيما. ٧ م: وعاقبه. ٨ سقط "والإدغام إذا جعل راشد" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٩ يريد: الحروف الثلاثة عشر المذكورة من قبل، إذا لم تكن اللام قبلها للتعريف.
[ ٤٣٩ ]
فإدغامها في الراء نحو: هل رَّأيتَ؟ أحسنُ من إدغامها في سائرها؛ لأنها أقرب الحروف إليها وأشبهها١ بها، حتَّى إنَّ بعض من يصعب عليه إخراج الراء يجعلها٢ لامًا.
وإدغامها في الطاء والتاء والدال والصاد والسين والزاي يلي في الجودة إدغامَها في الراء؛ لأنها أقرب [الحروف] ٣ إليها بعد الراء.
وإدغامها في الثاءِ -نحو:٤ "هَل ثُّوِّبَ" وقد قرأ به أبو عمرو- والذالِ والظاءِ يلي٥ ذلك؛ لأنَّ هذه الثلاثة من أطراف الثنايا، و[قد] ٦ قاربن مخرج ما يجوز إدغام اللام فيه. وهو الفاء.
وإدغامها في الضاد والشين يلي ذلك؛ لأنهما ليسا من حروف طرف اللسان كاللام، وإنَّما اتصلتا٧ بحروف طرف اللسان، بالاستطالة التي في الضاد، والتَّفشِّي الذي في الشين، كما قدَّمنا. ومن إدغامها في الشين قول طريف بن تميم٨:
تَقُولُ، إِذا استَهلكتُ مالًَا لِلَذَّةٍ، فُكَيهةُ: هَشَّيءُ بِكَفَّيكَ لائقُ؟
يريد: هل شَيءٌ؟
وإدغامها في النون دون ذلك كلِّه، والبيانُ أحسنُ منه. وإنَّما قَبُحَ إدغامها في النون، وإن كانت أقرب إلى اللام من غيرها من الحروف التي تقَدَّمَ ذكرها؛ لأنه قد امتنع أن يُدغم في النون من الحروف التي أُدغمت هي فيها إِلَّا اللام. فكأنهم استوحشوا الإدغام فيها وأرادوا أن يُجروا اللام مُجرى أخواتها من الحروف التي يجوز إدغام النون فيها٩. فكما أنه لا يجوز إدغام شيء منها في النون، كذلك١٠ ضعف إدغام اللام فيها.
ولا يُدغم فيها إِلَّا النون، على ما يُبَيَّنُ في فصل النون.
وأمَّا النون فلها خمسة مواضع: موضع تُظهر فيه، وموضع تُدغم فيه، وموضع تَخفى فيه١١، وموضع تُقلب فيه ميمًا، وموضع تُظهر فيه وتَخفى:
_________________
(١) ١ ومثله في الكتاب ٢: ٤١٦. ف: ولشبهها. ٢ م: يجعل. ٣ من م. ٤ الآية ٣٦ من سورة المطففين. ٥ م: والطاء تلي. ٦ من الكتاب ٢: ٤١٧. ٧ م: اتصلنا. ٨ الكتاب ٢: ٤١٧ وشرح أبياته ٢: ٤١٧ واللامات ص١٥٥ والمقرب ٢: ١١٤ وسر الصناعة ص٣٤٨ وتخليص الشواهد ص٣٥٢. والمفصل ٢: ٢٩٦ وشرحه ١٠: ١٤١ واللسان والتاج "ليق" و"هلك" و"فكه". واللائق: المستقر المحتبس. ٩ م: إدغامها فيها. ١٠ في النسختين: لذلك. ١١ سقط من م.
[ ٤٤٠ ]
فالموضع الذي تُظهر فيه خاصَّةً إذا كان بعدها هاء أو همزة أو حاء أو عين١، نحو: مِنها ويَنأى ومِنحار ومِنْعَب٢.
والموضع الذي تُظهر فيه وتَخفى إِذا وقعت بعدها الغين أو الخاء، نحو: مُنْغَلّ٣ ومَنْخُل.
والموضع الذي تُدغم فيه إذا كان بعدها حرف من حروف "ويرمل".
والموضع الذي تُقلب فيه إذا كان بعدها باء.
والموضع الذي تَخفى فيه إذا كان بعدها حرف من سائر حروف الفم الخمسةَ عَشَرَ.
فأُدغمت في خمسة الأحرف المتقدِّمَة الذكر لمقاربتها لها: أمَّا مقاربتها للرَّاء واللام ففي المخرج٤. وأمَّا مقاربتها للميم ففي الغُنَّة، ليس حرف من الحروف له غُنَّة إِلَّا النون والميم. ولذلك٥ تُسمع النون كالميم، ويقعان في القوافي المُكْفأة فلا يكون ذلك عيبًا، نحو قوله٦:
ما تَنقِمُ الحَربُ العَوانُ مِنِّي؟ بازِلُ عامَينِ، حَدِيثٌ سِنِّي
لِمِثل هذا، وَلَدتْنِي أُمِّي
وأمَّا مقاربتها للياء والواو؛ فلأنَّ في النون غُنَّة تُشبِه٧ اللِّين في الياء والواو؛ لأنَّ الغُنَّة فضلُ صوت في الحرف كما أنَّ اللِّين كذلك. وهي٨ من حروف الزيادة كما أنَّ الياء والواو كذلك، وتزاد في موضع زيادتهما. تقول: عَنسَل وجَحَنفَل ورَعْشَن، كما تقول: كَوثَر وصَيقَل وجَدوَل وعِثْيَر وتَرقُوة وعِفْرِية. وأيضًا فإنها قد أُدغمت فيما قارب الواو في المخرج -وهو الميم- وفيما هو على طريق الياء. وهو الراء؛ ألا ترى أنَّ الألثغ بالراء يجعلها ياء؟ فأُدغمت [النون] في الياء
_________________
(١) ١ م: أو عين أو حاء. ٢ المنعب: الفرس الجواد يمد عنقه كالغراب. ٣ في المقتضب: "مُنْغُل". وهو لغة في مُنخل. والمنغلّ من مصدر انغلّ. ٤ علق عليه أبو حيان في حاشية ف بما يلي: "لا يعرف في اللغة كلمة فيها نون ساكنة بعدها راء ولا لام. فلم يقولوا مثل: قنر وعنل. وسبب ذلك أنَّ الساكنة فيها غُنَّة، وهي تقارب الحرفين جِدًّا. فلمَّا تقاربت في المخرج، واختلفت في الصفة، ثقل الجمع بينها" وانظر ص٤٤٦. ٥ سقط من النسختين حتى نهاية الرجز، وألحقه أبو حيان بحاشية ف نقلًا عن خط المصنف. ٦ الرجز لأبي جهل وينسب إلى الإمام علي. ديوان الإمام علي ص١٩٢ والجمهرة ص٦١٦ والمغني ص٤٦ و٧٥٩ وشرح شواهده ص٩٦٠ وشرح أبياته ١: ٢٥٤ وسيرة ابن هشام ١: ٦٣٤ ومجمع الزوائد ٦: ٧٧ ومعجم الأدباء ٥: ١١٠. واللسان "بزل" و"عون" والتاج "عون" والعقد الفريد ٦: ٣١٠ وإنباه الرواة ٢: ٣٧١ والكامل ص٨١٠ والمقتضب ١: ٢١٨. وتنقم: تعيب وتكره. والعوان: المتكررة المتتابعة. والبازل: البعير دخل في السنة التاسعة. وبازل عامين أي: مر عليه بعد بزوله عامان. يعني أنه مستجمع الشباب مستكمل القوة. ٧ م: يشبه. ٨ سقط من النسختين حتى قوله: "كما أدغمت في الميم والراء"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. وانظر المقتضب ١: ٢١٩.
[ ٤٤١ ]
والواو كما أُدغمت في الميم والراء. فلمَّا قاربتِ النونُ هذه الحروف الخمسة أُدغمت فيها [٦٥ب] .
ولا يجوز البيان١ إن كانت النون ساكنة. فإن كانت مُتحرِّكة جاز، لفصل الحركة بين المتقاربين؛ لأنَّ النيَّة بالحركة أن تكون بعد الحرف. وذلك نحو: خَتَنُ مُّوسَى.
وإذا أُدغمت٢ في الراء واللام والواو والياء كان إدغامها بغُنَّة، وبغير غُنَّة. أمَّا إدغامها بغير غُنَّة فعلى أصل الإدغام؛ لأنك إذا أدغمتها صار اللفظ بها من جنس ما تُدغَم فيه. فإذا كان ما بعدها غيرَ٣ أغنّ ذهبت الغُنَّة، لكونها تصير مثله. ومن أَبقى الغُنَّة؛ فلأنها فصلُ صوتٍ فكرهَ إبطالها، فحافظَ عليها بأن أدغم، وأبقى بعضًا من النون وهو الغُنَّة، وإبقاؤها عندي أجود، لما في ذلك من البيان للأصل والمحافظة على الغُنَّة.
وإذا أُدغمت في الميم قُلبت إلى جنسه، ولم يبق لها أثر، ولستَ بمحتاج٤ إلى غُنَّة النون؛ لأنَّ الميم فيها غُنَّة. فإذا قلبتها ميمًا محضة لم تُبطِلِ الغُنَّة.
وزعم٥ سيبويه أنها مع ما تُدغَم فيه مخرجُها من الفم لا من الخياشيم؛ لأنها لو كانت تدغم في حروف الفم، وهي من الخياشيم، لتفاوتَ٦ ما بينها، ولا يُدغم الأبعد في الأبعد. ووافقه المبرّد في جميع ذلك، إِلَّا الميمَ؛ لأنها من الشفة. فلو كانت النون المدغمة فيها من الفم لبعدت من الميم. قال: ولكن مخرجها مع الميم٧ من الخياشيم؛ لأنَّ الميم تخرج٨ من الشفة، وتصير إلى الخياشيم للغُنَّة التي فيها، فأُدغمت فيها النون لتلك المجاورة.
ومذهب سيبويه عندي أَوْلى؛ لأنَّ النون التي في الفم تصير أيضًا إلى الخياشيم، للغُنَّة التي فيها، كما كان ذلك في الميم٩ وما أخلَّت به.
وقُلِبت مع الباء ميمًا ولم تدغم فيها؛ لأنَّ الباء لا تقارب النون في المخرج كما قاربتها الراء
_________________
(١) ١ أي: إذا كان الإدغام من الإدغام في الكلمتين. ٢ م: وأدغمت. ٣ م: عين. ٤ ف: محتاجًا. ٥ سقط من النسختين حتى قوله: "كما كان ذلك في الميم"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف نقلًا عن خط المصنف. وانظر الكتاب ٢: ٤١٥. ٦ ف: "لتفاوته". وانظر المقتضب ١: ٢٢١. ٧ ف: اللام. ٨ ف: يخرج. ٩ بضع كلمات مخرومة.
[ ٤٤٢ ]
واللام١، ولا فيما يُشبِه الغُنَّة وهو اللِّين، ولا في الغُنَّة كما قاربتها الميم. فلمَّا تعذَّر إدغامها في الباء قُلبت معها ميمًا؛ لأنَّ الباء من مخرج الميم فعوملت معاملتها. فلمَّا قُلبت النون مع الميم ميمًا قلبت ميمًا أيضًا مع الباء. وأُمِنَ٢ الالتباس؛ لأنه ليس في الكلام ميم ساكنة قبل باء.
وأُظهرت مع الهمزة والهاء والعين والحاء، لبعد ما بينها وبينهنَّ، فلم٣ تُغيَّرِ النونُ بإدغام، ولا بشِبهه الذي هو الإخفاء. وأيضًا فإنَّ حروف الحلق أَشدُّ علاجًا وأصعبُ إخراجًا، وأحوج إلى تمكين آلة الصوت من غيرها. فإخراجها٤ لذلك يحتاج٥ إلى اعتمادات تكون في اللسان، والنونُ الساكنة الخفيَّة مخرجها من الخيشوم. فلا علاج في إخراجها ولا اعتماد، فإذا كانت قبل حروف الحلق تعذَّر النُّطق بحروف الحلق؛ لأنَّ النون تستدعي ترك الاعتماد، وحروف الحلق تطلب٦ الاعتماد. فإذا بيَّنتَ النون قبلها أمكن إخراجها؛ لأنَّ النون البيِّنة مخرجها من اللسان. فهي أيضًا تطلب الاعتماد٧ كسائر حروف اللسان.
وأمَّا جواز خفائها وإظهارها مع الخاء والغين؛ فلأنهما من أقرب حروف الحلق إلى الفم. فمن أجراهما٨ مُجرى ما تقدَّمهما٩ من حروف الحلق أظهر النون معهما. ومن أجراهما مُجرى ما يليهما١٠ من حروف الفم -وهو القاف والكاف- أخفى النون معهما كما يخفيها مع القاف والكاف.
وأمَّا إخفاؤها مع الخمسةَ عَشَرَ حرفًا من حروف الفم الباقية؛ فلأنها١١ اشتركت معها، في كونها من [حروف] الفم. وأيضًا فإنها، وإن كانت من حروف اللسان، فبالغُنَّة التي فيها التي خالطت الخياشيم اتَّصلت بجميع حروف الفم. فلمَّا١٢ أشبهتها فيما ذكرنا، وكانت قد أُدغمت في بعض حروف الفم. غيَّروها بالإخفاء معها كما غيَّروها بالإدغام والقلب مع
_________________
(١) ١ سقط من النسختين حتى "وهو اللين"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٢ سقط حتى "ساكنة قبل باء" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٣ م: ولم. ٤ م: وإخراجها. ٥ ف: بذلك محتاج. ٦ م: وحرف الحلق يطلب. ٧ ف: اعتمادًا. ٨ في النسختين: أجراها. ٩ ف: "ما تقدم". م: ما تقدمها. ١٠ في النسختين: ومن أجراها مجرى ما يليها. ١١ ف: فإنها. ١٢ سقط من م حتى قوله: "في بعض حروف الفم".
[ ٤٤٣ ]
حروف "ويرمل" من حروف الفم؛ لأنَّ الإخفاء شبيه بالإدغام، ولم يغيِّروها بالإدغام؛ لأنهم أرادوا أن يفرِّقوا بين ما يقاربها من حروف الفم في المخرج كاللام والراء، وفي الصفة كالميم والياء والواو، وبين ما ليس كذلك. فجعلوا الغييرَ الأكثر١ للأقرب، والتغييرَ الأقلَّ للأبعد.
ولم يُسمع من كلامهم تسكين النون المتحرِّكة، إذا جاءت قبل الحروف التي تَخفى معها، كما تُسكَّن مع الحروف التي تُدغَم معها. فلم يقولوا: خَتَنْ٢ سُليمان، كما قالوا: خَتَنْ مُّوسى، لكن إن جاء ذلك لم يُستنكر؛ لأنَّ الإخفاء نوع من الإدغام.
ولا يُدغم في الون شيء إِلَّا اللام. وقد تَقَدَّمَ ذلك في فصل اللام.
وأمَّا الراء فلا تُدغَم في شيء؛ لأنَّ فيها تكريرًا؛ ألا ترى أنك إذا نطقت بها تكرَّرت في النطق؟ فلو أدغمتها فيما يقرب منها -وهو اللام والنون- لأذهب الإدغام ذلك الفضل الذي فيها من التكرير٣؛ لأنها تصير من جنس ما تُدغَم فيه، وما تُدغَم فيه ليس فيه تكرير. فلمَّا كان الإدغام يُفضي إلى انتهاكها بإذهاب ما فيها من التكرار لم يجز. وقد رُوي إدغامها في اللام، وسأذكر وجه ذلك في إدغام القرآن٤، إن شاء الله تعالى.
ولا يُدغَم فيها إِلَّا اللام والنون، وقد تَقَدَّمَ ذكر ذلك في فصليهما.
ثمَّ الطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء، كلُّ واحد٥ منهنّ يُدغَم في الخمسة الباقية، وتُدغَم الخمسة الباقية فيه. وتُدغَم أيضًا هذه الستَّة في الضاد والجيم والشين والصاد والزاي والسين. ولم يحفظ سيبويه إدغامها [٦٦أ] في الجيم. ولا يُدغَم فيهنّ من غيرهنّ إِلَّا اللام. وسواء كان الأوَّل منهما٦ متحرِّكًا أو ساكنًا. إِلَّا أنَّ الإدغام إذا كان الأوَّل [منهما] ٧ ساكنًا أحسن منه إذا كان الأوَّل متحرِّكًا؛ لأنه يلزم فيه تغييران: أحدهما تغيير الإدغام، والآخر تغيير بإسكان الأوَّل٨.
وإنَّما جاز إدغامها فيما ذُكر لتقاربها في المخرج بعضها من بعض، ولمقاربتها حروفَ الصفير في المخرج أيضًا، كما بُيِّن في مخارج الحروف.
_________________
(١) ١ م: للأكثر. ٢ الكتاب ٢: ٤١٥: حين. ٣ ف: التكرر. ٤ انظر ص٤٥٣. ٥ م: واحدة. ٦ م: منها. ٧ من م، وفيها: منها. ٨ م: تغيير إسكان الأوَّل.
[ ٤٤٤ ]
وأمَّا الضاد والشين فإنهما، وإن لم تقاربهما في المخرج، فإنَّ التقارب بينهما وبينها من حيث لحقت الضادُ باستطالتها، والشينُ بتفشِّيها، مخرجَها. والضاد أشبه بها من الشين؛ لأنَّ الضاد قد أشبهتها١ من وجه آخر. وهو أنها مُطبقة كما أنَّ الطاء والظاء كذلك.
وأمَّا إدغامها في الجيم فحملًا على الشين؛ لأنهما من مخرج واحد.
والإدغام في جميع ما ذُكر أحسنُ من البيان. والسبب في ذلك أنَّ أصل الإدغام لحروف طرف اللسان والفم، بدليل أنَّ حروف الحلق يُدغَم منها الأدخل في الأخرج؛ لأنه يَقرب بذلك من حروف الفم، ولا يُدغَم الأخرج في الأدخل؛ لأنه يبعد بذلك من حروف الفم، ويتمكَّن في الحلق.
وإنَّما كان الإدغام في حروف الفم و[طرف] اللسان أولى لكثرتها. وما كَثُرَ استدعى التخفيف. وأكثر حروف الفم من طرف اللسان؛ لأنَّ حروف الفم تسعةَ عَشَرَ، منها اثنا عَشَرَ حرفًا من طرف اللسان. فلذلك حسن الإدغام في هذه الحروف.
والبيان في بعضها أحسن منه في بعض، وذلك مبنيٌّ على القرب بين الحرفين. فما كان أقرب إلى ما بعده كان إدغامه أحسن٢. وذلك أنَّ الإدغام إنَّما كان بسبب التقارب. فإذا قوي التقارب قوي الإدغام٣، وإذا ضعف ضعف.الإدغام:
فتبيين هذه الستة الأحرف إذا وقعت قبل الجيم أحسنُ من بيانها٤ إذا وقعت قبل الشين؛ لأنَّ إدغامها في الجيم بالحمل على إدغامها في الشين. بل لم يحفظ سيبويه إدغامها في الجيم كما تَقَدَّمَ.
وتبيينها إذا وقعت قبل الشين٥ أحسنُ من تبيينها إذا وقعت قبل الضاد؛ لأنَّ الشين أبعد منها من الضاد؛ لأنَّ الشين٦ أشبهتها من جهة واحدة -وهو اتصالها بمخرجها بالتفشِّي الذي فيها، كما٧ تَقَدَّمَ- والضاد أشبهتها من وجهين. وهما٨: اتصالها بها بسبب الاستطالة، والآخر٩
_________________
(١) ١ م: أشبهت. ٢ م: أقوى. ٣ سقط من م. ٤ م: ثباتها. ٥ سقط من م حتى "وقعت قبل". ٦ م: السين. ٧ سقط من م. ٨ في النسختين: وهو. ٩ سقط "الآخر" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف.
[ ٤٤٥ ]
شبهها بالطاء والظاء بسبب الإطباق، كما ذُكر.
وتبيينها قبل الضاد أحسنُ من تبيينها قبل الصاد والسين والزاي؛ لأنَّ الضاد أبعد منها؛ لأنها لا تقاربها في المخرج، وحروف الصفير تقاربها في المخرج.
وتبيينها قبل حروف الصفير أحسنُ من تبيين بعضها قبل بعض؛ لأنَّ بعضها أقربُ إلى بعض في المخرج من حروف الصفير إليها.
وتبيين الطاء والدال والتاء، إذا وقعت قبل الظاء والثاء والذال، أو وقعت الظاء والثاء والذال قبلها، أحسنُ من تبيين الطاءِ والدالِ والتاءِ إذا وقع بعضها قبل بعض، و١ الظاءِ والثاء والذال إذا وقع بعضها قبل بعض؛ لأنَّ الظاء٢ وأُختيها بعضُها أقربُ إلى بعض منها إلى الطاء٣ وأُختيها، وكذلك الطاء٤ وأختاها بعضها أقرب إلى بعض منها إلى الظاء٥ وأختيها.
وتبيين الظاء وأُختيها٦، إذا وقع بعض منها قبل بعض، أحسن٧ من تبيين الطاء وأُختيها إذا وقع بعض منها قبل بعض؛ لأنَّ في الظاء وأُختيها رخاوة، فاللسان يتجافى عنهنّ؛ ألا ترى أنك إذا وقفت عليهنّ رأيت طرف اللسان خارجًا عن أطراف الثنايا، فكأنها خرجت عن حروف الفم إذ قاربت الشفتين؟ ٨ والطاء وأُختاها ليست كذلك؛ ألا ترى أنَّ الأسنان العليا منطبقة على الأسنان السفلى، واللسانُ من وراء ذلك٩ فلم يتجاوز الفم؟ والإدغام، كما تَقَدَّمَ، أصله أن يكون في حروف الفم.
وإذا أُدغمت التاء والدال والثاء والذال١٠ في شيء، ممّا تَقَدَّمَ أنهنَّ١١ يدغمن فيه، قُلبت إلى جنسه. قال١٢:
ثارَ، فَضَجَّت ضَّجَّةً رَكائبُهْ
_________________
(١) ١ سقط من م حتى "بعضها قبل بعض". ٢ م: الطاء. ٣ م: الظاء. ٤ م: الظاء. ٥ م: الطاء. ٦ ف: "وكذلك الظاء وأختاها". وفي الحاشية أن "تبيين" موضع "كذلك" في إحدى النسخ. أثبت أبو حيان هذا. ولم يتنبه إلى جر أختيها. ٧ سقط من النسختين حتى "منها قبل بعض"، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٨ م: السين. ٩ سقط من م. ١٠ م: الياء والذال والثاء. ١١ م: أيهن. ١٢ انظر ص٤٣٨.
[ ٤٤٦ ]
فقلب١ التاء ضادًا. وقال ابن مُقبل:
وكأنَّما اغتَبَقَت صَّبيرَ غَمامةٍ بِعَرًا، تُصَفِّفُه الرِّياحُ، زُلالا٢
فقلب التاء صادًا٣.
وإذا أُدغمت الطاء والظاء في مُطبَق، مِثلَ أن يُدغما في الصاد والضاد٤، أو يُدغم٥ أحدهما في الآخر، قُلب المدغم إلى جنس ما يدغم فيه. وإذا أُدغما في غير [٦٦ب] مُطبَق، مِثلَ٦ أن يُدغما في الدال والتاء، فالأفصح ألَّا يُقلبا إلى جنس ما يُدغمان فيه بالجملة، بل يبقى الإطباق. وبعض العرب يُذهب الإطباق.
وإذهاب الإطباق٧ منهما، مع ما كان من غير المطبقات أَشبَهَ بهما، أحسنُ من إذهابه مع ما لم يكن كذلك. فإذهاب الإطباق٨ من الطاء مع الدال؛ لأنهما قد اجتمعا في الشِّدَّة، أحسن من إذهابه مع التاء٩؛ لأنها مهموسة. وإذهاب الإطباق من الظاء١٠ مع الزاي؛ لأنهما مجهوران، أحسنُ من إذهابه مع الثاء؛ لأنها مهموسة، وتمثيل الإدغام في ذلك بيِّن لا يُحتاج إليه.
ولا يُدغم١١ في الحروف المذكورة من غيرها إِلَّا اللام. وقد تبيَّن ذلك في فصل اللام.
ثمَّ الصاد والسين والزاي: كلّ واحدة١٢ منهنّ تُدغم في الأُخرى، لتقاربهنَّ في
_________________
(١) ١ ف: فقلبت. ٢ كذا. والبيت من قصيدة مجرورة الروي في ديوانه ص٢٦٠، وروايته: "زُلالِ". الكتاب ٢: ٤١٩ واللسان والتاج "صفق" و"عرو" و"قرح". واغتبقت: شربت عشيًّا. والصبير: ما تراكب من السحاب. والعرا: الفناء أو المكان العاري. وتصفقه: تضربه. والزلال: العذب الصافي البارد. وهو هنا صفة لصبير، والصواب أن يكون للغمامة ولا يؤنث بالتاء. وصف امرأة بطيب ماء الفم وبروده ورقته، فجعلها كالمغتبقة ماء غمامة في أرض بارزة للرياح. ٣ م: ضادًا. ٤ ف: أو الضاد. ٥ في النسختين: أو تدغم. ٦ م: قبل. ٧ ف: وإذهابه. ٨ م: فإذهابه. ٩ م: الياء. ١٠ م: الطاء. ١١ سقط من م حتى "في فصل اللام". وهو تكرار لما مضى في ص٤٤٤. ١٢ م: واحد.
[ ٤٤٧ ]
المخرج، واجتماعهنّ١ في الصَّفير. فإذا قَلبتَ الأوَّل منهما إلى جنس الثاني قلبته إلى مقاربه٢ في المخرج وصفيريّ مثله، فلم يكن في الإدغام إخلال به. وسواء كان الأوَّل متحرِّكًا أو ساكنًا. إِلَّا أنَّ الإدغام إذا كان الأوَّل ساكنًا أحسنُ منه إذا كان الأوَّل متحرِّكًا؛ لأنه يلزم فيه تغييران: أحدهما تغيير الحرف بقلبه إلى جنس ما يدغم فيه، والآخر تغييره بالإسكان. وإذا كان الأوَّل ساكنًا لا يلزم فيه إِلَّا تغيير واحد. وهو قلب الأوَّل حرفًا من جنس ما يُدغم فيه.
والإدغام أحسن فيهنّ٣ من الإظهار؛ لأنهنّ٤ من حروف طرف اللسان والفم. والإدغام، كما تَقَدَّمَ، أصله أن يكون في حروف الفم و[طرف] اللسان. وذلك نحو قولك: احبِس صّابرًا وحَبَس صّابرٌ، واحبِس زَّيدًا وحَبَس زَّيدٌ٥، وأَوجِز صّابرًا وأَوجَز صّابرٌ، وأوجِز سَّلمةَ [وأوجَز سَّلمةُ] ٦، وافحَص زَّردةَ وفَحَص زَّردةُ، وافحَص سَّالِمًا وفَحَص سَّالِمٌ.
وإذا أَدغمتَ الصاد في الزاي أو في السين قلبتها حرفًا من جنس ما أَدغمتها فيه، فتقلبها مع السين سينًا، ومع الزاي زايًا٧. إِلَّا أنك تُبقي الإطباق الذي٨ في الصاد محافظة عليه. وقد يجوز ترك الإطباق، حملًا على الأصل في الإدغام، من أن تَقلِب٩ الحرفَ إلى جنس ما يُدغم فيه البتَّة. وإذهاب١٠ الإطباق منها مع السين أحسنُ من إذهابه مع الزاي؛ لأنَّ السين تُشاركها في الهمس، ولا١١ تُخالفها الصاد بأكثر من الإطباق.
وإذا أَدغمتها في الصاد قَلبتهما صادين١٢ البتَّة؛ لأنه ليس في ذلك إخلال بهما. وكذلك إذا أَدغمتَ السينَ في الزاي، والزايَ١٣ في السين، قلبتَ كلَّ واحدة منهما إلى جنس ما يُدغم فيه البتَّة؛ لأنه ليس في ذلك إخلال.
ولا يُدغم شيء من هذه الصفيريَّات في شيء ممّا يقاربها من الحروف؛ لأنَّ في ذلك إخلالًا
_________________
(١) ١ م: واجتماعها. ٢ م: مقاربة. ٣ م: فيها أحسن. ٤ م: كون. ٥ م: زيدًا. ٦ من م. ٧ في النسختين: ومع الصاد صادًا. ٨ م: والذي. ٩ م: ينقلب. ١٠ في حاشية ف بخط أبي حيان أن إحدى النسخ فيها: وترك إذهاب. ١١ م: في المهموس وليست. ١٢ م: صادًا. ١٣ م: أو الزاي.
[ ٤٤٨ ]
بها؛ لأنها لو أُدغمت لقُلبت من جنس ما تدغم١ فيه فيذهب الصفير. وهو فضلُ٢ صوت في الحرف.
ويُدغم فيها من٣ غيرها اللامُ -وقد تَقَدَّمَ ذلك في فصل اللام- والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء. وقد تَقَدَّمَ ذلك٤ في فصل الطاء وأخواتها.
ثمَّ الفاء: ولا تُدغم في مُقاربها؛ لأنَّ فيها تفشِّيًا. فلو أدغمتها لذهب ذلك التفشِّي. ويُدغم فيها ممّا يُقاربها٥ الباءُ، فتقول: اذهَب فّي ذلك؛ لأنه ليس في ذلك إخلال بالباء٦، بل تقوية بقلبها حرفًا متفشِّيًا.
فأمَّا الميم٧ والواو، وإن كانتا تقاربان الفاء٨ في المخرج؛ لأنهما من الشَّفتَين كالفاء، فلم تُدغما في الفاء٩؛ لأنَّ الميم فيها غُنَّة والواو فيها١٠ لِينٌ. والغُنَّة واللِّين فضلُ صوت في الحرف. فلو أَدغمتَهما١١ فيها لقلبتهما١٢ فاء، فتذهب الغُنَّةُ واللِّينُ، فيكون ذلك إخلالًا بهما١٣.
ثمَّ الباء: وهي تُدغم في الفاء والميم١٤، لقربهما منها في المخرج -وذلك نحو: اذهَب فّي ذلك واصحَب مَّطرًا- ولا يُدغم١٥ فيها شيء، وسبب ذلك أنَّ الذي يُقاربها في المخرج إنَّما هو الفاء والميم والواو: فأمَّا الفاء فلم تُدغم فيها للعِلَّة التي تَقَدَّمَ ذكرها في فصل الفاء. وأمَّا الميم والواو فلم تُدغما في الباء١٦ للعِلَّة التي مَنعتْ من إدْغامِهما١٧ في الفاء. وأيضًا فإنِّ النون
_________________
(١) ١ م: ما يدغم. ٢ م: فصل. ٣ م: مع. ٤ سقط من م. ٥ م: من ما تقاربها. ٦ م: بالياء. ٧ ف: فالميم. ٨ ف: تقاربانها. ٩ ف: لم تدغم فيها. ١٠ م: وفي الواو. ١١ م: أدغمتها. ١٢ م: لقلبتها. ١٣ ف: والغنة واللين فضل صوت في الحرف فكرهوا إذهابهما بالإدغام في الفاء. ١٤ م: الميم والفاء. ١٥ م: ولا تدغم. ١٦ م: الياء. ١٧ في النسختين: إدغامها.
[ ٤٤٩ ]
الساكنة تُقلب قبل الباء ميمًا. فإذا كانوا يفرُّون من النون الساكنة إلى الميم قبل الباء١ فالأحرى أن يُقِرُّوها إذا وجدوها.
ثمَّ الميم: ولا تُدغم في شيء ممّا يقاربها؛ لأنها إنَّما يُقاربها في المخرج الفاء والباء والواو. وقد تَقَدَّمَ ذكر السبب المانع من إدغام الميم في هذه الأحرف الثلاثة. ولا يُدغم٢ فيها إِلَّا النونُ -وقد تَقَدَّمَ ذلك في فصل النون وأخواتها- والياء. وقد تَقَدَّمَ ذلك في فصل الياء وأخواتها٣.
ثمَّ الواو: وهي لا تُدغم [٦٧أ] إِلَّا في الياء، لاجتماعها معها في الإعلال واللِّين، ولا تُدغم٤ في شيء ممّا يُقاربها؛ لأنها٥ حرف عِلَّة والمقارب لها حروف صحَّة. وهي٦ الميم والباء والفاء. وقد تَقَدَّمَ أنَّ حروف العِلَّة لا تُدغم في حروف الصحَّة، وإعطاءُ السبب في ذلك٧. ولا يُدغم فيها من غيرها إِلَّا النون. وقد تقَدَّمَ ذلك في فصلها٨.
واعلم أنَّ الإدغام في المتقاربَينِ٩ إنَّما يجوز إذا كانا من كلمتين؛ لأنه لا يلتبس إذ ذاك بإدغام المِثلين؛ لأنَّ الإدغام فيما هو من كلمتين لا يلزم، بل يجوز الإظهار فيكون في ذلك بيانٌ للأصل. فإن اجتمع المتقاربان في كلمة واحدة لم يجز الإدغام١٠ لِما في ذلك من اللَّبس بإدغام المِثلين؛ لأنَّ الإدغام في الكلمة الواحدة لازم. فإذا أدغمتَ لم يبق ما يُستدلُّ به على الأصل؛ ألا ترى أنك لو أَدغمتَ النون من أَنمُلَة في الميم١١، فقلت "أَمُّلَة"، لم يُدرَ: هل الأصل أنْمُلة أو١٢ "أمْمُلة"؟
ولأجل اللَّبس، الذي في إدغام المتقاربين من كلمة واحدة، بيَّنتِ العربُ النونَ الساكنة، إذا
_________________
(١) ١ ف: فإذا كانوا يفرون إليها. ٢ م: ولا تدغم. ٣ ف: إِلَّا النون والياء وقد تَقَدَّمَ في فصليهما. ٤ م: ولا يدغم. ٥ سقط من م حتى "حروف صحة". ٦ م: وهو. ٧ م: وقد تقدم ذكر السبب في ذلك. ٨ أي: فصل النون. انظر ص٤٤٠-٤٤١. م: في فصل النون وأخواتها. ٩ ف: إدغام أحد المتقاربين في الآخر. ١٠ كذا. وانظر في ص١٩٧ و٤٥٣: امّحي. ١١ م: في اللام. ١٢ م: أم.
[ ٤٥٠ ]
وقعت قبل الميم أو الواو أو الياء١ في كلمة، نحو: زُنْم٢ [وأَنْمُلة] ٣ وقَنْواء٤ وكُنْية٥. ولم تُخفِها كما٦ تفعل بها مع سائر حروف الفم؛ لأنَّ الإخفاء يُقرِّبها من الإدغام، فخافوا أن يلتبس الإخفاء بالإدغام، فقلبوا لذلك.
ولذلك٧ أيضًا لم يوجد في كلامهم نون ساكنة قبل راء أو لام نحو: "عَنْل" و"قنْر"، في كلمة واحدة٨؛ لأنَّك إن بَيَّنت ثَقُل لقرب النون من الراء واللام٩، وإن أَدغمت التبس بإدغام المِثلين.
إِلَّا أن يجتمع المتقاربان في "افتَعَلَ" أو "تَفَاعَلَ" أو "تَفَعَّلَ"، نحو: اختَصَمَ وتَطَيَّرَ وتَطايَرَ، فإنه يجوز الإدغام فيها١٠.والسبب في ذلك ما ذكرناه في إدغام المِثلين١١، من أنَّ التاء من هذه الأبنية الثلاثة تَنزَّلت ممّا بعدها منزلةَ المنفصل؛ لأنه لا يلزم أن يكون بعدها مثلها. وكذلك أيضًا لا يلزم أن يكون بعدها مقاربها كما لا يلزم ذلك في الكلمتين. فلمَّا أشبهَ اجتماع المُتقاربين فيها١٢ اجتماعهما في الكلمتين لم يلزم الإدغام كما لا يلزم١٣ ذلك في الكلمتين، فأُمنَ التباس إدغام المتقاربين في هذه الأبنية١٤ بإدغام المِثلين؛ لأنَّ الإظهار يُبيِّنُ الأصل، كما كان ذلك في الكلمتين.
فإذا أردتَ الإدغام قلبتَ أحد المتقاربين إلى جنس الآخر، على١٥ حسب ما أحكم في الفصول المتقدِّمة، ثمَّ أَدغمت. فتقول في "تَطيَّرَ" و"تَدارأَ"١٦ إذا أردت الإدغام: اطَّيَّرَ
_________________
(١) ١ سقط "أو الياء" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٢ زنم: جمع زنماء. وهي الشاة التي لها زنمة. م: رنم. ٣ من م. ٤ القنواء. المحدودبة الأنف. ٥ سقط من النسختين وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٦ سقط من م. ٧ م: وكذلك. ٨ سقط "في كلمة واحدة" من م. ٩ ف: لقرب النون منهما. ١٠ م: فيهما. ١١ في الورقة ٥٩. ١٢ م: فيهما. ١٣ م: كما لم يلزم. ١٤ م: إدغام المتقاربين فيها. ١٥ يبدأ ههنا في م خط مغاير ويستمر حتى الخرم الذي سنشير إليه في ص٤٥٢ و٤٥٥. ١٦ م: ندار.
[ ٤٥١ ]
وادَّارأَ١، فتَقلِبُ التاء٢ حرفًا من جنس ما بعدها وتسكِّنه بسبب الإدغام، ثمَّ تُدغم وتجتلب همزة الوصل، إذ لا يمكن الابتداء بالساكن٣.
وتقول في "اختَصمَ" إذا أردت الإدغام: خَصَّمَ، فتقلب التاء صادًا وتسكِّنها بنقل حركتها إلى ما قبلَها ثمَّ تُدغم. هذا في لغة من قال "قَتَّلَ" بفتح القاف والتاء. ومن قال "قِتَّلَ" بفتح التاء٤ وكسر القاف قال: خِصَّمَ، بكسر الخاء وفتح٥ الصاد. ومن٦ قال: "قِتِّلَ" بكسرهما قال: خِصِّمَ، بكسر الخاء والصاد، والعِلَّة في ذلك كالعِلَّة في "قتَّل" وأمثاله.
وحكم اسم الفاعل والمفعول والمصدر والمضارع أن يكون مثلَه٧ من "قتَّل" وأمثاله -وقد تقَدَّمَ- إذ ليس بين إدغام التاء٨ من هذه الأمثلة فيما بعدها، إذا٩ كان مماثلًا لها، وبين إدغامها فيه إذا كان مقاربًا لها فرق أكثر من أنك تقلب التاء إلى١٠ جنس ما يقاربها، ولا تحتاج إلى ذلك إذا أدغمتها في مثلها.
فإن قال قائل: فهلَّا أُجريت التاء من "استَفعَلَ" مُجرى التاء من "افتَعَلَ" فأدغموها فيما يقاربها، كما فعلوا بتاء "افتَعَلَ"؛ لأنها لا يلزمها أن تكون بعدها ما يُماثلها١١ ولا ما يُقاربها، كما لا يلزم ذلك بتاء "افتَعَلَ". فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك أنَّهم١٢ لو أدغموا لاحتاجوا إلى تحريك السين كما احتاجوا إلى تحريك فاء "افتَعَلَ". فكرهوا أن يحرِّكوا حرفًا لم تدخله الحركة في موضع؛ لأنَّ السين لا تُزاد في الفعل إِلَّا ساكنة. وأمَّا فاء "افتَعَلَ" فإنها قد كانت واسع".
_________________
(١) ١ م: "ادار". وانظر الكتاب ٢: ٤٢٥. ٢ م: الياء. ٣ م: بساكن. ٤ م: القاف. ٥ سقط من م. ٦ سقط حتى "بكسر الخاء والصاد" من م. ٧ انظر الورقتين ٥٩ و٦٠. م: واسم الفاعل والمفعول والمصدر والمضارع الحكم في جميع ذلك كالحكم فيه. ٨ م: الياء. ٩ م: إذ. ١٠ م: من. ١١ يبدأ ههنا خرم في م وينتهي بمستهل الباب التالي. انظر ص٤٥٥. ١٢ في حاشية ف بخط أبي حيان أن ابن مالك علق على هذا بما يلي: "الوجه أن يقال: ما بعد التاء هنا يسكن نحو: استثنَى واستصلحَ. ولا يدغم متحرِّك في ساكن حشوًا. ولا يتحرَّك ما بعدها إِلَّا بحركة عارضة، منقولة مما بعده، لإدغام أو إعلال نحو: استتبَّ واستطارَ. فإن شئت قلت: لمَّا كان الأكثر والأصل السكون، ولا يصحّ فيه الإدغام، حُمل هذا عليه. فإن شئت قلت: لَمَّا كانت الحركة عارضة [لم] تُعتبر. وما ذكر لا يظهر؛ لأنه مصادرة على المطلوب؛ لأنه لا مانع من تحرُّكها إِلَّا عدم المسوّغ. وهنا المسوّغ، إِلَّا أنَّ الحركة منقولة، فهي كجَيَلٍ وضوٍ والحَمرِ، لَمَّا كانت منقولة لم تعتبر كما أنه لم تحذف الهمزة في الحَمر. وهذا الباب
[ ٤٥٢ ]
متحرِّكة قبل لحاق الفعل الزيادة، فلم تُكره الحركة فيها لذلك؛ ألا ترى أنَّ الخاءَ من "اختَصَمَ" متحرِّكة في "خَصِمَ".
ولأجل١ تعذّر الإدغام شَذَّ بعضهم، فحذف التاء من "يَستَطِيعُ" لمَّا استثقل اجتماع المتقاربين، فقال: يَسطِيعُ.
وكذلك أيضًا يجوز الإدغام في المتقاربين، وإن كانا في كلمة واحدة، إذا كان بناء الكلمة مبيِّنًا أنَّ الإدغام لا يمكن أن يكون من قَبيل إدغام المِثلين. وذلك نحو: "انفَعَلَ" من المحو. فإنك تقول فيه: امَّحَى؛ لأنه لا يمكن أن يكون من قبيل إدغام المِثلين؛ لأنه [٦٧ب] ليس في الكلام "افَّعَلَ"، فعُلم أنه "انمَحَى" في الأصل.
فهذا جميع ما يجوز فيه إدغام المتقاربين، ممّا هو في كلمة واحدة، إِلَّا ما شَذَّ من خلاف ذلك، فيُحفظ ولا يقاس عليه. فمن ذلك٢: سِتٌّ ووَدٌّ وعِدَّانٌ.
أمَّا سِتٌّ فأصلها "سِدْسٌ"، بدليل قولهم في الجمع: أَسداسٌ، فأبدلوا من السين تاء؛ لأنَّ السين مضعَّفة وليس بينهما حاجز إِلَّا الدال، وهي ليست بحاجز قويٍّ لسكونها. وأيضًا فإنَّ مخرجها من أقرب المخارج إلى مخرج السين، فكأنه قد اجتمع فيه ثلاث سينات. وكرهوا إدغام الدال في السين؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لقالوا: "سِسٌّ"، فيزداد اللفظ سينًا. فأبدلوا من السين حرفًا يقرب منها ومن الدال -وهو التاء- لأنَّ التاء تقارب الدالَ في المخرج والسينَ في الهمس، فقالوا: "سِدْتٌ".
فكرهوا أيضًا اجتماع الدال ساكنة مع التاء، لِما بينهما من التقارب [حتَّى] كأنهما مِثلان، مع أنَّ الكلمة قد كثُرَ استعمالها، فيه مستدعية للتخفيف من أجل ذلك. فأدغموا الدال في التاء، ليخفَّ اللفظ، فقالوا: سِتٌّ.
وأمَّا٣ وَدٌّ وعِدَّانٌ فأصلهما: وَتِدٌ وعِتْدانٌ جمع عَتُود٤. فاستثقلوا في عِتدان اجتماع التاء الساكنة مع الدال، للتقارب الذي بينهما حتَّى كأنهما مِثلان، ليس بينهما حاجز كما تقَدَّمَ. وكذلك أيضًا وَتِدٌ لَمَّا سكنت التاء في لغة بني تميم، كما يقولون في فَخِذ: فَخْذ، اجتمعت التاء ساكنة مع الدال، فاستثقلوا ذلك كما استثقلوا في عِتْدانٍ البيان٥ حين أدغموا فقالوا: عِدَّانٌ، والبيانُ فيه جائز. ولو كانت التاء متحرِّكة لم تُدغَم؛ لأنَّ الحركة في النيَّة بعد الحرف، فتجيء
_________________
(١) ١ سقط حتى قوله: "يسطيع" من المتن، وألحقه أبو حيان بالحاشية. ٢ في الحاشية بخط أبي حيان أن إحدى النسخ فيها موضع "فمن ذلك": "والذي شذَّ من خلاف ذلك". ٣ شرح الشافية ٣: ٢٦٨-٢٦٩. ٤ سقط "جمع عتود" من المتن، وألحقه أبو حيان بالحاشية. والعتود: الجذع من أولاد المعز. ٥ سقط من المتن حتى "فيه جائز"، وألحقه أبو حيان بالحاشية.
[ ٤٥٣ ]
فاصلة بينهما.
وممّا يبيِّن استثقالهم التاء ساكنة قبل الدال اجتنابُهم١ وَتْدًا ووَطْدًا في مصدر: وَتَدَ ووَطَدَ، وعُدُولُهم عن ذلك إلى تِدَة وطِدَة، كعِدَة.
فإن كان الثاني من المتقاربين٢ ساكنًا بُيِّنا ولم يجزِ الإدغام. وقد شذَّت العرب في شيء من ذلك، فحذفوا أحد المتقاربين، لَمَّا تعذَّر التخفيف بالإدغام؛ لأنه يؤدِّي إلى اجتماع ساكنين؛ لأنه لا يُدغم الأوَّل في الثاني حتَّى يسكن كما تَقَدَّمَ، فقالوا: بَلْحارِثِ٣ وبَلْعَنبَرِ وبَلْهُجَيمِ٤، في بني الحارثِ وبني العنبر وبني الهُجَيمِ٥. وكذلك يفعلون في كلِّ قبيلة ظهر فيها لام المعرفة نحو: بَلْهُجَيمِ٦ وبَلْقَينِ، في بني الهُجَيمِ٦ وبني القَينِ. فإن لم تظهر فيها لام المعرفة لم يحذفوا، نحو: بني النَّجَّار وبني النَّمِر وبني التَّيم، لئلَّا يجتمع عليه علَّتانِ: الإدغام والحذف.
وذلك أنه لَمَّا حُذفت الياء من "بني" لالتقائها ساكنة مع لام التعريف اجتمعت النون مع اللام -وهما متقاربان- فكُره اجتماعهما لِما في ذلك من الثقل، مع أنه قد كثر استعمالهم لذلك -وكثرة الاستعمال مدعاة للتخفيف- فخفَّفوا بالحذف، إذ لا يمكن التخفيف بالإدغام.
_________________
(١) ١ أي: اجتناب بني تميم. ٢ يريد: من المتقاربين في كلمة واحدة أو كلمتين. ٣ في الحاشية بخط أبي حيان أن ابن مالك علق على هذا بما يلي: "ليس هذا موضع بلحارث؛ لأنه من كلمتين". قلت: ولم يخص ابن عصفور هذه الفقرة بالإدغام أو التخفيف في كلمة واحدة دونه في كلمتين، وإن كان ظاهر النصِّ قد يوهم بذلك. وانظر التعليقة المتقدمة. ٤ سقط من المتن وألحق بالحاشية. ٥ زاد أبو حيان في حاشية ف قوله: "وحذفوا نون "مِن" مع لام التعريف فقالوا: مِلْمالِ". وقد سقط "وبني الهجيم وكذلك الإدغام والحذف" من المتن وألحقه أبو حيان بالحاشية. ٦ كذا، بتكراره مع ذكره قبل.
[ ٤٥٤ ]
ما أدغمته القراء على غير قياس:
يُذكر فيه ما أدغمتْه القُرَّاءُ، ممّا ذُكر أنه لا يجوز١ إدغامه. فمن ذلك قراءة أبي عمرو: "الرُّعْب بِّما"٢ بإدغام باء "الرُّعب" في الباء التي بعدها، مع أنَّ قبل الباء حرفًا ساكنًا صحيحًا، وقد تقَدَّمَ أنه لا يجوز عند البصريِّين٣، وحملوا قراءة أبي عمرو على الإخفاء. وقد تقَدَّمَ أنَّ الإخفاء٤ يُسمَّى إدغامًا.
ومن ذلك قراءته: "مَريَم بُّهتانًا"٥ و"بأعلَم بِّالشَّاكِرِينَ"٦ و"لِكَيلا يَعلَم بَّعدَ عِلمٍ شَيئًا"٧ وأمثالَ ذلك، بإدغام الميم في الباء. وقد تَقَدَّمَ أنَّ الميم من الحروف التي لا تدغم في مقاربها. وينبغي٨ أن يُحمل ذلك على الإخفاء. وعلى ذلك كان يتأوَّله أبو بكر بن مجاهد، رحمه الله٩. وينبغي أن يكون الإدغام في ذلك محفوظًا عن أبي عمرو. ويُحكى عن البصريِّين أنَّ أبا عمرو كان يختلس الحركة في ذلك، فيرى من يسمعه ممَّن لا يضبط سمعُه أنه أسكن الحرف الأوَّل، وإن كان لم يُسكِن.
ومن ذلك إدغام الكسائيِّ وحده الفاء من: "نَخْسِف بِّهِم"١٠ في الباء. وقد تَقَدَّمَ أنها من الحروف التي لا تُدغَم في مقاربها، ولا يُحفظ ذلك من كلامهم. وهو مع ذلك ضعيف في
_________________
(١) ١ ينتهي ههنا الخرم في م ويعود الخط المغاير. ٢ الآية ١٥١ من سورة آل عمران. م: والرعب بما. ٣ كذا. ولم يتقدم شيء من هذا. انظر ص٤١٤. ٤ انظر ص٤٥٤ وسر الصناعة ١: ٦٤-٦٨. ٥ الآية ١٥٦ من سورة النساء. ٦ الآية ٥٣ من سورة الأنعام. وفي النسختين. أعلم بالشاكرين. ٧ الآية ٧٠ من سورة النحل. ٨ زاد في م: أيضًا. ٩ م: "رحمة الله عليه". وأبو بكر هو: أحمد بن موسى التميمي الحافظ البغدادي، شيخ القرَّاءِ وأوَّل من صنف في القراءات السبع. توفي سنة ٢٣٤. غاية النهاية ١: ١٣٩. ١٠ الآية ٩ من سورة سبأ. م: ردف بهم.
[ ٤٥٥ ]
القياس، لِما فيه من إذهاب التفشِّي الذي في الفاء.
ومن ذلك ما١ رُوي عن ابن كَثير من إدغام التاء التي في أوَّل [الفعل] ٢ المستقبل في تاء بعدها في أحرف كثيرة، منها ما فيه٣ قبلها متحرِّك، ومنها ما فيه٤ قبلها ساكن من حروف المدِّ واللِّين ومن٥ غيرها. فأمَّا ما قبله متحرِّك فنحو قوله: "فتَّفَرَّقَ بِكُم"٦ و"هِيَ تَّلَقَّفُ"٧. وأمَّا ما كان قبله ساكن من حروف المدِّ واللِّين فقوله تعالى٨: "ولا تَّيَمَّمُوا٩ الخَبِيثَ"١٠ و"لا تَّفَرَّقُوا"١١ و"لا تَّنازَعُوا"١٢. وأمَّا ما كان قبله ساكن من غير حروف المدِّ واللِّين فقوله تعالى: "فإِن تَّوَلَّوا"١٣ و"إذ تَّلَقَّونَهُ"١٤.
وقد تقَدَّمَ أنَّ سيبويه١٥ لا يجيز إسكان هذه التاء في "تَتَكلَّمون" ونحوه؛ لأنها إذا سُكِّنت احتيج لها ألف [٦٨أ] وصل، وألفُ الوصل لا تَلحق الفعل المضارع. فإذا اتَّصلت بما قبلها جاز؛ لأنه لا يُحتاج إلى همزة وصل. إِلَّا أنَّ مثل "فإِن١٦ تَّوَلَّوا" و"إذ تَّلَقَّونَهُ" لا يجوز عند البصريِّين، على حال، لِما في ذلك من الجمع بين الساكنين، وليس الساكن الأوَّل حرفَ مدٍّ ولِين.
ومن ذلك قراءة أبي عمرو: "والحَرْث ذّلِكَ"١٧ بإدغام الثاء١٨ في الذال وما قبلها ساكنٌ صحيح. ولكن يَتخرَّج على مثل ما تَقَدَّمَ من الإخفاء.
_________________
(١) ١ م: ومن ذلك قوله. ٢ من م. ٣ سقط من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٤ سقط من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ٥ ينتهي ههنا الخط المغاير في م. ٦ الآية ١٥٣ من سورة الأنعام. ٧ الآية ١١٧ من سورة الأعراف والآية ٤٥ من سورة الشعراء. ٨ سقط "فقوله تعالى" من م. ٩ م: ولا تمموا. ١٠ الآية من ٢٦٧ من سورة البقرة. ١١ الآية ١٠٣ من سورة آل عمران والآية ١٣ من سورة الشورى. ١٢ الآية ٤٦ من سورة الأنفال. ١٣ الآيات: ٣٢ من سورة آل عمران و٥٧ من سورة هود و٥٤ من سورة النور. ١٤ الآية ٥ من سورة النور. ١٥ الكتاب ٢: ٤٢٦. ولم يتقدم ما ذكر. انظر ص٤٠٦. ١٦ في النسختين: إن. ١٧ الآية ١٤ من سورة الأنعام. ١٨ م: الثاني.
[ ٤٥٦ ]
ومن ذلك ما رَوى اليزيديُّ عن أبي عمرو، من إدغام الجيم في التاء في مثل١: "ذِي المَعارِج تَّعرُجُ"، وسيبويه٢ لم يذكر إدغامها إِلَّا في الشين خاصَّة. فينبغي أن يُحمل ذلك على إِخفاء الحركة أيضًا.
ومن ذلك إدغام أبي عمرو الحاء في العين من قوله تعالى٣: "فمَن زُحْزِح عَّنِ النَّارِ" في إحدى الروايتين. وذلك أنَّ اليزيديُّ روى عنه أنه لم يكن يدغم الحاء في العين إِلَّا في قوله تعالى: "فَمن زُحْزِح عَّنِ النّارِ". وروَى عنه أنه قال: مِن العرب مَن يُدغِم الحاء في العين، كقوله تعالى: "فمَن زُحزِح عَّنِ النَّارِ". قال: وكان أبو عمرو لا يرى ذلك. والصحيح أنَّ إِدغام الحاء في العين لم يثبت. وإن جاء من ذلك ما يوهم أنه إدغام فإنَّما يُحمل على الإخفاء.
ومن ذلك قراءة أبي عمرو: "ولا تَنقُضُوا الأيمانَ بَعْد تَّوكِيدِها"٤ بإدغام الدال في التاء، فينبغي أن يُحمل ذلك أيضًا على الإخفاء.
وعلى ذلك أيضًا ينبغي أن تُحمل قراءته: "مِن بَعْد ضَّرَّاءَ مَسَّتْهُ"٥ و"مِن بَعْد ضَّعفٍ"٦ و"المَهْد صَّبيًّا"٧، على أنه أخفى٨ حركة الدال في جميع ذلك ولم يُدغِم.
ومثل ذلك أيضًا قراءته: "شَهْر رَّمَضانَ"٩ و"عَتَوا عَن أَمْر رَّبِّهِم"١٠ و"ذِكْر رَّحْمَةِ"١١ و"البَحْر رَّهْوًا"١٢، أَخفى١٣ حركة الراء الأولى في جميع ذلك ولم يُدغِم.
ومن ذلك ما رُوي عن يعقوب الحضرميِّ من إدغام الراء١٤ في اللام١٥. وكذلك أيضًا
_________________
(١) ١ الآيتان ٣، ٤ من سورة المعارج. ٢ الكتاب ٢: ٤١٤. ٣ الآية ١٨٥ من سورة آل عمران. ٤ الآية ٩١ من سورة النحل. ٥ الآية ٥٠ من سورة فصلت. ٦ الآية ٥٤ من سورة الروم. ٧ الآية ٢٩ من سورة مريم. ٨ في النسختين: إخفاء. ٩ الآية ١٥٨ من سورة البقرة. ١٠ الآية ٧٧ من سورة الأعراف. ١١ الآية ٢ من سورة مريم. ١٢ الآية ٢٤ من سورة الدخان. ١٣ م: خفى. ١٤ علق عليه في حاشية ف بنص اخترم بعضه. ١٥ بعده في ف: "في جميع ذلك". وصوابه: "وكذلك" كما في م. ويعقوب الحضرمي هو أحد القراء العشرة وإمام أهل البصرة ومقرئها، توفي سنة ٢٠٥. غاية النهاية ٢: ٣٨٦.
[ ٤٥٧ ]
روى أبو بكر١ بنُ مجاهدٍ عن أبي عمرو أنه كان يُدغِم الراء٢ في اللام، متحرِّكةً كانت الراء أو ساكنة، نحو: "فاغفِر لَّنا"٣ و"استَغفِر لَّهُم"٤ و"يَغْفِر لَّكُم". فإن سَكَنَ ما قبل الراء أدغمها في اللام في موضع الرفع والخفض نحو: "حِينٌ مِنَ الدَّهْر لَّم يَكُنْ"٥. ولا يُدغِم إذا كانت الراء مفتوحة كقوله: ﴿مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ ٦ و﴿الذِّكْرَ لِتُبَيِّن﴾ ٧ وأمثال ذلك.
وفصلُه بين الراء المفتوحة وغيرها إذا سكن ما قبلها دليل على أنَّ ذلك ليس بإدغام، وإنَّما هو رَومٌ لا إِدغام، والرَّوم لا يُتصوَّرُ في المفتوح٨ وهذا مخالف لما ذكره سيبويه٩ من أنَّ الراء لا تُدغَم في مقاربها لما فيها من التكرار. وهو القياس. ولم يحفظ سيبويه الإدغام في ذلك.
وروى أبو بكر بن مجاهد عن أحمد بن يحيى عن أصحابه عن الفرَّاء أنه قال: كان أبو عمرو يروي عن العرب إدغام الراء في اللام. وقد أجازه الكسائيُّ أيضًا، وله وُجَيه من القياس. وهو أنَّ الراء إذا أُدغمَت في اللام صارت لامًا، ولفظُ اللام أسهل من الراء لعدم التكرار١٠ فيها، وإذا لم تُدغَم الراءُ كان في ذلك ثقل؛ لأنَّ الراء فيها تكرار فكأنها راءانِ، واللامُ قريبة من الراء، فتصير كأنك قد أتيت بثلاثة أحرف من جنس واحد.
ومن ذلك قراءة أبي عمرو: "الشَّمْس١١ سَّراجًا"١٢ بإدغام السين في السين، و"لِبَعْض شَّأنِهِم"١٣ بإدغام الضاد في الشين، و"نَحْن لَّهُ مُسلِمُونَ"١٤ بإدغام النون في اللام، و"مِن
_________________
(١) ١ ف: "روي عن أبي بكر". وفي حاشيتها: روى أبو بكر. ٢ في حاشية ف بخط أبي حيان أنَّ إدغام الراء في اللام إظهارها مثل ما ذكره ابن عصفور، إِلَّا ما روي عنه من إظهار الراء الساكنة، وأنَّ الخليل وسيبويه لا يجيزان إدغام الراء ف اللام، وأجازه الكسائي والرؤاسي والفراء حكاية عن العرب، وكذلك أبو عمرو وتابعه يعقوب الحضرمي. ٣ الآيتان ١٤٧ من سورة آل عمران و١٠ من سورة الحشر. ٤ الآية ٨٠ من سورة التوبة. ٥ الآية ١ من سورة الإنسان. ٦ الآية ٢١ من سورة يوسف. ٧ الآية ٤٤ من سورة النمل. ف: ليبين. ٨ في حاشية ف بخط أبي حيان أن ابن مالك علق على هذا بما يلي: "غير صحيح. الروم يكون في المفتوح، وإنَّما يمتنع منه الإشمام. وصوابه: لا يكون فيه إخفاء واختلاس؛ لأنَّ الفتحة خفيفة. فإن كان أراد هذا فلم يعبر بالمألوف". ٩ الكتاب ٢: ٤١٢. ١٠ في حاشية ف بخط أبي حيان أن ابن مالك علق عليه بما يلي: "عدم التكرار هو الذي أوجب ترك الإدغام؛ لأنَّ الأصل أنَّ كل حرف فيه زيادة يؤدِّي الإدغام إلى إذهابها فإدغامه ممتنع". وانظر ص٤٤٤. ١١ في النسختين: والشمس. ١٢ الآية ١٦ من سورة نوح. ١٣ الآية ٦٢ من سورة النور. ١٤ الآيات: ١٣٣ و١٣٦ من سورة البقرة و٨٤ من سورة آل عمران و٦٤ من سورة العنكبوت.
[ ٤٥٨ ]
خِزْي يَّومَئذٍ"١ و"فهْي يَّومَئذٍ"٢ بإدغام الياء في الياء. جميع ذلك ينبغي أن يحمل على الإخفاء، لِما في الإدغام من الجمع بين ساكنين، وليس الأوَّل٣ حرف مدٍّ ولِين. وأيضًا فإنَّ الضاد لا تُدغَم في الشين.
وأمَّا "واشتَعَلَ الرَّأْس شَّيبًا"٤، بإدغام السين في الشين٥، فإنَّ الرواية عن أبي عمرو اختلفت في ذلك: فمنهم من روى أنه أَدغم، ومنهم من روى أنه منع. والذي عليه البصريُّون أنَّ إدغام السين في الشين لا يجوز. وأيضًا فإنَّ الإدغام يؤدِّي إلى الجمع بين ساكنين، وليس [قبل] الأوَّل حرف مدٍّ ولِينٍ.
ومن ذلك ما رُوي عنه من أنه قرأ: "إِلهَه هَّواهُ"٦ وأمثالَه بإدغام الهاء في الهاء، وبين الهاءين٧ فاصل -وهو٨ الواو التي هي صلة الضمير- فحَذفَ الصِّلَة وأَدغم. وإدغام٩ هذا مخالف للقياس؛ لأنَّ هذه الواو إنَّما تُحذف في الوقف، وأمَّا في الوصل فتثبت. وأنت١٠ إذا أَدغمتَ في حال وصل فينبغي ألَّا تَحذفها. وإذا لم تَحذفها لم يمكن الإدغام. لكن وجه ذلك أمران:
أحدهما١١: تشبيه الإدغام بالوقف، في أنَّ الإدغام يوجب التسكين للأوَّل كما أنَّ الوقف يوجب له ذلك. فحَذَف الواو١٢ في الإدغام على حدِّ حذفها في الوقف، فساغ الإدغام.
والآخر: أن يكون حذف الواو في الوصل كما حذفها [٦٨ب] الشاعر في قوله، أنشده الفرَّاء١٣:
_________________
(١) ١ الآية ٦٦ من سورة هود. ٢ الآية ١٦ من سورة الحاقة. وسقطت من م؛ لأنَّ الهاء قبل الياء لا يلزمها السكون. ٣ ف: في الأول. ٤ الآية ٤ من سورة مريم. ٥ م: في السين. ٦ الآية ٤٣ من سورة الفرقان والآية ٢٣ من سورة الجاثية. ٧ ف: بين الهاء والهاء. ٨ م: وهي. ٩ سقط "وإدغام" من م. ١٠ ف: وأما. ١١ سقط "أمران أحدهما" من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف. ١٢ في حاشية ف بخط أبي حيان أنَّ ابن مالك علق عليه بما يلي: "هذا خطأ بيِّنٌ؛ لأنَّ الإدغام كيف يسبب الحذف، وهو لا يكون إِلَّا بعد الحذف؟ " ١٣ الصحاح واللسان والتاج "غطي" والإنصاف ص٥١٨. والمغطي: المستور لذلته. والمجتلي، النابه الذكر المحمود الأثر.
[ ٤٥٩ ]
أنا ابنُ كِلابٍ وابنُ أوسٍ، فمَن يَكُنْ قِناعُهُ مَغْطِيًّا فإِنِّي لَمُجتَلِي
فلمَّا حذف الواو أدغم. والأوَّل أحسن؛ لأنَّ حذف الواو وصلًا في مثل هذا ضرورة.
[ ٤٦٠ ]
مسائل التمرين
ما قيس من الصحيح على صحيح مثله وما قيس من المعتل على نظيره من الصحيح
بَاب: مَا قِيسَ مِنَ الصَّحيح عَلىَ صَحيح مِثْله وَمَا قِيسَ مِنَ المُعتَلِّ عَلىَ نظيرهِ مِنَ الصَّحيح
هذا الباب نُبيِّن١ فيه كيفيَّة بنائك من الكلمة مثلَ نظائرها٢. فإذا قيل لك: ابنِ من كذا مثلَ كذا، فإنَّما معناه: فُكَّ صيغةَ هذه٣ الكلمة، وصُغ٤ من حروفها الأمثلة التي قد سئلت أن تبني مثلها، بأن تضعَ الأصلَ في مقابلة الأصل، والزائدَ في مقابلة الزائد إن كان في الكلمة التي تَبني٥ مثلَها زوائدُ، والمتحرِّكَ في مقابلة المتحرِّك، والساكنَ في مقابلة الساكن، وتجعلَ حركاتِ المبنيِّ على حَسَب حركات المبنيّ مثلُه الذي صيغ عليه، مِن ضمٍّ أو فتح أو كسر، على ما يُبيَّن بعدُ٦، إن شاء الله تعالى.
وللنحويِّين في هذا الباب ثلاثة مذاهب: منهم من ذهب إلى أنه لا يجوز شيء من٧ ذلك، وأنَّ ما يصنع٨ من ذلك فإنَّما القصد به أن يُبيَّن أنه لو كان من كلام العرب، كيف كان يكون حكمه. ومنهم من ذهب إلى أنَّ ذلك جائز٩ على كلِّ حال. ومنهم من فصَّل فقال: إن كانت العرب١٠ قد فعلتْ مثل ما فعلتَه من البناء، وكثُرَ ذلك في كلامها واطَّردَ، جاز لك ذلك. وإِلَّا لم يجز.
فالذي مَنع من ذلك جملةً حجَّتُه أنَّ في ذلك ارتجالًا١١ للُّغة؛ ألا ترى أنه، إذا بَنى من
_________________
(١) ١ ف: "يتبين". وانظر شرح الشافية ٣: ٢٩٤. ٢ م: على مثل نظيرها. ٣ م: فله صيغة منها. ٤ في النسختين: "وضع". والتصويب من المبدع. ٥ سقط "التي تبني" من م. ٦ سقط من م. ٧ م: لا يجوز بشيء نص. ٨ م: ما يضع. ٩ م: جاز. ١٠ سقط من م. ١١ م: "ارتجال". وفي حاشية ف أن في إحدى النسخ: انتحالًا.
[ ٤٦٣ ]
الضَّرْب مثل جَعفَر، فقال: "ضَرْبَبٌ"، قد أحدث لفظًا ليس من كلام العرب؟ والذي يجيز ذلك١ حجَّتُه أنَّ العرب قد أدخلت٢ في كلامها الألفاظ الأعجميَّة كثيرًا، ولم تمتنع من شيء من ذلك. وسواء كان بناء اللفظ الأعجميِّ٣ مثل بناءٍ من أبنية كلامهم، أو لم يكن نحو: إِبراهيم ومَرْزَنجُوش٤ وأشباه ذلك. فقاس على ذلك إِدخال هذه الأبنية المصنوعة في كلامهم، وإن٥ لم تكن منه.
وذلك باطل؛ لأنَّ العرب إذا أدخلت اللفظ العجميَّ في كلامها٦ لم يرجع بذلك عربيًّا، بل تكون قد تكلَّمت بلغة غيرها. وإذا تكلَّمنا نحن بهذه الألفاظ المصنوعة كان تكلُّمنا بما لا يرجع إلى لغة من اللغات٧.
والذي فصَّل حجَّتُه أنَّ العرب إذا فعلت مثل ذلك باطِّراد كان هذا الذي صنعناه نحن لاحقًا به، ومحكومًا له بأنه عربيٌّ؛ لأنه على قياس كلام العرب٨. فإن لم تفعلِ العرب مثله، أو فعلته بغير اطِّراد، لم يجز لأنه ليس له ما يقاس عليه. فإذا بنينا٩ من الضرب مثل جَعْفَر فقلنا: "ضَرْبَبٌ"، كان "ضَرْبَبٌ" عربيًّا. وجاز لنا التكلُّم به في النظم والنثر؛ لأنَّ العرب قد ألحقتِ الثُّلاثيَّ بالرباعيِّ بالتضعيف كثيرًا، نحو: قَرْدَد١٠ ومَهْدَد١١ ومَحْبَب١٢ وعُنْدَد١٣ ورِمْدِد١٤ وأمثال ذلك. إذ لا فرق بين قياس الألفاظ على الألفاظ وبين قياس الأحكام على الأحكام.
ألا ترى أنك تقول: طابَ الخُشكُنانُ١٥، فترفعه إذا كان فاعلا١٦ وإن لم تَسمَعِ العربَ
_________________
(١) ١ م: والذي يميز فله. ٢ م: أخلَّت. ٣ م: الأحمر. ٤ المرزنجوش: نبت. ٥ م: فإن. ٦ م: كلامهم. ٧ انظرالاقتراح ص١٣. ٨ م: على قياس كلامهم. ٩ م: بنيا. ١٠ القردد: ما ارتفع وغلظ من الأرض. ١١ مهدد: اسم امرأة. ١٢ محبب: اسم رجل. ١٣ في حاشية ف: أبو زيد: مالي عنه عندد ومعلندد أي: بدّ. ١٤ الرمدد: الرماد الكثير الدقيق جدًّا. ١٥ الخشكنان: ضرب من الطعام. ١٦ سقط من م.
[ ٤٦٤ ]
رَفعتْه، بل لم نسمع١ العرب تكلَّمت به أصلًا. لكن لَمَّا رفعَتْ نظائره من الفاعلينَ قستَه عليها فرفعتَه؟ فكما لا شكَّ في جواز ذلك، فكذلك لا ينبغي أن يُشكَّ في بناء مثل "جَعْفَر" من "الضَّرب" أو غيره، ممّا له في كلامهم نظير باطِّراد.
وينبغي أن تعلم أنه لا يجوز إِلَّا أن تكون الأُصول من حروف الكلمة، التي يُبنى منها مثلُ غيرها، مساويةً لأُصول٢ المبنيِّ مثلُه أو أقلَّ. وأمَّا أن تكون أكثر فلا. فيجوز٣ أن تبني من سَفَرجَل مثل: عَضْرَفُوط٤، فتقول٥: "سَفْرَجُولٌ"؛ لأنَّ الأُصول منهما متَّفقة؛ ألا ترى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما أُصوله٦ خمسة؟ وتقول في مثل جَعْفَر من الضَّرْب: "ضَرْبَبٌ"؛ لأنَّ أُصول الضرب أقلُّ من أُصول "جَعفر".
ولا يجوز أن تَبني من سَفَرْجَل مثل عَنكبوت؛ لأنَّ الأُصول من عنكبوت أربعة ومن سفرجل خمسة، فأنت إذا بنيتَ منه مثل عنكبوت احتجتَ إلى٧ حذفِ حرف من الأصل، فلا يصل٨ إلى أن يكون مثله إِلَّا بحذف حرف، وحذفُ حرف من الأصل لا يجوز بقياس. وأيضًا فإنه، وإن كان محذوفًا، منويّ٩ مراد. وإذا كان كذلك كان بالضرورة أكثر أُصولًا من الذي يُبنى عليه، فلا يحصل التوافق.
وينبغي أن تعلم١٠ أنه لا يجوز أن يدخل البناء إِلَّا فيما يدخله الاشتقاق والتصريف. فإن بنيتَ مِمَّا لا يدخله اشتقاق ولا تصريف، مثلَ أن تبني من الهمزة مثلًَا مثل: سَفرجل أو غير ذلك، فإنَّما ذلك على طريق أنْ، لو جاء، كيف١١ يكون حكمه، لا لأنَّ [٦٩أ] تُلحقه بكلام العرب؛ لأنَّ العرب لا تتصرَّف في مثل الهمزة.
فينبغي أن تُجعل مسائل هذا الباب على قسمين:
قسم يُبنى مِمَّا يجوز التصرُّف فيه.
_________________
(١) ١٠ سقط "العرب رفعته بل لم نسمع" من م. ٢ م: "للأصل". ف: "للأصول". والتصويب من المبدع. ٣ م: فلا يجوز. ٤ العضرفوط: ذكر العظاء. ٥ م: فنقول. ٦ م: أصول. ٧ سقط من م. ٨ سقط حتى قوله: "حرف من الأصل" من م. ٩ م: منهن. ١٠ م: يعلم. ١١ م: أو لو جاء فكيف.
[ ٤٦٥ ]
وقسم يُبنى مِمَّا لا يجوز ذلك فيه.
فالذي يُبنى مِمَّا يجوز التصرُّف فيه لا يخلو من أن يُبنى مِمَّا أُصوله كلُّها صحاح، أو مِمَّا هو معتلُّ اللام خاصَّةً، أو العينِ خاصَّةً، أو الفاءِ خاصَّةًَ، أو العينِ واللامِ، أو الفاءِ واللامِ، أو من مهموز، أو مضعَّف. فأمَّا ما أُصوله كلُّها معتلَّة فلم يجئ منه إِلَّا "واو" خاصَّةً. وما اعتلَّت عينه وفاؤه لم يجئ منه فِعل، بل جاء في أسماء قليلة نحو: وَيل ويَوم وأَوَّل. فلمَّا لم تتصرَّف فيها العرب لذلك لم يحسن لنا أن نبني منها، ونتصرَّفَ فيها. وأمَّا المعتلُّ الفاء واللام فلم يكثر منه إِلَّا ما فاؤه واو ولامه ياء، نحو: وَقَيتُ١. فإذا بُني من٢ مثل هذا شيء جاز، لتصرُّف العرب فيه.
_________________
(١) ١ م: وفيت. ٢ سقط من م.
[ ٤٦٦ ]
مسائل من الصحيح:
فإذا قيل لك: ابنِ من الضَّربِ مثل دِرهَم قلتَ: "ضِرْبَتٌ". فتجعل الأصل في مقابلة الأصل، فإذا فَنِيَت١ أُصولُ الضرب كرَّرتَ اللام. وكذلك إن قيل لك: ابنِ منه مثل: فُلْفُل قلت: "ضُرْبُبٌ". ومثال فِطَحْل٢: "ضِرَبٌّ"٣، فتُدغِم الباء الأُولى في الثانية لسكونها. ولا تُدغِم في شيء٤ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لأنك لو أدغمت لاحتجت إلى تسكين الأوَّل فيتغيَّر البناء عمَّا أُلحق به، وهذا مَقيس٥؛ لأنه قد كثر وجوده في كلامهم.
فإن قيل لك: ابنِ من الضَّرْب مثل جَعْفَر بالياء أو بالواو، قلت: "ضَيْرَبٌ"٦ و"ضَوْرَبٌ". ولا يجوز إلحاق مثل هذا٧ بكلام العرب، لقلَّة مثل صَيرَف وكَوثَر في كلامهم، وإنَّما تَبني من ذلك ما تبنيه لتُرِيَ حكمه كيف كان يكون، لو جاء.
وكذلك لو قيل لك: ابنِ من الضَّرب مثل "سَفَرْجَل" قلت: "ضَرَبَّبٌ"، على نحو ما ذكرت لك. إِلَّا أنَّ هذا لا يجوز إلحاقه بكلام العرب؛ لأنه لم يجئ في كلامهم نظيره، أعني: خماسيًّا لاماته الثلاثة من جنس واحد، وإنَّما بنيتَه لتُبيِّن وجه الصِّيغة٨ فيه.
وينبغي أن تعلم أنه لا يتعذَّر بناء شيء من الصحيح، إِلَّا أن يؤدِّي ذلك إلى وقوع نون [ساكنة] قبل راء أو لام. فإنَّ ذلك لا يجوز، نحو بنائك من الضَّرْبِ أو الجلوس مثل عَنْسَل٩.فإنه يجب أن تَقول: "جَنْلَسٌ" أو "ضَنْرَبٌ". وذلك ليس من١٠ كلامهم. أعني:
_________________
(١) ١ م: قست. ٢ الفطحل: الضخم من الإبل. ٣ م: ضربت. ٤ م: بشيء. ٥ م: مغير. ٦ م ضير. ٧ في م زيادة عدة أسطر، كررها الناسخ سهوًا. ٨ الصيغة: الهيئة التي بني عليها. ٩ العنسل: الناقة القوية السريعة. ١٠ م: في.
[ ٤٦٧ ]
وقوع النون [ساكنة] قبل الراء أو اللام١، في كلمة واحدة. والسبب في أنْ لم يوجد في كلامهم أنَّهُ إذا وجد لم يخلُ من أن يُدغَم أو لا يُدغَم. فالإدغام يُفضي إلى اللَّبس بأن يكون من قَبيل إدغام المِثلين، والفكُّ يُفضي إلى الاستثقال؛ لأنَّ النون كثيرةُ الشَّبه بالراء واللام فيصعب إظهارها٢.
أو٣ يؤدِّي إلى وقوع النون الثالثة الساكنة الزائدة التي بعدها حرفان مدغمةً في نون تليها، أو مقرونةً بحرف حلق من بعدها. والسبب في ذلك أنَّ النون إذا كانت على ما وصفْنا كانت زائدة أبدًا.
والعِلَّة في أن كانت زائدة أنها وقعت موقع حروف العِلَّة الثلاثة الزوائد، نحو واو فَدَوكَس وياء سمَيدَع وألف عُذافِر، وأشبَهَتْها في أنها زائدة كما أنَّ هذه الحروف كذلك، وفيها غُنَّة كما أنَّ هذه الأحرف فيها لِين. والغُنَّة واللِّين فضلُ صوت في الحرف، كما تَقَدَّمَ. ولذلك تُبدل النون ألفًا في نحو: رأيت زيدًا، في الوقف، وياءً وواوًا إذا أُدغمت فيهما٤ نحو: "مَن يُّؤمِن" و"مِن وّالٍ"٥.
فلمَّا كانت من جملة ما أشبهَتِ النونُ به حروفَ العِلَّة الغُنَّة لم يجز أن يقع بعدها حرف حلق؛ لأنها تُبيِّن عند حروف الحلق فتصير من الفم وتذهب الغُنَّة، ولا أن تكون مدغمة في نون بعدها؛ لأنها تُقلب إذ ذاك إلى جنس النون المتحرِّكة التي أُدغمت فيها -والنون المتحرِّكة من الفم- فتذهب الغُنَّة. ولذلك ما جُعلت النون من٦ عَجَنَّس وهَجَنَّع٧ كباء عَدَبَّس٨،ولم تُجعل منهما٩ كنون جَحَنْفَل١٠.
_________________
(١) ١ م: واللام. ٢ م: إظهارهما. ٣ سقط حتى قوله: "جحنفل" من م ومن نسخة أخرى كما جاء في حاشية ف. وعلَّق عليه في الحاشية أبو حيان بنص اخترم بعضه، وفيه أنَّ النص الساقط من النسخة ثابت في طرة الأصل عنده، بخط ابن عصفور مصححًا عليه ومعلمًا كونه من الأصل، وأنَّ ابن مالك علَّق نقودًا، منها لما جاء في الفقرة هنا لابن عصفور. ٤ ف: فيها. ٥ الآية ١١ من سورة الرعد. ٦ قوله: "ما جعلت" ما: زائدة. والعجنس: الجمل الضخم. ٧ الهجنع: الطويل الضخم. ٨ العدبس: الضخم الغليظ. ٩ ف: منها. ١٠ الجحنفل: الغليظ الشفة. وانظر ص١٧٦.
[ ٤٦٨ ]
مسائل من المعتلِّ اللام ١:
إذا قيل لك: ابنِ من الرَّمي مثل٢ "اغدَوْدَنَ" قلت: "ارْمَومَى". فتجعل الأصل في مقابلة الأصل، فتكون الراء في مقابلة الغين، والميم التي تليها في مقابلة الدال، والواو زائدة٣ في مقابلة الواو من "اغدَوْدَنَ"، ثمَّ تُكرّر الميم كما كُرِّرتْ في "اغدَوْدَنَ" الدالُ التي هي في مقابلتها، ثمَّ تأتي بعد ذلك بالياء وتقلبها ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها٤.
وإذا قيل لك: ابنِ من الرَّمي مثل حَمَصِيصة قلت: "رَمَوِيَّةٌ". والأصل "رَمَيِيْيَةٌ"٥، [٦٩ب] فأدغمتَ الياء الثانية في الياء التي بعدها، فصار "رَمَيِيَّة" فاجتمع ثلاث ياءات ما قبل٦ الأُولى متحرِّك، فقُلبت واوًا استثقالًا، كما فعلتَ ذلك في النسب إلى رَحًى حين قلت: رَحَوِيٌّ.
فإذا قيل لك: ابنِ من الرَّمْي مثل٧ عَنكَبُوت قلت: "رَمْيَوْتٌ"٨. تُكرِّر اللام فتقول: "رَمْيَيُوتٌ"، ثمَّ تقلب الياء الثانية ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ثمَّ تحذف الألف لالتقائها ساكنةً مع الواو، وتدع الياء الباقية٩ على فتحها فتصير بمنزلة "مُصطَفَونَ".
فإذا قيل [لك] ١٠: ابنِ من الرَّمْي مثل١١ بُهْلُول قلت: "رُمْيِيٌّ". والأصل "رُمْيُوْيٌ"، فقلبتَ
_________________
(١) ١ الكتاب ٢: ٣٩٢-٣٩٧ وشرح الشافية ٣: ٢٩٧-٣١١. ٢ المنصف ٢: ٢٤٢. ٣ م: الزائدة. ٤ المنصف ٢: ٢٧٢-٢٧٤. ٥ م: رميية. ٦ م: وما قبل. ٧ المنصف ٢: ٢٥٧. ٨ م: رميُوت. ٩ م: الثانية. ١٠ من م. ١١ المنصف ٢: ٢٥٧-٢٧٦.
[ ٤٦٩ ]
الواو ياء لوقوع الياء بعدها وهي ساكنة، وأَبدلتَ الضَّمَّةَ قبلها كسرة لتصحَّ الياء، ثمَّ أدغمتَ الياء في الياء. ولا يُستثقل هنا اجتماع ثلاث ياءات كما استُثقل في مثل حَمَصِيصة من الرَّمْيِ؛ لسكون١ ما قبل الياء الأُولى.
وتقول في٢ "مَفْعُلَة" من الرَّمْي: "مَرْمُوَةٌ" إن بَنيتَها على التأنيث، وإن بنيتَها على التذكير قلتَ: "مَرْمِيَةٌ"٣. وذلك أنَّ الأصل "مَرْمُيَةٌ"٤، فوقعت الياء بعد ضمَّةٍ غيرَ متطرِّفة لأجل التاء، فقُلبت واوًا استثقالًا لها بعد الضَّمَّة، كما قالوا: "لقَضُوَ"٥ فأبدلوا الياء واوًا. هذا إذا اعتَدَدْتَ بالتاء٦. فإن لم تَعتدَّ بها، وجعلت٧ التاء كأنها لحقت البناء بعد كمال المذكَّر٨، قلبتَ الضَّمَّةَ كسرةً؛ لأنَّ الياء إذا وقعت طرفًا وقبلها ضمَّة قلبت الضَّمَّة كسرة، ثمَّ أَلحقتَ بعد ذلك التاء.
وتقول في مثل٩ قَمَحْدُوَة١٠ من الرِّمي: "رَمَيُّوةٌ"، إن بنيتَ الكلمة على التأنيث. وإن بنيتَها على التذكير قلت: "رَمَيِّيَةٌ". وذلك أنَّ الأصل "رَمَيْيُوَةٌ"، فصحَّت الواو كما صحَّت في قَمحدُوة؛ لأنها غيرُ متطرِّفة، وأدغمتَ الياء في الياء. فإن قدَّرتَ التاء١١ لحقتْ بعد استعمال اللفظ بغير تاء، كأنه١٢ قبل لحاق التاء "رمَيُّوٌ"، قلبتَ١٣ الواو ياء لتطرُّفها، والضَّمَّةَ قبلها كسرةً، كما فُعِل ذلك بـ"أَدْلٍ"، ثمَّ أَلحقتَ التاء١٤ بعد ذلك فصار "رَمَيِّيَة". ولا تحذف هنا إحدى الياءات١٥؛ لأنهم إنَّما يفعلون ذلك إذا كانت الأُولى زائدة.
وتقول في مثل١٦ "اطمأنَنْتُ" من رَمَيتُ:١٧ "ارمَيَّيْتُ" و"ارمَيَّا". والأصل "ارمَيَّيَ"١٨،
_________________
(١) ١ م: بسكون. ٢ المنصف ٢: ٢٨٨-٢٨٩. ٣ م: مرميّة. ٤ م: مرميّة. ٥ م: لقضوا. ٦ م: الياء. ٧ سقطت الواو من م. ٨ م: بعد كماله للمذكر. ٩ المنصف ٢: ٢٨٩. ١٠ القمحدوة: فأس الرأس المشرفة على النقرة. ١١ ف: "الهاء". م: الياء. ١٢ م: لغير يا كانه. ١٣ م: فقلبت. ١٤ م: الياء. ١٥ م: الياءين. ١٦ المنصف ٢: ٢٦٣. ١٧ ف رميتا. ١٨ كذا. والأصل: ارمَيْيَيَ.
[ ٤٧٠ ]
فتَقلب المتطرِّفة ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها. ولم تَنقل الحركة من الياء المتوسِّطة إلى الساكن قبلها، ثمَّ تدغم إِحدى الياءين في الأُخرى، فتقولَ "ارمَيَيَّ"، على قياس "اطمأَنَّ"؛ لأنَّ الياء المتوسطة لمَّا سكن ما قبلها لم تُعلَّ١ بنقل حركتها، كما لم تُعلَّ٢ في: ابيَضَّ.
وتقول في مثل٣ "اغدَودنَ" من الغَزْو: "اغزَوْزَيْتُ" و"اغزَوْزَى". والأصل "اغزَوْزَوْتُ"، فقلبتَ الواو ياء كما قلبت في: أَغزَيْتُ وغازَيتُ٤. أعني: حملًا على المضارع في القلب الذي هو "يَغزَوزِي"، كما قُلبت في: أَغزَيْتُ وغازَيْتُ، حملًا على: يُغْزِي ويُغازِي.
وتقول في مثل٥ عَنكبوت من الغزو: "غَزْوَوْتٌ"٦. والأصل "غَزْوَوُوْتٌ"، فقلبتَ الواو المتوسِّطة٧ ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ثمَّ حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع الواو. وكانت المحذوفة الألفَ، ولم تكن واو "فَعْلَلُوت"؛ لأنَّ الواو زيدت مع التاء، فلم يجز أن تُحذف إحداهما وتبقى الأُخرى؛ ألا ترى أنَّ كلَّ زيادتين زيدتا معًا فإنهما تحذفان معًا، في الترخيم والتصغير؟
وتقول في مثل قَرَبُوس مِن الغَزْو٨: "غَزَوِيٌّ". والأصل "غَزَوُوْوٌ"، فاجتمعت٩ ثلاث واوات في الطرف مع الضَّمَّة١٠، فاستُثقل ذلك -بل إذا كانوا يستثقلون الواوين١١ في الطرف في مثل: عَتا عُتِيًّا، فالأحرى أن يستثقلوا الثلاثَ- فقَلبتَ الواو الأخيرة ياء؛ لأنها أَوْلى بالإعلال١٢، ثمَّ قَلبتَ المتوسِّطة ياء لسكونها وبعدَها الياء، وقَلبتَ الضَّمَّة قبلها كسرة لتصحَّ
_________________
(١) ١ ف: لم تَعتلّ. ٢ ف: لم تعتلّ. ٣ المنصف ٢: ٢٣٤. ٤ ف: غازينا. ٥ المنصف ٢: ٢٥٧-٢٥٨. ٦ م: غزوؤت. ٧ في حاشية ف بخط أبي حيان أن ابن مالك علَّق على هذا بقوله: "القياس ألَّا تقلب هذه الواو لسكون ما بعدها كما صحت في النزَوان والغلَيان فتقول: غزوَوُوت. لكن سيبويه شبهها بفعلوا ويفعلون. يعني فعلوا من رمى، تقول: رمَوا. ويفعلون من رضي، تقول: يرضَون. والأصل ". ٨ المنصف ٢: ٢٧٤-٢٧٥. ٩ م: فاجتمع. ١٠ م: مع الضمير. ١١ ف: الواو. ١٢ م: "بالإدغام".وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن ابن مالك علَّق على هذه المسألة بقوله: "بل يجوز قلبُ الأخيرة أوَّلًا ياء أو الأُولى، على ما تَقَدَّمَ من كلام الشيوخ. وقد بيَّناه قبل".
[ ٤٧١ ]
الياء، ثمَّ أدغمتَ الياء في الياء١.
وتقول في مثل٢ بُهْلُول من الغَزْو: "غُزْوِيٌّ". والأصل "غُزْوُوْوٌ"، فاستثقلت الواوات كما استثقلت في المسألة التي قبلها، فقلبتَ المتطرِّفة منها ياء، ثمَّ قلبتَ الواو المتوسِّطة ياء لسكونها وبعدها الياء، وقلبتَ الضَّمَّة قبلها كسرة لتصحَّ الياء، ثمَّ أدغمت الياء في الياء.
وتقول في مثل٣ قَمَحْدُوة من الغَزْو: "غَزَوِّيَةٌ"٤. والأصل "غَزَوْوُوَة"، فاجتمع ثلاث واوات الوسطى مضمومة، فقَلبتَ المتطرِّفة ياء، كما فعلت أيضًا في المسألتين المتقدِّمتين قبلها، ثمَّ قَلبتَ الضَّمَّة التي في الواو التي قبلها كسرةً لتصحَّ الياء، ثمَّ أدغمت الواو الأُولى في [٧٠أ] الواو الثانية.
وتقول في مثل٥ تَرْقُوَة من الغَزْو: "غَزْوِيَةٌ"، سواء بنيتَ على التذكير أو على التأنيث. وأصل هذه المسألة "غَزْوُوَة"، فاجتمع واوان٦ في الطرف وضمَّة، فصار ذلك كثلاث واوات، فقلبتَ المتطرِّفة ياء، والضَّمَّة [قبلها] ٧ كسرة لتصحَّ الياء٨، فصار "غَزْوِيَة". وإنَّما استوى البناءُ على التذكير والتأنيث٩، لوجود الاستثقال في الحالتين.
_________________
(١) ١ وزاد ابن جني في المنصف قولَه: "فصارت غَزَوِيًّا. ثمَّ أبدلت من الواو ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها فصارت في التقدير غزايًّا. وأرادوا كسر ما قبل الياء كما يكسر ما قبل ياء النسب فأبدلوا الألف واوًا فصارت: غزوِيًّا. فالواو التي في غزويّ إنَّما هي بدل من الألف التي كانت في التقدير بدلًا من الواو". ٢ المنصف ٢: ٢٧٦. ٣ المنصف ٢: ٢٩٠. ٤ في المنصف: "غزويّة". والصواب ما أثبتنا. ٥ المنصف ٢: ٢٩٠-٢٩١. ٦ في حاشية ف بخط أبي حيان أن ابن مالك علَّق على هذا بقوله: "قد قال سيبويه في فَعُلان من القوَّة: قَوُوان. فجمع بين واوين وضمَّة. وقد منع ذلك الزَّجَّاج لما ذكر. وقال سيبويه في منع غزوُوة: لأنه ليس في كلامهم قوُوتُ. وبه تعلَّق الزَّجَّاج ". قلت: سيبويه يدغم "فَعُلان" قوَّان. انظر الكتاب ٢: ٣٩٦ و٣٩٤. ٧ من م. ٨ سقط من م. ٩ ف: على التذكير وعلى التأنيث.
[ ٤٧٢ ]
مسائل من المعتلِّ العين:
تقول في مثل١ "افعَوْعَلَ" من البَيع "ابيَيَّعَ". والأصل "ابيَوْيَعَ"، فقَلبتَ الواو المتوسِّطة بين الياءين ياء، لسكونها ووقوع الياء بعدها، وأدغمتَ في الياء.
وإذا بنيتَه للمفعول قلت٢: "ابيُوْيِعَ" على الأصل. وإنَّما لم تُدغِم؛ لأنَّ الواو مدَّة تشبه٣ الألف؛ لأنها في فِعلٍ متصرِّف. فكما لا تُدغِم الألف في الياء التي بعدها [في] ٤ نحو "بايَعَ"، فكذلك ما أَشبهتها٥.
وتقول في مثل٦ "افعَوْعَلَ" من القول: "اقوَوَّلَ". هذا مذهب سيبويه. وأمَّا أبو الحسن فيقول: "اقوَيَّل"؛ لأنه يَستثقل ثلاث واوات. وإلى ذلك ذهب أبو بكر، واحتجَّ بأنهم إذا كانوا يستثقلون الواوين والضَّمَّة في مثل مَصُوغ٧، فلا يكمِّلون البناء إِلَّا فيما شَذَّ، فالأحرى فيما اجتمع فيه ثلاث واوات.
وهذا الذي احتجَّ به لا يلزم؛ لأنَّ مَصُوغًا٨ وأمثاله إنَّما استثقل فيه الواوان والضَّمَّة، لجريانه على الفعل المعتلِّ. وإِلَّا فإنهم يُتِمُّون في مثل "قَوُوْل"٩ في فصيح الكلام؛ لأنه غيرُ جار على معتلٍّ.
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ٢٤٣-٢٤٤. ٢ المنصف ٢: ٢٤٥-٢٤٦. ٣ م: لشبه. ٤ من م. ٥ م: ما أشبهها. ٦ المنصف ٢: ٢٤٣-٢٤٤. ٧ م: "مصوع". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك: "هذا الذي قال أبو في الكلام ممنوع، وهو جائز لو جاء كما في مبيوع ومخيوط. وخطأته في ذلك وفرقت بابهما. فإمَّا نسيتَ ما فات، أو ألهمك الله إلى الصواب". ٨ م: مصوعًا. ٩ ف: قَووُل.
[ ٤٧٣ ]
فإن قيل: فإنكم تقولون في عَرْقُوة من الغزو: "غَزْوِيَةٌ"، كما تَقَدَّمَ١ استثقالًا للواوين والضَّمَّة، مع أنه ليس بجار [على مُعْتلٍّ] . فالجواب أنَّ الطَّرَف يُستثقل فيه ما لا يُستثقل في الوسط؛ لأنه مَحلُّ التغيير؛ ألا ترى أنهم يقلبون مثل عصِيّ، ولا يلزم ذلك في مثل صُوَّم.
فإن قيل: فأين وَجدتم ثلاث واوات مُحتمَلة في كلام العرب؟ فالجواب أنه لا يُعلم من كلامهم ما اجتمع فيه ثلاث واوات حَشوًا، لا مصحَّحًا ولا مُعلًّا٢، فيحملَ هذا عليه، والتصحيح هو الأصل فالتزم هذا، مع أنَّ ما يقرب منه موجود في كلامهم وهو مثل: "قَوُوْل"؛ ألا ترى أنَّ فيه واوين وضمَّة، والضَّمَّة بمنزلة الواو، ولم يُغيَّر شيء من ذلك؟
وأمَّا ما ذهب إليه ابن جنِّي٣ من أنه لقائل أن يفرق بين "غَزْوِيَة" و"اقوَوَّلَ" بأن يقول: قد يُستثقل في الاسم فيُعلُّ٤ ما يصحّ في الفعل، واستدلالُه بصحَّة "يُغْزو" وأمثاله واعتلال "أَدْلٍ" وأمثاله، ففي نهاية الفساد؛ لأنَّ الفعل أثقلُ من الاسم بلا خلاف، وأكثرُ إعلالًا. فكيف يصحُّ فيه ما يعتلُّ في الاسم الذي هو أخفُّ. وأمَّا صحَّةُ "يغزو"٥ وإعلال "أَدلٍ" فلأمرٍ عَرَض٦ قد بُيِّنَ في موضعه.
فالصحيح عندي ما ذهب إليه سيبويه.
فإن بنيته للمفعول قلت٧: "اقوُوْوِلَ"، على القولين جميعًا. فلا تُدغِم ولا تَستثقل اجتماع الواوات؛ لأنَّ الواو المتوسِّطة مدَّة محكوم لها بالألف. فكأنَّه ليس في الكلمة إِلَّا واوان بينهما ألف. وقد حُكي عن الأخفش أنه قلب الأخيرة ياء فقال: "اقوُوْيِلَ"٨. والأوَّل أشهر عنه وهو
_________________
(١) ١ م: وقد تقدم. ٢ ف "ولا معتلًّا". وفي الحاشية بخط أبي حيان أن ابن مالك علَّق على هذه المسألة بقوله: "قد قالوا: احوُوْوِيَ، مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعله من: احواوَى يَحواوِي. والألف من احواوى أصلها واو؛ لأنَّه من الحوّة كاحمارّ من الحمرة. واحواوَيتُ كعادَيتُ من العداوة، قلبت الواو فيهما ياء [والواوان في البناء] على التاء في حكم الحشو، فكان يجب أن يصحَّ. فليرجع لما قاله سيبويه من عدم قَوُوتُ، لما يلزم فيه من يقوُو. وما رُفض في الفعل رُفض فيما يجري على حدِّه. وهذا هو الصحيح. فإن قال: احوُوْوي الثانية مدة منقلبة عن ألف فكأنهما واوان. قيل له: اجعلهما بمنزلة واوين الثانية كتلكم الثانية المبنية على ما بعدها". ٣ المنصف ٢: ٢٩٠-٢٩١. ٤ سقط من م. ٥ م: أغزو. ٦ في حاشية ف بخط أبي حيان أنَّ ابن مالك علَّق على هذا بقوله: "ذلك الأمر المعلوم الذي عرض جعلُ آخر الاسم أضعف من آخر الفعل، وأكثر اعتلالًا. ألا ترى أنه يلحقه من تغيير النسب والتثنية والجمع والإضافة لياء الضمير، ما لا يكون في الفعل؟ فلذلك كان الفعل بجملته أشدُّ اعتلالًا من الاسم، وآخِرُ الاسم على الخصوص أشدُّ اعتلالًَا من آخر الفعل؛ ألا ترى ما يلحقه، في الوقف والنداء من الترخيم وغيره ومن التنوين وحذفه، وغير ذلك ممَّا لا يكون في الفعل"؟ ٧ المنصف ٢: ٢٤٥-٢٤٦. ٨ م: اقوَويل.
[ ٤٧٤ ]
الصحيح١.
وتقول في مثل٢: "فَعْلَلُوت" من البَيع والقَول: "بَيْعَعُوتٌ" و"قَوْلَلُوتٌ". وفي الجمع: "بَياعِعُ" و"قَوالِلُ". وإن عَوَّضتَ قلت: "بَياعِيعُ" و"قَوالِيلُ". ولا تُدغم في شيء من ذلك، لئلَّا يبطل الإلحاق؛ لأنَّ "بَيعَعُوت" و"قَولَلُوت" ملحقان بعَنكبُوت، و"بَياعِعُ" و"قَوالِلُ" ملحقان بعَنَاكِب.
_________________
(١) ١ ف: صحيح. ٢ المنصف ٢: ٢٥٨-٢٥٩.
[ ٤٧٥ ]
مسائل من المعتلِّ الفاء ١:
تقول في مثل: "فُعْلُول" من الوَعْد: "وُعدُودٌ"، وإن شئت "أُعْدُودٌ"، فتهمز الواو لانضمامها.
وتقول في مثل طُومار٢ منه: "أُوْعادٌ". ولا يجوز غير ذلك٣ لاجتماع واوين في أوَّل الكلمة.
وتقول في مثل إِخرِيط٤ من الوعَد: "إِيعِيدٌ". والأصل "إِوعِيدٌ"، فقَلبتَ الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، كما فُعِل ذلك بمِيعاد.
وتقول في مثل بُهلُول من اليُمْن: "يُمنُونٌ"، ولا تَهمِز كما هَمزتَ الواو؛ لأنَّ الضَّمَّة في الواو أثقلُ منها في الياء.
وتقول في مثل "أُفعُول" منه: "أُوْمُونٌ".والأصل "أُيْمُونٌ"، فقَلبتَ الياء واوًا٥ لسكونها وانضمام ما قبلها.
_________________
(١) ١ ألحق بحاشية ف نصّ منقول عن خط المصنف؛ وقد اخترم كثير منه. ٢ الطومار: الصحيفة. ٣ في حاشية ف بخط أبي حيان أن ابن مالك علَّق عليه بقوله: "باطل. يجوز وُوعاد؛ لأنَّ الثانية [مزيدة كالثانية في] العُوُود والقُوُول. وإنَّما يلزم ذلك إذا كانت الثانية أصليَّة كالأولى أو متحرِّكة كأواقٍ".قلت: الأواقي: جمع واقية. ٤ الإخريط: بقلة. ٥ م: الواو ياء.
[ ٤٧٦ ]
مسائل من المعتلِّ العين مع اللام ١:
تقول في "فَيعُول" من "حَيِيتُ"٢: "حَيَوِيٌّ". والأصل "حَيْيُوْيٌ"٣، فقَلبتَ الواو [٧٠ب] ياء لسكونها وبعدَها الياء، ثمَّ قلبتَ الضَّمَّة التي قبلها٤ كسرةً لتصحَّ الياء، ثمَّ أَدغمتَ الياء في الياء، فصار كالنسب إلى حَيَّة، فكُرِه اجتماع أربع ياءات ففُعل به ما فُعل بحَيَّة، ففَتحتَ الياء الأُولى الساكنة، وقَلبتَ الياء التي بعدها ألفًا، ثمَّ قلبتَ الألف واوًا. ومن احتمل أربع ياءات في النسب إلى حَيَّة احتملها هنا فقال: "حَيِّيٌّ".
وتقول في "فَيْعَلٍ" من "حَيِيتُ"٥: "حَيًّا"، والأصل "حَيْيَيٌ"٦، فأدغمتَ الياء الأُولى في الثانية، وقلبتَ الياء المتطرِّفة ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها٧. وكان ينبغي أن يُبنى هذا على "فَيْعِل" بكسر العين؛ لأنه معتلُّ العين، ولم يجئ "فَيْعلٌ" من المعتلِّ العين إِلَّا بالكسر، إِلَّا لفظة واحدة وهي العَيَّنُ، فبنيتَ هذا على قياس العَيَّن٨.
وتقول في٩ "فَيْعِل" المكسور١٠ العين منها: "حَيٌّ". والأصل "حَيِّيٌ"١١، فكرهوا اجتماع ثلاث ياءات في الطرف، الأُولى زائدة، فحذفوا كما قالوا في تصغير أَحوَى: أُحَيٌّ. ومن لم يحذف في "أُحَيّ" إِلَّا في الرفع والخفض وأَثبتَ الياء في النصب فَعَل ذلك هنا، فقال: هذا حَيٍّ١٢ ومَررَرْتُ بِحَيٍّ ورأيتُ حَيِّيًا.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢: ٣٩٣-٣٩٧. ٢ المنصف ٢: ٢٧٩. ٣ م: حييو. ٤ م: تليها. ٥ المنصف ٢: ٢٩٧-٢٨٠. والمصوغ منه هناك هو: حَوِيت. ٦ م: حيي. ٧ أغفل حذف الألف لفظًا لالتقائها بالتنوين. ٨ م: العيْن. ٩ المنصف ٢: ٢٨٠-٢٨١. والمصوغ منه هناك هو: حَوِيت. ١٠ م: المكسورة. ١١ الصواب: حيْيِيٌ. ١٢ ف: حيٌّ.
[ ٤٧٧ ]
وتقول١ في "فَعُلان" من "حَيِيتُ": "حَيُوانٌ٢". والأصل "حَيُيَان"، فتَقلبُ الياء التي هي لام واوًا لانضمام ما قبلها.
فإن قيل: فإنَّ الضَّمَّة لا تُوجب قلب الياء المتحرِّكة واوًا؛ ألا تراهم قالوا: عُيَبَةٌ٣، فأثبتوا الياء؟ فالحواب أنَّ الياء التي هي عين إذا كانت متحرِّكة مضمومًا ما قبلها لا تُقلب لقوَّة العين، أمَّا اللام إذا كانت ياء على هذه الصورة فإنها تُقلب؛ ألَا تراهم قالوا: لَقَضُوَ الرَّجلُ! والأصل "لَقَضُيَ"، فأبدلوا الياء واوًا؟
ومن سكَّن الضَّمَّة تخفيفًا قال: "حَيْوانٌ"، فأبقى الواو ولم يردَّ الكلمة إلى أصلها من الياء.
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ٢٣٨. ٢ علَّق ابن مالك على هذه المسألة مستطردًا إلى ما يليها من مسائل، وأثبتَ أبو حيان تعليقته على طيارة أُلحقت بنسخة ف. وقد نُقلت إلى غير موضعها من النسخة، فأعدناها إلى موضعها هنا على الصواب. وفيها ما يلي: "سيبويه يقول في هذه المسألة: حيَّان بالإدغام. [انظر الكتاب ٢: ٣٩٤] . فهذا الرجل خالفه وأخذ بقول غيره. قال [سيبويه]: وتقول في فَعُلان من قَوِيتُ: قَوَّانٌ. وكذلك فَعُلان من حييت: [حَيّانٌ] . تدغم لأنك تدغم فعُلان من رددت -يريد أنك لا تعتدّ بالألف والنون في ترك الإدغام، فتقولَ: حَيَيان، كما تقول: طلَل، بالفتح. فإن ضممت الياء أدغمت كما تدغم فَعُلًا في القياس. وكذلك فَعِلان بالكسر تقول: حَيّانٌ، كما تدغم صَبًّا وبَرًّا- قال: ومن قال حَيِيَ عن بيِّنة، قال: قَوُوانٌ وحَيُيانٌ. هذا كلام سيبويه. وهذا المؤلف بمعزل عنه. ومن تعليق أبي عليٍّ هنا: فَعُلان من حييت حَيُيان، وقيل حَيُوان. فهذا هو الذي قال هذا المؤلف هنا. [وقال] أبو العباس: قَوُوان غلط، ينبغي أن يكون قَويان بكسر الواو وتقلب الثانية ياء؛ لأنه لا تجتمع واوان في إحداهما ضمَّة والأخرى متحرِّكة. وهذا قول أبي عمر وجميع أهل العلم. ويدلُّ على صحته قول سيبويه بعد في فَعلُوة من غزوت: غَزْوِية. فهذا أبو العباس، ومن رأى من أهل العلم، جعل الألف والنون كالتاء في أحد وجهيها، ولم يبن عليهما، فقياس فَعُلان عندهم من حييت: حَيِيان، بالكسر؛ لأنَّ الياء إذا تطرَّفت وقبلها ضمَّة قلبت الضَّمَّة كسرة، كقولهم: أظبٍ وتسلٍّ وتقضٍّ وترامٍ. وهذا كقول سيبويه في فَعلُوة كترقُوة من غزوت: غَزْوِيةٌ. الأصل غَزْوُوة. وكأنها غزوُوٌ كأدلُو، فتقول: غزوٍ كأدلٍ. فإن اعتبرت التاء قلتَ: غَزْوُوة، في القياس كما قالوا: قلنسوة وعرقوة وقمحدوة. وكذلك قياس الألف والنون فإنهم قد اعتدُّوا بهما، فقالوا: أقحوان وعنظوان وأفعوان. إِلَّا أبا العباس ومن ذكر من شيوخه لا تُجمع عندهم واوان إحداهما مضمومة، وبهذا قال أبو إسحاق، فالتزموا قَوِيان. وكذلك التزم سيبويه غَزْوِية، والوجه غزووة فيمن بنى على التاء. قال سيبويه: ولا تقول: غَزْوُوة؛ لأنك إذا قلت غزووة إنَّما تجعلها كالواو في سَرُوَ [ولغَزُوَ] . فإذا كانت قبلها واو مضمومة لم تثبت كما لا يكون فعُلت مضاعفًا من الواو نحو: قوُوت. [الكتاب ٢: ٣٩٦] . فمن هنا قال من تقدّم قَوِيان، بُنيت على الزيادتين أو لم تُبن. وسيبويه لم يجعلهما كالتاء، ولا يُشبَّه ما ذكروه بغزوِية؛ لأنَّ الأُولى في قووان عين والثانية لام، وهي في غزووة لام والثانية زائدة. وليس تعليل اللام كتعليل العين، وليست الألف والنون كالتاء؛ ألا تراهم صحَّحوا نَزَون وغلَيان، وأعلُّوا قناة وقطاة وشواة الرأس ودواة؟ فهذا فرق بيِّن. وقال سيبويه في فَعُلة من رميت: رَمُوةٌ، إذا بُنيتْ على التاء، ورَمِيةٌ إذا لم تبن، وقال في حَيُيان بالإدغام، ولم يجعله كحيي الذي [لا] يلزم فيه حيّ؛ لأنه لم يجعل الزيادتين كالتاء" اهـ. قلت: والصحيح أنَّ ابن عصفور أخذ بمذهب المازني وابن جني. انظر المنصف ٢: ٢٨٣. ٣ م: عيّية.
[ ٤٧٨ ]
ولم يُدغِم١؛ لأنَّ التخفيف عارض والأصل الحركة.
وتقول في٢ "فَعِلان" من "حَيِيتُ": "حَيِيانٌ". ولم تُدغِم؛ لأنه لا يخلو أن تَعتدَّ بالألف والنون أو لا تَعتدَّ. فإن اعتددتَ٣ لم تُدغِم لخروج البناء بهما٤ عن شَبه الفعل. وإن لم تعتدَّ لم تُدغِم أيضًا، كما كان لا يُدغَم لو ذَهبتِ الألف والنون٥.
وزعم ابن جنِّي٦ أنَّ الإدغام هو الوجه، قياسًا على "فَعِلان" من "رَدَدْتُ". ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ "رَدَّان" إذا لم يُعتدَّ فيه بالألف والنون جاز الإدغام بخلاف٧ "حَيِيان"، فبُنِي الإدغام على ترك الاعتداد.
فإن سَكَّنتَ تخفيفًا أَدغمتَ فقلت: "حَيَّان". وذلك أنَّ المِثلين إذا التقيا، وكان الأوَّلُ منهما ساكنًا، لزم إدغام الأوَّل في الثاني، كانت الكلمة على وزن الفعل أو لم تكن، وكان المثالان حرفي عِلَّة٨ أو لم يكونا.
وتقول في "فَيعِلان" منه٩: "حَيَّانٌ. والأصل "حَيْيِيانٌ"، فحذفتَ المتطرِّفة لاستثقال ثلاث ياءات في الطرف؛ لأنَّ الألف والنون لا يُعتدُّ بهما١٠، كما لا يُعتدُّ بتاء التأنيث. فكما أنك لو بنيتَ مثل "فَيْعِلة" من "حَيِيتُ" لقلت: "حَيَّةٌ"، فتحذف فكذلك هذا.
_________________
(١) ١ ف: ولم تدغم. ٢ المنصف ٢: ٢٨٧. ٣ م: اعتد. ٤ ف: بها. ٥ في حاشية ف بخط أبي حيان أن ابن مالك علَّق عليه بقوله: "هذا عجب. رجلٌ حَي، يجوز فيه الإدغام فتقول: حيّ. وكذلك عي وعيٌّ. وهو بمنزلة حَيِيَ الرجل فهو حيّ، وقد ذكره قبل. وذكر في أحيّة وأعيّة وأحيّاء الإدغامَ والإظهارَ، والتاء والهمزة للتأنيث يبعدان عن شبه الفعل. ولم يذكر سيبويه إِلَّا الإدغام أوَّلًا كما حكيت عنه قال: ومن قال حيي قال: قَوُوان وحَيِيان". ٦ المنصف ٢: ٢٨٧. ٧ في حاشية في بخط أبي حيان أنَّ ابن مالك علَّق عليه بقوله: "خطأ. يجب فيه الإدغام؛ لأنَّ فعِلًا من المضاعف لا يجوز فيه إِلَّا الإدغام في الفعل والاسم. [وقوله]: بخلاف حييان، قول طريف. حييان هو الذي يجوز فيه الإدغام ولا يلزم. وهذه المسألة من أوَّلها إلى آخرها لا يَفهم منها شيئًا إن شاء الله. وقول ابن جنِّي ضعيف لا بما ذكره. لكن فعِل بكسر العين في المضاعف من غير الياء يدغم، وفي الياء يجوز الوجهان. وذكر سيبويه أنَّ الإظهار أكثر في كلامهم". ٨ كذا. وانظر ص٢٩١ و٣٠٨-٣٠٩. ٩ المنصف ٢: ٢٨٣-٢٨٤. والمصوغ منه هناك هو: حويت. ١٠ في حاشية ف بخط أبي حيان أنَّ ابن مالك علَّق عليه بما يلي: "قد يعتدّ بكلِّ واحدةٍ منهما. وقد قالوا: طيلِسان، بكسر اللام، وليس في الصحيح فيعِل بكسر العين. ولذلك لا يجوز ترخيمه في لغة من يقول يا حارُ. وقد قالوا: ترجُمان وضيمُران. وصحَّ عُنفوان وأفعوان ".
[ ٤٧٩ ]
وتقول في ١ "فَيْعَل" من "القُوَّة": "قَيًّا". والأصل "قَيْوَوٌ"، فقلبتَ الواو ياء لسكون الياء قبلها، وأدغمتَ الياء في الياء، وقلبت الواو المتطرِّفة ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها٢. وبنيتَ "فَيْعَل" من المعتلِّ العين على حدِّ العَيَّن، وإن كان ذلك قبيحًا.
وتقول في٣ "فَيعِلٍ"٤ منها: "قَيٌّ". والأصل "قَيْوِوٌ"، فقلبتَ الواو الأُولى ياء لسكون الياء قبلها، وأدغمتَ الياء في الياء، وقلبتَ الواو المتطرِّفة ياء لانكسار ما قبلها، فاجتمع ثلاث ياءات فحَذفتَ المتطرِّفة استثقالًا. ومن لم يحذف في تصغير أَحوَى إِلَّا في حال الرفع والخفض خاصَّةً فكذلك هنا.
وتقول في٥ "فَعُلان" منها: "قَوُوانٌ". وإن شئت أسكنتَ الواو الأولى٦ تخفيفًا وأدغمت، فقلت: "قَوَّانٌ". هذا مذهب سيبويه.
وقال أبو العبَّاس: يَنبغي لمن لا يدغم أن يقول "قَوِيَانٌ"،فيقلب الواو الثانية ياء، والضَّمَّة التي قبلها كسرةً، لئلَّا تجتمع واوان في إحداهما ضمَّةٌ والأُخرى متحرِّكة. قال: وهذا قول أبي عُمَر٧ وجميعِ أهل العلم.
وقال أبو الفتح: الوجه عندي إدغامه، ليسلم٨ من ظهور الواوين مضمومة إحداهما؛ لأنه إذا قال: "قَوِيَانٌ"٩ التبس بـ"فَعِلان". فمن هنا قوي الإدغام. ثمَّ اعترض نفسه بأن قال: فإن قيل: إذا أُدغم لم يُعلم: أ "فَعُلان" هو أم "فَعِلان" مكسور العين؟ قيل: هذا محال١٠؛ لأنك لو أردتَ بناء "فَعِلان" لقلبتَ الواو الأخيرة ياء١١ لانكسار ما قبلها، فيختلف الحرفان، [٧١أ] فتقول:
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ٢٧٩-٢٨٠. ٢ أغفل حذف الألف لفظًا لالتقائها بالتنوين. ٣ المنصف ٢: ٢٨٠-٢٨١. ٤ م: فيعَل. ٥ المنصف ٢: ٢٨١-٢٨٢. ٦ ف: "وإن شئت أسكنت العين". وفي الحاشية بخط أبي حيان: "الواو" عن إحدى النسخ، دون إثبات "الأولى". وفيها أيضًا بخطه: "قال ابن مالك: لو بني مثل سَبُعان من القوة [كان قَوُوان] . ومذهب المبرد معاملتها مع الألف والنون معاملتها مع هاء التأنيث، فتثبتُ الأولى وتقلب الثانية ياء، فتقول: قَوِيانٌ، بلا إدغام؛ لأنهما في مثال كان في مثال يوجد في الأفعال؛ لأنَّ قَوُوان كظرُف. واختيار سيبويه ترك التغيير وترك الإعلال؛ لأنهما غير زائدتين فأوجبنا التصحيح هنا وما أوجبناه في الفعل. وذلك لأنَّ المثال قرَّبهما من الفعل. وإنَّما يعل ويدغم ما أشبه الفعل لا ما خالفه". وانظر الكتاب ٢: ٣٩٤. ٧ في حاشية ف: هو الجرمي. ٨ م: لتسلم. ٩ م: قويّان. ١٠ م: "الحال". وقد قومها أحدهم بقلم مخالف. ١١ المنصف: لقلبت اللام.
[ ٤٨٠ ]
"قَوِيَان"، فلا تُدغِم١.
والصحيح ما ذهب إليه سيبويه. أمَّا ما ذهب إليه ابن جنِّي، من أنَّ قلب الضَّمَّة كسرةً، والواو ياء، يؤدِّي إلى الإلباس فالإلباس غير محفول به؛ ألا ترى أنَّ كلامهم يجيء فيه البناء المُحتمِل لوزنين كثيرًا، كمُختار فإنه متردِّد بينَ "مُفتَعِل" و"مُفتَعَل"، وكدِيك على مذهبنا فإنه متردِّد بين "فِعْل" و"فُعْل"، إلى غير ذلك ممَّا لا يحصى كثرة؟ ٢ وأيضًا فإنه إذا أُدغم لم يُدرَ: هل البناء "فعُلانٌ" في الأصل، أو "فَعْلانٌ" بسكون العين؟
وأمَّا ما ذهب إليه أبو العبَّاس من أنَّ اجتماع واوين، الأُولى منهما مضمومة والثانية متحرِّكة، لا يجوز لثقله، فباطل؛ لأنه قد وُجد في كلامهم نظيره؛ ألا ترى أنك إذا نسبتَ إلى صُوًى٣ بعد التسمية به قلتَ: صُوَوِيٌّ؟ لا خلاف في ذلك، مع أنه قد اجتمع لك واوان الثانية متحرِّكة وقبل الأُولى ضمَّة، والحركةُ بعد الحرف في التقدير فكأنها في الواو٤، فكذلك "قَوُوانٌ".
فهذا الذي ذهب إليه سيبويه هو الصحيح؛ لأنَّ مثل "قَوُوان" لم يجئ في كلامهم مصحَّحًا ولا معلَّلًا. فإذا بنيته فالقياس أن تحمله على أشبه الأشياء به، وأشبه الأشياء به صُوَوِيٌّ٥.
وتقول في٦ "فَعَلانٍ" منها: "قَوَوانٌ". صحَّت العين كما صحَّت في جَوَلان، وصحَّت اللام كما صحَّت في نَزَوان.
وتقول في٧ "مَفعُول" منها: مكانٌ مَقْوِيٌّ فيه٨. والأصل "مَقْوُوْوٌ"٩، فقلبتَ الواو المتطرِّفة ياء، لاستثقال اجتماع ثلاث واوات وضمَّة في الطرف، ثمَّ قلبتَ الواو التي قبلها ياء لسكونها وبعدَها الياء، وقلبتَ الضَّمَّة قبلها كسرة لتصحَّ الياء، ثمَّ أدغمت الياء في الياء. ومن قال: مَغْزُوٌّ، ولم يَقلب لم يُجز هنا إِلَّا القلب١٠؛ لأنه أثقل١١.
_________________
(١) ١ المنصف: لانكسار ما قبلها، فقلت: قويان، ولم تدغم لاختلاف الحرفين. ٢ سقط من م. ٣ الصوى: جمع صوّة. م: صوّي. ٤ في حاشية ف بخط أبي حيان أنَّ ابن مالك علَّق على هذا بما يلي: "كثير بين قولك كأنها في الواو وقوله الأُولى منهما مضمومة؛ ألا ترى أنك لا تقول الواو مضمومة، ولا تهمزها كما تهمز أنور، ولا تصح الياء بعدها في مُوسر كما تصح في بَيُوع وبَيوض. ومن الدليل على قول أبي العباس أنَّ الواوين متى أدَّى قياس إلى اجتماعهما متحرِّكين [قلبت الأُولى همزة] ولم تثبت أصلًا نحو أولى". كذا. والصواب. أُوَل جمع أُولى. ٥ ف: طووي. ٦ المنصف ٢: ٢٨٢. ٧ المنصف ٢: ٢٧٧. ٨ ف: منها مقوي. ٩ في النسختين: مقووّ. ١٠ في حاشية ف: قلب الواو ياء. ١١ يريد: لأنَّ "مقووو" أثقل من "مغزوو" فيه ثلاث واوات. انظر المنصف٢: ٢٧٧.
[ ٤٨١ ]
وتقول في١ "فُعْلُول" من "طَوَيتُ": "طُوَوِيٌّ". والأصل "طُوْيُوْيٌ"، فقُلبت الواوان٢ ياءين لسكونهما وبعدهما الياء، وقُلبت الضَّمَّةُ التي كانت قبل الواو الأخيرة كسرةً لتصحَّ الياء، ولم تُقلب الضَّمَّةُ التي قبل الأُولى، لبُعدها عن الطَّرف؛ ألا ترى أنهم يقولون: عُصِيٌّ، فيقلبون ضمَّة الصاد كسرة؛ لأنها عين فهي تلي اللام فقربت بذلك من الطرف، ويقولون: لُيٌّ، في جمع أَلوَى، فلا يقلبون الضَّمَّة التي في اللام كسرةً؛ لأنها في فاء الكلمة فبعدت من٣ الطرف؟ ثمَّ أُدغمت الياء في الياء فصار "طُيِّيّ"٤ فاجتمع أربع ياءات، ففُعل به ما فُعل بـ"أُمَيِّيّ" حتى قلتَ "أُمَوِيٌّ"، من تحريك٥ الياء الساكنة الأُولى. فلمَّا٦ حُرِّكت عادت إلى أصلها وهو الواو؛ لأنها إنَّما كانت قُلبت لأجل الإدغام. فلمَّا زال الإدغام رجعت، وقُلبت الياء التي بعدها ألفًا، ثمَّ قُلبت واوًا على قياس النسب.
_________________
(١) ١ المنصف ٢: ٢٧٧-٢٧٨. ٢ م: الواوين. ٣ م: عن. ٤ في حاشية ف بخط أبي حيان أنَّ ابن مالك علَّق عليه بما يلي: "عجب من هذا الكلام. قد قال سيبويه في فُعلول من طويت: طِيِّيّ وكسرت الطاء كما كسرت تاء عُتِيّ، وصاد عُصِيّ، كراهية الضمِّ مع الياء. ثمَّ قال: وقد ضمَّ بعض العرب الأولَ. وذلك: قرنٌ ألوَى وقرونٌ لُيٌّ. ثمَّ قال: ومثل ذلك: رُيَّا ورُيَّة. حيث قلب الواو المبدلة من الهمزة. وقد قال بعضهم: رِيَّا ورِيَّة، بالكسر كما قالوا: لِيٌّ، بالكسر". انظر الكتاب ٢: ٣٩٣. ٥ ف: تحرّك. ٦ م: لما.
[ ٤٨٢ ]
مسائل من المعتلِّ الفاء بالواو واللام بالياء:
تقول في مثل: "فُعْلُول" من "وَقَيتُ": "وُقْيِيٌّ"، و"أُقْيِيٌّ" إن شئت. وذلك أنَّ الأصل "وُقْيُوْيٌ"، فقلبتَ الواو ياء لسكونها والياءُ بعدها، ثمَّ قلبتَ الضَّمَّة التي قبلها كسرة لتصحَّ الياء، ثمَّ أدغمتَ الياء في الياء فصار "وُقْيِيٌّ". فجاءت الواو المضمومة في أوَّل الكلمة، فكنت في همزها بالخيار.
وتقول في مثل إِخرِيط من "وَقَيتُ": "إِيْقِيٌّ". والأصل "إِوْقِيْيٌ"، فأدغمتَ الياء في الياء، وقلبتَ الواو الأُولى١ ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
وتقول في مثل طُومار من "وَقَيتُ": "أُوْقاءٌ". والأصل "وُوْقايٌ"، فقلبتَ الواو الأُولى همزة على اللزوم٢، لاجتماعها مع واو "فُوعال" في أوَّل الكلمة، وقلبتَ الياء همزة٣ لوقوعها متطرِّفة بعد ألف زائدة.
_________________
(١) ١ كذا. ٢ كذا. وإبدال هذه الواو همزة جائز غير لازم؛ لأنَّ الواو التي بعدها حرف مدٍّ زائد. ٣ الياء تقلب ألفًا ثمَّ تبدل الألف همزة. وهذا مذهبه.
[ ٤٨٣ ]
مسائل من المعتلِّ الفاء بالياء والعين بالواو ١:
لو بنيت من اليوم "أُفْعِلَ"٢ لقلتَ: "أُيِّمَ". والأصل "أُيْوِمَ"، قلبتَ الواو ياء فأدغمتَ الياء في الياء. هذا قول النحويِّين أجمعين، إِلَّا الخليلَ فإنه يقول: "أُوْوِمَ" كـ"سُوْيِرَ"؛ لأنَّ حرف المدِّ ٣ جرى عنده وإن كان منقلبًا عن أصل مجرى حرف المدِّ الزائد ٤.
_________________
(١) ١ سقط هذا العنوان مع ما بسط تحته من النسختين، وألحقه أبو حيان بحاشية ف مخرومًا كثير منه. وهو في المبدع ملخَّصًا. وإسقاطه أَولى لما جاء في ص٤٦٦. وانظر المقتضب ١: ١٧٨ والخصائص ٣: ١٦ والمنصف ٢: ٣٥. ٢ جعل أبو حيان المثال: "أفعَل". ووهم في البناء منه. ٣ كلمات مخرومة لم أتبينها. ٤ بقية النص مخرومة.
[ ٤٨٤ ]
مسائل من المهموز:
لو بَنيتَ من١ "قَرأَ" مثل: "دَحرَجتُ" لقلت: "قَرْأَيتُ". والأصل "قَرأَأْتُ"، فلزم الثانيةَ البدلُ٢ لئلَّا تجتمع همزتان في كلمة. وكانت الثانية أحقَّ بالتغيير؛ لأنها طَرَفٌ.
وتقول في مثل٣ قِمَطْرٍ من "قَرأتُ": "قِرَأْيٌ". والأصل "قِرَأْأٌ"، فأبدلتَ الثانية ياء -فإن قيل: هلَّا أدغَمتَ فقلتَ: "قِرَأٌّ"، ورفعتَ لسانك بالهمزتين رفعة واحدة، كما فعلت العرب في سأّال ورأّاس. فالجواب أنَّ الهمزتين ثقيلتان٤، فمهما أدَّى قياسٌ إلى اجتماعهما في كلمة واحدة فلا بُدَّ من إبدال إحداهما؛ إلا أن يمنع من ذلك مانع، إذ قد كانوا يستثقلونها وحدها، فلمَّا لم يكن مانع من إبدال إحدى٥ الهمزتين ياء أُبدلت. وكذلك كان قياس سأّال ورأّاس، لولا ما منع من إبدالها. [وهو] كونُ عينيِ الكلمة لا يختلفان أبدًا نحو: ضَرَّبَ وقَتَّلَ، واللامان قد يكونان مختلفين نحو: هِدَمْلَة٦ وسِبَطْر- وكان إبدال الأخيرة أَولى؛ لأنها متطرِّفة كما تَقَدَّمَ.
وتقول٧ في مثل "مِفعَل" من "وألتُ": مِيئلٌ. فتقلب الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. فإن خفّفَت الهمزة قلتَ: مِوَلٌ. فتردّها واوًا لمَّا تحرَّكت. هذا قول جميع النحويِّينَ، إِلَّا [الخليلَ] فإنه [يجعل الهمزة بينَ بينَ٨؛ لأن مذهبه أنَّ حرف المدِّ] واللِّين إذا كان منقلبًا جرى، وإن كان
_________________
(١) ١ سقط من م. وانظر المنصف ٢: ٢٥١-٢٥٢. ٢ في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك تعليق اخترم أكثره. ٣ المنصف ٢: ٢٥٢-٢٥٤. ٤ ف: ثقيلتين. ٥ سقط من. ٦ الهدملة: الرملة المستوية. م: هذملة. ٧ سقطت الفقرة من النسختين، وألحقها أبو حيان بحاشية ف عن خط ابن عصفور، قبالة "مسائل من المعتلِّ الفاء"، فأثبتناها هنا؛ لأنها من المهموز. وانظر المقتضب ١: ١٧٨ والمنصف ٢: ٣٨-٤٠. ٨ يعني أن يكون لفظها بين الهمزة وحرف العِلَّة الذي من جنسِ حركتها.
[ ٤٨٥ ]
منقلبًا عن أصل، مجرى حرف المدِّ واللِّين الزائد. [فيرى] تليين الهمزة [بعد الياء] وجعلها بينَ بينَ ويقول في تخفيف مُوئس١ بجعل الهمزة بينَ بينَ. والنحويُّون أجمعون يقولون: مُيِسٌ. فيطرحون حركة الهمزة على حرف الواو، ويردُّونه لمَّا تحرَّك إلى أصله. وهو الياء.
وتقول٢ في مثل [٧١ب] "اغدَودَنَ" من "وَأَيتُ": "ايْئَوءَى". والأصل "اوْءَوْءَيَ"، فقلبتَ الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. فإن خفَّفتَ الهمزة الثانية قلتَ: "ايْئَوَى". ألقيتَ حركتها على٣ الساكن قبلها وحذفتَ الهمزة. وإن خفَّفت الأُولى وتركتَ الثانية قلتَ: "أَوْءَى". أَلقيتَ حركة الهمزة التي في العين على الفاء، وكانت واوًا في الأصل، فرجعت إلى أصلها، وحذفتَ ألف الوصل لَمَّا تحرَّك ما بعدها. فلمَّا رجعت واوًا، وبعدها الواو الزائدة، لزم همز٤ الأُولى لئلَّا تجتمع واوان في أوَّل الكلمة. فإن خَفَّفتهما جميعًا قلت: "أَوَى"؛ لأنه لَمَّا صار بتخفيف٥ الأُولى "أَوْءَى" أَلقيتَ حركة الهمزة الثانية على الواو قبلها وحذفتَها.
وقد أجاز أبو عليٍّ٦، إذا سَهَّلتَ الهمزة الأُولى وأَبقيتَ الثانية، أن تقول: "وَوْءَى"، وإذا سَهَّلتهما معًا أن تقول: "وَوَى"، ولا تَقلب الواو همزة؛ لأنَّ نِيَّة الهمز [فاصلة] بين الواوين٧. فجُعل ترك الهمز هنا نظيرَ تصحيح الواو في رُوْيا وأمثالها فلم تُقلب، وإن كانت ساكنة وبعدها الياء.
وتقول فيها٨ من "أَوَيتُ"٩: "ايوَوَّى". والأصل "ائْوَوْوَيَ"، فقلبتَ الهمزة الثانية ياء لانكسار ١٠ ما قبلها، وأدغمتَ الواو الساكنة في الواو المتحرِّكة، وقلبتَ الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها. ولم تُدغِم الياءَ في الواو؛ لأنَّ همزة الوصل إذا زالت رجعت الياء إلى أصلها من الهمز نحو: قام فائْوَوَّى١١، فصارت نيَّة الهمزة مانعةً من القلب. ومن رأى التغيير في "اقوَوَّل".
_________________
(١) ١ موئس: مُفْعِل من اليأس. ٢ المنصف ٢: ٢٤٦-٢٤٩. ٣ م: على الواو. ٤ في حاشية ف بخط أبي حيان أنَّ ابن مالك علَّق على هذا بقوله: "هذا مما تَقَدَّمَ". يشير إلى تعليقته التي كانت على مستهل مسائل الهموز، وقد أشرنا إليها ولم نستطع إثباتها؛ لأنها مخرومة. وعلَّق هنا أيضًا بما يلي: "هذا فيه خلاف ". ٥ ف: تخفيف. ٦ المنصف ٢: ٢٤٨. ٧ ف: "لأنَّ نية الهمزتين الواوان". م: "لأنَّ نية الهمزتين الواوين". والتصويب من المنصف. ٨ ف: فيهما. ٩ المنصف ٢: ٢٤٩-٢٥٠. ١٠ م: بانكسار. ١١ ف: نحو أووّى.
[ ٤٨٦ ]
رآه هنا فقال: "ايْوَيّا".
وتقول في مثل إِوَزَّة من "وَأَيتُ": "إِيْئاةٌ"؛ لأنَّ إِزَوَّة: "إِفْعَلَةٌ"١ بدليل قولهم: وَزٌّ. والأصل "إِوْءَيَةٌ"، فقلبتَ الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وقلبتَ الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها٢.
وتقول في مثل٣ إِجْرِد٤ من "وَأَيتُ": "إِيْءٍ". والأصل "إِوْئِيٌ"، ثمَّ٥ أبدلتَ الواو لسكونها وانكسار ما قبلها٦.
_________________
(١) ١ كذا. وأجاز في ص٧٤ أن يكون إوزّ على فِعَلّ والهمزة فيه أصليَّة. ٢ في حاشية ف بخط أبي حيان أنَّ ابن مالك علَّق على هذا بقوله: "ينقصه: فإن سهلت الهمزة قلت إيَاة وإواة على القولين؛ لأنه إذا صار إيئاة نقلت حركة الهمزة إلى الياء إن شئت". وانظر المنصف٢: ٢٧١ وشرح الشافية ٣: ٢٩٩ وابن عصفور والتصريف ص٢٨١-٢٨٢. ٣ المنصف ٢: ٢٩٧. وفي الأسطر ١٣ -١٥ من المطبوعة منه إقحام يخالف ما قبله. ٤ الإجرد: بقل له حب. ٥ م: يم. ٦ أغفل تسكين الياء وحذفها لالتقاء الساكنين: الياء والتنوين.
[ ٤٨٧ ]
مسائل من المضعَّف ١:
تقول في مثل "اغدَودَنَ" من "رَدَدتُ": "ارْدَوَدَّ". والأصل "ارْدَوْدَدَ"، فنقلتَ حركة الدال الأُولى٢ إلى الساكن قبلها وأدغمت. ولم يمتنع الإدغام؛ لأنه ليس بملحق؛ ليس في كلامهم مثل: "احْرَوْجَمَ"، فيكونَ هذا ملحقًا به.
وتقول فيه من "وَدِدْتُ": "ايْدَوَدَّ". والأصل "اوِدَوْدَدَ"، فقلبتَ الواو الأُولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثمَّ فعلتَ٣ به ما فعلتَ بـ"ارْدَوَدَّ".
وتقول في مضارع "ايدَوَدَّ": "يَوْدَوِدُّ"، فتردُّ الواو لزوال الكسرة قبلها.
وتقول في المصدر: "ايْدِيدادًا"، فتَقلبُ الواو الأُولى ياء لانكسار الهمزة قبلها، وتَقلبُ الواو "افعَوْعَلَ"٤ ياءً لانكسار الدال قبلها.
_________________
(١) ١ الكتاب ٢: ٤٠٢-٤٠٤. والمنصف ٢: ٢٩٦-٢٧٠. ٢ يعني الأولى من الأخيرتين. ٣ ف: وتفعل. ٤ ف: وتقلب الثانية.
[ ٤٨٨ ]
ذكر المسائل المبنية مما لا يجوز التصرُّف فيه:
تقول في مثل١ أُترُجَّة٢، إذا بنيتَه من الهمزة٣: "أُوْءُوْءَةٌ"٤. والأصل "أُؤْأُؤْأَةٌ"، فاجتمعت خمس هَمَزات، فقَلبتَ الثانية واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، فحجزتْ بين الأُولى والثالثة٥، وقَلبتَ الرابعة أيضًا واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها، فحجزتْ بين الثالثة والخامسة. فإن خفَّفتَ الهمزة الثالثة٦ قلتَ "أُوُوْءَةٌ"، ألقيتَ حركتها على الساكن قبلها وحذفتها٧.
فإن قيل: فهلَّا أَبدلت الهمزتين واوين، وأَدغمت الواوين اللتين قبلهما فيهما كما تقول في مَقْرُوءَة: مَقْرُوَّةٌ، فكنتَ تقول فيها: "أُوُّوَّةٌ". فالجواب أنَّ الواو في مَقْروءة إنَّما زيدت للمدِّ، وليست منقلبة عن٨ حرف أصليٍّ ولا غير أصليٍّ، فلا يمكن تحريكها لئلَّا تخرج من المدِّ الذي جيء بها من أجله، والواوان في "أُوْءُوْءَة" لم تزادا٩ للمدِّ، بل هما بدل من حرفين أصليَّين وهما الهمزتان، فاحتملتا الحركة لذلك ولم تجريا مَجرى ما زِيد للمدِّ، كما تحرَّكت الواو١٠ في: هذا أَوَمُّ منك، ولم تقل: هذا آمُّ منك١١، فتُجرَى مُجرى ألف "فاعَلَ"، بل حَملتِ الحركة؛ لأنها بدل من حرف أصليٍّ.
_________________
(١) ١ المنصف ٣: ١٠٦-١٠٩. ٢ الأترجة: ثمرة شجر معروف. ٣ م: الهمز. ٤ م: أوءودة. ٥ في النسختين: والثانية. ٦ في م ومطبوعة المنصف: الثانية. ٧ زاد في المنصف: وجهٌ بتخفيف الهمزة الخامسة. وذكر في المطبوعة أنها الثالثة. ٨ المنصف: من. ٩ م: لم يزادا. ١٠ في النسختين: "الألف". المنصف: الفاء. ١١ ف: في أومّ ولم يقل: هذا آم.
[ ٤٨٩ ]
وتقول في مثل مُحْمَرّ١ من الواو: "مُوَّوٍ"٢. وأصله "مُوْوَوِوٌ"، فأدغمتَ الواو الأُولى في الثانية، وقلبت الرابعة ياء لتطرُّفها وانكسار ما قبلها فصار "مُوَّوِيًا"٣.
فإن قال قائل: فهلَّا قلبتَ الواو الثالثة ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها. فالجواب أنَّ الذي منع من ذلك ما تَقَدَّمَ ذكره في التصريف، من أنَّ حرفَ العِلَّة إذا كان لامًَا ثمَّ ضُعِّف فإنَّ اللام الأُولى تجري مَجرى العين، والثانية مَجرى اللام. فكما أنَّ العين إذا كانت معتلَّة، [٧٢أ] واللامُ كذلك، جرت العين مَجرى الحرف الصحيح فلم تعتلَّ٤ فكذلك اللام الأُولى. ومن كره اجتماع ثلاث واوات أبدل الواو الثالثة٥ ياءً؛ لأنها أقرب إلى الطرف، فسَهُل تغييرها لذلك أكثرَ من تغيير غيرها، فيقول: "مُوَّيٍ"٦.ولا تُقلب الياء أيضًا ألفًا، لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، للعِلَّة التي تَقَدَّمَ ذكرها في الواو.
وتقول في مثل٧ جالَينُوس من أَيُّوب: "آوَيْبُوب". فأظهرت العين؛ لأنها في القياس واو؛ لأنَّ أيُّوب إذا٨ حُمِل على كلام العرب أشبه العَيُّوق فمثاله على هذا "فَيْعُول"، وهمزته٩ أصل من: آبَ يَؤوبُ. فلذلك لَمَّا بنيتَ منه مثل: جالينُوس أَظهرتَ الواو، لزوال موجب قلبها ياء١٠. وهو إدغام ياء "فَيعُول" الساكنة فيها.
قال أبو عليٍّ١١: ويجوز أن تكون العين ياء ساكنة كأنه من "أَيْب"، وإن لم تكن في كلام العرب كلمة من همزة وياء وباء؛ لأنه لا يُنكَر أن تأتي في كلام العجم لفظة١٢، ليس مثلها في اللغة العربيَّة. فإذا بنيتَ مثل: جالَينوس، على هذا، قلت: "آيَيْبُوب"١٣.
_________________
(١) ١ م: محمد. ٢ ف: "موّوّ". م: موّر. ٣ م: موَوّيًا. ٤ في النسختين: فلم يعتلّ. ٥ ف: الثانية. ٦ ف: "موّيٌ". وصوبت في الحاشية كما أثبتنا. ٧ المنصف ٣: ١٤٤. م: مثال. ٨ م: إذ. ٩ م: وهمزة. ١٠ م: واوًا. ١١ المنصف ٣: ١٤٤. ١٢ م: لفظ. ١٣ م: "آييوب". وفي حاشية ف عن نسخة أُخرى: "آييّوب" وعلَّق ابن مالك على ابن عصفور في حاشية ف بقوله: "كما ذكر الهمزة والواو كان ينبغي أن يذكر الياء والألف ويُكثر من الأمثلة كما فعل غيره لكنه ".
[ ٤٩٠ ]
فهذه جملة من المسائل يتدرَّب بها المتعلِّم١، وله فيها غُنيةٌ وكفاية.
كمل كتاب التصريف، والحمد لله حقَّ حمده،
وصلَّى الله على محمَّد نبيِّه وعبده،
وعلى عباده الذين اصطفى٢.
_________________
(١) ١ ف: المتكلم. ٢ م: "كمل، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله. وكان الفراغ منه يوم الخميس الخامس عشر لشهر شوال من عام خمسة وثلاثين وسبعمائة". وعلَّق أبو حيان في حاشية ف ما يلي: "قابلتُ جميع هذا الكتاب مع شيخنا الإمام اللغويِّ الحافظ حجَّة العرب أوحد العصر رضيِّ الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاريِّ الأندلسيِّ، الشاطبيِّ. قاله كاتبه أبو حيَّان محمد بن يوسف بن عليٍّ بن حيَّان النفزيُّ الأندلسيُّ الجيَّانيُّ نزيل القاهرة".
[ ٤٩١ ]